← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

أبوه يا محمدُ؟ فصمَت رسولُ اللهِ ﷺ عنهما فلم يُجِبْهما، فأنزل اللهُ في ذلك من قولِهم، واختلافِ أمرِهم كلِّه، صدرَ سورةِ "آلِ عمرانَ" إلى بضْعٍ وثمانين آيةً منها، فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. فافتتح السورةَ بتَبْرِئتِه (١) نفسَه ﵎ مما قالوا، وتوحيدِه إيّاها بالخلقِ والأمرِ، لا شريكَ له فيه؛ ردًّا عليهم ما ابتدَعوا من الكفرِ، وجعَلوا معه من الأندادِ، واحتجاجًا عليهم بقولِهم في صاحبِهم، ليُعَرِّفَهم بذلك ضَلالتَهم، فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي ليس معه شريكٌ في أمرِه (٢). حدَّثني المثنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع في قولِه: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. قال: إن النَّصارَى أتَوْا رسولَ اللهِ ﷺ فخاصَمُوه في عيسى ابن مريمَ، وقالوا له: من أبوه؟ وقالوا على اللهِ الكَذِبَ والبُهْتانَ - لا إلهَ إلا هو، لم يَتَّخِذْ صاحبةً ولا ولدًا - فقال لهم النبيُّ ﷺ : "ألستُم تَعْلَمُون أنَّه لا يكونُ وَلَدٌ إلا وهو يُشْبِهُ أباه؟ ". قالوا: بلى. قال: "ألستُم تَعْلَمُونَ أَنَّ ربَّنا حيٌّ لا يموتُ، وأنَّ عيسى يأتى عليه الفناءُ؟ ". قالوا: بلى. قال: "ألستُم تَعْلَمُون أَنَّ ربَّنا قَيِّمٌ على كلِّ شيءٍ، يَكْلَؤُه ويَحْفَظُه ويَرْزُقُه؟ ". قالوا: بلى. قال: "فهل يَمْلِكُ عيسى من ذلك شيئًا؟ ". قالوا: لا. قال: "أفلستُم تَعْلَمُونَ أَنَّ الله لا يَخْفَى عليه شيءٌ في الأرضِ ولا في السماءِ؟ ". قالوا: بلى. قال: "فهل يعلَمُ عيسى من ذلك شيئًا إلا ما عُلِّمَ؟ ". قالوا: لا. قال: "فَإِنَّ رَبَّنَا صَوَّرَ عيسى في الرَّحِمِ كيف شاء" (٣). قال: "ألستُم تَعْلَمون أنَّ ربَّنَا لا يَأْكُلُ الطعامَ، ولا يَشْرَبُ

стр. 3292

الشَّرابَ، ولا يُحْدِثُ الحَدَثَ؟ ". قالوا: بلى. قال: "ألستم تَعْلَمُون أَنَّ عيسى حَمَلَتْه امرأةٌ كما تَحْمِلُ المرأةُ، ثم وَضَعَتْه كما تَضَعُ المرأةُ وَلَدَها، ثم غُذِّيَ كما يُغَذَّى الصبيُّ، ثم كان يَطْعَمُ الطعامَ، ويَشرَبُ الشَّرابَ، ويُحْدِثُ الحَدَثَ؟ ". قالوا: بلى. قال: "فكيف يكونُ هذا كما زعمتُم؟ ". قال: فعرَفوا ثم أبَوْا إِلا جُحُودًا، فأنزل اللهُ : ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (١). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢)﴾. اختلفت القَرَأَةُ في ذلك؛ فقرأتْه قَرَأَةُ الأمصارِ: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. وقرَأ ذلك عمرُ بنُ الخَطَّابِ وابنُ مسعودٍ، فيما ذُكِر عنهما: (الحيُّ القيَّامُ) (٢). وذُكِر عن عَلْقمةَ بن قيسٍ أنه كان يقرأُ: (الحَيُّ القَيِّمُ). حدَّثنا بذلك أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا عثّامُ بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن إبراهيمَ، عن أبي مَعْمَرٍ، قال: سَمِعْتُ عَلقمةَ يقرأُ: (الحَيُّ القَيِّمُ). قلت: أنتَ سَمِعْتَه؟ قال: لا أَدْرِى (٣). حدَّثنا أبو هشامٍ الرِّفاعيُّ، قال: حدَّثنا وكيعٌ، قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن إبراهيمَ، عن أبي معمرٍ، عن عَلْقمةَ مثلَه. وقد رُوى عن عَلْقمةَ خلافُ ذلك، وهو ما حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: حدَّثنا

стр. 3293

عبدُ اللهِ، قال: حدَّثنا شَيْبانُ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن أبي معمرٍ، عن عَلْقمةَ أنه قرَأ: (الحَيُّ القَيَّامُ) (١). والقراءةُ التي لا يجوزُ غيرُها عندَنا في ذلك ما جاءت به قراءةُ المسلِمين نقلًا مستفيضًا، عن غيرِ تَشاعُرٍ (٢) ولا تَواطؤٍ، وِراثةً، وما كان مُثْبَتًا في مصاحفِهم؛ وذلك قراءةُ من قرَأ: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الْحَيُّ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿الْحَيُّ﴾، فقال بعضُهم: معنى ذلك مِن اللهِ تعالى ذكرُه أنه وصَف نفسَه بالبقاءِ، ونفَى الموتَ الذي يجوزُ على مَن سواه مِن خلقِه عنها. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلَمةُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثني محمدُ بن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ: ﴿الْحَيُّ﴾: الذي لا يموتُ، وقد مات عيسى وصُلِب في قولِهم. يعنى في قولِ الأحبارِ الذين حاجُّوا رسولَ الله ﷺ من نَصارَى أَهلِ نَجْرانَ (٣). حدَّثني المثنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ: ﴿الْحَيُّ﴾. قال: يقولُ: حيٌّ لا يموتُ (٤).

стр. 3294

وقال آخرون: معنى "الحيِّ" الذي عَناه اللهُ في هذه الآيةِ، ووصَف به نفَسه، أنه المُتَيَسِّرُ له تدبير كلِّ ما أراد وشاء، لا يَمتنعُ عليه شيءٌ أراده، وأنه ليس كمن لا تدبيرَ له من الآلهةِ والأندادِ. وقال آخرون: معنى ذلك أن له الحياةَ الدائمةَ التي لم تَزَلْ له صفةً، ولا تزالُ كذلك. وقالوا: إنما وصَف نفسَه بالحياةِ لأن له حياةً، كما وصَفها بالعلمِ لأن لها علمًا، وبالقُدْرة لأن لها قدرةً. ومعنى ذلك عندى أنه وصَف نفسَه بالحياةِ الدائمةِ التي لا فَناء لها ولا انقطاعَ، ونفَى عنها ما هو حالٌّ بكلِّ ذى حياةٍ من خلقِه؛ من الفَناءِ وانقطاعِ الحياةِ عندَ مجئِ أجله، فأخبرَ عبادَه أنه المُستوجِبُ على خلقِه العبادةَ والألُوهةَ، والحيُّ الذي لا يموتُ ولا يَبِيدُ، كما يموتُ كلُّ مَن اتَّخِذَ مِن دونِه ربًّا، ويَبيدُ كُلُّ مَن ادُّعِي مِن دونِه إلهًا، واحتجَّ على خلِقه بأنَّ مَن كان يَبيدُ فيزولُ ويموتُ فيَفْنَى، فلا يكونُ إلَهَا يَستوجبُ أن يُعْبَدَ دونَ الإله الذي لا يَبِيدُ ولا يموتُ، وأنَّ الإلهَ هو الدائم الذي لا يموتُ ولا يَبيدُ ولا يَفْنَى، وذلك اللهُ الذي لا إلَهَ إلا هو. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الْقَيُّومُ﴾. قد ذكَرْنا اختلافَ القرأةِ في ذلك، والذي نختارُ منه، وما العِلّةُ التي مِن أجلِها اخترْنا ما اخترنا من ذلك. فأمّا تأويلُ جميعِ الوجوهِ التي ذكَرْنا أن القرأةَ قرأتْ بها، فمتقارِبٌ، ومعنى ذلك كلِّه: القَيِّمُ بحفظِ كلِّ شيءٍ ورَزْقِه وتدبيرِه، وتصريفه فيما شاء وأحبَّ، من تغييرٍ وتبديلٍ، وزيادةِ ونقصٍ. كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى

стр. 3295

ابن ميمونٍ، قال: حدَّثنا ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ قال: القائمُ على كلِّ شيءٍ (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ: ﴿الْقَيُّومُ﴾: قَيِّمٌ على كلِّ شيءٍ؛ يَكْلَؤُه ويَحْفَظُه ويَرزُقُه (٣). وقال آخرون: معنى ذلك: القَيّامُ على مكانه. ووجَّهوه إلى القيامِ الدائمِ، الذي لا زوالَ معه ولا انتقالَ، وأنَّ اللَّهَ إنما نفَى عن نفسِه - بوَصْفِها بذلك - التغيُّرَ والتنقُّلَ من مكانٍ إلى مكانٍ، وحدوثَ التبدُّلِ الذي يَحدُثُ في الآدميِّين وسائر خلقه غيرِهم. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: حدَّثنا سلَمةُ، عن محمدِ (٤) بن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ: ﴿الْقَيُّومُ﴾: القَيَّامُ على مكانِه، مَن سلطانَه في خلقِه لا يزولُ، وقد زال عيسى في قولِهم - يعنى في قولِ الأحبارِ الذين حاجُّوا النبيَّ ﷺ من أهلِ نجرانَ في عيسى - عن مكانِه الذي كان به، وذهَب عنه إلى غيرِه (٥). وأولى التأويلَين بالصوابِ ما قاله مجاهدٌ والرَّبيعُ، وأن ذلك وصفٌ من الله

стр. 3296

تعالى ذكرُه نفسَه بأنَّه القائمُ بأمرِ كلِّ شيءٍ في رَزْقه والدفْعِ عنه، وكِلائِه وتدبيرِه، وصَرْفِه في قدرتِه، مِن قولِ العربِ: فلانٌ قائمٌ بأمرِ هذه البلدةِ. تَعْنى بذلك: المتُوَلِّى تدبيرَ أمرها. فـ "القيُّومُ" - إذ كان ذلك معناه - "الفَيْعُولُ"، من قولِ القائلِ: اللهُ يقومُ بأمرِ خلقِه. وأصلُه "القَيْوُومُ"، غير أنَّ الواوَ الأولى من "القَيْوُومِ"، لما سبَقتْها ياءٌ ساكنةٌ وهى متحرِّكةٌ، قُلِبَتْ ياءً، فجُعِلَتْ هي والياءُ التي قبلَها ياءً مشدّدةً؛ لأن العرب كذلك تفعَلُ بالواوِ المتحرِّكةِ إذا تقدَّمَتْها ياءٌ ساكنةٌ. وأما "القَيّامُ"، فإن أصلَه "القيوامُ"، وهو "الفَيْعَالُ"، مِن: قام يقومُ، سَبَقت الواو المتحرِّكةَ مِن "قَيْوامٍ" ياءٌ ساكنةٌ، فجُعِلَنا جميعًا ياءً مشدّدةً. ولو أنَّ القَيُّومَ "فَعُولٌ"، كان "القَيُّومَ"، ولكنَّه "الفَيْعُولُ". وكذلك "القَيَّامُ "لو كان "الفَعَّال" لكان "القَوَّامَ"، كما قيل: الصَّوامُ والقَوَّامُ. وكما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٨]. ولكنَّه "الفَيْعالُ"، فقال: القَيَّامُ. وأمَّا "القَيِّمُ" فهو "الفَيْعِلُ"، من: قامَ يقومُ، سَبَقَت الواوَ المتحرِّكةَ ياءٌ ساكنةٌ، فجُعِلَتا ياءً مُشدَّدةً، كما قيل: فلانٌ سيِّدُ قومِه. من: سادَ يَسُودُ، وهذا طعامٌ جيِّدٌ، من: جادَ يجودُ، وما أشبهَ ذلك. وإنما جاء ذلك بهذه الألفاظِ؛ لأنه قصَد به قَصْدَ المبالغةِ في المدحِ، فكان "القَيُّومُ" و "القَيَّامُ" و "القَيِّمُ" أبلغَ في المدحِ من القائمِ. وإنما كان عمرُ ﵁ يختارُ قراءته، إن شاء اللهُ: "القَيَّام"؛ لأن ذلك الغالبُ على مَنطِقِ أهلِ الحجازِ، في ذواتِ الثلاثةِ من الياءِ والواوِ، فيقولون للرجلِ الصَّوّاغِ: الصَّيَّاغُ. ويقولون للرجلِ الكثيرِ الدَّوَرانِ: الدَّيَّارُ. وقد قيل: إن قول الله جلَّ ثناؤُه: ﴿لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]. إنما هو: "دَوَّارًا"، "فَعَّالا"، مِن: دارَ

стр. 3297

يَدُورُ. ولكنَّها نزَلتْ بلغةِ أهلِ الحجازِ، وأُقِرَّتْ كذلك في المصحفِ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: يا محمدُ، إنَّ ربَّك وربَّ عيسى وربَّ كلِّ شيءٍ، هو الربُّ الذي أنزل عليك الكتابَ، يعني بـ "الكتاب": القرآنَ، ﴿بِالْحَقِّ﴾ يَعنى بالصِّدْقِ فيما اختلَف فيه أهلُ التوراةِ والإنجيلِ، وفيما خالَفك فيه مُحاجُّوكَ مِن نَصَارَى أَهْلِ نَجْرانَ، وسائرِ أهلِ الشركِ غيرِهم، ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾، يَعنى بذلك القرآنَ أنه مُصَدِّقٌ لما كان قبلَه مِن كتبِ اللهِ التي أنزلَها على أنبيائِه ورسلِه، ومُحَقِّقٌ ما جاءتْ به رسلُ اللهِ مِن عنده؛ لأنَّ مُنَزَّل جميعِ ذلك واحدٌ، فلا يكونُ فيه اختلافٌ، ولو كان من عندِ غيرِه لكان فيه اختلافٌ كثيرٌ. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾. قال: لِما قبلَه من كتابٍ أو رسولٍ (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: لما قبلَه من كتابٍ أو رسولٍ. حدَّثني محمدُ بنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلَمةُ، قال: حدَّثني محمدُ بنُ إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ أي:

стр. 3298

بالصِّدْقِ فيما اختلَفوا فيه (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يقولُ: القرآنَ مُصَدِّقًا لما بينَ يَدَيْهِ من الكتبِ التي قد خلَتْ قبله (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثني ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ قولَه: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: يقولُ: مُصَدِّقًا لما قبلَه من كتابٍ ورسولٍ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾. يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وأنزلَ التوراةَ على موسى، والإنجيلَ على عيسى، ﴿مِنْ قَبْلُ﴾. يقولُ: من قبلِ الكتابِ الذي نزَّله عليك. ويعنى بقولِه: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾: بيانًا للناس من اللهِ فيما اختلَفوا فيه من توحيدِ اللهِ، وتصديقِ رسلِه، ونعتِك (٤) يا محمدُ بأنك نبيِّى ورسولى، وفى غيرِ ذلك من شرائعِ دينِ اللهِ. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾: هما كتابان أنزلهَما اللهُ، فيهما بيانٌ

стр. 3299

من اللهِ، وعِصْمةٌ لمن أخَذ به، وصدَّق به، وعمل بما فيه (١). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقِ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾: التوراةَ على موسى، والإنجيلَ على عيسى، كما أنزلَ الكتبَ على مَن كان قبلَه (٢). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾. يَعنى جلَّ ثناؤه بذلك: وأنزلَ الفَصْلَ بين الحقِّ والباطلِ فيما اختلَفتْ فيه الأحزابُ وأهلُ المِلَلِ في أمرِ عيسى وغيرِه. وقد بَيَّنَّا فيما مضَى أن الفُرقانَ إنما هو الفُعْلانُ، من قولِهم: فرَق اللهُ بينَ الحقِّ والباطلِ؛ يَفْصِلُ بينهما بنصرِه الحقَّ على الباطل، إِمَّا بالحُجَّةِ البالغة، وإِمَّا بالقَهْرِ والغَلَبة بالأيْدِ والقُوَّةِ (٣). وبما قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، غيرَ أنَّ بعضَهم وجَّه تأويلَه إلى أنه فصلٌ بينَ الحقِّ والباطلِ في أمرِ عيسى، وبعضُهم إلى أنه فصلٌ بينَ الحقِّ والباطلِ في أحكامِ الشرائعِ. ذكرُ مَن قال: معناه: الفصلُ بينَ الحقِّ والباطلِ في أمرِ عيسى والأحزابِ حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفر بن الزُّبيرِ: ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾. أي: الفصلَ بينَ الحقِّ والباطلِ، فيما اختلَف فيه

стр. 3300

الأحزابُ من أمرِ عيسى وغيرِه (١). ذكرُ من قال: معنى ذلك: الفصلُ بينَ الحقِّ والباطل في الأحكامِ وشرائعِ الإسلامِ حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾: هو القرآنُ، أنزَله على محمدٍ، وفرَق به بينَ الحقِّ والباطلِ، فأحلَّ فيه حلالَه، وحرَّم فيه حرامَه، وشرَّع فيه شرائعَه، وحدَّ فيه حدودَه، وفرَض فيه فرائضه، وبيَّن فيه بيانَه، وأمرَ بطاعتِه، ونهَى عن معصيتِه (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ: ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾. قال: الفرقانُ القرآنُ، فرَق بينَ الحقِّ والباطلِ (٣). والتأويلُ الذي ذكَرْناه عن محمدِ بن جعفر بن الزُّبيرِ في ذلك أوْلَى بالصّحةِ من التأويلِ الذي ذكَرْناه عن قتادةَ والربيعِ، وأن يكونَ معنى الفرقان في هذا الموضعِ فصلَ اللَّهِ بين نبيِّه محمدٍ ﷺ والذين حاجُّوه في أمرِ عيسى وفي غيرِ ذلك من أمورِه، بالحُجّةِ البالغةِ القاطعةِ عذرَهم وعذرَ نُظَرائهم من أهلِ الكفرِ باللهِ. وإنما قلْنا: هذا القولُ أوْلَى بالصوابِ؛ لأن إخبارَ اللهِ عن تنزيلِه القرآنَ قبلَ إخبارِه عن تنزيلِه التوراةَ والإنجيلَ في هذه الآيةِ، قد مضَى بقولِه: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾. ولا شكَّ أن ذلك الكتابَ هو القرآنُ لا غيرُه، فلا

стр. 3301

وَجْهَ لتكريرِه مَرَّةً أخرى، إذ لا فائدةَ في تكريرِه، ليست في ذكرِه إيّاه وخبرِه عنه ابتداءً. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤)﴾. يَعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: إن الذين جَحَدُوا أعلامَ اللَّهِ وأدلَّتَه على توحيدِه وألوهتِه، وأن عيسى عبدٌ له، واتَّخَذُوا المسيحَ إلها وربًّا، أو ادَّعَوْه للهِ ولَدًا، لهم عذابٌ من اللهِ شديدٌ يوم القيامةِ. و "الذين كفروا": هم الذين جحَدوا آياتِ اللَّهِ. و "آياتُ اللهِ": أعلامُ اللَّهِ وأدلّتُه وحُجَجُه. وهذا القولُ من اللَّهِ يُنْبِيءُ عن معنى قولِه: ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾. أنه مَعنيٌّ به الفصلُ (١) الذي هو حُجّةٌ لأهلِ الحقِّ على أهلِ الباطلِ؛ لأنه عقَّب ذلك بقولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ يعني: إن الذين جحَدوا ذلك الفصلَ والفرقانَ الذي أنزله فرقًا بينَ المُحِقِّ والمُبْطلِ، ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ وعِيدٌ من اللهِ لمن عاند الحقَّ بعدَ وُضوحِه له، وخالَف سبيلَ الهُدَى بعدَ قيامِ الحُجةِ عليه، ثم أخبَرهم أنه عزيزٌ في سلطانِه، لا يمنعُه مانعٌ ممن أراد عذابَه منهم، ولا يحولُ بينَه وبينَه حائلٌ، ولا يستطيع أن يُعاندَه فيه أحدٌ، وأنه ذو انتقامٍ ممن جحَد حُجَجَه وأدلَّتَه بعد ثبوتِها عليه، وبعد وُضوحِها له ومعرِفتِه بها. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بن إسحاق، عن محمدِ بن

стр. 3302

جعفرِ بن الزُّبيرِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَام﴾. أي: إن الله منتقمٌ ممن كفَر بآياتِه، بعدَ علمِه بها، ومعرِفتِه بما جاء منه فيها (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَام﴾ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥)﴾. يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: إن الله لا يخفَى عليه شيءٌ هو في الأرضِ، ولا شيءٌ هو في السماءِ، يقولُ: فكيف يخفَى على يا محمدُ، وأنا علامُ [جميعِ الأشياءِ] (٣). ما يُضَاهِى به هؤلاء الذين يُجادِلُونك في آياتِ اللَّهِ مِن نَصَارَى نَجْرانَ في عيسى ابن مريمَ، في مقالتِهم التي يقولونها فيه؟ كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلَمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾. أي: قد عَلِم ما يُريدون وما يكيدون وما يُضاهون بقولِهم في عيسى، إذ جعَلوه ربًّا وإلهًا، وعندَهم من علِمه غيرُ ذلك، غِرَّةً بالله وكفرًا به (٤)

стр. 3303

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾. يَعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: اللَّهُ الذي يُصَوِّرُكم فيَجعلُكم صُوَرًا أَشْبَاحًا في أرحامِ أمّهاتِكم كيف شاء وأحبَّ، فيَجعلُ هذا ذكَرًا وهذا أنثَى، وهذا أسودَ وهذا أحمرَ. يُعرِّفُ عبادَه بذلك أن جميعَ منَ اشتملَتْ عليه أرحامُ النساءِ فممن (١) صَوَّره وخَلَقه كيف شاء، وأن عيسى ابنَ مريمَ ممن صَوَّره في رَحِمِ أمِّه، وخلَقه فيها كيف شاء وأحبَّ، وأنه لو كان إلهًا لم يكنْ ممن اشتملَتْ عليه رَحِمُ أُمَّه؛ لأَنَّ خَلاقَ ما في الأرحامِ لا تكونُ الأرحامُ عليه مشتمِلةً، وإنما تشتمِلُ على المخلوقِين. كما حدَّثني ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقِ، عن محمدِ بن جعفر بن الزُّبيرِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾: قد كان عيسى ممن صُوِّر في الأرحامِ، لا يدفَعون ذلك ولا يُنكِرونه، كما صُوِّر غيرُه من بنى آدمَ، فكيف يكونُ إلهًا وقد كان بذلك المنزِلِ (٢). حدَّثنا المثنّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾. أي: أَنَّه صوَّر عيسى في الرَّحِيمِ كيف شاءَ (٣). وقال آخرون في ذلك ما حدَّثنا به موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ عن السُّديِّ، عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ قولَه: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾. قال: إذا وقَعت النطفةُ في

стр. 3304

الأرحامِ، طارتْ في الجسدِ أربعين يومًا، ثم تكونُ علقةً أربعين يومًا، ثم تكونُ مضغة أربعين يومًا، فإذا بلغ أن يُخْلَقَ، بعث اللهُ مَلَكًا يصوِّرُها، فيأتى الملَكُ بترابٍ بين إصبعَيْه، فيخلِطُه في المضغةِ، ثم يعجِنُه بها، ثم يصوِّرُها كما يؤمرُ، فيقولُ: أذكرٌ أو أنثَى؟ أشقيٌّ أو سعيدٌ؟ وما رزقُه؟ وما عمرُه؟ وما أَثَرُه؟ وما مصائبُه؟ فيقولُ اللهُ، ويكتبُ المَلَكُ، فإذا مات ذلك الجسدُ، دُفِن حيث أَخِذ ذلك الترابُ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾: قادرٌ واللَّهِ ربُّنا أن يصوِّرَ عبادَه في الأرحامِ كيف يشاءُ؛ من ذكرٍ أو أنثَى، أو أسودَ أو أحمرَ، تامٍّ خَلْقُه وغيرِ تامٍّ] (٢). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦)﴾. وهذا القولُ تنزيهٌ من اللهِ تعالى ذكرُه نفسَه أن يكونَ له في ربوبيَّتِه نِدٌّ أو مِثلٌ، أو أن تجوزَ الألُوهةُ لغيرِه، وتكذيبٌ منه للذين قالوا في عيسى ما قالوا، من وفدِ نَجْرانَ الذين قَدِموا على رسولِ اللهِ ﷺ ، وسائرِ مَن كان على مثل الذي كانوا عليه من قولِهم في عيسى، والجميعِ مَن ادَّعى مع اللهِ معبودًا، أو أَقَرَّ بِرُبُوبيَّةٍ غيرِه. ثم أخبرَ جلَّ ثناؤُه خلقه بصفتِه، وعيدًا منه لمن عبَد غيرَه، أو أشركَ في عبادتِه أحدًا سواه، فقال: هو العزيزُ الذي لا ينصُرُ مَن أراد الانتقامَ منه أحدٌ، ولا يُنْجِيه منه وَأَلٌ ولا لَجَأٌ (٣)، وذلك لعِزَّتِه التي يَذِلُّ لها كلُّ مخلوقٍ، ويخضَعُ لها كلُّ موجودٍ. ثم أعْلَمهم أنه

стр. 3305

الحكيمُ في تدبيرِه، وإعذارِه إلى خلِقه، ومتابعةِ حُجَجه عليهم؛ ليَهْلِكَ من هَلَك منهم عن بَيِّنةٍ، ويَحْيا من حَيَّ عن بَيِّنةٍ. كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقِ، عن محمدِ بن جعفر بن الزُّبيرِ، قال: ثم قال - يَعنى الربَّ إنْزاهًا لنفسِه، وتوحيدًا لها مما جعَلوا معه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. قال: العزيزُ في نُصْرته (١) ممن كفَر به إذا شاء، والحكيمُ في عُذْرِه وحُجَّتِه إلى عبادِه (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. يقولُ: عزيزٌ في نَقمتِه، حكيمٌ في أمرِه (٣). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾. يَعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ أن الله الذي لا يَخْفَى عليه شيءٌ في الأرضِ ولا في السماءِ هو الذي أنزَل عليك الكتابَ. يَعنى بالكتابِ القرآنَ. وقد أتَيْنا على البيانِ فيما مضَى عن السببِ الذي من أجلِه سُمِّىَ القرآنُ كتابًا، بما أغْنَى عن إعادته في هذا الموضعِ (٤). وأما قولُه: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾. فإنه يَعنى: من الكتابِ آياتٌ. يَعنِي بالآياتِ آياتِ القرآنِ. وأمَّا المحكماتُ، فإنهنَّ اللواتي قد أُحْكمْنَ بالبيانِ والتفصيلِ،

стр. 3306

وأُثْبِتَتْ حُجَجهنَّ وأدلَّتُهنَّ على ما جُعِلْنَ أدلّةً عليه؛ من حلالٍ وحرامٍ، ووعدٍ ووعيدٍ، وثوابٍ وعقابٍ، وأمرٍ وزَجْرٍ، وخبرٍ ومَثَلٍ، وعِظَةٍ وعِبَر، وما أشبهَ ذلك. ثم وصَف جلَّ ثناؤُه هؤلاء الآياتِ المحكماتِ بأنهنَّ أُمُّ (١) الكتابِ، يَعْنى بذلك أنهنَّ أصلُ الكتابِ الذي فيه عمادُ الدينِ والفرائضُ والحدودُ، وسائرُ ما بالخلْقِ إليه الحاجةُ من أمرِ دينِهم، وما كُلِّفُوا من الفرائضِ [والحدودِ، وسائرِ ما يحتاجون إليه] (٢) في عاجلِهم وآجلِهم، وإنما سَمّاهنَّ أُمَّ الكتابِ لأنهنَّ مُعْظَمُ الكتابِ، ومَوضِعُ مَفْزَعِ أهلِه عندَ الحاجةِ إليه، وكذلك تفعلُ العرب، تُسَمِّى الجامعَ مُعْظَمَ الشيءِ أمًّا له، فتُسَمِّي رايةَ القومِ التي تجمعُهم في العساكرِ أمَّهم، والمُدَبِّرَ مُعْظَمَ أمرِ القريةِ والبلدةِ أمَّها. وقد بَيَّنَّا ذلك فيما مضَى بما أَغْنَى عن إعادتِه (٣). ووحَّد ﴿أُمُّ الْكِتَابِ﴾، ولم يَجْمَع فيقولُ: هنَّ أمَّهاتُ الكتابِ. وقد قال: ﴿هُنَّ﴾؛ لأنَّه أراد: جميعُ الآياتِ المُحْكَماتِ أمُّ الكتابِ. لا أنَّ كلَّ آيةٍ منهنَّ أمُّ الكتابِ، ولو كان معنى ذلك أن كلَّ آية منهنَّ أمُّ الكتابِ، لكان لا شكَّ قد قِيل: هنّ أمّهاتُ الكتابِ. ونظيرُ قولِ اللهِ : ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ - على التأويلِ الذي قلْنا في توحيدِ الأُمِّ، وهى خبرٌ [لِـ ﴿هُنَّ﴾] (٤) - قولُه تعالى ذكره: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠]. ولَم يقُلْ: آيتَيْن. لأنَّ معناه: وجَعَلْنا جميعَهما آيةً. إذ كان المعنى [واحدًا فيما جيلا] (٥) فيه للخَلْقِ عبرةً، ولو كان مرادُه الخبرَ عن كلِّ واحدٍ منهما على انفرادِه بأنه جُعِل للخَلْق عبرةً، لقيل: وجعَلْنا ابنَ مريمَ

стр. 3307

وأمَّه آيتَين. لأنَّه قد كان في كلِّ واحدٍ منهما لهم عِبرةٌ؛ وذلك أن مريمَ ولَدتْ من غيرِ رجلٍ، ونطَق ابنُها، فتكلَّم في المهدِ صبيًّا، فكان في كلِّ واحدٍ منهما للناسِ آيةٌ. وقد قال بعضُ نحويِّى البصرةِ: إنما قيل: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾. ولم يقُلْ: هنّ أمهاتُ الكتابِ. على وجهِ الحكايةِ، كما يقولُ الرجلُ: ما لي أنصارٌ. فتقولُ: أنا أنصارُك، أو: ما لي نظيرٌ. فتقولُ: نحن نظيرُك. قال: وهو شَبيهُ: دَعْنى مِن تمرتان. وأنشد لرجلٍ من فَقْعَسٍ (١): تَعَرَّضَتْ لي [بمكانِ حَلِّ] (٢) … تَعَرُّضَ المُهرَةِ في الطِّوَلِّ (٣) تَعَرُّضًا لم تَأْلُ عَنْ [قَتْلًا لى] (٤) [قتلًا لى] (٥)، يَحْكِي به على الحكايةِ؛ لأنه كان منصوبًا قبل ذلك، كما يقولُ: نُودِيَ: الصلاةَ الصلاةَ، يَحْكي قولَ القائلِ: الصلاةَ الصلاةَ. وقال: قال

стр. 3308

بعضُهم: إنما هي: أَنْ قَتْلًا لى. ولكنّه جعَله "عينًا" (١)؛ لأنَّ "أنْ" في لغتِه تُجعَلُ موضعَها "عن"، والنصبُ على الأمرِ، كأنك قلتَ: ضربًا لزيدٍ. وهذا قولٌ لا معنَى له؛ لأنَّ كلَّ هذه الشَّواهدِ التي استشْهدها (٢)، لا شكَّ أنهنَّ حكاياتُ حاكيهنَّ (٣) بما حَكَى عن قولِ غيرِه وألفاظِه التي نطَق بهنَّ، وأن معلومًا أن الله جلَّ ثناؤُه لم يَحْكِ عن أحدٍ قولَه: أمُّ الكتابِ. فيجوزَ أن يقالَ: أَخْرَج ذلك مُخْرَجَ الحكايةِ عمَّن قال ذلك كذلك. وأمّا قولُه: ﴿وَأُخَرُ﴾ فإنها جمعُ أُخْرَى (٤). ثم اختلَف أهلُ العربيةِ في العلَّةِ التي من أجلِها لم يُصْرَفْ "أُخَرُ"؛ فقال بعضُهم: لم يُصْرَفْ "أُخَرُ" (٥)، من أجلِ أنها نَعْتٌ، واحدتُها "أُخْرَى"، كما لم تُصْرَفْ جُمَعُ" و "كُتَعُ"؛ لأنهنَّ نُعوتٌ. وقال آخرون: إنما لم تُصْرَف "الأُخَرُ"، لزيادةِ الياءِ التي في واحدتِها، وأن جَمْعَها مبنيٌّ على واحدِها في تركِ الصرفِ. قالوا: وإنما تُرِكَ صرفُ "أُخْرَى"، كما تُرِك صرفُ "حمراءَ" و "بيضاءَ" في النكرةِ والمعرفةِ؛ لزيادةِ المدَّةِ فيها والهمزةِ بالواوِ (٦)، ثم افترَق جمعُ "حمراءَ" و "أُخْرَى"، فبُنَي جمعُ "أُخرى" على واحدتِه،

стр. 3309

فقيل: فُعَلُ "أُخَرُ"، فتُرِك صرفُها كما تُرِك صرفُ "أخرى"، وبُنِيَ جمعُ "حمراءَ" و "بيضاءَ" على خلافِ واحدتِه، فصُرِف، فقيل: حُمْرٌ وبِيضٌ. فلاختلافِ حالتَيْهما في الجمعِ، اختلَف إعرابُهما عندهم في الصرفِ، ولاتِّفاق حالتَيْهما في الواحدةِ، اتفقتْ حالتاهما فيها. وأمّا قولُه: ﴿مُتَشَابِهَاتٌ﴾. فإنَّ معناه: متشابهاتٌ في التلاوةِ، مختلِفاتٌ (١) في المعنىَ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: ٢٥]. يعني: في المَنْظَرِ، مختلفًا في المَطْعَم. وكما قال مُخبِرًا عمَّن أخبر عنه من بني إسرائيلَ أنه قال: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٧٠]. يعنون بذلك: تشابهَ علينَا في الصفة وإنِ اختلَفتْ أنواعُه. فتأويلُ الكلامِ إذنْ: إن الذي لا يَخْفَى عليه شيءٌ في الأرضِ ولا في السماءِ، هو الذي أنزَل عليك يا محمدُ القرآنَ، ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ بالبيانِ، هنَّ أَصلُ الكتابِ الذي عليه عمِادُك وعِمادُ أُمَّتِك في الدِّينِ، وإليه مَفْزَعُك ومَفْزَعُهم فيما افترضْتُ عليك وعليهم مِن شرائعِ الإسلامِ، وآياتٌ أُخَرُهِنَّ متشابهاتٌ في التلاوةِ، مختلِفاتٌ في المعاني. وقد اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾. وما (٢) المُحْكَمُ من آي الكتاب؟ وما المتشابهُ منه؟ فقال بعضُهم: المُحْكماتُ مِن آيِ القرآن: المعمولُ بهنَّ، وهنَّ الناسخاتُ، أو المُثْبتَاتُ الأحكامِ، والمتشابهاتُ من آيهِ: المتروكُ العملُ بهنَّ المنسوخاتُ.

стр. 3310

ذكرُ من قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا العوَّامُ، عمَّن حدَّثَه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ قال: هي الثلاثُ الآياتِ التي ههنا ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] إلى ثلاثِ آياتٍ، والتي في بني إسرائيلَ ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣] إلى آخرِ الآياتِ (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: [ثنا معاويةُ بنُ صالحٍ] (٢)، عن عليٍّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾: المحكماتُ: ناسخُه، وحلالُه، وحرامُه، وحُدُودُه، وفرائضُه، وما يُؤْمَنُ به ويُعْمَلُ به. به قال: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾: والمتشابهاتُ منسوخُه، ومُقدَّمُه، ومُؤخَّرُه، وأمثالُه، وأقسامُه، وما يُؤْمَنُ به ولا يُعْمَلُ به (٣). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾

стр. 3311

إلى ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾: فالمُحْكَماتُ التي هي أمُّ الكتابِ: الناسخُ الذي يُدانُ به ويُعْمَلُ به، والمتشابهاتُ: هنّ المنسوخاتُ التي لا يُدانُ بهنَّ (١). حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ إلى قولِه: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾: أما الآياتُ المُحَكَماتُ، فهنّ الناسخاتُ التي يُعْمَلُ بهنّ، وأما المتشابهاتُ، فهنَّ المنسوخاتُ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾: والمُحْكَماتُ: الناسخُ الذي يُعْمَلُ به ما أحلَّ اللهُ فيه حلالَه، وحرَّم فيه حرامَه، وأمَّا المتشابهاتُ: فالمنسوخُ الذي لا يُعْمَلُ به ويُؤْمَنُ به (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ قال: المُحْكَمْ: ما يُعْمَلُ به (٣).

стр. 3312

حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ قال: المُحْكَماتُ: الناسخُ الذي يُعْمَلُ به، والمتشابهاتُ: المنسوخُ الذي لا يُعْمَلَ به، ويُؤْمَنُ به (١) حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن جُويبرٍ، عن الضَّحَّاكِ في قولِه: ﴿آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ الله قال: الناسخاتُ. ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ قال: ما نُسِخ وتُرِك يُتْلَى (٢). حدَّثني ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سلمةَ بن نُبَيْطٍ، عن الضَّحَّاكِ بن مُزاحِمٍ، قال: المُحْكَمُ ما لم يُنْسَخُ، وما تشابهَ منه: ما نُسِخ (٢). حدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جويبرٌ، عن الضّحّاكِ في قولِه: ﴿آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ قال: الناسخُ ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ قال: المنسوخ (٢) (٣). حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمعْتُ أبا مُعاذٍ يحدِّثُ، قال: أخبَرنا عُبيدُ بنُ سليمانَ (٤)، قال: سمعتُ الضّحّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾

стр. 3313

يَعنى الناسخَ الذي يُعْمَلُ به ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾، يَعنى المنسوخَ، يُؤْمَنُ به ولا يُعْمَلُ به. حدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن الضّحّاكِ: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ قال: ما لم يُنسَخْ، ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ قال: ما قد نُسِخ. وقال آخرون: المُحْكَماتُ من أيِ الكتابِ ما أحكمَ اللهُ فيه بيانَ حلالِه وحرامِه، والمتشابِهُ منها ما أَشبَه بعضُه بعضًا في المعاني، وإن اختلَفتْ ألفاظُه. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾: ما فيه من الحلالِ والحرامِ، وما سوى ذلك، فهو متشابهٌ يُصَدِّقُ (١) بعضُه بعضًا، وهو مثلُ قولِه: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦]. ومثلُ قولِه: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥]. ومثلُ قولِه: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ (٢) [محمد: ١٧]. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٣).

стр. 3314

وقال آخرون: المُحْكَماتُ من آيِ الكتابِ ما لم يَحْتَمِلُ من التأويلِ غيرَ وجهٍ واحدٍ؛ والمتشابهُ منها: ما احتمَل من التأويلِ أوجهًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن محمدِ بن إسحاق، قال: ثنى محمدُ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾: فيهِنَّ الله حُجَّةُ الرَّبِّ، وعِصْمةُ العبادِ، ودفعُ الخصومِ والباطلِ، ليس لها تَصْرِيفٌ ولا تَحْريفٌ عما وُضِعتْ عليه، ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ (١)﴾ في الصِّدْقِ، لهنَّ تصريفٌ وتحريفٌ وتأويلٌ، ابتَلَى اللهُ فيهنَّ العبادَ، كما ابتلاهم في الحلالِ والحرامِ، لا يُصَرَّفْنَ إلى الباطلِ ولا يُحرِّفَنَ عن الحقِّ (٢). وقال آخرون: معنى المُحْكَم ما أَحْكَم اللهُ فيه مِن أي القرآنِ، وقَصَصِ الأممِ ورسلِهم الذين أُرْسِلُوا إليهم، ففَصَّله ببيانِ ذلك لمحمدٍ وأُمَّتِه. والمتشابهُ هو ما اشْتَبَهتِ الألفاظُ به من قِصَصِهم، عندَ التكريرِ في السور، بقصِّه (٣) باتفاقِ الألفاظِ واختلافِ المعانى، وبقصَّه (٤) باختلافِ الألفاظِ واتفاقِ المعاني. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيدٍ وقرَأ: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١] قال: وذكر حديثَ رسولِ

стр. 3315

اللهِ ﷺ في أربعٍ وعشرين آيةً منها، وحديثَ نوحٍ في أربعٍ وعشرين آيةً منها، ثم قال: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ [هود: ٤٩]، ثم ذكر: ﴿وَإِلَى عَادٍ﴾ [هود: ٥٠] فقرَأ حتى بلَغ ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ (١)، ثم مضَى، ثم ذكَر صالحًا وإبراهيم ولوطًا وشعيبًا، وفرغ من ذلك، وهذا يقينٌ، ذلك يقينُ ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ (٢). قال: والمتشابِهُ ذكر موسى في أمكنةٍ كثيرةٍ، وهو متشابِهٌ، وهو كلُّه معنًى واحدٌ، [وهو مُتشابهٌ] (٣): ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا﴾ [المؤمنون: ٢٧]، ﴿احْمِلْ فِيهَا﴾ [هود: ٤٠]، ﴿اسْلُكْ يَدَكَ﴾ [القصص: ٣٢]، ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ﴾ [النمل: ١٢] ﴿حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ [طه: ٢٠]، ﴿ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ [الشعراء: ٣٢]. قال: ثم ذكر هُودًا في عشرِ آياتٍ منها، وصالحًا في ثماني آياتٍ منها، وإبراهيمَ في ثماني آياتٍ أُخْرَى، ولوطًا في ثمانِي آياتٍ منها، وشعيبًا في ثلاثَ عشرةَ آيةً، وموسى في أربعِ آياتٍ، كلُّ هذا يَقْضِى بين الأنبياءِ وبين قومِهم في هذه السورةِ، فانتهى ذلك إلى مائةِ آيةٍ من سورة هودٍ، ثم قال: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ [هود: ١٠٠]. وقال في المتشابِهِ من القرآنِ: مَن يُرِدِ اللَّهُ به البلاءَ والضّلالةَ يقولُ: ما شأنُ هذا [لا يكون هكذا] (٤) وما شأنُ هذا لا يكونُ هكذا (٥)؟

стр. 3316

وقال آخرون: بل المُحْكَمُ من آي القرآنِ ما عرَف العلماءُ تأويلَه، وفَهِمُوا معناه وتفسيرَه. والمتشابِهُ ما لم يكنْ لأحدٍ إلى علمِه سبيلٌ مما اسْتَأْثَرَ اللهُ بعلمِه دونَ خلقِه، وذلك نحوُ الخبرِ عن وقتِ (١) مَخْرَجِ عيسى ابن مريمَ، ووقتِ طلوعِ الشمسِ من مغرِبِها، وقيامِ الساعةِ، وفناءِ الدنيا، وما أشبهَ ذلك، فإن ذلك لا يَعْلَمُه أحدٌ. وقالوا: إنما سَمَّى اللَّهُ من أيِ الكتابِ المتشابهَ الحروفَ المقطَّعة التي في أوائلِ بعضِ سورِ القرآنِ، من نحوِ ﴿لم]، و ﴿المص﴾ [الأعراف: ١]، و ﴿الر﴾ [الرعد: ١] و ﴿الر﴾ وما أشْبَه ذلك؛ لأنهنَّ متشابهاتٌ في الألفاظِ، وموافقاتٌ حروفَ حسابِ الجُمَّلِ (٢)، وكان قومٌ من اليهودِ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ طمِعوا أَن يُدْرِكُوا مِن قِبَلها معرفةَ مدةِ الإسلامِ وأهلِه، ويَعْلَمُوا نهايةً أُكْلِ (٣) محمدٍ وأُمَّتِه، فأَكذَبَ اللهُ أُحْدوثَتهم بذلك، وأَعلَمهم أن ما ابْتَغَوْا علمه من ذلك من قِبَلِ هذه الحروفِ المتشابهةِ لا يُدْرِكُونه، ولا مِن قِبَلِ غيرِها، وأن ذلك لا يَعلمُه إلا اللهُ. وهذا قولٌ ذُكر عن جابرِ بن عبدِ اللهِ بن رِئابٍ (٤) أن هذه الآيةَ نزَلتْ فيه، وقد ذكَرْنا الروايةَ بذلك عنه وعن غيرِه ممن قال نحوَ مقالتِه في تأويلِ ذلك في تفسيرِ قولِه: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ١، ٢]. وهذا القولُ الذي ذكَرْناه عن جابر بن عبدِ اللهِ أشبه بتأويلِ الآيةِ، وذلك أَنَّ جميعَ ما أَنزلَ اللهُ من آيِ القرآنِ على رسولِه ﷺ فإنّما أنزَله عليه بيانًا له ولأمتِه، وهدًى للعالمين، وغيرُ جائزٍ أن يكونَ فيه ما لا حاجةَ بهم إليه، ولا أن يكونَ

стр. 3317

فيه ما بهم إليه الحاجةُ، ثم لا يكونَ لهم إلى علمِ تأويلِه سبيلٌ. فإذ (١) كان ذلك كذلك، فكلُّ ما فيه لخلقِه (٢) إليه الحاجةُ، وإن كان في بعضِه ما بهم عن بعضِ معانيه الغِنَى، وإن اضْطَرَّتْه الحاجةُ إليه في معانٍ كثيرةٍ، وذلك كقولِ اللهِ : ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]. فأَعلمَ النبيُّ ﷺ أُمَّتَه أن تلك الآيةَ التي أخبرَ الله جلَّ ثناؤُه عباده أنها إذا جاءتْ لم يَنْفَعْ نفسًا إيمانُها لم تكنْ آمنتُ من قبلِ ذلك، هي طلوعُ الشمسِ من مغرِبيها، فإنَّ الذي كانت بالعبادِ إليه الحاجةُ من علمِ ذلك هو العلمُ منهم بوقتِ نفعِ التوبةِ بصفتِه، بغيرِ تحديدِه [بعدِّ السنينَ] (٣) والشهورِ والأيامِ، فقد بيَّن اللهُ ذلك لهم بدَلالةِ الكتابِ، وأوضَحه لهم على لسانِ رسولِه ﷺ مفسَّرًا، والذي لا حاجةَ بهم إلى علمِه منه هو العلمُ بمقدارِ المدةِ التي بين وقتِ نزولِ هذه الآية، ووقتِ حدوثِ تلك الآيةِ، فإن ذلك مما لا حاجةَ بهم إلى علمِه في دينٍ ولا، دنيا، وذلك هو العلمُ الذي استأثَر اللهُ جلَّ ثناؤُه به دونَ خلقِه، فحجَبه عنهم، وذلك وما أَشبهَه هو المعنى الذي طلَبتِ اليهودُ معرفتَه في مدةِ محمدٍ ﷺ وأُمَّتِه من قِبَلِ قولِه: ﴿لم﴾، ﴿المص﴾، و ﴿الر﴾، و ﴿المر﴾، ونحوِ ذلك من الحروفِ المقطَّعةِ المتشابهاتِ، التي أخبرَ اللهُ، جلّ ثناؤُه، أنهم لا يُدْرِكون تأويلَ ذلك من قِبَلِه، وأنه لا يَعلَمُ تأويلَه إلا الله. فإذ كان المتشابِهُ هو ما وصفْنا، فكلُّ ما عدَاه فمُحْكَمٌ؛ لأنه لن يخلُوَ من أن

стр. 3318

يكونَ مُحْكَمًا، بأنه بمعنًى واحدٍ، لا تأويلَ له غير تأويل واحدٍ، وقد استُغْنىَ بسماعِه عن بيانِ مُبيِّنه، [أو يكونَ مُحْكَمًا] (١)، وإن كان ذا وجوهٍ وتأويلاتٍ وتَصَرُّفٍ في معانٍ كثيرةٍ، بالدّلالةِ (٢) على المعنى المرادِ منه، إما من بيانِ اللَّهِ تعالى ذكرُه عنه، أو بيانِ رسولِه ﷺ الأُمّته، ولن يذهَبَ علمُ ذلك عن علماءِ الأُمَّةِ؛ لما قد بَيَّنَا. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾. قد أتيْنا على البيانِ عن تأويلِ ذلك، بالدَّلالة الشاهدةِ على صحةِ ما قلْنا فيه، ونحن ذاكرُو اختلافِ أهل التأويل فيه، وذلك أنهم اختلَفوا في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معنى قولِه: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾: هنّ الآىُ (٣) فيهنَّ الفرائضُ والحدودُ والأحكامُ. نحوَ قولِنا الذي قلْنا فيه. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا عِمْرانُ بن موسى القزَّازُ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا إسحاقُ بن سُوَيدٍ، عن يحيى بن يَعْمَرَ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ قال يحيى: هنَّ اللاتى فيهنَّ الفرائضُ والحدودُ وعمادُ الدينِ. وضرَب لذلك مَثلًا، فقال: أُمُّ القُرَى مَكَةُ، وأُمُّ خُراسانَ مَرْوُ، وأُمُّ المسافِرِين الذي يَجْعَلُون إليه أمرَهم، ويُعْنَى بهم في سفرِهم. قال: فذاك أُمُّهم (٤). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿هُنَّ أُمُّ

стр. 3319

الْكِتَابِ﴾ قال: هنَّ جماعُ الكتاب (١). وقال آخرون: بل يَعنى (٢) بذلك فواتح السورِ التي منها يُسْتَخْرَجُ القرآنُ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا عِمْرانُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سُويدٍ، عن أبي فاخِتةَ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ قال: أمُّ الكتابِ فواتحُ السور، منها يُسْتَخْرَجُ القرآنُ ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ منها اسْتُخْرِجَتِ "البقرة"، ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ منها اسْتُخْرِجَتْ "آلُ عِمْرانَ". القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾. يَعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: فأمّا الذين في قلوبهم مَيْلٌ عن الحقِّ وانحرافٌ عنه، يقالُ منه: زاغَ فلانٌ عن الحقِّ، فهو يَزِيغُ عنه زَيْغًا وَزَيَغَانًا وزَيْغُوغَةً وزُيُوغًا، وأَزَاغَه اللهُ، إذا أماله، فهو يُزِيغُه. ومنه قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾. لا تُمِلْها عن الحقِّ ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثنى ابن إسحاق، عن محمدِ بن جعفرِ

стр. 3320

ابن الزُّبيرِ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ أي: مَيْلٌ عن الهُدَى (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قول الله: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾، قال: شَكٌّ (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٣). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بن صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنُ أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ قال: مِن أَهلِ الشّكِّ (٤). حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عباس، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ : ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾: أما الزَّيغُ فَالشَّكُّ (٥). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن

стр. 3321

مجاهدٍ، قال: ﴿زَيْغٌ﴾: شَكٌّ. قال ابن جُريجٍ: ﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾: المنافقون (١). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾. يَعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾: ما تشابَهتْ ألفاظُه وتَصَرَّفَتْ معانيه بوجوهِ التأويلاتِ؛ ليُحَقِّقُوا بادِّعائهم الأباطيلَ من التأويلاتِ في ذلك ما هم عليه من الضّلالةِ والزَّيْغِ عن مَحَجّةِ (٢) الحقِّ، تلبيسًا منهم بذلك على مَن ضَعُفَتْ معرفتُه بوجوهِ تأويلِ ذلك وتصاريفِ معانيه. كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾: فيَحْمِلُون المُحْكَمَ على المتشابِهِ، والمتشابِهَ على المُحْكَمِ، ويُلبسون، فلبَّس اللهُ عليهم (٣). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقِ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ أي: ما تَحَرَّفَ منه وتَصَرَّفَ؛ ليُصَدِّقُوا به ما ابتدَعُوا وأَحدَثُوا، ليكونَ لهم حُجّةً على ما قالوا وشَبْهةً (٤).

стр. 3322

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ قال: البابُ الذي ضَلُّوا منه وهلكُوا فيه ابتغاءُ تأويلِه (١). وقال آخرون في ذلك بما حدَّثني به موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في قولِه: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾: يَتَّبِعُون المنسوخَ والناسخَ، فيقولون: ما بالُ هذه الآيةِ عُمِل بها كذا وكذا مكانَ (٢) هذه الآيةِ، فتُركَتِ الأولى وعُمِل بهذه الأُخْرَى! هلّا كان العملُ بهذه الآيةِ قبلَ أن تَجيءَ الأولى التي نُسِخت؟ وما بالُه يَعِدُ العذابَ مَن عمِل عملًا يُعَذِّبُه (٣) النارَ، [وفي] (٤) مكانٍ آخرَ مَن عَمِله فإنه لم يُوجب له (٥) النارَ؟ (٦) واختلَف أهلُ التأويلِ في مَن عُنى بهذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: عُنى به الوفدُ مِن نَصارَى نَجْرانَ الذين قَدِمُوا على رسولِ اللهِ ﷺ فحاجُّوه بما حاجُّوه به وخاصَموه، بأن قالوا: ألستَ تزعُمُ أَنَّ عيسى رُوحُ اللَّهِ وكلمتُه؟ وتأوَّلُوا (٧) في ذلك ما يقولون فيه من الكفرِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ،

стр. 3323

قال: عمَدوا - يَعنى الوفدَ الذين قدِموا على رسولِ اللهِ ﷺ من نَصَارَى نَجْرانَ - فخاصَمُوا النبيَّ ﷺ ، فقالوا: ألستَ تزعُمُ أنه كلمةُ اللهِ ورُوحٌ منه؟ قال: "بلى". قالوا: فحَسْبُنا. فأنزلَ اللهُ : ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾. ثم إِنَّ الله جلَّ ثناؤُه أَنزَل: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران: ٥٩] الآية (١). وقال آخرون: بل أُنزِلتُ هذه الآية في أبى ياسرِ بن أَخْطَبَ، وأخيه حُيَيِّ بن أَخْطَبَ، والنَّفَرِ الذين ناظَروا رسولَ اللهِ ﷺ في قَدْرِ مدةٍ [أُكْلِه وأُكُلِ] (٢) أُمَّتِه، وأرادُوا عِلْمَ ذلك من قِبَلِ قولِه: ﴿الم﴾ و ﴿المص﴾، و ﴿المر﴾، و ﴿الر﴾، فقال اللهُ جلَّ ثناؤُه فيهم: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾: يَعنى هؤلاء اليهودَ الذين قلوبُهم مائلةٌ عن الهُدَى والحقِّ، ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾: يعني معانيَ هذه الحروفِ المقطَّعة، المحتمِلةِ التَّصْرِيفَ في (٣) الوجوه المختلِفةِ (٤) التأويلاتِ؛ ابتغاءَ الفتنةِ. وقد ذَكرْنا الروايةَ بذلك فيما مضَى قبلُ في أولِ السورةِ التي يُذْكَرُ فيها البَقرةُ. وقال آخرون: بل عنَى اللهُ بذلك كلَّ مبتدِعٍ في دينِه بدعةً مخالِفةً لما ابتُعِث به رسولُه محمدٌ ﷺ ، بتأويلٍ (٥) يتأوَّلُه مِن (٦) بعضِ آيِ القرآنِ المحتملةِ التأويلاتِ، وإن كان اللهُ قد أَحْكَمَ بيانَ ذلك، إمّا في كتابِه، وإما على لسانِ رسولِه.

стр. 3324

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾. وكان قتادةُ إذا قرَأ هذه الآيةَ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ قال: إن لم يكونوا الحَرُوريَّةَ (١) والسبائيَّةَ (٢)، فلا أَدْرِى مَن هم؟ ولَعَمْرِي لقد كان في أهلِ بدرٍ والحدَيْبِيَّةِ الذين شَهِدوا معَ رسولِ اللهِ ﷺ بيعةَ الرِّضْوانِ مِن المهاجرِين والأنصارِ، خبرٌ لمن استَخْبَر، وعِبرةٌ لمن استَعْبَرَ، لمن كان يَعْقِلُ أو يُبْصِرُ. إن الخوارجَ خرَجوا وأصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ يومئذٍ كثيرٌ بالمدينةِ والشامِ والعراقِ، وأزواجُه يومئذٍ أحياءٌ، واللهِ إنْ خرَج منهم ذكَرٌ ولا أُنْثَى حَرُوريًّا قطُّ، ولا رَضُوا الذي هم عليه، ولا مالَئُوهم فيه، بل كانوا يُحدِّثون بعيبِ رسولِ اللهِ ﷺ إيّاهم (٣)، ونعتِه الذي نعَتَهم به، وكانوا يُبْغِضُونهم بقلوبِهم، ويُعادُونهم بألسنتِهم وتَشْتَدُّ واللهِ عليهم أيديهم إذا لَقُوهم، ولَعَمْرِى، لو كان أمرُ الخوارجِ هُدًى لاجْتَمَع، ولكنّه كان ضلالًا فتفرَّق، وكذلك الأمرُ إذا كان مِن عندِ غيرِ اللهِ وجَدْتَ فيه اختلافًا كثيرًا، فقد ألاصُوا (٤) هذا الأمرَ منذ

стр. 3325

زمانٍ طويلٍ، فهل أَفْلَحُوا فيه يومًا أو أَنْجَحُوا؟ يا سبحانَ اللهِ! كيف لا يَعْتَبِرُ آخِرُ هؤلاء القومِ بأوَّلِهم! لو (١) كانوا على هُدًى قد أَظهَره اللهُ وأَفَلَجه (٢) ونَصَره، ولكنَّهم كانوا على باطلٍ أَكذبَه اللهُ وأدحضَه، فهم كما رأيتَهم، كلَّما خرج لهم قَرْنٌ أَدحضَ اللهُ حُجَّتَهم، وأَكذبَ أَحْدُوثتَهم، وأَهْراقَ دماءَهم، وإن كَتَمُوا كان قَرْحًا في قلوبِهم، وغَمًّا عليهم، وإن أَظْهَرُوه، أَهْراقَ اللهُ دماءَهم، ذاكم، واللهِ، دِينُ سوءٍ فَاجتَنِبُوه، واللهِ إن اليهوديةَ (٣) لبِدْعةٌ، وإن النصرانيةَ لبدعةٌ، وإن الحَرُوريَّة لبدعةٌ، وإن السبائيّةَ (٤) لبدعةٌ، مانزَل بهنّ كتابٌ، ولا سَنَّهنَّ نبيٌّ (٥). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾: طَلَبَ القومُ التأويلَ فأَخْطَئُوا التأويلَ، وأصابُوا الفتنةَ، فاتَّبعوا ما تشابَه منه، فهلَكوا مِن ذلك، لَعَمْرِي لقد كان في أصحابِ بدرٍ والحديبيةِ الذين شهدوا بيعةَ الرِّضْوانِ. وذكَر نحوَ حديثِ عبدِ الرزاقِ، عن مَعْمَرٍ، عنه. حدَّثني محمدُ بنُ خالدِ بن خِدَاشٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا إسماعيلُ ابن عُلَيَّةَ، عن أيوبَ، عن عبدِ اللهِ بن أبى مُلَيْكَةَ، عائشةَ قالت: قرَأ رسولُ اللهِ ﷺ : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ إلى قولِه: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. فقال: "فإذَا رأَيْتُم الذين يُجادِلون فيه، فهمُ الذين عَنَى اللهُ

стр. 3326

فاحذَرُوهم" (١). حدَّثنا ابن (٢) عبدِ الأعلى، قال: ثنا المُعْتَمِرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ أيوبَ، عن عبدِ اللهِ بن أبي مُلَيْكَةَ، عن عائشةَ، أنها قالت: قرأ نبيُّ اللهِ ﷺ هذه الآيةَ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ إلى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. قالت: فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "فإذا رأَيتم الذين يُجادِلُون فيه - أو قال: يَتَجادَلُون فيه - فهم الذين عَنَى اللهُ فاحذَرُوهُمْ". قال مَطَرٌ، عن أيوبَ أنه قال: "فلا تُجالِسُوهم، فهم الذين عَنَى اللهُ فاحْذَرُوهم" (٣). حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهاب، قال: ثنا أيوب، عن ابن أبي مُلَيكةَ، عن عائشةَ، عن النبيِّ ﷺ بنحوِ معناه (٤). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن أيوبَ، عن ابن أبي مُلَيْكَةَ، عن عائشةَ، عن النبيِّ ﷺ نحوَه (٥). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: أخبرَنا الحارثُ، عن أيوبَ، عن ابن أبي مُلَيكةَ عائشةَ زوجِ النبيِّ ﷺ ، قالت: قرَأَ رسولُ اللهِ ﷺ هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ الآية كلها. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُون ما تَشابَهَ منه والذين يُجادِلُون فيه، فهم الذِين عَنَى اللهُ، أولئك الذِين قال اللهُ، فلا

стр. 3327

تُجالِسُوهم" (١). حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبو أُسامةَ، عن يزيدَ بن إبراهيمَ، عن ابن أبي مُلَيكةَ، قال: سمعتُ القاسمَ بنَ محمدٍ يُحَدِّثُ عن عائشةَ، قالت: تلا النبيُّ ﷺ هذه الآيةَ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾. ثم قرَأ إلى آخرِ الآياتِ، فقال: "إذَا رأيْتُم الذين يَتَّبِعُون ما تَشابَهَ مِنه، فأولئك الذين سَمَّى اللهُ، فاحْذَرُوهم" (٢). حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، عن حَمَّادِ بن سلَمةَ، عن عبدِ الرحمنِ بن القاسمِ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: نزَع (٣) رسولُ اللهِ ﷺ : ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "قد حذَّرَكم اللهُ، فإذا رأيتُموهم فاعْرِفوهم" (٤). حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا الوليدُ، عن نافعِ بن (٥) عمرَ، عن [ابن أَبِي مُلَيْكَةَ، قال: حدَّثتني] (٦) عائشةُ، قالت: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إذَا رأَيْتُمُوهُمْ فَاحْذَرُوهُمْ". ثم

стр. 3328

نزَعَ: " ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾، ولا يَعْمَلُون بمُحْكَمِه" (١). حدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن وهبٍ، قال: أخبَرنا عمِّى، قال: أخبرَني شَبيبُ بنُ سعيدٍ، عن رَوْحِ بن القاسمِ، عن ابن أبي مُلَيكةَ، عن عائشةَ أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ سُئِل عن هذه الآيةِ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾. فقال (٢): "فَإِذَا رأيْتُمُ الذِين يُجادِلُون فيه، فهم الذين عَنَى اللهُ، فاحْذَرُوهم" (٣). حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحَكَمِ، قال: ثنا خالدُ بنُ (٤) نِزارٍ، عن نافعٍ، عن ابن أبي مُلَيكةَ، عن عائشةَ في هذه الآيةِ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ الآية يَتَّبِعُها يَتْلُوها، ثم يقولُ: "فإذا رأيتمُ الذِين يُجادِلُون فيه فاحْذَرُوهم، فهم الذين عَنَى اللهُ". حدثنا ابن (٤) وكيعٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن حَمّادِ بن سلَمةَ، عن ابن أبي مُلَيكةَ، عن القاسمِ، عن عائشةَ، عن النبيِّ ﷺ في هذه الآيةِ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: "هم الذين سمّاهمُ اللهُ، فإذا رأيْتُموهم فاحْذَرُوهم" (٥). قال أبو جعفرٍ: والذي يَدُلُّ عليه ظاهرُ هذه الآيةِ أنَّها نزلت في الذين

стр. 3329

جادَلُوا رسولَ اللهِ ﷺ بمتشابِهِ ما أُنزِلَ إليه من كتابِ اللهِ؛ إمّا في أمرِ عيسى، وإمّا في مُدَّةٍ [أُكْلِه وأُكُل] (١) أُمَّتِه، وهو بأن يكونَ في الذين جادَلُوا رسولَ اللهِ ﷺ متشابِهِه (٢) في مدتِه ومدةِ أمتِه أَشبَهُ؛ لأنّ قولَه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾. دالٌّ على أن ذلك إخبارٌ عن المدةِ التي أرادُوا عِلْمَها مِن قِبَلِ المتشابِهِ الذي لا يَعْلَمُه إِلا اللهُ، فأَمّا أَمرُ عيسى وأسبابُه (٣)، فقد أَعلمَ اللهُ ذلك نبيَّه محمدًا ﷺ وأُمَّتَه، وبيَّنَه لهم، فمعلومٌ أنه لم يَعْنِ (٤) إلا ما كان (٥) خفيًّا عن الآحادِ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ابتغاءَ الشِّرْكِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حَمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ قال: إرادةَ الشِّرْكِ (٦). حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ في قولِه: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾: يعنى الشِّرْكَ (٧).

стр. 3330

وقال آخرون: معنى ذلك: ابتغاءَ الشُّبُهَاتِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو (١) عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ قال: الشُّبُهَاتِ، بها أُهْلِكوا (٢). حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾: الشُّبُهَاتِ. قال: هلَكوا به. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حَجّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ قال: الشُّبُهَاتِ. قال: والشُّبهاتُ ما أُهْلِكُوا به. حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ أي: اللَّبْسِ (٣). وأَوْلَى القولَيْن في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: إرادةَ الشُّبُهاتِ واللَّبْسِ. فمعنى الكلامِ إذنْ: فأمّا الذين في قلوبِهم مَيْلٌ عن الحقِّ وحَيْفٌ عنه، فيَتَّبِعُون مِن آيِ الكتابِ ما تشابَهَتْ ألفاظُه واحْتُمِل صَرْفه في وجوهِ التأويلاتِ، باحتمالِه المعانيَ المختلِفةَ؛ إرادةَ اللَّبْسِ على نفسِه وعلى غيرِه، احتجاجًا به على باطلِه الذي مال إليه قلبُه، دون الحقِّ الذي أبانه اللهُ، فأَوضَحه
следующие страницы →