← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

فاحذَرُوهم" (١). حدَّثنا ابن (٢) عبدِ الأعلى، قال: ثنا المُعْتَمِرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ أيوبَ، عن عبدِ اللهِ بن أبي مُلَيْكَةَ، عن عائشةَ، أنها قالت: قرأ نبيُّ اللهِ ﷺ هذه الآيةَ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ إلى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. قالت: فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "فإذا رأَيتم الذين يُجادِلُون فيه - أو قال: يَتَجادَلُون فيه - فهم الذين عَنَى اللهُ فاحذَرُوهُمْ". قال مَطَرٌ، عن أيوبَ أنه قال: "فلا تُجالِسُوهم، فهم الذين عَنَى اللهُ فاحْذَرُوهم" (٣). حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهاب، قال: ثنا أيوب، عن ابن أبي مُلَيكةَ، عن عائشةَ، عن النبيِّ ﷺ بنحوِ معناه (٤). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن أيوبَ، عن ابن أبي مُلَيْكَةَ، عن عائشةَ، عن النبيِّ ﷺ نحوَه (٥). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: أخبرَنا الحارثُ، عن أيوبَ، عن ابن أبي مُلَيكةَ عائشةَ زوجِ النبيِّ ﷺ ، قالت: قرَأَ رسولُ اللهِ ﷺ هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ الآية كلها. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُون ما تَشابَهَ منه والذين يُجادِلُون فيه، فهم الذِين عَنَى اللهُ، أولئك الذِين قال اللهُ، فلا

стр. 3327

تُجالِسُوهم" (١). حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبو أُسامةَ، عن يزيدَ بن إبراهيمَ، عن ابن أبي مُلَيكةَ، قال: سمعتُ القاسمَ بنَ محمدٍ يُحَدِّثُ عن عائشةَ، قالت: تلا النبيُّ ﷺ هذه الآيةَ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾. ثم قرَأ إلى آخرِ الآياتِ، فقال: "إذَا رأيْتُم الذين يَتَّبِعُون ما تَشابَهَ مِنه، فأولئك الذين سَمَّى اللهُ، فاحْذَرُوهم" (٢). حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، عن حَمَّادِ بن سلَمةَ، عن عبدِ الرحمنِ بن القاسمِ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: نزَع (٣) رسولُ اللهِ ﷺ : ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "قد حذَّرَكم اللهُ، فإذا رأيتُموهم فاعْرِفوهم" (٤). حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا الوليدُ، عن نافعِ بن (٥) عمرَ، عن [ابن أَبِي مُلَيْكَةَ، قال: حدَّثتني] (٦) عائشةُ، قالت: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إذَا رأَيْتُمُوهُمْ فَاحْذَرُوهُمْ". ثم

стр. 3328

نزَعَ: " ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾، ولا يَعْمَلُون بمُحْكَمِه" (١). حدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن وهبٍ، قال: أخبَرنا عمِّى، قال: أخبرَني شَبيبُ بنُ سعيدٍ، عن رَوْحِ بن القاسمِ، عن ابن أبي مُلَيكةَ، عن عائشةَ أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ سُئِل عن هذه الآيةِ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾. فقال (٢): "فَإِذَا رأيْتُمُ الذِين يُجادِلُون فيه، فهم الذين عَنَى اللهُ، فاحْذَرُوهم" (٣). حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحَكَمِ، قال: ثنا خالدُ بنُ (٤) نِزارٍ، عن نافعٍ، عن ابن أبي مُلَيكةَ، عن عائشةَ في هذه الآيةِ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ الآية يَتَّبِعُها يَتْلُوها، ثم يقولُ: "فإذا رأيتمُ الذِين يُجادِلُون فيه فاحْذَرُوهم، فهم الذين عَنَى اللهُ". حدثنا ابن (٤) وكيعٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن حَمّادِ بن سلَمةَ، عن ابن أبي مُلَيكةَ، عن القاسمِ، عن عائشةَ، عن النبيِّ ﷺ في هذه الآيةِ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: "هم الذين سمّاهمُ اللهُ، فإذا رأيْتُموهم فاحْذَرُوهم" (٥). قال أبو جعفرٍ: والذي يَدُلُّ عليه ظاهرُ هذه الآيةِ أنَّها نزلت في الذين

стр. 3329

جادَلُوا رسولَ اللهِ ﷺ بمتشابِهِ ما أُنزِلَ إليه من كتابِ اللهِ؛ إمّا في أمرِ عيسى، وإمّا في مُدَّةٍ [أُكْلِه وأُكُل] (١) أُمَّتِه، وهو بأن يكونَ في الذين جادَلُوا رسولَ اللهِ ﷺ متشابِهِه (٢) في مدتِه ومدةِ أمتِه أَشبَهُ؛ لأنّ قولَه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾. دالٌّ على أن ذلك إخبارٌ عن المدةِ التي أرادُوا عِلْمَها مِن قِبَلِ المتشابِهِ الذي لا يَعْلَمُه إِلا اللهُ، فأَمّا أَمرُ عيسى وأسبابُه (٣)، فقد أَعلمَ اللهُ ذلك نبيَّه محمدًا ﷺ وأُمَّتَه، وبيَّنَه لهم، فمعلومٌ أنه لم يَعْنِ (٤) إلا ما كان (٥) خفيًّا عن الآحادِ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ابتغاءَ الشِّرْكِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حَمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ قال: إرادةَ الشِّرْكِ (٦). حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ في قولِه: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾: يعنى الشِّرْكَ (٧).

стр. 3330

وقال آخرون: معنى ذلك: ابتغاءَ الشُّبُهَاتِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو (١) عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ قال: الشُّبُهَاتِ، بها أُهْلِكوا (٢). حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾: الشُّبُهَاتِ. قال: هلَكوا به. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حَجّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ قال: الشُّبُهَاتِ. قال: والشُّبهاتُ ما أُهْلِكُوا به. حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ أي: اللَّبْسِ (٣). وأَوْلَى القولَيْن في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: إرادةَ الشُّبُهاتِ واللَّبْسِ. فمعنى الكلامِ إذنْ: فأمّا الذين في قلوبِهم مَيْلٌ عن الحقِّ وحَيْفٌ عنه، فيَتَّبِعُون مِن آيِ الكتابِ ما تشابَهَتْ ألفاظُه واحْتُمِل صَرْفه في وجوهِ التأويلاتِ، باحتمالِه المعانيَ المختلِفةَ؛ إرادةَ اللَّبْسِ على نفسِه وعلى غيرِه، احتجاجًا به على باطلِه الذي مال إليه قلبُه، دون الحقِّ الذي أبانه اللهُ، فأَوضَحه

стр. 3331

بالمُحْكَماتِ من آيِ كتابِه. وهذه الآيةُ وإن كانت نزَلَتْ في من ذكَرْنا أنّها نزَلَتْ فيه مِن أهلِ الشِّرْكِ، فإنه معنيٌّ بها كلُّ مُبتدعٍ في دينِ اللهِ بدعةً، فمالَ قلبُه إليها، تأويلًا منه لبعضِ متشابِهِ آيِ القرآنِ، ثم حاجَّ به وجادَل به أهل الحقِّ، وعدَلَ عن الواضحِ من أدلَّةِ آيِه المُحْكَماتِ؛ إرادةً منه بذلك اللَّبْسَ على أهلِ الحقِّ من المؤمنين، وطلبًا لعِلْمِ تأويلِ ما تشابَهَ عليه مِن ذلك، كائنًا مَن كان، وأيَّ أصنافِ البَدَعة (١) كان؛ من أهلِ النصرانيةِ كان، أو اليهوديّةِ، أو المجوسيّةِ، أو كان سَبَئِيًّا، أو حَرُورِيًّا، أو قَدَريًّا، أو جَهْمِيًّا، كالذي قال ﷺ : "فإذا رأيتُم الذين يُجادِلون به، فهم الذين عَنَى اللهُ فاحْذَروهم". وكما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا سفيانُ، عن مَعْمَرٍ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، وذُكِر عندَه الخوارجُ وما يَلْقَون عندَ القرآنِ (٢)، فقال: يُؤْمِنون بمُحْكَمِه، ويَهْلِكُون عندَ متشابِهِه. وقرَأ ابن عباسٍ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ الآية (٣). وإنما قلْنا القولَ الذي ذكَرْنا أنَّه أَوْلَى التأويلَين بقولِه: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾؛ لأنَّ الذين نزَلتْ فيهم هذه الآيةُ كانوا أهلَ شِرْكٍ، وإنما أرادوا بطلبِ تأويلِ ما طلبوا تأويلَه - اللَّبْسَ على المسلِمين، والاحتجاجَ به عليهم، ليَصُدُّوهم عمّا هم عليه من الحقِّ، فلا معنَى لأَنْ يُقالَ: فعلوا ذلك إرادةَ الشِّرْكِ. وهم قد

стр. 3332

كانوا مشرِكين. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾. اختَلَف أهلُ التأويلِ في معنى "التأويل" الذي عنَى اللهُ جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: الأَجَلُ الذي أرادت اليهودُ أن تَعْرِفَه مِن انقضاءِ مُدَّةِ أمرِ (١) محمدٍ ﷺ وأمرِ أُمّتِه من قِبَلِ الحروفِ المقطَّعةِ من حسابِ الجُمَّلِ كـ ﴿الم﴾، و ﴿والمص﴾، و ﴿الر﴾، و ﴿المر﴾، وما أَشبهَ ذلك من الآجالِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: أمّا قولِه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، يعنى: تأويلَه يومَ القيامةِ، إلا اللهُ (٢). وقال آخرون: بل معنى ذلك: عواقبُ القرآنِ. وقالوا: إنما أرادُوا أن يَعْلَمُوا متى يَجِيءُ ناسخُ الأحكامِ التي كان اللهُ جل ثناؤُه شرَعها لأهلِ الإسلامِ قبلَ مجيئِه، فنسَخ ما قد كان شرَعه قبلَ ذلك. ذكر من قال ذلك حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَابْتِغَاءَ

стр. 3333

تَأْوِيلِهِ﴾: أرادُوا (١) أن يَعْلَمُوا تأويلَ القرآنِ، وهو عواقبُه، قال اللهُ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾. وتأويلُه: عواقبُه؛ [متى يأتى] (٢) الناسخُ منه فَيَنْسَخَ المنسوخَ (٣). وقال آخرون: بل معنى ذلك: وابتغاء [تأويلِ ما تَشابَهَ] (٤) من آيِ القرآنِ يتأوَّلُونه، إذ كان ذا وجوهٍ وتصاريفَ في التأويلاتِ، على ما في قلوبِهم من الزَّيْغِ، وما رَكِبوه من الضَّلالةِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾: وذلك على ما رَكبوا من الضّلالةِ في قولِهم (٥): خلَقْنا وقَضَيْنا (٦). والقولُ الذي قاله ابن عباسٍ، من أن ابتغاءَ التأويلِ الذي طلَبه القومُ من المتشابِهِ هو معرفةُ انقضاءِ المدةِ، ووقتِ قيامِ الساعةِ، والذي ذكَرْنا عن السديِّ مِن أنَّهم طلَبوا وأرادُوا معرفةَ وقتِ هوَ جاءٍ قبل مجيئِه، أَوْلَى بالصوابِ، وإن كان السديُّ قد أَغفَل

стр. 3334

معنى ذلك من وجهِ صرَفَه إلى حَصْرِه على أن معناه أنَّ القومَ طلَبوا معرفةَ وقتِ مجئِ الناسخِ لما قد أُحْكِمَ قبلَ ذلك. وإنما قلْنا: إنَّ طَلَبَ القومِ معرفةَ الوقتِ الذي هو جاءٍ قبلَ مجيئِه، المحجوبِ عِلْمُه عنهم وعن غيرِهم بمتشابِهِ آيِ القرآنِ، أَوْلَى بتأويلِ قولِه: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾؛ لما قد دلَّلْنا عليه قبلُ مِن إخبارِ اللهِ جل ثناؤُه أنَّ ذلك التأويلَ لا يَعلمُه إلا اللهُ، ولا شكَّ أن معنى قولِه: وقَضَيْنا وفَعَلْنا. قد عَلِم تأويلَه كثيرٌ من جَهَلةِ أهلِ الشركِ، فضلًا عن أهلِ الإيمانِ وأهلِ الرُّسوخِ في العلمِ منهم. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾. يعنى جل ثناؤُه بذلك: وما يَعلَمُ وقتَ قيامِ الساعةِ، وانقضاءِ مدةِ أُكْلِ محمدٍ وأُمَّتِه، وما هو كائنٌ، إلا اللهُ، دون مَن سواه مِن البشرِ، الذين أمَّلُوا إدراك علمِ ذلك من قِبَلِ الحسابِ والتنجيمِ والكَهانةِ، وأمّا الرّاسخون في العلمِ فيقولون: آمنّا به كلٌّ من عند ربنا. لا يَعْلَمون ذلك، ولكنَّ فضلَ عليهم في ذلك على (١) غيرِهم، العلم (٢) بأنَّ الله بأنَّ الله هو العالمُ بذلك، دون مَن سواه مِن خلقِه. واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك، وهل "الرّاسخون" معطوفون (٣) على اسمِ "اللهِ"، بمعنى إيجابِ العلمِ لهم بتأويلِ المتشابِهِ، أم هم مُستأنفٌ ذِكْرُهم بمعنى الخبرِ عنهم أنَّهم يقولون: آمنَّا بالمتشابِهِ، وصدَّقْنا أنَّ علمَ ذلك لا يعلمُه إلا اللهُ؟ فقال

стр. 3335

بعضُهم: معنى ذلك: وما يعلمُ تأويلَ ذلك إلا اللهُ وحدَه منفرِدًا بعلمِه، وأمّا الرّاسخون في العلمِ فإنهم ابْتُدِئَ الخبرُ عنهم بأنَّهم يقولون: آمنَّا بالمتشابِهِ والمُحْكَمِ، وأن جميعَ ذلك من عندِ اللهِ. ذكر من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنا خالدُ بن نِزارٍ، عن نافعٍ، عن ابن أبي مُلَيكةَ، عن عائشةَ قولَه: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾. قالت: كان من رسوخِهم في العلمِ أنْ آمَنُوا بمُحْكَمِه ومتشابِهِه، ولم يَعْلَمُوا تأويلَه (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه، قال: كان ابن عباسٍ يقولُ (٢): (وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَه إِلَّا اللهُ [ويَقُولُ الراسِخون في العِلْمِ] (٣) آمَنَّا به) (٤). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني ابن أبي الزنادِ، قال: قال

стр. 3336

هشامُ بنُ عُرُوةَ: كان أبي يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾: إنَّ الراسخين [في العلم] (١) لا يَعْلَمون تأويلَه، ولكنهم يقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (٢). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عُبيدُ اللهِ، عن أبي نَهِيكِ الأسَديِّ قولَه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾. فيقولُ (٣): إنكم تَصِلُون هذه الآيةَ، وإنها مقطوعةٌ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ - ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، فانتهى عِلْمُهم إلى قولِهم الذي قالوا (٤). حدَّثنا المثنَّى، قال: ثنا ابن دُكَينٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ عثمانَ بن عبدِ اللهِ بن مَوْهَبٍ (٥)، قال: سمِعتُ عمرَ بن عبد العزيز يقولُ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾: انتهى عِلْمُ الراسخين في العلمِ بتأويلِ القرآنِ إلى أن قالوا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (٦). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا أَشْهَبُ، عن مالكٍ في قولِه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، قال: ثم ابتدَأ فقال: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾. وليس يَعْلَمون تأويلَه (٧).

стр. 3337

وقال آخَرون: بل معنى ذلك: وما يَعلَمُ تأويلَ ذلك إلا اللهُ والراسخون في العلمِ، وهم - مع عِلْمِهم بذلك ورسوخِهم في العلمِ - يقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ أنه قال: أنا ممن يَعْلَمُ تأويلَه (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾: [يَعْلَمون تأويلَه، و] (٢) يقولون: آمنَّا به (٣). حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نِجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾: يَعْلَمُون تأويلَه، ويقولون: آمَنَّا به (٤). حُدِّثْتُ عن عمّارِ بن الحسنِ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾: يَعْلَمون تأويلَه، ويقولُون: آمنَّا به (٥). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبير: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ [الذي أرادَ، ما أراد] (٦)! ﴿إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ

стр. 3338

يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ (١). ثم رَدُّوا تأويلَ المتشابِهِ (٢) على ما عرَفوا من تأويلِ المُحْكَمةِ التي لا تأويلَ لأحدٍ فيها إلا تأويلٌ واحدٌ، فاتَّسق بقولِهم الكتابُ، وصدَّق بعضُه بعضًا، فنَفَذتْ به الحُجّةُ، وظهَر به العذرُ، وزاح (٣) به الباطلُ، ودُمِغ به الكفرُ (٤). فمن قال القولَ الأولَ في ذلك، وقال: إِنَّ الراسخين لا يَعْلَمون تأويلَ ذلك، وإنما أخبَر اللهُ عنهم بإيمانِهم وتصديقِهم بأنَّه مِن عندِ اللهِ، فإنه يَرْفَعُ "الرَّاسخين في العلمِ" بالابتداءِ في قولِ (٥) البصريِّين، ويَجعَلُ خبره ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾. وأمّا في قولِ بعضِ الكوفيِّين فبالعائِدِ مِن ذكرِهم في: ﴿يَقُولُونَ﴾. وفى قولِ بعضِهم بجملةِ الخبرِ عنهم وهى ﴿يَقُولُونَ﴾. ومَن قال القولَ الثانيَ، وزعَم أنَّ الراسخين في العلمِ يَعلَمُون تأويلَه، عطَف بـ"الرَّاسخين" على اسمِ "اللهِ"، فرفعَهم (٦) بالعطفِ عليه. والصوابُ عندنا في ذلك أنهم مرفوعون بجملةِ خبرِهم بعدَهم، وهو: ﴿يَقُولُونَ﴾؛ لما قد بَيَّنَّا قبلُ مِن أنهم لا يَعلَمون تأويلَ المتشابِهِ الذي ذكَره اللهُ في هذه الآيةِ، وهو فيما بلَغنى مع ذلك في قراءةِ أُبَيٍّ: (ويقولُ (٧) الرَّاسِحُونَ في العِلْمِ) (٨). كما ذكَرْناه عن ابن عباسٍ أنه كان يقرؤُه. وفي قراءةِ عبدِ اللهِ: (إِنْ

стр. 3339

تأْوِيلُهُ إِلَّا عندَ اللهِ، والرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ) (١). وأمّا معنى التأويلِ في كلامِ العربِ، فإنَّه التفسيرُ والمَرْجِعُ والمَصِيرُ، وقد أَنشَدَ بعضُ الرواةِ بيتَ الأَعْشَى (٢): على أنَّها كانت تَأَوَّلُ حُبِّها … تَأَوَّلَ (٣) رِبْعِيِّ السِّقابِ (٤) فَأَصْحَبَا وأصلُه: مِن آلَ الشيءُ إلى كذا، إذا صارَ إليه ورجَع، يَئُولُ أَوْلًا، وأَوَّلْتُه أَنا صيَّرْتُه إليه. وقد قيل: إِنَّ قولَه: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] أي: جَزاءً، وذلك أن الجزاءَ هو المعنى (٥) الذي آل إليه أمرُ القومِ، وصار إليه. ويَعنِى بقولِه: تَأَوُّلُ حُبِّها: تفسيرُ حبِّها ومرجعُه. وإنما يُريدُ بذلك أنَّ حبَّها كان صغيرًا في قلبِه، فآلَ مِن الصِّغَرِ إلى العِظَمِ، فلم يَزَلْ يَنْبُتُ حتى أَصْحَبَ (٦) فصار قديمًا، كالسَّقْب الصغيرِ الذي لم يَزَلْ يَشِبُّ حتى أَصْحَبَ فصار كبيرًا مثلَ أُمِّه. وقد يُنْشَدُ هذا البيتُ (٧):

стр. 3340

على أنَّها كانتْ تَوَابَعُ حُبِّها … تَوَالِيَ رِبْعِيِّ السِّقابِ فَأَصْحَبَا القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾. يعنى بالرَّاسخين في العلمِ العلماءَ الذين قد أَتْقَنُوا عِلْمَهِم، ووَعَوْه فَحَفِظُوه حِفْظًا لا يَدْخُلُهم في معرفتِهم وعلمِهم بما علِموه شكٌّ ولا لَبْسٌ، وأصلُ ذلك مِن رُسوخِ الشيءِ في الشيءِ، وهو ثبوتُه ووُلُوجُه فيه، يقالُ منه: رسَخ الإيمانُ في قلبِ فلانٍ، فهو يَرْسَخُ رَسْخًا ورُسُوخًا. وقد رُوِيَ في نعتِهم خبرٌ عن النبيِّ ﷺ ، وهو ما حدَّثنا موسى بنُ سَهْلٍ الرَّمْليُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا فَيَّاضُ بنُ محمدٍ الرَّقِّيُّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بن يزيدَ بن آدمَ، عن أبي الدَّرْداءِ وأبى أُمامةَ، قالا: سُئِل رسولُ الله ﷺ : مَن الراسخُ في العلمِ؟ قال: "مَن بَرَّتْ يمينُه، وصدَق لسانُه، واستقام به قلبُه، وعفَّ بطنُه، فذلك الراسخُ في العلمِ" (١). حدَّثني المثنَّى وأحمدُ بنُ الحسنِ الترمذيُّ، قالا: ثنا نُعيم بنُ حمّادٍ، قال (٢): ثنا فَيَاضٌ الرَّقِّيُّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ يَزِيدَ الأَوْدِيُّ - قال: وكان أَدركَ أصحابَ رسولِ الله ﷺ - قال: حدَّثنا أنسُ بن مالكٍ وأبو أُمامةَ وأبو

стр. 3341

الدَّرْداءِ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ سُئِل عن الراسخين في العلمِ، فقال: "مَن بَرَّتْ يمينُه، وصدَق لسانُه، واستقام به قلبه، وعفَّ بطنُه وفرجُه، فذلك الراسخُ في العلمِ" (١). وقد قال جماعةٌ من أهلِ التأويلِ: إنما سمَّى اللهُ هؤلاء القومَ الراسخين في العلمِ، بقولِهم: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ قال: الراسخون الذين يقولون: آمنًّا به كلٌّ من عندِ ربِّنا (٢). حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾: هم المؤمنون، فإنهم يقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ بناسخِه ومنسوخِه ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، قال: قال ابن جُريجٍ: قال ابن عباسٍ: قال عبدُ اللهِ بنُ سَلَامٍ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾: وعِلْمُهم قولهم. قال ابن جُريجٍ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ وهم

стр. 3342

الذين يقولون: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ ويقولون: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ الآية. وأما تأويل قوله: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾. فإنه يعنى أن الراسخين في العلمِ يقولون: صدَّقْنا بما تشابَهَ من آيِ الكتابِ، وأنَّه حقٌّ وإن لم نَعْلَمْ تأويلَه. وقد حدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعَيمٍ، قال: ثنا سلَمةُ بنُ نُبَيْطٍ، عن الضّحّاكِ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ قال: المُحْكَمُ والمتشابِهُ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾. يعنى بقولِه جل ثناؤُه: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾: كلُّ المُحْكَمِ من الكتابِ والمتشابِهِ منه من عندِ ربِّنا، وهو تنزيلُه ووَحْيُه إلى نبيِّه محمدٍ ﷺ . كما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [قال: يعنى ما نُسِخ منه وما لم يُنْسَخُ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾: والراسخون في العلم قالوا: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾] (٢) آمَنُوا بمتشابِهِه، وعمِلوا بمُحْكَمِه (٣).

стр. 3343

حُدِّثْتُ عن عمّارِ بن الحسنِ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ قولَه: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ يقولون: المُحْكَمُ والمتشابِهُ من عندِ اللهِ (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾: نُؤْمِنُ بالمُحْكَمِ ونَدِينُ به، ونُؤْمِنُ بالمتشابِهِ ولا نَدِينُ به، وهو من عندِ اللهِ كلُّه (٢). حدَّثنا يحيى بن أبى طالبٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جُويبرٌ، عن الضّحّاكِ في قولِه: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾: يَعْمَلُونَ (٣) به، يقولون: نَعْمَلُ بالمُحْكَمِ ونُؤْمِنُ به، ونُؤْمِنُ بالمتشابِهِ ولا نَعْمَلُ به، وكلٌّ من عندِ ربِّنا (٤). واختلَف أهلُ العربيةِ في حكمِ "كلّ" إذا أُضْمِرَ فيها؛ فقال بعضُ نحويِّي البصريِّين: إنما (٥) جاز حذفُ المرادِ الذي كان معها، الذي "الكُلُّ" إليه مضافٌ في هذا الموضعِ؛ لأنها اسمٌ، كما قال: ﴿إِنَّا كُلٌّ فِيهَا﴾ [غافر: ٤٨] بمعنى: إِنَّا كلُّنا فيها. قال: ولا يكونُ "كلٌّ" مُضْمَرًا [فيها وهي صفةٌ، لا يقالُ: مَرَرْتُ بالقومِ كلٍّ. وإنما يكونُ فيها مُضْمَرٌ] (٦) إذا جعلْتَها اسمًا، لو كان: إنّا كلًّا فيها، على الصفةِ، لم يَجُز؛ لأنَّ الإضمارَ فيها (٧) ضعيفٌ، لا يَتَمَكَّن في كلِّ مكانٍ. وكان بعضُ نحويِّي الكوفيِّين يَرَى الإضمارَ فيها وهي صفةٌ أو اسمٌ سواءً؛ لأنه غيرُ جائزٍ أَن يُحْذَفَ ما بعدَها عندَه إلا وهى كافيةُ بنفسها عمّا كانت تُضاف إليه من

стр. 3344

المُضْمَرِ، وغيرُ جائزٍ أن تكونَ كافيةً منه في حالٍ، ولا تكونَ كافيةً في أُخْرَى. وقال: سبيلُ "الكلِّ" و"البعضِ" في الدَّلالةِ على ما بعدَهما بأنفسِهما وكفايتِهما منه بمعنًى واحدٍ في كلِّ حالٍ، صفةً كانت أو اسمًا. وهذا القولُ الثاني أَوْلَى بالقياسِ؛ لأنها إذا كانت كافيةً بنفسِها مما حُذِف منها في حالٍ لدلالتها عليه، فالحكم فيها أنها كلَّما وُجدَتْ دالَّةً على ما بعدها، فهى كافيةٌ منه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. يعنى بذلك جل ثناؤُه: وما يَتَذَكَّرُ ويَتَّعِظُ ويَنزَجِرُ عن أن يقولَ في متشابِهِ آي كتابِ اللهِ ما لا علمَ له به، إلا أولو العقولِ والنُّهَى. وقد حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ يقولُ: وما يَذَّكَّرُ في مثل هذا، يعني: في ردِّ تأويلِ المتشابِهِ إلى ما قد عُرِف من تأويلِ المُحْكَمِ، حتى يَتَّسِقا على معنًى واحدٍ، إلا أولو الألبابِ (١). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾. يَعنى بذلك جل ثناؤُه أن الرَّاسخين في العلمِ يقولون: آمَنَّا بما تشابَهَ من آي كتابِ اللهِ، وإنه هو (٢) والمُحْكَمُ من آيِه من تنزيلِ ربِّنا ووَحْيِه. ويقولون أيضًا:

стр. 3345

﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ يعنى أنهم يقولون - رغبةً منهم إلى ربِّهم في أن يَصْرِفَ عنهم ما ابْتُلي به الذين زاغَتْ قلوبُهم من اتِّباعِ متشابهِ آيِ القرآنِ؛ ابتغاءَ الفتنةِ وابتغاءَ تأويلِه الذي لا يعلمُه غيرُ اللهِ -: يا ربَّنا، لا تجعلْنا مثلَ هؤلاء الذين زاغَتْ قلوبُهم عن الحقِّ، فَصَدُّوا عن سبيلِك؛ ﴿لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾: لا تُمِلها فتَصْرِفَها عن هُداك، ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ له، فوفَّقْتَنا للإيمانِ بمُحكَمِ كتابِك ومتشابِهِه، ﴿وَهَبْ لَنَا﴾ يا ربَّنَا، ﴿مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ يعني: من عندِك رحمةً. يعنى بذلك: هَبْ لنا من عندِك توفيقًا وثباتًا للذى نحن عليه مِن الإقرارِ بمُحكَمِ كتابِك ومتشابِهِه، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ يعنى: إِنَّك أنت المُعْطِى عبادَك التوفيقَ والسدادَ للثباتِ على دينِك، وتصديقِ كتابِك ورسلِك. كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزبيرِ: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾. أي: لا تُمِلْ قلوبَنا وإن مِلْنا بأحداثِنا (١)، ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ (٢). وفي مدحِ اللهِ جل ثناؤُه هؤلاء القومَ بما مدَحهم به - مِن رغبتِهم إليه في ألا يُزِيغَ قلوبَهم، وأن يُعْطِيَهم رحمةً منه؛ معونةً لهم للثباتِ على ما هم عليه من حسنِ البصيرةِ بالحقِّ الذي (٣) هم عليه مُقيمون - ما أبان عن خطأِ قولِ الجهَلةِ من القَدَريّةِ: إنَّ إزاغةَ اللهِ قلبَ مَن أَزاغَ قلبَه مِن عبادِه عن طاعتِه، وإمالتَه (٤) له عنها، جوْرٌ؛ لأن

стр. 3346

ذلك لو كان كما قالوا لكان الذين قالوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ بالذمِّ أَوْلَى منهم بالمدحِ؛ لأن القولَ لو كان كما قالوا، لكان القومُ إنما سأَلوا ربَّهم بمسألتِهم (١) إيَّاه ألَّا يُزِيغَ قلوبَهم، ألا يَظْلِمَهم ولا يجورَ عليهم، وذلك من السائلِ (٢) جَهْلٌ؛ لأن الله جل ثناؤُه لا يَظْلِمُ عبادَه، ولا يجورُ عليهم، وقد أَعلمَ عبادَه ذلك، ونفاه عن نفسِه بقولِه: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]. ولا وجْهَ لمسألتِه أن يكونَ بالصفةِ التي قد أخبرَهم أنه بها. وفي فسادِ ما قالوا من ذلك الدليلُ الواضحُ على أنَّ عَدْلًا من اللهِ إزاغةُ مَن أَزَاغ قلبَه من عبادِه عن طاعتِه، فلذلك استحقَّ المدحَ مَن رَغِب إليه في أن لا يُزِيغَه، لتوجيهِه (٣) الرغبةَ إلى أهلِها، ووضعِه مسألتَه مَوْضِعَها، مع تظاهرِ الأخبارِ عن رسولِ اللهِ ﷺ برغبتِه إلي ربِّه في ذلك، مع محَلِّه منه وكرامتِه عليه. حدَّثنا أبو كرُيبٍ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن عبدِ الحميدِ بن بَهْرامَ، عن شهرِ بن حَوْشَبٍ، عن أُمِّ سلَمةَ، أن رسولَ اللِه ﷺ قال: "يا مُقَلِّبَ القلوبِ ثَبِّتْ قلبي على دِينِك". ثم قرَأ: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ إلى آخرِ الآيةِ (٤). "حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن عبدِ الحميدِ بن بَهْرامَ، عن شهرِ بن حَوْشَبٍ، عن أسماءَ، عن رسولِ اللهِ ﷺ بنحوِه. حدَّثنا المثنَّى، قال: ثنا الحَجّاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَهْرامَ

стр. 3347

الفَزاريُّ، قال: ثنا شهرُ بنُ حَوْشَبٍ، قال: سَمِعْتُ أَمَّ سلمةَ تحدِّثُ أن رسولَ اللهِ ﷺ كان يُكْثِرُ في دعائِه أن يقولَ: "اللهمَّ مُقَلِّبَ القلوبِ ثَبِّتْ قلبى على دينِك". قالت: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، وإنَّ القلبَ لَيُقَلَّبُ؟ قال: "نعم، ما خَلَقَ اللهُ من بشرٍ من بنى آدمَ إِلَّا إِنَّ (١): قلبَه بين إِصْبَعَين مِن أصابِعه، فإن شاء أقامَه، وإن شاء أَزاغَه، فنسألُ الله رَبَّنا ألا يُزِيغَ قلوبَنا بعدَ إِذْ هَدَانا، ونسألُه أَن يَهَبَ لنا من لَدُنْهُ رحمةً، إنه هو الوَهّابُ". قالت: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، ألا تُعَلِّمُني دعوةً أدعو بها لنفسِى؟ قال: "بلى (٢)، قوله: اللهمَّ رَبَّ النبيِّ محمدٍ، اغفِرْ لي ذنبي، وأَذْهِبْ غيظَ قلبي، وأَجرْنِى من مُضِلَّاتِ الفِتَنِ" (٣). حدَّثني محمدُ بنُ منصورٍ الطُّوسي، قال: ثنا محمد بن عبدِ اللهِ الزُّبيريُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبي سفيانَ، عن جابرٍ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يُكْثِرُ أن يقولَ: "يا مُقَلِّبَ القلوبِ ثَبِّتْ قلبي على دينِك". فقال له بعضُ أهله: تَخافُ علينا وقد آمنَّا بك وبما جِئْتَ به؟ قال: "إنَّ القلبَ بين إِصْبَعَين مِن أَصَابِعِ الرحمنِ ﵎، يقولُ بهما (٤) هكذا". وحرَّك أبو أحمدَ إصْبَعَيْه. قال أبو جعفرٍ: وإنَّ الطُّوسيَّ (٥) وسَقَ (٦) بين إِصْبَعَيْه (٧).

стр. 3348

حدَّثني سعيدُ بنُ يحيى الأُمويُّ، قال: ثنا أبو معاويةَ، قال: ثنا الأعمشُ، عن أبي سفيانَ، عن أنسٍ، قال: كان رسول اللهِ ﷺ كثيرًا ما يقولُ: "يا مُقَلِّبَ القُلوبِ ثَبِّتْ قلبى على دينِك". قلنا: يا رسولَ اللهِ، قد آمنَّا بك، وصدَّقْنا بما جئتَ به، فتَخافُ علينا؟ قال: "نعم، إِنَّ القُلوبَ بين إِصْبَعَين من أصابعِ اللهِ، يُقَلِّبُها (١) ﵎" (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكَمِ، قال: ثنا بشرُ بنُ بكرٍ، وحدثنى عليُّ بن سهلٍ، قال: ثنا [أيوبُ بنُ بشرٍ، جميعًا] (٣) عن ابن جابرٍ، قال: سَمِعْتُ بُسْرَ (٤) بنَ عُبيدِ اللهِ، قال: سَمِعْتُ أبا إدريسَ الخَوْلانيَّ يقولُ: سَمِعْتُ النَّوَّاسَ بنَ سَمعَانَ الكِلابيَّ، قال: سمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "ما من قلبٍ إلا بين إصْبَعَين مِن أصابعِ الرحمنِ، إن شاءَ أقامَه، وإن شاءَ أزاغَه". وكان رسولُ اللهِ ﷺ يقولُ: "يا مُقَلِّبَ القلوبِ ثَبِّتْ قلوبنَا على دينِك، والميزانُ بيدِ الرحمنِ، يَرْفَعُ أقوامًا ويَخْفِضُ آخرين إلى يومِ القيامةِ" (٥). حدَّثني عمرُ بنُ عبدِ الملكِ الطائيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ عُبيدةَ، قال: ثنا الجرَّاحُ

стр. 3349

ابن مليحٍ البَهْرانيُّ، عن الزُّبَيْدِيُّ، عن جُبَيْرٍ (١)، عن سَمُرَةَ بن فاتكٍ الأسَديِّ، وكان من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، عن النبي ﷺ أنه قال: "الموازين بيدِ اللهِ، يَرْفَعُ قومًا (٢) ويضَعُ قومًا (٢)، وقلبُ ابن آدمَ بين إصْبَعَين من أصابعِ الرحمنِ، إذا (٣) شاء أزاغَه، وإذا (٣) شاء أقامَه" (٤). حدَّثني المثَنَّى، قال: ثنا سُوَيدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن حَيْوَةَ بن شُرَيحٍ، قال: أخبَرني أبو هانئٍ الخَوْلانيُّ، أنه سمِع أبا عبد الرحمنِ الحُبُلِّيَّ يقولُ: سمِعْتُ عبد اللهِ بنَ عمرِو بن العاصِ يقولُ: سمِعْتُ رسول الله ﷺ يقولُ: "إن قلوبَ بني آدمَ كلَّها بين إصْبَعَين مِن أصابعِ الرحمنِ كقَلْبٍ واحدٍ، يُصَرَّفُ كيف يَشاءُ (٥) ". ثم يقولُ رسولُ اللهِ ﷺ : "اللهمَّ مُصَرّفَ القلوبِ صَرِّفْ قلوبَنا إلى طاعتِك" (٦). حدَّثنا الربيعُ بن سليمانَ، قال: ثنا أسدُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَهْرامَ، قال: ثنا شهرُ بنُ حَوْشَبٍ، قال: سَمِعْتُ أَمَّ سَلَمَةَ تُحَدِّثُ أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يُكْثِرُ في دعائِه أن يقولَ: "اللهمَّ ثَبِّتْ قلبي على دينِك". قالت: قلتُ:

стр. 3350

يا رسولَ اللهِ، وإنَّ القلوبَ لَتُقَلَّبُ؟ قال: "نعم، ما مِن خلقِ اللهِ مِن بني آدمَ بشرٌ إلا أن قلبَه بين إصْبَعَين من أصابعِ اللهِ، إن شاء أقامَه، وإن شاء أزاغَه، فنَسألُ الله رَبَّنَا أَلا يُزِيغَ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسألُه أنْ يَهَب لنا من لَدُنْه رحمةً، إنه هو الوهّابُ (١) ". القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩)﴾. يَعنى بذلك جل ثناؤُه أنهم يقولون أيضًا - مع قولِهم: آمنَّا بما تشابَهَ من آيِ (٢) كتابِ ربِّنا؛ كلُّ (٣) المُحْكَمِ والمتشابِهِ الذي فيه من عندِ ربِّنا -: يا ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾. وهذا من الكلامِ الذي اسْتُغْنى بذكرِ ما ذُكِرَ منه عمّا تُرِك ذكرُه. وذلك أن معنَى الكلامِ: ربَّنا إِنَّك جامعُ الناسِ ليومِ القيامة، فاغفِرْ لنا يومئذٍ، واعفُ عنَّا، فإنك لا تُخْلِفُ وَعْدَك أنَّ مَن آمَن بك، واتَّبع رسولَك، وعمِل بالذي أمرْتَه به في كتابِك، أنَّك غافرُه يومئذٍ. وإنما هذا من القومِ مسألةٌ ربَّهم أن يُثَبِّتَهم على ما هم عليه من حُسْنِ نُصْرَتِهم (٤) بالإيمانِ باللهِ ورسولِه، وما جاءهم به من تنزيلِه، حتى يَقْبِضَهم على أحسنِ أعمالِهم وإيمانِهم، فإنه إذا فعَل ذلك بهم وجَب لهم الجنةُ؛ لأنه قد وعَد مَن فعَل ذلك به من عبادِه (٥) أنَّه يُدْخِلُه الجنةَ. فالآيةُ وإن كانت قد خرَجتْ مَخْرَجَ الخبرِ، فإنَّ تأويلَها من

стр. 3351

القومِ مسألةٌ ودعاءٌ ورغبةٌ إلى ربِّهم. وأمّا معنى قولِه: ﴿لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. فإنه: لا شَكَّ فيه. وقد بَيَّنَّا ذلك بالأدلةِ على صحتِه فيما مضَى قبلُ (١). ومعنى قولِه: ﴿لِيَوْمٍ﴾: في يومٍ. وذلك يومٌ يَجْمَعُ اللهُ فيه خلقَه لفصلِ القضاءِ بينهم في موقفِ العَرْضِ والحسابِ. والميعادُ: المِفْعالُ، من الوعدِ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠)﴾. يعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: إِنَّ الذين جحَدوا الحقَّ الذي قد عرَفوه من نُبُوَّةِ محمدٍ ﷺ ، من يهودِ بني إسرائيلَ ومنافِقِيهم، ومنافِقِى العربِ وكفارِهم، الذين في قلوبِهم زَيْغٌ، فهم يَتَّبِعُون من كتابِ اللهِ المتشابِهَ ابتغاءَ الفتنةِ وابتغاءَ تأويلِه، ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾. يعنى بذلك أنَّ أموالَهم وأولادَهم لن تُنْجِيَهم من عقوبةِ اللهِ إنْ أحلَّها بهم عاجلًا، في الدنيا على تكذيبِهم بالحقِّ بعد تَبَيُّنِهم (٢)، واتباعِهم المتشابِهَ طلبَ اللَّبْسِ، فتَدْفَعَها عنهم، ولا يُغْنِي [ذلك عنهم منها] (٣) شيئًا، وهم في الآخرةِ ﴿وَقُودُ النَّارِ﴾ يعنى بذلك: حَطَبَها. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١١)﴾.

стр. 3352

يعْنى بذلك جلّ ثناؤه: إنَّ الذين كفَروا لن تُغْنِىَ عنهم أموالُهم ولا أولادُهم مِن اللهِ شيئًا عندَ حُلولِ عقوبتِنا بهم، كسُنَّةِ آلِ فرعونَ وعادتِهم (١)، والذين مِن قبلِهم مِن الأممِ الذين كذَّبوا بآياتِنا، فأخذْناهم بذنوبِهم، فأَهْلَكْناهم حين كذَّبوا بآياتِنا، [فلم تُغنِ] (٢) عنهم أموالُهم ولا أولادُهم مِن اللهِ شيئًا حينَ جاءَهم بأسُنا كالذين عُوجِلُوا بالعقوبةِ على تكذيبِهم ربَّهم مِن قَبلِ آلِ فرعونَ، مِن قومِ نوحٍ وقوم هودٍ وقومِ لوطٍ وأمثالِهم. واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: كسُنَّتِهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ بنُ الحَجّاجِ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ في قولِه: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾. يقولُ: كسُنَّتِهم (٣). وقال بعضُهم: معْناه: كعَمَلِهم (٤). ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشّارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، وحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو نُعَيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، جميعًا عن جويبرٍ، عن الضّحّاكِ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾. قال: كعملِ آلِ فرعونَ (٥).

стр. 3353

حدَّثنا يحيَى بنُ أبى طالبٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا جُويبرٌ، عن الضّحّاكِ في قولِه: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾. قال: كعملِ آلِ فرعونَ. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ قال: كأعمالِهم (١)، كفعلِهم، كتَكْذيبِهم حينَ كذَّبوا الرسلَ. وقرأ قولَ اللهِ: ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [غافر: ٣١]. أن يُصيبَكم مثلُ الَّذى أصابَهم عليه مِن عذابِ اللهِ. قال: الدَّأْبُ العملُ. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُمَيْلةَ يحيَى بنُ واضحٍ، عن أبي حمزةَ، عن جابرٍ، عن عكرمةَ ومجاهدٍ في قولِه: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾. قال: كفعلِ آلِ فرعونَ، كشَأْنِ آلِ فرعونَ (٢). حُدِّثْتُ عن المِنْجابِ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضّحّاكِ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾. قال: كصُنْعِ آلِ فرعونَ (٣). وقال آخرون: معنى ذلك: كتَكْذيبِ آلِ فرعونَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى موسَى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ: عن السديِّ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾: ذكَر الذين كفَروا فقال (٤): تكذيبُهم كمثلِ تكذيبِ الذين مِن قبلِهم في الجُحودِ والتَّكذيبِ (٥).

стр. 3354

وأصلُ الدَّأْبِ مِن: دأَبْتُ في الأمرِ دأْبًا، إذا أدْمَنْتَ العملَ والتعبَ فيه. ثم إن العربَ نقَلَت معناه إلى الشأنِ والأمرِ والعادةِ، كما قال امرُؤُ القيسِ بنُ حُجْرٍ (١): وإن شِفائى عَبْرَةٌ مُهَرَاقةٌ (٢) … فهل عندَ رسمٍ دارِسٍ مِن مُعَوَّلِ (٣) كدَأْبِك (٤) مِن أُمِّ الحُوَيْرِثِ قبلَها … وجارتِها أُمِّ الرَّبابِ بمَأْسَلِ يَعْنى بقولِه: كدأْبِك. كشأنِك (٥) وأمرِك وفعلِك. يقالُ منه: هذا دأْبى ودأبُك أبدًا. يَعْنى به: فِعْلى وفِعْلُك، وأمْرِى وأمْرُك، وشأنِى وشأنُك. يقالُ منه: دأَبْتُ دُؤوبًا ودأْبًا. وحُكِى عن العربِ سَماعًا: دأَبْتُ دَأَبًا. مُثقلةً مُحرَّكةَ الهمزةِ، كما قيل: هذا شَعَرٌ ونَهَرٌ (٦). فتُحَرِّكُ ثانيَه؛ لأنه حرفٌ مِن الحروفِ الستةِ (٧)، فأُلْحق الدأَبُ إذ كان ثانِيه مِن الحروفِ الستةِ، كما قال الشاعرُ (٨): [له نَعَلٌ لا تطَّبِى] (٩) (١٠) الكلبَ ريحُها … وإن وُضِعَت [بينَ المَجالِسِ] (١١) شُمَّتِ وأما قولُه: ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. فإنه يعْنى به: واللهُ شديدٌ عقابُه لَمن كفَر به وكذَّب رُسلَه، بعدَ قيامِ الحُجَّةِ عليه.

стр. 3355

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢)﴾. اخْتَلَفَتِ القَرَأةُ في ذلكَ؛ فقرأه بعضهم: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ﴾ بالتاءِ، على وجهِ الخطابِ للذين كفَروا بأنهم سيُغْلَبون (١). واحتجُّوا لاختيارِهم قراءةَ ذلك بالتَّاءِ بقولِه: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ﴾. قالوا: ففِى ذلك دليلٌ على أن قولَه: ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾. كذلك خطابٌ لهم، وذلك هو قراءةُ عامَّةِ قرأَةِ الحجازِ والبصرةِ وبعضِ الكوفييِّنَ. وقد يَجوزُ لَمن كانت نيَّتُه في هذه الآيةِ أن المَوْعُودينَ بأن يُغلَبُوا هم الذين أُمِر النبيُّ ﷺ بأن يقولَ ذلك لهم، أن يَقْرَأَه بالتاءِ واليَّاءِ؛ لأن الخِطابَ بالوَحْى حينَ نزَل لغيرِهم، فيَكونُ نظيرَ قولِ القائلِ في الكلامِ: قلتُ للقومِ: إنكم مَغْلُوبون. وقلتُ لهم: إنهم مغلُوبون. وقد ذُكِر أنّ في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (قُلْ للذين كفَروا إِن تَنْتَهُوا يُغْفَرْ لكم) (٢). وهى في قراءتِنا: ﴿إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ﴾ [الأنفال: ٣٨]. وقرأَتْ ذلكَ جماعةٌ مِن قرأةٍ أهلِ الكوفةِ: (سَيُغْلَبون ويُحشَرون). على معْنى: قُلْ لليهودِ: سيُغْلَبُ مُشرِكو العربِ، ويُحْشَرون إلى جهنمَ. ومَن قرَأ ذلك كذلك على هذا التأويلِ، لمْ يَجُزْ في قراءَتِه غيرُ الياءِ. والذي نَخْتارُ مِن القِراءةِ في ذلك قراءةُ مَن قرَأَه بالتَّاءِ، بمعنى: قلْ يا محمدُ للذين كفَروا مِن يهودِ بنى إسرائيلَ، الذين يَتَّبِعون ما تَشابَه مِن آى الكتابِ الذي أنْزَلْتُه إليك ابْتِغاءَ الفتنةِ وابتغاءَ تأويلِه: ﴿سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ

стр. 3356

الْمِهَادُ﴾. وإنما اخْتَرْنا قراءةَ ذلك كذلك، على قراءتِه بالياءِ، لدلالةِ قولِه: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ﴾. على أنهم بقولِه: ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ مُخاطَبُون خطابَهم بقولِه: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ﴾. فكان إلحْاقُ الخطابِ بمثلِه مِن الخطابِ أوْلى مِن الخطابِ بخلافِه مِن الخبرِ عن غائبٍ. وأخْرَى: أن أبا كُرَيْبٍ حَدَّثَنا، قال: ثنا يونُسُ بنُ بُكيرٍ، عن محمدِ بن إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولَى زيدٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، أو عِكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا أصابَ رسولُ اللهِ ﷺ قريشًا يومَ بدرٍ، فقدِم المدينةَ، جمَع يهودَ في سوقِ بنى قَيْنُقاعَ فقال: "يا مَعْشَرَ يَهودَ، أسْلِمُوا قبلَ أن يُصِيبَكم مثلُ ما أصابَ قريشًا". فقالوا: يا محمدُ، لا تَغُرَّنَّك نفْسُك أنكَ قَتَلْتَ نفرًا مِن قريشٍ كانوا أعْمارًا لا يَعْرِفُون القِتالَ، إنك واللهِ لو قاتَلْتَنا لعرَفْتَ أنا نحن الناسُ، وأنك لم تَأْتِ (١) مثلَنا. فأنْزَل اللهُ في ذلك مِن قولِهم: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ إلى قولِه: ﴿لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (٢). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن عاصمِ بن عمرَ بن قتادةَ، قال: لما أصابَ اللهُ قريشًا يومَ بدرٍ، جمَع رسولُ اللهِ ﷺ يهودَ في سوقِ بنى قَيْنُقاعَ حينَ قدِم المدينةَ. ثم ذكَر نحوَ حديثِ أبى كُريْبٍ، عن يونُسَ (٣). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: كان مِن أمْرِ بنِى

стр. 3357

قَيْنُقاعَ، أن رسولَ اللهِ ﷺ جمعَهم بسوقِ بنى قَيْنُقاعَ، ثم قال: "يا معشرَ اليهودِ، احذَرُوا مِن اللهِ مثلَ ما نزَل بقريشٍ مِن النِّقْمةِ، وأسْلِمُوا، فإنكم قد عرَفْتُم أنى نبيٌّ مُرْسَلٌ، تَجِدُون ذلكَ في كتابِكم، وعَهْدِ اللهِ إليكم". فقالوا: يا محمدُ، إنك تَرَى أنَّا كقومِك (١)! لا يَغُرَّنَّك أنك لقِيتَ قومًا لا عِلْمَ لهم بالحربِ، فأصَبْتَ فيهم فُرْصةً، إنَّا واللهِ لَئنْ حارَبْناك لَتَعْلَمَنَّ أنا نحن الناسُ (٢). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن محمدِ بن أبى محمدٍ مولَى آلِ زيدِ بن ثابتٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ أو عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: ما نزَلَتْ هؤلاء الآياتُ إلا فيهم: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ إلى ﴿لِأُولِي الْأَبْصَار﴾ (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾. قال فِنْحاصُ اليهوديُّ في يومِ بدرٍ: لا يَغُرَّنَّ محمدًا أنْ غلَب قريشًا وقتَلهم، إنّ قريشًا لا تُحْسِنُ القتالَ. فنزَلَت هذه الآيةُ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ (٤). قال أبو جعفرٍ: فكلُّ هذه الأخبارِ تُنْبِئُ (٥) عن أن المخاطَبِين بقولِه: ﴿سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ هم اليهودُ المَقولُ لهم:

стр. 3358

﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ﴾ الآية، وتَدُلُّ على أن قراءةَ ذلك بالتاءِ أوْلَى مِن قراءتِه بالياءِ. ومعْنى قولِه: ﴿وَتُحْشَرُونَ﴾: وتُجْمَعون فتُجْلَبون (١) ﴿إِلَى جَهَنَّمَ﴾. وأما قولُه: ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾: وبئسَ الفِراشُ جهنمُ التي تُحْشَرون إليها. وكان مجاهدٌ يقولُ كالذى حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾. قال: بئسما مَهَدوا لأنفسِهم (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾. يَعنى بذلك جلّ ثناؤُه: قُلْ يا محمدُ للذين كفَروا مِن اليهودِ، الذين بين ظَهْرانَىْ بلدِك: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾، يعْنى: علامةٌ ودَلالةٌ على صدقِ ما أَقولُ (٣): إنكم ستُغْلَبون. وعِبْرةٌ. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾: عِبْرةٌ وتفَكُّرٌ (٤).

стр. 3359

حدَّثني المثنّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه، إلا أنه قال: ومُتَفَكَّرٌ (١). ﴿فِي فِئَتَيْنِ﴾. يعْنى: في فِرْقَتَين وحِزْبَين. والفِئةُ الجَماعةُ مِن الناسِ، ﴿الْتَقَتَا﴾ للحربِ، وإحدَى الفئتين رسولُ اللهِ ﷺ ومَن كان معه ممَّن شهِد وَقْعَةَ بدرٍ، والأخرى مُشْرِكو قريشٍ، ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: جَماعةٌ تُقاتِلُ في طاعةِ اللهِ وعلى دينِه، وهم رسولُ اللهِ ﷺ وأصحابُه، ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾: وهم مُشْرِكو قريشٍ. كما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا يُونُسُ بنُ بُكَيْرٍ، عن محمدِ بن إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولَى زيدِ بن ثابتٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ أو عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ ببدرٍ، ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾: فئةُ قريشٍ الكفارُ (٢). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن أبى محمدٍ مولَى زيدِ بن ثابتِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ أو عكرمةَ، عن ابن عباسٍ مثلَه (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عكرمةَ: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: محمدٌ ﷺ وأصحابُه، ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾: قريشٌ يومَ بدرٍ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي

стр. 3360

نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ﴾. قال: في محمدٍ وأصحابِه ومُشْرِكى قريشٍ يومَ بدرٍ (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ مثلَه. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيَى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخْبَرَنا الثَّورِيُّ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ في قولِه: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال: ذلك يومُ بدرٍ، الْتَقَى المسلمون والكفارُ (٢). ورُفِعَت: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. وقد قيل قبلَ (٣) ذلك: ﴿فِي فِئَتَيْنِ﴾. بمعنى: إحداهما تقاتلُ في سبيلِ اللهِ. على الابتداءِ، كما قال الشاعر (٤): فكنتُ كذِى رِجْلَين رِجْلٌ صَحيحةٌ … ورِجُلٌ رَمَى فيها الزَّمانُ فشَلَّتِ وكما قال ابن مُفَرِّغٍ (٥): فكنتُ كذِى رِجْلَيْن رِجْلٌ صَحيحةٌ … ورِجْلٌ بها رَيْبٌ مِن الحَدَثانِ فأمَّا التي صحَّتْ فأزْدُ شَنُوءةٍ … وأمَّا التي شَلَّتْ فأَزْدُ عُمَانِ وكذلك تَفْعَلُ العربُ في كلِّ مُكَرَّرٍ على نظيرٍ له قد تقَدَّمه، إذا كان مع المُكَرَّرِ

стр. 3361

خبرٌ، تَرُدُّه على إعرابِ الأولِ مرةً، وتَسْتَأْنِفُه ثانيةٌ بالرفعِ، وتَنْصِبُه في التامِّ مِن الفعلِ والناقصِ، وقد جُرَّ ذلك كلُّه، فخُفِض على الردِّ على أولِ الكلامِ، كأنه (١) يعنى إذا خفَض ذلك: (٢) فكنتُ كذى رِجْلَينِ: كذِى رجلٍ صحيحةٍ ورجلٍ سقيمةٍ. وكذلك الخفضُ في قولِه: ﴿فِئَةٌ﴾ جائزٌ على الردِّ على قولِه: ﴿فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾: في فئةٍ تُقاتِلُ في سبيلِ اللَّهِ. وهذا وإن كان جائزًا في العربيةِ، فلا أَسْتَجِيزُ القراءةَ به؛ لإجماعِ الحُجَّةِ مِن القرَأةِ علَى خلافِه. ولو كان قولُه: ﴿فِئَةٌ﴾ جاء نصبًا كان جائزًا أيضًا على قولِه: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾: مُخْتَلِفَتَين. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾. اختَلَفَت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه قرأةُ أهلِ المدينةِ: (تَرَوْنَهم) بالتاءِ (٣)، بمعنى: قد كان لكم أيُّها اليهودُ آيةٌ في فئتَينْ الْتَقَتا، فئةٌ تُقاتِلُ في سبيلِ اللَّهِ والأخْرى كافرةٌ، تَرَوْن المشركين مِثْلَى المسلمين رأْىَ العينِ. يُرِيدُ بذلك عِظَتَهم، يقولُ: إن لكم عِبْرةً أيُّها اليهودُ فيما رأيْتُم مِن قلةِ عددِ المسلمينَ وكثرةِ عددِ المشركينَ، وظَفَرِ هؤلاء مع قلةِ عددِهم، بهؤلاء مع كثرةِ عددِهم. وقرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ الكوفةِ والبصرةِ وبعضُ المَكِّيِّين: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ﴾ بالياءِ، بمعْنى: يَرَى المسلمون الذين يُقاتِلون في سبيلِ اللهِ الجماعةَ الكافرةَ مِثْلَى المسلمينَ في القَدْرِ. فتأويلُ الآيةِ على قراءتِهم: قد كان لكم يا مَعشرَ اليهودِ عِبْرةٌ

стр. 3362

ومُتَفَكَّرٌ في فئتينِ الْتَقَتا، فئةٌ تُقاتِلُ في سبيلِ اللهِ، وأخْرى كافرةٌ، يَرَى هؤلاء المسلمونَ (١) مع قلةِ عددِهم هؤلاء المشركينَ (٢) في كثرةِ عددِهم. فإن قال قائلٌ: وما وجهُ تأويلِ قراءةِ مَن قرَأ ذلك بالياءِ؟ وأيُّ الفئتَين رأَت صاحبتَها مثلَيْها، الفئةُ المسلمةُ هي التي رأَتِ المشركةَ مثلَيْها، أم المشركةُ هي التي رأَتِ المسلمةَ كذلك، أم غيرُهما (٣) رأَتْ إحداهما كذلك؟ قيل: اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: الفئةُ التي رأَتِ الأخْرى مثلَىْ أنفسِها الفئةُ المسلمةُ، رأَتْ عددَ الفئةِ المشركةِ مثلَىْ عددِ الفئةِ المسلمةِ، قلَّلها اللهُ في أعينِها حتى رأَتْها مِثْلَىْ عددِ أنفسِها، ثم قلَّلها في حالٍ أخْرى فرأَتْها (٤) مثلَ عددِ أنفسِها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا موسَى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ، في خبرٍ ذكَرَه عن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابن مسعودٍ: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾. قال: هذا يومُ بدرٍ. قال عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ: وقد نظَرْنا إلى المشركينَ، فرأَيْناهم يُضْعِفون علينا، ثم نظَرْنا إليهم فما رأَيْناهم يَزِيدُون علينا رجلًا واحدًا، وذلك قولُ الله : ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي

стр. 3363

أَعْيُنِهِمْ﴾ (١) [الأنفال: ٤٤]. فمعْنى الآيةِ على هذا التأويلِ: قد كان لكم يا مَعشرَ اليهودِ آيةٌ في فئتين التَقَتا؛ إحداهما مسلمةٌ والأخْرى كافرةٌ، كثيرٌ عددُ الكافرةِ، قليلٌ عددُ المسلمةِ، تَرَى الفئةُ القليلُ عددُها الكثيرَ عددُها أمثالًا (٢)، إنما (٣) تَكْثُرُها مِن العددِ بمِثْلِ واحدٍ، فهم يَرَوْنَهم مِثْلَيْهم. فيكونُ أحدُ المِثْلَيْن عندَ ذلك العددَ الذي هو مثلُ عددِ الفئةِ التي رأَتْهم، والمثلُ الآخرُ الضِّعْفَ الزائدَ على عددِهم. فهذا أحدُ معْنيَى التَّقليلِ الذي أخْبَرَ اللهُ المؤمنينَ أنه قلَّلهم في أعينِهم. والمعنى الآخرُ منه: التَّقليلُ الثاني على ما قاله ابن مسعودٍ، وهو أن أراهم عددَ المشركين مثلَ عددِهم لا يَزِيدُون عليهم، فذلك التقليلُ الثاني الذي قال اللهُ جلّ ثناؤُه: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا﴾. وقال آخَرون مِن أهلِ هذه المَقالةِ: إن الذين رأَوُا المشركين مثلى أنفسِهم هم المسلمون، غيرَ أن المسلمين رَأَوْهم على ما كانوا به مِن عددِهم، لم يُقلَّلوا في أعينِهم، ولكنَّ اللَّهَ أيَّدَهم بنصرِه. قالوا: ولذلك قال اللهُ لليهودِ: قد كان لكم فيهم عِبْرةٌ. يُخَوِّفُهم بذلك أن يُحِلُّ بهم منهم مثلَ الذي أحَلَّ بأهلِ بدرٍ على أيْدِيهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمّى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي

стр. 3364

سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾. أُنْزِلَت في التَّخْفِيفِ يومَ بدرٍ، فإنَّ (١) المؤمنين كانوا يومَئذٍ ثلاثَمائةٍ وثلاثةَ عشَرَ رجلًا، وكان المشركون مثلَيْهم، فأنْزَلَ اللَّهُ : ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ وكان المشركون ستةً وعشرين وستَّمائةٍ، فأيَّد اللهُ المؤمنين، فكان هذا الذي في التَّخْفِيفِ على المؤمنين (٢). وهذه الروايةُ خِلافُ ما تَظاهَرَت به الأخبارُ عن عِدَّةِ المشركين يومَ بدرٍ، وذلك أن الناسَ إنما اخْتَلَفوا في عددِهم على وجهين؛ فقال بعضُهم: كان عددُهم ألفًا. وقال بعضُهم: ما بينَ التسعِمائةِ إلى الألفِ. ذكرُ مَن قال: كان عددُهم ألفًا حدَّثني هارونُ بنُ إسحاقَ الهَمْدانيُّ، قال: ثنا مُصْعَبُ بنُ المِقْدامِ، قال: ثنا إسرائيلُ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، عن حارثةَ، عن عليٍّ، قال: سار رسولُ اللَّهِ ﷺ إلى بدرٍ، فسبَقْنا المشركين إليها، فوجَدْنا فيها رَجُلين، منهم رجلٌ مِن قريشٍ، ومولًى لعُقْبةَ بن أبى مُعَيْطٍ، فأما القرشيُّ فانْفَلَت، وأما مولًى عُقْبةَ فأخَذْناه، فجعَلْنا نَقولُ: كم القومُ؟ فيقولُ: هم واللهِ كثيرٌ، شديدٌ بأسُهم. فجعَل المسلمون إذا قال ذلك ضرَبوه (٣)، حتى انْتَهَوْا به إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فقال له: "كم القومُ؟ ". فقال: هم واللهِ كثيرٌ، شديدٌ بأسُهم. فجهَد النبيُّ ﷺ (٤) أن يُخْبِرَه كم هم فأبَى، ثم إن رسولَ اللهِ ﷺ سأَله: "كم يَنْحَرُون مِن الجُزُرِ؟ ". قال: عشرةً كلَّ يومٍ. قال

стр. 3365

رسولُ اللهِ ﷺ : "القومُ ألفٌ" (١). حدَّثني أبو سعيدِ بنُ (٢) يُوشَعَ البغداديُّ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: أسَرْنا رجلًا منهم - يعنى مِن المشركين - يومَ بدرٍ، فقلْنا: كم كنتم؟ قال: ألفًا. ذكرُ مَن قال: كان عددُهم ما بينَ التسعِمائةِ إلى الألفِ حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: قال ابن إسحاقَ: ثنى يزيدُ بنُ رُومانَ، عن عروةَ بن الزبيرِ، قال: بَعث النبيُّ ﷺ نفرًا مِن أصحابِه إلى ماءِ بدرٍ يَلْتَمِسون الخبرَ له عليه، فأصابُوا رَاوِيةٌ مِن قريشٍ فيها أسْلَمُ غلامُ بنى الحَجَّاجِ، وعَرِيضٌ أبو يَسارٍ غلامُ بنى العاصِ، فأتَوْا بهما رسولَ اللهِ ﷺ ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ لهما: "كمِ القومُ؟ ". قالا: كثيرٌ. قال: "ما عِدَّتُهم؟ ". قالا: لا نَدْرِى. قال: "كم يَنْحَرُون كلَّ يومٍ؟ ". قالا: يومًا تسعًا، ويومًا عشرًا. قال رسولُ اللهِ ﷺ : "القومُ ما بينَ التسعِمائةِ إلى الألفِ" (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾. ذلكم يومُ بدرٍ، ألفٌ المشركون أو قارَبُوا، وكان أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ ثلاثَمائةٍ وبضعةَ عشَرَ رجلًا (٤).
следующие страницы →