← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.

стр. 3396

شيءٌ يَسْتَحِقُ العُبودَةَ غيرَ الواحدِ الذي لا شَريكَ له في مُلْكِه. ويعنى بـ "العزيز": الذي لا يَمْتَنِعُ عليه شيءٌ أراده، ولا يَنْتَصِرُ منه أحدٌ عاقَبَه أو انْتَقَم منه، "الحكيم" في تدبيرِه، فلا يَدْخُلُه خَلَلٌ. وإنما عنَى جل ثناؤُه بهذه الآيةِ نَفْىَ ما أضافَت النصارَى الذين حاجُّوا رسولَ اللهِ ﷺ في عيسى مِن البُنُوَّةِ، وما نسَب إليه سائرُ أهلِ الشركِ مِن أَنَّ له شَريكًا، واتخاذِهم دونَه أربابًا، فَأَخْبَرَهم اللهُ عن نفسِه، أنه الخالقُ كلَّ ما سواه، وأنه ربُّ كلَّ ما اتَّخَذه كلُّ كافرٍ وكلُّ مشركٍ ربًّا، دونَه، وأن ذلك مما يَشْهَدُ به هو وملائكتَه وأهلُ العلمِ به مِن خلقِه، فبدَأ جل ثناؤُه بنفسِه تَعْظيمًا لنفسِه، وتَنْزيهًا لها عما نسَب الذين ذكَرْنا أمرَهم مِن أهلِ الشركِ به ما نسَبوا إليها، كما سنَّ لعبادِه أن يَبْدَءوا في أمورِهم بذكرِه قبلَ ذِكْرِ غيرِه، مُؤَدِّبًا خلقَه بذلك. والمرادُ مِن الكلامِ الخبرُ عن شهادةِ مَن ارْتَضاهم مِن (١) خلقِه فقدَّموه؛ مِن ملائكتِه وعُلماءِ، عبادِه، فأعْلَمَهم أن ملائكتَه - التي يُعَظِّمُها العابدون غيرَه مِن أهلِ الشركِ، ويَعْبُدُها (٢) الكثيرُ منهم - وأهلَ العلمِ منهم، مُنْكِرون ما هم عليه مُقِيمون من كُفْرِهم، وقولِهم في عيسى، وقولَ مَن اتَّخَذ ربًّا غيرَه مِن سائرِ الخلقِ، فقال: شهِدتِ الملائكةُ وأولو العلمِ أنّه لا إلهَ إلا هو، وأن كلَّ مَن اتَّخَذ ربًّا دونَ اللَّهِ فهو كاذِبٌ. احتِجاجًا منه لنبيِّه ﵇، على الذين حاجُّوه مِن وفدِ نَجْرانَ في عيسى. واعتُرِض بذكْرِ اللَّهِ وصفتِه، على ما بيَّنْتُ (٣)، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿وَاعْلَمُوا

стр. 3397

أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]. افتتاحًا باسمِه الكلامَ، فكذلك افتَتَح باسمِه والثناءِ على نفسِه الشهادةَ بما وصَفنا من نَفْي الألوهةِ عن غيرِه، وتَكْذيبِ أهلِ الشركِ به. فأما ما قال الذي وصَفْنا قولَه مِن أنّه عنَى بقولِه: ﴿شَهِدَ﴾: قَضَى. فمِمَّا لا يُعرَفُ في لغةِ العربِ ولا العَجَمِ؛ لأن الشهادةَ معنىً، والقضاءَ غيرُها. وبنحوِ ما قلنا في ذلك رُوِى عن بعضِ المُتقدِّمِين القولُ في ذلك. حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾: بخلافِ ما قالوا، يعنى بخلافِ ما قال وَفْدُ نَجْرانَ مِن النصارَى، ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ أَي: بالعدل (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بِالْقِسْطِ﴾: بالعدلِ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾. ومعْنى الدِّينِ في هذا الموضعِ: الطاعةُ والذِّلَّةُ، من قولِ الشاعرِ (٢): ويوم الحَزْنِ إِذْ حَشَدَت مَعَدٌّ … وكان الناسُ إلا نحنُ دِينَا يعنى بذلك: مُطِيعينَ على وَجْهِ الذُّلِّ. ومنه قولُ القُطَامِيِّ (٣):

стр. 3398

كانت نَوَارُ (١) تَدِينُكَ الأَدْيانا يَعْنى: تُذِلُّكَ. وقولُ الأعشَى ميمونِ بن قَيسٍ (٢): هو دانَ الرِّبابَ إِذْ كَرِهوا الدِّيـ … ـنَ دِرَاكًا بِغَزْوَةٍ وَصِيالِ يَعنى بقولِه (٣): دانَ. ذَلَّل، وبقولِه: كرِهوا الدِّينَ. الطاعةَ. وكذلك الإسلامُ، وهو الانْقِيادُ بالتَّذَلُّلِ والخشوعِ، والفعلُ منه "أسلَم"، بمعْنى: دخَل في السِّلْمِ، كما يقالُ: أقحَط القومُ. إذا دخَلوا في القَحْطِ، وأربَعوا، إذا دخَلوا في الربيعِ، فكذلك: أسلَموا، إذا دخَلوا في السِّلْمِ، وهو الانْقِيادُ بالخضوعِ وتَرْكُ المُمَانَعةِ. فإذْ كان ذلك كذلك، فتأويلُ قولِه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾. إِنَّ الطاعةَ للهِ [- التي هي الطاعةُ له] (٤) عندَه - [الطاعةُ له] (٥)، وإقرارُ الألسنِ والقلوبِ له بالعُبودَةِ والذِّلَّةِ، وانقيادُها له بالطاعةِ فيما أمَر ونهَى، وتَذَلُّلُها له بذلك، من غيرِ استكبارٍ عليه، ولا انحرافٍ عنه، دونَ إشراكِ غيرِه من خَلْقِه معه في العبودةِ والألوهَةِ. وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ الدِّينَ

стр. 3399

عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾: والإسلامُ شهادةُ أن لا إلهَ إلا اللهُ، والإقرارُ بما جاء به مِن عندِ اللهِ، وهو دينُ اللهِ الذي شرَع لنفسِه، وبعَث به رُسُلَه، ودلَّ عليه أولياءَه، لا يَقْبَلُ غيرَه، ولا يَجْزِى إلا به (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: ثنا أبو العاليةِ في قولِه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾. قال: الإسلامٌ الإخلاصُ للهِ وحدَه، وعبادتُه لا شريكَ له، وإقامُ الصلاةِ، وإيتاءُ الزكاةِ، وسائرُ الفرائضِ لهذا تَبَعٌ (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]. قال: دخَلنا في السِّلْمِ، وترَكنا الحربَ (٣). حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾: أي ما أنت عليه يا محمدُ مِن التوحيدِ للربِّ والتَّصْديقِ للرسلِ (٤). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾. يَعنى بذلك جلّ ثناؤه: وما اختَلف الذين أُوتُوا الإنجيلَ - وهو الكتابُ الذي ذكَره اللهُ في هذه الآيةِ - في أمرِ عيسى، وافترائِهم على اللهِ فيما قالُوه فيه مِن الأقوالِ التي كَثُر بها اختلافُهم بينَهم، وتَشتَّتَتْ بها كلمتُهم، وبايَن بها بعضُهم بعضًا،

стр. 3400

حتى استَحلَّ بها بعضُهم دماءَ بعضٍ، ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ يعنى: إلا مِن بعدِ ما عَلِموا الحقَّ فيما اختَلَفوا فيه مِن أَمْرِه، وأيقَنوا أنهم فيما يقولون فيه مِن عظيمِ الفِرْيةِ مُبْطلون، فأخبرَ اللَّهُ عبادَه أَنهم أَتَوْا مَا أَتَوْا مِن الباطلِ، وقالوا ماقالُوا مِن القولِ الذي هو كفرٌ باللهِ، على علمٍ منهم بخطأَ ما قالوه، وأنهم لم يقولوا ذلك جهلًا منهم بخَطئِه، ولكنّهم قالُوه واختَلَفوا فيه الاختلافَ الذي هم عليه؛ تَعَدِّيًا من بعضِهم على بعضٍ، وطلبَ الرياساتِ والملكِ والسلطانِ. كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾. قالُ: قال أبو العاليةِ إلا من بعدِ ما جاءهم الكتابُ والعلمُ ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ يقولُ: بَغْيًا علَى الدنيا، وطلبَ مُلْكِها وسُلطانِها، فقَتَل بعضُهم بعضًا على الدنيا، مِن بعدِ ما كانوا علماءَ الناسِ (١). حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، عن ابن عمرَ أنه كان يُكْثِرُ تلاوةَ هذه الآيةِ: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾. يقولُ: بَغْيًا على الدنيا، وطلبَ مُلْكِها وسُلطانِها، من قِبَلِها واللهِ (٢) أُتِينا، ما كان علينا مَن يكونُ علينا (٣)، بعدَ أن يأخُذَ فينا كتابَ اللَّهِ وسنةَ نَبيِّه! ولكنَّا أُتِينَا مِن قِبَلِها. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن

стр. 3401

الربيعِ، قال: إنّ موسى لمَّا حضَره الموتُ دَعا سبعينَ حَبْرًا مِن أحبارِ بني إسرائيلَ، فاستَودَعهم التوراةَ، وجعَلهم أُمَناءَ عليه، كلَّ حَبْرٍ جَزءًا منه، واستخلَف موسى يوشعَ بنَ نونٍ، فلما مضَى القرنُ الأوَّلُ ومضَى الثانِى ومضَى الثالثُ، وقَعَت الفُرقةُ بينَهم؛ وهم الذين أُوتوا العلمَ مِن أبناء أولئك السبعينَ، حتى أَهْرَاقوا بينَهم الدماءَ، ووَقَع الشَّرُّ والاختلافُ، وكان ذلك كلُّه مِن قِبَلِ الذين أُوتوا العلمَ بَغْيًا بينَهم على الدنيا، طلبًا لسلطانِها ومُلْكِها وخزائنها وزُخْرفِها، فسَلَّط اللهُ عليهم جَبابِرتَهم، فقال اللهُ: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾. إلى قولِه: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (١). فقولُ (٢) الربيعِ بن أنسٍ هذا يدُلُّ على أنه كان عندَه أنه معنِيٌّ بقولِه: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ اليهودُ مِن بنى إسرائيلَ، دونَ النصارَى منهم ومن غيرِهم. وكان غيرُه يُوَجِّهُ ذلك إلى أن المعنِيَّ به النصارى (٣) الذين أُوتوا الإنجيلَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾: الذي جاءك، أي أنّ اللَّهَ الواحدُ الذي ليس له شريكٌ، ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾. يَعنى بذلك النصارَى (٤).

стр. 3402

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩)﴾. يَعنى بذلك جل ثناؤُه: ومَن يَجحَدْ حُجَجَ اللَّهِ وأعلامَه التي نصَبها ذكرَى لمن عَقَل، وأدلةً لمن اعتَبَر وتَذكَّر، فإنّ اللَّهَ مُحْصٍ عليه أعمالَه التي كان يعمَلُها في الدنيا، فمُجازِيه بها في الآخرةِ، فإنه جلّ ثناؤه سريعُ الحسابِ، يَعنى: سريعُ الإحصاءِ. وإنما معْنى ذلك، أنه حافظٌ على كلِّ عاملٍ عَمَلَه، لا حاجةَ به إلى عَقْدٍ، كما يَعْقِدُه خلقُه بأَكُفِّهم، أو يعونَه بقلوبِهم، ولكنه يحفَظُ ذلك عليهم بغيرِ كُلْفةٍ ولا مَئونةٍ، ولا معاناةٍ لِما يُعانيه غيرُه مِن الحُسّابِ. وبنحوِ الذي قُلنا في معنَى: ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. كان مجاهدٌ يقولُ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ : ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. قال: إحصاؤُه عليهم. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾: إحصاؤُه (١). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ (٢). يَعنى بذلك جلّ ثناؤه: فإن حاجَّك يا محمدُ النَّفَرُ مِن نصارَى أهلِ نَجْرانَ في أمرِ عيسى صلواتُ اللهِ عليه، فخاصَمُوك فيه بالباطلِ، فقُلْ: انقَدْتُ للهِ وحدَه،

стр. 3403

بلسانِي وقلبِي وجميعِ جَوارحِي. وإنما خصَّ جلّ ذكرُه بأمرِه بأن يقولَ: ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾. لأن الوَجْهَ أكرمُ جَوارح ابن آدمَ عليه، وفيه بهاؤُه وتَعْظيمُه، فإذا خضَع وجهُه لشيءٍ (١)، فقد خضَع له الذي هو دونَه في الكرامِة عليه مِن جَوارحِ بدنِه. وأمَّا قولُه: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾. فإنه يَعنى: وأسلَم مَن اتَّبَعنى أيضًا وجهَه للهِ معِي، و ﴿وَمَنِ﴾ معطوفٌ بها على التاءِ في ﴿أَسْلَمْتُ﴾. كما حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرٍ: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾ أي: بما يأتُونك به مِن الباطلِ مِن قولِهم: خلَقنا، وفعَلنا، وجعَلنا، وأمَرنا. فإنما هي شُبَهٌ باطِلةٌ، قد عرَفوا ما فيها مِن الحقِّ، ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾. يَعنى بذلك جلّ ثناؤه: ﴿وَقُلْ﴾ يا محمدُ ﴿لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ من اليهودِ والنصارَى، ﴿وَالْأُمِّيِّينَ﴾ الذين لا كتابَ لهم من مشركي العربِ: ﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾؟ يقولُ: قل لهم: هل أفرَدْتم التوحيدَ، وأخلَصتُم العبادةَ والألوهةَ لربِّ العالمينَ، دونَ سائرِ الأندادِ والأشراكِ (٣) التي تُشْرِكونها معه في عبادتِكم إيَّاهم، وإقرارِكم بربوبيتِهم، وأنتم تعلَمون أنه لا ربَّ غيرُه،

стр. 3404

ولا إلهَ سواه؟ ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا﴾. يقولُ: فإن انقادُوا لإفرادِ الوحدانيةِ للهِ، وإخلاصِ العبادةِ والألوهِة له، ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾، يَعنى: فقد أصابُوا سبيلَ الحقِّ، وسلَكوا مَحَجَّةَ الرُّشْدِ. فإن قال قائلٌ: وكيفَ قيل: ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ عَقِيبَ الاستفهامِ؟ وهل يجوزُ على هذا في الكلامِ أن يقالَ لرجلٍ: هل تقومُ؟ فإن تَقُمْ أُكرِمْك؟. قيل: ذلك جائزٌ إذا كان الكلامُ مُرادًا به الأمرُ، وإن خرَج مَخْرجَ الاستفهامِ، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]. يَعنى: انتَهُوا. وكما قال جلّ ثناؤه مُخْبِرًا عن الحَواريِّين أنهم قالوا لعيسى: ﴿يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة: ١١٢]. وإنما هو مسألةٌ، كما يقولُ الرجلُ: هل أنت كافٌّ عَنَّا؟ بمعنى: اكفُفْ عنَّا. وكما يقولُ الرجلُ للرجلِ: أين أين؟ بمعنَى: أَقِمْ فَلا تَبْرَحْ. ولذلك جُوزِي في الاستفهامِ كما جُوزِى في الأمرِ في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (هل أدُلُّكم على تجارةٍ تنجيكم من عذابٍ أليمٍ * آمِنوا) (١). ففَسَّرها بالأمرِ (٢)، وهي في قراءتِنا على الخبرِ، فالمُجازاةُ في قراءتِنا على قولِه: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ﴾. وفي قراءةِ عبدِ اللَّهِ على قولِه: (آمِنُوا) على الأمرِ؛ لأنه هو التفسيرُ. و [بنحوِ معنَى] (٣) ما قلنا في ذلك قال بعضُ أهلِ التأويلِ.

стр. 3405

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرٍ: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ﴾ الذين لا كتابَ لهم: ﴿أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾. الآية (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ﴾. قال: الأُمَّيُّون الذين لا يَكْتُبون (٢). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٢٠)﴾. يَعنى جلّ ثناؤه بقولِه: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾: وإن أدبَروا مُعْرِضين عمَّا تَدْعوهم إليه مِن الإسلامِ، وإخلاصِ التوحيدِ للهِ ربِّ العالمين، فإنما أنت رسولٌ مُبَلِّغٌ، وليس عليك غيرُ إبلاغِ الرسالةِ إلى مَن أرسَلتُك إليه مِن خلقِي، وأداءِ ما كلَّفْتُك مِن طاعتى، ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾. يَعنى بذلك: واللهُ ذو علمٍ بمن يَقبَلُ مِن عبادِه ما أرسَلتُك به إليه، فيُطِيعُك (٣) بالإسلامِ، وبمَن يَتولَّى منهم عنه مُعْرِضًا، فيَرُدُّ عليك ما أرسَلتُك به إليه، فيَعْصِيك بإبائِه الإسلامَ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾. يَعنى بذلك جلّ ثناؤه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾. أَيْ: يَجْحَدُونَ

стр. 3406

حُجَجَ اللَّهِ وأعلامَه، فيُكَذِّبون بها مِن أهلِ الكتابَين؛ التوارةِ والإنجيلِ. كما حدَّثني ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرٍ، قال: ثم جمَع أهلَ الكتابَين جميعًا، وذكَر ما أحدَثوا وابتَدَعوا، مِن اليهودِ والنصارَى، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾. إلى قولِه: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ (١) [آل عمران: ٢٦]. وأما قولُه: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾. فإنه يَعنى بذلك أنهم كانوا يَقْتُلُون رُسُلَ اللَّهِ الذين كانوا يُرْسَلون إليهم بالنَهْى عما يَأْتون مِن معاصِى اللَّهِ، وركوبِ ما كانوا يَرْكَبونه مِن الأمورِ التي قد تَقَدَّم اللهُ إليهم في كتبِهم بالزَّجْرِ عنها، نحوَ زكريا وابنِه يحيى وما أشبَهَهما مِن أنبياءِ اللَّهِ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾. اختَلفت القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه عامَّةُ أهلِ المدينةِ والحجازِ والبصرةِ والكوفةِ وسائرُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ﴾. بمْعنى القتلِ. وقرَأه بعضُ المُتأخِّرين مِن قرأةِ الكوفةِ: (وَيُقَاتِلُونَ) (٢). بمعنى القتالِ، تأوُّلًا منه قراءةَ عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، وادَّعى أن ذلك في مصحفِ عبدِ اللَّهِ: (وقاتَلوا) (٣)، فقَرَأَ الذي وصَفنا أمرَه مِن القرأةِ بذلك التأويلِ: (ويُقَاتِلُونَ).

стр. 3407

والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندَنا (١) قراءةُ مَن قرَأه: ﴿وَيَقْتُلُونَ﴾؛ لإجماعِ الحُجَّةِ مِن القَرَأَةِ عليه به، مع مجيءِ التأويلِ مِن أهلِ التأويلِ بأنّ ذلك تأويلُه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مَعْقِلِ بن أبى مِسْكينٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾. قال: كان الوَحْىُ يأتى إلى بنى إسرائيلَ فيُذَكِّرون قومَهم (٢) - ولم يكنْ يأتيهم كتابٌ - فيُقْتَلون، فيقومُ رجالٌ ممن اتَّبَعهم وصَدَّقهم فيُذَكِّرون قومَهم، فيُقْتَلون، فهم الذين يأمُرون بالقسطِ من الناسِ (٣). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾. قال: هؤلاء أهلُ الكتابِ، كان (٤) أتباعُ الأنبياءِ يَنْهَونَهم ويُذَكِّرونهم، فيَقْتُلُونهم (٥). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، قال: قال ابن جُريجٍ في

стр. 3408

قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾. قال: كان ناسٌ مِن بني إسرائيلَ ممّن لم يَقْرَأُ الكتابَ، كان الوحْىُ يأتِي إليهم، فيُذَكِّرون قومَهم، فيُقْتَلون على ذلك، فهم الذين يأمُرون بالقسطِ مِن الناسِ. حدَّثني أبو عُبيدٍ الوَصَّابيُّ (١) محمدُ بنُ حفصٍ (٢)، قال: ثنا ابن حِمْيرٍ (٣)، قال: ثنا أبو الحسنِ مولَى بني أسدٍ، عن مكحولٍ، عن قَبِيصةَ بن ذُؤيبٍ الخُزَاعيِّ، عن أبي عُبيدةَ بن الجَرَّاحِ، قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أيُّ الناسِ أشدُّ عذابًا يومَ القيامةِ؟ قال: "رَجلٌ قتَل نَبيًّا، أو رجلٌ أمَر بالمُنْكرِ ونهَى عن المعروفِ". ثم قرَأ رسولُ اللَّهِ ﷺ : ﴿وَ (٤) يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾. إلى أن انتهَى إلى: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾. ثم قال رسولُ اللهِ ﷺ : "يا أبا عُبَيدةَ، قتَلت بنو إسرائيلَ ثلاثةً وأربعين نبيًّا مِن أولِ النهارِ، في ساعةٍ واحدةٍ، فقام مائةُ رجلٍ واثنا عشَرَ رجلًا مِن عُبَّادِ بني إسرائيلَ، فأمَروا مَن قتَلهم بالمعروفِ، ونَهَوهم عن المنكرِ، فَقُتِلوا جميعًا مِن آخرِ النهارِ في ذلك اليومِ، وهم الذين ذكَر اللهُ (٥). فتأويلُ الآيةِ إذن: إنّ الذين يكفُرون بآياتِ اللهِ، ويقتُلون النَّبِيِّين بغيرِ حقٍّ، ويقتُلون أمِرِيهم بالعدلِ في أمرِ اللهِ ونَهْيِه، الذين يَنْهَوْنهم عن قتلِ أنبياءِ اللَّهِ

стр. 3409

وركوبِ معاصِيه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٢)﴾. يَعنى بقولِه جلّ ثناؤه: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾: فأَخْبِرْهم يا محمدُ، وأعلِمْهم أن لهم عندَ اللهِ عذابًا مُؤلِمًا لهم، وهو المُوجِعُ. وأما قولُه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾. فإنه يَعنى بقولِه: ﴿أُولَئِكَ﴾: الذين يكفُرون بآياتِ اللهِ. ومعْنى ذلك: إنّ الذين ذكَرناهم هم الذين حَبِطَت أعمالُهم. يَعنى: بطَلت أعمالُهم في الدنيا والآخرةِ. فأما قولُه: ﴿فِي الدُّنْيَا﴾. فلم يَنالُوا بها مَحْمَدةً ولا ثناءً مِن الناسِ؛ لأنهم كانوا على ضَلالٍ وباطلٍ، ولم يَرْفَعِ اللهُ لهم بها ذِكْرًا، بل لعَنهم وهتَك أستارَهم (١)، وأبدَى ما كانوا يُخْفُون مِن قبائحِ أعمالِهم، على ألسُنِ أنبيائِه ورسلِه في كُتُبِه التي أنزَلها عليهم، فأبقَى لهم ما بقِيت الدنيا مَذَمَّةً، فذلك حُبوطُها في الدنيا. وأما في الآخرةِ؛ فإنه أعَدَّ لهم فيها مِن العقابِ ما وصَف في كتابِه، وأعلَم عبادَه أن أعمالَهم تصيرُ بُورًا لا ثوابَ لها؛ لأنها كانت كُفْرًا باللَّهِ، فَجَزاءُ أَهلِها الخلودُ في الجحيم. وأما قولُه: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾. فإنه يَعنى: وما لهؤلاء القومِ مِن ناصِرٍ يَنْصُرُهم مِن اللهِ، إذا هو انتَقَم منهم بما سَلَف مِن إجْرامِهم واجترائِهم عليه، فيَسْتَنقِذَهم منه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى

стр. 3410

كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾ يَعنى بذلك جلّ ثناؤه: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ يا محمدُ ﴿إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾. يقولُ: الذين أُعْطُوا حظًّا من الكتابِ، ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ﴾. واخْتَلف أهلُ التأويلِ في الكتابِ الذي عنَى اللهُ بقولِه: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ﴾؛ فقال بعضُهم: هو التوراةُ، دعاهم إلى الرِّضا بما فيها، إذ كانت الفِرَقُ المُنْتَحِلةُ الكتبَ تُقِرُّ بها وبما فيها، أنها كانت أحكامَ اللهِ قبلَ أن يُنْسَخَ منها ما نُسِخ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا يونسُ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنِي محمدُ بنُ أبي محمدٍ مولى زيدِ بن ثابتٍ، قال: ثني سعيدُ بنُ جُبَيرٍ وعكرمةُ، عن ابن عباسٍ، قال: دخَل رسولُ الله ﷺ بيتَ المِدْرَاسِ على جماعةٍ مِن يهودَ، فدَعاهم إلى اللهِ، فقال له (١) نُعَيمُ (٢) بنُ عمرٍو والحارثُ بنُ زيدٍ: على أيِّ دِينٍ أنت يا محمدُ؟ فقال: "على مِلَّةِ إبراهيمَ ودينِه". فقالا: فإن إبراهيمَ كان يهوديًا. فقال لهما رسولُ اللهِ ﷺ : "فَهَلُمُّوا إلى التوارةِ، فَهى بينَنا وبينَكم". فأبَيا (٣) عليه، فأنزَل اللهُ : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾. إلى قولِه: ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٤).

стр. 3411

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن محمدِ بن أبى محمدٍ مولى آلِ زيدٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ أو عِكْرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: دخَل رسولُ اللهِ ﷺ بيتَ المِدْرَاسِ، فذكَر نحوَه، إلا أنه قال: فقال لهما رسولُ اللهِ ﷺ : "فَهَلُمَّا إلى التَّوارةِ". وقال أيضًا: فأنزَل اللهُ فيهما: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾. وسائرُ الحديثِ مثلُ حديثِ أبى كُرَيبٍ (١). وقال بعضُهم: بل ذلك كتابُ اللهِ الذي أنزَله على محمدٍ، وإنما دُعِيَت طائفةٌ منهم إلى رسولِ اللهِ ﷺ لِيَحْكُمَ بينَهم بالحقِّ، فَأَبَتْ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾: أولئك أعداءُ اللهِ اليهودُ، دُعُوا إلى كتابِ اللهِ ليَحكُمَ بينَهم، وإلى نبيِّه ليَحكُمَ بينَهم، وهم يَجِدونه مكتوبًا عندَهم في التوراةِ (٢)، ثم تَوَلُّوا عنه وهم مُعْرِضون (٣). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادةَ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ الآية. قال: هم اليهودُ، دُعُوا إلى كتابِ اللهِ وإلى نبيِّه، وهم يَجِدونه مكتوبًا عندَهم، ثم يَتَولَّون وهم مُعْرِضون (٤).

стр. 3412

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جريجٍ قولَه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾. قال: كان أهلُ الكتابِ يُدْعَون إلى كتابِ اللَّهِ ليَحكُمَ بينَهم بالحقِّ يكونُ، وفي الحدودِ، وكان النبيُّ ﷺ يَدْعُوهم إلى الإسلامِ فيَتَولُّون ذلك (١). وأولى الأقوالِ في تأويلِ ذلك عندى بالصوابِ أن يُقالَ: إن الله جل ثناؤه أخبَر عن طائفةٍ من اليهودِ الذين كانوا بينَ ظَهْرَانَىْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ ﷺ في عهدِه، ممن قد أُوتى عِلْمًا بالتوراةِ، أنهم دُعُوا إلى كتابِ اللَّهِ الذي كانوا يُقِرُّون به (٢) أنه من عندِ اللَّهِ - وهو (٣) التوراةُ - في بعضِ ما تَنازَعوا فيه هم ورسولُ اللهِ ﷺ ، وقد يجوزُ أن يكونَ تَنازعُهم الذي كانوا تَنازَعوا فيه، ثم دُعُوا إلى حُكْمِ التوراةِ فيه، فامتَنَعوا من الإجابةِ إليه - كان أمْرَ محمدٍ ﷺ وأمرَ نُبوَّتِه، ويجوزُ أن يكونَ ذلك كان أمرَ إبراهيمَ خليلِ الرحمنِ ودينَه، ويجوزُ أن يكونَ ذلك ما دُعُوا إليه من أمرِ الإسلامِ والإقرارِ به، ويجوزُ أن يكونَ ذلك كان في حَدٍّ، فإن كلَّ ذلك مما قد كانوا نازَعوا فيه رسولَ اللهِ ﷺ ، فَدَعاهم فيه إلى حُكْمِ التوراةِ، فأبَى الإجابةَ فيه وكَتَمه بعضُهم. ولا دلالةَ في الآيةِ على أيِّ (٤) ذلك كان [مِن أيٍّ] (٥)، فيجوزَ أن يقالَ (٦): هو

стр. 3413

هذا دونَ هذا. ولا حاجةَ بنا إلى معرفةِ ذلك؛ لأن المعنى الذي دُعوا إليه (١)، هو مما كان فرضًا عليهم الإجابةُ إليه في دينِهم، فامتَنَعوا منه، فأخبرَ اللهُ جل ثناؤه عنهم برِدَّتِهم، وتكذيبِهم بما في كتابِهم، وجُحودِهم ما قد أخَذ عليهم عُهودَهم ومَواثيقَهم بإقامتِه والعملِ به، فلن يَعْدُوا أن يكونوا في تَكْذيبِهم محمدًا ﷺ وما جاء به من الحقِّ، مِثْلَهم في تكذيبِهم موسى وما جاء به، وهم يَتَولَّونه ويُقِرُّون به. ومعنى قولِه: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾: ثم يَسْتدبِرُ عن كتابِ اللَّهِ الذي دَعا إلى حُكْمِه، مُعْرِضًا عنه مُنصرِفًا، وهو بحقيقتِه وحجتِه عالِمٌ. وإنما قُلنا: إن ذلك الكتابَ هو (٢) التوراةُ؛ لأنهم كانوا بالقرآنِ مُكَذِّبِين، وبالتوراةِ بزَعْمِهم مُصَدِّقِين، فكانت الحجةُ عليهم بتَكذيبِهم بما هم به في زَعْمِهم مُقِرُون، أبلغَ، وللعُذْرِ أقطعَ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)﴾. يعنى جل ثناؤه بقولِه: ﴿بِأَنَّهُمْ قَالُوا﴾: بأن هؤلاء الذين دُعُوا إلى كتابِ اللهِ ليَحْكُمَ بينَهم بالحقِّ فيما نازَعوا رسولَ اللهِ ﷺ ، إنما أبَوُا الإجابةَ إلى (٣) حُكْمِ التوراةِ وما فيها من الحقِّ، من أجلِ قولِهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾. وهى أربعون يومًا، وهن الأيامُ التي عبَدوا فيها العِجْلَ، ثم يُخْرِجُنا منها ربُّنا، اغْتِرَارًا منهم بما كانوا يفتَرون، يعني: بما كانوا يَخْتَلِقون من الأكاذيبِ والأباطيلِ، في ادِّعائِهم أنهم أبناءُ اللهِ وأحِبَّاؤُه، وأن الله قد وَعَد أباهم يعقوبَ أن لا يُدْخِلَ أحدًا مِن ولدِه

стр. 3414

النار إلا تَحِلَّةَ القَسَم، فأكْذَبهم الله على ذلك كُلِّه مِن أقوالهم، وأخبَر نَبِيَّه محمدًا ﷺ أنهم هم أهلُ النار هم فيها خالدون، دونَ المؤمنين باللهِ ورسلِه وما جاءوا به من عنده. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾. قالوا: لن تَمَسَّنا النارُ إِلا تَحِلَّةَ القَسَم التي نَصَبْنا فيها العِجْلَ، ثم يَنْقطِعُ القَسَمُ والعذابُ عَنَّا، قال الله : ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الله بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع في قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ الآية. قال: قالوا: لن نُعَذَّبَ في النارِ إلا أربعين يومًا. قال: يعني اليهود. قال: وقال قتادةُ مثله. وقال: هي الأيامُ التي نصَبوا فيها العِجْلَ، يقولُ اللَّه : ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ حين قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: قال مجاهدٌ قوله: ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. قال: غَرَّهم قولهم: هو ﴿لَنْ

стр. 3415

تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ (١). القولُ في تأويلِ قوله ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٥)﴾. يعنى بقوله جل ثناؤه: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ﴾: فأَيَّ حالٍ يكونُ حالُ هؤلاء القوم الذين قالوا هذا القولَ، وفعلوا ما فعلوا من إعراضِهم عن كتاب الله، واغتِرارِهم بربِّهم، وافترائهم الكذبَ؟ وذلك من الله وعيدٌ لهم شديدٌ، وتهديدٌ غَلِيظٌ. وإنما يعنى بقوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ﴾ الآية: فما أعظمَ ما يلقون من عقوبة الله وتنكيلِه بهم، إذا جمَعهم ليومٍ يُوَفَّى كلُّ عامل جزاءَ عملِه على قَدْرِ استحقاقه، غيرَ مظلومٍ فيه! لأنه لا يُعاقَبُ فيه إلا على ما اجتَرَم، ولا يُؤاخَذُ إلا بما عمِل، يُجْزَى المحسنُ بإحسانِه، والمسيءُ بإساءته، لا يخافُ أحدٌ مِن خلقِه يومئذٍ منه (٢) ظُلْمًا ولا هَضْمًا. فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. ولم يُقَل: في يومٍ لا ريب فيه؟ قيل: لمُخالفةِ معنى (٣) اللامِ في هذا الموضعِ معنَى "في"، وذلك أنه لو كان مكانَ اللام "في" لكان معنى الكلامِ: فكيف إذا جمَعناهم في يومِ القيامةِ، ماذا يكون لهم من العذاب والعقاب؟ وليس ذلك المعنى في دخول اللام، ولكنَّ معناه مع اللام: فكيف إذا جمَعناهم لِما يَحْدُثُ في يومٍ لا ريب فيه، ولما يكونُ في ذلك

стр. 3416

اليومِ من فَصْلِ اللَّهِ القضاءَ بينَ خَلْقِه، ماذا لهم حينَئذٍ من العقابِ وأليمِ العذاب؟ فمع اللام في: ﴿لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ نيةُ (١) فعلٍ، وخبرٌ مطلوبٌ، قد تُرك ذكرُه اجتِزاءً (٢) بدَلالةِ دخول اللام في "اليوم" عليه منه، وليس ذلك مع "في"؛ فلذلك اختيرت اللامُ، فأُدْخِلت في "اليوم" دونَ "في". وأمَّا تأويلُ قوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. فإنه: لا شكَّ في مَجيئِه. وقد دلَّلنا على أنه كذلك بالأدلة الكافيةِ، مع ذكرِ مَن قال ذلك في تأويله، فيما مضَى، بما أغنى عن إعادتِه (٣). وعَنَى بقوله: ﴿وَوُفِّيَتْ﴾: وَوَفَّى الله، ﴿كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾. يعني: ما عملت من خيرٍ وشرٍّ، ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. يعنى أنه لا يَبْخَسُ المُحسِنَ جزاءَ إحسانِه، ولا يُعاقِبُ مُسِيئًا بغير جُرْمِه. القولُ في تأويل قولِه: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ﴾. أما تأويلُ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ﴾. فإنه: قُلْ يا محمد: يا الله. واختلف أهلُ العربيةِ في نَصْبِ ميمِ ﴿اللَّهُمَّ﴾ وهو مُنادى، وحكمُ المنادى المفردِ غيرِ المضافِ الرفعُ، وفى دخول الميم فيه، وهو في الأصلِ "اللَّهُ" بغيرِ ميمٍ؛ فقال بعضُهم: إنما زِيدَت فيه الميمان (٤)؛ لأنه لا يُنادَى بـ "يا"، كما يُنادَى الأسماءُ التي لا ألف فيها [ولا لام] (٥)، وذلك أن الأسماءَ التي لا أَلِفَ ولا لامَ فيها، تُنادَى بـ

стр. 3417

"يا"، كقولِ القائلِ: يا زيدُ، ويا عمرُو. قال: فجُعِلت الميمُ فيه خَلَفًا مِن "يا"، كما قالوا: فمٌ ودمٌ (١) وهمٌ وزُرْقُمْ (٢) وسُتْهُمٌ (٣)، وما أشبَهَ ذلك من الأسماءِ والنعوتِ التي يُحْذَفُ منها الحرفُ، ثم يُبْدلُ مكانَه ميمٌ. قال: فكذلك حُذِفَتْ مِن "اللهمَّ" "يا" التي يُنَادَى بها الأسماءُ التي على ما وَصَفْنا، وجُعلت الميمُ خلفًا منها مما (٤) في آخر الاسم (٥). وأنكَر ذلك من قولِهم آخرون (٦)، وقالوا: قد سمِعنا العربَ تُنادِى "اللهمَّ" بـ "يا" كما تُنادِيه ولا ميمَ فيه. قالوا: فلو كان الذي قال هذا القولَ مُصيبًا في دعواه، لم تدخله العربُ "يا"، وقد جاءوا بالخَلَفِ منها. وأنشَدوا في ذلك سماعًا من العرب (٧): وما عليكِ أن تَقُولى كُلَّما [صلَّيْتِ أَوْ كَبَّرْتِ] (٨) يا [اللَّهمَّ ما] (٩) ارْدُدْ علينا (١٠) شيخَنا (١١) مُسَلَّما

стр. 3418

ويُرْوَى: سَبَّحتِ أو كَبَّرتِ. قالوا: ولم نرَ العرب زادَتْ مِثْلَ هذه الميم إلا مُخففةً في نواقصِ الأسماءِ، مثل [الفم وابنم] (١) وهم. قالوا: ونحن نرَى أنها كلمةٌ ضُمَّ إليها "أُمَّ"، بمعنى: يا اللهُ أُمَّنا يا بخيرٍ، فكثُرت في الكلامِ فاختَلَطت به. قالوا: فالضمةُ (٢) التي في الهاء من همزة "أم" لمَّا تُركت انتَقلت إلى ما قبلَها. قالوا: ونرَى أن قولَ العرب: هَلُمَّ إلينا مِثْلُها، إنما كانت (٣) "هَلُمَّ": "هل"، ضُمَّ إليها "أُمَّ" فتُرِكَت على نصبها. قالوا: ومِن العربِ من يقولُ إِذا طرَح الميمَ: يا أَللَّهُ اغْفِرْ لى، ويا اللهُ اغْفِرْ لى، بهمزِ (٤) الألف مِن "اللَّهِ" مرةً، ووَصْلِها أُخْرَى. فمن حذَفها أجراها على أصلِها؛ لأنها ألفٌ ولامٌ، مثلُ الألفِ واللام اللتين تَدْخُلان في الأسماءِ المعارفِ زائِدَتين، ومَن [هَمَزها تَوَهَّم أنها من الحرف] (٥)، إذ كانت لا تَسْقُطُ منه، وأنْشَدُوا في همزِ الألفِ منها (٦): مُبارَكٌ هُوَ وَمَنْ سَمَّاهُ على اسْمِكَ اللَّهُمَّ يا الله قالوا: وقد كَثُرَت "اللهم" في الكلام حتى خُفِّفَت ميمُها في بعض اللغات. وأنشُدوا (٧):

стр. 3419

كحَلْفَةٍ مِنْ أبى رياحٍ … يَسْمَعُها اللَّهُم (١) الكُبارُ والرواة تُنشِدُ ذلك (٢): * يَسْمَعُها لاهُهُ الكُبَارُ * وقد أنشَده بعضُهم (٣): * يَسْمَعُها الله [واللَّهُ كُبارُ] (٤) * القول في تأويل قوله: ﴿مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾. يعنى بذلك: يا مالك المُلكِ، يا مَن له مُلكُ الدنيا والآخرةِ خالصًا دونَ غيرِه. كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن محمد بن جعفرِ بن الزُّبير قولَه: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾. أي: ربَّ العبادِ الملك (٥)، لا يَقْضِى فيهم غيرُك (٦). وأما قولُه: ﴿وتُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء﴾. فإنه يعنى: تُعْطِى الملك من تشاءُ، فتمَلكُه وتُسَلِّطُه على مَن (٧) تَشَاءُ.

стр. 3420

وقولُه: ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾. [يعنى: وتنزعُ الملكَ ممن تشاء] (١) أن تَنْزِعَه منه، فترك ذِكْرَ: أَن تَنْزِعَه منه؛ اكتفاءً بدلالةِ قولهِ: ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ عليه، كما يُقالُ: خُذْ ما شئتَ، وكُن فيما شئت. يرادُ: خُذْ ما شئتَ أن تأخذه، وكُن فيما شئت أن تكون فيه، وكما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: ٨] يعنى: في أيِّ صورةٍ شاء أن يُركِّبَك فيها رَكَّبك. وقيل: إن هذه الآية نَزَلت على رسولِ الله ﷺ جوابًا لمسألتِه ربَّه أن يجعَلَ مُلكَ فارس والرومِ لأمتِه. ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: وذُكِرَ لنا أن نبيَّ الله ﷺ سأل ربَّه جل ثناؤُه أن يَجْعَلَ له مُلكَ فارسَ والرومِ في أمتِه، فأنزل الله : ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ إلى ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادة، قال: ذُكر لنا - والله أعلمُ - أن نبيَّ الله ﷺ سأل ربَّه أن يَجْعَلَ مُلكَ فارسَ والرومِ في أمتِه. ثم ذكَر مثله (٣). ورُوى عن مجاهدٍ أنه كان يقولُ: معنى المُلكِ في هذا الموضعِ النُّبوةُ.

стр. 3421

ذِكْرُ الرواية عنه بذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه جلّ ثناؤه: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾. قال: النُّبوةُ (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله. القولُ في تأويلِ قوله: ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾. يعني جل ثناؤُه: ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ بإعطائه المُلك والسُّلطان، وبسط القدرة له، ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ بِسَلْبِك مُلْكَه، وتَسْليط عدوِّه عليه، ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ أي: كلُّ ذلك بيدِك وإليك، لا يقدِرُ على ذلك أحدٌ؛ لأنك على كلِّ شيءٍ قديرٌ، دونَ سائرِ خلقِك، ودونَ مَن اتَّخذه المشركون من أهل الكتابِ والأُمِّيينَ مِن العرب إلهًا وربًّا يعبُدونه مِن دونِك، كالمسيحِ والأندادِ التي اتَّخَذَها الأمِّيُّون ربًّا. كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزبير قولَه: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ الآية. أي: إن ذلك بيدِك لا إلى غيرك، ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أَي: لا يَقْدِرُ على هذا غيرُك بسلطانِك وقدرتِك (٢). القولُ في تأويل قولِه: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾. يعنى بقوله جل ثناؤه: ﴿تُولِجُ﴾: تُدْخِلُ. يُقالُ منه: قد ولَج فلانٌ منزلَه، إذا

стр. 3422

دخَله، فهو يَلِجُه وَلْجًا ووُلوجًا ولِجَةً. وأَوْلَجَتُه أنا إذا أَدْخَلتَه. ويعنى بقوله: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾: تُدْخِلُ ما نَقَصْتَ مِن ساعاتِ الليل في ساعاتِ النهارِ، فتَزيدُ مِن نُقصانِ هذا في زيادة هذا، ﴿وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾: وتُدْخِلُ ما نقصتَ (١) مِن ساعاتِ النهارِ في ساعاتِ الليلِ، فتزيدُ في ساعات الليلِ ما نقَصتَ من (٢) ساعاتِ النهارِ. كما حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾: حتى يكون الليلُ خمس عشرَةَ ساعةً، والنهارُ تِسعَ ساعاتٍ، وتُدْخِلُ النهارَ في الليلِ، حتى يكون النهارُ خمسَ عشرةَ ساعةً، والليلُ تِسعَ ساعاتٍ (٣). حدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا حفصُ بنُ (٤) عمرَ، عن الحكَم بن أبانٍ، عن عِكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: ما نقَص من النهارِ يَجْعَلُه في الليل، وما نقَص مِن الليلِ يَجْعَلُه في النهار (٥). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾. قال: ما يَنْقُصُ مِن أحدهما (٦) في الآخرِ، متعاقبان (٧) أو يتعاقبان - شكَّ أبو عاصمٍ - ذلك من

стр. 3423

الساعاتِ (١). حدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾: ما يَنْقُصُ مِن أحدِهما في الآخر، يتعاقبان ذلك من الساعات. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ قولَه: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾: نُقْصانُ الليلِ في زيادةِ النهارِ، ونُقصانُ النهارِ في زيادةِ الليلِ. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قوله: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾. قال: هو نُقْصانُ أحدهما في الآخرِ (٢). حُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادةَ في قولِه: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾. قال: يَأخذُ الليلُ من النهارِ، ويأخذُ النهارُ من الليلِ. يقولُ: نقصانُ الليلِ في زيادة النهارِ، ونقصانُ النهارِ في زيادةِ الليل. حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾. يعنى أنه يأخذُ أحدُهما مِن الآخرِ، فيكونُ الليلُ أحيانًا أطولَ من النهارِ، والنهارُ أحيانًا

стр. 3424

أطول من الليل (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾. قال: هذا طويلٌ وهذا قصيرٌ، أخَذ من هذا فأوْلَجه في هذا، حتى صار هذا طويلًا وهذا قصيرًا. القولُ في تأويل قوله: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾. اختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: تأويلُ ذلك أنه يُخرجُ الشئَ الحيَّ مِن النُّطفةِ المَيِّتةِ، ويُخرِجُ النُّطفة الميِّتةَ من الشئ الحيِّ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن عبد الله في قولِه: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾. قال: هي النُّطفةُ تَخْرجُ من الرجلِ وهى ميّتةٌ وهو حيٌّ، ويَخْرجُ الرجلُ منها حيًّا وهى ميِّتةٌ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قول الله : ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾. قال: الناسُ الأحياءُ من النُّطَفِ والنَّطَفُ ميتةً، ويُخْرِجُها مِن الناس الأحياءِ والأنعام (٣).

стр. 3425

حدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سلَمةَ بن نُبيطٍ، عن الضَّحاكِ في قولِه: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾، فذكر نحوه (١). حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾. فالنُّطفةُ ميتةٌ تكونُ، [تَخرُجُ مِنْ] (٢) إنسانٍ حيٍّ، ويَخرُجُ إنسانٌ حَيٌّ مِن نطفةٍ ميتةٍ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ [عمر بن عليّ بن] (٤) عطاءٍ المُقَدَّميُّ، قال: ثنا أَشْعَثُ السِّجستانيُّ، قال: ثنا شعبةُ، عن إسماعيلَ بن أبى خالدٍ في قولِه: أبى خالد في قوله: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾. قال: تُخْرِجُ النُّطفة من الرجلِ، والرجلَ من النطفةِ. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن قتادة في قوله: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾. قال: تُخْرِجُ الحيَّ من هذه النطفة المَيتةِ، وتُخرجُ هذه النطفةَ المَيتةَ من الحيِّ (٥). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ الآية.

стр. 3426

قال: الناسُ الأحياءُ مِن النُّطْفِ، والنُّطفُ ميتةٌ مِن الناسِ الأحياءِ، ومن الأنعامِ والنَّبْتِ كذلك. قال ابن جُريجٍ: وسمِعتُ يزيدَ بن عُوَيْمِرٍ يُخْبرُ عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ، قال: إخراجُه النطفةَ من الإنسانِ، وإخراجُه الإنسانَ مِن النطفة (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ قال: النطفةُ ميتةٌ فتُخْرِجُ منها أحياءٌ، ﴿وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾: تُخْرِجُ النطفَ مِن هؤلاء الأحياءِ، والحبُّ ميتٌ تُخْرِجُ منه حيًّا، ﴿وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾: تُخْرِجُ مِن هذا الحبِّ (٢) الحيِّ حبًّا ميتًا. وقال آخَرون: معنى ذلك أنه يُخْرِجُ النخلةَ النواةِ، والنواةِ من النخلة، والسُّنْبلَ مِن الحبِّ، والحبَّ مِن السُّنْبُلِ، والبَيْضَ من الدجاجِ، والدجاجَ مِن البيضِ. ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا أبو تُميلةَ، قال: ثنا عُبَيدُ (٣) اللَّهِ، عن عكرمة قوله: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾. قال: هي البيضةُ تَخرُجُ مِن الحيِّ وهى ميتةٌ، ثم يَخرُجُ منها الحيُّ (٤). حدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ، عن الحكمِ بن

стр. 3427

أبان، عن عِكرمةَ في قوله: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾. قال: النخلةُ من النواة، والنواةُ من النخلةِ، والحَبةُ من السُّنبُلةِ، والسُّنبُلةُ من الحبَّة (١). وقال آخرون: معنى ذلك أنه يُخرِجُ المؤمنَ مِن الكافرِ، والكافرَ من المؤمنِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ في قوله: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾، يعنى: المؤمِنَ مِن الكافرِ، والكافرَ من المؤمنِ، والمؤمنُ عبدٌ حيُّ الفؤادِ، والكافرُ عبدٌ مَيِّتُ الفؤادِ (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبَرَنَا مَعْمَرٌ، قال: قال الحسنُ في قوله: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾. قال: يُخرِجُ المؤمنَ مِن الكافِرِ، ويُخرِجُ الكافرَ مِن المؤمن (٣). حدَّثنا عمرانُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الوارث [بنُ سعيدٍ، عن عمرٍو] (٤)، عن الحسنِ قرَأ: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾. قال: تُخرِجُ المؤمنَ من الكافرِ، وتُخرج الكافرَ من المؤمنِ. حدَّثنى حميدُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا سليمانُ التيميُّ، عن أبي عثمان، عن سلمان، أو عن ابن مسعودٍ - وأكبرُ (٥) ظنِّي أنه عن سلمانَ -

стр. 3428

قال: إن الله خَمَّر طينةَ آدمَ أربعينَ ليلةً - أو قال: أربعين يومًا - ثم قال [بيده فيه] (١)، فخرج كلُّ طَيِّبٍ في يمينِه، وخرَج كلُّ خَبِيثٍ في يده الأُخرى، ثم خلَط بينهما. [وقال:] (٢) فمِن ثَمَّ يُخرِجُ (٣) الحيَّ مِن الميتِ، ويُخرِجُ الميتَ مِن الحيِّ (٤). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن الزهريِّ، أن النبيَّ ﷺ دخَل على بعضِ نسائِه، فإذا بامرأةٍ حَسَنة النعمة (٥)، فقال: "مَن هذه؟ " قالت: إحدى خَالاتِك. قال: "إن خَالاتى بهذه البلدةِ لغَرائبُ، وأيُّ خالاتِى هذه؟ " قالت: خالدةُ (٦) ابنهُ الأسودِ بن عبدِ يَغُوثَ. قال: "سُبحانَ الذي يُخرج الحيَّ من الميت! " وكانت امرأةً صالحةً، وكان أبوها كافرًا (٧). حدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو بكر الحنفيُّ، قال: ثنا عبَّادُ بن منصورٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾. قال: هل علمتم أن الكافرَ يَلِدُ مؤمنًا، وأن المؤمنَ يَلِدُ كافرًا؟ فقال: هو كذلك.

стр. 3429

وأوْلَى التأويلات التي ذَكرناها في هذه الآيةِ بالصوابِ تأويلُ مَن قال: يُخرِجُ الإنسان الحيَّ (١) والأنعامَ والبهائمَ الأحياءَ من النُّطْفِ المَيتةِ، وذلك إخراجُ الحيِّ من الميتِ، ويُخرِجُ النُّطفة المَيتةَ من الإنسانِ الحيِّ والأنْعامِ والبهائم الأحياءِ، وذلك إخراجُ المَيتِ منِ الحيِّ. وذلك أن كلَّ حيٍّ فارقه شيءٌ من جسدِه، فذلك الذي فارَقه منه ميتٌ، فالنُّطفةُ مَيتةٌ لمُفارقتِها جسدَ مَن خرَجت منه، ثم يُنْشِئُ اللَّهُ منها إنسانًا حيًّا وبهائمَ وأنعامًا أحياءَ، وكذلك حُكْمُ كلِّ شيءٍ حيٍّ زايَله شيءٌ منه، فالذي زايَله منه مَيِّتٌ. وذلك هو نَظيرُ قولِه: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)﴾. وأما تأويلُ مَن تأوَّله بمعنى الحَبَّةِ مِن السُّنبلة، والسُّنبلة من الحبةِ، والبَيضةِ مِن الدَّجاجةِ، والدَّجاجة من البيضةِ، والمؤمنِ من الكافرِ، والكافرِ من المؤمنِ، فإن ذلك وإن كان له وجهٌ مفهومٌ، فليس ذلك الأغلبَ الظاهرَ في استعمالِ الناسِ في الكلامِ. وتوجيهُ معاني كتاب الله إلى الظاهرِ المُسْتَعمل في الناسِ، أَوْلَى من توجيهِها إلى الخفيِّ القليلِ في الاستعمالِ. واختلفتِ القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقرأته جماعةٌ منهم: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾، بالتشديد وتَثقيلِ الياءِ من "الميت" (٢)، بمعنى أنه يُخرجُ الشئ الحَيَّ مِن الشئِ الذي قد مات ومما لم يَمُت. وقرأت جماعةٌ أخرى منهم: (تُخْرِجُ الحيَّ منَ المَيِّتِ وَتُخْرِجُ المَيْتَ من الحيِّ) بتخفيف الياءِ من "الميت"، بمعنى أنه يُخرِجُ الشئَ الحَيَّ مِن الشئِ الذي قد مات،

стр. 3430

دونَ الشئِ الذي لم يَمُت، ويُخرجُ الشئَ الميتَ دونَ الشئِ الذي لم يَمُت من الشئِ الحيِّ. وذلك أن الميِّتَ مُثقلَ الياءِ عندَ العربِ، ما لم يَمُت وسيموتُ، وما قد مات. وأما الميْتُ مُخفّفًا، (١) فهو الذي قد مات، فإذا أرادوا النعت قالوا: إنك مائتٌ غدًا، وإنهم مائِتون. وكذلك كلُّ ما لم يَكُنْ، بعدُ، فإِنه يَخْرُجُ على هذا المثالِ الاسمُ منه. يقالُ: هو الجائدُ بنفسه، والطائبةُ نفسُه بذلك. وإذا أُريد معنى الاسمِ قيل: هو الجوادُ بنفسِه، والطيبةُ نفسُه. فإذ كان ذلك كذلك، فأوْلَى القراءتين في هذه الآية بالصواب (٢) قراءةُ من شدَّدَ الياءَ مِن "الميِّتِ؛ لأن الله جلَّ ثناؤُه يُخرِجُ الحيَّ مِن النطفةِ التي قد فارقت الرجلَ، فصارت ميِّتةً، وسيُخرجُه منها بعدَ أن تُفارِقَه وهى في صُلبِ الرجلِ، ويُخرِجُ الميِّتَ من الحيِّ؛ النطفةَ التي تصيرُ بخروجِها من الرجل الحيِّ ميِّتًا، وهى قبل خروجِها منه حيةٌ، فالتشديدُ أبلغُ في المدحِ وأكملُ في الثناء. القولُ في تأويل قولِه: ﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾. يعنى بذلك جل ثناؤُه أنه يُعطى مَن يشاءُ مِن خلقِه، فيَجودُ عليه بغير محاسبةٍ منه لمَن أعطاه؛ لأنه لا يخافُ دخولَ انتقاصٍ في خزائنِه، ولا الفناءَ على ما بيده. كما حدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع في قوله: ﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. قال: يُخرجُ الرزق من عنده بغير حسابٍ، لا يخافُ أن يَنْقُصَ ما عنده ﵎ (٣).

стр. 3431

فتأويلُ الآية إذن: اللهمَّ يا مالكَ الملكِ، تُؤتى الملكَ من تشاءُ، وتَنزِعُ الملكَ ممن تشاءُ، وتُعِزُّ مَن تشاءُ، وتُذِلُّ مَن تشاءُ، بيدِك الخيرُ، إنك على كلِّ شيءٍ قديرٌ، دونَ مَن ادَّعَى المُلْحِدون أنه لهم إلهٌ وربٌّ، وعبَدوه دونَك، أو (١) اتَّخَذوه شريكًا معَك، أو أنه لك ولدٌ. وبيدِك القدرةُ التي تفعلُ هذه الأشياءَ، وتَقْدِرُ بها على كلِّ شيءٍ، تُولِجُ الليلَ في النهارِ، وتُولجُ النهارَ في الليلِ، فتَنْقُصُ مِن هذا وتَزيدُ في هذا، وتَنْقُصُ مِن هذا [وتَزيدُ] (٢) في هذا، وتُخرِجُ من مَيِّتٍ حَيًّا، ومن حيٍّ ميِّتًا، وتَرْزُقُ مَن تَشاءُ بغيرِ حسابٍ من خلقِك، لا يَقْدِرُ على ذلك أحدٌ سواك، ولا يَسْتطيعُه غيرُك. كما حدَّثني ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفر بن الزُّبير: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾. أي: بتلك القدرةِ، يعنى بالقدرة التي تُؤتى الملكَ بها مَن تَشاءُ وتَنزِعُه (٣) ممن تَشاءُ، وتَرْزُقُ مَن تشاءُ بغير حسابٍ، لا يَقْدِرُ على ذلك غيرُك، ولا يَصْنَعُه إلا أنت. أي: فإن كُنْتُ سَلَّطتُ عيسى على الأشياء التي بها يَزْعُمون أنه إلهُ؛ مِن إحياءِ الموتى، وإبراء الأسقامِ، والخَلْقِ للطير من الطينِ، والخَبَرِ عن الغيوب؛ [لأجعله آيةً] (٤) للناسِ، وتصديقًا له في نبوَّته التي بعثتُه بها إلى قومه، فإن من سلطانى وقدرتى ما لم أُعْطِه؛ تمليك (٥) الملوك، [وأمر النبوةِ ووضعها] (٦) حيثُ

стр. 3432

شئتُ، وإيلاجَ الليلِ في النهارِ والنهارِ في الليلِ، وإخراج الحيِّ مِن المَيِّتِ والمَيِّتِ مِن الحيِّ، ورزقَ مَن شِئْتُ مِن برٍّ أو فاجرٍ بغير حسابٍ، فكلُّ ذلك لم أُسَلِّطْ عيسى عليه، ولم أُمَلِّكه إياه، فلم (١) يَكُنْ لهم في ذلك عبرةٌ وبيِّنةٌ أن (٢) لو كان إلهًا لكان ذلك كلُّه إليه، وهو في علمِهم يَهرُبُ مِن الملوكِ، وينتقِلُ منهم في البلادِ مِنْ (٣) بلد إلى بلدٍ (٤)! القولُ في تأويل قولِه: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾. وهذا نهىٌ مِن الله المؤمنين أن يَتَّخِذوا الكفار أعوانًا وأنصارًا وظهورًا، ولذلك كسَر ﴿يَتَّخِذِ﴾؛ لأنه في موضع جزمٍ بالنهى، ولكنه كسر الذالَ منه للساكن الذي لقيَه وهى ساكنةٌ. ومعنى ذلك: لا تَتَّخِذوا أيها المؤمنون الكفار ظَهْرًا وأنصارًا، تُوالونهم على ديِنهم، وتُظاهرونهم على المسلمين من دونِ المؤمنين، وتَدلُّونهم على عوراتهم، فإنه مَن يَفْعَلْ ذلك ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾، يعنى بذلك: فقد برِئَ مِن الله، وبَرِئَ الله منه، بارتدادِه عن دينِه، ودخولِه في الكفرِ، ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾: إلا أن تَكُونوا في سُلطانهم فتخافوهم على أنفسِكم، فتظهروا لهم الوَلايةَ بألسنتِكم، وتُضْمِروا لهم العداوةَ، ولا تُشايعوهم (٥) على ما هم عليه مِن الكفرِ، ولا

стр. 3433

تُعينوهم على مُسْلمٍ بفعلٍ. كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاوية بنُ صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: نهى الله سبحانه المؤمنين أن يُلاطِفوا الكفار، أو يَتَّخِذوهم وَليجةً مِن دونِ المؤمنين، إلا أن يكون الكفارُ عليهم ظاهرين، فيُظهروا لهم اللطف، ويُخالفوهم في الدين، وذلك قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ (١). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن عِكرمةَ، أو عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كان الحَجَّاجُ بنُ عمرٍو، حليفُ كعب بن الأشرف، وابنُ أبى الحُقيقِ، وقيسُ بنُ زيدٍ، قد بطَنُوا (٢) بنفرٍ من الأنصارِ ليفتِنوهم عن دينِهم، فقال رِفاعةُ بنُ المُنْذرِ بن زَنْبَرٍ (٣)، وعبدُ الله بنُ جُبيرٍ، وسعدُ بنُ خَيثمةَ، لأولئك النفرِ: اجتنبُوا هؤلاء اليهودَ، واحْذَروا لُزومهم ومُباطنَتهم، لا يَفْتِنوكم عن دينكِم. فأبَى أولئك النفرُ إلا مُباطنتَهم ولُزومهم، فأنزل الله : ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٤).

стр. 3434

حدَّثنا محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، قال: ثنا عبادُ بنُ منصورٍ. عن الحسن في قوله: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: لا يَتَّخذ المؤمنُ كافرًا وليًّا مِن دونِ المؤمنين. حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ﴾. إلى: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾: أمَّا ﴿أَوْلِيَاءَ﴾، فيواليهم في دينهم، ويُظْهِرُهم على عورةِ المؤمنينَ، فمن فعَل هذا فهو مُشْرِكٌ، فقد برئ الله منه، إلا أن يَتَّقِى منهم تُقاةً، فهو يُظهِرُ الوَلاية لهم في دينِهم والبراءةَ من المؤمنين (١). حدَّثني المُثنَى، قال: ثنا قَبيصةُ بنُ عُقْبَةَ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن جُرَيجٍ، عمّن حدَّثه عن ابن عباسٍ: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾. قال: التَّقاةُ التَّكَلمُ باللسان وقلبُه مُطْمئنٌّ بالإيمان (٢). حدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ، قال: ثنا الحكمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمة في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾. قال: ما لم يُهَرِقْ دَمَ مسلمٍ، وما لم يَسْتَحِلَّ ماله (٣). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبى نَجيح، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: إلا مصانعةً في الدنيا ومُخالقةٌ (٤).

стр. 3435

حدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ إلى: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾. قال: قال أبو العاليةِ: التَّقيَّةُ باللسانِ، وليس بالعملِ (١). حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: أخْبرَنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾. قال: التَّقِيةُ باللسانِ، مَن حُمِل على أمرٍ يَتَكَلَّمُ به وهو للهِ معصيةٌ، فتَكَلَّم مَخافةً على نفسِه وقلبُه مُطْمئنٌّ بالإيمانِ، فلا إثمَ عليه، إنما التَّقيةُ باللسانِ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمِّى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾: فالتَّقيةُ باللسانِ، مَن حُمِل على أمرٍ يَتَكلَّمُ به وهو معصيةٌ للَّهِ، فيَتكلمُ به مخافةَ الناسِ وقلبُه مُطمئنٌّ بالإيمانِ، فإن ذلك لا يضرُّه، إنما التقيةُ باللسانِ (٣). وقال آخرون: معنى (٤) ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾: إلا أن يكونَ بينك وبينه قرابةٌ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا يَتَّخِذِ
следующие страницы →