← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

خبرٌ، تَرُدُّه على إعرابِ الأولِ مرةً، وتَسْتَأْنِفُه ثانيةٌ بالرفعِ، وتَنْصِبُه في التامِّ مِن الفعلِ والناقصِ، وقد جُرَّ ذلك كلُّه، فخُفِض على الردِّ على أولِ الكلامِ، كأنه (١) يعنى إذا خفَض ذلك: (٢) فكنتُ كذى رِجْلَينِ: كذِى رجلٍ صحيحةٍ ورجلٍ سقيمةٍ. وكذلك الخفضُ في قولِه: ﴿فِئَةٌ﴾ جائزٌ على الردِّ على قولِه: ﴿فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾: في فئةٍ تُقاتِلُ في سبيلِ اللَّهِ. وهذا وإن كان جائزًا في العربيةِ، فلا أَسْتَجِيزُ القراءةَ به؛ لإجماعِ الحُجَّةِ مِن القرَأةِ علَى خلافِه. ولو كان قولُه: ﴿فِئَةٌ﴾ جاء نصبًا كان جائزًا أيضًا على قولِه: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾: مُخْتَلِفَتَين. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾. اختَلَفَت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه قرأةُ أهلِ المدينةِ: (تَرَوْنَهم) بالتاءِ (٣)، بمعنى: قد كان لكم أيُّها اليهودُ آيةٌ في فئتَينْ الْتَقَتا، فئةٌ تُقاتِلُ في سبيلِ اللَّهِ والأخْرى كافرةٌ، تَرَوْن المشركين مِثْلَى المسلمين رأْىَ العينِ. يُرِيدُ بذلك عِظَتَهم، يقولُ: إن لكم عِبْرةً أيُّها اليهودُ فيما رأيْتُم مِن قلةِ عددِ المسلمينَ وكثرةِ عددِ المشركينَ، وظَفَرِ هؤلاء مع قلةِ عددِهم، بهؤلاء مع كثرةِ عددِهم. وقرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ الكوفةِ والبصرةِ وبعضُ المَكِّيِّين: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ﴾ بالياءِ، بمعْنى: يَرَى المسلمون الذين يُقاتِلون في سبيلِ اللهِ الجماعةَ الكافرةَ مِثْلَى المسلمينَ في القَدْرِ. فتأويلُ الآيةِ على قراءتِهم: قد كان لكم يا مَعشرَ اليهودِ عِبْرةٌ

стр. 3362

ومُتَفَكَّرٌ في فئتينِ الْتَقَتا، فئةٌ تُقاتِلُ في سبيلِ اللهِ، وأخْرى كافرةٌ، يَرَى هؤلاء المسلمونَ (١) مع قلةِ عددِهم هؤلاء المشركينَ (٢) في كثرةِ عددِهم. فإن قال قائلٌ: وما وجهُ تأويلِ قراءةِ مَن قرَأ ذلك بالياءِ؟ وأيُّ الفئتَين رأَت صاحبتَها مثلَيْها، الفئةُ المسلمةُ هي التي رأَتِ المشركةَ مثلَيْها، أم المشركةُ هي التي رأَتِ المسلمةَ كذلك، أم غيرُهما (٣) رأَتْ إحداهما كذلك؟ قيل: اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: الفئةُ التي رأَتِ الأخْرى مثلَىْ أنفسِها الفئةُ المسلمةُ، رأَتْ عددَ الفئةِ المشركةِ مثلَىْ عددِ الفئةِ المسلمةِ، قلَّلها اللهُ في أعينِها حتى رأَتْها مِثْلَىْ عددِ أنفسِها، ثم قلَّلها في حالٍ أخْرى فرأَتْها (٤) مثلَ عددِ أنفسِها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا موسَى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ، في خبرٍ ذكَرَه عن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابن مسعودٍ: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾. قال: هذا يومُ بدرٍ. قال عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ: وقد نظَرْنا إلى المشركينَ، فرأَيْناهم يُضْعِفون علينا، ثم نظَرْنا إليهم فما رأَيْناهم يَزِيدُون علينا رجلًا واحدًا، وذلك قولُ الله : ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي

стр. 3363

أَعْيُنِهِمْ﴾ (١) [الأنفال: ٤٤]. فمعْنى الآيةِ على هذا التأويلِ: قد كان لكم يا مَعشرَ اليهودِ آيةٌ في فئتين التَقَتا؛ إحداهما مسلمةٌ والأخْرى كافرةٌ، كثيرٌ عددُ الكافرةِ، قليلٌ عددُ المسلمةِ، تَرَى الفئةُ القليلُ عددُها الكثيرَ عددُها أمثالًا (٢)، إنما (٣) تَكْثُرُها مِن العددِ بمِثْلِ واحدٍ، فهم يَرَوْنَهم مِثْلَيْهم. فيكونُ أحدُ المِثْلَيْن عندَ ذلك العددَ الذي هو مثلُ عددِ الفئةِ التي رأَتْهم، والمثلُ الآخرُ الضِّعْفَ الزائدَ على عددِهم. فهذا أحدُ معْنيَى التَّقليلِ الذي أخْبَرَ اللهُ المؤمنينَ أنه قلَّلهم في أعينِهم. والمعنى الآخرُ منه: التَّقليلُ الثاني على ما قاله ابن مسعودٍ، وهو أن أراهم عددَ المشركين مثلَ عددِهم لا يَزِيدُون عليهم، فذلك التقليلُ الثاني الذي قال اللهُ جلّ ثناؤُه: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا﴾. وقال آخَرون مِن أهلِ هذه المَقالةِ: إن الذين رأَوُا المشركين مثلى أنفسِهم هم المسلمون، غيرَ أن المسلمين رَأَوْهم على ما كانوا به مِن عددِهم، لم يُقلَّلوا في أعينِهم، ولكنَّ اللَّهَ أيَّدَهم بنصرِه. قالوا: ولذلك قال اللهُ لليهودِ: قد كان لكم فيهم عِبْرةٌ. يُخَوِّفُهم بذلك أن يُحِلُّ بهم منهم مثلَ الذي أحَلَّ بأهلِ بدرٍ على أيْدِيهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمّى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي

стр. 3364

سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾. أُنْزِلَت في التَّخْفِيفِ يومَ بدرٍ، فإنَّ (١) المؤمنين كانوا يومَئذٍ ثلاثَمائةٍ وثلاثةَ عشَرَ رجلًا، وكان المشركون مثلَيْهم، فأنْزَلَ اللَّهُ : ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ وكان المشركون ستةً وعشرين وستَّمائةٍ، فأيَّد اللهُ المؤمنين، فكان هذا الذي في التَّخْفِيفِ على المؤمنين (٢). وهذه الروايةُ خِلافُ ما تَظاهَرَت به الأخبارُ عن عِدَّةِ المشركين يومَ بدرٍ، وذلك أن الناسَ إنما اخْتَلَفوا في عددِهم على وجهين؛ فقال بعضُهم: كان عددُهم ألفًا. وقال بعضُهم: ما بينَ التسعِمائةِ إلى الألفِ. ذكرُ مَن قال: كان عددُهم ألفًا حدَّثني هارونُ بنُ إسحاقَ الهَمْدانيُّ، قال: ثنا مُصْعَبُ بنُ المِقْدامِ، قال: ثنا إسرائيلُ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، عن حارثةَ، عن عليٍّ، قال: سار رسولُ اللَّهِ ﷺ إلى بدرٍ، فسبَقْنا المشركين إليها، فوجَدْنا فيها رَجُلين، منهم رجلٌ مِن قريشٍ، ومولًى لعُقْبةَ بن أبى مُعَيْطٍ، فأما القرشيُّ فانْفَلَت، وأما مولًى عُقْبةَ فأخَذْناه، فجعَلْنا نَقولُ: كم القومُ؟ فيقولُ: هم واللهِ كثيرٌ، شديدٌ بأسُهم. فجعَل المسلمون إذا قال ذلك ضرَبوه (٣)، حتى انْتَهَوْا به إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فقال له: "كم القومُ؟ ". فقال: هم واللهِ كثيرٌ، شديدٌ بأسُهم. فجهَد النبيُّ ﷺ (٤) أن يُخْبِرَه كم هم فأبَى، ثم إن رسولَ اللهِ ﷺ سأَله: "كم يَنْحَرُون مِن الجُزُرِ؟ ". قال: عشرةً كلَّ يومٍ. قال

стр. 3365

رسولُ اللهِ ﷺ : "القومُ ألفٌ" (١). حدَّثني أبو سعيدِ بنُ (٢) يُوشَعَ البغداديُّ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: أسَرْنا رجلًا منهم - يعنى مِن المشركين - يومَ بدرٍ، فقلْنا: كم كنتم؟ قال: ألفًا. ذكرُ مَن قال: كان عددُهم ما بينَ التسعِمائةِ إلى الألفِ حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: قال ابن إسحاقَ: ثنى يزيدُ بنُ رُومانَ، عن عروةَ بن الزبيرِ، قال: بَعث النبيُّ ﷺ نفرًا مِن أصحابِه إلى ماءِ بدرٍ يَلْتَمِسون الخبرَ له عليه، فأصابُوا رَاوِيةٌ مِن قريشٍ فيها أسْلَمُ غلامُ بنى الحَجَّاجِ، وعَرِيضٌ أبو يَسارٍ غلامُ بنى العاصِ، فأتَوْا بهما رسولَ اللهِ ﷺ ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ لهما: "كمِ القومُ؟ ". قالا: كثيرٌ. قال: "ما عِدَّتُهم؟ ". قالا: لا نَدْرِى. قال: "كم يَنْحَرُون كلَّ يومٍ؟ ". قالا: يومًا تسعًا، ويومًا عشرًا. قال رسولُ اللهِ ﷺ : "القومُ ما بينَ التسعِمائةِ إلى الألفِ" (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾. ذلكم يومُ بدرٍ، ألفٌ المشركون أو قارَبُوا، وكان أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ ثلاثَمائةٍ وبضعةَ عشَرَ رجلًا (٤).

стр. 3366

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيَى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ﴾ إلى قولِه: ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾. قال: يُضْعِفون عليهم، فقتَلوا منهم سبعين وأسَروا سبعينَ يومَ بدرٍ (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾. قال: كان ذلك يومَ بدرٍ، كان المشركون تسعَمائةٍ وخمسين، وكان أصحابُ محمدٍ ﷺ ثلاثَمائةٍ وثلاثةَ عشَرَ (٢). حدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جُرَيْجٍ: كان أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ ثلاثَمائةٍ وبضعةَ عشَرَ، والمشركون ما بينَ التسعِمائةِ إلى الألفِ. فكلُّ هؤلاء الذين ذكَرْنا مُخالِفون القولَ الذي روَيْناه عن ابن عباسٍ في عددِ المشركين يومَ بدرٍ. فإذ كان ما قاله مَن حكَيْناه - ممَّن ذكَر أن عددَهم كان زائدًا على التسعِمائةِ - فالتأويلُ الأولُ الذي قلْناه، على الروايةِ التي روَيْنا عن ابن مسعودٍ، أولَى بتأويلِ الآيةِ. وقال آخرون: كان عددُ المشركين زائدًا على التسعِمائةٍ، فرأَى المسلمون عددَهم على غيرِ ما كانوا به مِن العددِ. وقالوا: أَرَى اللهُ المسلمين عددَ المشركين قليلًا، آيةً للمسلمين. قالوا: وإنما عنَى اللهُ بقولِه: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ﴾

стр. 3367

المخاطَبِين بقولِه: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ﴾. قالوا: وهم اليهودُ، غيرَ أنه رجَع مِن المخاطَبةِ إلى الخبرِ عن الغائبِ؛ لأنه أمْر مِن اللهِ جلّ ثناؤُه لنبيِّه ﷺ أن يَقولَ ذلك لهم، فحَسُن أن يُخاطِبَ مَرَّةً، ويُخْبِرَ عنهم على وجهِ الخبرِ مرةً (١) أخرى، كما قال: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢]. وقالوا: فإن قال لنا قائلٌ: فكيف قيل: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ وقد علِمْتُم أن المشركينَ كانوا يومَئذٍ ثلاثةَ أمثالِ المسلمين؟. قلْنا لهم: كما يقولُ القائلُ وعندَه عبدٌ: أحْتاجَ إلى مثلِه. فأَنت (٢) مُحتاجٌ إليه وإلى مثلِه. ثم يقولُ: أَحْتاجُ إلى مِثلَيْه. فيَكونُ ذلك خبرًا عن حاجتِه إلى مثلِه، وإلى مثلَىْ ذلك المثلِ. وكما يقولُ الرجلُ: معى ألفٌ، وأحْتاجُ إلى مثلَيْه. وهو مُحتاجٌ إلى ثلاثةٍ .. فلمَّا نوَى أن يَكونَ الألفُ داخلًا في معْنى المثلِ، صار المثلُ اثنين (٣)، والاثنان ثلاثةً. قال (٤): ومثلُه في الكلامِ: أَراكم مثلَكم. [كأنه قال: أراكم] (٥) ضِعْفَكم، و: أَراكم مثلَيْكم. يعنى: أَراكم ضِعْفَيْكم (٦). قالوا: فهذا على معْنى ثلاثةِ أمثالِهم (٧). وقال آخَرون: بل معنى ذلك أن اللَّهَ أَرَى الفئةَ الكافرةَ عددَ الفئةِ المسلمةِ مثلَىْ عددِهم.

стр. 3368

وهذا أيضًا خلافُ ما دلَّ عليه ظاهرُ التنزيلِ؛ لأن الله جل ثناؤُه قال في كتابِه: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ [الأنفال: ٤٤]. فأخبَرَ أن كُلًّا مِن (١) الطائفتَيْن قليلٌ عددُها في مرْأَى الأخْرى. وقرَأ آخَرون ذلك: (تُرَوْنَهم) بضمِّ التاءِ، بمعنى: يُرِيكُمُوهم اللهُ مثلَيْهم (٢). وأوْلَى هذه القراءاتِ بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأ: ﴿يَرَوْنَهُمْ﴾ بالياءِ، بمعنى: وأخرى كافرةٌ، يَرَاهم المسلمون مثلَيْهم، يعنى: مِثْلَى عددِ المسلمين؛ لتقليلِ اللهِ إياهم في أعينِهم في حالٍ، فكان حَزْرُهم إياهم كذلك، ثم قلَّلَهم في أعينِهم عن التَّقْليلِ الأولِ، فحزَرُوهم مثْلَ (٣) عددِ المسلمين، ثم تَقْليلًا ثالثًا، فحزَرُوهم أقلَّ مِن عددِ المسلمين. كما حدَّثني [ابن بَزيعٍ] (٤) البغداديُّ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: لقد قُلِّلوا في أعينِنا يومَ بدرٍ حتى قلْتُ لرجلٍ إلى جَنْبى: تَرَاهم سبعين؟ قال: أَرَاهم مائةً. قال: فأسَرْنا رجلًا منهم، فقلْنا: كم كنتم؟ قال: ألفًا (٥). وقد رُوِى عن قتادةَ أنه كان يقولُ: لو كانَت (تَرَوْنَهم)، لكانت "مِثْلَيْكم".

стр. 3369

حدَّثني المثنى، قال: ثنى عبدُ الرحمنِ بنُ أبى حمادٍ، عن ابن المباركِ (١)، عن معمرٍ، عن قتادةَ بذلك. ففى الخبرَيْن اللذين روَيْنا عن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ، ما أبان عن اختلافِ حَزْرِ المسلمين يومَئذٍ عددَ المشركين في الأوقاتِ المختلفةِ، فأخْبَر اللهُ عمّا كان من اختلافِ أحوالِ عددِهم عندَ (٢) المسلمين - اليهودَ على ما كان به عندَهم، مع علمِ اليهودِ بمبلغِ عددِ الفئتين، إعلامًا منه لهم أنه مُؤَيِّدُ (٣) المؤمنين بنصرِه؛ لئلا يَغْتَرُّوا بعددِهم (٤) وبأسِهم، وليَحْذَروا منه أن يُحِلَّ بهم مِن العقوبةِ على أيدِى المؤمنين، مثلَ الذي أحَلَّ بأهلِ الشركِ به مِن قريشٍ على أيدِيهم ببدرِهم (٥). وأما قولُه: ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾. فإنه مَصْدرُ "رأيتُه"، يُقالُ: رأيْتُه رأْيًا ورُؤْيةً، ورأيْتُ في المنامِ رُؤْيَا حسنةً. غيرَ مُجرْاةٍ، يقالُ: هو منى رَأْىَ العينِ، ورأىُ العينِ، بالنصبِ والرفعِ، يُرادُ به (٦): حيثُ يَقَعُ عليه بَصَرِى، وهو مِن الرائى مثلُه، والقومُ رِئاءٌ (٧): إذا جلَسوا حيث يَرَى بعضُهم بعضًا. فمعنى ذلك: يرَوْنَهم - حيثُ تَلْحَقُهم أبصارُهم وترَاهم عيونُهم - مثلَيْهم. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (١٣)﴾.

стр. 3370

يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ﴾: يقوِّى، ﴿بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ مِن قولِ القائلِ: قد أيَّدْتُ فلانًا بكذا. إذا قوَّيْتَه وأعَنْتَه، فأنا أُؤَيِّدُه تَأْيِيدًا. وفَعَلْتُ منه: إدْتُه، فأنا أَئِيدُه أيْدًا. ومنه قولُ اللهِ : ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ﴾ [ص: ١٧] يعنى: ذا القوةِ. وتأويل الكلامِ: قد كان لكم آيةٌ - يا مَعْشَرَ اليهودِ، في فئتين الْتَقَتا؛ إحداهما تُقاتِلُ في سبيلِ اللهِ، وأخرى كافرةً، تَراهم المسلمةُ مثلَيْهم رأىَ أعينِهم، فأيَّدْنا المسلمةَ وهم قليلٌ عددُهم، على الكافرةِ وهم كثيرٌ عددُهم، حتى ظفِروا بهم - مُعْتَبَرٌ ومُتَفَكَّرُ (١)، واللهُ يُقَوِّى بنصرِه مَن يَشاءُ. وقال جل ثناؤُه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾. يعنى: إن فيما فعَلْنا بهؤلاء الذين وصَفْنا أمرَهم، مِن تأييدِنا الفئةَ المسلمةَ مع قلةِ عددِها، على الفئةِ الكافرةِ مع كثرةِ عددِها، ﴿لَعِبْرَةً﴾ يعنى: لمُتَفَكَّرًا ومُتَّعظًا لمن عقَل وادّكَر فأبْصَر الحقَّ. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾. يقولُ: لقد كان لهم في هؤلاء عبرةٌ وتفكُّرٌ، أيَّدهم (٢) اللهُ ونصَرهم على عدوِّهم. حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه (٣). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾.

стр. 3371

يعنى تعالى ذكرُه: [زُيَّن للناسِ] (١) مَحَبةُ ما يَشْتَهُون مِن النساءِ والبَنينَ وسائرِ ما عَدَّ. وإنما أراد بذلك تَوْبيخَ اليهودِ الذين آثَرُوا الدنيا وحُبَّ الرَّياسةِ فيها، على اتِّباعِ محمدٍ ﷺ ، بعدَ علمِهم بصدقِه. وكان الحسنُ يقولُ: مَن زَيَّنها؟ ما أحدٌ أَشدَّ لها ذَمًّا مِن خالقِها. حدَّثني بذلك أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعَيمٍ، قال: ثنا أبو الأشْهَبِ (٢) عنه (٣). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن عطاءٍ، عن أبي بكرِ بن حفصِ بن (٤) عمرَ بن سعدٍ، قال: قال عمرُ: لما نزَلت ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾، قلتُ: الآن يا ربِّ حينَ زيَّنْتَها لنا، فنزَلَت: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ الآية (٥). وأما القَناطيرُ فإنها جمعُ القِنْطارِ. واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في مَبْلَغِ القِنْطارِ؛ فقال بعضُهم: هو ألفٌ ومائتا أُوقِيَّة. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي حَصِينٍ، عن سالمِ بن أبى الجَعْدِ، عن مُعاذِ بن جبلٍ، قال: القِنطارُ ألفٌ ومائتا أُوقِيَّةٍ (٦). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عَيَّاشٍ، قال: ثنا أبو حَصِينٍ، عن سالمِ

стр. 3372

ابن أبي الجَعْدِ، عن معاذٍ مثلَه (١). حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: أخْبَرَنا، يعنى حفصَ بنَ مَيْسَرَةَ، عن أبي مَرْوانَ، عن أبي طَيْبةَ، عن ابن عمرَ، قال: القِنْطارُ ألفٌ ومائتا أُوقيةٍ (٢). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا القاسمُ بنُ مالكٍ المُزَنيُّ، قال: أخْبَرَنى العَلاءُ بنُ المسيبِ، عن عاصمِ بن أبى النَّجُودِ، قال: القِنْطارُ ألفٌ ومائتا أُوقيةٍ (٣). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْديٍّ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن عاصمِ بن بَهْدَلَةَ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ مثلَه (٤). حدَّثني زكريا بنُ يحيى الضَّرِيرُ (٥) قال: ثنا شَبَابِةُ، قال: ثنا مَخْلَدُ بنُ عبدِ الواحدِ، عن عليِّ بن زيدٍ، عن عطاءِ بن أبى مَيْمونةَ، عن زِرِّ بن حُبَيْشٍ، عن أُبيِّ بن كعبٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "القِنْطارُ ألفُ أُوقيةٍ ومائتا أُوقِيةٍ" (٦). وقال آخرون: القِنْطارُ ألفُ دينارٍ ومائتا دينارٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عِمْرانُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا يونُسُ، عن الحسنِ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "القِنْطارُ ألفٌ ومائتا دينارٍ" (٧).

стр. 3373

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا يونُسُ، عن الحسنِ، قال: القِنْطارُ ألفٌ ومائتا دينارٍ (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: القِنْطارُ ألفٌ ومائتا دينارٍ، ومِن الفضةِ ألفٌ ومائتا مِثْقالٍ (٢). حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ، قال: أخْبَرَنا عُبيدُ بنُ سُلَيْمانَ، قال: سمِعْتُ الضَّحاكَ بنَ مُزاحِمٍ يقولُ: ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ﴾: يعنى المالَ الكثيرَ مِن الذهبِ والفضةِ، والقِنْطارُ ألفٌ ومائتا دينارٍ، ومِن الفِضةِ ألفٌ ومائتا مِثْقالٍ (٣). وقال آخرون: القِنْطارُ اثنا عشَرَ ألفَ درهمٍ، أو ألفُ دينارٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى مُعاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قال: القنطارُ اثنا عشَرَ ألفَ درهمٍ، أو ألفُ دينارٍ (٤). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: أخْبَرَنا هُشَيْمٌ، عَن جُوَيْبِرٍ، عن الضحاكِ، قال: القِنْطارُ ألفُ دينارٍ، ومِن الوَرِقِ اثنا عشَرَ ألفَ درهمٍ (٥).

стр. 3374

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، أن القِنطارَ اثنا عشَرَ ألفًا (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخْبَرَنا عوفٌ، عن الحسنِ: القِنْطارُ اثنا عشَرَ ألفًا. حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا (٢) عوفٌ، عن الحسنِ: اثنا عشَرَ ألفًا. حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ بمثلِه. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرَنا هُشَيمٌ، عن عوفٍ، عن الحسنِ، قال: القِنْطارُ ألفُ دينارٍ، دِيَةُ أحدِكم (٣). وقال آخرون: هو ثمانون ألفًا مِن الدَّراهمِ، أو مائةُ رَطْلٍ مِن الذهبِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ومحمدُ بنُ المُثَنَّى، قالا: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن سليمانَ التَّيْميِّ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيبِ، قال: القِنْطارُ ثمانون ألفًا (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرَنا هُشَيْمٌ، عن عليّ بن زيدٍ، عن سعيدِ بن المسيبِ، قال: القِنْطارُ ثمانون ألفًا (٤).

стр. 3375

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، قال: كنا نُحَدَّثُ أن القِنْطارَ مائةُ رَطْلٍ مِن ذهبٍ، أو ثمانون ألفًا مِن الوَرِقِ (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: القِنْطارُ مائةُ رَطْلٍ مِن ذهبٍ، أو ثمانون ألفَ درهمٍ مِن وَرِقٍ (٢). حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ، قال: القنطارُ مائةُ رَطْلٍ (٣). حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّديِّ: القِنْطارُ يَكونُ مائةَ رَطْلٍ، وهو ثمانيةُ آلافِ مِثْقالٍ (٤). وقال آخرون: القِنْطارُ سبعون ألفًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ﴾. قال: القِنْطارُ سبعون ألف دينارٍ (٥). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه.

стр. 3376

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرَنا عمرُ بنُ حَوْشَبٍ، قال: سَمِعْتُ عطاءً الخُراسانيَّ، قال: سُئِل ابن عمرَ عن القِنْطارِ، فقال: سبعون ألفًا (١). وقال آخَرون: هي مِلءُ مَسْكِ (٢) ثَوْرِ ذهبًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا سالمُ بنُ نوحٍ، قال: ثنا سعيدٌ الجُرَيْريُّ، عن أبي نَضْرةً، قال: ملءُ مَسْكِ ثَوْرٍ ذهبًا (٣). حدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا أبو الأشْهَبِ (٤)، عن أبي نَضْرةَ: مِلءُ مَسْكِ ثَوْرِ ذهبًا (٥). وقال آخرون: هو المالُ الكثير. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بن أنسٍ، قال: القناطيرُ المُقْنطرَةُ المالُ الكثيرُ بعضُه على بعضٍ (٦).

стр. 3377

وقد ذكَر بعضَ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ (١) أن العربَ لا تَحُدُّ القِنْطارَ بمقدارٍ معلومٍ مِن الوزنِ، ولكنها تقولُ: هو قدرُ وزنٍ (٢). وقد يَنْبَغِى أن يَكونَ ذلك كذلك؛ لأن ذلك لو كان مَحْدودًا قدْرُه عندَها، لم يكنْ بينَ مُتَقَدِّمي أهلِ التأويلِ فيه كلُّ هذا الاخْتِلافِ. فالصوابُ في ذلك أن يُقالَ: هو المالُ الكثيرُ. كما قال الربيعُ بنُ أنسٍ، ولا يُحَدُّ قدْرُ وزنِه بحَدٍّ على تَعَنُّفٍ (٣)، وقد قيل ما قيل مما روَيْنا. وأمَّا المُقَنْطَرةُ فهى المُضَعَّفةُ، وكأن القناطيرَ ثلاثةٌ، والمُقَنْطرةَ تسعةٌ. وهو كما قال الربيعُ بنُ أنسٍ: المالُ الكثيرُ بعضُه على بعضٍ. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾: والمقنطرةُ: المالُ الكثيرُ بعضُه على بعضٍ. حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ، قال: أخْبَرَنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضَّحاكَ في قولِه: ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ﴾: يعنى المالَ الكثيرَ مِن الذهبِ والفضةِ (٤). وقال آخَرون: معنَى المقنطرةِ: المَضْروبةُ دَراهمَ أو دَنانيرَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: أما قولُه:

стр. 3378

﴿الْمُقَنْطَرَةِ﴾ فيقولُ: المَضْروبةُ حتى صارت دَنانيرَ أو دراهمَ (١). وقد رُوِى عن النبيِّ ﷺ في قولِه: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء: ٢٠]، خيرٌ لو صحَّ سندُه لم نَعْدُه إلى غيرِه، وذلك ما حدَّثنا به ابن [عبدِ الرحيمِ] (٢) البَرْقيُّ، قال: ثنى عمرُو بنُ أبى سَلَمةَ، قال: ثنا زُهَيرُ بنُ محمدٍ، قال: ثنى أبانُ بنُ أبى عَيَّاشٍ وحُمَيدٌ الطويلُ، عن أنسِ بن مالكٍ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾. قال: "ألفا مِئينَ (٣) ". يعنى ألفين (٤). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾. اخْتَلَف أهلُ تأويلِ في معنَى: ﴿الْمُسَوَّمَةِ﴾؛ فقال بعضُهم: هي الرَّاعيةُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن حَبيبِ بن أبى ثابتٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾. قال: الراعيةُ التي تَرْعَى (٥). حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن حَبيبٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ مثلَه.

стр. 3379

حدَّثني المثَنَّى، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن حَبيبٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ مثلُه. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا سفيانُ، عن حَبيبِ بن أبى ثابتٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ: هي الراعيةُ، يعنى السائمةَ (١). حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن طلحةَ القَنَّادِ، قال: سمِعْتُ عبدَ اللَّهِ بنَ عبدِ الرحمنِ بن أَبْزَى يقولُ: الراعيةُ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾. قال: الراعيةُ (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، عن الحسنِ: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾: المُسَرَّحةُ في الرَّعْى. حُدِّثْتُ عن عمارِ بن الحسنِ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قوله: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾. قال: الخيلُ الراعيةُ (٤). حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن ليثٍ، عن مُجاهدٍ أنه كان يقولُ: الخيلُ الراعيةُ. وقال آخرون: المُسَوَّمَةُ الحِسانُ.

стр. 3380

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن حَبيبٍ، قال: قال مُجاهدٌ: المسومةُ المُطَهَّمةُ (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا الثوريُّ، عن حَبيبِ بن أبى ثابتٍ، عن مجاهدِ في قولِه: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾. قال: المُطَهَّمةُ الحِسانُ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِه: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾. قال: المُطَهَّمةُ حُسْنًا (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ مثلَه. حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن حَبيبٍ، عن مُجاهدٍ: المُطَهَّمةُ (٤). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا أبو عبدِ الرحمنِ المُقْرئُ، قال: ثنا سعيدُ بنُ أبى أيوبَ، عن بَشيرٍ (٥) بن أبى عمرٍو الخَوْلانيِّ، قال: سألْتُ عكرمةَ عن ﴿وَالْخَيْلِ

стр. 3381

الْمُسَوَّمَةِ﴾. قال: تَسويُمها حُسْنُها (١). حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: أخْبَرَنى سعيدُ بنُ أبى أيوبَ، عن بَشيرِ (٢) بن أبى عمرٍو الخَوْلانيِّ، قال: سمِعْتُ عكرمةَ يقولُ: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾. قال: تسويُمها الحُسْنُ. حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ﴾: الرائعةُ. وقد حدَّثني بهذا الحديثِ عن عمرِو بن حمادٍ غيرُ موسى، قال: الراعيةُ (٣). وقال آخرون: الخيلُ المسوَّمةُ: المُعْلَمةُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾، يعنى: المُعْلَمةَ (٤). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾، وسِيماها شِيَتُها. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمرٌ، عن قَتادة في قولِه: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾. قال: شِيَةُ الخيلِ في وُجوهِها (٥).

стр. 3382

وقال غيرُهم: المسوَّمةُ المُعَدَّةُ للجهادِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾. قال: المُعَدَّةُ للجهادِ. قال أبو جعفرٍ: أوْلَى هذه الأقوالِ بالصوابِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ المُعْلَمةُ بالشِّياتِ الحسانِ الرائعةُ حُسْنًا مَن رآها؛ لأن التسويمَ في كلامِ العربِ هو الإعلامُ، فالخيلُ الحِسانُ مُعلَمةٌ بإعلامِ اللهِ إياها بالحسنِ مِن ألوانِها وشِيَاتِها وهيئاتِها، وهى المُطَهَّمةُ أيضًا. ومِن ذلك قولُ نابغةِ بنى ذُبْيانَ في صفةِ الخيل (١): [وضُمْرٍ] (٢) كالقِداحِ (٣) مُسوَّماتٍ … عليها مَعْشَرٌ أَشْباهُ جِنِّ يعنى بالمسوَّماتِ: المُعْلَماتِ. وقولُ لَبيدٍ (٤): وغَداةَ قاعِ القُرْنَتَين (٥) أَتَيْنَهم (٦) … زُجَلًا (٧) يَلُوحُ خِلالَها التَّسْوِيمُ فمعنى تأويلِ مَن تأَوَّل ذلك المُطَهَّمةَ، والمُعْلمةَ، والرائعةَ، واحدٌ.

стр. 3383

وأما قولُ مَن تأوَّله بمعنى الراعيةِ، فإنه ذهَب إلى قولِ القائلِ: أَسَمْتُ الماشيةَ، فأنا أُسِيمُها إسامةً. إذا أرْعَيْتَها الكَلأَ والعُشْبَ، كما قال اللهُ : ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠]. بمعنى تُرْعُون. ومنه قولُ الأخطلِ (١): مثلِ [ابن بَزْعةَ] (٢) أو كآخَرَ مِثْلِه … أوْلَى لك (٣) ابنَ مُسِيمةِ الأجْمالِ يعنى بذلك: راعيةَ الأجْمالِ. فإذا أُرِيد أن الماشيةَ هي التي رعَتْ، قيل: سامَتِ الماشيةُ تَسومُ سَوْمًا. ولذلك قيل: إبلٌ سائمةٌ. بمعنى: راعية، [غيرَ أنه غيرُ] (٤) مُسْتَفيضٍ في كلامِهم: سوَّمْتُ الماشيةَ. بمعنى: أرْعَيْتُها، وإنما يُقالُ إذا أُرِيد ذلك: أسَمْتُها. فإذ كان ذلك كذلك، فتوجيهُ تأويلِ المسوَّمةِ إلى أنها المُعْلَمةُ بما وصَفْنا مِن المعانى التي تقَدَّم ذكرُناها أصَحُّ. وأما الذي قاله ابن زيدٍ مِن أنها المُعَدَّةُ في سبيلِ اللَّهِ، فتأويلٌ مِن معنى المسوَّمةِ بمَعْزِلٍ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾. فالأنْعامُ جمعُ نَعَمٍ، وهى الأزْواجُ الثَّمانيةُ التي ذكَرَها في كتابِه (٥)، مِن الضَّأْنِ والمَعْزِ والبقرِ والإبلِ. وأمَّا الحَرْثُ فهو الزَّرعُ. وتأويلُ الكلامِ: زُيِّن للناسِ حبُّ الشَّهواتِ مِن النساءِ، ومِن البنينَ، ومِن كذا

стр. 3384

و (١) كذا، ومِن الأنعامِ والحَرْثِ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)﴾. يعنى بقولِه جل ثناؤُه: ﴿ذَلِكَ﴾ جميعَ ما ذَكَر في هذه الآيةِ مِن النساءِ والبنينَ، والقَناطيرِ المقنطرةِ مِن الذهبِ والفضةِ، والخيلِ المسوَّمةِ، والأنعامِ والحرثِ، فكنَى بقولِه: ﴿ذَلِكَ﴾ عن جميعِهن، وهذا يَدُلُّ على أن "ذلك" يَشْتَمِلُ على الأشياءِ الكثيرةِ المختلفةِ المعاني، ويُكْنَى به عن جميعِ ذلك. وأما قولُه: ﴿مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. فإنه خبرٌ مِن اللَّهِ عن أن ذلك كلَّه مما يَسْتَمْتِعُ به في الدنيا أهلُها أحْياءً، فيَتَبَلَّغون به فيها، ويَجْعَلونه وُصْلةً (٢) في معايِشِهم، وسببًا لقَضاءِ شَهواتِهم، التي زُيِّن لهم حبُّها (٣) في عاجلِ دنياهم، دونَ أن يَكونَ عُدَّةً لمَعادِهم، وقُرْبةً لهم إلى ربِّهم، إلا ما أُسْلِك في سبيلِه، وأُنْفِق منه فيما أمرَ به. وأما قولهُ: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾. فإنه يعنى بذلك جل ثناؤُه: وعندَ اللهِ حُسْنُ المَآبِ، يعني: حسنُ المَرْجِعِ. كما حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾. يقولُ: حسنُ المُنقَلبِ، وهى الجنةُ (٤). وهو مصدرٌ على مثالِ مَفْعَلٍ، مِن قولِ القائلِ: آبَ الرجلُ إلينا، إذا رجَع، فهو يَئُوبُ إيابًا وأَوْبةً وأَيْبةً ومَآبًا. غيرَ أن موضعَ الفاءِ منها مَهْموزٌ، والعينُ مُبْدَلَةٌ مِن الواوِ

стр. 3385

إلى (١) الألفِ بحركتِها (٢) إلى الفتحِ، فلما كان حظُّها الحركةَ إلى الفتحِ، وكانت حركتُها مَنْقولةً إلى الحرفِ الذي قبلَها - وهو فاءُ الفعلِ - انْقَلَبت فصارَت ألفًا، كما قيل: قال. فصارَت عينُ الفعلِ ألفًا؛ لأن حظَّها الفتحُ. والمآبُ مثلُ المَقالِ والمَعادِ والمَحالِ، كلُّ ذلك مَفْعَلٌ، مَنْقولةٌ حركةُ عينِه إلى فائِه، فَمُصَيَّرةٌ (٣) واؤه أو ياؤُه ألفًا؛ لفتحةِ ما قبلَها. فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ وقد عَلِمْتَ ما عندَه يومئذٍ مِن أليمِ العذابِ وشديدِ العقابِ؟ قيل: إن ذلك معنيٌّ به خاصٌّ مِن الناسِ، ومعنى (٤) ذلك: واللهُ عندَه حسنُ المآبِ للذين اتَّقَوْا رَبَّهم، وقد أَنْبَأَنا عن ذلك في هذه الآيةِ التي تَلِيها. فإن قال: وما حسنُ المآبِ؟ قيل: هو (٥) ما وصَفه به جل ثناؤُه، وهو المَرْجِعُ إلى جناتٍ تَجْرِى مِن تحتِها الأنهارُ، مُخَلَّدًا فيها، وإلى أزواجٍ مُطَهَّرةٍ، ورِضْوانِ مِن اللهِ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥)﴾. يعني جل ثناؤُه: قلْ يا محمدُ للناسِ الذين زُيِّن لهم حبُّ الشَّهواتِ مِن النساءِ

стр. 3386

والبنينَ، وسائرِ ما ذكَر ربُّنا جل ثناؤُه: ﴿أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾: أَأُخْبِرُكم وأُعْلِمُكم، ﴿بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ يعنى: بخيرٍ وأفضلَ لكم، ﴿مِنْ ذَلِكُمْ﴾ يعني: مما زُيِّن لكم في الدنيا حُبُّ شهوتِه مِن النساءِ والبنينَ والقناطيرِ المقنطرةِ مِن الذهبِ والفضةِ، وأنواعِ الأموالِ، التي هي مَتاعُ الدنيا. ثم اخْتَلَف أهلُ العربيةِ في المَوضعِ الذي تَناهَى إليه الاستفهامُ مِن هذا الكلامِ؛ فقال بعضُهم: تَناهَى ذلك عندَ قولِه: ﴿مِنْ ذَلِكُمْ﴾ ثم ابتدأ الخبرَ عما للذين اتَّقوا عند ربِّهم، فقيل: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ فلذلك رفعَ الجناتِ. ومَن قال هذا القولَ لم يُجِزْ في قولَه: ﴿جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، إلا الرفعَ، وذلك أنه خبرٌ مبتدأٌ، غيرُ مَردودٍ على قولِه: ﴿بِخَيْرٍ﴾. فيكونُ الخفضُ فيه جائزًا. وهو وإن كان خبرًا مبتدأً عندَهم، ففيه إبانةٌ عن معنى "الخير" الذي أمرَ اللَّهُ نبيَّه ﷺ أن يَقولَ للناسِ: أَوُنَبِّئُكم به. و "الجنات" على هذا القولِ مرفوعةٌ باللامِ التي في قولِه: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. وقال آخَرون منهم بنحوٍ مِن هذا القولِ، إلا أنهم قالوا: إن جعَلْتَ اللامَ التي في قولِه: ﴿لِلَّذِينَ﴾ مِن صلةِ الإنباءِ، جاز في "الجنات" الخفضُ والرفعُ؛ الخفضُ على الردِّ على "الخير"، والرفعُ على أن يَكونَ قولُه: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ خبرَ مبتدأ. على ما قد بيَّنَّاه قبلُ. وقال آخَرون: بل مُنْتَهَى الاسْتفِهامِ قولُه: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ثم ابْتَدَأَ: ﴿جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. وقالوا: تأويلُ الكلامِ: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. ثم كأنه قيل: ماذا لهم؟ أو ما ذاك؟ أو على أنه يقالُ: ماذا لهم؟ أو ما ذاك؟ فقال: هو ﴿جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ الآية.

стр. 3387

وأولى هذه الأقوالِ عندى بالصوابِ قولُ مَن جعَل الاستفهامَ مُتَناهِيًا عندَ قولِه: ﴿بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾. والخبرَ بعدَه مبتدأً عمَّن له الجناتُ بقولِه: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ﴾. فيَكونُ مَخْرَجُ ذلك مَخْرَجَ الخبرِ، وهو إبانةٌ عن معنى "الخير" الذي قال: أَؤُنَبِّئُكُم (١) به؟ فلا يَكونُ بالكلامِ حينَئذٍ حاجةٌ إلى ضميرِ. قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جَريرٍ الطبريُّ: وأما قولُه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾. فمنصوبٌ على القطع. ومعنى قولِه: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾: للذين خافوا الله فأطاعوه، بأداءِ فَرائضه، واجْتِنابِ مَعاصِيه، ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يعنى بذلك: لهم جناتٌ تَجْرِى مِن تحتِها الأنهارُ عندَ ربِّهم. والجناتُ البساتينُ، وقد بيَّنا ذلك بالشواهدِ فيما مضَى، وأن قولَه: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. يعني به: مِن تحتِ الأشْجارِ. وأن الخلودَ فيها دَوامُ البقاءِ فيها، وأن الأزواجَ المُطَهَّرةَ من نساءُ الجنةِ اللَّواتى طُهَّرْنَ مِن كُلِّ أَذًى يَكونُ بنساءِ أهلِ الدنيا، مِن الحيضِ والمنيِّ والبولِ والنِّفاسِ، وما أشْبَهَ ذلك مِن الأذى، بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٢). وقولُه: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾. يعني: ورضا اللهِ. وهو مصدرٌ مِن قولِ القائل: رضِى اللهُ عن فلانٍ، فهو يَرْضَى عنه رِضًا، منقوصٌ، ورِضْوانًا ورُضْوانًا ومَرْضاةً. فأما الرُّضْوانُ بضمِّ الراءِ فهو لغةُ قيسٍ، وبه كان عاصمٌ يَقْرِأٌ (٣).

стр. 3388

وإنما ذكَر اللهُ جل ثناؤُه فيما ذكَر للذين اتَّقَوْا عندَه مِن الخيرِ رِضْوانَه؛ لأن رِضْوانَه أعلى منازلِ كرامةِ أهلِ الجنةِ. كما حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثني أبو أحمدَ الزُّبَيْرِيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن محمدِ بن المُنكَدِرِ، عن جابرِ بن عبدِ اللهِ، قال: إذا دخَل أهلُ الجنةِ الجنةَ، قال اللَّهُ ﵎: أُعْطِيكم أفضلَ مِن هذا؟ فيقولون: أَيْ ربَّنَا، أَيُّ شيءٍ أَفضلُ مِن هذا؟ قال: رِضْوانِي (١). وقولُه: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾. يعنى بذلك: واللهُ ذو بصرٍ بالذي يَتَّقِيه مِن عبادِه، فيَخافُه فيُطِيعُه، ويُؤْثِرُ ما عندَه، مما ذكَر أنه أعَدَّه للذين اتَّقَوْه على حُبِّ ما زُيِّن له في عاجلِ الدنيا مِن شَهَواتِ النساءِ والبنينَ وسائرِ ما عدَّد منها تعالى ذِكرُه، وبالذى لا يَتَّقِيه فيَخافُه، ولكنه يَعْصِيه ويُطِيعُ الشيطانَ، ويُؤْثِرُ ما زُيِّن له في الدنيا مِن حُبِّ شهوةِ النساءِ والبنينَ والأموالِ، على ما عندَه مِن النَّعيمِ المُقيمِ، عالمٌ تعالى ذِكرُه بكلِّ فريقٍ منهم، حتى يُجازِىَ كلَّهم عندَ مَعادِهم إليه جزَاءَهم؛ المحسنَ بإحسانِه، والمسيءَ بإساءتِه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦)﴾. ومعنى ذلك: قلْ هل أُنَبِّئُكم بخيرٍ مِن ذلكم؟ للذين اتَّقَوْا يقولون: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. وقد يَحْتَمِلُ (٢) ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ وجْهين مِن الإعرابِ؛ الخفضُ على الردِّ

стр. 3389

على "الذين" الأولى، والرفعُ على الابْتِداءِ، إذ كان في مبتدأَ آيةٍ أخرى غيرِ التي فيها "الذين" الأولى، فيكونُ (١) رفعُها نظيرَ قولِ اللَّهِ : ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾. [التوبة:١١١]. ثم قال في مبتدأ الآيةِ التي بعدَها: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢]. ولو كان جاء ذلك مخفوضًا كان جائزًا. ومعنى قولِه: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾: الذين يقولون: إننا صدَّقنا بك وبنبيِّك، وما جاء به مِن عندِك، ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ يقولُ: فَاسْتُرْ علينا ذنوبَنا (٢) بعفوِك عنها، وتركِك عقوبتَنا عليها، ﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾: ادْفَعْ عنا عذابَك إيَّانا بالنارِ أن تُعَذِّبَنا بها. وإنما معنى ذلك: لا تُعَذِّبْنا يا ربَّنا بالنارِ. وإنما خَصُّوا المسألةَ بأن يَقِيَهم عذابَ النارِ؛ لأن مَن زُحْزِح يومَئذٍ عن النارِ، فقد فاز بالنجاةِ مِن عذابِ النارِ (٣)، وحسُنَ مآبُه. وأصلُ قولِه: ﴿وَقِنَا﴾. مِن قولِ القائلِ: وقَى اللهُ فلانًا كذا، يُرادُ به: دفَع عنه، فهو يَقِيه. فإذا سأَل بذلك سائلٌ قال: قِنِي كذا. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ﴾. يعنى بقولِه: ﴿الصَّابِرِينَ﴾: الذين صبَروا في البأساءِ والضَّرَّاءِ وحينَ البأسِ. ويعني به ﴿وَالصَّادِقِينَ﴾: الذين صدَقوا الله في قولِهم بتحقيقِهم الإقرارَ به وبرسوله، وما جاء به مِن عندِه، بالعملِ بما أمَره به، والانتهاءِ عما نهاه عنه. ويعني به ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾: المُطِيعِين له. وقد أتَيْنا على الإبانةِ عن كلِّ هذه

стр. 3390

الحروفِ ومَعانِيها بالشَّواهِدِ على صحةِ ما قلْنا فيها، وبالإخْبارِ عمَّن قال فيها قولًا، فيما مضَى بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (١). وقد كان قتادةُ يقولُ في ذلك بما حدَّثنا به بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ﴾: "الصادقين": قومٌ صدَقَت أفْواهُهم (٢)، واسْتَقامَت قلوبُهم وألْسنتُهم، وصدَقوا في السرِّ والعَلانيِة، و "الصابرين": قومٌ (٣) صبَروا على طاعةِ اللهِ، وصبَروا عن مَحارمِه، والقانِتون: هم المُطِيعون للهِ (٤). وأما المُنْفِقون: فهم المُؤْتُونَ زَكَواتِ (٥) أموالِهم، وواضِعوها على ما أمَرهم اللهُ بإيتائها (٦)، والمُنْفِقون أموالَهم في الوجوهِ التي أذِن اللهُ لهم جل ثناؤُه بإنفاقِها فيها. وأما ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ﴾ وسائرُ هذه الحروفِ، فمخفوضٌ ردًّا على قولِه: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾. والخفضُ في هذه الحروفِ يَدُلُّ على أن قولَه: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾. خفضٌ ردًّا على قولِه: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (١٧)﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في القومِ الذين هذه الصفةُ صفتُهم؛ فقال بعضُهم: هم المُصَلُّون بالأسْحارِ.

стр. 3391

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا: بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾: هم أهلُ الصلاةِ (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادةَ: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾. قال: يُصَلُّون بالأَسْحَارِ (٢). وقال آخَرون: هم المُسْتَغْفِرون. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن حُرَيْثِ بن أَبي مَطَرٍ، عن إبراهيمَ بن حاطبٍ، عن أبيه، قال: سمِعْتُ رجلًا في السَّحَرِ في ناحيةِ المسجدِ وهو يقولُ: ربِّ أَمَرْتَنى فَأَطَعْتُك، وهذا سَحَرٌ فَاغْفِرْ لى. فنظَرْتُ فإذا ابن مسعودٍ (٣). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: سأَلْتُ عبدَ الرحمنِ بنَ يزيدَ بن جابرٍ عن قولِ اللهِ : ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾. قال: حدَّثني سليمانُ بنُ موسى، قال: ثنا نافعٌ، أن ابنَ عمرَ كان يُحْيِي الليلَ صَلاةً، ثم يقولُ: يا نافعُ أَسْحَرْنا؟ فيقولُ: لا. فيُعاوِدُ الصلاةَ، فإذا قلتُ: نعم. قعَد يَسْتَغْفِرُ ويَدْعُو حتى يُصْبِحَ (٤).

стр. 3392

حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن بعضِ البَصْريِّين، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: أُمِرْنا أَن نَسْتَغْفِرَ بالأَسْحارِ سبعينَ استغفارةً (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسْحاقُ، قال: ثنا زيدُ بنُ الحُبابِ، قال: ثنا أبو يعقوبَ الضَّبِّيُّ، قال: سمِعْتُ جعفرَ بنَ محمدٍ يقولُ: مَن صلَّى مِن الليلِ، ثم اسْتَغْفَر في آخرِ الليلِ سبعين مرةً، كُتِب مِن المستغفرين بالأسحارِ (٢). وقال آخَرون: هم الذين يَشْهَدون الصبحَ في جماعةٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ مَسْلَمةَ أخو القَعْنَبيِّ، قال: ثنا يعقوبُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: قلتُ لزيدِ بن أَسْلَمَ: مَن ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾؟ قال: هم الذين يَشْهَدون الصبحَ (٣). وأوْلَى هذه الأقوالِ بتأويلِ قولِه: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ قولُ مَن قال: هم السائلون ربَّهم أن يَسْتُرَ عليهم فَضيحتهم بها؛ ﴿بِالْأَسْحَارِ﴾ وهى جمعُ سَحَرٍ. وأظْهَرُ مَعانى ذلك أن تكونَ مَسْألتُهم إياه بالدُّعاءِ. وقد يَحْتَمِلُ أن يَكونَ معناه تَعرُّضَهم لمغفرتِه بالعملِ والصلاةِ، غيرَ أن أظْهَرَ معانيه ما ذكَرْنا مِن الدعاءِ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾.

стр. 3393

يَعنى بذلك جل ثناؤُه: شهِد اللهُ أنه لا إلهَ إلا هو، وشهِدَت الملائكةُ، وأولو العلمِ. فالملائكةُ معطوفٌ بهم على اسمِ اللهِ، و ﴿أَنَّهُ﴾ مَفتوحةٌ بـ ﴿شَهِدَ﴾. وكان بعضُ البصرِيين (١) يَتَأَوَّلُ قولَه: ﴿وشَهِدَ اللهُ﴾: قضَى اللهُ، ويَرْفَعُ الملائكةَ بمعنى: والملائكةُ شهودٌ وأولو العلمِ. وهكذا قرَأت قرأةُ أهلِ الإسلامِ بفتحِ الألفِ مِن ﴿أَنَّهُ﴾ على ما ذكَرْتُ مِن إعمالِ و ﴿شَهِدَ﴾ في ﴿أَنَّهُ﴾ الأُولى، وكسرِ الألفِ مِن ﴿إِنَّ﴾ الثانيةِ وابتدائِها. سوى أن بعضَ المتأخرين مِن أهلِ العربيةِ كان يَقْرَأُ ذلك جميعًا بفتحِ ألفَيْهما (٢)، بمعنى: شهِد اللهُ أنه لا إلهَ إلا هو وأن الدينَ عندَ اللَّهِ الإسلامُ. فعَطف بـ "أن الدينَ" على ﴿أَنَّهُ﴾ الأُولى، ثم حذَف واوَ العطفِ وهي مُرادةٌ في الكلامِ. واحْتَجَّ في ذلك بأن ابنَ عباسٍ قرَأ ذلك: (شهِد اللهُ إنه لا إلهَ إلا هو) الآية. ثم قال: (أن الدِّينَ). بكسرِ "إن" الأولى، وفتحِ "أن" الثانيةِ بإعمالِ ﴿شَهِدَ﴾ فيها، وجعْلِ "إن" الأُولى اعْتِراضًا في الكلامِ، غيرَ عاملٍ فيها ﴿شَهِدَ﴾، وأن ابنَ مسعودٍ قرَأ: (شهِد اللهُ أن (٣) لا إلهَ إلا هو) بفتحِ "أن"، وكسرِ "إن"، مِن: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ على معنى إعمالِ الشهادةِ في "أن" الأولى، و "إن" الثانيةُ مُبْتَدَأَةٌ. فرعَم أنه أراد بقراءتِه إياهما بالفتحِ جمعَ قراءةِ ابن عباسِ وابنِ مسعودِ. فخالَف بقراءتِه ما قرَأ مِن ذلك على ما وصَفْتُ، جميعَ قرأةِ أهلِ الإسلامِ المتقدمين

стр. 3394

منهم والمتأخرين، بدَعْوَى تأويلٍ على ابن عباسٍ وابن مسعودٍ، زعَم أنهما قالاه وقرَأَ به، وغيرُ معلومٍ ما ادُّعِى عليهما بروايةٍ صحيحةٍ ولا سقيمةٍ. وكفَى شاهدًا على خطأَ قراءةٍ (١) خروجُها مِن قرأةِ (٢) أهلِ الإسلامِ. فالصوابُ إذ كان الأمرُ على ما وصَفْنا مِن قراءةِ ذلك، فتحُ الألفِ مِن "أنه" الأولى، وكسرُ الألفِ مِن "إن" الثانيةِ، أعْنِى مِن قولِه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾. ابْتِداءً. وقد رُوِى عن السُّديِّ في تأويلِ ذلك قولٌ كالدالِّ على تصحيحِ ما قرَأ به في ذلك مَن ذكَرْنا قولَه مِن أهلِ العربيةِ، في فتحِ أن مِن قولِه: (أن الدينَ). وهو ما حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ إلى ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: فإن الله يَشْهَدُ هو والملائكةُ والعلماءُ مِن الناسِ أن الدينَ عندَ اللهِ الإسلامُ (٣). فهذا التأويلُ يَدُلُّ على أن الشهادةَ إنَّما هي عاملةٌ في "أن" الثانيةِ، التي في قولِه: (أنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلامُ). فعلى هذا التأويل جائزٌ في "أن" (٤) الأُولى وجْهان مِن التأويلِ؛ أحدُهما: أن تكونَ الأولى منصوبةً على وجهِ الشَّرطِ، بمعنى: شهِد اللهُ بأنه واحدٌ. فتكون مَفْتوحةً بمعنى الخفضِ في مذهبِ بعضِ أهلِ العربيةِ، وبمعنى النصبِ في مذهبِ بعضِهم، والشهادةُ عاملةٌ في "أن" الثانيةِ، كأنك قلتَ: شهِد اللهُ أن الدينَ عندَ اللهِ الإسلامُ؛ لأنه واحدٌ. ثم تقَدَّم "لأنه واحدٌ"، فتفتَحُها على ذلك التأويلِ.

стр. 3395

والوجهُ الثاني: أن تكونَ "إن" الأولى مَكْسورةً بمعنى الابتداءِ؛ لأنها مُعْتَرَضٌ بها، والشهادةُ واقعةٌ على "أن" الثانيةِ. فيَكونُ معنى الكلامِ: شهِد اللهُ - فإنه لا إلهَ إلا هو - والملائكةُ أن الدينَ عندَ اللهِ الإسلامُ. كقولِ القائلِ: أَشْهَدُ - فإنى مُحِقٌّ - أنك مما تُعابُ به بَرِئٌ. فـ "إن" الأولى مَكسورةً؛ لأنها مُعْتَرِضةٌ، والشهادةَ واقعةٌ على "أن" الثانيةِ. وأما قولُه: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾. فإنه بمعنَى أنه الذي يَلِى العَدْلَ (١) بيَن خلقِه (٢). والقِسْطُ هو العدْلُ، مِن قولِهم: هو مُقْسِطٌ، وقد أَقْسَط، إذا عدَل. ونُصِب ﴿قَائِمًا﴾ على القطعِ. وكان بعضُ نحويى أهلِ البصرةِ يَزْعُمُ أنه حالٌ مِن "هو" التي في: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. وكان بعضُ نحويى الكوفةِ يَزْعُمُ أنه حالٌ مِن اسمِ "الله" الذي مع قولِه: ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ فكان معناه: شهِد اللهُ القائمُ (٢) بالقِسْطِ أَنه لا إله إلا هو. وقد ذُكِر أنها في قراءةِ ابن مسعودٍ كذلك: (وأولو العلمِ القائمُ بالقِسْطِ) ثم حُذِفَت الألفُ واللامُ مِن القائمِ، فصار نكرةً، وهو نعتٌ لمعرفةٍ فنُصِب (٣). وأولى القولين بالصوابِ في ذلك عندى قولُ مَن جَعَله قَطْعًا على أنه مِن نعتِ اللهِ جل ثناؤُه؛ لأن الملائكةَ وأُولى العلمِ مَعْطُوفون عليه، فكذلك الصحيحُ أن يكونَ قولُه: ﴿قَائِمًا﴾ حالًا منه. وأما تأويلُ قولِه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فإنه نفْىٌ أن يَكونَ

стр. 3396

شيءٌ يَسْتَحِقُ العُبودَةَ غيرَ الواحدِ الذي لا شَريكَ له في مُلْكِه. ويعنى بـ "العزيز": الذي لا يَمْتَنِعُ عليه شيءٌ أراده، ولا يَنْتَصِرُ منه أحدٌ عاقَبَه أو انْتَقَم منه، "الحكيم" في تدبيرِه، فلا يَدْخُلُه خَلَلٌ. وإنما عنَى جل ثناؤُه بهذه الآيةِ نَفْىَ ما أضافَت النصارَى الذين حاجُّوا رسولَ اللهِ ﷺ في عيسى مِن البُنُوَّةِ، وما نسَب إليه سائرُ أهلِ الشركِ مِن أَنَّ له شَريكًا، واتخاذِهم دونَه أربابًا، فَأَخْبَرَهم اللهُ عن نفسِه، أنه الخالقُ كلَّ ما سواه، وأنه ربُّ كلَّ ما اتَّخَذه كلُّ كافرٍ وكلُّ مشركٍ ربًّا، دونَه، وأن ذلك مما يَشْهَدُ به هو وملائكتَه وأهلُ العلمِ به مِن خلقِه، فبدَأ جل ثناؤُه بنفسِه تَعْظيمًا لنفسِه، وتَنْزيهًا لها عما نسَب الذين ذكَرْنا أمرَهم مِن أهلِ الشركِ به ما نسَبوا إليها، كما سنَّ لعبادِه أن يَبْدَءوا في أمورِهم بذكرِه قبلَ ذِكْرِ غيرِه، مُؤَدِّبًا خلقَه بذلك. والمرادُ مِن الكلامِ الخبرُ عن شهادةِ مَن ارْتَضاهم مِن (١) خلقِه فقدَّموه؛ مِن ملائكتِه وعُلماءِ، عبادِه، فأعْلَمَهم أن ملائكتَه - التي يُعَظِّمُها العابدون غيرَه مِن أهلِ الشركِ، ويَعْبُدُها (٢) الكثيرُ منهم - وأهلَ العلمِ منهم، مُنْكِرون ما هم عليه مُقِيمون من كُفْرِهم، وقولِهم في عيسى، وقولَ مَن اتَّخَذ ربًّا غيرَه مِن سائرِ الخلقِ، فقال: شهِدتِ الملائكةُ وأولو العلمِ أنّه لا إلهَ إلا هو، وأن كلَّ مَن اتَّخَذ ربًّا دونَ اللَّهِ فهو كاذِبٌ. احتِجاجًا منه لنبيِّه ﵇، على الذين حاجُّوه مِن وفدِ نَجْرانَ في عيسى. واعتُرِض بذكْرِ اللَّهِ وصفتِه، على ما بيَّنْتُ (٣)، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿وَاعْلَمُوا

стр. 3397

أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]. افتتاحًا باسمِه الكلامَ، فكذلك افتَتَح باسمِه والثناءِ على نفسِه الشهادةَ بما وصَفنا من نَفْي الألوهةِ عن غيرِه، وتَكْذيبِ أهلِ الشركِ به. فأما ما قال الذي وصَفْنا قولَه مِن أنّه عنَى بقولِه: ﴿شَهِدَ﴾: قَضَى. فمِمَّا لا يُعرَفُ في لغةِ العربِ ولا العَجَمِ؛ لأن الشهادةَ معنىً، والقضاءَ غيرُها. وبنحوِ ما قلنا في ذلك رُوِى عن بعضِ المُتقدِّمِين القولُ في ذلك. حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾: بخلافِ ما قالوا، يعنى بخلافِ ما قال وَفْدُ نَجْرانَ مِن النصارَى، ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ أَي: بالعدل (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بِالْقِسْطِ﴾: بالعدلِ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾. ومعْنى الدِّينِ في هذا الموضعِ: الطاعةُ والذِّلَّةُ، من قولِ الشاعرِ (٢): ويوم الحَزْنِ إِذْ حَشَدَت مَعَدٌّ … وكان الناسُ إلا نحنُ دِينَا يعنى بذلك: مُطِيعينَ على وَجْهِ الذُّلِّ. ومنه قولُ القُطَامِيِّ (٣):

стр. 3398

كانت نَوَارُ (١) تَدِينُكَ الأَدْيانا يَعْنى: تُذِلُّكَ. وقولُ الأعشَى ميمونِ بن قَيسٍ (٢): هو دانَ الرِّبابَ إِذْ كَرِهوا الدِّيـ … ـنَ دِرَاكًا بِغَزْوَةٍ وَصِيالِ يَعنى بقولِه (٣): دانَ. ذَلَّل، وبقولِه: كرِهوا الدِّينَ. الطاعةَ. وكذلك الإسلامُ، وهو الانْقِيادُ بالتَّذَلُّلِ والخشوعِ، والفعلُ منه "أسلَم"، بمعْنى: دخَل في السِّلْمِ، كما يقالُ: أقحَط القومُ. إذا دخَلوا في القَحْطِ، وأربَعوا، إذا دخَلوا في الربيعِ، فكذلك: أسلَموا، إذا دخَلوا في السِّلْمِ، وهو الانْقِيادُ بالخضوعِ وتَرْكُ المُمَانَعةِ. فإذْ كان ذلك كذلك، فتأويلُ قولِه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾. إِنَّ الطاعةَ للهِ [- التي هي الطاعةُ له] (٤) عندَه - [الطاعةُ له] (٥)، وإقرارُ الألسنِ والقلوبِ له بالعُبودَةِ والذِّلَّةِ، وانقيادُها له بالطاعةِ فيما أمَر ونهَى، وتَذَلُّلُها له بذلك، من غيرِ استكبارٍ عليه، ولا انحرافٍ عنه، دونَ إشراكِ غيرِه من خَلْقِه معه في العبودةِ والألوهَةِ. وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ الدِّينَ

стр. 3399

عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾: والإسلامُ شهادةُ أن لا إلهَ إلا اللهُ، والإقرارُ بما جاء به مِن عندِ اللهِ، وهو دينُ اللهِ الذي شرَع لنفسِه، وبعَث به رُسُلَه، ودلَّ عليه أولياءَه، لا يَقْبَلُ غيرَه، ولا يَجْزِى إلا به (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: ثنا أبو العاليةِ في قولِه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾. قال: الإسلامٌ الإخلاصُ للهِ وحدَه، وعبادتُه لا شريكَ له، وإقامُ الصلاةِ، وإيتاءُ الزكاةِ، وسائرُ الفرائضِ لهذا تَبَعٌ (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]. قال: دخَلنا في السِّلْمِ، وترَكنا الحربَ (٣). حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾: أي ما أنت عليه يا محمدُ مِن التوحيدِ للربِّ والتَّصْديقِ للرسلِ (٤). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾. يَعنى بذلك جلّ ثناؤه: وما اختَلف الذين أُوتُوا الإنجيلَ - وهو الكتابُ الذي ذكَره اللهُ في هذه الآيةِ - في أمرِ عيسى، وافترائِهم على اللهِ فيما قالُوه فيه مِن الأقوالِ التي كَثُر بها اختلافُهم بينَهم، وتَشتَّتَتْ بها كلمتُهم، وبايَن بها بعضُهم بعضًا،

стр. 3400

حتى استَحلَّ بها بعضُهم دماءَ بعضٍ، ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ يعنى: إلا مِن بعدِ ما عَلِموا الحقَّ فيما اختَلَفوا فيه مِن أَمْرِه، وأيقَنوا أنهم فيما يقولون فيه مِن عظيمِ الفِرْيةِ مُبْطلون، فأخبرَ اللَّهُ عبادَه أَنهم أَتَوْا مَا أَتَوْا مِن الباطلِ، وقالوا ماقالُوا مِن القولِ الذي هو كفرٌ باللهِ، على علمٍ منهم بخطأَ ما قالوه، وأنهم لم يقولوا ذلك جهلًا منهم بخَطئِه، ولكنّهم قالُوه واختَلَفوا فيه الاختلافَ الذي هم عليه؛ تَعَدِّيًا من بعضِهم على بعضٍ، وطلبَ الرياساتِ والملكِ والسلطانِ. كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾. قالُ: قال أبو العاليةِ إلا من بعدِ ما جاءهم الكتابُ والعلمُ ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ يقولُ: بَغْيًا علَى الدنيا، وطلبَ مُلْكِها وسُلطانِها، فقَتَل بعضُهم بعضًا على الدنيا، مِن بعدِ ما كانوا علماءَ الناسِ (١). حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، عن ابن عمرَ أنه كان يُكْثِرُ تلاوةَ هذه الآيةِ: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾. يقولُ: بَغْيًا على الدنيا، وطلبَ مُلْكِها وسُلطانِها، من قِبَلِها واللهِ (٢) أُتِينا، ما كان علينا مَن يكونُ علينا (٣)، بعدَ أن يأخُذَ فينا كتابَ اللَّهِ وسنةَ نَبيِّه! ولكنَّا أُتِينَا مِن قِبَلِها. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن
следующие страницы →