← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.

стр. 3466

حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: قال الله : ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ فَانْطَلَقَتْ بها أمُّها في خِرَقِها - يعنى أمَّ مريمَ بمريمَ - حينَ وَلَدتْها إلى المحراب - وقال بعضُهم: انْطَلَقَتْ حين بَلَغَتْ إلى المحراب - وكان الذين يَكتُبون التوراة إذا جاءوا إليهم بإنسانٍ يُحَرِّرونه (١)، اقْتَرعوا عليه أَيُّهم يَأْخُذُه فيُعَلِّمُه. وكان زكريا أفْضَلَهم يومَئذٍ، وكان نَبيَّهم (٢)، وكانت خالةُ (٣) مريمَ تحتَه، فلما أَتَوا بها اقْتَرعوا عليها، وقال لهم زكريا: أنا أحَقُّكم بها تَحتى أُختُها (٤). فأبَوْا، فخَرَجوا إلى نهرِ الأُرْدُنِّ، فَأَلْقَوْا أَقلامَهم التي يَكْتُبون بها أَيُّهم يَقومُ قَلَمُه فيَكْفُلُها. فجرَتِ الأقلامُ وقام قلمُ زكريا على قُرنَتِه (٥)، كأنه في طينٍ، فأخَذ الجارية، وذلك قولُ اللهِ : ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾. فجعَلَها زكريا معه في بيته، وهو المحرابُ (٦). حدَّثنا بشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾. يقولُ: ضَمَّها إليه.

стр. 3467

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قوله: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾. قال: سَهَمَهُم (١) بقلمِه (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفة، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ نحوَه. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الله بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن قَتادةَ، قال: كانت مريمُ ابنةَ سَيِّدِهم وإمامِهم. قال: فتَشاحَّ عليها أحبارُهم، فاقْتَرعوا فيها بسهامِهم أيُّهم يَكْفُلُها. قال قتادةُ: وكان زكريا زوجَ أختِها فكَفَلَها، وكانت عندَه وحَضَنَها (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن القاسم بن أبي بَزَّةَ، أنه أخْبره عن عكرمة، وأبى بكرٍ، عن عِكرمة، قال: ثم خَرَجت بها - يعنى أمَّ مريمَ بمريمَ - في خِرَقِها تَحْمِلُها إلى بنى الكاهن بن هارون، أخى موسى بن عمرانَ. قال: وهم يومَئِذٍ يَلُون مِن بيت المَقدسِ ما يَلَى الحَجَبَةُ مِن الكعبة، فقالت لهم: دونَكم هذه النذيرةَ، فإني حَرَّرتُها، وهى ابنتى، ولا يَدْخُلُ الكنيسة حائضٌ، وأنا لا أرُدُّها إلى بيتي. فقالوا: هذه ابنهُ إمامنا. وكان عمرانُ

стр. 3468

يَؤمُّهم في الصلاة، وصاحبَ قُرْبانِهم (١). فقال زكريا: ادْفَعوها إليَّ، فإن خالتَها عندى. قالوا: لا تَطِيبُ أنفسُنا، هي ابنةُ إمامنا. فذلك حين اقْتَرَعوا، فاقْتَرَعوا بأقلامِهم عليها - بالأقلام التي يَكْتُبون بها التوراةَ - فقَرَعهم زكريا فكَفَلَها (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: أخبرني يَعْلَى بنُ مسلمٍ، عن سعيد بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: جعَلها زكريا معه في مِحرابه. قال الله : ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾. قال حَجاجٌ: قال ابن جُريجٍ: الكاهنُ في كلامِهم العَالِمُ (٣). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾: بعد أبيها وأمِّها، يُذكِّرُها باليُتْمِ، ثم قَصَّ خبرَها وخبرَ زكريا (٤). حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ قوله: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾. قال: كانت عنده. حدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن يَعْلى بن مسلمٍ، عن سعيد بن جُبَيرٍ قوله: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾، قال: جعلها زكريا معه في مِحْرابه.

стр. 3469

حدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، عن عَبَّادٍ، عن الحسن في قوله: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾: وتَقارَعها القومُ، فقرَع زكريا، فكَفَلَها زكريا (١). وقال آخرون: بل كان زكريا بعدَ ولادةِ حَنَّةَ ابنتَها مريمَ، كَفَلها بغيرِ اقْتِراعٍ ولا اسْتِهامٍ عليها، ولا مُنازَعةِ أحدٍ إياه فيها، وإنما كَفَلها لأن أُمَّها ماتت بعد موت أبيها وهى طِفْلةٌ، وعند زكريا خالتُها أيشاعُ (٢) ابنةُ فاقوذ. وقد قيل: إن اسم أمِّ يحيى خالة عيسى: أشْيَعُ. حدَّثنا بذلك القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجُ، عن ابن جُريجٍ، قال: أخبرني وَهْبُ بنُ سليمانَ، عن شُعيبٍ الجَبَئيِّ (٣)، أن اسم أمِّ يحيى: أشْيَعُ (٤). فضَمَّها إلى خالتها أمِّ يحيى، فكانت إليهم ومعهم، حتى إذا بلَغَتْ أَدْخَلوها الكَنيسة، لنَذْر أمِّها التي نَذَرَتْ فيها. قالوا: والاقتراعُ فيها بالأقلام إنما كان بعد ذلك بمدةٍ طويلةٍ؛ لشدَّةٍ أصابَتْهم، ضَعُفَ زكريا عن حَمْلِ مُؤنَتِها، فتَدافعوا حَمْلَ مُؤنتِها، لا رغبةً منهم، ولا تَنافُسًا عليها وعلى احتمال مُؤنتِها. وسنذكُرُ قصَّتَها على قول من قال ذلك إذا بلغنا إليها إن شاء الله تعالى.

стр. 3470

حدَّثنا بذلك ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاق (١). فعلى هذا التأويل تَصِحُّ قراءةُ مَن قرأَ: (وكفَلها زكريا). بتخفيف الفاء، لو صحَّ التأويلُ، غير أن القولَ مُتظاهِرٌ من أهل التأويل بالقول الأول. أن استهام القومِ فيها كان قبلَ كَفالة زكريا إياها، وأن زكريا إنما كفلها بإخراج سَهْمِه منها فالجًا (٢) على سهام خُصومه فيها، فلذلك كانت قراءتُه بالتشديدِ عندَنا أَوْلَى مِن قراءته بالتخفيف. القولُ في تأويل قوله: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾. يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: أن زكريا كان كلَّما دخل عليها المحْراب بعدَ إدخاله إياها المحرابَ، وجَد عندَها رزقًا من الله لغِذائِها. فقيل: إن ذلك الرزقَ الذي كان يَجِدُه زكريا عندَها، فاكهةُ الشتاء في الصيف، وفاكهةُ الصيف في الشتاء. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا الحسنُ بنُ عطية، عن شَرِيكٍ، عن عطاءٍ، عن سعيد بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ قال: وجَد عندَها عِنَبًا في مِكْتَلٍ (٣) في غير حينه (٤).

стр. 3471

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن سعيدٍ في قوله: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾. قال: العِنَبُ في غيرِ حِينِه (١). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا مُغِيرةُ، عن إبراهيم في قوله: ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾. قال: فاكهةٌ في غير حينها (٢). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا أبو إسحاق الكوفيُّ، عن الضحاكِ أنه كان يَجِدُ عندَها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف. يعنى في قوله: ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سَلَمةَ بن نُبيطٍ، عن الضَّحاكِ مثله. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرٌو، قال: [أخبرنا هُشَيمٌ، عن بعض أشياخه، عن الضحاك مثله. حدَّثنا القاسمُ، قال] (٣): ثنا الحسينُ (٤)، قال: أخبرنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا جُويبرٌ، عن الضحاكِ مثله. حدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا من سمع الحكمَ بن عُتَيبةَ يحدِّثُ عن مجاهدٍ قال: كان يَجِدُ عندَها العِنَبَ في غير حينه.

стр. 3472

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾، قال: عِنَبًا وجده زكريا عند مريم في غير زمانه (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوه. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا النَّضْرُ بنُ عَرَبِيٍّ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾. قال: فاكهةُ الصيف في الشتاء، وفاكهةُ الشتاء في الصيف (٢). حدَّثنا بشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ في قوله: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾. قال: كُنَّا نُحَدَّثُ أنها كانت تُؤْتَى بفاكهة الشتاءِ في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاق، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادة: ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ قال: وجَد عندَها ثمرةً في غير زمانِها (٣).

стр. 3473

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع، قال: جعَل زكريا دونَها عليها سبعة أبوابٍ، فكان يَدْخُلُ عليها فيَجِدُ عندها فاكهة الشتاءِ في الصيف، وفاكهةَ الصيف في الشتاءِ (١). حدَّثني موسى بنُ (٢) عبد الرحمن، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: جعَلها زكريا معه في بيتٍ - وهو المحرابُ - فكان يدخُلُ عليها في الشتاءِ، فيَجِدُ عندَها فاكهة الصيف، ويدخُلُ في الصيف، فيَجِدُ عندَها فاكهةَ الشتاء (٣). حُدِّثتُ عن الحسين (٤)، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، قال: أخبرنا عُبَيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾. قال: كان يَجِدُ عندَها فاكهة الصيف في الشتاء. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: أخبرني [يَعْلى بنُ] (٥) مسلمٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباس: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾. قال: وجَد عندَها ثمارَ الجنة، فاكهةَ الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف (٦).

стр. 3474

حدثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاق، قال: ثنى بعضُ أهلِ العلم أن زكريا كان يَجِدُ عندَها ثمرة الشتاءِ في الصيف، وثمرةَ الصيف في الشتاء (١). حدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحَنَفيُّ، عن عَبَّادٍ، عن الحسنِ قال: كان زكريا إذا دخَل عليها - يعنى على مريمَ المِحْرابَ - وجد عندَها رِزْقًا مِن السماءِ من اللهِ، ليس من عندِ الناسِ. وقالوا: لو أن زكريا كان يَعْلَمُ أن ذلك الرزقَ من عندِه لم يَسْأَلها عنه. وقال آخرون: بل معنى ذلك أن زكريا كان إذا دخَل إليها المِحْرابَ وجَد عندَها من الرزقِ فضلًا عما كان يأتيها به الذي كان يَمُونُها في تلك الأيام. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاق، قال: كَفَلها زكريا (٢) بعددَ هَلاكِ أمِّها، فضَمَّها إلى خالتِها أمِّ يحيى، حتى إذا بلَغَت، أدخَلوها الكنيسة، لنَذْرِ أمِّها الذي نَذَرَت فيها، فجعَلَت تَنْبُتُ وتَزِيدُ. قال: ثم أصابت بنى إسرائيلَ أَزْمَةٌ، وهى على ذلك مِن حالِها، حتى ضَعُف زكريا عن حَمْلِها، فخَرَج على بني إسرائيل، فقال: يا بني إسرائيلَ، أتعلمون، واللهِ لقد ضَعُفتُ عن حَمْل ابنة عمران. فقالوا: ونحن لقد جُهِدْنا، وأصابَنا من هذه السَّنةِ ما أصابَكم. فتَدافَعوها بينَهم، وهم لا يَرَون لهم من حَمْلِها بُدًّا، حتى تَقَارعوا بالأقلامِ، فخَرَج السهمُ

стр. 3475

بحَمْلِها على رجلٍ من بنى إسرائيلَ نَجَّارٍ، يقالُ له: جُرَيجٌ. قال: فعَرَفَت مريم في وَجْهِه شِدَّةَ مَئُونَةِ ذلك عليه، فكانت تقول له: يا جُرَيجُ، أَحسِنْ باللهِ الظَّنَّ، فإن الله سَيَرْزُقُنا. فَجَعَل جُرَيجُ يُرْزَقُ بَمَكانِها، فيأتيها كلَّ يومٍ من كَسْبِه بما يُصْلِحُها، فإذا أدخَلَه عليها وهى في الكَنيسةِ، أنْماه اللهُ وكَثَّره، فيَدْخُلُ عليها زكريا فيرَى عندَها فَضْلًا من الرزقِ، وليس بقَدْرِ ما يأتيها به جُرَيجٌ، فيقولُ: يا مريمُ أَنَّى لكِ هذا؟ فتقولُ: هو من عندِ اللهِ، إن الله يرزقُ مَن يَشَاءُ بغيرِ حسابٍ (١). وأما المحرابُ، فهو مُقَدَّمُ (٢) كلِّ مجلسٍ ومُصَلًّى، وهو سيدُ المجالسِ وأشرفُها وأكرمها، وكذلك هو مِن المساجدِ، ومنه قولُ عَدِيٍّ بن زيدٍ (٣): كَدُمَى (٤) العَاجِ في المحاريبِ أو كالـ … ــــــبَيْض في الرَّوْضِ زَهْرُهُ (٥) مُسْتَنيرُ (٦) والمحَاريبُ جمعُ مِحْرابٍ، وقد يُجمَعُ على (٧) مَحَارِبَ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧)﴾. يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: ﴿قَالَ﴾ زكريا: ﴿يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾؟ من أيِّ

стр. 3476

وَجْهٍ لك هذا الذي أرَى عندَكِ من الرزقِ؟ قالت مريمُ مُجِيبَةٌ له: ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. تعنى أن الله هو الذي رزَقَها ذلك، فَساقَه إليها وأعطاها. وإنما كان زكريا يقولُ ذلك لها؛ لأنه كان - فيما ذُكر لنا - يُغْلِقُ عليها سبعةَ أبوابٍ، ويَخْرُجُ ثم يدخُلُ عليها، فيَجِدُ عندَها فاكهةَ الشتاءِ في الصيفِ، وفاكهةَ الصيفِ في الشتاء، فكان يَعْجَبُ مما يرى من ذلك، ويقولُ لها تَعَجُّبًا مما يرَى: أَنَّى لكِ هذا؟ فتقولُ: مِن عندِ اللهِ. حدَّثني بذلك المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع (١). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثنى بعضُ أهل العلمِ. فذَكَر نحوه. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. قال: فإنه وَجَد عندَها الفاكهة الغَضَّةَ حينَ لا تُوجَدُ الفاكهةُ عند أحدٍ، فكان زكريا يقولُ: يا مريمُ أَنَّى لكِ هذا (٢)؟ وأما قولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. فخبرٌ من اللهِ أنه يسوقُ إلى مَن يَشَاءُ مِن خَلْقِهِ رِزْقَه بغير إحصاءٍ ولا عددٍ يُحاسِبُ عليه عبدَه؛ لأنَّه جلَّ ثناؤه لا يَنْقُصُ سَوْقُه ذلك إليه كذلك خَزائنه، ولا يَزِيدُ إعطاؤُه إياه ومُحاسَبَتُه

стр. 3477

عليه في مُلْكِه وفيما لَديه شيئًا، ولا يَعْزُبُ عنه علمُ ما يَرْزُقُه. وإنما يُحاسبُ مَن يُعْطِى ما يُعْطِيهِ، مَن يَخْشَى النُّقصان من مُلْكِه (١)، بخُروج ما خرَج من عندِه بغيرِ حسابٍ معروفٍ، ومَن كان جاهلًا بما يُعطى على غيرٍ حسابٍ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨)﴾. أما قولُه: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾. فمعناه: عند ذلك - أي: عندَ رؤيةِ زكريا ما رأى عندَ مريمَ من رزقِ اللهِ الذي رَزَقها، وفَضْلِه الذي آتاها من غيرِ تَسَبُّبِ أحدٍ من الآدَميِّين في ذلك لها، ومُعايَنَتِه عندها الثمرةَ الرَّطْبة التي لا تكونُ في حين رؤيته إياها عندها في الأرض - طمع [في الولد] (٢) مع كِبَر سِنِّه، من المرأةِ العاقرِ، فرَجا أن يَرْزُقه اللهُ منها الولدَ مع الحالِ التي هما بها، كما رزَق مريمَ على تَخَلِّيها من الناسِ ما رَزَقها؛ من ثمرةِ الصيفِ في الشتاءِ، وثمرة الشتاءِ في الصيفِ، وإن لم يكنْ مثلُه مما جَرَتْ بوجوده - في مثل ذلك الحين - العاداتُ في الأرضِ، بل المعروفُ في الناسِ غيرُ ذلك، كما أن ولادةَ العاقرِ غيرُ الأمرِ الجاريةِ به العاداتُ في الناسِ، فرَغِب إلى اللهِ جلَّ ثناؤُه في الولدِ، وسأَله ذُرِّيَّةً طيبةً، وذلك أن أهلَ بيتِ زكريا - فيما ذُكر لنا - كانوا قد انقَرَضوا في ذلك الوقتِ. كما حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: فلمَّا رأى زكريا من حالها ذلك - يعنى فاكهةَ الصيفِ في الشتاءِ، وفاكهةَ الشتاءِ في الصيفِ - قال: إن رَبًّا أعطاها هذا في غيرِ حِينِه، لقادرٌ على أن يرزُقَنى ذُرِّيَّةً طيبةً.

стр. 3478

ورَغِب في الولدِ، فقام فصلَّى، ثم دعا رَبَّه سرًّا، فقال: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦)﴾ [مريم: ٤ - ٦]. وقال (١): ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾. وقال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ (٢) [الأنبياء: ٨٩]. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجُ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: أخبرَني يعْلَى بنُ مسلمٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: فلما رأى ذلك زكريا - يعنى فاكهةَ الصيفِ في الشتاءِ، وفاكهة الشتاءِ في الصيفِ عندَ مريم - قال: إن الذي يأتى بهذا مريمَ في غيرِ زمانِه، قادرٌ أن يرزُقَنى وَلَدًا. قال الله : ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾. قال: فذلك حين دَعا (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن أبي بكرٍ، عن عِكْرمة، قال: فدَخَل المحْرابَ، وغَلَّق الأبوابَ، وناجَى رَبَّه، فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ إلى قوله: ﴿رَبِّ رَضِيًّا﴾. ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ الآية [آل عمران: ٣٩]. حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: حدَّثني بعض أهل

стр. 3479

العلمِ، قال: فَدَعا زكريا عندِ ذلك بعد ما أسَنَّ، ولا ولدَ له، وقد انْقَرَض أهلُ بيتِه، فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾. ثم شَكا إلى رَبِّه، فقال: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ إلى ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾. ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ الآية. وأما قولُه: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾. فإنه يعنى بالذُّرِّيَّةِ النَّسلَ، وبالطَّيبةِ المباركةَ. كما حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾. يقولُ: مباركةً (١). وأما قوله: ﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾. فإنه يعنى: مِن عندِك. وأما الذُّرِّيةُ، فإنها جَمْعٌ، وقد تكون في معنى واحدٍ (٢)، وهي في هذا الموضعِ واحدٍ (٢). وذلك أن الله قال في موضعٍ آخَرَ مُخْبِرًا عن دعاءِ زكريا: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ [مريم: ٥]. ولم يَقُلْ: أولياءَ. فدلَّ على أنه سأل واحدًا، وإنما أَنَّثَ ﴿طَيِّبَةً﴾ لتأنيثِ الذُّرِّيةِ، كما قال الشاعرُ (٣): أبوك خَلِيفةٌ وَلَدَتْه أُخْرى … وأنت خَلِيفَةٌ ذاكَ الكَمالُ فقال: وَلَدَتْه أُخْرَى. فأَنَّث وهو ذكرٌ؛ لتأنيث لفظ "الخليفة"، كما قال الآخر (٤):

стр. 3480

فما (١) تَزْدَرِى (٢) مِن حَيَّةٍ جَبَلِيَّةٍ … سُكاتٍ (٣) إذا ما عَضَّ ليس بأَدْرَدَا (٤) فأَنَّثَ الجَبَلِيَّة لتأْنيثِ لفظِ الحَيَّة، ثم رجَع إلى المعنى فقال: إذا ما عَضُ؛ لأنه كان أراد حَيَّةً ذَكَرًا. وإنما يجوزُ هذا فيما لم يقع عليه: "فلانٌ" من الأسماءِ، كالدَّابةِ والذُّرِّيةِ والخَليفةِ، فأما إذا سُمِّي رجلٌ بشيءٍ من ذلك، فكان في معنى "فلان" لم يَجُزْ تأنيثُ فعله ولا نَعْتِه. وأما قولُه: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾. فإن معناه: إنك سامعٌ الدعاءَ. غيرَ أن ﴿سَمِيعُ﴾ أمْدَحُ، وهو بمعنى: ذو سَمْعٍ له. وقد زعَم بعضُ نحويِّى البصرة أن معناه: إنك تَسْمَعُ مَا تُدْعَى به. فتأويلُ الآية: فعند ذلك دعا زكريا رَبَّه فقال: ربِّ هَبْ لى من عندِك ولدًا مبارَكًا، إنك ذو سمعٍ دُعاءَ مَن دَعاك. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾. اختَلَفت القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قَرَأةِ أهلِ المدينةِ، وبعضُ أهل الكوفة والبصرةِ: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ على التأنيثِ بالتاءِ (٥)، يرادُ بها جمعُ (٦) الملائكةِ. وكذلك تَفعَلُ العرب في جماعةِ الذُّكور إذا تَقَدَّمَت أَفعالها، أَنَّثَت أفعالها، ولا سيما الأسماءُ التي في ألفاظِها التأنيثُ، كقولهم: جاءَت الطَّلْحاتُ.

стр. 3481

وقد قرَأ ذلك جماعةٌ من أهلِ الكوفةِ بالياءِ (١)، بمعنى: فَناداه جبريلُ. فذَكَّروه للتأويل، كما قد ذكَرنا آنفًا أنهم يُؤنِّثون فعلَ الذَّكَرِ لِلَّفظ، فكذلك يذكِّرون فعلَ المؤنثِ أيضًا لِلَّفظِ. واعتَبَروا ذلك فيما أرَى بقراءةٍ يُذكَرُ أنها قراءةُ عبدِ اللهِ بن مسعودٍ. وهو ما حدَّثني به المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ بن الحَجَّاج، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بن أَبي حَمَّادٍ، أن قراءةَ ابن مسعودٍ: (فَنَادَاهُ جِبْرِيلُ وهو قَائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرَابِ) (٢). وكذلك تَأوَّلَ قوله: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾. جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني، موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ (٣): وهو جبريل - أو: قالت الملائكة: وهو جبريلُ: - ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ (٤). فإن قال قائلٌ: وكيف جاز أن يقالَ على هذا التأويلِ: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ والملائكةُ جمعٌ لا واحدٌ؟ قيل: ذلك جائزٌ في كلامِ العربِ، بأن تُخْبِرَ عن الواحدِ، بمذهبِ الجمعِ، كما يقالُ في الكلامِ: خَرَج فلانٌ على بغالِ البُرُدِ. وإنما رَكِب بغلًا واحدًا، ورَكب

стр. 3482

السُّفُن. وإنما رَكِب سفينةً واحدةً، وكما يقالُ: ممن سمِعْتَ هذا الخبرَ؟ فيقالُ: من الناسِ. وإنما سَمِعه من رجلٍ واحدٍ. وقد قيل: إن منه قولَه: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]. والقائلُ كان فيما ذُكِر واحدًا، وقولَه: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ﴾ [الروم: ٣٣]. والناسُ بمعنَى واحدٍ، وذلك جائزٌ عندهم فيما لم يُقْصَدْ فيه قَصْدُ واحدٍ. وإنما الصوابُ من القولِ عندى في قراءةِ ذلك أنهما قراءتان معروفتان - أعنى التاء والياءَ - فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمُصِيبٌ؛ وذلك أنه لا اختلافَ في معنى باختلافِ القراءتَين، وهما جميعًا فَصِيحتان عندَ العربِ، وذلك أن الملائكةَ إن كان مُرَادًا بها جبريل، كما رُوِى عن عبدِ اللهِ، فإن التأنيثَ في فعلِها فصيحٌ في كلامِ العرب، لِلَفْظِها إن تَقدَّمَها الفعلُ، وجائزٌ فيه التذكيرُ لمعناها، وإن كان مُرادًا بها جمعُ الملائكةِ، فجائزٌ في فعلِها التأنيثُ وهو (١) قَبلَها لِلفْظها، وذلك أن العربَ إذا قدَّمت على الكثيرِ من الجماعةِ فعْلَها أَنَّثَتْه، فقالت: قالت النساءُ. وجائزٌ التذكيرُ في فعلِها بناءً على الواحدِ إذا تقَدَّم فعله، فيقال: قال الرجالُ. وأما الصوابُ من القولِ في تأويلِه، فأنْ يقال: إن الله جلَّ ثناؤه أخبرَ أن الملائكةَ نادَته، والظاهرُ من ذلك أنها جماعةٌ من الملائكةِ دونَ الواحدِ، وجبريلُ واحدٌ، فلن يجوزَ أن يُحْمَلَ تأويلُ القرآنِ إلا على الأظهرِ الأكثرِ من الكلامِ المُستعملِ في أَلْسُنِ العربِ دونَ الأقلِّ، ما وُجد إلى ذلك سبيلٌ، ولم تَضْطَرَّنا حاجةٌ إلى صَرْفِ ذلك إلى أنه بمعنى واحدٍ، فيُحْتاج له إلى طَلَبِ المَخْرَجِ بالخفيِّ من الكلامِ والمعانى. وبما قُلنا في ذلك من التأويلِ قال جماعةٌ من أهل العلم؛ منهم قتادةُ والربيع ابن

стр. 3483

أنسٍ وعِكرمةُ ومجاهدٍ وجماعةٌ غيرُهم، وقد ذكَرنا ما قالوا من ذلك فيما مَضَى. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾. وتأويلُ قوله: ﴿وَهُوَ قَائِمٌ﴾: فنادَته الملائكةُ في حالِ قِيامِهِ مُصَلِّيًّا. فقوله: ﴿وَهُوَ قَائِمٌ﴾ خبرٌ عن وقتِ نداء الملائكةِ زكريا. وقوله: ﴿يُصَلِّي﴾. في موضعِ نصبٍ على الحالِ من "القيام"، وهو رَفْعٌ بالياء. وأما المِحْرابُ، فقد بَيَّنا معناه وأنه مُقَدَّمُ المسجدِ (١). واختلَفت القَرَأَةُ في قراءة قوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾؛ فقرأته عامةُ القَرَأَةِ: ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ بفتحِ الألفِ من ﴿أَنَّ﴾ (٢)، بوقوعِ النداءِ عليها، بمعنى: فنادَته الملائكةُ بذلك. وقرَأه بعضُ قَرَأَةِ أهلِ الكوفةِ: (إن الله يَبْتُركَ) بكَسْرِ الألف (٣)، بمعنى: قالت الملائكةُ: إن الله يُبَشِّرُكَ. لأن النداء قولٌ، وذكروا أنها في قراءة عبدِ اللهِ: (فنادته الملائكةُ وهو قائمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ: يا زكريا إن الله يُبَشِّرُك) (٤). قالوا: وإذا بَطَل النداءُ أن يكون عاملًا في قوله: (يا زكريا). فباطلٌ أيضًا أن يكون عاملًا في "إنَّ". والصوابُ من القراءة في ذلك عندنا (٥): ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ بفتح ﴿أَنَّ﴾، بوقوعِ النداء عليه، بمعنى: فَنَادَته الملائكة بذلك.

стр. 3484

وليست العلَّةُ التي اعتلَّ بها القارِئون بكسرِ "إن"، مِن أَنَّ عبد الله كان يقرَؤُها كذلك، [فقرَءُوها كذلك] (١)؛ وذلك أنَّ عبدَ اللهِ إن كان قرَأ ذلك كذلك، فإنما قرَأها - بزعمهم - وقد اعتَرَض [بـ (يا] (٢) زكريا) بين (إن)، وبينَ قوله ﴿فَنَادَتْهُ﴾ وإذا اعتُرِض به بينهما، فإن العربَ تُعْمِلُ حينئذٍ النداء في "أن"، وتُبْطِلُه عنها. أما الإبطالُ؛ فلأنّه (٣) بطل عن العمل في المُنادى قبله، فأسْلكوا الذي بعدَه مَسْلكَه في بُطولِ عملِه. وأمّا الإعمالُ؛ فلأنَّ النداءَ فعلٌ واقعٌ (٤) كسائرِ الأفعالِ. وأما قراءتُنا، فليس نداءُ زكريا بـ (يا زكريا) مُعْتَرَضًا به بينَ ﴿أَنَّ﴾ وبين قوله: ﴿فَنَادَتْهُ﴾، وإذ لم يكن ذلك بينهما، فالكلام الفصيح من كلام العربِ إذا (٥) نصَبَت بقول: ناديت. اسمَ المنادى وأوقعوه عليه، أن يوقِعوه كذلك على "أن" بعده، وإن كان جائزًا إبطالُ عمله. فقولُه: ﴿فَنَادَتْهُ﴾ قد وقع على مَكْنِيِّ "زكريّا"، فكذلك الصوابُ أن يكون واقعًا على ﴿أَنَّ﴾ وعاملًا فيها، مع أن ذلك هو القراءةُ المُستفيضة في قرأة أمصارِ الإسلام، ولا يُعتَرضُ بالشاذِّ على الجماعة التي تجيءُ مَجِيءَ الحُجَّةِ (٦). وأما قوله: ﴿يُبَشِّرُكَ﴾. فإن القرأَةَ اختلَفت في قراءتِهِ؛ فَقَرَأَته عامةُ قَرَأَةِ أهل المدينةِ والبصرة: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ بتَشْدِيدِ الشينِ وضَمِّ الياءِ (٧)، على وَجْهِ

стр. 3485

تَبْشيرِ اللهِ زكريّا بالولد، من قولِ الناسِ: بَشَّرَتْ فلانًا البُشْرَى بكذا وكذا. أي: أتَتْه بشاراتُ البُشَرَاءِ (١) بذلك. وقرَأ ذلك جماعةٌ مِن قَرأَةِ الكوفة وغيرُهم: (إِنَّ اللَّهَ يَبْشُرُكَ) بفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الشين وتخْفيفِها (٢)، بمعنى أن الله يَسُرُّكَ بولدٍ يَهَبُهُ لك، من قول الشاعرِ (٣): بَشَرْتُ عِيالى إِذْ رأيتُ صَحِيفةً … أَتَتْكَ مِن الحَجاجِ يُتْلَى كِتابُها وقد قيل: إِنَّ "بَشَرْتُ" لغةُ أهلِ تِهامةَ مِن كِنانةَ وغيرهم من قريشٍ، وأنهم يقولون: بَشَرْتُ فلانًا بكذا، فأنا أبشُرُه بَشْرًا. و: هل أنتَ باشِرٌ بكذا؟ ويُنشَدُ لهم البيت في ذلك (٤): وإذا رأيتَ الباهِشِين (٥) إلى العُلا … غُبْرًا أَكُفُّهُمُ بِقاعٍ مُمْحِلِ فَأَعِنْهُمُ وَابْشُرْ بَمَا بَشَرُوا به … وإذا هُمُ نَزَلُوا بِضَنْكٍ فَانْزِلِ فإذا صارُوا إلى الأمر، فالكلامُ الصحيحُ من كلامِهم [بلا ألفٍ] (٦) فيقالُ: ابشُرْ فلانًا بكذا. ولا يَكادُون يقولون: بشِّرْه بكذا. ولا: أبشِرْه. وقد رُوِى عن حُمَيدِ بن قيسٍ أنه كان يقرأُ: (يُبْشِرُكَ) بضمِّ الياء، وكَسْرِ الشين وتخفيفها (٧).

стр. 3486

وقد حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ أبي حَمَّادٍ، عن مُعاذٍ الكُوفيِّ، قال: مَن قرَأ: ﴿يُبَشِّرُهُمْ﴾ [التوبة: ٢١]. مُثَقَّلَةً، فإنه من البِشارةِ. ومَن قرَأ: (يَبشُرُهم). مُخَفَّفَةٌ بنَصْبِ الياء، فإنه من السرور يَسُرُّهم (١). والقراءةُ التي هي القراءةُ عندنا في ذلك ضَمُّ الياء وتشديدُ الشين، بمعنى التَّبشير؛ لأن ذلك هي اللغةُ السائرةُ والكلامُ المستفيضُ المعروفُ في الناسِ، مع أنّ جميعَ قرأةِ الأمصارِ مُجْمِعون في قراءة: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر: ٥٤]. على التشديدِ. والصوابُ في سائرِ ما في القرآنِ مِن نظائرِه أن يكونَ مثلَه في التشديدِ وضَمِّ الياء. وأما ما رُوى عن معاذٍ الكوفيِّ مِن الفرق بينَ معنى التخفيفِ والتشديدِ في ذلك، فلم نَجِدْ أهلَ العلمِ بكلامِ العربِ يَعْرِفونه من وجهٍ صحيحٍ، فلا معنَى لما حُكِى من ذلك عنه، وقد قال جريرُ بنُ عطيةَ (٢): يا بِشْرُ حُقَّ لوجْهِكَ (٣) التَّبْشِيرُ … هَلَّا غَضبتَ لنا وأنت أميرُ فقد عُلِم أنه أراد بقوله: التبشيرُ. الجمالَ والنَّضارة والسرور. فقال: التبشيرُ. ولم يقل: البِشْرُ. فقد بيَّن ذلك أن معنَى التخفيفِ والتثقيلِ في ذلك واحدٌ. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة قوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾. قال: شافَهَتْه (٤) الملائكةُ بذلك (٥).

стр. 3487

وأما قولُه: ﴿بِيَحْيَى﴾. فإنه اسمٌ أَصلُه (١) "يَفْعَلُ"، مِن قولِ القائلِ: حَيِيَ فلانٌ فهو يَحْيَا، وذلك إذا عاش. فـ"يَحْيى" "يَفْعَلُ"، من قولِهم: حَيِىَ. وقيل: إن الله جلَّ ثناؤُه سمّاه بذلك لأنه يُتأَوَّلُ اسمُه: أحياه بالإيمانِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾. يقولُ: عبدٌ أحياه الله بالإيمان (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الله بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾. قال: إنَّما سُمِّي يَحْيَى (٣) لأن الله أحياه بالإيمانِ (٤). القولُ في تأويلُ قولِه: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾. يعنى بذلك (٥) جلَّ ثناؤُه: إن الله يُبَشِّرُك يا زكريا بيحيى ابنًا لك، مصدِّقًا بكلمةٍ من الله. يعْني: بعيسى ابن مريمَ. ونُصِب قولُه: ﴿مُصَدِّقًا﴾ على القطع من "يحيَى"؛ لأنّ ﴿مُصَدِّقًا﴾ نعتٌ له وهو نكرةٌ، و "يحيَى" غيرُ نكرةٍ. وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عبدُ الرحمنِ بنُ الأسودِ الطُّفاويُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ ربيعةَ، قال: ثنا

стр. 3488

النَّضْرُ بنُ عَربيٍّ، عن مجاهدٍ، قال: قالت امرأةُ زكريا لمريمَ: إني أَجِدُ الذي في بطنِي يَتَحَرَّكُ للذى في بطنِك. قال: فوضَعت امرأةُ زكريا يحيَى، ومريمُ عيسى؛ ولذا قال: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾. قال: يحيَى مُصَدِّقٌ بعيسى (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن الرَّقاشيِّ في قولِ اللهِ: ﴿يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾. قال: مُصَدَّقًا بعيسى ابن مريمَ (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله (٣). حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، قال: ثنا قَتادةُ في قولِه: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾. قال: مُصَدِّقًا بعيسى. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾. يقولُ: مُصَدِّقٌ بعيسى ابن مريمَ، وعلى سُنَّتِه (٤) ومِنهاجه. حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنَا مَعْمرٌ، عن قتادةَ في قوله: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾. يعْنى: بعيسى ابن مريمَ (٥). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادة: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾. يقولُ: مصدقًا بعيسى ابن مريم. يقولُ: على

стр. 3489

سَنَنِه (١) ومنهاجه. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾. قال: كان أَوَّلَ رجلٍ صدَّقَ عيسى، وهو كلمةٌ من الله ورُوحٌ (٢). حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾: يُصَدِّقُ بعيسى (٣). حُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: أخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعت الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾: كان يحيى أولَ مَن صدَّق بعيسى، وشهِد أنه كلمةٌ مِن اللهِ، وكان يحيى ابنَ خالةِ عيسى، وكان أكبرَ مِن عيسى (٤). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن سِماكٍ، عن عِكْرِمةَ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾. قال: عيسى ابن مريمَ هو الكلمةُ من اللهِ، اسمُه المسيحُ (٥). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: أخبرني حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ قوله: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾. قال: كان عيسى ويحيى ابنَىْ خالةٍ، وكانت أمُّ يحيَى تقول لمريم: إنى أَجِدُ الذي في بطنى يَسْجُدُ للذي في

стр. 3490

بطنِك، فذلك تصديقُه بعيسى، سجودُه (١) في بطنِ أمِّه، وهو أولُ من صدَّق بعيسى وكلمةِ عيسى، ويحيَى أكبرُ مِن عيسى (٢). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾. قال: الكلمةُ (٣) التي صدَّق بها عيسى (٤). حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: لقِيتْ أمُّ يحيى أمَّ عيسى، وهذه حاملٌ بيحيى وهذه حاملٌ بعيسى، فقالت امرأةُ زكريا: يا مريمُ، أُشْعِرْتُ أنى حُبْلى. قالت مريم: أُشْعِرْتُ أني أيضًا حُبْلى. قالت امرأة زكريا: فإني وجدت ما في بطنى يَسْجُدُ لما في بطنك. فذلك قولُه: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ (٥). حدَّثني محمدُ بنُ بَشَّارٍ (٦)، قال: ثنا أبو بكرٍ الحَنَفيُّ، عن عبّادٍ، عن الحسنِ في قول الله: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾. قال: مُصدِّقًا بعيسى ابن مريمَ (٧). وقد زعم بعضُ أهل العلم بلغاتِ العربِ مِن أهل البصرة (٨)، أن معنى قوله:

стр. 3491

﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾: بكتابٍ من الله. من قولِ العرب: أنشَدني فلانٌ كلمة كذا. يُرادُ به قصيدة كذا. جهلًا منه بتأويل الكلمة، واجتراءً على ترجمة القرآن برأيه. القولُ في تأويل قوله: ﴿وَسَيِّدًا﴾. يَعْنى بقوله جلَّ ثناؤُه: ﴿وَسَيِّدًا﴾: وشريفًا في العلم والعبادة. ونصِب "السيدُ" عطفًا على قوله: ﴿مُصَدِّقًا﴾. وتأويل الكلام، أنّ الله يُبشِّرُكَ بيحيى مصدِّقا بهذا وسيِّدًا. والسيِّدُ الفَيْعِلُ (١)، مِن قول القائل: ساد يَسُودُ. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَسَيِّدًا﴾: إى والله، لسيّدٌ في العبادةِ والحِلْم والعلم والوَرَعِ (٢). حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا سليمان (٣)، قال: ثنا أبو هلالٍ، قال: ثنا قتادة في قوله: ﴿وَسَيِّدًا﴾. قال: السيّد - لا أَعْلَمُه إلا قال -: في العلم والعبادة (٣). حُدِّثت عن عَمَّارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة، قال: السيّد الحليمُ (٤). حدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبى، عن شريك، عن سالمٍ الأفْطَسِ، عن سعيد بن جُبيرٍ: ﴿وَسَيِّدًا﴾. قال: الحليمُ (٥).

стр. 3492

حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحِمّانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿وَسَيِّدًا﴾ قال: السيدُ التقِيُّ (١). حدَّثني محمدُ بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ : ﴿وَسَيِّدًا﴾. قال: السيّدُ الكريمُ على الله (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شِبْلٌ، قال: زعَمَ الرَّقاشِيُّ أن السيدَ الكريمُ على الله (٣). حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: أخبرنا هشيمٌ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ في قولِ اللهِ : ﴿وَسَيِّدًا﴾، قال: السيد الحليم التقيُّ (٤). حدِّثت عن الحسين، قال: سمِعتُ أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيدُ بنُ سليمان، قال: سمِعت الضحّاكَ يَقُولُ في قوله: ﴿وَسَيِّدًا﴾. قال: يقول: تقيًّا حليمًا (٥). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبد الرحمن بن مَهديٍّ، عن سفيان في قولِه: ﴿وَسَيِّدًا﴾. قال: حليمًا تقيًّا (٦).

стр. 3493

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، عن ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَسَيِّدًا﴾. قال: السيد الشريفُ (١). حدَّثني سعيد بن عمرو السَّكُونيُّ (٢)، قال: ثنا بَقِيَّةُ بنُ الوليد، عن عبدِ الملكِ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيد بن المسيَّب في قولِ اللهِ : ﴿وَسَيِّدًا﴾. قال: السيدُ الفقيهُ العالمُ (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَسَيِّدًا﴾. قال: يقولُ: حليمًا تقيًّا (٣). حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن أبي بكرٍ، عن عِكْرمة: ﴿وَسَيِّدًا﴾. قال: السيد الذي لا يَغْلبه الغضبُ (٤). القول في تأويل قوله: ﴿وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩)﴾. يعنى بذلك مُمْتَنِعًا مِن جِماعِ النساء، مِن قول القائل: حَصِرْتُ مِن كذا أحْصَرُ. إذا امْتَنَع منه، ومنه منه قولُهم: حَصِر فلانٌ في قراءتِه. إذا امتنع من القراءة فلم يَقْدِرْ عليها، وكذلك حَصْرُ العدوِّ: حبْسُهم الناسَ ومَنْعُهم إياهم التصرُّف. ولذلك قيل للذى لا يُخْرِجُ مع نُدَمائه (٥) شيئًا: حَصُورٌ. كما قال الأخطلُ (٦):

стр. 3494

وَشارِبٍ مُرْبحٍ (١) بالكأس نادَمَنى … لا بالحَصُورِ ولا فيها بسَوَّارِ (٢) ويُرْوَى: بسَآرِ (٣). ويقالُ أيضًا للذى لا يُخْرِجُ سرَّه ويَكْتُمُه: حَصُورٌ. لأنه يَمْنَعُ سِرَّه أَن يَظْهَرَ، كما قال جريرٌ (٤): ولقد تَسَقَّطَنى (٥) الوُشاةُ فصادَفوا … حصِرًا بسرِّكِ يا أُمَيْمُ ضَنِينَا وأصل جميع ذلك واحدٌ، وهو المنعُ والحبسُ. وبمثل الذي قُلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن خلَفٍ، قال: ثنا حماد بنُ شُعَيبٍ، عن عاصمٍ، عن زرٍّ، عن عبدِ اللهِ في قوله: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾، قال: [الحصورُ الذي لا يأتى النساء] (٦). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاق، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيَّب أنه قال: ثنى ابن العاصِ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "كلُّ بنى آدم يأتى يوم القيامة وله ذنبٌ، إلا ما كان من يحيى بن زكريَّا". قال: ثم دلَّى رسول

стр. 3495

الله ﷺ يدَه إلى الأرضِ، فأخَذ عُويدًا صغيرًا، ثم قال: "وذلك أنه لم يَكُنْ له ما للرجال إلا مثل هذا العودِ، وبذلك سمّاه الله سيّدًا وحصورًا" (١). حدَّثني يونس، قال: أخبرنا أَنسُ بنُ عِياض، عن يحيى بن سعيد، قال: سمعت سعيد بن المسيَّبِ يقولُ: ليس أحدٌ إلا يَلْقَى الله يوم القيامة ذا ذَنْبٍ، إلا يحيى بن زكريا، كان حصورًا معه مثلُ الهَدْبة. حدَّثنا أحمد بن الوليد القرشيُّ، قال: [ثنا محمدُ (٢) بن جعفرٍ، قال] (٣): ثنا شعبة، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيد بن المسيَّب، قال: [قال ابن العاص - إمّا عبدُ الله وإمّا أبوه -: ما أحدٌ يَلْقَى الله إلا وهو ذو ذنبٍ، إلا يحيى بن زكريا. قال: وقال سعيدُ بن المسيَّب] (٣): ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾. قال: الحَصُورُ الذي لا يَغْشَى (٤) النساءَ، ولم يَكُنْ ما معه إلا مثلُ هُدْبةِ الثوبِ (٥). حدَّثني سعيد بن عمرو السَّكونيُّ، قال: ثنا بقية بن الوليد، عن عبد الملك، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ في قوله: ﴿وَحَصُورًا﴾. قال: الحَصُورُ الذي لا يشتهى النساء. ثم ضرَب بيدِه إلى الأرضِ، فأخذ نواةً فقال: ما كان معه إلا مثل هذه.

стр. 3496

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: الحَصُورُ الذي لا يَأْتى النساءَ (١). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن سعيدٍ مثله (٢). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكّامٌ، عن عمرو، عن عطاءٍ، عن سعيدٍ مثلَه. حدَّثني عبد الرحمن بن الأسود، قال: ثنا محمدُ بنُ ربيعة، قال: ثنا النَّضْرُ بن عَربيٍّ، عن مجاهدٍ: ﴿وَحَصُورًا﴾. قال: الذي لا يَأْتى النساء (٣). حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: الحَصُورُ الذي (٤) لا يَقْرَبُ النساء (٥). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفة، قال: ثنا شبلٌ، قال: زعم الرَّقاشيُّ: الحصورُ الذي لا يَقْرَبُ النساء. حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَونٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحّاكِ: الحَصُورُ الذي لا يُولَدُ له، وليس له ماءٌ (٦). حُدِّثت عن الحسين بن الفرجِ، قال سمعت أبا مُعاذٍ، قال: أخبرنا عُبيدُ بنُ

стр. 3497

سليمان، قال: سمعت الضحّاك يقولُ في قوله: ﴿وَحَصُورًا﴾. قال: هو الذي لا ماء له. [حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ (١)، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَحَصُورًا﴾: كنا نُحَدَّثُ أن الحصورَ الذي لا يَقْرَبُ النساء. حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال] (٢): ثنا سليمان، قال: ثنا أبو هلالٍ، قال: ثنا قتادةُ في قولِه: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾. قال: الحَصُورُ الذي لا يَأْتى النساء. حُدِّثتُ عن عمار بن الحسن، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادة مثله. حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة مثلَه (٣). حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن قابوسٍ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: الحصورُ الذي لا يُنْزِلُ الماءَ (٤). حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، عن ابن زيدٍ: ﴿وَحَصُورًا﴾. قال: الحَصُورُ الذي لا يَأْتى النساءَ. حدَّثني موسى، قال: ثنا عَمْرٌو، قال: ثنا أسباط، السُّدِّيِّ:

стр. 3498

﴿وَحَصُورًا﴾. قال: الحصورُ الذي لا يُريدُ النساء. حدَّثني محمدُ بنُ سِنَانٍ، قال: ثنا أبو بكر الحنفيُّ، عن عبَّادٍ، عن الحسن: ﴿وَحَصُورًا﴾. قال: الذي (١) لا يَقْرَبُ النساءَ (٢). وأمَّا قوله: ﴿وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. فإنه يعنى: رسولًا لربِّه إلى قومه، يُنْبِئُهم عنه بأمرِه ونهيه، وحلالِه وحرامه، ويُبَلِّغُهم عنه ما أَرْسَله به إليهم. ويعنى بقوله: ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: من أنبيائه الصالحين. وقد دلَّلْنا فيما مضى على معنى "النبوَّةِ" وما أصلُها، بشواهدِ ذلك والأدلة الدالَّة على الصحيح من القول فيه بما أغْنَى عن إعادته (٣). القولُ في تأويل قوله: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾. يعنى أن زكريَّا قال إذ نادته الملائكةُ ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ -: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾. يعنى: مَن بلغ مِن السِّنِّ ما بلغتُ لم يُولَدْ له، ﴿وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ والعاقرُ من النساء التي لا تَلِدُ. يقال منه: امرأَةٌ عاقرٌ، ورجلٌ عاقرٌ. كما قال عامر ابن الطُّفَيْل (٤):

стр. 3499

لَبِئْسَ الفتَى إن كنتُ أعورَ عاقرًا … جبَانًا فما عُذْرِى لَدَى كُلِّ مَحْضَرِ وأمَّا "الكِبَرُ" فمصدرُ: كبِر فلانٌ فهو يَكْبَرُ كِبَرًا. وقيل: ﴿بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾. وقد قال في موضعٍ آخر: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ﴾ [مريم: ٨]؛ لأنّ ما بلغك فقد بلَغتَه، وإنما معناه: قد كَبِرْتُ. وهو كقول القائل: قد بلَغني الجهدُ. بمعنى: إني في جَهْدٍ. فإن قال قائلٌ: وكيف قال زكريا، وهو نبيُّ الله: ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾. وقد بشَّرَتْه الملائكةُ بما بشَّرَتْه به عن أمرِ اللهِ إيَّاها به؟ أشَكَّ في صدقهم؟ فذلك ما لا يجوز أن يُوصَفَ به أهلُ الإيمان باللهِ، فكيف الأنبياء والمرسلون؟ أم كان ذلك منه استنكارًا لقدرة ربِّه، فذلك أعظمُ في البَلِيَّةِ؟ قيل: كان ذلك منه ﷺ على غير ما ظننت، بل كان قيلُه ما قال من ذلك كما حدَّثني موسى، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ: لمَّا سمِع النداءَ - يعني زكريا لمّا سمع نداء الملائكة بالبشارة بيحيَى - جاءه الشيطان فقال له: يا زكريا، إن الصوت الذي سمعت ليس هو من الله، إنما هو من الشيطانِ يَسْخَرُ بك، ولو كان من الله أوحاه إليك كما يُوحى إليك في غيرِه مِن الأمرِ. فشكَّ مكانه وقال: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ ذَكَرٌ؟ يقولُ: مِن أينَ ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ (١)؟ حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن أبي بكرٍ، عن عِكْرمة، قال: فأتاه الشيطانُ، فأراد أن يُكَدِّر (٢) عليه نعمة ربِّه، فقال: هل تدرى

стр. 3500

من ناداك؟ قال: نعم، نادَتْني (١) ملائكةُ ربِّي. قال: بل ذلك الشيطانُ، لو كان هذا (٢) من ربِّك لأخفاه إليك كما أخفيت نداءَك. فقال: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ (٣). فكان قوله ما قال من ذلك، ومراجعته ربَّه فيما راجَعَ فيه بقوله: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾. للوسوسة التي خالطت قلبه من الشيطان، حتى خَيَّلت إليه أن النداء الذي سمعه كان نداءً مِن غير الملائكة فقال: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾. مُسْتَثْبتًا فِي أمرِه، ليَتَقَرَّرَ عندَه بآيةٍ، يُرِيه اللهُ في ذلك أنه بشارةٌ مِن الله على ألسن ملائكته، ولذلك قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾. وقد يجوز أن يكونَ قِيلُه ذلك مسألةً منه ربَّه: من أيِّ وجهٍ يكون الولدُ الذي بُشِّر به، أمِن زوجته؟ فهى عاقرٌ، أم من غيرها من النساء؟ فيكونُ ذلك على غير الوجه الذي قاله عكرمةُ والسُّدِّيُّ ومَن قال مثل قولهما. القولُ في تأويل قوله: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾. يعنى جلّ ثناؤه بقوله: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ﴾: أيْ هو: ما وصَف به نفسَه أنه هيِّنٌ عليه أن يَخْلُقَ ولدًا من الكبير الذي قد يئِس من الولد، ومن العاقرِ التي لا يُرْجَى من مثلها الولادةُ، كما خلقك يا زكريا من قبل خلق الولد منك ولم تك شيئًا؛ لأنه الله الذي لا يَتَعَذَّرُ عليه خلق شيءٍ أراده، ولا يمتنع عليه فعلُ شيءٍ شاءه؛ لأن قدرته القدرة التي لا يُشْبهها قدرةٌ. كما حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ، قال:

стр. 3501

﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾، ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٩] (١). القولُ في تأويل قوله: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾. يعْنى بذلك جلّ ثناؤُه - خبرًا عن زكريا -: قال زكريا: ربِّ إن كان هذا النداءُ الذي نُودِيتُه، والصوتُ الذي سمِعته صوت ملائكتك، وبشارةً منك لى، فاجعل لى ﴿آيَةً﴾، يقولُ: علامةً أن ذلك كذلك؛ لِيَزُولَ عنِّي ما قد وَسْوَسَ إليَّ الشيطانُ فألقاه في قلبي، من أن ذلك صوتُ غير الملائكة، وبشارةٌ مِن [عندِ غيرك] (٢). كما حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ قال: قال (٣) - يعني زكريا -: يا ربِّ، فإن كان هذا الصوتُ منك فاجعلْ لى آية (٤). وقد دَلَّلْنا فيما مضى على معنى "الآية" وأنها العلامةُ، بما أغْنَى عن إعادتِه (٥). وقد اخْتلف أهلُ العربية في سبب ترك العرب همزَها، ومن شأنها همزُ كلِّ ياءٍ جاءت بعد ألفٍ ساكنةٍ؛ فقال بعضُهم: تُرِك همزها لأنها كانت "أَيَّةً"، فثقُل عليهم التشديدُ، فأبْدَلوه ألفًا؛ لانفتاح ما قبلَ التشديد، كما قالوا: أيْما فلانٌ فأخزاه الله. وقال آخرون منهم: بل هي "فاعلةٌ" منقوصةٌ. فسُئلوا، فقيل لهم: فما بالُ العرب تُصَغِّرُها "أُيَيَّةً"، ولم يقولوا: "أُويَّةً"؟ فقالوا: قيل ذلك كما قيل في

стр. 3502

فاطمةَ: هذه فُطَيمة. فقيل لهم: فإنهم إنما (١) يُصغِّرون "فاعلةٌ" على "فُعَيْلةٍ"، إذا كان اسمًا في معنى فلانٍ وفلانةً، فأمَّا في غير ذلك، فليس من تصغيرهم "فاعلة" على "فُعَيْلَةٍ". وقال آخرون: إنه "فَعْلَةٌ"، صُيِّرت ياؤُها الأُولى ألفًا كما فعل بـ "حاجةٍ" و "قامةٍ". فقيل لهم: إنما تَفْعَلُ العرب ذلك في أولاد الثلاثة (٢). وقال مَن أنْكر ذلك من قبلهم: لو كان كما قالوا لقيل في نواةٍ: "نايةٌ". وفى حياةٍ: "حايَةٌ". القولُ في تأويلِ قوله: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾. فعاقبه (٣) الله فيما ذُكر لنا - بمسألته الآيةَ، بعد مشافهة الملائكةِ إيَّاه بالبِشارةِ، فجعَل آيته على تَحْقيقِ (٤) ما سمِع مِن البشارةِ من الملائكةِ بيحيى أنه مِن عندِ الله، آيةً مِن نفسه، جمَع تعالى ذكرُه بها العلامة التي سألها ربَّه، على ما يُبَيِّنُ له حقيقة البِشارةِ أنها من عندِ اللهِ، وتمحيصًا له من هَفْوتِه، وخطأ قيله ومسألته. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ من أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي

стр. 3503

آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾: إنما عُوقب بذلك لأن الملائكة شافَهَتْه مُشافهةً بذلك فبشَّرته بيحيى، فسأل الآية بعد كلام الملائكة إيَّاه، فأُخذ عليه بلسانه، فجعَل لا يَقْدِرُ على الكلام إلا ما أؤمأ وأشار، فقال الله تعالى ذكره كما تسْمعون: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾. حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادة في قوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾. قال: شافَهَتْه الملائكةُ، فقال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾. يقول: إلا إيماءً، وكانت عقوبةً عُوقِب بها، إذ سأَل الآيةَ مع مشافهةِ الملائكةِ إيَّاه بما بشَّرتْه به (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع في قوله: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾. قال: ذُكِر لنا - والله أعلم - أنه عوقب لأن الملائكة شافَهَتْه مُشافهةً فبشَّرَتْه بيحيي، فسأل الآيةَ بعدُ فأُخِذ بلسانه (٢). حُدِّثتُ عن عَمّار بن الحسن، قال: ثنا عبدُ اللهِ بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع، قال: ذُكر لنا - والله أعلم - أنه عُوقِب لأن الملائكة شَافَهَتْه فبشَّرَتُه بيحيى، قالت: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾. فسأَل بعد كلامِ الملائكة إيَّاه الآيةَ، فأُخِذ عليه لسانه، فجعَل لا يَقْدِرُ على الكلامِ ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾ يقولُ: يُومِنُ إيماءً.

стр. 3504

حدَّثني أبو عُبيد الوَصَّابِيُّ (١)، قال: ثنا محمدُ بنُ حِمْيَرٍ، قال: ثنا صفوانُ بنُ عمرو، عن [جبير بن نُفَيْر] (٢) في قوله: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾. قال: رَبَا لسانه في فيه حتى ملأه، ثم أطلقه الله بعد ثلاث (٣). وإنما اختارت القَرَأَةُ النصبَ في قوله: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ﴾. لأن معنى الكلام: قال: آيتُك ألا تُكَلِّمَ الناسَ فيما يُسْتَقْبَلُ ثلاثة أيام. فكانت "أن" هي التي تَصْحَبُ الاستقبال (٤) دونَ التي تَصْحَبُ الأسماء، فتَنْصِبُها، ولو كان المعنى فيه: آيتُك أنك لا تُكَلِّمُ الناس ثلاثة أيام. أي: أنك على هذه الحال ثلاثة أيامٍ - كان وجهُ الكلام الرفع؛ لأن "أن" كانت تكونُ (٥) حينئذ بمعنى الثقيلة خُفِّفت، ولكن لم يكن ذلك جائزًا؛ لِما وصفتُ من أن ذلك بالمعنى الآخرِ. وأمَّا الرمز، فإن الأغلب من معانيه عند العرب الإيماء بالشفتين، وقد يُسْتَعْمَلُ في الإيماء بالحاجبين والعينين أحيانًا، وذلك غيرُ كثير فيهم، وقد يُقالُ للخَفِيِّ من الكلام الذي هو مثلُ الهَمْسِ بخفض الصوتِ: الرمز. ومنه قولُ جُؤَيَّةَ بن عائذٍ (٦):

стр. 3505

وكان تَكَلَّمُ (١) الأبطال رَمْزًا .... وهَمْهَمةً (٢) لَهُمْ مِثْلَ الهَدِيرِ (٣) يُقال منه: رمز فلانٌ فهو يَرْمُزُ، ويَرْمِزُ رَمْزًا، ويَتَرَمَّزُ تَرَمزًا. ويُقالُ: ضربه ضربةً فارْتَمَزَ منها. أي: اضْطَرب للموت، قال الشاعرُ (٤): * خَرَرْتُ مِنها لَقَفَايَ أَرْتَمِزُ * وقد اختلف أهلُ التأويل في المعنى الذي عنى الله به في إخباره عن زكريا من قوله: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾. وأيِّ معاني الرمز عنَى بذلك؛ فقال بعضُهم: عنى بذلك: آيتُك أَلَّا تُكَلِّمَ الناسَ ثلاثة أيام إلا تحريكًا بالشفتين، من غيرِ أَن تَرْمُزَ بلسانكِ الكلام. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نُوحٍ، عن النَّضْرِ بن عَربيٍّ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾. قال: تحريك الشفتين (٥). حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيح، عن مجاهدٍ: ﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾. قال: إيماؤُه بشفتيه (٦). حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن
следующие страницы →