← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.

стр. 3501

﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾، ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٩] (١). القولُ في تأويل قوله: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾. يعْنى بذلك جلّ ثناؤُه - خبرًا عن زكريا -: قال زكريا: ربِّ إن كان هذا النداءُ الذي نُودِيتُه، والصوتُ الذي سمِعته صوت ملائكتك، وبشارةً منك لى، فاجعل لى ﴿آيَةً﴾، يقولُ: علامةً أن ذلك كذلك؛ لِيَزُولَ عنِّي ما قد وَسْوَسَ إليَّ الشيطانُ فألقاه في قلبي، من أن ذلك صوتُ غير الملائكة، وبشارةٌ مِن [عندِ غيرك] (٢). كما حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ قال: قال (٣) - يعني زكريا -: يا ربِّ، فإن كان هذا الصوتُ منك فاجعلْ لى آية (٤). وقد دَلَّلْنا فيما مضى على معنى "الآية" وأنها العلامةُ، بما أغْنَى عن إعادتِه (٥). وقد اخْتلف أهلُ العربية في سبب ترك العرب همزَها، ومن شأنها همزُ كلِّ ياءٍ جاءت بعد ألفٍ ساكنةٍ؛ فقال بعضُهم: تُرِك همزها لأنها كانت "أَيَّةً"، فثقُل عليهم التشديدُ، فأبْدَلوه ألفًا؛ لانفتاح ما قبلَ التشديد، كما قالوا: أيْما فلانٌ فأخزاه الله. وقال آخرون منهم: بل هي "فاعلةٌ" منقوصةٌ. فسُئلوا، فقيل لهم: فما بالُ العرب تُصَغِّرُها "أُيَيَّةً"، ولم يقولوا: "أُويَّةً"؟ فقالوا: قيل ذلك كما قيل في

стр. 3502

فاطمةَ: هذه فُطَيمة. فقيل لهم: فإنهم إنما (١) يُصغِّرون "فاعلةٌ" على "فُعَيْلةٍ"، إذا كان اسمًا في معنى فلانٍ وفلانةً، فأمَّا في غير ذلك، فليس من تصغيرهم "فاعلة" على "فُعَيْلَةٍ". وقال آخرون: إنه "فَعْلَةٌ"، صُيِّرت ياؤُها الأُولى ألفًا كما فعل بـ "حاجةٍ" و "قامةٍ". فقيل لهم: إنما تَفْعَلُ العرب ذلك في أولاد الثلاثة (٢). وقال مَن أنْكر ذلك من قبلهم: لو كان كما قالوا لقيل في نواةٍ: "نايةٌ". وفى حياةٍ: "حايَةٌ". القولُ في تأويلِ قوله: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾. فعاقبه (٣) الله فيما ذُكر لنا - بمسألته الآيةَ، بعد مشافهة الملائكةِ إيَّاه بالبِشارةِ، فجعَل آيته على تَحْقيقِ (٤) ما سمِع مِن البشارةِ من الملائكةِ بيحيى أنه مِن عندِ الله، آيةً مِن نفسه، جمَع تعالى ذكرُه بها العلامة التي سألها ربَّه، على ما يُبَيِّنُ له حقيقة البِشارةِ أنها من عندِ اللهِ، وتمحيصًا له من هَفْوتِه، وخطأ قيله ومسألته. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ من أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي

стр. 3503

آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾: إنما عُوقب بذلك لأن الملائكة شافَهَتْه مُشافهةً بذلك فبشَّرته بيحيى، فسأل الآية بعد كلام الملائكة إيَّاه، فأُخذ عليه بلسانه، فجعَل لا يَقْدِرُ على الكلام إلا ما أؤمأ وأشار، فقال الله تعالى ذكره كما تسْمعون: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾. حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادة في قوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾. قال: شافَهَتْه الملائكةُ، فقال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾. يقول: إلا إيماءً، وكانت عقوبةً عُوقِب بها، إذ سأَل الآيةَ مع مشافهةِ الملائكةِ إيَّاه بما بشَّرتْه به (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع في قوله: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾. قال: ذُكِر لنا - والله أعلم - أنه عوقب لأن الملائكة شافَهَتْه مُشافهةً فبشَّرَتْه بيحيي، فسأل الآيةَ بعدُ فأُخِذ بلسانه (٢). حُدِّثتُ عن عَمّار بن الحسن، قال: ثنا عبدُ اللهِ بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع، قال: ذُكر لنا - والله أعلم - أنه عُوقِب لأن الملائكة شَافَهَتْه فبشَّرَتُه بيحيى، قالت: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾. فسأَل بعد كلامِ الملائكة إيَّاه الآيةَ، فأُخِذ عليه لسانه، فجعَل لا يَقْدِرُ على الكلامِ ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾ يقولُ: يُومِنُ إيماءً.

стр. 3504

حدَّثني أبو عُبيد الوَصَّابِيُّ (١)، قال: ثنا محمدُ بنُ حِمْيَرٍ، قال: ثنا صفوانُ بنُ عمرو، عن [جبير بن نُفَيْر] (٢) في قوله: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾. قال: رَبَا لسانه في فيه حتى ملأه، ثم أطلقه الله بعد ثلاث (٣). وإنما اختارت القَرَأَةُ النصبَ في قوله: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ﴾. لأن معنى الكلام: قال: آيتُك ألا تُكَلِّمَ الناسَ فيما يُسْتَقْبَلُ ثلاثة أيام. فكانت "أن" هي التي تَصْحَبُ الاستقبال (٤) دونَ التي تَصْحَبُ الأسماء، فتَنْصِبُها، ولو كان المعنى فيه: آيتُك أنك لا تُكَلِّمُ الناس ثلاثة أيام. أي: أنك على هذه الحال ثلاثة أيامٍ - كان وجهُ الكلام الرفع؛ لأن "أن" كانت تكونُ (٥) حينئذ بمعنى الثقيلة خُفِّفت، ولكن لم يكن ذلك جائزًا؛ لِما وصفتُ من أن ذلك بالمعنى الآخرِ. وأمَّا الرمز، فإن الأغلب من معانيه عند العرب الإيماء بالشفتين، وقد يُسْتَعْمَلُ في الإيماء بالحاجبين والعينين أحيانًا، وذلك غيرُ كثير فيهم، وقد يُقالُ للخَفِيِّ من الكلام الذي هو مثلُ الهَمْسِ بخفض الصوتِ: الرمز. ومنه قولُ جُؤَيَّةَ بن عائذٍ (٦):

стр. 3505

وكان تَكَلَّمُ (١) الأبطال رَمْزًا .... وهَمْهَمةً (٢) لَهُمْ مِثْلَ الهَدِيرِ (٣) يُقال منه: رمز فلانٌ فهو يَرْمُزُ، ويَرْمِزُ رَمْزًا، ويَتَرَمَّزُ تَرَمزًا. ويُقالُ: ضربه ضربةً فارْتَمَزَ منها. أي: اضْطَرب للموت، قال الشاعرُ (٤): * خَرَرْتُ مِنها لَقَفَايَ أَرْتَمِزُ * وقد اختلف أهلُ التأويل في المعنى الذي عنى الله به في إخباره عن زكريا من قوله: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾. وأيِّ معاني الرمز عنَى بذلك؛ فقال بعضُهم: عنى بذلك: آيتُك أَلَّا تُكَلِّمَ الناسَ ثلاثة أيام إلا تحريكًا بالشفتين، من غيرِ أَن تَرْمُزَ بلسانكِ الكلام. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نُوحٍ، عن النَّضْرِ بن عَربيٍّ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾. قال: تحريك الشفتين (٥). حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيح، عن مجاهدٍ: ﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾. قال: إيماؤُه بشفتيه (٦). حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن

стр. 3506

مجاهد مثله وقال آخرون: بل عنَى الله بذلك الإيماء والإشارة. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سلمةَ بن نُبَيْطٍ، عن الضحاك: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾. قال: الإشارة (١). حُدِّثْتُ عن الحسين بن الفَرحِ، قال: سمعت أبا مُعاذ، قال: أخبرنا عُبيدُ بنُ سليمان، قال: سمعتُ الضحَّاكَ يقولُ في قوله: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾. قال: الرمز أن يُشيرَ بيده أو رأسِه ولا يَتَكَلَّمَ (٢). حدثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾. قال: الرمزُ: أن أُخِذ بلسانه، فجعَل يُكَلِّمُ الناس بيده (٢). حدثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾. قال: والرمز الإشارةُ. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِه: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ الآية. قال: جعَل آيتَه ألا يُكَلِّمَ الناسَ ثلاثة أيام إلا رمزًا، إلا أنه يَذْكُرُ الله، والرمز الإشارة، يُشيرُ إليهم.

стр. 3507

حدَّثنا الحسنُ بنُ يَحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن قتادة: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾: إلا إيماءً (١). حُدِّثْتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثلَه (٢). حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾. يقول: إشارةً (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال عبد الله بن كثير: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾: إلا إشارةً (٤) حدَّثني محمدُ بنُ (٥) سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحَنَفيُّ، عن عبَّادٍ، عن الحسنِ في قوله: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾. قال: أُمْسِكَ بلسانه، فجعَل يُومِيء بيدهِ إلى قومِه أن سبِّحوا بكرةً وعَشِيًّا (٦). القول في تأويل قوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾. يعنى بذلك: قال الله جل ثناؤُه لزكريا: يا زكريا، آيتُك أَلَّا تُكَلِّمَ الناسَ ثلاثةَ أيام إلا رمزًا بغيرِ خَرَسٍ، ولا عاهةٍ، ولا مرضٍ، واذكرْ ربَّك كثيرًا، فإنك لا تُمْنَعُ ذكرَه، ولا يُحَالُ بينكَ (٧) وبينَ تسبيحِه وغير ذلك مِن ذكرِه.

стр. 3508

وقد حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن محمدِ بن كعبٍ، قال: لو كان الله رَخَّص لأحدٍ في ترك الذِّكرِ، لرخَّص لزكريا حيثُ قال: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾ أيضًا (١). وأمَّا قولُه: ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ﴾. فإنه يعنى: عظِّمْ ربُّك بعبادتِه بالعشيِّ، والعشيُّ: من حين تَزولُ الشمسُ إلى أن تَغِيبَ، كما قال الشاعرُ (٢): فلا الظِّلَّ مِن بَرْدِ الضُّحَى تَسْتَطِيعُهُ .... ولا الفَيْء مِن بردِ العشيِّ تَذُوقُ فالفيءُ إِنما تَبْتَدِئُ أَوْبَتُه من عندِ زوالِ الشمسِ، وتَتَناهَى بمَغِيبِها. وأمَّا الإبكارُ، فإنه مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: أبْكَر فلانٌ في حاجةٍ، فهو يُبْكِرُ إبكارًا. وذلك إذا خرَج فيها من بين مطلَعِ الفجرِ إلى وقتِ الضحى، فذلك إبكارٌ. يقالُ فيه: أبْكَر (٣) فلانٌ، وبكَر يَبْكُرُ بُكُورًا، فمن الإبكارِ قولُ عمرَ بن أبي ربيعةَ (٤): * أَمِنْ آلِ نُعْمٍ أَنتَ عَادٍ فَمُبْكِرُ * ومن البُكُورِ قولُ جريرٍ (٥): ألا بكَرَتْ سلمى فجدَّ بُكورُها … وشقَّ العصا بعدَ اجتماعٍ أميرُها

стр. 3509

ويقالُ من ذلك: بكر النخلُ يَنكُرُ بُكورًا، وأبْكَر يُنْكِرُ إبكارًا، والباكورُ مِن الفواكه: أَوَّلُها إدراكًا. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بن عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾. قال: الإبكارُ أَوَّلُ الفجرِ، والعشيُّ ميلُ الشمسِ حتى تَغِيبَ (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. القولُ في تأويل قوله: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢)﴾. يعنى بذلك جل ثناؤُه: والله سميعٌ عليمٌ إذ قالت امرأة عمران ربِّ إنى نذرتُ لك ما في بطنى مُحررًا، وإذ قالت الملائكةُ يا مريمُ إِنَّ الله اصطفاكِ. ومعنى قوله: ﴿اصْطَفَاكِ﴾: اختاركِ واجْتَباكِ لطاعته وما خصَّكِ به من كرامته وقولُه: ﴿وَطَهَّرَكِ﴾. يعنى: طهَّر دِينَكَ مِن الرِّيَبِ والأَدْناسِ التي في أديانِ

стр. 3510

نساءِ بنى آدمَ، ﴿اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ يعني: اختاركِ على نساءِ العالمين في زمانِك بطاعتِك إياه، ففضَّلك عليهم. كما رُوِى عن رسولِ الله ﷺ أنه قال: "خيرُ نسائِها مريمُ بنتُ عمرانَ، وخيرُ نسائِها خديجة بنتُ خُوَيْلِدٍ" يعنى بقوله: "خيرُ نسائها": خيرُ نساءِ أهلِ الجنةِ. حدَّثني بذلك الحسينُ بنُ عليٍّ الصُّدَائيُّ، قال: ثنا مُحاضِرُ بنُ المُوَرِّعِ، قال: ثنا هشامُ بنُ عُروةَ، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفرٍ، قال: سمعتُ عليًّا بالعراق يقولُ: سمِعتُ رسول الله ﷺ يقول: "خيرُ نسائها مريمُ بنتُ عِمرانَ، وخيرُ نسائِها خديجةُ" (١). حدَّثني يونس، قال: أخبَرَنا ابن وَهْبٍ، قال: ثني المُنْذِرُ بنُ عبدِ اللهِ الحزاميُّ، عن هشامِ بن عُروةَ، عن أبيه، عن عبدِ اللهِ بن جعفرِ بن أبي طالبٍ، أن رسولَ الله ﷺ قال: "خيرُ نساءِ الجنةِ مريمُ بنتُ عِمرانَ، وخيرُ نساءِ الجنةِ خديجةُ بنتُ خُوَيْلِدٍ" (٢). حدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾:

стр. 3511

ذُكِر لنا أن نبيَّ الله ﷺ كان يقولُ: "حَسْبُكَ (١) بمريمَ بنْتِ عمرانَ، وامرأةِ فرعونَ، وخديجةَ بنتِ خُوَيْلِدٍ، وفاطمةَ بنتِ محمدٍ مِن نساء العالَمِين" (٢). قال قتادةُ: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ: "خيرُ نساءٍ رَكِبْنَ الإبلَ صوالحُ نساء قريشٍ؛ أحْنَاهُ على ولدٍ في صِغَرِه، وأَرْعَاه على زوجٍ في ذاتِ يدِه" (٣). قال قتادةُ: وذُكر لنا أنه كان يقولُ: "لو علمتُ أن مريمَ ركِبت الإبلَ ما فضَّلتُ عليها أحدًا". حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾. قال: كان أبو هريرةَ يُحَدِّثُ أن النبيَّ ﷺ قال: "خيرُ نساءٍ ركِبْنَ الإبلَ صالِحُ (٤) نساءِ قريشٍ؛ أحْنَاه على ولدٍ، وأَرْعَاهُ لِزَوْجٍ في ذاتِ يدِه". قال أبو هريرةَ: ولم تَرْكَبُ مريُم بعيرًا قط (٥). حُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه قوله: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾. قال: كان ثابتٌ البُنانيُّ يُحَدِّثُ عن أنس بن مالكٍ أن رسولَ الله ﷺ قال: "خيرُ

стр. 3512

نساء العالَمِينَ أربعٌ، مريم بنت عمران، وآسية بنتُ مُزَاحِمٍ امرأَةُ فرعونَ، وخديجةُ بنتُ خُوَيْلِدٍ، وفاطمة بنتُ محمد" (١). حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا آدمُ العَسْقَلانيُّ، قال: ثنا شُعبةُ، قال: ثنا عَمرُو بنُ مُرَّةَ، قال: سمِعتُ مُرَّةَ الهَمْدَانِيَّ يُحَدِّثُ عن أبي موسى الأشعريِّ، قال: قال رسول الله ﷺ : "كمَل من الرجال كثيرٌ، ولم يَكْمُلْ مِن النساء إلا مريم، وآسِيَةُ امرأة فرعون، وخديجةُ بنتُ خُوَيلدٍ، وفاطمة بنت محمدٍ" (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو الأسود المِصريُّ، قال: ثنا ابن لَهِيعَةَ، عَن عُمارَةَ بن غَزِيَّةَ، عن محمد بن [عبد الله] (٣) بن عمرو بن عثمان، أن فاطمة بنتَ حسينِ بن عليٍّ حدَّثتْه، أن فاطمةَ بنتَ رسولِ اللهِ ﷺ قالت: دخَل رسولُ الله يومًا وأنا عندَ عائشةَ، فناجاني فبكَيتُ، ثم ناجانى فضحكتُ، فسألتني عائشةُ عن ذلك، فقلتُ: لقد عجِلتِ، أُخْبِرُكِ بسرِّ رسولِ اللهِ ﷺ ؟! فتَرَكَتْني، فلمَّا تُوُفِّي رسولُ الله ﷺ ، سألتها عائشةُ، فقالت: نعم، ناجاني فقال: "جبريلُ كان يُعارِضُ القُرآنَ كلَّ عامٍ مَرَةً، وإنه قد عارض القرآن مرتين، وإنه ليس من نبيٍّ إلا عُمِّر نصف عُمْرِ الذي كان قبله، وإن عيسى أخى كان عمرُه عشرين ومائةَ سنةٍ، وهذه

стр. 3513

لى سِتُّون، وأحْسَبُنى ميِّتًا في عامى هذا، وإنه لم تُرْزَأ امرأَةٌ من نساء العالمين بمثلِ ما رُزِئْتِ، ولا تكونى دونَ امرأة صبرًا". قالت: فبكَيتُ، ثم قال: "أَنْتِ سيدةُ نساءِ أهل الجنةِ إلا مريمَ البَتُولَ". فتُوُفِّي عامه ذلك (١). حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو الأسود، قال: ثنا ابْنُ لَهِيعَةَ، عن عَمرِو بن الحارثِ، أن أبا زيادٍ الحِمْيَرِيَّ حدَّثه أنه سمِع عمار بن سعدٍ يقولُ: قال رسولُ: اللهِ ﷺ : "فُضِّلت خديجة على نساءِ أُمَّتى، كما فُضَّلت مريم على نساء العالمين" (٢). وبمثل الذي قلنا في معنى قوله: ﴿وَطَهَّرَكِ﴾ - أنه: وطَهَّرَ دِينَكِ مِن الدَّنَسِ والرِّيَب - قال مجاهدٌ. حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهد في قولِ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ﴾ قال: جعَلك طيبةً إيمانًا (٣). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى الحَجَّاجُ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ قال: ذلك للعالمين يومئذٍ (٤).

стр. 3514

وكانت الملائكة - فيما ذكر ابن إسحاق - تقولُ ذلك لمريمَ شِفاهًا. حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلمةُ، قال: ثنى ابن إسحاقَ، قال: كانت مريمُ حَبيسًا في الكنيسة، ومعها في الكنيسةِ غلامٌ اسمُه يوسفُ، وقد كان أمُّه وأبوه جعَلاه نذيرًا حَبيسًا، فكانا في الكنيسة جميعًا، وكانت مريمُ إذا نفد ماؤها وماء يوسفَ، أخَذا قُلتيْهما، فانطلقا إلى المفازة التي فيها الماءُ الذي يَسْتَعْذِبان منه، فيملآن قُلَّتيهما، ثم يرجِعان (١) إلى الكنيسة، والملائكة في ذلك مقبلةٌ على مريمَ: ﴿يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾. فإذا سمع ذلك زكريا، قال: إن لابنة عمران لشَأنًا (٢). القول في تأويل قوله: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾. يعنى جل ثناؤُه بقوله - خبرًا عن قيل ملائكتِه لمريمَ -: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾: أخْلِصى الطاعةَ لربِّك وحدَه. وقد دلَّلْنا على معنى "القُنوتِ" بشواهدِه فيما مضَى قبلُ، والاختلافُ بينَ أهلِ التأويل فيه في هذا الموضع نحوُ اختلافِهم فيه هنالك (٣). وسَنَذْكُرُ قول بعضهم أيضًا في هذا الموضع؛ فقال بعضُهم: معنى ﴿اقْنُتِي﴾: أطيلى الركود (٤).

стр. 3515

ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ قال: أطِيلى الركود. يعنى القنوتَ (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ قال: قال مجاهدٌ: أطِيلى الركودَ في الصلاةِ. يعنى القنوتَ. حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبد اللهِ بن إدريسَ، عن لَيثٍ، عن مجاهدٍ، قال: لمَّا قيل لها: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾. قامت حتى ورِم كعباها (٢). حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا عبد الله بن إدريس، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: لمَّا قيل لها: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ قامت حتى ورمت قدماها (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبَرَنا الثوريُّ، عن ابن أبي ليلى، عن مجاهدٍ: ﴿اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾. قال: أطيلى الركودَ (٤). حُدِّثت عن عمّارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع: ﴿يَامَرْيَمُ

стр. 3516

اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ الله قال: القنوتُ الركود، يقولُ: قومى لربِّك في الصلاة. يقولُ: ارْكُدى لربِّك، أي: انتصبى له في الصلاةِ، ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (١). حدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن سفيان، عن لَيثٍ، عن مجاهد: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ قال: كانت تصلِّى حتى تَرِمَ قدماها (٢). حدَّثني ابن البَرْقيِّ، قال: ثنا عَمْرٌو، قال: ثنا الْأَوْزَاعِيُّ: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ الله قال: كانت تقومُ حتى يَسِيلَ القَيحُ مِن قدميها (٣). وقال آخرون: معناه: أخلصى لربِّك. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا ابن المُباركِ، عن شَريكٍ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ قال: أخلصى لربِّك (٤). وقال آخَرون: معناه: أطيعى ربَّك. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن

стр. 3517

قتادة في قوله: ﴿اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ قال: أطيعى ربَّك (١). حدَّثنى موسى، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾: أطيعي ربَّكِ. حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا محمدُ بنُ حَربٍ، قال: ثنا ابن لَهِيعَةَ، عن درَّاجٍ، عن أبي الهَيْثَم، عن أبي سعيد الخُدْريِّ، عن النبيِّ ﷺ قال: "كُلُّ حرفٍ يُذْكَرُ فيه القنوتُ من القرآن، فهو طاعةٌ لله" (٢). حدَّثني محمد بن سنانٍ، قال: ثنا أبو بكر الحَنَفيُّ، عن عبَّادِ بن منصورٍ، عن الحسن في قوله: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾. قال: يقول: اعبدى ربَّك (٣). قال أبو جعفر: وقد بيَّنَّا أيضًا معنى "الركوع" و "السجودِ" بالأدلَّة الدالَّةِ على صحته، وأنهما بمعنى الخشوع لله، والخضوع له بالطاعة والعبودة (٤). فتأويلُ الآية إذن: يا مريمُ أخلِصى عبادةَ ربِّك لوجهه خالصًا، واخشَعى لطاعته وعبادتِه، مع مَن خشَع له مِن خَلْقِه، شكرًا له على ما أكرَمِك به مِن الاصطفاءِ والتطهيرِ من الأدناسِ، والتفضيلِ على نساءِ عالَم دهرِك. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾. يعنى جل ثناؤه بقوله: ﴿ذَلِكَ﴾: الأخبارَ التي أخْبَر بها عبادَه عن امرأةِ عمرانَ وابْنتِها مريمَ، وزكريا وابنِه يحيى، وسائرِ ما قصَّ في الآياتِ مِن قولِه:

стр. 3518

﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا﴾ [آل عمران: ٣٣]. ثم جمَع جميعَ ذلك تعالى ذكرُه بقوله ﴿ذَلِكَ﴾. فقال: هذه الأنباءُ ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾. أي: مِن أخبار الغيبِ. ويعني بـ "الغيب"، أنها من خفيِّ أخبارِ القومِ التي لم تَطَّلِعْ أنت يا محمدُ عليها ولا قومُك، ولم يَعْلَمُها إلا قليلٌ مِن أحبارِ أهلِ الكتابَين ورُهبانهم. ثم أخبر تعالى ذكره نبيَّه محمدًا ﷺ أنه أوْحَى ذلك إليه حُجَّةً على نبوَّته، وتحقيقًا لصدقِه، وقطعًا منه به عذرَ مُنْكِرِى رسالتِه من كفَّارِ أهل الكتابَين الذين يعلَمون أن محمدًا لم يصل إلى علم هذه الأنباء مع خفائها، ولم يُدْرِكْ معرفتها معَ خمولِها (١) عندَ أهلها، إلا بإعلامِ الله ذلك إيَّاه، إذ كان معلومًا عندَهم أن محمدًا ﷺ أُمِّيٌّ لا يَكْتُبُ فيقْرَأَ الكتبَ، فيَصِلَ إلى علمِ ذلك من قِبَل الكتبِ، ولا صاحَب أهل الكتب فيأخُذَ علمَه مِن قِبَلِهم. وأمَّا "الغيبُ" فمصدرٌ مِن قولِ القائلِ: غاب فلانٌ عن كذا، فهو يَغِيبُ عنه غَيْبًا وغَيْبَةٌ. وأمَّا قولُه: ﴿نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾. فإن تأويله: نُنَزِّلُه إليك. وأصلُ الإيحاء إلقاء المُوحِى إلى المُوحَى إليه، وذلك قد يكونُ بكتابٍ، وإشارةٍ وإيماءٍ، وبإلهامٍ، وبرسالةٍ، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨] بمعنى: ألقَى ذلك إليها فألهَمها. وكما قال: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾ [المائدة: ١١١] بمعنى: ألقيتُ إليهم عِلمَ ذلك إلهامًا، وكما قال الراجز (٢):

стр. 3519

أَوْحَى (١) لها القَرارَ فَاسْتَقَرَّتِ بمعنى: ألقى إليها ذلك أمرًا. وكما قال جلّ ثناؤُه: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١] بمعنى: فألقى ذلك إليهم إيماءً (٢). والأصلُ فيه ما وصَفتُ مِن إلقاءِ ذلك إليهم، وقد يكونُ إلقاؤه ذلك إليهم إيماءً، ويكونُ بكتابٍ، ومِن ذلك قولُه: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢١]: يُلْقُون إليهم ذلك وسوسةً. وقوله: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]: أُلْقِى إليَّ بمجيءِ جبريلَ ﵇ به إليَّ من عندِ اللهِ . وأمَّا الوحيُ، فهو الواقعُ مِن المُوحِى إلى المُوحَى إليه، ولذلك سمَّت العربُ الخَطَّ والكتابَ وحيًا؛ لأنه واقعٌ فيما كُتِب ثابتٌ فيه، كما قال كعبُ بنُ زُهيرٍ (٣): أتى العُجم والآفاقَ منه قَصائدٌ … بَقِينَ بَقَاءَ الوَحْيِ فِي الحَجَرِ الْأَصَمّ يعنى به الكتابَ الثابتَ في الحَجَرِ. وقد يقالُ في الكتابِ خاصَّةً إذا كتَبه الكاتبُ: "وَحَى"، بغير ألفٍ، ومنه قولُ رُؤْبَةَ (٤): كأنه بَعْدَ رِياحٍ تَدْهَمُهُ ومُرْثَعِنَّاتِ الدُّجُونِ (٥) تَثِمُهْ (٦)

стр. 3520

إنجيلُ أحبارٍ (١) وَحَى مُنَمْنِمُهُ (٢) القول في تأويل قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾. يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾: وما كنت يا محمدُ عندَهم فتَعْلَمَ ما نُعَلِّمُكَه مِن أخبارِهم التي لم تَشْهَدْها، ولكنك إنما تُعَلَّمُ ذلك فتُدْرِكُ معرفتَه بتعريفِناكَه. ومعنى قوله: ﴿لَدَيْهِمْ﴾: عندَهم. ومعنى قوله: ﴿إِذْ يُلْقُونَ﴾: حينَ يُلْقون أقلامهم. وأمَّا "أقلامهم" فسهامُهم التي اسْتَهَم بها المستهِمون مِن بني إسرائيلَ على كَفالةِ مريمَ، على ما قد بيَّنَّا قبلُ في قولِه: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ (٣) [آل عمران: ٣٧]. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا هشامٌ، عن (٤) عمرٍو، عن (٥) سعيدٍ، عن قتادة في قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾. يعني محمدًا ﷺ (٦). حدَّثني محمد بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهد: ﴿يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾: زكريا وأصحابُه اسْتَهَموا بأقلامِهم

стр. 3521

على مريمَ حينَ دخَلت عليهم (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾: كانت مريمُ ابنةَ إمامِهم وسيِّدِهم، فتشاحَّ عليها بنو إسرائيلَ، فاقترعوا فيها بسهامهم أيهم يَكْفُلُها، فقرَعهم زكريا، وكان زوج أختها، فكفَلها زكريا، يقولُ: ضمَّها إليه (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾. قال: تساهَموا على مريمَ أيُّهم يَكْفُلُها، فقرعهم زكريا (٣). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾: وإن مريم لمَّا وُضِعت في المسجدِ، اقْتَرع عليها أهلُ المُصَلَّى وهم يكتُبون الوحىَ، فاقْتَرعوا بأقلامِهم أيُّهم يَكْفُلُها، فقال الله لمحمد ﷺ : ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ (٤).

стр. 3522

حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أَخبَرَنَا عُبَيْدٌ، قال: سمعتُ الضحَّاك يقولُ في قوله: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾: اقْتَرعوا بأقلامِهم أيُّهم يَكْفُلُ مريمَ، فقرَعهم زكريا. حدَّثنا محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحَنَفِيُّ، عن عبَّادٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾. قال: حيثُ اقترَعوا على مريمَ، وكان غيبًا عن محمدٍ ﷺ حين أخبرَه الله. وإنما قيل: ﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾. لأن إلقاءَ المستهمين أقلامَهم على مريمَ إنما كان لِيَنْظُروا أيُّهم أوْلَى بكفالتِها وأحقُّ. ففى قولِه : ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾. دَلالةٌ على محذوفٍ من الكلامِ، وهو: لينظُروا أَيُّهم يَكْفُلُ، ولِيَتَبَيَّنوا ذلك ويَعْلَموه. فإن ظنَّ ظانٌّ أن الواجبَ في ﴿أَيُّهُمْ﴾ النصبُ، إذ كان ذلك معناه، فقد ظنَّ خطأً، وذلك أن النظرَ والتبيُّنَ والعلمَ مع "أيّ" يَقْتَضِى استفهامًا واستخبارًا، وحظُّ "أي" في الاستخبار الابتداءُ، وبُطولُ عمَلِ المسألةِ والاستخبارِ عنه. وذلك أن معنى قولِ القائلِ: لأَنْظُرَنَّ أَيُّهم قام: لأَسْتَخْبِرَنَّ الناسَ أيُّهم قام. وكذلك قولُهم: لأَعْلَمَنَّ. وقد دَلَّلنا فيما مضَى قبلُ أن معنى "يَكْفُلُ": يَضُمُّ، بما أَغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضع (١) القولُ في تأويل قولِه: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤)﴾.

стр. 3523

يعنى بذلك جل ثناؤُه: وما كنتَ يا محمدُ عندَ قومِ مريمَ إذ يَخْتَصِمون فيها أيُّهم أحقُّ بها وأَوْلَى. وذلك من الله وإن كان خطابًا لنبيِّه ﷺ ، فتوبيخٌ منه للمكذِّبين به مِن أهلِ الكتابَين. يقولُ: كيفَ يَشُكُّ أهل الكفرِ بك منهم وأنت تُنْبِئُهم هذه الأنباءَ ولم تَشْهَدْهم (١)، ولم تكنْ معَهم يومَ فعَلوا هذه الأمورَ، ولستَ ممّن قرَأ الكتبَ فعلِم نبأَهم، ولا جالَس أهلَها فسمِع خبرَهم. كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبَيْرِ: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ أَي: ما كنتَ معَهم إذ يختصِمون فيها. يُخْبِرُه بخفيِّ ما كتَموا منه مِن العلمِ عندَهم؛ لتحقيق نبوَّتِه، والحُجَّةِ عليهم لما يأتيهم به ممّا منه (٢). القولُ في تأويل قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾. يعنى بقوله جل ثناؤه: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ﴾: وما كنتَ لديهم إذ يَخْتَصِمون، وما كنتَ لديهم أيضًا إذ قالت الملائكةُ: يا مريم إِنَّ الله يُبشِّرُك. والتبشيرُ: إخبارُ المرء بما يَسُرُّه من خيرٍ. وقوله: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾. يعنى: برسالةٍ مِن اللهِ وخبرٍ مِن عندِه. وهو مِن قولِ القائل: ألقى فلانٌ إلى كلمةً سرَّني بها. بمعنى: أخبرَني خبرًا فرِحتُ به. كما قال جل ثناؤه: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ [النساء: ١٧١] يعني: بُشْرَى الله مريمَ بعيسى ألقاها إليها.

стр. 3524

فتأويلُ الكلامِ: وما كنتَ يا محمدُ عندَ القومِ إذ قالت الملائكةُ لمريمَ: يا مريمُ إن الله يُبَشِّرُكِ ببُشْرَى مِن عندِه، هي ولدٌ لكِ اسمُه المسيحُ عيسى ابن مريمَ. وقد قال قومٌ - وهو قولُ قتادةَ -: إن الكلمةَ التي قال الله : ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾. هو قوله: "كُنْ". حدَّثنا بذلك الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ قال: قولُه: "كنْ" (١). فسمَّاه اللهُ كلمتَه لأنه كان عن كلمتِه، كما يقالُ لِما قدَّر اللهُ مِن شيءٍ: هذا قدرُ اللهِ وقضاؤُه. يعني به: هذا عن قدرِ اللهِ وقضائه حدَث. وكما قال جلّ ثناؤُه: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [النساء: ٤٧، والأحزاب: ٣٧] يعنى به: ما أمَر اللهُ به، وهو المأمورُ الذي كان عن أمرِ الله . وقال آخرون: بل هي اسمٌ لعيسى، سمَّاه الله بها كما سمَّى سائرَ خلقِه بما شاء مِن الأسماءِ. ورُوى عن ابن عباسٍ أنه قال: الكلمةُ هي عيسى. حدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن سِمَاكٍ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾. قال: عيسى هو الكلمةُ مِن اللهِ (٢). وأقربُ الوجوه إلى الصواب عندى القولُ الأوّلُ، وهو أن الملائكةَ بشَّرت مريمَ بعيسى عن الله برسالته وكلمته التي أمرها أن تُلْقِيَها إليها، أن

стр. 3525

الله خالقٌ منها وَلدًا من غيرِ بَعْل ولا فَحْلٍ؛ ولذلك قال : ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾. فذكَّر، ولم يقلْ: اسمُها. فيُؤَنَّثَ، و "الكلمةُ" مونثةٌ؛ لأن الكلمةَ غيرُ مقصودٍ بها قصدُ الاسم الذي هو بمعنى "فلانٍ" وإنما هي بمعنى البِشارةِ، فذُكِّرت كنايتُها كما تُذَكَّرُ كنايةُ "الذُّرِّيَّةِ" و "الدابَّةِ" و "الألقابِ"، على ما قد بيّنَّاه قبلُ فيما مضَى (١). فتأويل ذلك كما قلنا آنفًا من أن معنى ذلك: إن الله يُبَشِّرُكِ بِبُشْرَى. ثم بيَّن عن البشرى أنها ولدٌ اسمُه المسيحُ. وقد زعَم بعضُ نحويِّي البصرةِ أنه إنما ذكَّر فقال: ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾. وقد قال: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾. والكلمةُ عندَه هي عيسى؛ لأنه في المعنى كذلك، كما قال جلّ ثناؤُه: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا﴾ [الزمر: ٥٦] ثم قال: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا﴾ [الزمر: ٥٩] وكما يقالُ: ذو الثُّدَيَّةِ (٢). لأن يدَه كانت قصيرةً قريبةً من ثَديَيْه، فجعلها كأن اسمَها ثَدْيَةٌ، ولولا ذلك لم تَدْخُلِ الهاءُ في التصغيرِ. وقال بعضُ نحويِّى الكوفِة نحوَ قولِ مَن ذكَرنا مِن نحويِّى البصرةِ، في أن الهاءَ مِن ذِكرِ "الكلمةِ"، وخالفه في المعنى الذي مِن أجلِه ذُكِّر قولُه: ﴿اسْمُهُ﴾. و"الكلمةُ" متقدمةٌ قبلَه، فزعَم أنه إنما قيل: ﴿اسْمُهُ﴾. وقد قُدِّمت "الكلمةُ"، ولم يقلِ: "اسمُها". لأن مِن شأنِ العربِ أن تَفْعَلَ ذلك فيما كان مِن النُّعوتِ والألقابِ والأسماءِ التي لم تُوضَعْ لتعريفِ المُسَمَّى به؛ كفلانٍ وفلانٍ، وذلك مثلُ الذُّرِّيَّةِ والخليفةِ والدابَّةِ، ولذلك جاز عندَه أن يقالَ: ذريةً طيبةً، وذُرِّيَّةً طيبًا. ولم

стр. 3526

يَجُزْ أن يقالَ: طلحةُ أقبلَت، ومغيرةُ قامت. وأنكر بعضُهم اعتلالَ مَن اعتَلَّ في ذلك بذى الثُّدَيَّةِ، وقالوا: إنّما أُدخِلت الهاءُ في ذى الثُّدَيَّةِ لأنه أُريد بذلك القطعةُ من الثَّدْي، كما قيل: كنَّا في لحمةٍ ونَبيذة. يُرادُ به القطعةُ منه. وهذا القولُ نحو قولِنا الذي قلناه في ذلك. وأمَّا قولُه: ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾. فإنه جل ثناؤُه أنبَأ عبادَه عن نسبةٍ عيسى، وأنه ابن أمِّه مريمَ، ونفَى بذلك عنه ما أضاف إليه المُلْحِدون في اللهِ جل ثناؤُه مِن النصارى، مِن إضافتهم بُنُوَّتَه إلى الله ، وما قرَفت (١) أمَّه به المُفْتَرِيةُ عليها من اليهود. كما حدَّثني به ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ أي: هكذا كان أمرُه، لا ما يقولون فيه (٢). وأمَّا "المسيحُ"، فإنه فَعِيلٌ، صُرِف مِن مفعولٍ إلى فعيلٍ. وإنما هو ممسوحٌ، يعنى: مسَحه الله فطهَّره من الذنوبِ. ولذلك قال إبراهيمُ: المسيحُ الصدِّيقُ. وقال آخرون: مُسِح بالبركةِ. حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيم مثلَه (٣).

стр. 3527

حدَّثنا ابن حُميد، قال: ثنا ابن المُباركِ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ مثلَه. حدَّثنا ابن البَرْقيِّ، قال: ثنا عَمرُو بنُ أَبي سَلَمةَ، قال: قال سعيدٌ: إنما سُمِّى المسيحَ لأنه مُسح بالبركةِ (١). القولُ في تأويل قولِه: ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥)﴾ يعني بقوله: ﴿وَجِيهًا﴾: ذا وجهٍ ومنزلةٍ عاليةٍ عندَ اللهِ وشرَفٍ وكَرامةٍ. ومنه يقالُ للرجل الذي يَشْرفُ وتُعَظِّمُه الملوك والناسُ: وجيهٌ. يقالُ منه: ما كان فلانٌ وجيهًا، ولقد وَجُهَ وَجاهةٌ، وإن له لوَجهًا عندَ السلطانِ وجَاهًا ووَجَاهةً. و "الجاه" مقلوبٌ، قلبت واؤه من أوَّلِه إلى موضعِ العينِ منه، منه، فقيل: جاه. وإنما هو وجهٌ، "وفَعَلَ" مِن الجاهِ: جاهَ يَجُوهُ، مسموعٌ مِن العربِ: أخافُ أَن يَجُوهَني بأكثرَ مِن هذا. بمعنَى: أن يَسْتَقْبِلَني في وجهي بأعظمَ منه. وأمَّا نصبُ "الوَجيهِ" فعلَى القطعِ مِن "عيسى"؛ لأن "عيسى" معرفةٌ، و "وجيه" نَكِرةٌ، وهو من نعتِه، ولو كان مخفوضًا على الرَّدِّ على "الكلمةِ" كان جائزًا. وبما (٢) قلنا مِن أن تأويلَ ذلك: وجيهًا في الدنيا والآخرة عند الله. قال - فيما بلغنا - محمدُ بنُ جعفرٍ. حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سلَمةُ،، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزبير: ﴿وَجِيهًا﴾ قال: وجيهًا في الدنيا والآخرة عند الله (٣).

стр. 3528

وأمَّا قولُه ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾. فإنه يعنى أنه ممن يُقَرِّبُه اللهُ يومَ القيامة، فيُسْكِنُه في جواره ويُدْنيه منه. كما حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾. يقولُ: مِن المُقَرَّبين عند الله يومَ القيامة (١). حُدِّثت عن عمَّارِ بن الحسنِ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبِيه، عن الربيعِ قوله: ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾. يقولُ: مِن المُقَرَّبين عندَ الله يومَ القيامةِ (٢). حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرِ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه. القولُ في تأويل قوله: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦)﴾. أما قوله: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾. فإنّ معْناه أن الله يُبَشِّرُكِ بكلمةٍ منه اسمُه المسيحُ عيسى ابن مريمَ، وجيهًا عندَ اللهِ، ومُكَلِّمًا الناسَ في المهدِ. فـ ﴿يُكَلِّمُ﴾ الله وإن كان مرفوعًا؛ لأنه في صورة "يَفْعَل" بالسلامةِ من العواملِ فيه، فإنه في موضعِ نصبٍ، وهو نظيرُ قولِ الشاعرِ (٣):

стр. 3529

بِتُّ أُعَشِّيها بعَضْبٍ (١) باتِرِ … يَقْصِدُ في أَسْوقِها وجَائِرِ وأمَّا "المَهْدُ" فإنه يعنى به مَضْجَعَ الصبيِّ في رَضاعه. كما حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال ابن عباس: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ قال: مَضْجَعُ الصَّبيِّ في رَضَاعِه (٢). وأما قوله: ﴿وَكَهْلًا﴾. فإنه: ومُحْتَنِكًا فوقَ الغُلُومةِ ودونَ الشيخوخة، يقالُ منه: رجُلٌ كَهْلٌ، وامرأَةٌ كَهْلَةٌ. كما قال الراجزُ (٣): ولا أعُودُ بعدها كَريّا أُمَارِسُ الكَهْلَةَ وَالصَّبيَّا وإنما عَنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾: ويُكَلِّمُ الناسَ طفلًا في المهدِ - دَلالةً على براءةِ أُمِّه مما [قرفها به] (٤) المُفتَرون عليها، وحجةً له على نُبُوَّتِه - وبالغًا كبيرًا بعدَ احتناكِه، بوحي الله الذي يُوحيه إليه، وأمره ونهيِه، وما يُنزلُ (٥) عليه مِن كتابِه، وإنما أخبرَ الله عبادَه بذلك مِن أمرِ المسيحِ، وأنه كذلك كان، وإن كان الغالبُ مِن أمرِ الناسِ أنهم يَتَكَلَّمون كُهولًا وشُيوخًا، احتجاجًا به على القائلينَ فيه - مِن أهلِ الكفر بالله مِن النصارى - الباطلَ، وأنه

стр. 3530

كان في معاناةِ (١) أشياءَ، مولودًا طفلًا ثم كهْلًا، يَتَقَلَّبُ في الأحداثِ، ويَتَغَيَّرُ بمرور الأزمنةِ عليه والأيامِ، مِن صِغَر إلى كبرٍ، ومِن حالٍ إلى حالٍ، وأنه لو كان كما قال الملحِدون فيه، كان ذلك غيرَ جائزٍ عليه، فكذَّب بذلك ما قاله الوفدُ مِن أهلِ نَجرانَ، الذين حاجُّوا رسولَ الله ﷺ ، فيه، واحتَجَّ به عليهم لنبيِّه محمدٍ ﷺ ، وأعلمَهم أنه كان كسائرِ بني آدمَ، إلا ما خصَّه اللهُ به مِن الكَرامةِ التي أبانَه (٢) بها منهم. كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزبيرِ: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾: يُخْبُرهم بحالاتِه التي يَتَقَلَّبُ بها في عُمُرِه، كتَقَلُّبِ بني آدمَ في أعمارِهم صغارًا وكبارًا، إلا أنّ الله خصَّه بالكلامِ في مهدِه آيةً لنُبوَّته، وتعريفًا للعبادِ مواقعَ قدرتِه (٣). حدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ يقولُ: يُكَلِّمُهم صغيرًا وكبيرًا (٤). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ قال: يُكَلِّمُهم صغيرًا وكبيرًا (٥).

стр. 3531

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ: ﴿وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ قال: الكَهْلُ الحليمُ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: كلَّمهم صغيرًا وكبيرًا وكهلًا. وقال ابن جريج، وقال مجاهدٌ: الكَهْلُ الحليم. حدَّثني محمد بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو بكر الحنفيُّ، عن عبّادٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ قال: كلَّمهم في المَهْدِ صَبِيًّا، وكلَّمهم كبيرًا (٢). وقال آخرون: معنى قوله: ﴿وَكَهْلًا﴾: أنه سيُكَلِّمُهم إذا ظهَر. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: سمِعتُه، يعني ابنَ زيدٍ، يقولُ في قوله: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾. قال: قد كلَّمهم عيسى في المَهْدِ، وسيُكَلِّمُهم إذا قتل الدجال، وهو يومَئِذٍ كَهْلٌ (٣). ونصب ﴿وَكَهْلًا﴾ عطفًا على موضع: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ﴾. وأما قوله: ﴿وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾. فإنه يَعْنى: مِن عِدادِهم وأوليائهم؛ لأن أهلَ الصلاح بعضُهم من بعض في الدِّينِ والفَضْلِ.

стр. 3532

القول في تأويل قوله: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧)﴾. يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: قالت مريمُ - إذْ قالت لها الملائكةُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ -: ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾ مِن أَيِّ وَجْهٍ يَكُونُ لى ولَدٌ؟ أمِن قِتَل زوجٍ أَتَزَوَّجُه وَبَعْلٍ أَنكِحُه؟ أو تَبْتَدِيءُ فِيَّ خَلْقَهُ مِن غَيرِ بَعْلٍ ولا فَحْلٍ، ومن غير أن يمسَّنى بَشرٌ؟ فقال الله لها: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾. يعنى: هكذا يَخْلُقُ الله منكِ ولدًا لك من غير أن يَمَسَّكِ بَشرٌ، فيَجْعَلُه آيةً للناسٍ وعِبرةً، فإِنه يَخْلُقُ ما يَشاءُ، ويَصْنَعُ ما يُريدُ، فيُعْطِي الولَدَ مَن يَشَاءُ مِن غيرِ فَحْلٍ ومِن فَحْلٍ، ويَحرِمُ ذلك مَن يَشَاءُ مِن النساء وإن كانت ذاتَ بَعْل؛ لأنه لا يَتَعَذَّرُ عليه خَلْقُ شَيءٍ أَراد خَلْقَه، إنما هو أن يَأْمُرَ إذا أراد شيئًا ما أراد، فيَقُولَ له: كُنْ. فيَكُونَ ما شاء مما يَشاءُ وكيفَ شاء. كما حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلمةُ، عن ابن إسحاق، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبَيرِ: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾: يَصْنَعُ ما أراد، ويَخْلُقُ مَا يَشاءُ، مِن بشرٍ أو غيرِ بشرٍ (١)، ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ (٢)﴾ مما يَشاءُ، وكيف يَشاءُ، فيَكُونُ ما أراد (٣). القولُ في تأويلِ قوله: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨)﴾. اختلفت القرأَةُ في قراءة ذلك؛ فقرأته عامةُ قرأةِ الحجاز والمدينة وبعضُ قرأَةِ الكوفيين: ﴿وَيُعَلِّمُهُ﴾ بالياءِ (٤)، ردًّا على قوله: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾.

стр. 3533

﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ﴾ فَالْحَقُوا الخبر في قوله: ﴿وَيُعَلِّمُهُ﴾ بنظير الخبرِ في قولِه: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾. وقوله: ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيِّين وبعضُ البصريِّين: (وَنُعَلِّمُهُ) بالنونِ (١)، عطفًا به على قوله: ﴿نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ كأنه قال: ذلك مِن أنباءِ الغيبِ نوحِيه إليك، ونُعَلِّمُه الكتابَ. وقالوا: ما بعد ﴿نُوحِيهِ﴾ في صِلتِه إلى قولِه: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾. ثم عطَف بقوله: (ونُعَلِّمُه) عليه. والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أنهما قراءتان مختلفتان غيرُ مختلفتَي المعانى، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فهو مصيبٌ الصوابَ في ذلك؛ لاتفاقِ مَعْنَيِي القراءتين في أنه خبرٌ عن الله بأنه يُعَلِّمُ عيسى الكتابَ وما ذكَر أنه يُعلِّمُه. وهذا ابتداءُ خبرٍ من الله لمريمَ ما هو فاعلٌ بالولدِ الذي بشَّرها به من الكرامةِ ورفعةِ المنزلةِ والفضيلةِ، فقال: كذلك اللهُ يَخْلُقُ منكِ ولدًا مِن غيرِ فَحلٍ ولا بَعلٍ فيُعَلِّمه الكتابَ، وهو الخطُّ الذي يخطُّه بيده، والحكمةَ، وهى السنةُ التي نوحِيها إليه في غيرِ كتابٍ، والتوراةَ، وهي التوراةُ التي أُنْزِلت على موسى، كانت فيهم من عهدِ موسى، والإنجيلَ، إنجيلُ عيسى ولم يكنْ قَبلَه، ولكنَّ الله أخبَر مريمَ قبلَ خلقِ عيسى أنه مُوحيه إليه، وإنما أخبَرَها بذلك، فسمّاه لها؛ لأنها قد كانت علِمت فيما نزَل مِن الكتبِ أن الله باعثٌ نبيًّا يُوحِى إليه كتابًا اسمُه الإنجيلُ، فأخبَرها اللهُ أن ذلك النبيَّ ﷺ الذي سمِعتْ بصفتِه الذي وعَد أنبياءَه مِن قَبْلُ أنه مُنزِّلٌ عليه الكتاب الذي سُمِّى إنجيلًا، هو الولدُ الذي وهبَه لها وبشَّرها به.

стр. 3534

وبنحو ما قلنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهل التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، قال: قال ابن جُرَيجٍ: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ﴾. قال: بيدِه (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ قال: الحكمةُ السنةُ (٢). حدَّثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾. قال: الحكمةُ السنةُ، ﴿وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾. قال: كان عيسى يَقْرأُ التوراةَ والإنجيلَ (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُريجٍ: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾. قال: الحكمةُ السنةُ. حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ، قال: أخبَرها - يعنى أخبَر اللهُ مريمَ - ما يُريدُ به، فقال: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ﴾ التي كانت فيهم مِن عهدِ موسى، ﴿وَالْإِنْجِيلَ﴾، كتابًا آخرَ أحدَثه إليه لم يَكُنْ عندَهم علمُه إلا ذِكْرُه أَنه كائنٌ من الأنبياءِ قبلَه (٤).

стр. 3535

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَرَسُولًا﴾: [ونَجْعَلُه رسولًا] (١) إلى بني إسرائيلَ. فتُرِك ذكرُ "ونجعَلُه"؛ لدَلالةِ الكلامِ عليه، كما قال الشاعرُ (٢): ورأيت زوجَكِ في الوَغَى … مُتَقَلِّدًا سيفًا ورُمْحًا وقولُه: ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. بمعنى: ونَجْعَلُه رسولًا إلى بنى إسرائيلَ [بأنه نبيِّى وبشيري ونذيرى] (٣)، وحجَّتي على صدقِي في (٤) ذلك ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. يعنى: بعلامةٍ مِن ربِّكُم تُحَقِّقُ قولى، وتُصَدِّقُ خبرى أني رسولٌ مِن ربِّكم إليكم. كما حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبَيرِ: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. أي يُحَقِّقُ بها نبوَّتى، وأنى رسولٌ منه إليكم (٥). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ورسولًا إلى بني إسرائيلَ أني قد جِئتُكم بآيةٍ مِن ربِّكم، ثم بيَّن عن الآيةِ ما هي، فقال: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾.

стр. 3536

فتأويلُ الكلامِ: ورسولًا إلى بني إسرائيلَ بأني قد جئْتُكم بآيةٍ مِن ربِّكم بأن أخْلُقَ لكم مِن الطينِ كهيئةِ الطيرِ. والطيرُ جمعُ طائرٍ. واختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه بعضُ أهل الحجازِ: (كهيئةِ الطائرِ فأَنْفُخُ فيه فيَكُونُ طائرًا). على التوحيدِ (١). وقرَأه آخرون: ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا﴾، على الجماعِ فيهما (٢). وأعجب القراءاتِ إليَّ في ذلك قراءةُ مَن قرَأ: ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا﴾. على الجِماعِ فيهما جميعًا؛ لأن ذلك كان مِن صفةِ عيسى أنه يَفْعَلُ ذلك بإذنِ اللهِ، وأنه الموافقُ لخطِّ المصحفِ. واتِّباعُ خطِّ المصحفِ مع صحةِ المعنى واستِفاضة القراءةِ به، أعجبُ إليَّ مِن خلافِ المُصحفِ. وكان خلقُ عيسى ما كان يَخْلُقُ مِن الطيرِ كما حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: ثنا ابن إسحاقَ، أن عيسى صلواتُ اللهِ عليه جلَس يومًا مع غِلمانٍ مِن الكُتّابِ، فأَخَذ طينًا، ثم قال: أَجْعَلُ لكم مِن هذا الطينِ طائرًا؟ قالوا: وتَستطيعُ ذلك؟! قال: نعم بإذن ربي. ثم هيَّأَه حتى إذا جعَله في هيئةِ الطائرِ نفَخ فيه، ثم قال: كن طائرًا بإذنِ اللهِ. فخرَج يَطِيرُ بينَ كفَّيْهِ، فخرَج الغلمانُ بذلك مِن أمرِه، فذكَروه لمعلِّمِهم، فأفشَوه في الناسِ، وتَرَعْرَعَ، فهمَّت به بنو إسرائيلَ، فلمّا خافت أمُّه عليه، حُمَيِّرٍ على حُميِّرٍ لها، ثم خرَجت به هاربةً (٣).

стр. 3537

وذُكر أنه لمّا أراد أن يَخْلُقَ الطيرَ من الطينِ سألهم: أيُّ الطيرِ أشدُ خلقًا؟ فقيل له: الخُفّاشُ. كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قوله: ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا﴾. قال: أيُّ الطيرِ أَشدُّ خلقًا؟ قالوا: الخُفاشُ، إنما هو لحمٌ. قال: ففعَل (١). فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ﴾ وقد قيل: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْر﴾؟ قيل: لأن معنى الكلام: فأَنْفُخُ في الطيرِ. ولو كان ذلك: فأَنْفُخُ فيها. كان صحيحًا جائزًا، كما قال في المائدةِ: ﴿فَتَنْفُخُ فِيهَا﴾ [المائدة: ١١٠]. يريدُ: فتَنْفُخُ في الهيئةِ. وقد ذُكِر أن ذلك في إحدى القراءتين: (فأنْفُخُها) بغير "في" (٢). وقد تَفْعَلُ العربُ مثلَ ذلك، فتقولُ: رُبَّ ليلةٍ قد بتُّها، وبتُّ فيها. قال الشاعرُ (٣): ما شُقَّ جَيْبٌ ولا قامَتْكَ نائحةٌ … ولا بكَتْكَ جِيادٌ عندَ أَسْلابِ بمعَنى: ولا قامت عليك. وكما قال آخَرُ: إحدَى بَنِي عَيِّذِ اللهِ (٤) اسْتَمَرَّ بها … حُلْوُ العُصارةِ حتى يُنْفَخَ الصُّوَرُ القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ﴾. يَعنى بقولِه: ﴿وَأُبْرِئُ﴾: وأَشْفِى. يُقالُ منه: أَبْرَأ اللهُ المريضَ [من مرضِه] (٥).

стр. 3538

إذا شفاه منه، فهو يُبْرئُه إبراءً، وبرَأ المريضُ فهو يَبْرأُ بَرْءًا. وقد يقالُ أيضًا: بَرِئَ المريضُ فهو يَبْرأُ، لغتانِ معْروفتانِ. واختلَف أهلُ التأويلِ في معنَى الأَكْمَةِ؛ فقال بعضُهم: هو الذي لا يُبْصِرُ بالليلِ ويُبْصِرُ بالنهارِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾. قال: الأكمهُ الذي يُبْصِرُ بالنهارِ ولا يُبْصِرُ بالليلِ، فهو يَتَكَمَّهُ (١). حدثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. وقال آخرون: هو الأعمى الذي ولَدتْه أمُّه كذلك. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، قال: كُنا نُحَدَّثُ أَن الأكمةَ الذي وُلِد وهو أعمَى، مضمومَ (٢) العَينينِ (٣). حدَّثني المُثَنّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن قَتادةَ

стр. 3539

في قولِه: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ﴾ قال: كُنا نُحدَّثُ أن الأكمهَ الذي وُلِد وهو أعمَى، مضمومَ العينينِ. حُدِّثتُ عن المِنجابِ، قال: ثنا بشرُ بنُ (١) عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحّاكِ، عن ابن عباسٍ، قال: الأكمهُ الذي يُولَد وهو أعمَى (٢). وقال آخرون: بل هو الأعمَى. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾: هو الأعمى (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: الأعمَى (٤). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾ قال: الأَكْمَهُ الأعمَى (٥). حدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحَنفيُّ، عن عبّادِ بن منصورٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾ قال: الأعمَى (٦).

стр. 3540

وقال آخرون: هو الأعمشُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا حَفْصُ بْنُ عمرَ، عن الحكَمِ بن أَبَانٍ، عن عِكْرمةَ في قولِه: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾ قال: الأعمشُ (١). والمعروفُ عندَ العربِ مِن معنَى الكَمَه العمَى، يُقالُ منه: كَمِهَت عينُه، فهى تَكمَهُ كمَهًا، وكمَّهْتُها (٢)، أنا، إذا أعميتَها، كما قال سويدُ بنُ أبى كاهلٍ (٣): [كمَّهَتْ عَيْنَيه] (٤) حتى ابْيضَّتا … فهْو يَلْحَى نَفْسَهُ لمَّا نَزَعْ ومنه قول رؤبة (٥): هَرَّجْتُ (٦) فَارْتَدَّ ارتِدادَ الأكمَهِ في غائلاتِ (٧) الحائِرِ (٨) المُتَهْتِهِ (٩) وإنما أخبَر اللهُ عن عيسى صلواتُ اللهِ عليه أنه يَقُولُ ذلك لبنى إسرائيلَ؛ احتجاجًا منه بهذه العِبَرِ والآياتِ عليهم في نبوَّتِه، وذلك أن الكَمَةَ
следующие страницы →