← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

وَلِيِّيَ منهم أبى (١) وخليلُ ربِّي". ثم قرَأ: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢). حدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نُعيمٍ الفضلُ بنُ دُكينٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبيه، عن أبي الضُّحَى، عن عبدِ اللهِ، أَرَاه قال: عن النبيِّ ﷺ . فذكَر نحوَه (٣). حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى مُعاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: يقولُ اللهُ سبحانَه: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ (٤). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٦٩)﴾. يعْنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَدَّتْ﴾: تمَنَّت، ﴿طَائِفَةٌ﴾ يعني: جماعةٌ، ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، وهم أهلُ التوراةِ من اليهودِ، وأهلُ الإنجيلِ من النصارَى، ﴿لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾، يقولُ: لو يَصُدُّونكم أيُّها المؤمنونَ عن الإسلامِ، ويَرُدُّونكم عنه إلى ما هم عليه من الكفرِ، فيُهْلِكونكم بذلك. والإضلالُ في هذا الموضعِ الإهلاكُ، من قولِ اللهِ : ﴿وَقَالُوا أَإِذَا

стр. 3607

ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: ١٠]. يعنى: إذا هلَكْنا. ومنه قولُ الأخْطَلِ في هجاءِ جَريرٍ (١): كنتَ القَذَى في موجِ أَكْدَرَ مُزْيدٍ … قذَف الأَتِيُّ به فضَلَّ ضَلَالًا يعني: هلَك هَلاكًا. وقولُ نابغةِ بنى ذُبْيانَ (٢): فآبَ مُضِلُّوه بعَيْنٍ جَلِيَّةٍ (٣) … وغُودِر بالجَوْلانِ (٤) حَزْمٌ ونائلُ يعني: مُهْلِكوه. ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾: وما يُهْلِكون - بما يَفْعَلُون من محاولتِهم صدَّكم عن دينِكم - أحدًا غير أنفسِهم. يعنى بـ ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ تُبَّاعَهم (٥) وأشياعَهم على ملتِهم وأديانِهم. وإنما أهْلَكوا أنفسَهم وتُبَّاعَهم (٥) بما حاوَلوا مِن ذلك؛ لاسْتِيجابِهم مِن اللهِ بفعلِهم ذلك سخَطَه، واسْتحقاقِهم به غضبَه ولعنتَه؛ لكفرِهم باللهِ، ونقضِهم الميثاقَ الذي أخَذ اللهُ (٦) عليهم في كتابِهم، في اتِّباعِ محمدٍ ﷺ وتصديقِه، والإقرارِ بنبوَّتِه. ثم أخْبَر جلَّ ثناؤُه عنهم أنهم يفعَلون ما يفعَلون، مِن مُحاولةِ صدِّ المؤمنين عن الهدى إلى الضلالةِ والرَّدَى، على جهلٍ منهم بما اللهُ بهم مُحِلٌّ مِن عقوبتِه، ومُدَّخِرٌ لهم مِن أليمِ عذابِه، فقال تعالى ذكرُه: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أنهم لا يُضِلُّون إلا أنفسَهم، [في محاولتِهم] (٧) إضْلالَكم أيُّها المؤمنون.

стр. 3608

ومعنى قولِه: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾: وما يَدْرُون ولا يَعْلَمون. وقد بيّنّا تأويلَ ذلك بشواهدِه في غيرِ (١) هذا الموضعِ، فأغْنَى ذلك عن إعادتِه (٢). القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠)﴾. يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾، من اليهودِ والنصارَى، ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ﴾. يقولُ: لم تَجْحَدون، ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾. يعني: بما في كتابِ اللهِ الذي أنْزَله إليكم على ألسنِ أنبيائِكم من آيه وأدلَّته، ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ أنه حقٌّ مِن عندِ ربِّكم! وإنما هذا مِن اللهِ تَوبيخٌ لأهلِ الكتابَيْن على كفرِهم بمحمدٍ ﷺ وجُحودِهم نبوَّتَه، وهم يَجِدونه في كتبِهم، مع شهادتِهم أنّ ما في كتبِهم حقٌّ، وأنه من عندِ اللهِ. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾. يقولُ: تَشْهَدون أن نعتَ محمدٍ نبيِّ اللهِ ﷺ في كتابِكم، ثم تَكْفُرون به وتُنْكرونه ولا تُؤْمِنون به، وأنتم تَجِدونه مكتوبًا عندَكم في التوراةِ والإنجيلِ، النبيَّ الأميَّ الذي يُؤْمِنُ باللهِ وكلماتِه (٣).

стр. 3609

حدَّثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾. يقولُ: تَشْهَدون أن نعتَ محمدٍ في كتابِكم، ثم تَكْفُرون به ولا تُؤْمِنون به، وأنتم تَجِدونه عندَكم في التوراةِ والإنجيلِ؛ النبيَّ الأميَّ (١). حدَّثني محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّديِّ: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾: آياتُ اللهِ: محمدٌ، وأما ﴿تَشْهَدُونَ﴾: فيَشْهَدون (٢) أنه الحقُّ يَجِدونه (٣) مكتوبًا عندَهم (٤). [حدَّثنا القاسمُ، قال] (٥): حدَّثنا الحسينُ، قال: ثنا حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ قولَه: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ أن الدينَ عِندَ الله الإسلامُ، ليس للهِ دينٌ غيرُه (٦). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾. يعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: يا أهلَ التوراةِ والإنجيلِ، ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ﴾. يقولُ: لِمَ تَخْلِطُونَ ﴿الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾. وكان خَلْطُهم الحقَّ بالباطلِ إظهارَهم بألسنتِهم مِن

стр. 3610

التصديقِ بمحمدٍ ﷺ وما جاء به من عندِ اللهِ، غيرَ الذي في قلُوبِهم مِن اليهوديةِ والنَّصْرانيةِ. كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن أبى محمدٍ، عن عكرمةَ، أو سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: قال عبدُ اللهِ بنُ الصَّيْفِ، وعديُّ بنُ زيدٍ، والحارثُ بنُ عوفٍ، بعضُهم لبعضٍ: تعالَوْا نؤمنْ بما أُنْزِل على محمدٍ وأصحابِه غُدْوةً، ونكفُرْ به عشيَّةً، حتى نَلبِسَ عليهم دينَهم، لعلَّهم يصنَعون كما نصنَعُ، فيَرْجِعُوا عن دينِهم. فأَنْزَلَ اللهُ فيهم: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾. إلى قولِه: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾. يقولُ: لِمَ تَلْبِسُون اليهوديةَ والنصرانيّةَ بالإسلامِ، وقد علِمْتُم أن دينَ اللهِ الذي لا يقبَلُ غيرَه الإسلامُ، ولا يَجْزِى إلا به (٢). حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بمثلِه، إلا أنه قال: الذي لا يقبَلُ مِن أحدٍ غيرَه الإسلامُ. ولم يقُلْ (٣): ولا يَجْزِى [إلا به] (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ قولَه:

стр. 3611

﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾: الإسلامَ باليهوديةِ والنصرانيةِ (١). وقال آخرون في ذلك بما حدَّثني به يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللهِ : ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾. قال: الحقُّ: التوراةُ التي أنْزَل اللهُ على موسى، والباطلُ: الذي كتبُوه بأَيديهم (٢). قال أبو جعفرٍ: وقد بيَّنَّا معنى "اللَّبْسِ" فيما مضَى بما أغْنَى عن إعادتِه (٣). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١)﴾. يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ولم تَكْتُمون يا أهلَ الكتابِ الحقَّ؟ والحقُّ الذي كتَموه: ما في كتبِهم من نعتِ محمدٍ ﷺ ومبعثِه ونبوَّتِه. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: كتَموا شأنَ محمدٍ وهم يَجِدونه مكتوبًا عندَهم في التوراةِ والإنجيلِ، يَأْمُرُهم بالمعروفِ ويَنْهاهم عن المنكرِ (٤). حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: يَكْتُمون شأنَ محمدٍ ﷺ ، وهم يَجِدونه مكتوبًا عندَهم في التوراةِ والإنجيلِ، يَأْمُرُهم بالمعروفِ ويَنْهاهم عن المنكرِ (٥).

стр. 3612

حدثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ: ﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾: الإسلامَ، وأمرَ محمدٍ ﷺ ، ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أَن محمدًا رسولُ اللهِ ﷺ ، وأن الدينَ الإسلامُ (١). وأما قولُه: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. فإنه يعنى به: وأنتم تَعْلَمون أن الذي تَكْتُمونه مِن الحقِّ حقٌّ، وأنه مِن عندِ اللهِ. وهذا القولُ مِن اللهِ خبرٌ عن تَعَمُّدِ أهلِ الكتابِ الكفرَ به، وكتمانِهم ما قد علِموا من نبوةِ محمدٍ ﷺ ووجَدوه في كتبِهم، وجاءَتهم به أنبياؤُهم. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢)﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في صفةِ المعنى الذي أمَرَت به هذه الطائفةُ مَن أَمَرَت به، من الإيمانِ وَجْهَ النهارِ وكفرٍ (٢) آخرَه؛ فقال بعضُهم: كان ذلك أمرًا منهم إياهم بتصديقِ النبيِّ ﷺ في نبوتِه، وما جاء به مِن عندِ اللهِ، وأنه حقٌّ في الظاهرِ، مِن غيرِ تصديقِه في ذلك بالعزمِ واعتقادِ القلوبِ على ذلك، وبالكفرِ به، وجُحود ذلك كلِّه في آخرِه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾. فقال بعضُهم لبعضٍ: أَعْطُوهم الرضا بدينِهم أولَ النهارِ، واكْفُروا آخرَه، فإنه أجدرُ

стр. 3613

أن يُصَدِّقوكم، ويَعْلَموا أنكم قد رأيتم فيهم ما تَكْرَهون، وهو أجدرُ أن يَرْجِعوا عن دينِهم (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا مُعَلَّى بنُ أسدٍ، قال: ثنا خالدٌ، عن حُصينٍ، عن أبي مالكٍ في قولِه: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. قال: قالت اليهودُ: آمِنوا معَهم أولَ النهارِ، واكْفُروا آخرَه لعلهم يَرْجِعون معَكم (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾: كان أخبارُ قُرَى عربيَّةَ (٣) اثْنَيْ عَشَرَ حبرًا، فقالوا لبعضِهم: ادْخُلوا في دينِ محمدٍ أولَ النهارِ وقولوا: نَشْهَدُ أن محمدًا حقٌّ صادقٌ. فإذا كان آخرُ النهارِ فاكْفُروا وقولوا: إنا رجَعْنا إلى علمائِنا وأخْبارِنا فسأَلْناهم، فحدَّثونا أن محمدًا كاذبٌ، وأنكم لستم على شيءٍ، وقد رجَعْنا إلى دينِنا فهو أعجبُ إلينا مِن دينِكم. لعلهم يَشُكُّون؛ يقولون: هؤلاء كانوا معَنا أولَ النهارِ، فما بالُهم؟ فأخْبَر اللهُ رسولَه ﷺ بذلك (٤). حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن حُصينٍ، عن أبي مالكٍ الغِفاريِّ، قال: قالت اليهودُ بعضُهم لبعضٍ: أسْلِموا أولَ النهارِ وارْتَدُّوا آخرَه

стр. 3614

لعلهم يَرْجِعون. فأطلَع اللهُ على سرِّهم، فأَنْزَلَ اللهُ : ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى آخرِ الآيةِ. وقال آخرون: بل الذي أمَرَت (١) به من الإيمانِ الصلاةُ، وحضورُها معهم أولَ النهارِ، وبتركِ (٢) ذلك آخرَه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللهِ : ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ﴾: يهودُ تقولُه، صلَّت مع محمدٍ صلاةَ الصبحِ، وكفَروا آخرَ النهارِ؛ مَكْرًا منهم، ليُرُوا الناسَ أن قد بَدَت لهم منه الضلالةُ بعدَ أن كانوا اتَّبَعوه (٣). حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ بمثلِه. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ﴾ الآية: وذلك أن طائفةً من اليهودِ قالوا: إذا لقِيتُم أصحابَ محمدٍ ﷺ أولَ النهارِ فآمِنوا، وإذا كان آخرَه فصلُّوا صلاتَكم، لعلهم يقولون: هؤلاء أهلُ الكتابِ، وهم أعلمُ منا. لعلهم ينقلبون عن دينِهم، ولا تُؤْمِنوا إلا لمن تبِع دينَكم (٤).

стр. 3615

فتأويلُ الكلامِ إذن: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾. يعنى: من اليهودِ الذين يَقْرَءون التوراةَ: ﴿آمِنُوا﴾: صَدِّقوا، ﴿بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وذلك ما جاءهم به محمدٌ ﷺ مِن الدينِ الحقِّ وشَرائعِه وسننِه، ﴿وَجْهَ النَّهَارِ﴾. يعنى: أوَّل النهار. وسُمِّى أولُه وجهًا له؛ لأنه أحسنُه، وأولُ ما يُواجِهُ الناظرَ فيراه منه، كما يقالُ لأولِ الثوبِ: وجهُه. وكما قال ربيعُ بنُ زِيادٍ (١): من كان مَسْرُورًا بمقْتَلِ مالكٍ … فَلْيَأْتِ نِسوتَنا بوَجْهِ نهارِ وبنحو الذي قلْنا في ذلك قال جماعةٌ من أهلِ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَجْهَ النَّهَارِ﴾: أوَّلَ النهارِ (٢). حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ: ﴿وَجْهَ النَّهَارِ﴾: أولَ النهارِ، ﴿وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾. يقولُ: آخرَ النهارِ (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن

стр. 3616

مُجاهدٍ: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾. قال: قالوا (١): صلُّوا معهم الصبحَ، ولا تُصَلُّوا معهم آخرَ النهارِ، لعلكم تَسْتَزِلُّونهم بذلك. وأما قولُه: ﴿وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾. فإنه يعنى به أنهم قالوا: واجْحَدوا ما صدَّقْتُم به من دينِهم في وجهِ النهارِ، في آخرِ النهارِ، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. يعنى بذلك: لعلهم يَرْجِعُون عن دينِهم معكم ويَدَعُونه. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. يقولُ: لعلهم يَدَعُون دينَهم، ويَرْجِعون إلى الذي أنتم عليه (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾: لعلهم ينقلِبون عن دينِهم (٤). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾: لعلهم يَشُكُّون (٥). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن

стр. 3617

مُجاهِدٍ قولَه: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. قال: يرجعون عن دينِهم. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾. يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ولا تُصَدِّقوا إلا من تبِع دينَكم فكان يهوديًّا. وهذا خبرٌ مِن اللهِ عن قولِ الطائفةِ الذين قالوا لإخْوانِهم مِن اليهودِ: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ﴾. واللامُ التي في قولِه: ﴿لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾. نظيرةُ اللامِ التي في قولِه: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢]. بمعنى: ردِفَكم (١). وبنحوِ ما قلنا في تأويلِ ذلك، قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾: هذا قولُ بعضِهم لبعضٍ (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ مثلَه (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾. قال: لا تُؤْمِنوا إلا لمَن تبِع اليهوديةَ (٣).

стр. 3618

حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾. قال: لا تُؤْمِنوا إلا لمَن آمَن بدينِكم (١)؛ من خالَفه، فلا تُؤْمِنوا به. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: قولُه: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾. اعتراضٌ (٢) به في وسطِ الكلامِ، خبرًا (٣) مِن اللهِ عن أن البيانَ بيانُه، والهدَى هداه. قالوا: وسائرُ الكلامِ بعدَ ذلك مُتَّصلٌ بالكلامِ الأولِ، خبرًا (٣) عن قِيلِ اليهودِ بعضِها لبعضٍ. فمعنى الكلامِ عندَهم: ولا تُؤْمِنوا إلا لمن تبع دينكم، ولا تُؤْمِنوا أن يُؤْتَى أحدٌ مثل ما أوتيتُم، أو أن يُحاجُّوكم عندَ ربِّكم. أي: ولا تُؤْمِنوا أن يُحاجَّكم أحدٌ عندَ ربِّكم. ثم قال اللهُ لنبيِّه ﷺ : قل يا محمدُ: إن الفضلَ بيدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ، وإن الهدَى هدَى اللهِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِه: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾: حسدًا من يهودَ أن تكونَ

стр. 3619

النبوةُ في غيرهم، وإرادةَ أن يُتَّبعوا (١) على دينِهم (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. وقال آخرون: تأويلُ ذلك: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ: ﴿إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾: إن البيانَ بيانُ اللهِ. ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ﴾، قالوا: ومعناه: لا يُؤْتَى أَحدٌ مِن الأممِ ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾، كما قال: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]. بمعنى: لا تَضِلُّون. وكقولِه: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [الشعراء: ٢٠٠، ٢٠١]. بمعنى: ألا يؤمنوا. ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ يقولُ: مثلَ ما أُوتِيتَ أنت يا محمدُ وأُمَّتُك من الإسلامِ والهدَى، ﴿أَوْ (٣) يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾. قالوا: ومعنى ﴿أَوْ﴾: إلا. أيْ: إلا أن يُحاجُّوكم. يعنى: إلا أن يُجادِلوكم عندَ ربِّكم، عندَ (٤) ما فعل بهم ربُّكم (٥). ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: قال اللهُ لمحمدٍ ﷺ : ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾. يقولُ: مثلَ ما أُوتِيتُم يا أمةَ محمدٍ. ﴿أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾،

стр. 3620

يقولُ (١) اليهودُ: فعَل اللهُ بنا (٢) كذا وكذا مِن الكرامةِ، حتى أَنْزَل علينا المنَّ والسَّلْوَى. فإن الذي أعْطَيْتُكم (٣) أفضلُ، فقولوا: ﴿إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ الآية (٤). فعلى هذا التأويلِ جميعُ هذا الكلامِ مِن اللهِ [نبيَّه محمدًا] (٥) ﷺ أن يقولَه لليهودِ، وهو مُتلاصِقٌ (٦) بعضُه ببعضٍ لا اعْتراضَ فيه. والهُدَى الثاني ردٌّ على الهُدَى الأولِ، ﴿أَنْ﴾ في موضعِ رفعٍ على أنه خبرٌ عن الهدَى. وقال آخَرون: بل هذا أمرٌ مِن اللهِ نبيَّه أن يقولَه لليهودِ. وقالوا: تأويلُه: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ: ﴿إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ﴾ مِن الناسِ ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾. يقولُ: مثلَ الذي أُوتِيتُموه أنتم يا معشرَ اليهودِ من كتابِ اللهِ، ومثلَ نبيِّكم، لا تَحْسُدوا المؤمنين على ما أعْطَيْتُهم مثلَ الذي أعْطَيْتُكم مِن فضلى، فإن الفضلَ بيدى أُوتِيه من أَشَاءُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾. يقولُ: لمَّا أنْزَل اللهُ كتابًا مثلَ كتابِكم، وبعَث نبيًّا مثلَ نبيِّكم، حسْدْتُموهم على ذلك، ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ الآية (٧).

стр. 3621

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه (١). وقال آخرون: بل (٢) تأويلُ ذلك: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ: ﴿إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ أنتم يا معشرَ اليهودِ من كتابِ اللهِ. قالوا: وهذا آخِرُ القولِ الذي أمَر اللهُ به نبيَّنا محمدًا ﷺ أن يقولَه لليهودِ من هذه الآيةِ. قالوا: وقولُه: ﴿أَوْ يُحَاجُّوكُمْ﴾. مردودٌ على قولِه: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾. وتأويلُ الكلامِ على قولِ أهلِ هذه المَقالةِ: ولا تُؤْمِنوا إلا لمَن تبع دينَكم فتَتْرُكوا الحقَّ، أن يُحاجُّوكم به عندَ رَبِّكم مَن اتَّبَعْتم دينَه، فأَخْبَرْتُموه (٣) أنه مُحِقٌّ، وأنكم تَجِدون نعتَه في (٤) كتابِكم. فيَكونُ حينَئذٍ قولُه: ﴿أَوْ (٥) يُحَاجُّوكُمْ﴾. مردودًا على جوابِ نهيٍ (٦) متروكٍ على قولِ هؤلاء. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ قولَه: ﴿إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾. يقولُ: هذا الأمرُ الذي أنتم عليه، ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾. قال: قال بعضُهم لبعضٍ: لا تُخبِروهم بما بيَّن اللهُ لكم في كتابِه ليُحاجُّوكم. قال: ليُخاصِموكم به

стр. 3622

عند ربِّكم، ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾. [قال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يكونَ قوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾] (١) مُعْتَرضًا (٢) به، وسائرُ الكلامِ مُتَّسِقًا (٣) على سياقِ واحدٍ. فيكونُ تأويلُه حينَئذٍ: ولا تُؤْمِنوا إلا لمن تبِع (٤) دينكم، ولا تُؤْمِنوا أن يُؤْتَى أَحدٌ مثلَ ما أُوتِيتُم. بمعنى: لا يُؤْتَى أحدٌ مثلَ (٥) ما أُوتِيتُم، ﴿أَوْ (٦) يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ بمعنى: أو أن يُحاجَّكم (٧) عندَ ربِّكم أحد بإيمانِكم؛ لأنكم أكْرَمُ على اللهِ منهم، بما فضَّلَكم به عليهم. فيكون الكلامُ كلُّه خبرًا عن قولِ الطائفةِ التي قال اللهُ : ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ﴾. سوى قولِه: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾. ثم يكونُ الكلامُ (٨) مُبتدَأً بتكذيبِهم في قولِهم (٩): ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ للقائلين ما قالوا، مِن الطائفةِ التي وصَفْتُ لك قولَها لتُبَّاعِها مِن اليهودِ: ﴿إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾. إن التوفيقَ توفيقُ اللهِ، والبيانَ بيانُه، وإن الفضلَ بيدِه يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ، لا ما تمَنَّيْتُموه أنتم يا معشرَ اليهودِ.

стр. 3623

وإنما اخْتَرْنا ذلك مِن سائرِ الأقوالِ التي ذكَرْناها؛ لأنه أصحُّها معنًى، وأحسنُها استقامةً على معنى كلامِ العربِ، وأشدُّها اتساقًا على نَظْمِ الكلامِ وسياقِه، وماعدا ذلك مِن القولِ فانتزاعٌ يَبْعُدُ مِن الصحةِ، على اسْتِكراهٍ شديدٍ للكلامِ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣)﴾. يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لهؤلاء اليهودِ الذين وصَفْتُ (١) قولَهم لأوليائِهم: ﴿إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾. إن (٢) التوفيقَ للإيمانِ والهدايةَ للإسلامِ بيدِ اللهِ، وإليه دونَكم ودونَ سائرِ خلقِه، ﴿يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾، من خلقِه، يعني: يُعْطِيه من أراد من عبادِه. تَكْذيبًا مِن اللهِ لهم في قولهم لتُبَّاعهم: لا يُؤْتَى أحدٌ (٣) مثلَ ما أُوتِيتم. فقال اللهُ لنبيِّه ﷺ : قل لهم: ليس ذلك إليكم، إنما هو إلى الله الذي بيدِه الأشياءُ كلُّها، وإليه الفضلُ وبيدِه، يُعْطِيهِ مَن يَشَاءُ. ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. يعنى: واللهُ ذو سَعَةٍ بفضلِه على مَن يَشَاءُ أَن يَتَفَضَّلَ عليه. ﴿عَلِيمٌ﴾: ذو علمٍ بمَن هو منهم للفضلِ أهلٌ. حدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرَنا ابن المُبارَكِ قراءةً، عن ابن جريجٍ في قولِه: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. قال: الإسلامُ (٤).

стр. 3624

القولُ في تأويلِ قوله: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾. يعنى بقولِه: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾: "يفتعل"، مِن قولِ القائلِ: خصَصْتُ فلانًا بكذا، أخُصُّه به. وأما "رحمته" في هذا الموضعِ، فالإسلامُ والقرآنُ، مع النبوةِ. كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. قال: النبوةُ، يختصُّ (١) بها مَن يَشَاءُ (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله. حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. قال: يختصُّ بالنبوةِ مَن يشاءُ (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنَا ابن المبارَكِ قراءةً، عن ابن جريجٍ: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. قال: القرآنُ والإسلامُ. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ مثلَه. ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. يقولُ: ذو فضلٍ يتفضَّلُ به على مَن أَحَبَّ وشاء مِن خلْقِه. ثم وصَف فضلَه بالعِظَمِ (٤)، فقال: فضلُه عظيمٌ؛ لأنه غيرُ

стр. 3625

مُشْبهِه (١) في عِظَم موقعِه - ممَّن أفْضَلَه (٢) عليه (٣) - إفضالُ خلقِه، ولا يُقارِبُه في جَلالةِ خَطَرِه ولا يُدانِيه. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾. وهذا خبرٌ مِن اللهِ أن مِن أهلِ الكتابِ - وهم اليهودُ مِن بني إسرائيلَ - أهلَ أمانةٍ يُؤَدُّونها ولا يَخُونُونها، ومنهم الخائنُ أمانتَه، الفاجرُ في يمينِه، المُسْتَحِلُّ. فإن قال قائلٌ: وما وجهُ إخبارِ اللهِ بذلك نبيَّه ﷺ ، وقد علِمْتَ أن الناسَ لم يَزالُوا كذلك، منهم المُؤَدِّى أمانتَه والخائنُها؟ قِيل: إنما أراد جلّ وعزّ بإخبارِه المؤمنين خبرَهم - على ما بيَّنه في كتابِه بهذه الآياتِ - تحذيرَهم أن يَأْتَمِنوهم على أموالِهم، وتَخْويفَهم الاغْتِرارَ بهم؛ لاسْتِحْلالِ كثيرٍ منهم أموالَ المؤمنين. فتأويلُ الكلامِ: ومن أهلِ الكتابِ الذي إن تَأْمَنْه يا محمدُ على عظيمٍ من المالِ كثيرٍ يُؤَدِّه إليك، ولا يَخُنْك فيه، ومنهم الذي إن تَأْمَنْه على دينارٍ يَخُنْك فيه، فلا يُؤَدِّه إليك إلا أن تُلِحَّ عليه بالتَّقاضِي والمطالبةِ. والباءُ في قولِه: ﴿بِدِينَارٍ﴾. و "علَى" يَتَعاقَبان في هذا الموضِعِ، هذا كما يقالُ: مرَرْتُ به، ومرَرْتُ عليه. واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾؛ فقال بعضُهم: إلا ما دُمْتَ له مُتَقاضيًا.

стр. 3626

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾: إلا ما طلَبْتَه واتَّبَعْتَه (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، قتادةَ في قولِه: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾. قال: تَقْتَضِيه إياه (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِه: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾. قال: مُواكِظًا (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. وقال آخرون: معنى ذلك: إلا ما دُمْتَ (٤) قائمًا على رأسِهِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضّل، قال: ثنا أسْباطُ، عن

стр. 3627

السديِّ قولَه: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾. يقولُ: يَعْتَرِفُ بأمانتِه ما دُمْتَ قائمًا على رأسِه، فإذا قُمْتَ ثم جئتَ تَطْلُبُه، كافَرَك (١) الذي يُؤَدَّي والذي يَجْحَدُ (٢). وأولى القَولَين بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: إلا ما دُمْتَ عليه قائمًا بالمطالبةِ والاقْتِضاءِ. مِن قولِهم: قام فلانٌ بحقى على فلانٍ (٣) حتى اسْتَخْرجه لي. أي: عمِل في تخليصِه، وسعَى في استخراجِه منه حتى اسْتَخْرَجَه؛ لأن اللَّهَ إنما وصَفَهم باستحلالِهم أموالَ الأُمِّيِّين، وأن منهم مَن لا يَقْضِى ما عليه إلا بالاقْتِضاءِ الشديدِ والمُطالَبةِ، وليس القيامُ على رأسِ الذي عليه الدَّيْنُ بمُوجبٍ له النُّقْلَةَ عما هو عليه مِن اسْتِحلالِ ما هو له مُسْتَحِلٌّ، ولكن قد يكونُ - مع - استحلالِه الذَّهابَ بما عليه لربِّ الحقِّ - إلى اسْتِخْراجِه السبيلُ بالاقتضاءِ والمحاكمةِ والمُخاصَمةِ، فذلك الاقْتِضاءُ هو قيامُ ربِّ المالِ باسْتِخراجِ حقِّه ممَّن هو عليه. القولُ في تأويل قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾. يعنى بذلك جل ثناؤُه أن مَن اسْتَحَلَّ الخِيانةَ مِن اليهودِ، وجُحودَ حقوقِ العربيِّ التي هي له عليه، فلم يُؤَدِّ ما ائْتَمَنَه العربيُّ عليه إليه إلا ما دام له مُتَقاضِيًا مُطالِبًا، مِن أجلِ أنه يقولُ: لا حرَجَ علينا فيما أصْبْنا مِن أموالِ العربِ ولا إِثمَ؛ لأنهم على غير الحقِّ، وأنهم مُشْركون. واخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم نحوَ قولِنا فيه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا

стр. 3628

لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ الآية. قالت اليهودُ: ليس علينا فيما أصَبْنا مِن أموالِ العربِ سبيلٌ (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبد الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ في قولِه: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾. قال: ليس علينا في المشركين سبيلٌ. يَعْنون مَن ليس مِن أهلِ الكتابِ (٢). حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾. قال: يُقال له: ما بالُك لا تُؤَدِّي أمانتَك؟ فيقولُ: ليس علينا حرَجٌ في أموالِ العربِ، قد أحَلَّها اللهُ لنا (٣). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ نزَلَت: لمَّا نَزَلَت: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾. قال: قال النبيُّ ﷺ : "كذَب أعداءُ اللهِ، ما من شيءٍ كان في الجاهليةِ إلا وهو تحتَ قدميَّ، إلا الأمانةُ، فإنها مُؤَدَّاةٌ إلى البَرِّ والفاجرِ" (٤). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا هشامُ بنُ عُبِيدِ اللَّهِ، عن يعقوبَ القُمِّيِّ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: لما قالت اليهودُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي

стр. 3629

الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾: يَعْنون أخْذَ أموالِهم، قال رسولُ اللهِ ﷺ . ثم ذكَر نحوَه، إلا أنه قال: "إلا وهو تحتَ قَدَمَيَّ هاتين، إلا الأمانةُ، فإنها مُؤَدَّاةٌ". ولم يَزِدْ على ذلك. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾: وذلك أن أهلَ الكتابِ كانوا يقولون: ليس علينا جُناحٌ فيما أصَبْنا من هؤلاء؛ لأنهم أُمِّيُّون. فذلك قولُه: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾. إلى آخرِ الآيةِ. وقال آخرون في ذلك ما حدَّثنا به القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾. قال: بايَع اليهودَ رجالٌ مِن المسلمين في الجاهليةِ، فلما أسلَموا تَقاضَوهم ثمنَ بُيوعِهم، فقالوا: ليس لكم علينا أمانةٌ، ولا قضاءَ لكم عندنا؛ لأنكم ترَكتم دينكم الذي كنتم عليه، قال: وادَّعَوا أنهم وجدوا ذلك في كتابِهم، فقال اللهُ : ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن صَعْصَعةَ، قال: قلتُ لابن عباسٍ: [إنا نغزُو] (٢) أهل الكتابِ، فنُصيبَ من ثمارِهم؟

стр. 3630

قال: وتقولون كما قال أهلُ الكتاب: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ (١)! حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبد الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن أبي إسحاقَ الهمْدانيِّ، عن صعصعةَ، أن رجلًا سأَل ابنَ عباسٍ، فقال: إنا نُصيبُ في العُرْفِ (٢) أو العَذْقِ - الشكُّ مِن الحسن - مِن أموالِ أهلِ الذِّمَّةِ الدَّجاجة والشاةَ. فقال ابن عباسٍ: فتقولون ماذا؟ قال: نقولُ: ليس علينا بذلك بأسٌ. قال: هذا كما قال أهلُ الكتاب: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾. إنهم إذا أدَّوُا الجزيةَ لم تَحِلَّ لكم أموالُهم إلا بطِيب أنفسِهم (٣). القولُ في تأويلِ قوله: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾. يعنى بذلك جل ثناؤُه أن القائلين منهم: ليس علينا في أموالِ الأمِّيِّين من العرب حَرَجٌ أَن نَخْتانَهم إياه. يقولون - بقِيلِهم: إن الله جلَّ ثناؤه أحَلَّ لنا ذلك، فلا حرجَ علينا في خيانتِهم إياه، وتركِ قضائِهم - الكذبَ على اللَّهِ، عَامِدِينَ الإِثْمَ بقيلِ الكذبِ على اللهِ، أنه أحلَّ ذلك لهم، وذلك قولُه : ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. كما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: فيقولُ على اللهِ الكذبَ وهو يَعْلَمُ - يعنى الذي يقولُ منهم - إذا قيل له: ما لَك لا تُؤَدِّي

стр. 3631

أمانتك؟ -: ليس علينا حرَجٌ في أموالِ العربِ، قد أحَلَّها اللهُ لنا (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: يعنى ادِّعاءهم أنهم وجدوا في كتابِهم قولَهم: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦)﴾. وهذا إخبارٌ مِن الله [عمَّا لمن] (٣) أدَّى أمانته إلى مَن ائْتَمَنه عليها؛ اتِّقاء اللَّهِ ومُراقبته، عندَه (٤)، فقال جل ثناؤُه: ليس الأمرُ كما يقولُ هؤلاء الكاذبون على اللهِ مِن اليهودِ، مِن أنه ليس عليهم في أموالِ الأميين حرجٌ ولا إثمٌ. ثم قال: ﴿بَلَى﴾. ولكن ﴿مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى﴾ يعنى: ولكن الذي أوْفَى بعهدِه. وذلك وصيتُه إيَّاهم التي أوْصاهم بها في التوراةِ، مِن الإيمانِ بمحمدٍ ﷺ وما جاءَهم به. والهاءُ في قولِه: ﴿وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ﴾. عائدةٌ على اسمِ "الله" في قولِه: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾. يقولُ: بلى مَن أَوْفَى بِعَهْدِ اللَّهِ الذي عاهَدَه في كتابِه، فآمَنَ بمحمدٍ ﷺ وصدَّق به وبما جاءَ به مِن اللَّهِ، مِن أداء الأمانةِ إلى مَن ائْتَمَنه عليها، وغيرِ ذلك مِن أمرِ الله ونهيِه، ﴿وَاتَّقَى﴾. يقولُ: واتَّقَى ما نهاه اللهُ عنه من الكفرِ به، وسائرِ مَعاصيه التي حرَّمها عليه، فاجْتَنَب ذلك؛ مُراقبةَ

стр. 3632

وعيدِ اللهِ، وخوفَ عقابِه، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾. يعنى: فإن اللَّهَ يُحِبُّ الذين يَتَّقونه، فيَخافون عقابَه، ويَحْذَرون عذابَه، فيَجْتَنِبون ما نهاهم عنه وحرَّمه عليهم، ويُطيعونه فيما أمَرَهم به. وقد رُوِى عن ابن عباسٍ أنه كان يقولُ: هو اتِّقاءُ الشرْكِ. حدَّثني المُثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى﴾. يقولُ: اتَّقَى الشرْكَ، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾. يقولُ: الذين يتَّقُون الشرْكَ (١). وقد بيَّنَّا اختلافَ أهلِ التأويلِ في ذلك، والصوابَ مِن القولِ فيه بالأدلةِ الدالةِ عليه فيما مضَى مِن كتابِنا، بما فيه الكفايةُ عن إعادتِه (٢). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧)﴾. يعنى بذلك جل ثناؤُه: إن الذين يَسْتَبْدِلون بترْكِهم عهدَ اللهِ الذي عهِد إليهم، ووصيتَه التي أَوْصاهم بها في الكتبِ التي أنْزَلها اللهُ إلى أنبيائِه، باتِّباعِ محمدٍ وتصديقِه، والإقرارِ به، وما جاء به مِن عندِ اللهِ، وبأيمانِهم الكاذبةِ التي يَسْتَحِلُّون بها ما حرَّم اللهُ عليهم مِن أموالِ الناسِ التي ائْتُمِنوا عليها، ﴿ثَمَنًا﴾. يعنى: عِوَضًا وبَدَلًا، [﴿قَلِيلًا﴾. يقولُ] (٣): خَسيسًا مِن عَرَضِ الدنيا وحُطامِها، ﴿أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾. يقولُ: فإن الذين يَفْعَلُون ذلك لا حظَّ لهم في خَيْراتِ

стр. 3633

الآخرة، ولا نَصيبَ لهم مِن نعيمِ الجنةِ، وما أَعَدَّ اللَّهُ لأهلِها فيها دونَ غيرِها. وقد بَيَّنَّا اختلافَ أهلِ التأويلِ فيما مضَى في معنى "الخَلاقِ"، ودلَّلْنا على أوْلَى أقوالِهم في ذلك بالصوابِ بما فيه الكفايةُ (١). وأما قولُه: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾. فإنه يعنى: ولا يُكَلِّمُهم الله بما يَسُرُّهم، ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ يقولُ: ولا يَعْطِفُ عليهم بخيرٍ؛ مَقْتًا مِن اللهِ لهم (٢). كقولِ القائلِ لآخرَ: انْظُرْ إليَّ نظَرَ اللهُ إليك. بمعنى: تعَطَّفْ عليَّ تعطَّف اللهُ عليك بخيرٍ ورحمةٍ. وكما يقالُ للرجلِ: لا سمِعَ اللهُ لك دعاءَك. يُرادُ: لا اسْتَجاب اللهُ لك. واللهُ لا يَخْفَى عليه خافيةٌ، وكما قال الشاعرُ (٣): دعَوْتُ اللَّهَ حتى خِفْتُ أَلَّا … يكونَ اللهُ يَسْمَعُ ما أَقولُ وقولُه: ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾. يعنى: ولا يُطَهِّرُهم مِن دَنَسِ ذنوبِهم وكفرِهم، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يعني: ولهم عذابٌ مُوجِعٌ. واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في السببِ الذي من أجلِه أُنْزِلَت هذه الآيةُ، ومَن عُنِى بها؟ فقال بعضُهم: نزَلَت في أخبارٍ من أحْبارِ اليهودِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عكرمة، قال: نزَلَت هذه الآيةُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ في أبى رافعٍ، وكِنانةَ بن أبى الحُقَيْقِ، وكعبِ بن الأَشْرفِ، وحُيَيِّ

стр. 3634

ابن أَخْطَبَ (١). وقال آخَرون: بل نزَلَت في الأشعثِ بن قيسٍ وخَصْمٍ له. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني أبو السائبِ سَلْمُ بنُ جُنادةَ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَن حلَف على يمينٍ هو فيها فاجرٌ ليَقْتَطِعَ بها مالَ امرئ مسلمٍ، لقِيَ اللَّهَ وهو عليه غَضْبانُ". فقال الأشعثُ بنُ قيسٍ: فيَّ واللهِ كان ذلك، كان بينى وبينَ رجلٍ مِن اليهودِ، أرضٌ، فجَحَدني، فقدَّمْتُه إلى النبيِّ ﷺ ، فقال لى رسولُ الله ﷺ : "ألك بيِّنَةٌ؟ " قلتُ: لا. فقال لليهوديِّ: "احْلِفْ". قلتُ: يا رسولَ اللهِ، إذنْ يَحْلِفَ فَيَذْهَب مالى. فأنْزَل اللهُ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الآية (٢). حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أَخْبَرَنَا جَرِيرُ بنُ حازمٍ، عن عديِّ بن عديٍّ، عن رَجاءِ بن حَيْوةَ والعُرْسِ (٣)، أنهما حدَّثاه، عن أبيه عديِّ بن عَمِيرَةً (٤)، قال: كان بينَ امرئ القيس (٥) ورجلٍ مِن حَضْرَموتَ خُصومةٌ، فارْتَفَعا إلى النبيِّ ﷺ ، فقال للحضرميِّ: "بيِّنتَك وإلَّا فيمينُه". قال:

стр. 3635

يا رسولَ اللَّهِ، إن حلَفَ ذهَبَ بأرضى. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "مَن حلَف على يمينٍ كاذبةٍ ليَقْتَطِعَ بها حقَّ أخيه، لقِىَ الله وهو عليه غَضْبانُ". فقال امرُؤُ القيس: يا رسولَ اللهِ، فما لمِن ترَكَها وهو يَعْلَمُ أنها حقٌّ؟ قال: "الجنةُ". قال: فإني أُشْهِدُك أني قد ترَكْتُها. قال جَريرٌ: فكنتُ مع أيوبَ السَّخْتِيانيِّ حينَ سمِعْنا هذا الحديثَ مِن عديٍّ، فقال أيوبُ: إن عديًّا قال في حديثِ العُرْسِ بن عَمِيرةَ: فنزَلَت هذه الآيةُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال جَريرٌ: ولم أحْفَظْ يومئذٍ يومئذٍ من عديٍّ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال آخَرون: إن الأشعثَ بنَ قيسٍ اخْتَصَم هو ورجلٌ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ في أرضٍ كانت في يدِه لذلك الرجلِ، أخَذَها لتَعزُّزِه في الجاهليةِ، فقال النبيُّ ﷺ : "أقِمْ بينتَك". قال الرجلُ: ليس يَشْهَدُ لى أحدٌ على الأشعثِ. قال: "فلك يَمينُه". [فقام الأشعثُ ليَحْلِفَ] (٢)، فأَنْزَلَ اللَّهُ هذه الآيةَ، فنكَل الأشعثُ، وقال: إنى أُشْهِدُ الله وأُشْهِدُكم أن خَصْمِي صادقٌ. فردَّ إليه أرضَه، وزاده مِن أرضِ نفسِه زيادةً كثيرةً؛ مَخافَةَ أن يَبْقَى فِي يَدِهِ شَيْءٌ مِن حَقِّه، فهى لعَقِبِ ذلك الرجل بعده (٣).

стр. 3636

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن شَقيقٍ، عن عبدِ اللهِ، قال: مَن حلَف على يمينٍ يَسْتَحِقُ بها مالًا، هو فيها فاجر، لقى الله، وهو عليه غَضْبانُ. ثم أَنْزَلَ اللهُ تصديقَ ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، الآية، ثم إن الأشعثَ بنَ قيسٍ خرَج إلينا فقال: ما حدَّثكم أبو عبدِ الرحمنِ؟ فحدَّثْناه بما قال: فقال: صدَق، لَفَيَّ أُنْزِلَت؛ كانت بينى وبين رجلٍ خُصومةٌ في بئرٍ، فاخْتَصَمْنا إلى النبيِّ ﷺ ، فقال النبيُّ: ﷺ "شاهِداك أو يمينُه". فقلت: إذن يَحْلِفَ ولا يُبالِىَ. فقال النبيُّ ﷺ : صلى الله "مَن حلَف على يمينٍ يَسْتَحِقُ بها مالًا هو فيها فاجرٌ، لقِى الله وهو عليه غضبانُ". ثم أَنْزَل اللهُ تصديقَ ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إلى آخرِ الآيةِ (١). وقال آخَرون بما حدَّثنا به محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنا عبدُ الوهَّابِ، قال: أخْبَرَنى داودُ بنُ أبي هندٍ، عن عامرٍ، أن رجلًا أقام سِلْعته أولَ النهارِ، فلما كان آخرُه جاء رجلٌ يُساوِمُه، فحلَف لقد مَنَعها أولَ النهارِ مِن كذا (٢)، ولولا المساءُ ما باعَها به. فأنْزَل اللهُ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (٣). حدَّثنا ابن المثنَّى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن رجلٍ، عن

стр. 3637

مجاهدٍ نحوَه (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الآية إلى ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: أَنْزَلَهم اللَّهُ بمنزلةِ السَّحَرة. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، أن عمرانَ بن حُصَينٍ كان يقولُ: مَن حلَف على يمينٍ فاجرةٍ يَقْتَطِعُ بها مالَ أخيه، فلْيَتَبَوَّأْ مقعدَه مِن النارِ. فقال له قائلٌ: شيءٌ سمِعْتَه مِن رسولِ اللهِ ﷺ ؟ قال لهم: إنكم لَتَجَدون ذلك. ثم قرَأ هذه الآيةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الآية. حدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المَسْروقيُّ، قال: ثنا حسينُ بنُ عليٍّ، عن زائدةَ، عن هشام، قال: قال محمدٌ، عن (٢) عمرانَ بن حُصينٍ: مَن حلَف على يمينٍ مَصْبورةٍ (٣)، فليَتَبَوَّأْ بوجهِه مقعدَه مِن النارِ. ثم قرَأ هذه الآيةَ كلَّها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (٤). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ قال: إن اليمينَ الفاجِرةَ مِن الكبائرِ. ثم تلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (٥).

стр. 3638

حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، أن عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ كان يقولُ: كنا نَرَى ونحن مع رسولِ اللهِ ﷺ أنَّ مِن الذنبِ الذي لا يُغْفَرُ يمينَ الصَّبرِ، إِذا فَجَر فيها صاحبُها (١). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨)﴾. يعنى بذلك جَلَّ ثناؤُه: وإن مِن أهلِ الكتابِ، وهم اليهودُ الذين كانوا حَوَالَىْ مدينةِ رسولِ اللهِ ﷺ على عهْدِه، من بني إسرائيل. والهاءُ والميمُ في قولِه: ﴿مِنْهُمْ﴾. عائدةٌ على "أهلِ الكتابِ" الذين ذكَرَهم في قولِه: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾. وقولُه: ﴿لَفَرِيقًا﴾. يعنى: جماعةً، ﴿يَلْوُونَ﴾. يعنى: يُحرِّفون ﴿أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾. يعنى: لِتَظُنُّوا أن الذي يُحرِّفونه بكلامِهم من كتابِ اللهِ وتنْزيلِه. يقول اللهُ : وما ذلك الذي لوَوا به ألسنتهم فحَرَّفوه وأحدَثوه مِن كتابِ اللهِ، ويَزعمُون أنّ مَا لَوَوْا بِه أَلسِنتَهم من التَّحْرِيفِ والكذبِ والباطلِ، فألْحَقوه في كتابِ اللهِ، ﴿وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. يقولُ: مما أنزله الله على أنبيائِه، ﴿وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. يقولُ: وما ذلكَ الذي لَوَوْا به ألسِنَتَهم فأَحْدَثوه، مما أنزَله اللهُ إلى أحدٍ من أنبيائِه، ولكنه مما أحدَثوه مِن قِبَل أنفُسِهم، افتراءً على اللهِ. يقولُ : ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. يعنى بذلك أنهم يتَعمَّدُون قِيلَ الكذبِ على اللَّهِ، والشهادةَ عليه بالباطلِ، والإلحاقَ

стр. 3639

بكتابِ اللهِ ما ليس منه، طلبًا للرياسةِ والخسيسِ مِن حُطامِ الدنيا. وبنحوِ ما قلنا في معنى: ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾. قال أهلُ التأويلِ. ذِكرُ مَن قَالَ ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ عن مجاهدٍ: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾. قال: يُحرِّفونَه (١). حدثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾ حتى بلَغ: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: هم أعداءُ اللَّهِ اليهودُ، حرَّفوا كتابَ اللَّهِ، وابتدَعوا فيه، وزعَموا أنه مِن عندِ اللَّهِ (٢). حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه (٣). حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾: وهم اليهودُ، كانوا يَزيدُون في كتابِ اللَّهِ ما لم يُنْزِلِ اللهُ (٤).

стр. 3640

حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾. قال: فريقٌ مِن أهلِ الكتابِ يَلْوُون ألسنَتَهم، وذلك تَحريفُهم إيَّاه عن مَوضِعِه (١). وأصلُ اللَّيِّ الفَتْلُ والقَلْبُ، مِن قولِ القائلِ: لَوَى فلانٌ يدَ فلانٍ. إذا فَتَلها وقلَبها. ومنه قولُ الشاعرِ (٢): * لَوَى يَدَهُ اللَّهُ الذي هُوَ غالبُهْ * يقالُ منه: لَوَى يدَه ولسانَه، يَلْوِى ليًّا، وما لَوَى ظهرَ فلانٍ أحدٌ، إذا لم يصْرَعُه أحدٌ، ولم يَفتِلْ ظَهْرَه إنسانٌ. وإنه لأَلْوَى بَعيدُ المستَمَرِّ، إذا كان شديدَ الخصومَةِ، صابرًا عليها، لا يُغلَبُ فيها. قال الشاعرُ (٣): فلو كان في لَيْلَى شَدًا (٤) من خُصُومَةٍ … للَوَّيْتُ أعناقَ الخُصومِ (٥) المَلاوِيا القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. يَعنى بذلك جلّ ثناؤُه: وما ينْبَغى لأحدٍ من البشرِ. والبشرُ جمعُ بني آدم، لا

стр. 3641

واحدَ له مِن لفظِه، مثلَ القومِ والخلقِ، وقد يكون اسمًا لواحدٍ. ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ﴾. يقولُ: أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ عليه كتابَه، ﴿وَالْحُكْمَ﴾. يعنى: ويُعَلِّمَه فصْلَ الحكمةِ، ﴿وَالنُّبُوَّةَ﴾. يقولُ: ويُعْطِيَه النبوَّةَ، ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. يعنى: ثم يدعوَ الناسَ إلى عبادِة نفْسِه دونَ اللَّهِ، وقد آتاه اللهُ ما آتاه مِن الكتابِ والحكْمِ والنبوَّةِ، ولكنه إذا آتاه اللهُ ذلك، فإنما يدْعُوهم إلى العلمِ باللهِ، ويَحدُوهم على معرفةِ شرائعِ دينِه، وأن يكونوا رؤساءَ في المعرفةِ بأمرِ اللَّهِ ونَهيه، وأَئِمةً في طاعتِه وعبادَتِه، بكونِهم مُعلِّمى الناسِ الكتابَ، وبكونِهم دارسيه. وقيلَ: إنّ هذه الآية نزلتْ في قومٍ مِن أهلِ الكتابِ قالوا للنبيِّ ﷺ : أتدْعونَا إلى عبادَتِك؟ كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثنا ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن أبي محمدٍ، عن عِكرمةَ، أو سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: قال أبو رافعٍ القُرَظِيُّ حينَ اجتمعت الأحْبارُ من اليهودِ والنصارَى من أهلِ نَجْرانَ، عندَ رسولِ اللَّهِ ﷺ ودعاهم إلى الإسلامِ: أتريدُ يا محمدُ أن نعبُدَك كما تَعْبدُ النصارى عيسى ابنَ مريمَ؟ فقال رجلٌ من أهل نجرانَ نَصرانيٌّ، يُقالُ له الرِّبِّيسُ (١): أو ذاكَ تريدُ مِنَّا يا محمدُ، وإليه تدْعونَا؟ أو كما قال، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَعْبُدَ غيرَ اللَّهِ، أو نأمُرَ بعِبادةِ غيره، ما بذلك بعثَني، ولا بذلك أمَرنى". أو كما قال.

стр. 3642

فأنزلَ اللهُ في ذلك مِن قولِهم: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ الآية، إلى قولِه: ﴿بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١). حدثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثني محمدُ بنُ أبي محمدٍ مولَي زيدِ بن ثابت، قال: ثني سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: قال [أبو رافعٍ] (٢) القُرْظِيُّ. فذكَر نحوَه (٣). حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. يقولُ: ما كان يَنْبَغى لبشرٍ أن يؤتيَه اللهُ الكتابَ والحُكمَ والنبوَّةَ يَأْمُرُ عبادَه أنْ يَتخذُوه ربّا مِن دونِ اللَّهِ. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه (٤). حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: كان ناسٌ مِن يهود يَتعبَّدون الناسَ مِن دونِ ربَّهم، بتحْريفهم كتابَ اللهِ عن موضِعِه، فقال اللهُ : ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. ثم يأمرَ الناسَ بغيرِ ما

стр. 3643

أنزَل اللهُ في كتابِه (١). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾. يعني جلّ ثناؤُه بذلك: ولكن يقولُ لهم: كونوا ربَّانيِّين. فترَك القولَ استغناءً بدلالةِ الكلامِ عليه. وأما قولُه: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾. فإنَّ أهلَ التأويلِ اختلَفوا في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معناه: كونوا حُكماءَ عُلماءَ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن أبي رَزِينِ: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾. قال: حُكماءَ عُلماء (٢). حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن أبي رَزِينٍ: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾. قال: حُكماءَ علماءَ. حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن أبي رَزِينٍ مثله. حدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن أبي رَزِينٍ: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾: حكماءَ علماءَ (٣). حدثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن عوفٍ، عن الحسن في قوله:

стр. 3644

﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾. قال: كونوا فقهاءَ علماءَ (١). حدثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾. قال: فقهاءَ (٢). حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله. حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: أخبرني القاسمُ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ قال: فقهاء. حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾. قال: كونوا فقهاءَ علماءَ (١). حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزَّاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن منصورِ بن المعتمرِ، عن أبي رَزِينٍ في قولِه: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾. قال: علماءَ حكماءَ (٣). قال مَعمرٌ: وقال قتادةُ (٤). حدثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّل، قال: ثنا أسباطُ،

стр. 3645

عن السُّديِّ في قوله: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾: أما الرّبانيون فالحكماءُ الفقهاءُ (١). حدثني يونسُ، [قال: أخبرنا ابن وهبٍ] (٢)، قال: أخبرنا سفيانُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: الربانيون الفقهاءُ العلماءُ، وهم فوقَ الأحْبار (٣). حدثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثني أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾. يقولُ: كونوا حكماء فقهاء. حُدثتُ عن المِنجابِ، قال: ثنا، قال: ثنا بِشرُ بن عمارةَ، عن أبي حمزةَ الثُّماليِّ، عن يحيى بن عقيلٍ في قولِه: ﴿الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة: ٦٣،٤٤]. قال: الفقهاءُ العلماءُ. حُدثتُ عن المنجاب، قال: ثنا بشرٌ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابن عباسٍ مثلَه (٤). حدثني ابن سنانٍ القزازُ، قال: ثنا الحسينُ بن الحسنِ الأشقرُ، قال: ثنا أبو كُدَيْنةَ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾. قال: كونوا حُكماء فقهاء (٥).
следующие страницы →