← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وجاعلُ الذين اتَّبَعوك على مِنْهاجِك ومِلَّتِكَ مِن الإسلامِ وفِطْرتِه، فوقَ الذين جحَدوا نبوَّتَك، وخالَفوا بسبيلِهم جميعَ أهلِ المللِ، فكذَّبوا بما جئتَ به، وصدُّوا عن الإقرارِ به، فمُصَيِّرُهم فوقَهم ظاهِرِين عليهم. كما حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يَزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: هم أهلُ الإسلامِ الذين اتَّبَعوه على فطْرتِه وملتِه وسُنَّتِه، فلا يزَالون ظاهِرِين على مَن ناوَأَهم إلى يومِ القيامةِ (١). حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. ثم ذكَر نحوَه (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، ثم ذكَر نحوَه. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، قال: ناصرُ مَن اتَّبَعك على الإسلامِ على الذين كفَروا إلى يومِ القيامةِ (٣).

стр. 3572

حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ (١)، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: أما ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ﴾، فيُقالُ: هم المؤمنون. [ويقال: بل] (٢) هم الرُّومُ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، عن عبادٍ، عن الحسنِ: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. قال: جعل الذين اتَّبَعوه فوقَ الذين كفَروا إلى يومِ القيامةِ. قال: المسلمون من فوقِهم، وجعَلهم أعلى ممَّن ترك الإسلامَ إلى يومِ القيامةِ (٤). وقال آخَرون: معنَى ذلك: وجاعلُ الذين اتَّبَعوك مِن النصارى فوقَ اليهودِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال: الذين كفَروا مِن بني إسرائيلَ، ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ﴾ قال: الذين آمَنوا به مِن بنى إسرائيلَ وغيرِهم ﴿فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ النصارى فوقَ اليهودِ إلى يومِ القيامةِ. قال: فليس بلدٌ فيه أحدٌ من النصارى إلا وهم فوقَ يهودَ في شرقٍ ولا غربٍ، هم في البُلْدانِ كلِّها مُسْتَذَلُّون (٥). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ

стр. 3573

تَخْتَلِفُونَ (٥٥)﴾. يعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ﴿ثُمَّ إِلَيّ﴾: ثم إلى اللهِ أيُّها المختلِفون في عيسى ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾. يعنى: مَصيرُكم يومَ القيامةِ، ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾. يقولُ: فأَقْضِى حينَئذٍ بينَ جميعِكم في أمرِ عيسى بالحقِّ ﴿فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ مِن أمرِه. وهذا مِن الكلامِ الذي صُرِف مِن الخبرِ عن الغائبِ إلى المُخاطَبةِ، وذلك أن قولَه: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾. إنما قُصِد به الخبرُ عن مُتَّبِعى عيسى والكافِرين به. وتأويلُ الكلامِ: وجاعلُ الذين اتَّبَعوك فوقَ الذين كفَروا إلى يومِ القيامةِ، ثم إليَّ مَرْجِعُ الفريقَيْن؛ الذين اتَّبَعوك والذين كفَروا بك، فأَحْكُمُ بينَهم فيما كانوا فيه يَخْتَلِفون. ولكن ردَّ الكلامَ إلى الخطابِ لسبوقِ (١) القولِ، على سبيل ما ذكَرْنا مِنَ الكلامِ الذي يَخْرُجُ على وجهِ الحكايةِ، كما قال: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢]. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧)﴾. يعْنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: فأما الذين جحَدوا نبوَّتَك يا عيسى، وخالَفوا مِلَّتَك، وكذَّبوا بما جئتَهم به مِن الحقِّ، وقالوا فيك الباطلَ، وأضافوك إلى غيرِ الذي يَنْبَغِى أن يُضِيفوك إليه، مِن اليهودِ والنصارَى، وسائرِ أصنافِ الأديانِ، فإني أُعَذِّبُهم عذابًا شديدًا، أمَّا في الدنيا فبالقتلِ والسِّباءِ والذِّلَّةِ

стр. 3574

والمَسْكنة، وأما في الآخِرةِ فبنارِ جهنمَ خالِدين فيها أبدًا. ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾. يقولُ: وما لهم مِن عذابِ اللهِ مانعٌ، ولا عن أليمِ عقابِه لهم دافعٌ، بقوةٍ ولا شَفاعةٍ؛ لأنه العزيزُ ذو الانتقامِ. وأما قولُه: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. فإنه يعْنى تعالى ذكرُه: وأما الذين آمَنوا بك يا عيسى - يقولُ: صدَّقوك - فأَقَرُّوا بنبوَّتِك وبما جئتَهم به مِن الحقِّ مِن عندِى، ودانُوا بالإسلامِ الذي بعَثْتُك به، وعمِلوا بما فرَضْتُ مِن فَرائضِى على لسانِك، وشرَعْتُ مِن شَرائعي، وسنَنْتُ مِن سُننى. كما حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. يقولُ: أَدَّوْا فَرائضِى (١). ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ يقولُ: فيُعْطِيهم جزاءَ أعمالِهم الصالحةِ كامِلًا، لا يُبْخَسون منه شيئًا ولا يُنْقَصُونه. وأما قولُه: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾. فإنه يعْنى: واللهُ لا يُحِبُّ مَن ظَلَم غيرَه حقًّا له، أو وضَع شيئًا في غير موضعِه. فنفَى جلَّ ثناؤُه عن نفسِه بذلك أن يَظْلِمَ عبادَه، فيُجازِىَ المسيءَ ممَّن كفَر جزاءَ المحسنين ممَّن آمَن به، أو يُجازِىَ المحسِنَ مُمَّن آمَن به واتَّبَع أمرَه، وانْتَهى عما نهاه عنه فأطاعَه، جزاءَ المُسِيئين ممَّن كفَر به، وكذَّب رسلَه، وخالَف أمرَه ونهيَه، فقال: إنى لا أُحِبُّ الظالمينَ، فكيف أَظْلِمُ خَلْقى؟ وهذا القولُ مِن اللهِ تعالى ذكرُه وإن كان خرَج مَخرجَ الخبر، فإنه (٢) وعيدٌ منه

стр. 3575

للكافرين به وبرسلِه، ووعدٌ منه للمؤمنينَ به وبرسلِه؛ لأنه أعْلَمَ الفريقين جميعًا أنه لا يَبْخَسُ هذا المؤمنَ حقَّه ولا يَظْلِمُ كرامتَه فيضَعَها في من كفَر به وخالَف أمرَه ونهيَه، فيكونَ لها بوضعِها في غيرِ أهلِها ظالمًا. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾. يعْنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ذَلِكَ﴾: هذه الأنْباءُ التي أَنْبَأ بها نبيَّه عن عيسى وأمِّه مريمَ، وأمِّها حَنَّةَ، وزكريا وابنِه يحيَى، وما قصَّ مِن أمرِ الحَوارِيِّين واليهودِ مِن بنى إسرائيلَ - نتلوها عليك يا محمدُ. يقولُ: نَقْرَؤُها عليك يا محمدُ، على لسانِ جبريلَ بوحْيِناها إليك. ﴿مِنَ الْآيَاتِ﴾. يقولُ: مِن العِبَرِ والحُجَجِ على مَن حاجَّك مِن وفدِ نَصارَى نَجْرانَ ويهودِ بني إسرائيلَ، الذين كذَّبوك وكذَّبوا ما جئتَهم به مِن الحقِّ مِن عندِى. ﴿وَالذِّكْرِ﴾. يعنى: والقرآنِ ﴿وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾. يعني ذا الحِكْمةِ الفاصلةِ بينَ الحقِّ والباطلِ، وبينَك وبينَ ناسبِى المسيحِ إلى غيرِ نسَبِه. كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزبيرِ: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾: القاطعِ الفاصلِ الحقِّ، الذي لم يَخْلِطه الباطلُ، من الخبرِ عن عيسى، وعما اخْتَلَفوا فيه مِن أمرِه، فلا تَقْبَلَنَّ خبرًا غيرَه (١). حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيْرٍ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضحاكِ: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ قال: القرآنُ (٢).

стр. 3576

حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالذِّكْرِ﴾. يقولُ: القرآنُ الحكيمُ الذي قد كمَل في حكمتِه (١). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)﴾. يعْنى جلَّ ثناؤُه: إِن شَبَهَ عيسى في خَلْقِى إياه مِن غيرِ فَحْلٍ - فأخْبِرْ به يا محمدُ الوفدَ مِن نصارَى نَجْرانَ - عندِى كشَبَهِ آدمَ، الذي خلَقْتُه مِن ترابٍ، ثم قلتُ له: كنْ. فكان، مِن غيرِ فَحْلٍ، ولا ذكَرٍ، ولا أُنثى. يقولُ: فليس خَلْقى عيسى مِن أمِّه، مِن غيرِ فحلٍ، بأَعْجَبَ مِن خَلْقِى آدمَ مِن غيرِ ذكرٍ ولا أُنثى، فكان لحمًا، يقولُ: وأَمْرى إذ أمَرْتُه أن يكونَ فكان، فكذلك خَلْقِى عيسى، أَمَرْتُه أن يكونَ فكان. وذكَر أهلُ التأويلِ أن الله أنْزَل هذه الآيةَ احْتِجاجًا لنبيِّه ﷺ على الوفدِ مِن نصارَى نَجْرانَ الذين حاجُّوه في عيسى. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ (٢)، عن مُغيرةَ، عن عامرٍ، قال: كان أهلُ نَجْرانَ أعظمَ قومٍ من النصارَى في عيسى قولًا، فكانوا يُجادِلون النبيَّ ﷺ ، فأَنْزَلَ اللهُ هذه الآيةَ في سورةِ آلِ عِمْرانَ: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ إلى قولِه: ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى

стр. 3577

الْكَاذِبِينَ﴾ (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. وذلك أن رَهْطًا مِن أهلِ نَجْرانَ، قَدِموا على محمدٍ ﷺ ، وكان فيهمُ السيدُ والعاقِبُ، فقالوا لمحمدٍ: ما شأنُكَ تَذْكُرُ صاحبَنا؟ فقال: "مَن هو؟ ". قالوا: عيسى، تَزْعُمُ أنه عبدُ اللهِ. فقال محمدٌ: "أجل، إنه عبدُ اللهِ". قالوا له: فهل رأيْتَ مَثَلَ عيسى، أو أُنْبِئْتَ به؟ ثم خرَجُوا مِن عندِه، فجاءه جبريلُ ﵇ بأمرِ ربِّنا السميعِ العليمِ، فقال: قلْ لهم إذا أتَوْك: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ إلى آخرِ الآيةِ (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾: ذُكر لنا أن سيِّدَى أهلِ نَجْرانَ وأُسْقُفَّيهم السيدَ والعاقبَ، لقِيا نبيَّ اللهِ ﷺ فسأَلاه عن عيسى؟ فقالا: كل آدميٍّ له أبٌ، فما شأنُ عيسى لا أبَ له؟ فأنْزَل اللهُ فيه هذه الآيةَ: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أَسْبَاطُ، عن

стр. 3578

السُّدِّيِّ: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾: لمَّا بُعِث رسولُ اللهِ ﷺ ، وسمِع به أهلُ نَجْرَانَ، أتاه منهم أربعةُ نفرٍ مِن خِيارِهم؛ منهم العاقبُ، والسيدُ، ومَاسَرْجِسُ، وماريحزُ (١)، فسأَلوه ما يقولُ في عيسى؟ فقال: "هو عبدُ اللهِ ورُوحُه وكلمتُه". قالوا هم: لا، ولكنه هو اللهُ، نزَل مِن مُلْكِه، فدخَل في جوفِ مَرْيمَ، ثم خرَج منها، فأرانا قدرتَه وأمْرَه، فهل رأيْتَ قطُّ إنسانًا خُلِق مِن غَيرِ أبٍ؟ فأَنْزَل اللهُ : ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. قال: نزَلَت في العاقبِ والسيدِ مِن أهلِ نَجْرانَ، وهما نصرانيَّان (٣). قال ابن جُرَيْجٍ: بلَغَنا أن نصارَى أهلِ نَجْرانَ قدِم وفدُهم على النبيِّ ﷺ ، فيهم السيدُ والعاقبُ، وهما يومَئِذٍ سيدا أهلِ نَجْرانَ، فقالوا: يا محمدُ، فيم تَشْتُمُ صاحبَنا؟ قال: "من صاحبكما؟ ". قالا: عيسى ابن مريمَ، تَزْعُمُ أنه عبدٌ. قال رسولُ اللهِ ﷺ : "أجلْ، إنه عبدُ اللهِ وكلمتُه ألْقاها إلى مريمَ [ورُوحٌ منه] (٤) ". فغضِبوا وقالوا: إن كنتَ صادقًا، فأرِنا عبدًا يُحْيى الموْتَى، ويُبْرِئُ الأَكْمَهَ، ويَخْلُقُ

стр. 3579

مِن الطِّينِ كهيئةِ الطيرِ، فيَنْفُخُ فيه - الآيةَ - لكنه اللهُ. فسكَت حتى أتاه جبريلُ، فقال: يا محمدُ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧، ٧٢] الآية. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "يا جبريلُ، إنهم سألونى أن أُخْبِرَهم بمَثَلِ عيسى". قال جبريلُ: مَثَلُ عيسى كمثلِ آدمَ خلَقه مِن ترابٍ، ثم قال له: كُنْ. فيكونُ. فلمَّا أَصْبَحوا عادوا، فقرَأ عليهم الآياتِ (١). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزبيرِ: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ﴾ فاسمَعْ ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾. فإن قالوا: خُلِق عيسى مِن غيرِ ذكَرٍ. فقد خلَقْتُ آدمَ مِن ترابٍ بتلك القُدْرةِ، مِن غيرِ أنثى ولا ذكَرٍ، فكان كما كان عيسى لحمًا ودمًا وشعَرًا وبَشَرًا، فليس خَلْقُ عيسى مِن غيرِ ذَكَرٍ بأعجَبَ مِن هذا (٢). حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللهِ : ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾. قال: أَتَى نَجْرانيَّان إلى رسولِ اللهِ ﷺ فقالا له: هل علِمْت أن أحدًا وُلِد مِن غيرِ ذكرٍ فيكونَ عيسى كذلك؟ قال: فأَنْزَلَ اللهُ : ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، أكان لآدمَ أبٌ أو أمٌ! كما خلَقْتُ هذا في

стр. 3580

بطنِ هذه. فإن قال قائلٌ: فكيفَ قال: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ﴾. و "آدم" معرفةٌ، والمَعارِفُ لا تُوصَلُ؟ قيل: إن قولَه: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾. غيرُ صلةٍ لآدمَ، وإنما هو بيانٌ عن أمرِه، على وجهِ التفسيرِ عن المَثَلِ الذي ضرَبه، وكيف كان. وأما قولُه: ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. فإنما قال: ﴿فَيَكُونُ﴾. وقد ابْتَدَأ الخبرَ عن خَلْقِ آدمَ، وذلك خبرٌ عن أمرٍ قد تقَضَّى، وقد أَخْرَج الخبرَ عنه مُخْرَجَ الخبرِ عمَّا قد مضَى، فقال جلَّ ثناؤُه: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. لأنه بمعنى الإعلامِ من اللهِ نبيِّه أن تَكْوينَه الأشياءَ بقولِه: ﴿كُنْ﴾. ثم قال: ﴿فَيَكُونُ﴾. خبرًا مُبْتَدَأً، وقد تَناهَى الخبرُ عن أمرِ آدمَ عندَ قولِه: ﴿كُنْ﴾. فتأويلُ الكلامِ إذنْ: إن مثلَ عيسى عند اللهِ كمثلِ آدمَ خلَقه من ترابٍ ثم قال له: كنْ. واعْلَمْ يا محمدُ أنَّ ما قال له ربُّك: كنْ. فهو كائنٌ. فلما كان في قولِه: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ﴾. دَلالةٌ على أن الكلامَ يُراد به إعلامُ نبيِّ اللهِ ﷺ وسائرِ خلقِه أنه كائنٌ ما كوَّنه ابتداءً مِن غيرِ أصلٍ ولا أولٍ ولا عُنْصُرٍ، اسْتُغْنِى بدَلالةِ الكلامِ على المعنى، وقيل: ﴿فَيَكُونُ﴾. فعطَف بالمستقبلِ على الماضِي، على ذلك المعنى. وقد قال بعضُ أهلِ العربيةِ: ﴿فَيَكُونُ﴾ رُفِعَ على الابْتداءِ، ومعناه: كُنْ فكان. فكأنه قال: فإذا هو كائنٌ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠)﴾.

стр. 3581

يعني بذلك جلّ ثناؤُه: الذي أنْبَأْتُك به مِن خبرِ عيسى، وأَنَّ مَثَلَه كَمَثَلِ آدمَ خلقه من ترابٍ، ثم قال له ربُّه: ﴿كُن﴾. هو ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ يقولُ: هو الخبرُ الذي هو مِن عندِ ربِّك، ﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ يعنى: فلا تَكُنْ مِن الشاكِّين في أن ذلك كذلك. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ يعنى: فلا تكنْ في شكٍّ مِن عيسى أنه كمثَلِ آدمَ عبدُ اللهِ ورسولُه، وكلمةُ اللهِ ورُوحُه (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾. يقولُ: فلا تكنْ في شكٍّ مما قصَصْنا عليك أن عيسى عبدُ اللهِ ورسولُه، وكلمةٌ منه ورُوحٌ، وأن مَثَلَه عندَ اللهِ كمَثَلِ آدمَ خلَقه مِن ترابٍ، ثم قال له: ﴿كُنْ﴾ فيكونُ. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزبيرِ: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾: ما جاءَك مِن الخبرِ عن عيسى. ﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾، أي: قد جاءَك الحقُّ مِن ربِّك فلا تَمْتَرِ فيه (٢). حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾. قال: والمُمْتَرُون الشاكُّون. والمِرْيةُ والشكُّ والرَّيْبُ واحدٌ سواءٌ، كهيئة ما تقولُ: أعْطِنى، وناوِلْني،

стр. 3582

وهَلُمَّ. فهذا مختلِفٌ في الكلامِ، وهو واحدٌ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١)﴾. يعنى بقولِه جلّ ثناؤُه: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ﴾: فمَن جَادَلَك يا محمدُ في المسيح عيسى ابن مريمَ. والهاءُ في قولِه: ﴿فِيهِ﴾ عائدةٌ على ذكرِ ﴿عِيسَى﴾، وجائزٌ أن تَكونَ عائدةً على "الحقِّ" الذي قال تعالى ذكرُه: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾. ويعنى بقولِه: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾: مِن بعدِ ما جاءَك مِن العلمِ الذي قد بيَّنْتَه لك في عيسى أنه عبدُ اللهِ، ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا﴾: هَلُمُّوا، فَلْنَدْعُ ﴿أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ يقولُ: ثم نَلْتَعِنْ. يقالُ في الكلامِ: ما له؟ بهَلَه اللهُ! أي: لعَنه اللهُ. وما له؟ عليه بُهلةُ اللهِ! يُرِيدُ اللعنَ. وقال لَبِيدٌ، وذكَر قوما هلَكوا، فقال (١): * نظَر الدهرُ إليهم فابْتَهَلْ * يعني: دعا عليهم بالهلاكِ. ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ منا ومنكم في أنه (٢) عيسى. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَمَنْ

стр. 3583

حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾: أي في عيسى أنه عبدُ اللهِ ورسولُه، مِن كلمةِ اللهِ ورُوحِه، ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ (١). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزبيرِ: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾: أَي: مِن بعدِ ما قصَصْتُ عليك مِن خبرِه، وكيفَ كان أمرُه، ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ الآية (٢). حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾. يقولُ: مَن حاجَّك في عيسى مِن بعدِ ما جاءَك فيه مِن العلمِ (٣). حدَّثنا يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِين﴾. قال: منا ومنكم. حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: وثنى ابن لَهيعةَ، عن سليمانَ بن زيادٍ الحَضْرميِّ، عن عبدِ اللهِ بن الحارثِ بن جَزْءٍ الزُّبَيديِّ، أنه سمِع النبي ﷺ يقولُ: "ليت بينى وبينَ أهلِ نجرانَ حجابًا، فَلا أراهم ولا يَرَوْنى". مِن شدةِ ما كانوا يُمارُون النبي ﷺ (٤).

стр. 3584

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣)﴾. يعنى بذلك جلّ ثناؤُه: إن هذا الذي أنْبَأَتُك به يا محمدُ مِن أمرِ عيسى، فقصَصْتُه عليك مِن أنبائِه، وأنه عبدِى ورسُولى، وكلِمتى ألْقَيْتُها إلى مريمَ، ورُوحٌ منى، لَهو القَصَصُ والنبأُ الحقُّ، فاعْلَمْ ذلك، واعْلَمْ أنه ليس للخلقِ معبودٌ يَسْتَوْجِبُ عليهم العبادةَ بمُلْكِه إياهم، إلا معبودُك الذي تَعْبُدُه، وهو اللهُ العزيزُ الحكيمُ. ويعنى بقولِه: ﴿الْعَزِيزُ﴾: العزيزُ في انتقامِه ممَّن عصاه، وخالَف أَمْرَه، وادَّعَى معه إلهًا غيرَه، أو عبَدَ ربًّا سواه، ﴿الْحَكِيمُ﴾ في تدبيرِه، لا يَدْخُلُ ما دَبَّرَه وَهَنٌ، ولا يَلْحَقُه خَلَلٌ. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾. يعنى: فإن أدْبَر هؤلاء الذين حاجُّوك في عيسى عما جاءَك مِن الحقِّ مِن عندِ ربِّك، في عيسى وغيرِه مِن سائرِ ما آتاك اللهُ مِن الهُدَى والبَيانِ، فأعْرَضوا عنه، ولم يَقْبَلُوه، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾. يقولُ: فإِن الله ذو علمٍ بالذين يَعْصُون ربَّهم، ويَعْمَلون في أرضِه وبلادِه بما نهاهم عنه، وذلك هو إفسادُهم. يقولُ تعالى ذِكرُه: فهو عالمٌ بهم وبأعمالِهم، يُحْصِيها عليهم ويَحْفَظُها، حتى يُجازِيَهم عليها جَزاءَهم. وبنحوِ ما قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزبيرِ: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾: أيْ: إن هذا الذي جئتُ به مِن الخبرِ عن

стр. 3585

عيسى، ﴿لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ مِن أمرِه (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾: إن هذا الذي قلنا في عيسى ﴿لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ (٢). حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾. قال: إن هذا القصصَ الحقُّ في عيسى، ما يَنْبَغى لعيسى أن يَتَعَدَّى هذا ولا يُجاوِزَه (٣)؛ أن يَتَعَدَّى أن يكونَ كلمةَ اللهِ ألْقاها إلى مريمَ، ورُوحًا منه، وعبدَ اللهِ ورسولَه (٤). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾: إن هذا الذي قلنا في عيسى هو الحقُّ، ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ الآية (٥). فلمَّا فصَل جل ثناؤُه بينَ نبيِّه محمدٍ ﷺ وبينَ الوفدِ مِن نصارَى نَجْرانَ بالقضاءِ الفاصلِ والحُكْمِ العادلِ، [وأمرَه] (٦) - إن هم توَلَّوْا عما دَعاهم إليه مِن الإقْرارِ بوحْدانيةِ اللهِ، وأنه لا ولدَ له ولا صاحبةَ، وأن عيسى عبدُه ورسولُه، وأبَوْا إلا الجَدَلَ (٧) والخُصومةَ - أن يَدْعُوَهم إلى المُلاعَنةِ، ففعَل ذلك رسولُ اللهِ ﷺ ، فلمَّا

стр. 3586

فعَل ذلك رسولُ اللهِ ﷺ انْخَزَلوا (١) فامْتَنَعُوا مِن المُلاعَنةِ، ودَعَوْا إلى المُصالَحَةِ. كالذى حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مُغيرةَ، عن عامرٍ، قال: فأُمِر - يعنى النبيَّ ﷺ بمُلاعنتِهم - يعني بمُلاعنةِ أهلِ نَجْرانَ - بقولِه: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ الآية. فتَواعَدوا أن يُلاعِنوه، وواعَدوه الغدَ، فانْطَلَقوا إلى السيدِ والعاقبِ، و [كانا أعقلَهم] (٢) فتابَعاهم، فانْطَلَقوا إلى رجلٍ منهم عاقلٍ، فذكَروا له ما فارَقوا عليه رسولَ اللهِ ﷺ ، فقال: ما صنَعْتُم! وندَّمَهم، وقال لهم: إن كان نبيًّا، ثم دعا عليكم، لا يُغْضِبُه اللهُ فيكم أبدًا، ولئن كان مَلِكًا، فظهَر عليكم لا يَسْتَبْقِيكم (٣) أبدًا. قالوا: فكيف لنا وقد واعَدَنا؟ فقال لهم: إذا غدَوْتُم إليه، فعرَض عليكم الذي فارِقْتُموه عليه، فقولوا: نَعوذُ باللهِ. فإن دعاكم أيضًا، فقولوا (٤): نَعوذُ باللهِ. ولعلَّه أن يُعْفِيَكم مِن ذلك. فلما غدَوْا، غدا النبيُّ ﷺ مُحْتَضِنًا حَسَنًا، آخِذًا بيدِ الحسينِ، وفاطمةُ تَمْشِى خلفَه، فدَعاهم إلى الذي فارَقُوه عليه بالأمسِ، فقالوا: نَعوذُ باللهِ. ثم دعاهم، فقالوا: نَعوذُ باللهِ، مِرارًا، قال: "فإن أبَيْتُم فأَسْلِمُوا، ولكم ما للمُسْلِمين، وعلَيْكم ما علَى المسْلِمين كما قال اللهُ ، فإن أبَيْتُم فأعْطُوا الجِزْيةَ عن يدٍ وأنتم صاغرون كما قال اللهُ ". قالوا: ما نَمْلِكُ إلا أنفسَنا. قال: "فإن أبَيْتُم فإنى أنْبِذُ إليكم على سواءٍ كما قال اللهُ ". قالوا: ما لنا طاقةٌ بحربِ العربِ، ولكن نُؤَدِّى الجزيةَ. قال: فجعَل عليهم في كلِّ سنةٍ ألفَى (٥) حُلَّةٍ؛ ألفًا في رجبٍ، وألفًا في صَفَرٍ. فقال

стр. 3587

النبيُّ ﷺ : "لَقَد أتانيَ البَشيرُ بهَلَكةِ أهلِ نَجْرانَ، حتى الطيرُ على الشجرِ - أو العصافيرُ على الشجرِ - لو تَمُّوا على الملاعنةِ" (١). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، قال: فقلتُ للمغيرةِ: إن الناسَ يَرْوُون في حديثِ أهلِ نَجْرانَ أن عليًّا كان معهم (٢). فقال: أما الشعبيُّ فلم يَذْكُرْه، فلا أَدْرِى لسُّوءِ رأى بني أميةَ في عليٍّ، أولم يَكُنْ في الحديثِ. حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزبيرِ: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ إلى قولِه: ﴿فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾: فدعاهم إلى النَّصَفِ (٣)، وقطَع عنهم الحُجَّةَ، فلما أتَى رسولَ اللهِ ﷺ الخبرُ مِن اللهِ عنه، والفصلُ مِن القَضاءِ بينَه وبينَهم، وأمَره بما أمَره به مِن ملاعنتِهم، [إن ردُّوا] (٤) عليه، دعاهم إلى ذلك، فقالوا: يا أبا القاسم، دَعْنا نَنْظُرْ في أمرِنا، ثم نَأْتِيك بما (٥) نُرِيدُ أن نَفْعَلَ فيما دعَوْتَنا إليه. فانْصَرَفوا عنه، ثم خلَوْا بالعاقبِ، وكان ذا رأيِهم، فقالوا: يا عبدَ المسيحِ، ما تَرَى؟ قال: واللهِ يا معشرَ النصارى، لقد عرَفْتُم أن محمدًا لنَبيٌّ مرسَلٌ، ولقد جاءَكم بالفصلِ مِن خبرِ صاحبِكم، ولقد علِمْتُم ما لاعَن قومٌ نبيًّا قطُّ، فبقِى كبيرُهم، ولا نبَت صغيرُهم، وإنه للاستئصالُ منكم إن فعَلْتُم، فإن كنتم قد أبَيْتُم إلا إلْفَ دينِكم، والإقامةَ على ما أنتم عليه مِن القولِ في صاحبِكم، فوادِعوا الرجلَ، ثم انْصَرِفوا إلى بلادِكم حتى يُرِيَكُم زَمَنٌ رَأيَهِ. فَأَتَوْا رسولَ اللهِ ﷺ فقالوا: يا أبا القاسمِ، قد رأيْنا ألا نُلاعِنَك، وأن نَتْرُكَك على

стр. 3588

دينِك، ونَرْجِعَ على دينِنا، ولكن ابْعَثْ معنا رجلًا مِن أصحابِك تَرْضاه لنا، يَحْكُمُ بينَنا في أشياءَ قد اخْتَلَفْنا فيها مِن أموالِنا، فإنكم عندَنا رِضًى (١). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا عيسى بنُ فَرْقَدٍ، عن أبي الجارودِ، عن زيدِ بن عليٍّ في قولِه: ﴿تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ الآية. قال: كان النبيُّ ﷺ وعليٌّ وفاطمةُ والحسنُ والحسينُ. حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ الآية، فأخَذ - يعنى النبيِّ ﷺ بيدِ الحسنِ والحسينِ وفاطمةَ، وقال لعليٍّ: "اتْبَعْنا". فخرَج معهم، فلم يَخْرُجُ يومئذٍ النصارى، وقالوا: إنا نَخافُ أن يكونَ هذا هو النبيَّ (٢)، وليس دعوةُ النبيِّ كغيرِها. فتخَلَّفوا عنه يومَئذٍ، فقال النبيُّ ﷺ : "لو خرَجوا لَاحْتَرَقوا". فصالَحوه على صلحٍ، على أن له عليهم ثمانين ألفًا، فما عجِزَت الدَّراهمُ ففى العُروضِ؛ الحُلَّةُ بأربعين، وعلى أن له عليهم ثلاثًا وثلاثين درعًا، وثلاثًا وثلاثين بعيرًا، وأربعةً وثلاثين فرسًا غازيةً كلَّ سنةٍ، وأن رسولَ اللهِ ﷺ ضامنُ لها حتى نُؤَدِّيَها إليهم (٣). حدَّثنا بشرُ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ دعا وفدًا مِن وفدِ نَجْرانَ مِن النصارى، وهم الذين حاجُّوه في عيسى، فنكَصوا عن ذلك، وخافوا. وذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ: "والذي نفسُ محمدِ بيدِه، إن كان العذابُ لقد تَدَلَّى على أهلِ نَجْرانَ، ولو فعَلوا لَاسْتُؤْصِلوا عن

стр. 3589

جَديدِ (١) الأرضِ" (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾. قال: بلَغَنا أن النبيَّ ﷺ خرَج ليُداعىَ (٣) أهلَ نَجْرانَ، فلمَّا رأوْه خرَج، هابوا وفرِقوا، فرجَعوا. قال معمرٌ: قال قتادةُ: لمَّا أراد النبيُّ ﷺ [أَن يُباهِلَ] (٤) أَهْلَ نَجْرانَ أخَذ بيدِ حسنٍ وحسينٍ، وقال لفاطمةَ: "اتْبَعِينا". فلما رأى ذلك أعداءُ اللهِ رجَعوا (٥). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنا معمرٌ، عن عبدِ الكريم الجَزَريِّ، عن عكرمةَ عن ابن عباسٍ قال: لو خرَج الذين يُباهِلون النبيَّ ﷺ لَرجَعوا لا يَجِدون أهلًا ولا مالًا (٦). حدَّثنا أبو كُريْبٍ، قال: ثنا زكريا بنُ (٧) عَدِيٍّ، قال: ثنا عُبيدُ اللهِ بنُ عمرٍو، عن عبدِ الكَريمِ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ مثلَه (٨). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "والذي نفسي بيدِه لو لاعَنُونى ما حال الحولُ وبحَضْرتِهم منهم أحدٌ إلا أهْلَك اللهُ الكاذبين".

стр. 3590

حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: ثنا ابن زيدٍ، قال: قيل لرسولِ اللهِ ﷺ : لو لاعَنْتَ القومَ، بمن كنتَ تَأتى حينَ قلتَ: ﴿أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾؟ قال: "حسنٌ وحسينٌ". حدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا [أبو بكرٍ] (١) الحنفيُّ، قال: ثنا المنذرُ بنُ ثعلبةَ، قال: ثنا عِلْباءُ بنُ أحمرَ اليَشْكُريُّ، قال: لمَّا نزَلَت هذه الآيةُ: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ﴾ الآية. قال (٢): أَرْسَل رسولُ اللهِ ﷺ إلى [عليٍّ وفاطمةَ وابنَيْهما] (٣) الحسنِ والحسينِ، ودعا اليهودَ ليُلاعنَهم، فقال شابٌّ مِن اليهودِ: ويْحَكم، أليس عهدُكم بالأمسِ (٤) إخْوانَكم الذين مُسِخوا قِرَدةً وخَنازيرَ! لا تُلاعِنوا. فانتهوا (٥). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾. يعنى بذلك جلّ ثناؤُه: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لأهلِ الكتابِ، وهم أهلُ التوراةِ والإنجيل: ﴿تَعَالَوْا﴾: هَلُمُّوا ﴿إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾. يعنى: إلى كلمةٍ عَدْلٍ

стр. 3591

بينَنا وبينَكم. والكلمةُ العَدْلُ هي أن نُوَحِّدَ (١) الله فلا نَعْبُدَ (٢) غَيرَه، ونَبْرَأ (٣) مِن كُلِّ معبودٍ سواه، فلا نُشْرِكَ (٤) به شيئًا. وقولُه: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا﴾. يقولُ: ولا يَدِينُ بعضُنا لبعضٍ بالطاعةِ فيما أمَر به مِن مَعاصِى اللهِ، ويُعَظِّمُه بالسجودِ له، كما يَسْجُدُ لربِّه، ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾. يقولُ: فإن أعْرَضوا عما دعَوْتَهم إليه مِن الكلمةِ السواءِ التي أمَرْتُك بدعائِهم إليها، فلم يُجِيبوك إليها، ﴿فَقُولُوا﴾ أيها المؤمنون (٥) للمُتَوَلِّين عن ذلك: ﴿اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾. واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في مَن نزَلَت فيه هذه الآيةُ؛ فقال بعضُهم: نزلَت في يهودِ بني إسرائيلَ الذين كانوا حوالَىْ مدينةِ رسولِ اللهِ ﷺ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أن نبيَ اللهِ ﷺ دعا يهودَ أهلِ المدينةِ إلى الكلمةِ السَّواءِ، وهم الذين حاجُّوا في إبراهيمَ (٦). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ دعا اليهودَ إلى الكلمةِ (٧) السَّواءِ (٦).

стр. 3592

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: بلَغَنا أن النبيَّ ﷺ دعا يهودَ أهلِ المدينةِ إلى ذلك، فأبَوْا عليه، فجاهَدَهم. قال: دعاهم إلى قولِ اللهِ : ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُم﴾ الآية (١). وقال آخَرون: بل نَزَلَت في الوفدِ مِن نصارَى نَجْرانَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزبيرِ: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُم﴾ الآية إلى قولِه: ﴿فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾. قال: فدعاهم إلى النَّصَفِ، وقطَع عنهم الحُجَّةَ. يعنى وفد نَجْرانَ (٢). حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: ثم دعاهم رسولُ اللهِ ﷺ يعنى الوفدَ من نصارَى نَجْرانَ - فقال: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية (٣). حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: ثنا ابن زيدٍ، قال: قال - يعني جلّ ثناؤُه -: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ في عيسى - على ما قد بيَّناه فيما مضَى (٤) - قال: فأبَوْا - يعنى الوفدَ مِن نَجْرانَ - فقال: ادْعُهم إلى أَيْسَرَ مِن هذا، قُلْ:

стр. 3593

﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُم﴾. فقَرأ حتى بلَغ ﴿أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، فأبَوْا أن يَقْبَلوا هذا ولا الآخَرَ. وإنما قلنا: عنَى بقولِه: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ أهلَ الكتابَيْن؛ لأنهما جميعًا مِن أهِل الكتابِ، ولم يَخْصُصْ جلّ ثناؤُه بقولِه: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ بعضًا دونَ بعضٍ، فليس بأن يَكونَ مُوَجَّهًا ذلك إلى أنه مقصودٌ به أهلُ التوراهِ بأولى منه بأن يَكونَ مُوَجَّهًا إلى أنه مقصودٌ به أهلُ الإنْجيلِ، ولا أهل الإنجيلِ بأولى أن يكونوا مَقْصودين به دونَ غيرِهم مِن أهلِ التوراةِ. وإذ لم يَكُنْ أحدُ الفريقين بذلك أولى مِن الاخَرِ؛ لأنه لا دلالةَ على أنه المخصوصُ بذلك من الاخرِ، ولا أثرَ صحيحٌ، فالواجبُ أن يكونَ كلُّ كتابيٍّ معنيًا به؛ لأن إفرادَ العبادةِ للهِ وحدَه، وإخلاصَ التوحيدِ له، واجبٌ على كلِّ مأمورٍ مَنْهيٍّ (١) من خَلْقِ اللهِ، واسمُ (٢) أهلِ الكتابٍ يلزَمُ (٣) أهلَ التواةِ وأهلَ الإنجيلِ، فكان معلومًا بذلك أنه عُنِى به الفريقان جميعًا. وأما تأويلُ قولِه: ﴿تَعَالَوْا﴾ فإنه: أقْبِلوا وهَلُمُّوا. وإنما هو "تَفاعَلوا" مِن العلوِّ، فكان القائلَ لصاحبِه: تعالَ إليَّ. قائلٌ (٤): تَفاعَل. مِن العُلُوِّ، كما يقالُ: تَدانَ منى من الدُّنُوِّ، وتَقارَبْ منى. مِن القربِ. وقولُه: ﴿إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ فإنها الكلمهُ العَدْلُ. والسواءُ مِن نعتِ "الكلمةِ". وقد اخْتَلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ إتباعِ ﴿سَوَاءٍ﴾ في الإعرابِ "الكلمة"،

стр. 3594

وهو اسمٌ لا صفةٌ؛ فقال بعضُ نحويى البصرةِ: جُرَّ ﴿سَوَاءٍ﴾؛ لأنها مِن صفةِ الكلمةِ، وهى العدلُ، وأراد مُسْتَويةً. قال: ولو أراد اسْتِواءً كان النصبُ، وإن شاء أن يَجْعَلَها على الاستواءِ ويَجُرَّ جاز، ويَجْعَلَهُ مِن صفةِ الكلمةِ، مثلَ الخَلْقِ؛ لأن الخلقَ هو المخلوقُ، والخلق قد يكونُ صفةً واسمًا، ويَجْعَلُ الاستواءَ مثلَ المُسْتَوِى، قال : ﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥]. لأن السَّواءَ للآخِرِ، وهو اسمٌ ليس بصفةٍ، فيُجْرَى على الأولِ، وذلك إذا أراد به الاسْتِواءَ، فإن أراد به مُسْتَوِيًا جاز أن يُجْرَى على الأولِ. والرفعُ في ذا المعنى جيِّدٌ؛ لأنها لا تُغيَّرُ عن حالِها، ولا تُثَنَّى، ولا تُجْمَعُ، ولا تُؤَنَّثُ، فَأَشْبَهَت الأسماءَ التي هي مثلُ عَدْلٍ ورضًى وجُنُبٍ، وما أشْبَهَ. ذلك، وقالوا - (أن نجعلَهم كالذين آمنوا وعمِلوا الصالحات سواءٌ محياهم ومماتُهم) (١) -: فالسواءُ للمَحْيا، والمماتُ بهذا (٢) المبتدأُ. وإن شئْتَ أَجْرَيْته على الأولِ، وجَعَلْتَه صفةً مُقَدَّمةً، كأنها مِن سببِ الأولِ، فجَرَت عليه، وذلك إذا جَعَلْتَه في معنى مُسْتَوٍ. والرفعُ وجهُ الكلامِ كما فسَّرْتُ لك. وقال بعضُ نحويى الكوفةِ: ﴿سَوَاءٍ﴾: مصدرٌ وُضِع مَوْضِعَ الفعلِ (٣)، يعنى موضعَ مُتساويةٍ ومتساوٍ؛ فمرةً يَأتى على الفعلِ، ومرةً على المصدرِ، وقد يقالُ في ﴿سَوَاءٍ﴾ بمعنى عَدْلٍ: سِوًى وسُوًى. كما قال جل ثناؤُه: ﴿مَكَانًا سُوًى﴾ [طه: ٥٨]. وسُوىً يُرادُ به عدْلٌ ونَصَفٌ بيننا وبينَك. وقد رُوِى عن ابن مسعودٍ أنه كان

стр. 3595

يَقْرَأُ ذلك: (إلى كلمةٍ عَدْلٍ بينَنا وبينَكم) (١). وبمثلِ الذي قْلنا في تأويلِ قولِه: ﴿إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [وأَن] (٢) السواءَ هو العدلُ، قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾: عَدْل بينَنا وبينَكم، ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ الآية (٣). حدَّثني المثنى: قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾. بمثلِه (٤). وقال آخرون: هو قولُ لا إلهَ إلا اللهُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: قال أبو العاليةِ: كلمةُ السواءِ لا إلهَ إلا اللهُ (٥).

стр. 3596

وأما قولُه: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾. فإن "أن" في موضعِ خفضٍ، على معنى: تعالَوْا إِلى أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا الله. وقد بيَّنا معنى "العبادةِ" في كلامِ العربِ فيما مضَى، ودلَّلْنا على الصحيحِ مِن معانِيه بما أغنى عن إعادتِه (١). وأما قولُه: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا﴾. فإن اتخاذَ بعضهم بعضًا (٢) ما كان بطاعةِ الأتْباعِ الرؤساءَ فيما أمَروهم به مِن مَعاصِي اللهِ، وَتَرْكِهِم مَا نَهَوْهم عنه مِن طاعةِ اللهِ، كما قال جل ثناؤُه: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [التوبة: ٣١]. كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جُرَيْجٍ: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، يقولُ: لا يُطِعْ بعضُنا بعضًا في معصيةِ اللهِ، ويقالُ: إنّ تلك الربوبيةَ أن يُطِيعَ الناسُ سادتَهم وقادتَهم في غيرِ عبادةٍ، وإنْ لم يُصَلُّوا لهم (٣). وقال آخَرون: اتخاذُ بعضِهم بعضًا أربابًا سجودُ بعضِهم لبعضٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ (٤)، عن الحكمِ بن

стр. 3597

أبانٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. قال: سجودُ بعضِهم لبعضٍ (١). وأما قولُه: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾. فإنه يعْنى: فإن توَلَّى الذين تَدْعُونهم إلى الكلمةِ السواءِ عنها وكفَروا، فقولوا أنتم أيُّها المؤمنون لهم: اشْهَدوا علينا بأنّا بما تولَّيْتُم عنه؛ مِن توحيدِ اللهِ، وإخلاصِ العُبودةِ له، وأنه الإلهُ الذي لا شَريكَ له، ﴿مُسْلِمُونَ﴾، يعني: خاضِعون للهِ به، مُتَذَلِّلون له بالإقرارِ بذلك، بقلوبِنا وألسنتِنا. وقد بيَّنا معنَى "الإسلامِ" فيما مضَى، ودلَّلْنا عليه بما أغْنَى عن إعادتِه (٢). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥)﴾. قال أبو جعفرٍ: يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾: يا أهلَ التوراةِ والإنجيلِ. ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ﴾: لم تُجادِلون ﴿فِي إِبْرَاهِيمَ﴾، وتُخاصِمون فيه؟ يعني: في إبراهيمَ خليلِ الرحمنِ صلواتُ اللهِ عليه. وكان حِجاجُهم فيه ادِّعاءَ كلِّ فريقٍ مِن أهلِ هذين الكتابين أنه كان منهم، وأنه كان يَدِينُ دينَ أهلِ نِحْلته (٣)، فعابَهم اللهُ بادِّعائِهم ذلك، ودلَّ على مُناقضتِهم ودَعْواهم، فقال: وكيف تَدَّعون أنه كان على ملَّتِكم ودينِكم، و (٤) دينُكم إما يهوديةٌ أو نصرانيةٌ، واليهوديُّ منكم يَزْعُمُ أَن دينَه إقامةُ

стр. 3598

التوراةِ والعملُ بما فيها، والنصرانيُّ منكم يَزْعُمُ أن دينَه إقامةُ الإنجيلِ وما فيه، وهذان (١) كتابان لم يَنْزِلا إلا بعدَ حينٍ مِن مَهْلِكِ إبراهيمَ ووفاتِه، فكيف يَكونُ منكم (٢)؟ فما (٣) وجهُ اخْتِصامِكم فيه، وادِّعائكم أنه منكم، والأمرُ فيه على ما قد علِمْتُم؟ وقيل: نزَلَت هذه الآيةُ في اختصامِ اليهودِ والنصارَى في إبراهيمَ، وادِّعاءِ كلِّ فريقٍ منهم أنه كان منهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونُسُ بنُ بُكيرٍ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، وحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولى زيدِ بن ثابتٍ، قال: ثني سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو عكرمةُ، عن ابن عباسٍ، قال: اجْتَمَعَت نصارَى نَجْرانَ وأخبارُ يهودَ عندَ رسولِ اللهِ ﷺ ، فَتَنازَعُوا عندَه، فقالت الأحبارُ: ما كان إبراهيمُ إلّا يهوديًّا. وقالت النصارَى: ما كان إبراهيمُ إلا نصرانيًّا. فأنْزَل اللهُ فيهم: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. قالت النصارى: كان نصرانيًّا. وقالت اليهودُ: كان يهوديًّا. فأَخْبَرَهم اللهُ أن التوارةَ والإنجيلَ [إِنما أُنْزِلا] (٤) من بعده، وبعدَه كانت اليهوديةُ والنصرانيّةُ (٥).

стр. 3599

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾. يقولُ: لم تُحاجُّون في إبراهيمَ وتَزْعُمون أنه كان يهوديًّا أو نصرانيًّا، ﴿وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾ - فكانت اليهوديةُ بعدَ التوراةِ، وكانت النصرانيةُ بعدَ الإنجيلِ - ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (١)؟ وقال آخَرون: بل نزَلَت هذه الآيةُ في دَعْوَى اليهود إبراهيمَ أنه منهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ دعا يهودَ أهلِ المدينةِ إلى كلمةِ السواءِ، وهم الذين حاجُّوا في إبراهيمَ، [وزعَمُوا أنه مات] (٢) يهوديًّا، فأكْذَبَهم اللهُ ، ونفاهم منه، فقال: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (٣). حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه (٤). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ : ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي

стр. 3600

إِبْرَاهِيمَ﴾. قال: اليهودُ (١)، برَّأَه (٢) اللهُ منهم (٣) حينَ ادَّعَى كلُّ أمةٍ أنه منهم، وألْحَق به المؤمنين مَن كان مِن أهلِ الحَنِيفيةِ (٤). حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه. وأما قولُه: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. فإنه يعْنى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: أفلا (٥) تَفْقَهون (٦) خطأَ قِيلِكم: إنّ إبراهيمَ كان يهوديًّا أو نصرانيًّا، وقد علِمْتُم أن اليهوديةَ والنصرانيةَ حدَثَت مِن بعدِ مَهْلِكه بحينٍ؟ القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٦٦)﴾. يعنى بذلك جلّ ثناؤُه: ها أنتم (٧) القومُ الذين خاصَمْتُم وجَادَلْتُم ﴿فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ مِن أَمرِ دينِكم الذي وجدتمُوه في كُتبِكم، وأتتكم به رسلُ اللهِ من عندِه، ومن غيرِ ذلك ممّا أوتيتُمُوه وثبَتت عندَكم صحَّتُه، ﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ﴾ يقولُ: فلم تجادلَون وتُخاصمُون ﴿فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾، يعني: في (٨) الذي لا علمَ

стр. 3601

لكم به من أمر إبراهيمَ ودينِه، ولم تَجِدُوه في كتبِ اللهِ، ولا أتَتْكم به أنبياؤُكم، ولا شاهَدتُموه فتعْلَموه. كما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾: أمّا الذي لهم به علمٌ، فما حُرِّم عليهم وما أمِروا به، وأمّا الذي ليس لهم به علمٌ، فشأنُ إبراهيمَ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾. يقولُ: فيما شهِدتُم، ورأيتُم، وعاينتُم، ﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾، فيما لم تُشاهِدوا، ولم تَرَوا، ولم تُعايِنوا، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه (٣). وقولُه: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: واللهُ يعلَمُ ما غاب عنكم فلم تُشاهِدُوه ولم تَرَوْه، ولم تَأْتِكم به رسلُه، مِن أمرِ إبراهيمَ وغيرِه مِن الأمورِ ومما تُجادِلون فيه؛ لأنه لا يَغِيبُ عنه شيءٌ، ولا يعزُبُ عنه علمُ شيء في السماواتِ ولا في الأرضِ، وأنتم لا تعلَمُون مِن ذلك إلا ما عايَنْتُم فشاهَدتم، أو أدْرَكتم علمَه بالإخبارِ والسَّماعِ.

стр. 3602

القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧)﴾. وهذا تكذيبٌ من اللهِ دَعْوَى الذين جادَلُوا في إبراهيمَ ومَلَّتِه من اليهودِ والنصارَى، وادَّعَوْا أنه كان على ملتِهم، وتَبْرِئَةٌ (١) لهم منه، وأنهم لدينِه مُخالفون، وقَضاءٌ منه (٢) لأهلِ الإسلامِ ولأمةِ محمدٍ ﷺ أنهم هم أهلُ دينِه، وعلى مِنْهاجِه وشَرائعِه، دونَ سائرِ أهلِ المللِ والأدْيانِ غيرِهم. يقولُ اللهُ : ما كان إبراهيمُ يهوديًّا ولا نصْرانيًّا، ولا (٣) كان مِن المشركين الذين يعبُدون الأوثانَ والأصنامَ، أو (٤) مخلوقًا دونَ خالقِه الذي هو إلهُ الخلقِ وبارئُهم، ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا﴾. يعنى: متَّبِعًا أمرَ اللهِ وطاعتَه، مستقيمًا على محجَّةِ الهُدَى التي أُمِر (٥) بلزومِها، ﴿مُسْلِمًا﴾. يعنى: خاشعًا للهِ بقلبِه، متذلِّلًا له بجوارحِه، مُذعنًا لما فرَض عليه وأَلْزَمه مِن أحكامِه. وقد بيَّنا اختلافَ أهلِ التأويلِ في معنَى الحنيفِ فيما مضَى، ودلَّلْنا على القولِ الذي هو أولَى بالصحةِ مِن أقوالِهم، بما أغْنى عن إعادتِه [في هذا الموضعِ] (٦). وبنحوِ ما قُلنا في ذلك مِن التأويلِ قال أهلُ التأويلِ.

стр. 3603

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني إسحاقُ بنُ شاهينٍ الواسطيُّ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللهِ، عن داودَ، عن عامرٍ، قال: قالت اليهودُ: إبراهيمُ على ديننِا. وقالت النصارى: هو على دينِنا. فأنزل اللهُ : ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾ الآية. فأكْذَبَهم اللهُ، وأدْحَض حُجّتَهم. يعنى اليهودَ الذين ادَّعَوْا أن إبراهيمَ مات يهوديًّا (١). حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه (٢). حدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: أَخْبَرَني يعقوبُ بن عبدِ الرحمنِ الزهريُّ، عن موسى بن عُقْبَةَ، عن سالمِ بن عبدِ اللهِ - لا أُراه إلا يُحَدِّثُه عن أبيه - أن زيدَ بنَ عمرِو بن نُفَيلٍ خرَج إلى الشامِ يسألُ عن الدينِ ويَتْبَعُه، فلقِى عالمًا من اليهودِ، فسأله عن دينِه، وقال: إنى لعلِّى أن أدِينَ دينَكم، فأخبِرْني عن دينِكم. فقال له اليهوديُّ: إنك لن تَكونَ على دينِنا حتى تأخُذَ بنصيبِك مِن غضبِ اللهِ. قال زيدٌ: ما أَفِرُّ إلا من غضبِ اللهِ، ولا أَحْمِلُ مِن غضبِ اللهِ شيئًا أبدًا، وأنا (٣) أستطيعُ، فهل تدُلُّني على دينٍ ليس فيه هذا؟ قال: ما أعلَمُه إلا أن يكونَ (٤) حَنِيفًا. قال: وما الحنيفُ؟ قال: دينُ إبراهيمَ، لم يَكُ يهوديًّا ولا نصرانيًّا، وكان لا يعبُدُ إلا الله. فخرَج من عندِه، فلقِى عالمًا من النصارَى، فسأَله عن دينِه،

стр. 3604

فقال: إِنّى لعلِّى أن أدِينَ دينَكم، فأخبرْني عن دينِكم. قال: إنك لن تكونَ على دينِنا حتى تأخُذَ بنصيبِك من لعنةِ اللهِ. قال: لا أحتمِلُ من لعنةِ اللهِ شيئًا، ولا من غضبِ اللهِ شيئًا أبدًا، وأنا (١) أستطيعُ، فهل تَدُلُّنى على دينٍ ليس فيه هذا؟ فقال له [نحوَ ما] (٢) قاله اليهوديُّ: لا أعلَمُه إلا أن يكونَ (٣) حَنيفًا. فخرَج مِن عندِهم (٤) وقد رضِى الذي أخبراه والذي اتَّفقا عليه مِن شأنِ إبراهيمَ، [فلم يزلْ رافعًا يديْه إلى اللهِ] (٥)، وقال: اللَّهمَّ إنى أُشْهِدُك أني على دينِ إبراهيمَ (٦). القول في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)﴾. يعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ﴾: إن أحقَّ الناسِ بإبراهيمَ ونُصْرتِه وولايتِه، ﴿لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾، يعني: الذين سلَكوا طريقَه ومنهاجَه، فوحَّدوا الله مخلِصينَ له الدينَ، وسنُّوا سنّتَه (٧)، وشرَعوا شرائعَه، وكانوا للهِ حُنفاءَ

стр. 3605

مسلمين، غيرَ مشركين به، ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ يعني محمدًا ﷺ ، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾، يعني: والذين صدَّقوا محمدًا وبما جاءَهم به مِن عندِ اللهِ، ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾، يقولُ: واللهُ ناصرُ المؤمنين بمحمدٍ، المُصَدِّقِين له في نبوَّتِه وفيما جاءَهم (١) به مِن عندِه، على مَن خالَفهم مِن أهلِ المللِ والأدْيانِ. وبمثلِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾. يقولُ: الذين اتَّبَعوه على ملتِه وسنتِه ومنهاجِه وفطرتِه، ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ وهو نبيُّ اللهِ محمدٌ، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ معه، وهم المؤمنون الذين صدَّقوا نبيَّ اللهِ واتَّبَعوه. كان محمدٌ رسولُ اللهِ ﷺ والذين معه من المؤمنين أولَى الناس بإبراهيمَ (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع مثلَه (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى وجابرُ بنُ الكُرْديِّ والحسنُ بنُ أبى يحيى المَقْدسيُّ، قالوا: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبيه، عن أبي الضُّحَى، عن مَسْروقٍ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إن لكلِّ نبيٍّ وُلاةً مِن النَّبِيِّين، وإن

стр. 3606

وَلِيِّيَ منهم أبى (١) وخليلُ ربِّي". ثم قرَأ: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢). حدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نُعيمٍ الفضلُ بنُ دُكينٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبيه، عن أبي الضُّحَى، عن عبدِ اللهِ، أَرَاه قال: عن النبيِّ ﷺ . فذكَر نحوَه (٣). حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى مُعاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: يقولُ اللهُ سبحانَه: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ (٤). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٦٩)﴾. يعْنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَدَّتْ﴾: تمَنَّت، ﴿طَائِفَةٌ﴾ يعني: جماعةٌ، ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، وهم أهلُ التوراةِ من اليهودِ، وأهلُ الإنجيلِ من النصارَى، ﴿لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾، يقولُ: لو يَصُدُّونكم أيُّها المؤمنونَ عن الإسلامِ، ويَرُدُّونكم عنه إلى ما هم عليه من الكفرِ، فيُهْلِكونكم بذلك. والإضلالُ في هذا الموضعِ الإهلاكُ، من قولِ اللهِ : ﴿وَقَالُوا أَإِذَا

стр. 3607

ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: ١٠]. يعنى: إذا هلَكْنا. ومنه قولُ الأخْطَلِ في هجاءِ جَريرٍ (١): كنتَ القَذَى في موجِ أَكْدَرَ مُزْيدٍ … قذَف الأَتِيُّ به فضَلَّ ضَلَالًا يعني: هلَك هَلاكًا. وقولُ نابغةِ بنى ذُبْيانَ (٢): فآبَ مُضِلُّوه بعَيْنٍ جَلِيَّةٍ (٣) … وغُودِر بالجَوْلانِ (٤) حَزْمٌ ونائلُ يعني: مُهْلِكوه. ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾: وما يُهْلِكون - بما يَفْعَلُون من محاولتِهم صدَّكم عن دينِكم - أحدًا غير أنفسِهم. يعنى بـ ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ تُبَّاعَهم (٥) وأشياعَهم على ملتِهم وأديانِهم. وإنما أهْلَكوا أنفسَهم وتُبَّاعَهم (٥) بما حاوَلوا مِن ذلك؛ لاسْتِيجابِهم مِن اللهِ بفعلِهم ذلك سخَطَه، واسْتحقاقِهم به غضبَه ولعنتَه؛ لكفرِهم باللهِ، ونقضِهم الميثاقَ الذي أخَذ اللهُ (٦) عليهم في كتابِهم، في اتِّباعِ محمدٍ ﷺ وتصديقِه، والإقرارِ بنبوَّتِه. ثم أخْبَر جلَّ ثناؤُه عنهم أنهم يفعَلون ما يفعَلون، مِن مُحاولةِ صدِّ المؤمنين عن الهدى إلى الضلالةِ والرَّدَى، على جهلٍ منهم بما اللهُ بهم مُحِلٌّ مِن عقوبتِه، ومُدَّخِرٌ لهم مِن أليمِ عذابِه، فقال تعالى ذكرُه: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أنهم لا يُضِلُّون إلا أنفسَهم، [في محاولتِهم] (٧) إضْلالَكم أيُّها المؤمنون.

стр. 3608

ومعنى قولِه: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾: وما يَدْرُون ولا يَعْلَمون. وقد بيّنّا تأويلَ ذلك بشواهدِه في غيرِ (١) هذا الموضعِ، فأغْنَى ذلك عن إعادتِه (٢). القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠)﴾. يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾، من اليهودِ والنصارَى، ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ﴾. يقولُ: لم تَجْحَدون، ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾. يعني: بما في كتابِ اللهِ الذي أنْزَله إليكم على ألسنِ أنبيائِكم من آيه وأدلَّته، ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ أنه حقٌّ مِن عندِ ربِّكم! وإنما هذا مِن اللهِ تَوبيخٌ لأهلِ الكتابَيْن على كفرِهم بمحمدٍ ﷺ وجُحودِهم نبوَّتَه، وهم يَجِدونه في كتبِهم، مع شهادتِهم أنّ ما في كتبِهم حقٌّ، وأنه من عندِ اللهِ. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾. يقولُ: تَشْهَدون أن نعتَ محمدٍ نبيِّ اللهِ ﷺ في كتابِكم، ثم تَكْفُرون به وتُنْكرونه ولا تُؤْمِنون به، وأنتم تَجِدونه مكتوبًا عندَكم في التوراةِ والإنجيلِ، النبيَّ الأميَّ الذي يُؤْمِنُ باللهِ وكلماتِه (٣).

стр. 3609

حدَّثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾. يقولُ: تَشْهَدون أن نعتَ محمدٍ في كتابِكم، ثم تَكْفُرون به ولا تُؤْمِنون به، وأنتم تَجِدونه عندَكم في التوراةِ والإنجيلِ؛ النبيَّ الأميَّ (١). حدَّثني محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّديِّ: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾: آياتُ اللهِ: محمدٌ، وأما ﴿تَشْهَدُونَ﴾: فيَشْهَدون (٢) أنه الحقُّ يَجِدونه (٣) مكتوبًا عندَهم (٤). [حدَّثنا القاسمُ، قال] (٥): حدَّثنا الحسينُ، قال: ثنا حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ قولَه: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ أن الدينَ عِندَ الله الإسلامُ، ليس للهِ دينٌ غيرُه (٦). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾. يعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: يا أهلَ التوراةِ والإنجيلِ، ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ﴾. يقولُ: لِمَ تَخْلِطُونَ ﴿الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾. وكان خَلْطُهم الحقَّ بالباطلِ إظهارَهم بألسنتِهم مِن

стр. 3610

التصديقِ بمحمدٍ ﷺ وما جاء به من عندِ اللهِ، غيرَ الذي في قلُوبِهم مِن اليهوديةِ والنَّصْرانيةِ. كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن أبى محمدٍ، عن عكرمةَ، أو سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: قال عبدُ اللهِ بنُ الصَّيْفِ، وعديُّ بنُ زيدٍ، والحارثُ بنُ عوفٍ، بعضُهم لبعضٍ: تعالَوْا نؤمنْ بما أُنْزِل على محمدٍ وأصحابِه غُدْوةً، ونكفُرْ به عشيَّةً، حتى نَلبِسَ عليهم دينَهم، لعلَّهم يصنَعون كما نصنَعُ، فيَرْجِعُوا عن دينِهم. فأَنْزَلَ اللهُ فيهم: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾. إلى قولِه: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾. يقولُ: لِمَ تَلْبِسُون اليهوديةَ والنصرانيّةَ بالإسلامِ، وقد علِمْتُم أن دينَ اللهِ الذي لا يقبَلُ غيرَه الإسلامُ، ولا يَجْزِى إلا به (٢). حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بمثلِه، إلا أنه قال: الذي لا يقبَلُ مِن أحدٍ غيرَه الإسلامُ. ولم يقُلْ (٣): ولا يَجْزِى [إلا به] (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ قولَه:
следующие страницы →