"البقرةِ" (١) وغيرِها مِن سُورِ القرآنِ، وبيَّنتُ الصوابَ من القولِ عندَنا في ذلك، بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ.
وأما قولُه: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾. فإنه يعنى: لَلْبيتُ الذي بمُزْدَحَمِ الناسِ؛ لطوافِهم في حَجِّهم وعُمَرِهم.
وأصلُ البَكِّ الزَّحْمُ. يقالُ منه: بكَّ فلانٌ فلانًا. إذا زحَمه [وصدَمه] (٢). فهو يَبُكُّه بَكًّا. وهم يَتَباكُّون فيه. يَعْنى به: يَتَزاحَمون ويَتَصادَمون فيه. فكأَنَّ "بكَّةَ" فَعْلَةٌ، مِن: بكَّ فلانٌ فلانًا: زَحَمه (٣). سُمِّيت البقعةُ بفعلِ المُزْدَحِمِين بها.
فإذ كانت بكَّةُ ما وَصَفْنا، وكان موضعَ ازْدِحامِ الناسِ حولَ البيتِ، وكان لا طَوافَ يجوزُ خارجَ المسجدِ، كان معلومًا بذلك أَنْ يكونَ ما حولَ الكعبةِ مِن داخلِ المسجدِ، وأنَّ ما كان خارجَ المسجدِ فـ "مكةُ" لا لا "بكةُ"؛ لأنه لا معنى خارجَه يُوجبُ على الناسِ التَّباكَّ فيه. وإذ كان ذلك كذلك، كان بيِّنًا بذلك فسادُ قولِ مَن قال: بكةُ اسمٌ لبطنِ مكةَ. ومكةُ اسمٌ للحَرَمِ (٤).
стр. 3712
ذكرُ مَن قال في ذلك ما قلنا؛ مِن أن بكَّةَ موضعُ مُزْدَحَمِ النَّاسِ للطوافِ
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن حُصينٍ، عن أبي مالكٍ الغِفَاريِّ في قولِه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾. قال: بكَّةُ موضعُ البيتِ، ومكةُ ما سوى ذلك (١).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا مغيرةُ، عن إبراهيمَ مثلَه (٢).
حدثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن أبي جعفرٍ، قال: مرَّتِ امرأةٌ بينَ يَدْى رجلٍ وهو يصلِّى وهى تطوفُ بالبيتِ، فدَفَعها. قال أبو جعفرٍ: إنها بكَّةُ، يَبُكُّ بعضُها بعضًا (٣).
حدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن مجاهدٍ، قال: إنما سُمِّيت بكَّةَ لأن الناسَ يَتَباكُّون فيها؛ الرجالُ والنساءُ (٤).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن حمادٍ، عن سعيدٍ، قال: قلتُ: لأيِّ شيءٍ سمِّيت بكَّةَ؟ قال: لأنهم يَتَباكُّون فيها. قال: يعنى:
стр. 3713
يَزْدَحِمون (١).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن الأسودِ بن قيسٍ، عن أخيه، عن ابن الزُّبيرِ، قال: إنما سُمِّيت بكَّة لأنهم يَأْتونها حُجَّاجًا (٢).
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾: فإن الله بكَّ به الناسَ جميعًا، فيصلِّى النساءُ قُدَّامَ الرجالِ، ولا يَصْلُحُ ببلدٍ غيرِه (٣).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ: "بكَّةُ"؛ بكَّ الناسُ بعضُهم بعضًا، الرجالُ والنساءُ يصلِّى بعضُهم بينَ يَدَىْ بعضٍ، لا يَصْلُحُ ذلك إلا بمكةَ (٤).
حدثنا ابن وكيعٍ قال: ثنا أبي، عن فُضيلٍ بن مرزوقٍ، عن عطيةَ العَوْفيِّ، قال: بكَّةُ به موضعُ البيتِ، ومكَّةُ ما حولَها (٥).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني يحيى بنُ أَزْهَرَ، عن غالبِ بن عُبيدِ اللهِ، أنه سأَل ابن شهابٍ عن بكَّةَ، قال: بكَةُ البيتُ والمسجدُ. وسأَله
стр. 3714
عن مكَّةَ، فقال ابن شِهابٍ: مكَّةُ الحرمُ كلَّه (١).
حدَّثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا حجَّاجٌ، عن عطاءٍ ومجاهدٍ، قالا: بكَّةُ بكَّ فيها الرجالُ والنساءُ (٢)
حدَّثني عبدُ الجبارِ بنُ يحيى الرَّمْليُّ، قال: قال ضَمْرةُ بنُ ربيعةَ: بكَّةُ المسجدُ، ومكَّةُ البيوتُ (٣).
وقال بعضُهم بما حدَّثني به يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جويبرٌ، عن الضحَّاكِ في قولِه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾. قال: هي مكَّةُ (٤).
وقيل: ﴿مُبَارَكًا﴾؛ لأن الطوافَ به مغفرةٌ للذنوب.
فأما نصبُ قولِه: مُبَارَكًا. فإنه على الخروجِ (٥) من قولِه: ﴿وُضِعَ﴾؛ لأن في ﴿وُضِعَ﴾ ذِكْرًا مِن "البيتِ" هو به مشغولٌ، وهو معرفةٌ، و "مبارك" نكرةٌ لا يَصْلُحُ أَن يَتْبَعَه في الإعرابِ (٦).
وأَمَّا على قولِ مَن قال: هو أَوَّلُ بيتٍ وُضِع للناسِ - على ما ذَكَرْنا في ذلك قولَ مَن ذكَرْنا قوله - فإنه نَصْبٌ على الحال من قولِه: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾؛ لأن معنى الكلامِ على قولِهم: إن أوَّلَ بيتٍ وُضِع للناس البيتُ
стр. 3715
الذي (١) ببكَّةَ مباركًا. فـ "البيت" عندَهم من صفتِه (٢) "الذي ببكَّةَ"، و "الذي" بصِلَتِه معرفةٌ، و"المباركُ" نكرةٌ، فنُصِب على القطعِ منه في قولِ بعضُهم، وعلى الحالِ في قولِ بعضِهم، ﴿وَهُدًى﴾ في موضعِ نصبٍ على العطفِ على قولِه: ﴿مُبَارَكًا﴾.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾
اخْتَلَفت القرَأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأه قرأةُ الأمصارِ: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ على جِماعِ "آيةٍ"، بمعنى: فيه علاماتٌ بيِّناتٌ.
وقرأ ذلك ابن عباسٍ: (فِيهِ آيَةٌ بيِّنةٌ). يعنى بها: مقام إبراهيمَ. يُراد بها علامةٌ واحدةٌ (٣).
ثم اخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾. وما تلك الآياتُ؟ فقال بعضُهم: مَقامُ إبراهيمَ والمَشْعرُ (٤)، ونحوُ ذلك.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾: مَقامُ إبراهيمَ والمَشْعرُ (٥)
حدَّثنا الحسنُ (٦) بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ ومجاهدٍ: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ قالا: مقامُ إبراهيمَ من الآياتِ
стр. 3716
البيِّناتِ (١).
وقال آخرون: الآياتُ البيِّناتُ مقامُ إبراهيمَ، ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾.
ذكر من قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، قال: ثنا عَبَّادٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾. قال: مَقامُ إبراهيمَ، ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (٢).
وقال آخرون: الآياتُ البيِّناتُ هو مقامُ إبراهيمَ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾: أما "الآياتُ البيناتُ" فمقامُ إبراهيمَ.
وأما الذين قرَءوا ذلك: (فيه آيةٌ بينةٌ) (٣) على التوحيدِ، فإنهم عَنَوا بالآيةِ البيِّنةِ مقامَ إبراهيمَ.
ذكر من قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن
стр. 3717
أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾. قال: قدَماه في المقامِ آيةٌ بيِّنةٌ. يقولُ: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾. قال: هذا شيءٌ آخرُ (١).
حُدِّثت عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: (فِيهِ آيَةٌ بَيِّنَةٌ مَقامُ إِبْرَاهِيمَ) قال: أثرُ قدميْه في المقامِ آيةٌ بيِّنةٌ.
وأولى الأقوالِ في تأويلِ ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: الآياتُ البَيِّنَاتُ منهن مقامُ إبراهيمَ. وهو قولُ قتادةَ ومجاهدٍ، الذي رَواه معمرٌ عنهما، فيكونُ الكلامُ مرادًا فيه (٢) "منهن"، فترك ذِكْرَه اكتفاء بدَلالة الكلامِ عليها.
فإن قال قائلٌ: فهذا المقامُ من الآياتِ البيِّناتِ، فما سائرُ الآياتِ التي من أجلِها قيل: ﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾؟
قيل: منهن المقامُ، ومنهن الحجَرُ، ومنهن الحّطِيمُ.
وأصحُّ القراءتين في ذلك قراءةُ من قرَأ: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾. على الجِماع؛ لإجماعِ قرأَةِ أمصاِر المسلمين على أن ذلك هو القراءةُ الصحيحةُ دونَ غيرِها.
وأما اختلافُ أهلِ التأويلِ في تأويلِ: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾. فقد ذكَرناه في سورِة "البقرةِ"، وبيَّنَّا أولى الأقوالِ بالصوابِ فيه هنالك، وأنه عندَنا المَقامُ المعروفُ به (٣).
стр. 3718
فتأويلُ الآيةِ إذن: إن أوَّلَ بيتٍ وُضِع للناسِ مباركًا وهدًى للعالمين، للذى ببكَّةَ، فيه علاماتٌ بيِّناتٌ من قدرةِ اللهِ، وآثارِ خليلِه إبراهيمَ، منهن أثرُ قدمِ خليلِه إبراهيمَ ﷺ في الحجَرِ الذي قام عليه.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾.
اخْتَلف أهلِ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: تأويلُه الخبرُ عن أن كلَّ مَن جرَّ في الجاهليةِ جَريرةً، ثم عاذ بالبيتِ، لم يكنْ بها مأخوذًا.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾: وهذا كان في الجاهليةِ؛ كان الرجل لو جَرَّ كلَّ جَريرةٍ على نفسِه، ثم لَجَأ إلى حرَمِ اللهِ، لم يُتناوَلْ ولم يُطلَبْ، فأما في الإسلامِ، فإنه لا يَمنَعُ مِن حدودِ اللَّهِ؛ مَن سرَق فيه قُطِع، ومن زنَى فيه أُقيم عليه الحدُّ، ومن قتَل فيه قُتِل.
وعن قتادةَ أن الحسنَ كان يقولُ: إنَّ الحرَمَ لا يَمنَعُ من حدِّ (١) اللَّهِ؛ لو أصاب حدًّا في غيرِ الحرَمِ، فلجأ إلى الحرِمِ، لم يمنَعْه ذلك أن يُقام عليه الحدُّ. ورأَى قتادةُ ما قاله الحسنُ (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾. قال: كان ذلك في الجاهلية، فأما اليومَ
стр. 3719
فإن سرَق فيه أحدٌ قُطِع، وإن قتَل فيه قُتِل، ولو قُدِر فيه على المشركين قُتِلوا (١).
حدَّثنا سعيدٌ بنُ يحيى الأُمَويُّ، قال: ثنا عبدُ السلامِ بنُ حربٍ، قال: ثنا خُصيفٌ.، عن مجاهدٍ في الرجلِ يقتُلُ، ثم يدخُلُ الحَرَمَ، قال: يُؤخَذُ فيُخرَجُ من الحرَمِ، ثم يُقام عليه الحدُّ. يقولُ: القتلُ.
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن شعبةَ، عن حمادٍ مثلَ قولِ مجاهدٍ.
حدَّثنا أبو كُريبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابن إدريسٍ، قال: أخبَرنا هشامٌ، عن الحسنِ وعطاءٍ، في الرجلِ يُصيبُ الحدَّ، ويَلْجَأُ إلى الحَرَمِ: يُخرَجُ من الحرَمِ فيُقامُ عليه الحدُّ.
فتأويلُ الآيةِ على قولِ هؤلاء: فيه آياتٌ بيِّناتٌ مقامَ إبراهيمَ، والذي دخَله من الناسِ كان آمنًا بها في الجاهليةِ.
وقال آخرون: معنى ذلك: ومن يدخُلْه يكنْ آمِنًا بها. بمعنى الجزاءِ. كنحوِ قولِ القائلِ: من قام لى أكرمتُه. بمعنى: مَن يَقُمْ لى أُكرِمه. وقالوا: هذا أمرٌ كان في الجاهليةِ، كان الحرَمُ مَفْزَعَ كُلِّ خائفٍ، ومَلْجَأَ كلِّ جانٍ؛ لأنه لم يكنْ يُهاجُ به ذو جَريرةٍ، ولا يَعْرِضُ الرجلُ فيه لقاتل أبيه وابنِه بسوءٍ. قالوا: وكذلك هو في الإسلامِ؛ لأن الإسلامَ زاده تعظيمًا وتكريمًا.
стр. 3720
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الملك بن أبى الشَّواربِ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ، قال: ثنا خُصيفٌ، قال: ثنا مجاهدٌ، قال: قال ابن عباسٍ: إذا أصاب الرجلُ الحدَّ؛ قتل أو سرَق، فدخَل الحرَمَ، لم يُبايَعْ ولم يُؤْوَ، حتى يَتَبَرَّمَ فيَخْرُجَ من الحرَمِ، فيُقامَ عليه الحدُّ. قال: فقلتُ لابنُ عباسٍ: ولكني لا أرى ذلك، أرى أن يُؤخَذَ بِرُمَّتِه (١)، ثم يُخرَجَ من الحرَمِ، فيقامَ عليه الحدُّ، فإن الحَرَمَ لا يزيده إلا شدةً (٢).
حدَّثنا أبو كُريبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابن إدريسَ، قال: ثنا عبدُ الملكِ، عن عطاءٍ، قال: أخَذ ابن الزُّبيرِ سعدًا مولى معاويةَ - وكان في قلعةٍ بالطائفِ - فأَرْسَل إلى ابن عباسٍ [مَن يُشاوِرُه فيهم: إنهم لنا عدوٌّ (٣). فأرسل إليه ابن عباسٍ: لو وجدتُ قاتلَ أبى لم أَعْرِضْ له. قال: فأرسل إليه ابن الزُّبير] (٤): ألَا نُخرجهم من الحرَمِ؟ قال: فأرسل إليه ابن عباسٍ: أفلا قبلَ أن تُدْخِلَهم الحرَمَ؟ زاد أبو السائبِ في حديثه: فأَخْرَجهم فصلَبهم، ولم يُصْغِ (٥) إلى قول ابن عباسٍ (٦).
стр. 3721
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا حجَّاجٌ، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ، قال: من أَحْدَث حدَثًا في غيرِ الحَرَم ثم لَجَأ إلى الحرَمِ، لم يُعرَضُ له، ولم يُبايَعْ، ولم يُكلَّم، ولم يُؤْوَ، حتى يخرُجَ من الحرمِ، فإذا خرَج من الحرَمِ أُخِذ فأُقيم عليه الحدِّ. قال: ومن أَحْدَث في الحرَمَ حدثًا أُقيم عليه الحدِّ (١).
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ إسماعيلَ بن نصرٍ السُّلَميُّ، عن ابن أبي حَبيبةَ، عن داودَ بن حُصينٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ أنه قال: مَن أَحْدَث حدَثًا ثم اسْتَجار بالبيت، فهو آمِنٌ، وليس للمسلمين أن يعاقبوه على شيءٍ إلى أن يَخْرُجَ، فإذا خرج أقاموا عليه الحدَّ (٢).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: ثنا حجَّاجٌ، عن عطاءٍ، عن ابن عمرَ، قال: لو وجدتُ قاتلَ عمرَ في الحرمِ ما هِجْتُه (٣).
حدَّثنا أبو كُريبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابن إدريسَ، قال: ثنا ليثٌ، عن عطاءٍ، أن الوليدَ بنَ عُتْبَةَ أراد أن يُقيمَ الحدَّ في الحرمِ، فقال له عُبَيْدُ بنُ عُميرٍ: لا تُقِمْ عليه الحدِّ في الحرمِ، إلَّا أن يكونَ أصابه فيه (٤).
стр. 3722
حدَّثنا أبو كُريبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابن إدريسٍ، قال: أخبَرنا مُطَرِّفٌ، عن عامرٍ، قال: إذا أصاب الحدَّ ثم هرب إلى الحرمِ فقد أمِن، فإذا أصابه في الحرمِ، أُقيم عليه الحدُّ في الحرمِ (١).
حدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن فرَاسٍ، عن الشَّعْبي، قال: مَن أصاب حدًّا في الحرمِ أُقيم عليه في الحرمِ، ومن أصابه خارجًا من الحرمِ ثم دخَل الحرَمَ، لم يُكلَّم، ولم يُبايعْ، حتى يخرُجَ من الحرمِ فيُقامَ عليه.
حدَّثنا سعيدٌ بن يحيى الأُمَويُّ، قال: ثنا عبدُ السلامِ بنُ حربٍ، قال: ثنا عطاءُ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، وعن عبدِ الملكِ، عن عطاءِ بن أبي رباحٍ، في الرجلِ يقتُلُ، ثم يدخُلُ الحرمَ، قال: لا يبيعُه أهلُ مكةَ، ولا يَشْتَرون منه، ولا يَسْقونه ولا يُطْعِمونه، ولا يُؤونه - عدَّ أشياء كثيرةً - حتى يخرُجَ من الحرمِ فيُؤْخذ بذنبِه (٢).
حُدِّثت عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن عطاءٍ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ أنَّ الرجلَ إذا أصاب حدًّا ثم دخَل الحرمَ، أنه لا يُطعَمُ، ولا يُسْقى، ولا يُؤْوَى، ولا يُكلَّم، ولا يُنكَحُ، ولا يُبايَعُ، فإذا خرَج منه أُقِيم عليه الحدُّ (٣).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثني حجاجٌ، قال: ثنا حمادٌ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن
стр. 3723
ابن عباسٍ، قال: إذا أَحْدَث الرجلُ حدثًا، ثم دخَل الحرمَ، لم يُؤْوَ، ولم يُجالَسْ، ولم يُبايَعْ، ولم يُطعَمْ، ولا يُسْقَ، حتى يخرُجَ من الحرمِ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا حجَّاجٌ، قال: ثنا حمادٌ، عن عطاءٍ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه.
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: أمَّا قولَه: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾. فلو أن رجلًا قتَل رجلًا، ثم أَتَى الكعبةَ، فعاذ بها، ثم لَقِيَه أخو المقتولِ، لم يَحِلَّ له أبدا أن يقتُلَه (١).
وقال آخرون: معنى ذلك: ومن ومن دخَله يكنْ آمِنًا من النارِ.
ذكر من قال ذلك
حدَّثنا عليُّ بنُ مسلمٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبَرنا (٢) زُرَيْقُ (٣) بنُ مسلمٍ المخزوميُّ، قال: ثنا زيادُ بنُ أبي عَيَّاشٍ (٤)، عن يحيى بن جَعْدةَ في قولِه: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾. قال: آمِنًا من النارِ (٥).
وأولى الأقوالِ في ذلك عندَنا بالصوابِ قولُ ابن الزُّبير ومجاهدٍ والحسنِ ومَن قال: معنى ذلك: ومَن دخَله مِن غيرِه ممن لَجَأ إليه عائذًا به، كان آمِنًا ما كان فيه،
стр. 3724
ولكنه يُخرج منه، فيُقامُ عليه الحدُّ إن كان أصاب ما يَسْتَوجِبُه في غيرِه ثم لَجَأَ إِليه، وإن كان أصابه فيه أُقِيم عليه فيه.
فتأويلُ الآية إذن: فيه آياتٌ بيِّناتٌ مَقامُ إبراهيمَ، ومَن يدخُلْه مِن الناسِ مستجيرًا به، يكنْ آمِنًا مما استجار منه ما كان فيه، حتى يُخرَجَ منه.
فإن قال قائلٌ: وما مَنَعك من إقامةِ الحدِّ عليه فيه؟
قيل: لاتفاق جميعِ السَّلَفِ على أن مَن كانت جَريرتُه في غيرِه ثم عاذ به فإنه لا يُؤخَذُ بجريرته فيه. وإنما اخْتَلفوا في صفةِ إخراجِه منه لأخْذِه بها؛ فقال بعضُهم: صفةُ ذلك منعُه المعانى التي يُضْطَرُّ مع مَنْعِه وفَقْدِه إلى الخروجِ منه.
وقال آخرون: لا صفةَ لذلك غيرُ إخراجِه منه بما أَمْكَن إخراجُه من المعاني التي تُوصَّلُ إلى إقامةِ حدِّ اللهِ عليه معها. فلذلك قلنا: غيرُ جائزٍ إقامةُ الحدِّ عليه فيه إلَّا بعد إخراجِه منه. فأمَّا مَن أصاب الحدَّ فيه، فإنه لا خلافَ بينَ الجميعِ في أنه يُقامُ عليه فيه الحدُّ، فكلتا المسألتين أصلٌ مُجْمَعٌ على حكمِهما على ما وَصفْنا.
فإن قال لنا قائلٌ: وما دَلالتُك على أن إخراجَ العائذِ بالبيتِ إذا أتاه مستجيرًا به مِن جَريرةٍ جَرَّها، أو مِن حدٍّ أصابه، من الحرمِ جائزٌ لإقامةِ الحدِّ عليه، وأخْذِه بالجريرةِ، وقد أَقْرَرتَ بأنَّ اللَّهَ قد جعَل مَن دَخَله آمنًا، ومعنى الآمن غيرُ معنى الخائفِ، فبما (١) هما فيه مُخْتَلِفانِ؟
стр. 3725
قيل: قلنا ذلك لإجماعِ الجميعِ من المتقدِّمين والمتأخِّرين من علماءِ الأمةِ على أن إخراجَ العائذِ به من جريرةٍ أصابها أو فاحشةٍ أتاها، وَجَبَتْ عليه بها عقوبةٌ، منه ببعضِ معاني الإخراجِ؛ لأخْذه بما لَزِمَه، واجبٌ على إمامِ المسلمين وأهلِ الإسلامِ معه.
وإنما اخْتَلفوا في السببِ الذي يُخْرَجُ به منه؛ فقال بعضُهم: السببُ الذي يجوزُ إخراجُه به منه تركُ جميعِ المسلمين مبايعَتَه وإطعامَه وسَقْيَه وإيواءَه وكلامَه، وما أَشْبَه ذلك من المعانى التي لا قرارَ للعائذِ به فيه مع بعضِها، فكيف مع جميعِها!
وقال آخرون منهم: بل إخراجُه لإقامة من لَزِمَه من العقوبةِ واجبٌ، بكلِّ معاني الإخراجِ.
فلمَّا كان إجماعًا من الجميعِ، على أن حكمَ اللهِ في من عاذ بالبيتِ، من حدٍّ أصابه، أو جَريرةٍ جَرَّها - إخراجه منه؛ لإقامةِ ما فرَض اللهُ على المؤمنين إقامته عليه، ثم اختلفوا في السببِ الذي يجوزُ إخراجُه به منه - كان اللازمُ لهم ولإمامِهم إخراجَه منه بأى معنى أمْكَنَهم إخراجه منه، حتى يُقيموا عليه الحدِّ الذي لَزِمَه خارجًا منه إذا كان لَجَأ إليه من خارج، على ما قد بَيَّنَّا قبلُ.
وبعدُ، فإن الله لم يضع حدًّا من حدودِه عن أحدٍ من خلقِه، من أجلِ بقعةٍ وموضعٍ صار إليها مَن لَزِمَه ذلك، وقد تَظاهَرَتِ الأخبارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: "إنى حَرَّمتُ المدينةَ كما حرَّم إبراهيمُ مكَّةَ" (١). ولا خلافَ بينَ جميعِ الأمةِ،
стр. 3726
أن عائذًا لو عاذ من عقوبةِ لَزِمَته بحرِمِ النبيِّ ﷺ ، يُؤاخَذُ بالعقوبةِ فيه. ولولا ما ذكَرتُ من إجماعِ السلفِ على أن حرمَ إبراهيمَ لا يقامُ فيه على مَن عاذ به مِن عقوبةٍ لَزِمَتْه حتى يخرُجَ منه ما لَزِمَه (١)، لكان أحقُّ البقاع أن تُؤَدَّى فيه فرائضُ اللَّهِ التي أَلْزَمَها عباده - مِن قتلٍ أو غيرِه - أعظمَ البقاعِ إلى اللهِ؛ كحرَمِ الله، وحرمِ رسولِه ﷺ ، ولَكِنَّا أُمِرْنا بإخراجِ مَن أُمِرنا بإخراجِه من حرمِ اللهِ لإقامةِ الحدِّ؛ لما ذكَرْنا من فعلِ الأمةِ ذلك وِراثةً.
فمعنى الكلامِ إذ كان الأمرُ على ما وَصَفْنا: ومَن دخَله كان آمِنًا ما كان فيه. فإذ كان ذلك كذلك، فمَن لَجَأ إليه من عقوبة لَزِمَتْه عائذًا به، فهو آمِنٌ ما كان به حتى يَخرُجَ منه، وإنما يَصيرُ إلى الخوفِ بعد الخروجِ أو الإخراجِ منه، فحينَئذٍ هو غيرُ داخلِه، ولا هو فيه.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وفرض واجبٌ للَّهِ على مَن استطاع مِن أهلِ التكليفِ السبيلَ إلى حَجَّ بيتِه الحرامِ، الحِجُّ إليه.
وقد بيَّنَّا فيما مضى معنى الحجِّ، ودَلَّلْنا على صحَّةِ ما قلنا من معناه، بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٢).
واخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه : ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، وما
стр. 3727
السبيلُ التي يجبُ مع استطاعتِها فرضُ الحجِّ؟ فقال بعضُهم: هي الزادُ والراحلةُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: أخبَرنا ابن جُريجٍ، قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ ﵁: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، قال: الزادُ والراحلةُ (١).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: أخبَرنا ابن جُريجٍ، قال: قال عمرُو بنُ دينارٍ: الزادُ والراحلةُ (٢).
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبي جَنَابٍ (٣)، عن الضحَّاكِ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ قال: الزادُ والبعيرُ (٤).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾: والسبيلُ أن يَصِحَّ بدنُ العبدِ ويكونَ له ثمنُ زادٍ وراحلةٍ من غيرِ أن يُجحَفَ به (٥).
стр. 3728
حدَّثنا خلَّادُ بنُ أَسْلَمَ، قال: ثنا النَّضْرُ بنُ شُميلٍ، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي عبدِ اللَّهِ البَجَليِّ، قال: سألتُ سعيدِ بن جُبيرٍ عن قولِه: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. قال: قال ابن عباسٍ: من ملَك ثلاثَمائةِ درهمٍ، فهو السبيلُ إليه (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن إسحاقَ بن عثمانَ، قال: سمِعتُ عطاءً يقولُ: السبيلُ الزادُ والراحلةُ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّي: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ فإن ابن عباسٍ قال: السبيلُ: راحلةٌ وزادٌ.
حدَّثني المُثَنَّى وأحمدُ بنُ حازمٍ، قالا: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن محمدِ بن سُوقَةَ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. قال: الزادُ والراحلةُ (٣).
حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: أخبَرنا الرَّبيعُ بنُ صَبِيحٍ، عن الحسنِ، قال: الزادُ والراحلةُ (٤).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن الحسنِ، قال: قرَأ النبيُّ ﷺ هذه الآيةَ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾.
стр. 3729
فقال رجلٌ: يا رسولَ اللَّهِ، ما السبيلُ؟ قال: "الزادُ والراحلةُ" (١).
واعتلَّ قائلو هذه المقالةِ بأخبارٍ رُوِيَتْ عن رسولِ اللهِ ﷺ بنحوِ ما قالوا في ذلك.
ذكرُ الرواية بذلك عن رسولِ اللهِ ﷺ -
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا إبراهيمُ بن يزيدَ الخُوزيُّ، قال: سَمِعتُ محمد بن عَبَّادِ بن جعفرٍ، يحدِّثُ عن ابن عمرَ، قال: قام رجلٌ إلى رسولِ اللهِ ﷺ فقال: ما السبيلُ؟ قال: "الزادُ والراحلةُ" (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا سفيانُ، عن إبراهيمَ الخُوزيِّ، عن محمدِ بن عَبَّادٍ، عن ابن عمرَ، أن النبيَّ ﷺ قال في قولِه : ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. قال: "السبيلُ إلى الحجِّ الزادُ والراحلةُ" (٣).
حدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا بشرٌ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا يونسُ، وحدثَّني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن يونسَ، عن
стр. 3730
الحسنِ، قال: قرَأ رسولُ اللهِ ﷺ : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. قالوا: يا رسولَ اللهِ، ما السبيلُ؟ قال: "الزادُ والراحلةُ" (١).
حدَّثنا أبو عثمانَ المُقَدَّمى والمُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هلالُ بنُ [عبدِ اللَّهِ] (٢) مولى ربيعةَ بن عمرِو بن مسلمٍ الباهليُّ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، عن الحارثِ، عن عليٍّ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "مَن مَلَك زادًا وراحلةً تُبلِّغُه إلى بيتِ اللَّهِ، فلم يَحُجَّ، فلا عليه أن يموتَ يهوديًا أو نصرانيًّا، وذلك أن اللهً يقولُ في كتابِه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ الآية (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، عن الحسنِ، قال: بلَغنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ قال له قائلٌ، أو رجلٌ: يا رسولَ اللهِ، ما السبيلُ إليه؟ قال: "مَن وجَد زادًا وراحلةً" (٤).
حدَّثنا أحمدُ بنُ الحسنِ الترمذيُّ، قال: ثنا شَاذُ بنُ فَيَّاضٍ البصريُّ، قال: ثنا هلالٌ [أبو هاشم] (٥)، عن أبي إسحاقَ الهَمْدانيِّ، عن الحارثِ، عن عليٍّ بن أبى طالبٍ، ﵁، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "مَن مَلَك زادًا وراحلةً فلم
стр. 3731
يَحُجَّ، مات يهوديًا أو نصرانيًّا، وذلك أن الله يقولُ في كتابِه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ " الآية (١).
حدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا حمادُ بنُ سَلَمةَ، عن قتادةَ وحُميدٍ، عن الحسنِ، أن رجلًا قال: يا رسولَ اللهِ، ما السبيلُ إليه؟ قال: "الزادُ والراحلةُ".
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا الحجَّاجُ بنُ المنْهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه.
وقال آخرون: السبيلُ التي إذا استطاعها المرءُ كان عليه الحجُّ، الطاقةُ للوصولِ إليه.
قال: وذلك قد يكونُ بالمشيِ وبالركوبِ، وقد يكونُ مع وجودِهما العجزُ عن الوصولِ إليه، بامتناعِ الطريقِ مِن العدوِّ الحائلِ، وبقلةِ الماءِ، وما أَشْبَه ذلك.
قالوا: فلا بيان في ذلك أبْيَنُ مما بيَّنه اللهُ ، بأن يكونَ مستطيعًا إليه السبيلَ؛ وذلك الوصولُ إليه بغيرِ مانعٍ ولا حائلٍ بينَه وبينَه، وذلك قد يكونُ بالمشيِ وحدَه، وإن أَعْوَزه المَرْكَبُ، وقد يكونُ بالمركبِ وغيرِ ذلك.
ذكرَ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن
стр. 3732
خالدِ بن أبي كَريمةَ، عن رجلٍ، عن ابن الزُّبير قولَه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. قال: على قَدْرِ القوَّةِ (١).
حدَّثنا يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جُوَيبرٌ، عن الضحّاك في قولِه: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. قال: الزادُ والراحلةُ، فإن كان شابًّا صحيحًا ليس له مالٌ، فعليه أن يُوَاجِرَ نفسَه بأكلِه وعَقِبه حتى يقضِىَ حَجَّتَه. فقال له قائلٌ: كلَّف اللهُ الناسَ أن يَمْشُوا إلى البيتِ؟ فقال: لو أن لبعضِهم ميراثًا بمكةَ، أكان تاركَه؟ واللهِ لَانْطَلَقَ إليه ولو حَبْوًا، كذلك يجبُ عليه الحجُّ (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: أخبَرنا ابن جُريجٍ، قال: قال عطاءً: من وجد شيئًا يُبلغه فقد وجَد سبيلًا، كما قال اللَّهُ : ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾.
حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا أبو هانئ، قال: سُئِل (٣) عامرٌ عن هذه الآيةِ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. قال: السبيلُ ما يَسَّرَه اللهُ.
стр. 3733
حدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، قال: ثنا عبَّادٌ، عن الحسنِ: مَن وجد شيئًا يبلِّغُه فقد اسْتَطاعَ إِليه سبيلًا (١).
وقال آخرون: السبيلُ إلى ذلك الصحَّةُ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ حُميد ومحمد بنُ عبدِ اللَّهِ بن عبدِ الحكمِ والمُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قالوا: حدَّثنا أبو عبدِ الرحمنِ المُقْرِئُ، قال: ثنا حَيْوَةُ بْنُ شُرِيحٍ وابنُ لَهِيعَةَ، قالا: أخبَرنا شُرَحْبيلُ بنُ شَريكٍ المَعَافريُّ، أنه سمِع عكرمةَ مولى ابن عباسٍ يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. قال: السبيلُ الصحَّةُ (٢).
وقال آخرون بما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ الله : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، قال: مَن وجدَ قوةً في النفقةِ والجسدِ والحَمْلانِ. قال: وإن كان في جسدِه ما لا يستطيعُ الحَجَّ، فليس عليه الحجُّ، وإن كان له قوةٌ في مالٍ، كما إذا كان صحيحَ الجسدِ ولا يجدُ مالًا ولا قوةً، يقولون: لا يُكَلَّفُ أن يَمْشِيَ.
وأولى الأقوالِ في ذلك عندنا بالصوابِ قولُ مَن قال بقولِ ابن الزُّبير وعطاءٍ: إن ذلك على قَدْرِ الطاقةِ؛ لأن السبيلَ في كلامِ العربِ الطريقُ. فمن كان واجدًا
стр. 3734
طريقًا إلى الحجِّ لا مانعَ له منه؛ مِن زَمانَةٍ، أو عجزٍ، أو عدوٍّ، أو قِلَّةِ ماءٍ في طريقه، أو زادٍ، وضعفٍ عن المشيِ، فعليه فرضُ الحج، لا يُجْزِئُه إِلَّا أَداؤُه. فإن لم يكنْ واجدًا سبيلًا - أعنى بذلك: فإن لم يكن مُطيقًا الحجِّ بتَعَذُّرِ بعضِ هذه المعانى التي وَصَفْناها عليه - فهو ممن لا يجدُ إليه طريقًا ولا يستطيعُه؛ لأن الاستطاعةَ إلى ذلك هو القدرةُ عليه كان عاجزًا عنه ببعضِ الأسبابِ التي ذَكَرْنا أو بغيرِ ذلك، فهو غيرُ مطيقٍ ولا مُستَطِيع إليه السبيلَ.
وإنما قلنا: هذه المقالةُ أولى بالصحَّةِ مما خالَفها؛ لأن الله لم يَخصُص إذ أَلْزم الناسَ فرضَ الحجِّ - بعضَ مستطيعى السبيلِ إليه، بسقوطِ فَرْضِ ذلك عنه. فذلك على كلِّ مستطيعٍ إليه سبيلًا بعمومِ الآيةِ.
فأمَّا الأخبارِ التي رُويَتْ عن رسولِ اللهِ ﷺ في ذلك بأنه الزادُ والراحلةُ، فإنها أخبارٌ في أسانيدِها نظرٌ، لا يجوزُ الاحتجاجُ بمثلِها في الدينِ.
واخْتَلف القرَأَةُ في قراءةِ "الحجِّ"، فقرَأ ذلك جماعةٌ من قرأةِ أهلِ المدينةِ والعراقِ بالكسرِ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (١).
وقرَأ ذلك جماعةٌ أُخرى منهم بالفتحِ: (وللهِ على النَّاسِ حَجُّ البَيْتِ) (٢).
وهما لغتان معروفتان للعربِ، فالكسرُ لغةُ أهلِ نَجْدٍ، والفتحُ لغةُ أهلِ العاليةِ، ولم نرَ أحدًا مِن أهل العربيةِ ادَّعى فرقًا بينَهما في معنًى ولا غيرِه، غيرَ ما ذَكَرْنا من اختلافِ اللغتين، إلَّا ما حدَّثنا به أبو هشامٍ الرِّفاعيُّ، قال: قال
стр. 3735
حسينٌ (١) الجعفى: الحَجُّ مفتوحٌ اسمٌ والحِجُّ مكسورٌ: عَملٌ.
وهذا قولٌ لم أَرَ أهلَ المعرفةِ بلغاتِ العربِ ومعاني كلامِهم يَعْرِفونه، بل رأيتُهم مُجْمِعِين على ما وصَفتُ من أنهما لغتان بمعنَى واحدٍ.
والذي نقولُ به في قراءةِ ذلك: إن القراءتين إذ كانتا مستفيضتين في قرأةِ أهلِ الإسلامِ، ولا اختلافَ بينَهما في معنًى ولا غيرِه، فهما قراءتان قد جاءتا مجئَ الحُجَّةِ، فبأيِّ القراءتين - أعنى بكسرِ الحاءِ من الحجِّ أو فتحِها - قرَأ القارئُ، فمصيبٌ الصوابَ في قراءتِه.
وأما ﴿مَنِ﴾ التي مع قولِه: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ﴾. فإنه في موضعِ خفضٍ على الإبدالِ من ﴿النَّاسِ﴾. لأن معنى الكلامِ: واللهِ على مَن استطاعِ مِن الناسِ سبيلًا إلى حجِّ البيتِ، حجُّه. فلما تقدَّم ذكرُ ﴿النَّاسِ﴾ قبلَ ﴿مَنِ﴾، بيَّن بقولِه: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، الذي عليه فرضُ ذلك منهم؛ لأنَّ فَرْضَ ذلك على بعضِ الناسِ دونَ جميعِهم.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ومَن جحَد ما أَلْزَمه اللَّهُ مِن فرضِ حجِّ بيتِه، فأَنْكَره وكفَر به، فإن الله غنيٌّ عنه وعن حجِّه وعملِه، وعن سائرِ خلقِه مِن الجنِّ والإنسِ.
كما حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ، عن الحجَّاجِ بن أَرْطَاةَ، عن محمدِ بن أبي المُجالِدِ، قال: سَمِعتُ
стр. 3736
مِقْسمًا، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾. قال: مَن زعَم أنه ليس بفرضٍ عليه (١).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا الحجَّاجُ، عن عطاءٍ، وجُويبرٍ، عن الضحَّاكِ، في قولِه: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. قالا: من جحَد الحجَّ وكفَر به (٢).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن الحَجَّاجِ بن أَرْطَاةَ، عن عطاءٍ، قال: مَن جحد به.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا عمرانُ القطَّانُ، يقولُ: مَن زعَم أن الحجَّ ليس عليه (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو بكر، عن عبَّادٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾، قال: مَن أَنْكَرَه، ولا يرى أن ذلك عليه حقًّا، فذلك كفرٌ (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ قال: من كفَر بالحجِّ.
حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ، قال: أخبَرنا إسحاقُ بنُ يوسفَ، عن أبي بشرٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. قال: مَن كفَر بالحجِّ كفَر باللهِ (٤).
стр. 3737
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا يَعْلَى بْنُ أَسَدٍ، قال: ثنا خالد، عن هشامِ بن حسَّانِ، عن الحسنِ في قولِ اللهِ : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ﴾. قال: من لم يَرَه عليه واجبًا (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ قال: بالحجِّ.
وقال آخرون: معنى ذلك ألّا يكونَ معتقدًا في (٢) حجِّه أن له الأجرَ عليه، ولا أن عليه بتركِه إثمًا، ولا عقوبةً.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: أخبَرنا ابن جُريجٍ، قال: ثنى عبدُ اللهِ بن مسلمٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ قال: هو ما إن حجّ لم يَرَه بِرًّا، وإن قعد لم يَرَه مأثمًا.
حدَّثنا عبد الحميد بن بيانٍ، قال: أخبَرنا إسحاقُ بنُ يوسفَ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: هو ما إن حجّ لم يَرَه بِرًّا، وإن قعد لم يَرَه مأثمًا (٣).
حدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا فِطْرٌ (٤)، عن أبي داودَ نُفيعٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ
стр. 3738
سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. فقام رجلٌ من هُذيلٍ، فقال: يا رسولَ اللهِ، من ترَكه كفَر؟ قال: "من ترَكه ولا يخافُ عقوبتَه، ومن حجَّ ولا يرجو ثوابَه، فهو ذاك" (١).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. يقولُ: مَن كفَر بالحجِّ، فلم يرَ حَجَّه بِرًا، ولا تَرْكَه مأثمًا (٢).
وقال آخرون: معنى ذلك: ومَن كفَر باللهِ واليومِ الآخرِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: سألته عن قولِه: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. ما هذا الكفرُ؟ قال: من كفَر باللهِ واليومِ الآخرِ (٣).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾. قال: قال: من كفَر باللهِ واليومِ الآخرِ (٤).
حدَّثنا يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جُويبرٍ، عن
стр. 3739
الضحَّاكِ في قولِه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. قال: لما نَزَلت آيةُ الحجِّ جمَع رسولُ اللهِ ﷺ أهلَ الأديانِ كلهم، فقال: "يا أيُّها الناسُ، إنَّ الله كتب عليكم الحجَّ فحُجُّوا". فآمنت به ملةٌ واحدةٌ، وهى مَن صدَّق النبيَّ ﷺ وآمَن به، وكَفَرتْ به خمسُ مِلَلٍ، قالوا: لا نؤمنُ به، ولا نصلِّي إليه، ولا نَسْتَقْبِلُه. فَأَنْزَل الله : ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (١).
حدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: أخبَرنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا أبو هانئ، قال: سُئل عامرٌ عن قولِه: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾. قال: مَن كفَر من الخلقِ، فإن الله غنيٌّ عنه (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ سِنان، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا سفيانُ، عن إبراهيم، عن محمدِ بن عَبَّادٍ، عن ابن عمرَ، عن النبيِّ ﷺ في قولِ اللهِ: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ قال: "مَن كفَر باللهِ واليومِ الآخرِ" (٣)
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن عكرمةَ مولى ابن عباسٍ في قولِ اللَّهِ : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ [آل عمران:٨٥]. فقالت المللُ: نحن مسلمون. فَأَنْزَل اللهُ : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ
стр. 3740
الْعَالَمِينَ﴾. فحجَّ المؤمنون وقعَد الكفارُ (١).
وقال آخرون: معنى ذلك: ومَن كفَر بهذه الآياتِ التي في مَقامِ إبراهيم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. فقرأ: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦]. فقرَأ حتى بلغ: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ﴾. قال: مَن كفَر بهذه الآياتِ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. ليس كما يقولون: إذا لم يحُجَّ، وكان غنيًّا، وكانت له قوةٌ، فقد كفَر بها. وقال قومٌ من المشركين: فإنا نكفُرُ بها ولا نفعَلُ. فقال اللهُ : ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (٢).
وقال آخرون بما حدَّثنى إبراهيمُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن مسلم، قال: أخبَرنا أبو عمرَ الضريرُ، قال: ثنا حمادٌ، عن حبيبِ بن أبي بقيَّةَ، عن عطاءِ بن أبي رباحٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. قال: مَن كفَر بالبيتِ (٣).
وقال آخرون: كفرُه به تركُه إيَّاه حتى يموتَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنى أحمد بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن
стр. 3741
السُّديِّ: أما ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ فمَن وجَد ما يحجُّ به، ثم لا يحجُّ، فهو كافرٌ (١).
وأولى التأويلاتِ بالصوابِ في ذلك قولُ مَن قال: معنى ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾: ومن جحَد فرْضَ ذلك وأَنْكَر وجوبَه فإن اللَّهَ غنيٌّ عنه وعن حجِّه، وعن العالمين جميعًا.
وإنما قلنا ذلك أولى به؛ لأن قولهَ: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾. بِعَقِبِ قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. بأن يكونَ خبرًا عن الكافرَ بالحجِّ، أحقُّ منه بأن يكونَ خبرًا عن غيره، مع أن الكافرَ بفرضِ الحجِّ على من فرَضه اللَّهُ عليه، باللَّهِ كافرٌ، وأن الكفرَ أَصْلُه الجحودِ، ومن كان له جاحدًا، ولفرضِه منكرًا، فلا شكّ إِنْ حجَّ لم يَرْجُجُ بحجِّه بِرًّا، وإن تَرَكَه فلم يَحُجَّ لم يَرَهُ مأثمًا.
فهذه التأويلاتُ، وإن اخْتَلَفَت العباراتُ بها، فمتقارباتُ المعانى.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (٩٨)﴾.
يعنى بذلك: يا معشرَ يهودِ بني إسرائيلَ وغيرِهم من سائرِ مَن يَنْتَحِلُ الدِّيانةَ بما أَنْزل الله من كتبِه، ممن كفَر بمحمدٍ ﷺ ، وجحَد نبوَّته: لمَ تَجْحدون ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ يقولُ: لمَ تجحَدون حُججَ اللهِ التي آتاها محمدًا ﷺ في كتبِكم وغيرها، التي قد ثَبَتَتْ عليكم بصدقِه ونبوته حُجَّتُه. وأنتم تعلَمون (٢). يقولُ: لم تجحَدون ذلك من أمرِه وأنتم تعلَمون صدقه؟ فَأَخْبر جلَّ ثناؤُه عنهم أنهم
стр. 3742
متعمِّدون الكفرَ باللهِ وبرسولِه، على علمٍ منهم ومعرفةٍ من كفرِهم.
وقد حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: أما آياتُ اللهِ فمحمدٌ ﷺ .
حدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ، قال: ثنا عَبَّادٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾. قال: هم اليهودُ والنصارَى (١).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩)﴾.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: يا معشرَ يهودِ بني إسرائيلَ وغيرِهم ممن يَنْتَحِلُ التصديقَ بكتبِ اللهِ، ﴿لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ﴾ يقولُ: لم تُضِلُّون عن طريقِ اللهِ ومَحَجَّتِه التي شرَعها لأنبيائه وأوليائِه وأهلِ الإيمانِ ﴿مَنْ آمَنَ﴾ يَقولُ: من صدَّق باللهِ ورسولِه وما جاء به من عندِ اللهِ، ﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ يعنى: تبغُون لها عوجًا.
والهاءُ والألفُ اللتان في قولِه: ﴿تَبْغُونَهَا﴾ عائدتان على ﴿سَبِيلِ﴾، وأنَّثها لتأنيثِ السبيلِ.
ومعنى قولِه: [تَبْغون لها عِوَجًا] (٢). من قولِ الشاعرِ، وهو سُحيمٌ عبدُ بنى الحَسْحاسِ (٣):
стр. 3743
بغَاك وما تَبْغِيه حتى وجَدْتَهُ … كأنك قد وَاعَدْتَه أَمسِ مَوْعِدَا
يعنى: طَلَبَك وما تطلبه
يقالُ: ابْغِنى كذا. يُرادُ: ابْتَغِه لى. فإذا أرادوا: أَعِنِّي على طلبِه وابْتَغِه معى. قالوا: أَبْغِنى. بفتحِ الألفِ. وكذلك يقالُ: احْلِبْنى. بمعنى: اكْفِني الحَلْبَ. وأَحْلِبْني: أعنِّى عليه. وكذلك جميعُ ما ورَد من هذا النوعِ فعلى هذا.
وأما العِوَجُ فهو الأَوَدُ والمَيْلُ. وإنما يعنى بذلك الضلالَ عن الهدَى. يقولُ جلَّ ثناؤُه: لمَ تصدُّون عن دينِ اللَّهِ مَن صَدَّق الله ورسولَه، تَبْغون دينَ اللَّهِ اعوجاجًا عن سَنَنِه واستقامته.
وخرج الكلامُ على "السبيل" والمعنى لأهلِه. كأن المعنى: تَبْغون لأهلِ دينِ اللهِ ولمن هو على سبيلِ الحقِّ، ﴿عِوَجًا﴾. يقولُ: ضلالًا عن الحقِّ، وزَيْغًا عن الاستقامةِ على الهدى والمحجَّةِ.
والعِوَجُ بكسرِ أولِه: الأودُ في الدينِ والكلامِ. والعَوَجُ بفتحِ أولِه: المَيْلُ في الحائطِ والقناةِ وكلِّ شيءٍ منتصبٍ قائمٍ.
وأمَّا قولُه: ﴿وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ﴾. فإنه يعنى: شهداءَ على أن الذي تصُدُّون عنه من السبيل حقٌّ، تعلَمونه وتجدونه في كتبِكم. ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: ليس اللهُ بغافلٍ عن أعمالِكم التي تَعْمَلونها مما لا يَرْضاه لعبادِه، وغيرِ (١) ذلك من أعمالِكم، حتى يُعاجلَكم بالعقوبِة عليها مُعجَّلةً، أو يُؤخِّرَ ذلك لكم حتى تَلْقَوه فيُجازيكم عليها.
وقد ذُكر أن هاتين الآيتين من قولِه ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ
стр. 3744
اللَّهُ﴾ والآياتِ بعدَهما (١)، إلى قولِه: ﴿[وَأُولَئِكَ] (٢) لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. نَزَلَتْ في رجلٍ من يهودَ، حاوَل الإغراءَ بين الحيَّيْن من الأوسِ والخزرجِ بعدَ الإسلامِ، ليُراجِعوا ما كانوا عليه في جاهليَّتِهم من العداوةِ والبغضاءِ، فعَنَّفَهُ اللَّهُ بفعلِه ذلك، وقبَّح له ما فعَل، ووَبَّخه عليه، ووعَظ أيضا أصحابَ رسولِ اللهِ ﷺ ، ونهاهم عن الافتراق والاختلافِ، وأمَرهم بالاجتماعِ والائْتلافِ.
ذكرُ الروايةِ بذلك
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، قال: ثنى الثقةُ، عن زيدِ بن أسلمَ، قال: مرَّ شَأْسُ بن قيسٍ - وكان شيخًا قد عسَا (٣) في الجاهليَّةِ، عظيمَ الكفرِ، شديدَ الضِّغْنِ على المسلمين، شديدَ الحسَدِ لهم - على نفرٍ من أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ مِن الأوسِ والخزرجِ، في مجلسٍ قد جَمَعَهم يتحدَّثون فيه، فغاظَه ما رأى من جماعتِهم وأُلْفَتِهم، وصلاحِ ذاتِ بَيْنِهم على الإسلامِ، بعدَ الذي كان بينَهم من العداوةِ في الجاهليةِ، فقال: قد اجْتَمع مَلأُ بني قَيْلَةَ (٤) بهذه البلادِ، لا (٥) واللَّهِ ما لنا معهم إذا اجْتَمع مَلَؤُهم بها من قرارٍ. فأمرَ فتًى شابًّا مِن يَهودَ، وكان معه (٦)، فقال: اعمِدْ إليهم، فاجْلِسْ معهم، وذكِّرْهم يومَ بُعاثٍ وما كان قبلَه، وأَنْشِدْهم بعضَ ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعارِ. وكان يومُ بُعاتٍ يومًا اقْتَتَلَتْ
стр. 3745
فيه الأوسُ والخزرجُ، وكان الظَّفَرُ فيه للأوسِ على الخزرجِ، فَفَعَلَ. فتَكَلَّم القومُ عندَ ذلك، فتنازعوا وتفاخروا، حتى تَوَاثَبَ رجلان من الحيَّيْن على الرُّكَبِ؛ أَوْسُ بنُ قَيْظِيٍّ، أحدُ بني حارثةَ بن الحارثِ، من الأوسِ، وجَبَّارُ بنُ صخرٍ، أحدُ بني سَلِمةَ من الخزرجِ، فتقاولا، ثم قال أحدُهما لصاحبِه: إن شئتم واللَّهِ رَدَدْناها الآنَ جَذَعةً (١). وغضِب الفريقان، وقالوا: قد فعَلْنا، السلاحَ السلاحَ، موعدُكم الظاهِرةُ. والظاهرةُ الحَرَّةُ. فخرَجوا إليها، وتَحَاوَزَ (٢) الناسُ، فَانْضَمَّتِ الأُوسُ بعضُها إلى بعضٍ، والخزرجُ بعضُها إلى بعضٍ، على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهليةِ، فبلَغ ذلك رسول اللَّهِ ﷺ ، فخرَج إليهم في مَن معه مِن المهاجرين من أصحابِه، حتى جاءهم، فقال: "يا معشرَ المسلمين، اللَّهَ اللَّهَ، أبِدعوَى الجاهليةِ وأنا بينَ أَظْهُرِكم، بعدَ إذ هداكم اللَّهُ إلى الإسلام، وأَكْرَمَكم به، وقطَع به عنكم أمرَ الجاهليةِ، واسْتَنْقَذكم به من الكفرِ، وألَّف به بينَكم، تَرْجِعون إلى ما كنتم عليه كفارًا"؟ فعرَف القومُ أَنها نَزْعَةٌ من الشيطانِ، وكيدٌ من عدوِّهم، فأَلْقَوُا السلاحَ من أيدِيهِم، وبكَوْا، وعانَق الرجالُ من الأوسِ والخزرجِ بعضُهم بعضًا، ثم انْصَرَفوا مع رسولِ اللَّهِ ﷺ سامعين مطيعين، قد أَطْفأ اللَّهُ عنهم كيدَ عدوِّ اللَّهِ شأْسِ بن قيسٍ وما صنَع، فأَنْزَلَ اللَّهُ في شأْسِ بن قيسٍ وما صنَع: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (٩٨) قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ الآية. وأَنزل اللَّهُ في أوسِ بن قَيْظيٍّ وجَبَّارِ بن
стр. 3746
صخرٍ، ومَن كان معهما من قومِهما، الذين صنَعوا ما صنَعوا عَمَّا (١) أَدْخَل عليهم شأْسُ بنُ قيسٍ من أمرِ الجاهليةِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾. إلى قوله: ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٢).
وقيل: إنه عَنَى بقولِه: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ جماعةَ يهودِ بني إسرائيلَ الذين كانوا بينَ أظْهُرِ مدينةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، أيامَ نزَلت هذه الآياتُ، والنصارى، وأن صدَّهم عن سبيلِ اللَّهِ كان بإخبارهم مَن سأَلهم عن أمرِ نبيِّ اللَّهِ محمدٍ ﷺ : هل يجدون ذكرَه في كتبِهم؟ أنهم لا يجدون نَعْتَه في كتبِهم.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾: كانوا إذا سأَلهم أحدٌ: هل تجدون محمدًا؟ قالوا: لا. فصدُّوا عنه الناسَ. وبَغَوْا محمدًا عِوَجًا: هلاكًا (٣).
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَهْلَ
стр. 3747
الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يقول: لم تَصُدُّون عن الإسلامِ وعن نبيِّ اللَّهِ من آمن باللَّهِ، وأنتم شهداءُ فيما تَقْرَءون من كتابِ اللَّهِ أن محمدًا رسولُ اللَّهِ، وأن الإسلامَ دينُ اللَّهِ الذي لا يقبَلُ غيرَه، ولا يَجْزِى إلَّا به، تجدونه (١) مكتوبًا عندَكم (٢) في التوراةِ والإنجيلِ (٣)؟
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ نحوَه (٤).
حدَّثنا محمدُ بن سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ، قال: ثنا عَبَّادٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال: هم اليهودُ والنصارى، نَهاهم أن يَصُدُّوا المسلمين عن سبيلِ اللَّهِ، ويريدون أن يَعْدِلُوا الناسَ إلى الضلالةِ (٥).
فتأويلُ الآيةِ على ما قاله (٦) السُّدِّيُّ: يا معشرَ اليهودِ، لم تصُدُّون عن محمدٍ، وتَمْنَعون مِن اتِّباعِه المؤمنين به؛ بكتمانِكم صفتَه التي تَجِدونها في كتبِكم. ومحمدٌ على هذا القولِ هو السبيلُ. ﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾: تبغون محمدًا. هلاكًا.
وأما سائرُ الرواياتِ غيرِه، والأقوالِ في ذلك، فإنه نحوُ التأويلِ الذي بيَّنَّاه
стр. 3748
قبلُ، مِن أن معنى السبيلِ التي ذكَرها في هذا الموضعِ الإسلامُ، وما جاء به محمدٌ من الحقِّ من عندِ اللَّهِ.
القولُ في تأويلِ قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠)﴾.
اخْتَلف أهلُ التأويلِ في من عنَى بذلك؛ فقال بعضُهم: عنَى بقولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ من الأوسَ والخزرجَ، وبـ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾: شَأْسَ بن قيسٍ اليهوديَّ. على ما قد ذكَرْنا قبلُ من خبرِه عن زيدِ بن أسلمَ (١).
وقال آخرون في مَن عنَى بـ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مثلَ قولِ زيدِ بن أسلمَ، غيرَ أنهم قالوا: الذي جرَى الكلامُ بينَه وبينَ غيرِه من الأنصارِ حتى همُّوا بالقتالِ، ووجَد اليهوديُّ به مَغْمَزًا فيهم، ثعلبةُ بن عَنَمَة (٢) الأنصاريُّ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾: قال: نَزَلَتْ في ثعلبة بن عَنَمةَ (٢) الأنصاريِّ؛ كان بينَه وبينَ أناسٍ من الأنصارِ كلامٌ، فمشى بينَهم يهوديٌّ من قَيْنُقَاعَ، فحمَل بعضَهم على بعضٍ (٣)، حتى همَّت الطائفتان من الأوسِ والخزرجِ أن يَحْمِلُوا السلاحَ فيُقاتِلوا، فأَنْزل اللَّهُ : هو ﴿إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ
стр. 3749
كَافِرِينَ﴾. يقولُ: إن حمَلتم السلاحَ فاقْتَتَلْتُم كَفَرْتم (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا جعفرُ (٢) بنُ سليمانَ، عن حُميدٍ الأعرِج، عن مجاهدٍ في قولهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ قال: كان جِماعُ قبائلِ الأنصارِ بَطْنَيْنِ؛ الأوسَ والخزرجَ، وكان بينَهما في الجاهليةِ حربٌ ودماءٌ وشَنآنٌ، حتى منَّ اللَّهُ عليهم بالإسلامِ وبالنبيِّ ﷺ ، فأَطْفَأ اللَّهُ الحربَ التي كانت بينَهم، وألَّف بينَهم بالإسلامِ. قال: فبَيْنَا رجلٌ مِن الأوسِ ورجلٌ من الخزرجِ قاعدان يَتَحَدَّثان، ومعهما يهوديٌّ جالسٌ، فلم يَزَلْ يُذَكِّرُهما أيامهما، والعداوةَ التي كانت بينَهم، حتى اسْتَبَّا، ثم اقْتَتَلا. قال: فنادَى هذا قومَه، وهذا قومَه، فخرَجوا بالسلاحِ، وصفَّ بعضُهم لبعض. قال: ورسولُ اللَّهِ ﷺ شاهدٌ يومَئذٍ بالمدينةِ، فجاء رسولُ اللَّهِ ﷺ ، فلم يزلْ يمشى بينَهم إلى هؤلاء وإلى هؤلاء؛ ليُسَكِّنَهم (٣)، حتى رَجَعوا ووَضَعوا السلاحَ، فأَنْزَل اللَّهُ القرآنَ في ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٤).
فتأويلُ الآية: يا أيها الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، وأَقَرُّوا بما جاءهم به نبيُّهم ﷺ من عندِ اللَّهِ، إن تُطيعوا جماعةً ممن يَنْتَحِلُ الكتابَ من أهلِ التوراةِ والإنجيلِ، فتَقْبَلوا
стр. 3750
منهم ما يأمُرونكم به، يُضِلُّوكم فيَرُدُّوكم بعدَ تصديقِكم رسولَ ربِّكم، وبعدَ إقرارِكم بما جاء به من عندِ ربِّكم ﴿كَافِرِينَ﴾. يقولُ: جاحِدِين لما قد آمنتم به وصَدَّقْتُموه من الحقِّ الذي جاءكم من عندَ ربِّكم. فنهاهم جلَّ ثناؤُه أن يَنْتَصِحوهم ويَقْبَلُوا منهم رَأْيًا أو مَشُورةً، ويُعْلَمُهم تعالى ذكرُه أنهم لهم مُنْطَوون على غِلٍّ وغشٍّ وحسدٍ وبَغْضاءَ (١).
كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾: قد تقدَّم اللَّهُ إليكم فيهم كما تَسْمَعون، وحذَّركم وأَنْبأكم بضلالتِهم، فلا تَأْمَنوهم على دينِكم، ولا تَنْتَصِحوهم على أنفسِكم، فإنهم الأعداءُ الحَسَدةُ الضُّلَّالُ، كيف تَأْتَمِنون قومًا كفَروا بكتابِهم، وقتَلوا رسلَهم، وتَحَيَّروا في دينِهم، وعجَزوا عن أنفسِهم؟ أولئك واللَّهِ هم أهلُ التُّهَمةِ والعداوةِ (٢).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ مثلَه (٣)
القولُ في تأويلِ قوله : ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)﴾.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ أيها المؤمنون بعدَ إيمانِكم باللَّهِ وبرسولِه، فتَرْتدُّوا على أعقابِكم، ﴿وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ﴾. يعنى: حُججَ