← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.

стр. 3746

صخرٍ، ومَن كان معهما من قومِهما، الذين صنَعوا ما صنَعوا عَمَّا (١) أَدْخَل عليهم شأْسُ بنُ قيسٍ من أمرِ الجاهليةِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾. إلى قوله: ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٢). وقيل: إنه عَنَى بقولِه: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ جماعةَ يهودِ بني إسرائيلَ الذين كانوا بينَ أظْهُرِ مدينةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، أيامَ نزَلت هذه الآياتُ، والنصارى، وأن صدَّهم عن سبيلِ اللَّهِ كان بإخبارهم مَن سأَلهم عن أمرِ نبيِّ اللَّهِ محمدٍ ﷺ : هل يجدون ذكرَه في كتبِهم؟ أنهم لا يجدون نَعْتَه في كتبِهم. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾: كانوا إذا سأَلهم أحدٌ: هل تجدون محمدًا؟ قالوا: لا. فصدُّوا عنه الناسَ. وبَغَوْا محمدًا عِوَجًا: هلاكًا (٣). حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَهْلَ

стр. 3747

الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يقول: لم تَصُدُّون عن الإسلامِ وعن نبيِّ اللَّهِ من آمن باللَّهِ، وأنتم شهداءُ فيما تَقْرَءون من كتابِ اللَّهِ أن محمدًا رسولُ اللَّهِ، وأن الإسلامَ دينُ اللَّهِ الذي لا يقبَلُ غيرَه، ولا يَجْزِى إلَّا به، تجدونه (١) مكتوبًا عندَكم (٢) في التوراةِ والإنجيلِ (٣)؟ حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ نحوَه (٤). حدَّثنا محمدُ بن سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ، قال: ثنا عَبَّادٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال: هم اليهودُ والنصارى، نَهاهم أن يَصُدُّوا المسلمين عن سبيلِ اللَّهِ، ويريدون أن يَعْدِلُوا الناسَ إلى الضلالةِ (٥). فتأويلُ الآيةِ على ما قاله (٦) السُّدِّيُّ: يا معشرَ اليهودِ، لم تصُدُّون عن محمدٍ، وتَمْنَعون مِن اتِّباعِه المؤمنين به؛ بكتمانِكم صفتَه التي تَجِدونها في كتبِكم. ومحمدٌ على هذا القولِ هو السبيلُ. ﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾: تبغون محمدًا. هلاكًا. وأما سائرُ الرواياتِ غيرِه، والأقوالِ في ذلك، فإنه نحوُ التأويلِ الذي بيَّنَّاه

стр. 3748

قبلُ، مِن أن معنى السبيلِ التي ذكَرها في هذا الموضعِ الإسلامُ، وما جاء به محمدٌ من الحقِّ من عندِ اللَّهِ. القولُ في تأويلِ قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠)﴾. اخْتَلف أهلُ التأويلِ في من عنَى بذلك؛ فقال بعضُهم: عنَى بقولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ من الأوسَ والخزرجَ، وبـ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾: شَأْسَ بن قيسٍ اليهوديَّ. على ما قد ذكَرْنا قبلُ من خبرِه عن زيدِ بن أسلمَ (١). وقال آخرون في مَن عنَى بـ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مثلَ قولِ زيدِ بن أسلمَ، غيرَ أنهم قالوا: الذي جرَى الكلامُ بينَه وبينَ غيرِه من الأنصارِ حتى همُّوا بالقتالِ، ووجَد اليهوديُّ به مَغْمَزًا فيهم، ثعلبةُ بن عَنَمَة (٢) الأنصاريُّ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾: قال: نَزَلَتْ في ثعلبة بن عَنَمةَ (٢) الأنصاريِّ؛ كان بينَه وبينَ أناسٍ من الأنصارِ كلامٌ، فمشى بينَهم يهوديٌّ من قَيْنُقَاعَ، فحمَل بعضَهم على بعضٍ (٣)، حتى همَّت الطائفتان من الأوسِ والخزرجِ أن يَحْمِلُوا السلاحَ فيُقاتِلوا، فأَنْزل اللَّهُ : هو ﴿إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ

стр. 3749

كَافِرِينَ﴾. يقولُ: إن حمَلتم السلاحَ فاقْتَتَلْتُم كَفَرْتم (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا جعفرُ (٢) بنُ سليمانَ، عن حُميدٍ الأعرِج، عن مجاهدٍ في قولهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ قال: كان جِماعُ قبائلِ الأنصارِ بَطْنَيْنِ؛ الأوسَ والخزرجَ، وكان بينَهما في الجاهليةِ حربٌ ودماءٌ وشَنآنٌ، حتى منَّ اللَّهُ عليهم بالإسلامِ وبالنبيِّ ﷺ ، فأَطْفَأ اللَّهُ الحربَ التي كانت بينَهم، وألَّف بينَهم بالإسلامِ. قال: فبَيْنَا رجلٌ مِن الأوسِ ورجلٌ من الخزرجِ قاعدان يَتَحَدَّثان، ومعهما يهوديٌّ جالسٌ، فلم يَزَلْ يُذَكِّرُهما أيامهما، والعداوةَ التي كانت بينَهم، حتى اسْتَبَّا، ثم اقْتَتَلا. قال: فنادَى هذا قومَه، وهذا قومَه، فخرَجوا بالسلاحِ، وصفَّ بعضُهم لبعض. قال: ورسولُ اللَّهِ ﷺ شاهدٌ يومَئذٍ بالمدينةِ، فجاء رسولُ اللَّهِ ﷺ ، فلم يزلْ يمشى بينَهم إلى هؤلاء وإلى هؤلاء؛ ليُسَكِّنَهم (٣)، حتى رَجَعوا ووَضَعوا السلاحَ، فأَنْزَل اللَّهُ القرآنَ في ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٤). فتأويلُ الآية: يا أيها الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، وأَقَرُّوا بما جاءهم به نبيُّهم ﷺ من عندِ اللَّهِ، إن تُطيعوا جماعةً ممن يَنْتَحِلُ الكتابَ من أهلِ التوراةِ والإنجيلِ، فتَقْبَلوا

стр. 3750

منهم ما يأمُرونكم به، يُضِلُّوكم فيَرُدُّوكم بعدَ تصديقِكم رسولَ ربِّكم، وبعدَ إقرارِكم بما جاء به من عندِ ربِّكم ﴿كَافِرِينَ﴾. يقولُ: جاحِدِين لما قد آمنتم به وصَدَّقْتُموه من الحقِّ الذي جاءكم من عندَ ربِّكم. فنهاهم جلَّ ثناؤُه أن يَنْتَصِحوهم ويَقْبَلُوا منهم رَأْيًا أو مَشُورةً، ويُعْلَمُهم تعالى ذكرُه أنهم لهم مُنْطَوون على غِلٍّ وغشٍّ وحسدٍ وبَغْضاءَ (١). كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾: قد تقدَّم اللَّهُ إليكم فيهم كما تَسْمَعون، وحذَّركم وأَنْبأكم بضلالتِهم، فلا تَأْمَنوهم على دينِكم، ولا تَنْتَصِحوهم على أنفسِكم، فإنهم الأعداءُ الحَسَدةُ الضُّلَّالُ، كيف تَأْتَمِنون قومًا كفَروا بكتابِهم، وقتَلوا رسلَهم، وتَحَيَّروا في دينِهم، وعجَزوا عن أنفسِهم؟ أولئك واللَّهِ هم أهلُ التُّهَمةِ والعداوةِ (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ مثلَه (٣) القولُ في تأويلِ قوله : ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)﴾. يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ أيها المؤمنون بعدَ إيمانِكم باللَّهِ وبرسولِه، فتَرْتدُّوا على أعقابِكم، ﴿وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ﴾. يعنى: حُججَ

стр. 3751

اللَّهِ عليكم التي أَنْزلها في كتابِه على نبيِّه محمدٍ ﷺ ، ﴿وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ حُجَّةٌ أُخرى عليكم للَّهِ، مع أي كتابِه، يدعوكم جميعُ ذلك إلى الحقِّ، ويُبصِّرُكم الهدَى والرشادَ، ويَنْهاكم عن الغَيِّ والضلالِ. يقولُ لهم تعالى ذكرُه: فما [وجهُ عذرِكم] (١) عندَ ربِّكم في جحودِكم نبوَّةَ نبيِّكم، وارتدادِكم على أعقابِكم، ورجوعِكم إلى أمرِ جاهليتِكم، إن أنتم رَاجَعْتم ذلك وكفَرْتم، وفيه هذه الحُججُ الواضحةُ، والآياتُ (٢) البينةُ على خطأَ فعلِكم ذلك إن فَعَلْتُموه. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ﴾ الآية: عَلَمان بيِّنان؛ وِجدانُ نبيِّ اللَّهِ ﷺ ، وكتابُ اللَّهِ؛ فأما نبيُّ اللَّهِ فمَضَى ﷺ ، وأما كتابُ اللَّهِ فأبقاه اللَّهُ بينَ أظْهُرِكم رحمةً مِن اللَّهِ ونعمةً، فيه حلالُه وحرامُه، وطاعتُه ومعصيتُه (٣). وأما قولُه: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. فإنه يعنى: ومَن يَتَعلَّق بأسباب الله، ويَتَمَسَّك بدينِه وطاعتِه، ﴿فَقَدْ هُدِيَ﴾. يقولُ: فقد وُفِّق الطريقٍ واضحٍ، ومحجةٍ مستقيمةٍ غيرِ مُعوَجَّةٍ، فَيَسْتَقِيمُ به إلى رضا اللَّهِ، وإلى النجاةِ من عذابِ اللَّهِ، والفوزِ بجنتِه. كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ قولَه: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ﴾. قال: يؤمن باللَّهِ (٤).

стр. 3752

وأصلُ العَصْم المنعُ. فكلُّ مانِعٍ شيئًا فهو عاصِمُه، والمُمْتَنِعُ به مُعْتَصِمٌ به. ومنه قولُ الفَرَزْدَقِ (١): أنا ابن العاصِمِينَ بنى تَمِيمٍ … إذا ما أَعْظَمُ الحَدَثانِ نَابَا ولذلك قيل للحبلِ: عِصامٌ. وللسببِ الذي يَتَسَبَّبُ به الرجلُ إلى حاجتِه: عِصامٌ. ومنه قولُ الأعشى (٢): إلى المَرْءِ قَيْسٍ أُطِيلُ السُّرَى (٣) … وأخُذُ من كلِّ حَيٍّ عُصُمْ يعنى بالعُصْمِ الأسبابَ؛ أسبابَ الذِّمةِ والأمانِ. يقالُ منه: اعْتَصَمْتُ بحَبْلٍ مِن فلانٍ، واعتصمتُ حبلًا من منه، واعتصمتُ به، واعتصمتُه. وأفصحُ اللغتين إدخالُ الباءِ، كما قال : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾. وقد جاء: اعتصمته. كما قال الشاعر: (٤) إذا أنتَ جازَيْتَ الإخاءَ بمثلِهِ … وآسَيْتَنى ثُمَّ اعتصمتَ حِبالِيَا فقال: اعتصمتَ حِباليَا. ولم يُدخِل الباءَ. وذلك نظيرُ قولِهم: تناولتُ الخِطامَ، وتناولتُ بالخطامِ، وتعلَّقتُ به، وتعلَّقتُه. كما قال الشاعرُ (٥): تَعَلَّمْتَ هندًا ناشئًا (٦) ذاتَ مِئْزَرٍ … وأنت وقد قارَفْتَ (٧) لم تَدْرِ ما الحِلْمُ

стр. 3753

وقد بيَّنَّا (١) معنى "الهدى" و "الصراطِ"، وأنه معنيٌّ به الإسلامُ، فيما مضَى قبلُ بشواهدِه، فكَرِهْنا إعادتَه في هذا الموضعِ (٢). وقد ذُكِر أن الذي نزَل في سببٍ تَجاوُزِ (٣) القَبِيلَيْنِ (٤)؛ الأوسِ والخزرجِ، كان مِنْ (٥) قولِه: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ﴾. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا حسنُ بنُ عطيةَ، قال: ثنا قيسُ بنُ الرَّبيعِ، عن الأغَرَّ بن الصَّبَّاحِ، عن خَليفةَ بن حُصينٍ، عن أبي نَصرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كانت الأوسُ والخزرجُ بينَهم حربٌ في الجاهليةِ [كلَّ شهرٍ] (٦)، فبينما هم جلوسٌ إذ ذكَروا ما كان بينَهم حتى غضِبوا، فقام بعضُهم إلى بعضٍ بالسلاحِ، فنَزَلتْ هذه الآيةُ: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ إلى آخرِ الآيتين، ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ﴾ إلى آخرِ الآيةِ (٧). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾

стр. 3754

يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: يا معشرَ مَن صدَّق اللَّهَ ورسولَه ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾: خافوا اللَّهَ وراقِبوه بطاعتِه واجتنابِ معاصيه، ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾: حقَّ خوفِه، وهو أن يُطاعَ فلا يُعْصَى، ويُشكَرَ فلا يُكفَرَ، ويُذكَرَ فلا يُنْسَى، ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ﴾ أيها المؤمنون باللَّهِ ورسولِه ﴿إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ لربِّكم، مُذعِنون له بالطاعةِ، مخلصون له الأُلُوهَةَ (١) والعبادةَ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنَ، قال: ثنا سفيانُ، وحدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن زُبَيْدٍ، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾. قال: أن يُطاعَ فلا يُعْصَى، ويُذكَرَ فلا يُنسَى، ويُشكَرَ فلا يُكْفَرَ (٢). حدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا شعبةُ، عن زُبيدٍ، عن مرةَ، عن عبدِ اللَّهِ مثلَه (٣).

стр. 3755

حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن زُبيدٍ، عن مرةَ الهَمْدانيِّ، عن عبدِ اللَّهِ مثلَه. حدَّثنا أبو كُريبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابن إدريسَ، قال: سَمِعتُ ليثًا، عن زُبيدٍ، عن مرةَ بن شَرَاحِيلَ البَكيلِيِّ (١)، عن عبدِ اللَّهِ، عن عبد الله بن مسعودٍ مثلَه (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المِنَهالِ، قال: ثنا جريرٌ، عن زُبيدٍ، عن عبدِ اللَّهِ مثلَه. حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا مِسْعرٌ، عن زُبيدٍ، عن مرةَ، عن عبدِ اللَّهِ مثلَه (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بن عونٍ، قال: أخبَرنا هُشيمٌ، عن المَسْعوديِّ، عن زُبيدٍ الإياميِّ (٤)، عن مرةَ، عن عبدِ اللَّهِ مثلَه (٥). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن زُبيدٍ، عن مرةَ، عن عبدِ اللَّهِ مثلَه. حدَّثنا محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا يحيى، عن (٦) سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بن ميمونٍ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾. قال: أن يُطاعَ فَلا يُعْصى، ويُشكَرَ

стр. 3756

فلا يُكفَرَ، ويُذكَرَ فلا يُنْسَى (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بن ميمونٍ نحوَه. حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنا عمرُو بنُ مرةَ، [عن مرةَ] (٢)، عن الرَّبيعِ بن خُثَيْمٍ (٣) قال: أن يطاعَ فلا يُعْصَى، ويُشكَرَ فلا يُكفَرُ، ويُذكَرَ فلا يُنْسَى (٤). حدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ، عن عمرِو بن مرةَ، قال: سمِعتُ مرةَ الهَمْدانيَّ يُحدِّثُ عن الرِّبيعِ بن خُثَيْمٍ في قولِ اللَّهِ : ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾. فذكَر نحوَه. حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن قيسِ بن سعدٍ، عن طاوسٍ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾: أن يُطاعَ فلا يُعْصَى (٥). حدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحَنَفيُّ، قال: ثنا عَبَّادٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾. قال: حقُّ تقاتِه أن يُطاعَ

стр. 3757

فلا يُعْصَى (١). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ثم تقدَّم إليهم - يعنى إلى المؤمنين من الأنصارِ - فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾: أما حقُّ تقاتِه؛ يُطاعُ فلا يُعصى، ويُذكَرُ فَلا يُنْسَى، ويُشكَرُ فلا يُكفَرُ (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا حجَّاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا همَّامٌ، عن قتادةَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾: أن يُطاعَ فلا يُعْصَى. قال: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٣). وقال آخرون: بل تأويلُ ذلك كما حدثني به المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾. قال: حقُّ تقاتِه أن يجاهِد (٤) في (٥) اللَّهِ حقَّ جهادِه، ولا يَأْخُذَهم (٦) في اللَّهِ لومةُ لائمٍ، ويقوموا (٧) للَّهِ بالقسطِ ولو على [أنفسِهم وآبائِهم وأبنائِهم] (٨).

стр. 3758

ثم اخْتلف أهلُ التأويلِ في هذه الآيةِ؛ هل هي مَنْسوخَةٌ أم لا؟ فقال بعضُهم: هي مُحْكَمَةٌ غيرُ منسوخةٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بن صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾: إنها لم تُنْسَخْ، ولكن حقّ تقاتِه أن يُجاهدَ (١) في اللَّهِ حقَّ جهادِه. ثم ذكَر تأويلَه الذي ذكَرناه عنه آنفًا. حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن قيس بن سعدٍ، عن طاوسٍ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾: فإن لم تَفْعَلوا ولم تَسْتَطيعوا فلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وأنتم مُسْلِمُونَ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال طاوسٌ: قولُه: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. يقولُ: إن لم تَتَّقوه، فلا تموتُنَّ إلا وأنتم مسلمون. وقال آخرون: هي منسوخةٌ، نسَخها قولُه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].

стр. 3759

ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾: ثم أَنْزَل التخفيفَ واليُسرَ، وعاد بعائِدَتِه ورحمتِه على ما يَعْلَمُ مِن ضَعْفِ خَلْقِه، فقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. فجاءتْ هذه الآيةُ فيها تخفيفٌ وعافيةٌ ويسرٌ (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المنهالِ الأَنْماطيُّ، قال: ثنا همامٌ، عن قتادةَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. قال: نَسَختْها هذه الآيةُ التي في "التَّغابُنِ": ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾. وعليها بايَعَ رسولُ اللَّهِ ﷺ ؛ على السمعِ والطاعةِ فيما اسْتطاعوا. حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع بن أنسٍ، قال: لما نَزَلَتْ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾، ثم نَزَل بعدَها: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. فَنَسَخَتْ هذه الآيةُ التي في "آل عِمْرانَ" (٢). حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾: فلم يُطق الناسُ هذا،

стр. 3760

فنَسَخه الله عنهم، فقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١) حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾. قال: جاء أمرٌ شديدٌ، قالوا (٢): ومَن يَعْرِفُ قَدْرَ هذا أو يَبْلُغُه؟ فلما عَرَف أنه قد اشْتَدَّ ذلك عليهم، نسَخها عنهم، وجاء بهذه الأُخرَى، فقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ فنسَخها. وأما قولُه: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. فإن تأويلَه كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن قيسِ بن سعدٍ، عن طاوسٍ: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. قال: على الإسلامِ وعلى حُرمةِ الإسلامِ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾. يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: وتعلَّقوا بأسبابِ اللَّهِ جميعًا. يريدُ بذلك تعالى ذكرُه: وَتَمسَّكوا بدينِ الله الذي أمَرَكم به، وعهْدِه الذي عهِده إليكم في كتابِه إليكم، مِن الأُلْفةِ والاجتماعِ على كلمةِ الحقِّ، والتسليمِ لأمرِ اللَّهِ. وقد دَلَّلْنا فيما مضى قبلُ على معنى الاعتصامِ. وأما الحبلُ؛ فإنه السببُ الذي يُوصَلُ به إلى البُغْيَةِ والحاجةِ. ولذلك سُمِّى الأمانُ حبلًا؛ لأنه سببٌ يُوصَلُ به إلى زَوالِ الخوف، والنجاة من الجَزَعِ والذعرِ. ومنه قولُ أعشى بنى ثَعْلبةَ (٤):

стр. 3761

وإذا تُجَوِّزُها حبالُ قبيلةٍ … أخَذَتْ مِن الأُخرَى إليك حبالَها (١) ومنه قولُ اللَّهِ : ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٢]. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا العوَّامُ، عن الشَّعْبيِّ، عن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ أنه قال في قولِه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾. قال: الجماعةُ (٢). حدَّثنا المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن العَوَّامِ، عن الشعبيِّ، عن عبدِ اللَّهِ في قوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾. قال: حبلُ اللَّهِ الجماعةُ. وقال آخرون: عنّى بذلك القرآنَ والعهدَ الذي عهِد فيه. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾: حبلُ اللَّهِ المتين الذي أمرَ أَن يُعتصَمَ به هذا

стр. 3762

القرآنُ (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾. قال: بعهدِ اللَّهِ وأمرِه (٢). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن شَقيقٍ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: إن الصراطَ مُحْتَضَرٌ، تَحْضُرُه الشياطيُن، ينادُون: يا عبدَ اللَّهِ، هلمَّ، هذا الطريقُ؛ ليَصُدُّوا عن سبيلِ اللَّهِ، فاعْتَصِموا بحبل الله، فإِنَّ حبلَ اللَّهِ هو كتابُ اللَّهِ (٣). حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، عن أسباطَ، عن السُّديِّ: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾: أمَّا حبلُ اللَّهِ، فكتابُ اللَّهِ (٤). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بِحَبْلِ اللَّهِ﴾: بعهد اللَّهِ (٥). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عطاءٍ: ﴿بِحَبْلِ اللَّهِ﴾. قال: العهدُ (٦).

стр. 3763

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن الأعمشِ، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾. قال: حبلُ اللَّهِ القرآنُ (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضحَّاكِ في قولِه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾. قال: القرآنُ. حدَّثنا سعيدُ بنُ يحيى، قال: ثنا أسباطُ بنُ محمدٍ، عن عبدِ الملكِ بن أبى سليمانَ العَرْزَميِّ، [عن عطيةَ] (٢)، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "كتابُ اللَّهِ، هو حبلُ اللَّهِ المَمْدودُ من السماءِ إلى الأرضِ" (٣). وقال آخرون: بل ذلك هو إخلاصُ التوحيدِ اللَّهِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾. يقولُ: اعْتَصِموا بالإخلاصِ للَّهِ وحدَه (٤). حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾. قال: الحبلُ الإسلامُ. وقرأ: ﴿وَلَا

стр. 3764

تَفَرَّقُوا﴾ (١). القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾. يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾: ولا تتفرَّقوا عن دينِ اللَّهِ وعهدِه الذي عهِد إليكم في كتابِه، من الائْتلافِ والاجتماعِ على طاعتِه وطاعةِ لرسولِه ﷺ ، والانتهاءِ إلى أمرِه. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾: إن اللَّهَ قد كرِه لكم الفُرْقةَ، وقدَّم إليكم فيها، وحَذَّرَكموها، ونهاكم عنها، ورضِى لكم السمعَ والطاعةَ، والأُلْفةَ والجماعةَ، فارْضَوْا لأنفسِكم ما رضِى اللَّهُ لكم إن استطعْتم، ولا قوةَ إلا باللَّهِ (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أَبي جعفرٍ، عن، عن أبيه، عن الرَّبيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾: لا تَعادَوْا عليه. يقولُ: على الإخلاصِ للَّهِ، وكونوا (٣) عليه إخوانًا (٤). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بن صالحٍ، أن الأوزاعيَّ حدَّثه، أن يزيدَ الرَّقَاشيَّ حدَّثه، أنه سمِع أنسَ بنَ مالكٍ قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "إن بني إسرائيلَ افْتَرَقتْ على إحدى وسبعين فِرْقةً، وإِن أُمَّتى ستَفْتَرِقُ على اثنتْين وسبعين فرقةً، كلُّهم في النارِ إلَّا واحدةً". قال: فقيل: يا رسولَ اللَّهِ،

стр. 3765

وما هذه الواحدةُ؟ قال: فقبَض يدَه وقال: "الجماعةُ، ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ " (١). حدَّثني عبدُ الكريمِ بنُ أبى عُميرٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: سَمِعتُ الأوزاعيَّ يُحدِّثُ عن يزيدَ الرَّقَاشيِّ، عن أنسِ بن مالكٍ، عن النبيِّ ﷺ نحوَه (٢). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا المُحارِبيُّ، عن ابن أبي خالدٍ، عن الشَّعْبيِّ، عن ثابتِ بن قُطْبةَ (٣) المُزَنِيِّ (٤)، عن عبدِ اللَّهِ، أنه قال: يا أيها الناسُ، عليكم بالطاعةِ والجماعةِ، فإنها (٥) حبلُ اللَّهِ الذي أمَر به، وإنَّ ما تَكْرَهون في الجماعةِ والطاعةِ، هو خيرٌ مما تَسْتَحِبُّون في الفُرْقةِ (٦). حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيَانٍ السكريُّ (٧)، قال: أخبَرنا محمدُ بن يزيدَ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن الشعبيِّ، عن ثابتِ بن قُطْبَةَ (٣)، قال: سَمِعتُ ابْنَ مسعودٍ وهو يَخْطُبُ، وهو يقولُ: يا أيها الناسُ. ثم ذكَر نحوَه (٨).

стр. 3766

حدَّثنا إسماعيلُ بنُ حفصٍ الأُبُلِّيُّ (١)، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ نُميرٍ أبو هشامٍ، قال: ثنا مجالدُ بنُ سعيدٍ، عن عامرٍ، عن ثابتِ بن قُطْبَةَ (٢) المُزَنِيِّ (٣)، قال: قال عبدُ اللَّهِ: عليكم بالطاعةِ والجماعةِ، فإنها حبلُ اللَّهِ الذي أمَر به. ثم ذكَر نحوَه (٤). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾. يعنى بقوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾: واذكُروا ما أنعَم اللَّهُ به عليكم مِن الأُلْفَةِ والاجتماعِ على الإسلامِ. واختلَف أهلُ العربيةِ في قولِه: ﴿إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ في ذلك: انقطَع الكلامُ عندَ قولِه: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. ثم فُسِّر بقولِه: ﴿فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾. وأخبَرَ بالذي كانوا فيه قبلَ التأليفِ، كما تقولُ: أمسِكِ الحائطَ (٥) أن يَمِيلَ. وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: قولُه: ﴿إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ تابع قوله: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. غيرُ مُنْقَطِعةٍ منها. والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أن قولَه: ﴿إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾. متصلٌ بقولِه: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. غيرُ منقطعٍ عنه. وتأويلُ ذلك: واذكُروا أيها المؤمنون نعمةَ اللَّهِ عليكم التي أنعَم بها عليكم حينَ

стр. 3767

كنتُم أعداءً، أي بشركِكم (١)، يَقْتُلُ بعضُكم بعضًا عصبيةً، في غيرِ طاعةِ اللَّهِ ولا طاعةِ رسولِه، فألَّف اللَّهُ بالإسلامِ بينَ قلوبِكم، فجعَل بعضَكم لبعضٍ إخوانًا - بعدَ أن (٢) كنتم أعداءً - تَتَواصلون بأُلْفَةِ الإسلامِ، واجتماعِ كلمتِكم عليه. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾: كنتم تَذابَحون فيها، يَأْكُلُ شديدُكم ضعيفَكم، حتى جاء اللَّهُ بالإسلامِ، فآخَى به بينَكم وألَّف به بينَكم، أما واللَّهِ الذي لا إلهَ إلا هو، إِنَّ الأُلْفةَ لرحمةٌ، وإِنَّ الفُرقةَ لعذابٌ (٣). حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً﴾: يَقْتُلُ بعضُكم بعضًا، ويَأْكُلُ شديدُكم ضعيفَكم، حتى اللَّهُ بالإسلامِ، فألَّف به بينكم، وجمَع جمعَكم عليه، وجعَلكم عليه إخوانًا (٤). فالنعمةُ التي أنعَم اللَّهُ على الأنصارِ، التي أمَرهم تعالى ذكرُه في هذه الآيةِ أن يَذْكُروها، هي أُلْفةُ، الإسلامِ، واجتماعُ كلمتِهم عليها، والعداوةُ التي كانت بينَهم، التي قال اللَّهُ : ﴿إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً﴾. فإنها عداوةُ الحروبِ التي كانت بينَ الحيين مِن الأوسِ والخزرجِ في الجاهليةِ قبلَ الإسلامِ، يَزْعُمُ العلماءُ بأيامِ العربِ أنها تطاوَلت بينَهم عشرين ومائةَ سنةٍ.

стр. 3768

كما حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمةُ، قال: قال ابن إسحاقَ: كانت الحربُ بينَ الأوسِ والخزرجِ عشرين ومائةَ سنةٍ، حتى قام الإسلامُ وهم على ذلك، فكانت حربُهم بينَهم وهم أخوان لأبٍ وأمٍّ، فلم يُسمَعْ بقومٍ كان بينَهم مِن العداوةِ والحربِ ما كان بينَهم، ثم إن اللَّهَ أطفَأ ذلك بالإسلامِ، وألَّف بينَهم برسولِه محمد ﷺ (١). فذكَّرهم جلَّ ثناؤه إذ وعظَهم، عظيمَ ما كانوا فيه في جاهليتِهم مِن البلاءِ والشقاءِ، بمعاداةِ بعضِهم بعضًا، وقتلِ بعضِهم بعضًا، وخوفِ بعضِهم مِن بعضٍ، وما صاروا إليه بالإسلامِ، واتباعِ الرسولِ ﷺ والإيمان به، وبما جاء به من الائتلاف والاجتماعِ، وأمْنِ بعضِهم مِن بعضٍ، ومصيرِ بعضِهم لبعضٍ إخوانًا. وكان سببَ ذلك ما حدَّثنا به ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى ابن إسحاقَ، قال: ثنا عاصمُ بنُ عمرَ بن قتادةَ المدنيُّ (٢)، عن أشياخٍ مِن قومِه، قالوا: قدِم سُويدُ بنُ صامتٍ، أخو بني عمرِو بن عوفٍ، مكةَ حاجًّا أو معتمِرًا. قال: وكان سويدٌ إنما يُسَمِّيه قومُه فيهم الكاملَ: الجَلَدِه وشِعْرِه ونسبِه وشرفِه. قال: فتَصدَّى له رسولُ اللَّهِ ﷺ حينَ سمع به، فدعاه إلى اللَّهِ وإلى الإسلامِ، قال: فقال له سُويدٌ: فلعلَّ الذي معك مثلُ الذي معى. قال: فقال له رسولُ الله: "وما الذي معك؟ " قال: مَجَلَّةُ لُقمانَ - يعني حكمةَ لقمانَ - فقال له رسولُ الله ﷺ : "اعْرِضْها عليَّ". فعرَضها عليه، فقال: "إن هذا الكلامٌ (٣) حسَنٌ، معى أفضلُ مِن

стр. 3769

هذا، قرآنٌ أنزَله اللَّهُ عليَّ، هدًى ونورٌ". قال: فتلا عليه رسولُ اللَّهِ ﷺ القرآنَ، ودعاه إلى الإسلامِ، فلم يَبْعُد (١) منه، وقال: إن هذا القولَ حسنٌ، ثم انصرَف عنه، وقدِم المدينةَ، فلم يَلْبَثْ أن قَتَلَتْه الخزرجُ، فإن كان قومُه لَيَقُولُون: قد قتِل وهو مسلمٌ. وكان قتلُه قبلَ يومِ بُعاثٍ (٢). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، قال: ثني الحُصَينُ (٣) بنُ عبدِ الرحمنِ بن عمرو بن سعد بن مُعاذٍ، أحدُ بني عبدِ الأشهلِ، أن محمودَ بنَ لَبِيدٍ (٤)، أحدَ بني عبدِ الأشهلِ، قال: لما قدِم أبو الحَيْسَرِ (٥) أَنسُ بنُ رافعٍ مكةَ، ومعه فتيةٌ مِن بنى عبدِ الأشهلِ، فيهم (٦) إياسُ بنُ معاذٍ، يلتمِسون الحِلْفَ مِن قريشٍ على قومٍ مِن الخزرجِ، سمِع بهم رسولُ اللَّهِ ﷺ فأتاهم، فجلَس إليهم، فقال: "هل لكم إلى خيرٍ مما جِئْتُم له؟ " قالوا: وما ذاكَ؟ قال: "أنا رسولُ اللَّهِ، بعَثني إلى العبادِ، أدْعُوهم إلى اللَّهِ، أن يَعْبُدُوا (٧) اللَّهَ ولا يُشْرِكُوا (٨) به شيئًا، وأَنْزَل عليَّ الكتابَ". ثم ذكَر لهم الإسلامَ، وتلا عليهم القرآنَ، فقال إياسُ بنُ معاذٍ، وكان غلامًا حدثًا: أي قومُ، هذا واللَّهِ خيرٌ مما جِئْتُم له. قال: فأخَذ (٩) أبو الحيسرِ (١٠)

стр. 3770

أَنسُ بنُ رافعٍ حَفْنةٌ مِن البطحاءِ فضرَب بها وجهَ إياسِ بن معاذٍ، وقال: دَعْنا منك، فلَعَمْرى لقد جِئْنا لغيرِ هذا، قال: فصمَت إياسُ بنُ مُعاذٍ، وقام رسولُ اللَّهِ ﷺ عنهم، وانصرَفوا إلى المدينةِ، وكانت وقعةُ بُعاثٍ بينَ الأوسِ والخزرجِ. قال: ثم لم يَلْبَثْ إياسُ بنُ معاذٍ أن هلَك. قالَ: فلمَّا أراد اللَّهُ إظهارَ دينِه، وإعزازَ نبيِّه ﷺ ، وإنجازَ موعدِه له، خرَج رسولُ اللَّهِ ﷺ في (١) الموسمِ الذي لقِى فيه النفَرَ مِن الأنصارِ، فعرَض (٢) نفسَه على قبائلِ العربِ، كما كان يَصْنَعُ في كلِّ موسمٍ، فبينا هو عندَ العقبةِ، إذ لقِى رهطًا من الخزرجِ أراد اللَّهُ لهم (٣) خيرًا، قال ابن حميدٍ: قال سلمةُ: قال محمدُ بنُ إسحاقَ: فحدَّثنى عاصمُ بنُ عمرَ بن قتادةَ، عن أشياخٍ مِن قومِه، قالوا: لما لقِيَهم رسولُ اللَّهِ ﷺ قال لهم: "مَن أنتم؟ " قالوا: نفرٌ مِن الخزرجِ. قال: "أَمِنْ مَوَالى يَهُودَ؟ " قالوا: نعم. قال: "أفلا تجلسون حتى أُكَلِّمكم؟ " قالوا: بلى. قال: فجلَسوا معه، فدعاهم إلى اللَّهِ، وعرَض عليهم الإسلامَ، وتلا عليهم القرآنَ. قال: وكان مما صنَع اللَّهُ لهم به في الإسلامِ، أن يَهُودَ كانوا معهم ببلادِهم، وكانوا أهلَ كتابٍ، وعلمٍ، وكانوا أهلَ شركٍ أصحابَ أوثانٍ، وكانوا قد عزُّوهم (٤) ببلادِهم، فكانوا إذا كان بينَهم شيءٌ قالوا لهم: إن نبيًّا الآنَ مبعوثٌ قد أظلَّ زمانُه، نَتَّبِعُه ونَقْتُلُكم معه قتلَ عادٍ وإرَمَ، فلما كلَّم رسولُ اللَّهِ ﷺ أولئك النفرَ، ودعاهم إلى اللَّهِ ، قال بعضُهم لبعضٍ: يا قومُ،

стр. 3771

تعلمون (١) واللَّهِ إنه للنبيُّ الذي توعَّدُكم به يهودُ، فلا (٢) يَسْبِقُنَّكم إليه. فأجابوه فيما (٣) دعاهم إليه بأن صدَّقوه، وقبِلوا منه ما عرَض عليهم مِن الإسلامِ، وقالوا له: إنا قد ترَكنا قومَنا ولا قومَ بينَهم من العداوةِ والشرِّ ما بينَهم، وعسى [اللَّهُ أَن يَجْمَعَهم] (٤) بك، وسنَقْدَمُ (٥) عليهم فنَدْعُوهم (٦) إلى أمرِك، ونعرِضُ (٧) عليهم (٨) الذي أجَبْناك إليه (٩) مِن هذا الدينِ، فإن يَجْمَعْهم اللَّهُ عليه فلا رجلَ أعزُّ منك. ثم انصَرَفوا عن رسولِ اللَّهِ ﷺ راجعِين إلى بلادِهم، قد آمَنوا وصدَّقوا، وهم فيما ذكِر لى ستةُ نفرٍ. قال: فلما قدِموا المدينةَ على قومِهم ذكَروا لهم رسولَ الله ﷺ ، ودعَوهم إلى الإسلامِ حتى فشا فيهم، فلم يَبقَ دارٌ من دورِ الأنصارِ إلا وفيها ذِكرٌ من رسولِ اللَّهِ، ﷺ ، حتى إذا كان العامُ المقبلُ، وافى (١٠) الموسمَ مِن الأنصارِ اثنا عشَرَ رجلًا، فلقُوه بالعقبةِ، وهى العقبةُ الأولى، فبايَعوا رسولَ اللَّهِ ﷺ على بيعةِ النساءِ، وذلك قبلَ أن يُفْتَرَضَ عليهم الحربُ (١١).

стр. 3772

حدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن أيوبَ، عن عكرمةَ، أنه لقِي النبيَّ ﷺ ستةُ نفرٍ مِن الأنصارِ، فآمَنوا به وصدَّقوه، فأراد أن يَذْهَبَ معهم، فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، إن بينَ قومِنا حربًا، وإنا نَخَافُ إن جئتَ على حالِك هذه ألَّا يتهيأَ الذي تُريدُ. فواعَدوه (١) العامَ المقبلَ، وقالوا: يا رسولَ اللَّهِ نَذْهَبُ، فلعل (٢) اللَّهَ أن يُصْلِحَ تلك الحربَ. قال: فذهَبوا ففعَلوا، فأصلَح اللَّهُ تلك الحربَ، وكانوا يُرَوْنَ أَنها لا تصْلحُ، وهو يومُ بُعاثٍ، فلقُوه مِن العامِ المقبلِ سبعين رجلًا قد آمنوا، فأخذ عليهم (٣) النقباءَ اثْنَيْ عشرَ رجلًا (٤) نقيبًا، فذلك حين يقولُ: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ (٥). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: أما ﴿إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً﴾: ففى حربِ سُمَيْرٍ (٦)، ﴿فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾. بالإسلام (٧). حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن أيوبَ، عن عكرمةَ بنحوِه، وزاد فيه: فلما كان مِن أمرِ عائشةَ ما كان، فتَثَاوَر (٨) الحَيَّانِ،

стр. 3773

فقال بعضُهم لبعضٍ: موعدُكم الحَرَّةُ. فخرَجوا إليها، فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ الله الآية. فأتاهم رسولُ اللَّهِ ﷺ ، فلم يَزَلْ يَتْلُوها عليهم حتى اعتَنَق بعضُهم بعضًا، وحتى إن لهم لخَنِينًا (١)، يعنى البكاءَ (٢). وسُمَيرٌ الذي زعَم السديُّ أن قولَه: ﴿إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً﴾. عنى به حربَه، هو سُمَيرُ بنُ زيدِ (٣) بن مالكٍ، أحدُ بني عمرِو بن عوفٍ، الذي ذكَره مالكُ بنُ العجلانِ في قولِه (٤): إِنَّ سُميرًا أَرَى عَشِيرَتَهُ … قد حدِبوا (٥) دونَه وقد أَنِفوا (٦) إِنْ يَكُنِ الظَّنُّ صادِقى ببنى … النجّارِ لم يَطْعَمُوا الذي عُلِفوا (٧) وقد ذكَر علماءُ الأنصارِ أن مبدأَ العداوةِ التي هيَّجت (٨) الحروبَ التي كانت بينَ قبيلتَيها الأوسِ والخزرجِ وأولَها، كان بسببِ قتلِ (٩) مولًى لمالكِ بن العجلانِ الخزرجيِّ، يقالُ له: الحُرُّ (١٠) بنُ سُميرٍ. مِن مُزَيْنَةَ، وكان حليفًا لمالكِ بن

стр. 3774

العجلان، ثم اتصلت تلك العداوةُ بينهم، إلى أن أطفاها الله بنبيه محمدٍ ﷺ . فذلك معنى قول السديِّ: حربُ سميرٍ (١). وأما قولُه: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾. فإنه يعنى: فأصبَحتم بتأليف الله بينكم بالإسلام وكلمة الحقِّ، والتعاون على نصرةِ أهل الإيمانِ، والتآزر على مَن خالَفكم مِن أهلِ الكفرِ، إخوانًا متصادقين، لا ضغائن بينَكم ولا تحاسدَ. كما حدَّثني بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾: ذُكر (٢) لنا أن رجلًا قال لابن مسعودٍ: كيف أصبحتم؟ قال: أصبحنا بنعمةِ الله إخوانًا. القولُ في تأويل قوله: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾. يعنى بقولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ﴾: وكنتم يا معشرَ المؤمنين مِن الأوسِ والخزرجِ، على حرفِ حفرةٍ من النارِ. وإنما ذلك مَثَلٌ لكفرِهم الذي كانوا عليه قبل أن يَهْدِيَهم الله للإسلام، يقولُ تعالى ذكرُه: وكنتم على طرْفِ جهنمَ بكفرِكم الذي كنتم عليه قبل أن يُنْعِمَ الله عليكم بالإسلام، فتصيروا بائتلافِكم عليه إخوانًا، ليس بينَكم وبين الوُقوع فيها إلا أن تموتوا على ذلك من كفرِكم، فتكونوا من الخالدين فيها، فأنقَذكم الله منها بالإيمان الذي هداكم له. وشفا الحفرة طرفُها وحرفُها، مثلُ شفا الرَّكيَّة والبئرِ، ومنه قولُ الراجزِ: نحن حفرنا للحجيج سَجْلَهْ نابتةٌ فوقَ شفاها بَقْلَهْ (٣)

стр. 3775

يعني: فوقَ حرفِها. يقالُ: هذا شفَا هذه الرَّكيِّةِ، مَقصورٌ، وهما شفَواها. وقال: ﴿فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾. يعنى (١): فأنقَذكم من الحفرة. فردَّ الخبرَ إلى الحفرةِ، وقد ابتدَأ الخبرَ عن الشَّفَا؛ لأن الشَّفا من الحفرةِ، فجاز ذلك، إذ كان الخبرُ عن الشفا على السبيل التي ذكَرَها في هذه الآية خبرًا عن الحفرةِ، كما قال جريرُ بنُ عطية (٢): رَأَتْ مرَّ السنينَ أَخَذْنَ منى … كما أخَذ السّرارُ (٣) من الهلالِ فذكر "مرَّ السنين"، ثم رجَع إلى الخبرِ عن السنينَ، وكما قال العجاجُ (٤): طُولُ اللَّيالي أَسْرَعَتْ في نَقْضِى طَوَيْنَ طُولى وطوين عرضى وقد بيَّنتُ العلةَ التي مِن أجلها قيل ذلك كذلك فيما مضى قبل (٥). وبنحو الذي قلنا في ذلك من التأويل قال أهلُ التأويل.

стр. 3776

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾: كان هذا الحيُّ من العربِ أذلَّ الناسِ ذلًّا، وأشقاه عيشًا، وأبينَه ضلالةً، وأعْراهُ جلودًا، وأجوعَه بطونًا، مَكْعُومين (١) على رأسِ حجرٍ بين الأسدَين فارسَ والرومِ، لا والله، ما في بلادِهم يومئذٍ مِن شيءٍ يُحْسَدُون عليه، من عاش منهم عاش شقيًّا، ومن مات رُدِّى في النار، يُؤكلون ولا يأكُلون، والله ما نَعْلَمُ قبيلًا يومئذٍ من حاضرِ الأرض كانوا فيها أصغَرَ حظًّا وأدقَّ فيها شأنًا منهم، حتى جاء اللَّهُ بالإسلام، فورَّثكم به الكتابَ، وأحلَّ لكم به دارَ الجهادِ، ووضَع لكم به من الرزق، وجعلكم به ملوكًا على رقابِ الناس، وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم، فاشكُروا نعمه (٢)، فإن ربَّكم مُنْعِمٌ يُحِبُّ الشاكرين، وإن أهلَ الشكر في مزيدِ اللهِ، فتعالى ربُّنا وتبارَك (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الله بن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع بن أنس قوله: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ﴾. يقولُ: كنتم على الكفر باللهِ، ﴿فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾: من ذلك وهداكم إلى الإسلام. حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾: محمد ﷺ . يقولُ:

стр. 3777

كنتم على طرف النارِ، من مات منكم أُوبق (١) في النارِ، فبعث الله محمدًا ﷺ فاستنَقَذكم به من تلك الحفرة (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضل، قال: ثنا حسنُ بنُ حيٍّ (٣): ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾. قال: عصبيةٌ. القولُ في تأويل قوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾. يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿كَذَلِكَ﴾: كما بيَّن لكم ربُّكم في هذه الآياتِ أَيُّها المؤمنون مِن الأوسِ والخزرجِ، من غلِّ (٤) اليهود الذي يُضْمِرونه لكم، وغشِّهم لكم، وأمره (٥) إياكم بما أمَركم به فيها، ونهيِه لكم عما نهاكم عنه، والحالِ التي كنتم عليها في جاهليتِكم والتي صِرتم إليها في إسلامِكم، مُعَرِّفكم (٦) في كلِّ ذلك مواقع نعمِه قِبَلكم وصنائعَه لديكم - فكذلك يبينُ (٧) سائرَ حُجَجِه لكم في تنزيله، وعلى لسانِ رسوله ﷺ ، ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ يَعْنِي: لتَهْتَدُوا إلى سبيل الرشادِ وتَسْلُكوها فلا تَضِلُّوا عنها. القول في تأويل قوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾. يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿أُمَّةٌ﴾. يقولُ:

стр. 3778

جماعةٌ ﴿يَدْعُونَ﴾ الناس ﴿إِلَى الْخَيْرِ﴾ يعنى: إلى الإسلام وشرائعِه التي شرَعها الله لعباده، ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ يقولُ: يأمُرون الناسَ باتباعِ محمدٍ [رسول الله] (١) ﷺ ، دينِه الذي جاء به مِن عندِ اللَّهِ، ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ يَعْنى: ويَنْهون عن الكفر بالله، والتكذيب بمحمدٍ ﷺ ، وبما جاء به من عند الله، بجهادِهم بالأيدى والجوارح حتى ينقادوا لكم بالطاعة. وقولُه: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. يعنى: المُنجِحون عند الله، الباقون في جنانه (٢) ونعيمه. وقد دلَّلنا (٣) على معنى الإفلاح في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته هاهنا (٤). حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا عيسى بنُ عمر القارئُ، عن أبي عونٍ الثقفيِّ، أنه سمع صُبَيحًا، قال: سمعتُ عثمانَ يَقْرأُ: (ولْتَكُنْ منكم أُمَّةٌ يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهَون عن المنكرِ ويَسْتَعينون الله على ما أصابهم) (٥). حدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا ابن عيينةَ، عن عمرِو بن دينارٍ، قال: سمعتُ ابنَ الزبيرِ يَقْرَأُ (٦). فذكر مثل قراءة عثمان التي ذكرناها قبلُ

стр. 3779

سواءً (١). حدَّثنا يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخْبرَنا يزيدُ، قال: أخْبرَنا جويبرٌ، عن الضحاك: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾. قال: هم خاصَّةُ أصحاب [رسولِ اللهِ] (٢)، وهم خاصَّةُ الرواة (٣). القولُ في تأويل قوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾. يعنى بذلك : ولا تكونوا يا معشرَ الذين آمنوا ﴿كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ مِن أهل الكتاب، ﴿وَاخْتَلَفُوا﴾ في دينِ اللهِ وأمره ونهيه، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ مِن حُجَج الله، فيما اختلفوا فيه وعلموا الحقَّ فيه فتعمَّدُوا خلافَه، وخالفوا أمرَ اللَّهِ ونقضُوا عهده وميثاقَه جراءةً على الله، ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ﴾ يعنى: ولهؤلاء الذين تفرَّقوا واختلفوا مِن أهل الكتابِ مِن بعدِ ما جاءهم ﴿عَذَابٌ﴾ (٤) عندَ اللَّهِ ﴿عَظِيمٌ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: فلا تَتَفَرَّقوا (٥) يا معشرَ المؤمنين في ديِنكم تَفَرُّقَ هؤلاء في ديِنهم، ولا تَفْعَلُوا فعلَهم، وتَسْتَنُّوا في دينِكم بسنتِهم، فيكونَ لكم من عذابِ اللَّهِ العظيم مثلُ الذي لهم.

стр. 3780

كما حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾. قال: هم أهلُ الكتابِ، نهَى الله أهلَ الإسلام أن يَتَفَرَّقوا ويَخْتَلِفوا كما تَفَرَّق واختلف أهلُ الكتاب، قال الله : ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بن صالحٍ، عن عليِّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباس قولَه: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾. ونحو هذا في القرآن: أمر الله جلَّ ثناؤه المؤمنين بالجماعةِ، ونهاهم عن الاختلافِ والفُرْقةِ، وأخبَرهم أنما هلَك من كان قبلَهم بالمراءِ والخُصومات في دينِ الله (٢). حدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو بكر الحنفيُّ، عن عبادٍ، عن الحسن في قولِه: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. قال: هم اليهودُ والنصارى (٣). القولُ في تأويل قوله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧)﴾. يَعْنِى بذلك جلَّ ثناؤه: أولئك لهم عذابٌ عظيمٌ في يوم تبيضُّ وجوهٌ وتسودُّ وجوهٌ.

стр. 3781

وأما قولُه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. فإن معناه: فأما الذين اسودَّت وجوهُهم فيقالُ لهم: أَكَفَرْتُم بعد إيمانِكم فَذُوقُوا العذابَ بما كنتم تكفُرُون. ولا بدَّ لـ "أمّا" من جوابٍ بالفاءِ، فلما أسقط الجوابُ سقَطت الفاءُ معه، وإنما جاز تركُ ذكرِ "فيقالُ"، لدلالةِ ما ذكِر مِن الكلامِ عليه. وأما معنى قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. فَإِنَّ أهلَ التأويلِ اختلفوا في مَن عُنى به؛ فقال بعضُهم: عُنى به أهلُ قبلتِنا من المسلمين. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ الآية: لقد كفَر أقوامٌ بعد إيمانِهم كما تسمَعون، ولقد ذُكر لنا أن نبيَّ الله ﷺ كان يقولُ: "والذي نفس محمدٍ بيده، لَيَرِدَنَّ عليَّ الحوضَ ممن صحِبنى أقوامٌ، حتى إذا رُفعوا إلى ورأيتُهم، اخْتُلِجوا (١) دُونِى، فَلأَقُولَنَّ: ربِّ، أصحابي، أصحابي. فَلَيْقالنَّ: إنك لا تَدْرِى ما أحدَثوا بعدَك". وقولُه: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾: هؤلاء أهلُ [طاعة الله] (٢) والوفاء بعهدِ الله، قال الله : ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ ُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ

стр. 3782

إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾: فهذا مَن كفَر مِن أهلِ القبلةِ حينَ اقتتلوا (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن حماد بن سلمةَ والربيع بن صَبيحٍ، عن أبي غالبٍ (٢)، عن أبي أمامةَ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. قال: هم الخوارجُ (٣). وقال آخرون: عُنى بذلك كلُّ مَن كفَر بالله بعدَ الإيمانِ الذي آمن، حينَ أَخَذ الله من صلب آدم ذريته، وأشهدهم على أنفسهم (٤) بما بيَّن في كتابه (٥). ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عليُّ بن الهَيثمِ، قال: أخْبرَنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية، عن أُبيِّ بن كعبٍ في قولِه: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾. قال: صاروا يومَ القيامةِ فريقين؛ فقال لمن اسودَّ وجهُه وعَيَّرَهم: ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾. قال: هو الإيمانُ الذي كان قبل الاختلافِ في زمانِ آدمَ، حينَ أخَذ منهم عهدَهم وميثاقَهم، وأقرُّوا

стр. 3783

كلُّهم بالعبوديةِ، وفطَرهم على الإسلام، فكانوا أمةً واحدةً مسلمين، يقولُ: ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. يقولُ: بعد ذلك الذي كان في زمان آدم. وقال في الآخرين: الذين استقاموا على إيمانهم ذلك، فأخلصوا (١) له الدينَ والعملَ، فبيَّض اللَّهُ وُجوهَهم، وأدخلَهم في رضوانِه وجنتِه (٢). وقال آخرون: بل الذين عُنوا بقوله: ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. المنافقون. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، عن عبّادٍ، عن الحسن: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ الآية. قال: هم المنافقون، كانوا أعطَوا كلمةَ الإيمان بألسنتهم وأنكَروها بقلوبِهم وأعمالهم (٣). وأولى الأقوال التي ذكَرناها في ذلك بالصواب القولُ الذي ذكَرناه عن أبيِّ بن كعبٍ، أنه عُنى بذلك جميعُ الكفار، وأن الإيمان الذي يُوَبَّخون على ارتدادهم عنه هو الإيمانُ الذي أقَرُّوا به يومَ قيل لهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف: ١٧٢]. وذلك أن الله جلَّ ثناؤه جعَل جميعَ أهل الآخرة فريقين؛ أحدُهما سودًا (٤) وجوهُه، والآخرُ بيضًا (٥) وجوهُه، فمعلومٌ إذ لم يكن هنالك إلا هذان الفريقان، أن جميعَ الكفارِ داخلون في فريقِ مَن سُوِّد وجهُه، وأن جميعَ المؤمنين داخلون في فريق من بُيِّض وجهُه، فلا وجهَ إذن لقولِ قائلٍ: عُنِى بقوله: ﴿أَكَفَرْتُمْ

стр. 3784

بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ بعضُ الكفارِ دونَ بعضٍ. وقد عمَّ الله جلَّ ثناؤه الخبرَ عنهم جميعِهم، وإذا دخل جميعُهم في ذلك، ثم لم يكن لجميعهم حالةٌ آمنوا فيها ثم ارْتَدُّوا كافرين بعد إلا حالةً واحدةً كان معلومًا أنها المرادُ بذلك. فتأويل الآيةِ إذن: أولئك لهم عذابٌ عظيم في يومٍ تَبْيَضُّ وجوهُ قومٍ (١)، وتسودُّ وجوُه آخرين؛ فأما الذين اسوَدَّت وجوهُهم فيقالُ: أجحَدتم توحيدَ الله وعهده وميثاقَه الذي واثقْتُمُوه عليه، بألَّا تشرِكوا به شيئًا، وتُخلصوا له العبادةَ ﴿بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. يعنى: بعد تصديقكم به، ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾. يقولُ: بما كنتم تَجْحَدون في الدنيا ما كان الله قد أخذ ميثاقَكم بالإقرار به والتصديقِ. ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ ممن ثبت على عهدِ اللهِ وميثاقه، فلم يُبَدِّلْ دينَه، ولم يَنْقَلِبْ على عَقِبَيْه بعد الإقرار بالتوحيد، والشهادةِ لربِّه بالأُلوهة، وأنه لا إله غيرُه، ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾. يَقُولُ: فهمْ في رحمةِ اللَّهِ. يعني: في جنتِه ونعيمِها، وما أعدَّ اللهُ لأهلها فيها، ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. أي: باقون فيها أبدًا بغير نهاية ولا غايةٍ. القول في تأويل قوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (١٠٨)﴾. يعنى بقوله (٢) جل ثناؤه: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾: هذه آياتُ اللَّهِ. وقد بيَّنَّا كيف وضعت العربُ "تلك" و"ذلك" مكان "هذا" و"هذه" في غير هذا الموضع فيما مضى قبلُ، بما أغنى عن إعادته (٣).

стр. 3785

وقولُه: ﴿آيَاتُ اللَّهِ﴾. يعني مواعظَ اللَّهِ وعِبرَه وحُجَجَه، ﴿نَتْلُوهَا عَلَيْكَ﴾: نَقْرَؤُها عليك ونَقُصُّها ﴿بِالْحَقِّ﴾. يعنى بالصدق واليقينِ. وإنما يَعنى بقولِه: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾: هذه الآياتُ التي ذكر فيها أمورَ المؤمنين من أنصارِ رسولِ الله ﷺ وأمور يهود بني إسرائيلَ وأهل الكتابِ، وما هو فاعلٌ بأهلِ الوفاءِ بعهدِه، وبالمبدِّلين دينَه، والناقضين عهدَه بعدَ الإقرارِ به. ثم أخبَر نبيَّه محمدًا ﷺ أنه يَتلو ذلك عليه بالحقِّ، وأعلمه أن مَن عاقَبَ (١) مِن خلقِه بما أخبَر أنه معاقبُه؛ من تسويدِ وجهِه، وتخليدِه في أليمِ عذابِه، وعظيمِ عقابِه، ومَن جازاه منهم بما جازاه؛ من تبييضِ وجهِه، وتكريمِه، وتشريفِ منزلتِه (٢) لديه، بتَخليدِه في دائمِ نعيمِه، فبغيرِ ظلمٍ منه لفريقٍ منهم، بل بحقٍّ (٣) استوجَبوه، وأعمالٍ لهم سلَفت، جازاهم عليها، فقال تعالى ذكرُه: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾. يعني بذلك: وليس الله يا محمدُ بتسويدِ وجوه هؤلاء، وإذاقَتِهم العذابَ العظيم، وتبييضه (٤) وجوهَ هؤلاءِ، وتنعيمِه إياهم في جنَّتِه، طالبًا وضعَ شيءٍ مما فعَل مِن ذلك في (٥) غيرِ موضعِه الذي هو موضعُه. إعلامًا بذلك عبادَه أنه لن يَصْلُحَ في حكمته بخلقِه غيرُ ما وعَد أهلَ طاعتِه والإيمانِ به، وغيرُ ما أوعد (٦) أهل معصيتِه والكفرِ به، وإنذارًا منه هؤلاء، وتبشيرًا منه هؤلاء.
следующие страницы →