← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.

стр. 3886

اللهمَّ الْعَنْ الحارثَ بنَ هشامٍ، اللهمَّ الْعَنْ صَفوانَ بنَ أُمَيَّةَ". فَنَزَلَت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (١). حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ عَيَّاشِ بنِ أبي ربيعةَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ كعبٍ، عن أبى بكرِ بنِ عبد الرحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشامٍ، قال: صلَّى رسولُ اللهِ ﷺ الفجرَ، فلمَّا رفَع رأسَه من الركعةِ الثانيةِ، قال: "اللهمَّ أَنْجِ عَيَّاش بنَ أبي ربيعةَ، وسَلَمةَ بنَ هشامٍ، والوليدَ بنَ الوليدِ، اللهمَّ أنْجِ المُستضعفين من المسلمين، اللهمَّ اشدُدْ وَطْأتَك على مُضَرَ، اللهمَّ سنينَ كسنينِ آلِ يوسفَ". فأَنزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ الآية (٢). وحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبَرنى يونسُ بنُ يزيد، عن ابنِ شهابٍ، أخبَره عن سعيدِ بنِ المسيبِ، وأبي سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، أنهما سَمِعا أبا هريرةَ يقولُ: كان رسولُ اللهِ ﷺ يقولُ حينَ يَفْرَعُ في صلاةِ الفجرِ من القراءةِ، ويُكَبِّرُ ويرفَعُ رأسَه: "سَمِع اللهُ لمَن حمِده، ربَّنا ولك الحمدُ". ثم يقولُ وهو قائمٌ: "اللهمَّ أنْجِ الوليدَ بنَ الوليدِ، وسَلَمةَ بنَ هشامٍ، وعَيَّاشَ بنَ أبي ربيعةَ، والمَستضعفين من المؤمنين، اللهمَّ اشدُدْ وَطْأتَك على مُضَرَ، واجعَلْها عليهم كَسِنى يوسفَ، اللهمَّ الْعَن لِحْيانَ ورِعْلًا وذَكْوانَ وعُصَيَّةَ عَصَتِ اللهَ ورسولَه". ثم بَلَغَنا أنه ترَك ذلك لمَّا أُنزل عليه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (٣).

стр. 3887

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)﴾ يعنى بذلك تعالى ذكرُه: ليس لك يا محمدُ من الأمرِ شيءٌ، وللهِ جميعُ ما بينَ أقطارِ السمواتِ والأرضِ من مَشْرقِ الشمسِ إلى مَغْربِها، دونَك ودونَهم، يحكمُ فيهم بما شاء، ويَقْضى فيهم ما أحَبَّ، فيتوبُ على مَن أحبَّ من خلقِه العاصين أمرَه ونَهْيَه، ثم يغفرُ له، ويعاقِبُ مَن شاء منهم على جُرْمِه، فيَنْتَقِمُ منه، وهو الغفورُ، الذى يسترُ ذنوبَ مَن أحبَّ أن يسترَ عليه ذنوبَه من خلقِه، بتَفَضُّلِه (١) عليهم بالعفوِ والصفحِ، والرحيمُ بهم في تَرْكِه عقوبتَهم عاجِلاً على عظيمِ ما يَأْتون من المآثمِ. كما حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. أى يغفرُ الذنوبَ، ويرحَمُ العبادَ على ما فيهم (٢). القولُ في تأويل قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠)﴾. يعنى بذلك جلّ ثناؤه: يا أيُّها الذين آمَنوا باللَّهِ ورسولِه، لا تأكُلوا الربا في إسلامِكم، بعدَ إذ هَداكم له، كما كنتم تأكُلونه في جاهليتِكم. وكان أَكْلُهم ذلك في جاهليتِهم، أن الرجلَ منهم كان يكونُ له على الرجلِ مالٌ إلى أجلٍ، فإِذا حَلَّ الأجلُ طَلَبه من صاحبِه، فيقولُ له الذى عليه المالُ: أَخَّرْ عنى دَيْنَكَ، وأَزِيدُك على مالِك. فيفعَلان ذلك، فذلك هو الربا أضعافاً مُضاعفةً، فنَهاهم الله في إسلامِهم عنه.

стр. 3888

كما حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ (١)، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ، قال: كانت ثقيفُ تَدَّاينُ فى بنى المغيرةِ فى الجاهليةِ، فإذا حَلَّ الأجلُ قالوا: نَزِيدُكم وتؤخِّرون، فنزَلت: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾. حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾. أى: لا تأكُلوا في الإسلامِ، إذ هَداكم اللهُ له، ما كنتم تأكُلون إذ أنتم على غيرِه، مما لا يَحِلُّ لكم فى دينِكم (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، فى قولِ اللهِ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾. قال: رِبا الجاهليةِ (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: سمِعتُ ابنَ زيدٍ يقولُ في قولِه: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾. قال: كان أَبِي يقولُ: إنما كان الرِّبا في الجاهليةِ فى التضعيفِ وفى السِّنِّ، يكونُ للرجلِ فضلُ دَيْنٍ، فيَأتيه إذا حلَّ الأجلُ، فيقولُ له: [تَقْضِى أو تُرْبى] (٤)؟ فإن كان عندَه شيءٌ يَقْضيه قضَى، وإلا حوَّله إلى السِّنِّ التي فوقَ ذلك، إن كانت ابنةَ مَخاضٍ جَعَلها ابنةَ لبونٍ فى السنةِ الثانيةِ، ثم حِقَّةً، ثم جَذَعةً، ثم رَبَاعِيًا، ثم هكذا إلى فوقَ. وفى العَيْنِ، يأتيه، فإن لم يكنْ عندَه أضعَفه فى العامِ القابلِ، فإن لم يكنْ عندَه أضعَفه أيضًا، تكونُ مائةٌ،

стр. 3889

فيجعلُها إلى قابلٍ مائتين، فإن لم يكنْ عندَه جعَلها (١) أربعَمائةٍ، يُضعِفُها له كلَّ سنةٍ، أو يَقْضيه. قال: فهذا قولُه: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾. وأما قولُه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. فإنه يعنى: واتَّقوا اللهَ أيُّها المؤمنون في أمرِ الربا فلا تأكُلوه، وفى غيرِه مما أمَركم به، أو نَهاكم عنه، وأطِيعوه فيه ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. يقولُ: لتنجَحوا فتَنْجُوا من عِقابِه، وتُدْرِكوا ما رَغَّبكم فيه من ثوابِه، والخلودِ في جِنانِه. كما حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. أى: فأطِيعوا اللَّهَ لعلكم أن تَنْجُوا مما حَذَّركم من عذابِه، وتُدْرِكوا ما رَغَّبكم فيه من ثوابِه (٢). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين: واتقوا أيُّها المؤمنون النارَ -أن تَصْلَوها بأكْلِكم الربا، بعدَ نَهْيِي إياكم عنه- التي أَعْدَدتُها لمَن كفَر بى، فتدخُلوا مَداخِلَهم (٣) -بعدَ إيمانِكم بي- بخلافِكم أمرى، وتَرْكِكم طاعتى. كما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾. أى: التي جُعِلَت دارًا لمن كفَر بي (٤). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾. يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: وأطِيعوا اللهَ أيُّها المؤمنون فيما نَهاكم عنه من أكْلِ الربا

стр. 3890

وغيرِه من الأشياءِ، وفيما [أمَركم به. ﴿وَالرَّسُولَ﴾] (١). يقولُ: وأطِيعوا الرسولَ أيضًا كذلك. ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. يقولُ: لتُرْحَموا فلا تُعَذَّبوا. وقد قيل: إن ذلك مُعاتبةٌ من اللهِ أصحابَ رسولِ اللهِ ﷺ الذين خالَفوا أَمْرَه يومَ أُحُدٍ، فأَخَلُّوا بمراكزِهم التي أُمِروا بالثباتِ عليها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾: مُعاتبةٌ للذين عَصَوا رسولَه ﷺ حيَن أمَرهم بما (٢) أمَرهم به فى ذلك اليومِ وفي غيرِه (٣). يعنى في يومِ أُحُدٍ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾. يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَسَارِعُوا﴾: وبادِروا وسابِقوا ﴿إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. يعنى: إلى ما يسترُ عليكم ذنوبَكم من رحمتِه، وما يُغَطِّيها عليكم من عَفْوِه عن عُقوبتِكم عليها، ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾. يعنى: وسارِعوا أيضًا إلى جنةٍ عرضُها السماواتُ والأرضُ. ذُكِر لنا أن معنى ذلك: وجنةٍ عرضُها كعرضِ السماواتِ السبعِ، والأرَضينَ السبعِ، إذا ضُمَّ بعضُها إلى بعضٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل قال: ثنا أسباطُ، عن

стр. 3891

السُّدّى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾. قال: قال ابنُ عباسٍ: تُقْرَنُ السماواتُ السبعُ والأرَضون السبعُ، كما تُقْرَنُ الثيابُ بعضُها إلى بعضٍ، فذاك عرضُ الجنةِ (١). وإنما قيل: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾. فوصَف عرضَها بالسماواتِ السبعِ (٢) والأرضينَ (٣) السبعِ (٢)، والمعنى ما وصَفنا من وَصْفِ عرضِها بعرضِ السماواتِ والأرضِ، تَشْبيهًا به في السَّعَةِ والعِظَمِ، كما قيل: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]. يعنى إلا كبَعْثِ نفسٍ واحدةٍ. وكما قال الشاعرُ (٤): كأَنَّ عَذِيرَهِمْ (٥) بِجَنُوبِ سِلَّى (٦) … نعَامٌ فَاقَ (٧) في بلدٍ قِفَارِ أى عَذِيرُ نعامٍ. وكما قال الأخرُ (٨): حَسِبْتَ بُغَامَ رَاحِلَتي عَنَاقًا … وما هى وَيْبَ غَيرِكَ بالعَنَاقِ يريدُ صوتَ عَنَاقٍ.

стр. 3892

وقد ذُكِر أن رسولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ فقيل له: هذه الجنةُ عرضُها (١) السماواتُ والأرضُ، فأين النارُ؟ فقال: "هذا النهارُ إذا جاء، أين الليلُ؟ ". ذكرُ الأخبارِ بذلك عن رسولِ اللهِ ﷺ وغيرِه حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبَرني مسلمُ بنُ خالدٍ، عن ابنِ خُثَيمٍ، عن سعيدِ بنِ أبي راشدٍ، [عن يَعْلَى بنِ مُرَّةَ] (٢)، قال: لَقِيتُ التَّنُوخِي رسولَ هِرَقْلَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ و بِحمْصَ شيخاً كبيرًا، قد فَنِد (٣)، قال: قَدِمتُ على رسولِ الله ﷺ بكتاب هِرَقْلَ، فناوّل الصحيفةَ رجلًا عن يسارِه. قال: قلت: مَن صاحبُكم الذى يَقْرَأُ؟ قالوا: معاويةُ، فإذا [كتابُ صاحبى] (٤): إنك كتبتَ تدعونى إلى جنةٍ عرضُها السماواتُ والأرضُ (٥) فأين النارُ؟ فقال رسولُ اللهِ ﷺ "سبحانَ اللَّهِ! فأين الليلُ إذا جاء النهارُ؟ " (٦).

стр. 3893

حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهدىٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن قيسِ بنِ مسلمٍ، عن طارقِ بنِ شهابٍ، أن ناسًا من اليهودِ سألوا عمرَ بنَ الخطابِ، عن جنةٍ عرضُها السماواتُ والأرضُ، أين النارُ؟ قال: أرأيتم إذا جاء الليلُ أين يكونُ النهارُ؟ فقالوا: اللهمَّ نَزَعتَ بمثله (١) من التوراةِ (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن قيسِ ابنِ مسلمٍ، عن طارقِ بنِ شهابٍ: أن عمرَ أتاه ثلاثةُ نَفَرٍ من أهلِ نجرانَ، فسألوه، وعندَه أصحابهُ، فقالوا: أرأيتَ قولَه: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ﴾. فأين النارُ؟ فأحجَم الناسُ، فقال عمرُ: أرأيتم إذا جاء الليلُ، أين يكونُ النهارُ؟ وإذا جاء النهارُ، أين يكون الليلُ؟ فقالوا: لقد نَزَعْتَ مثلَها من التوراةِ (٣). حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: وأخبَرنا شعبةُ، عن إبراهيمَ (٤) بن مُهاجرٍ، عن طارقِ بنِ شهابٍ، عن عمرَ، بنحوِه في الثلاثةِ الرَّهْطِ الذين أتَوا عمرَ، فسألوه عن جنةٍ عرضُها كعرضِ السماواتِ والأرضِ، بمثلِ حديثِ قيسِ بنِ مسلمٍ. حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا جعفرُ بنُ عونٍ، قال: أخبرَنا الأعمشُ، عن قيسِ بنِ مسلمٍ، عن طارقِ بنِ شهابٍ، قال: جاء رجلٌ من اليهودِ إلى عمرَ، فقال: تقولون: جنةٌ عرضُها السماواتُ والأضُ، أين تكونُ النارُ؟ فقال له عمرُ: أرأيتَ النهار إذا جاء، أين يكونُ الليلُ؟ أرأيتَ الليلَ إذا جاء، أين يكونُ النهارُ؟ فقال: إنه

стр. 3894

لَمِثْلُها في التوراةِ. فقال له صاحبُه: لم أخبرتَه؟ فقال [له صاحبُه] (١): دَعْه إنه بكلٍّ مُوقِنٌ (٢). حدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: أخبَرنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا جعفرُ بنُ بُرْقانَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ (٣) الأصَمِّ، أن رجلًا من أهلِ الكتابِ أتَى ابنَ عباسٍ، فقال: تقولون: جنةٌ عرضُها السماواتُ والأرضُ، فأين النارُ؟ فقال ابن عباسٍ: أرأيتَ الليلَ إذا جاء، أين يكونُ النهارُ؟ وإذا جاء النهارُ، أين يكون الليلُ؟ (٤). وأما قولُه : ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾. فإنه يعني أن الجنةَ التي عرضُها كعرضِ السمواتِ السبعِ (٣) والأرَضين السبعِ، أعدَّها اللهُ للمتقين، الذين اتقَوُا الله، فأطاعوه فيما أمرَهم ونَهاهم، فلم يَتَعَدُّوا حدودَه، ولم يُقَصِّروا في واجبِ حقِّه عليهم، فيُضَيِّعوه. كما حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾. أي: ذلك (٥) لمن أطاعني، وأطاعَ رسولى (٦). القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾.

стр. 3895

يعني جلّ ثناؤه بقولِه: الَّذِينَ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾: أُعِدَّت الجنةُ التي عرضُها السمواتُ والأرضُ للمتقين، وهم المُنْفقون أموالَهم في سبيلِ اللَّهِ، إما في صَرْفِه على مُحْتاجٍ، وإما في تقوية مُضْعِفٍ (١)، على النهوضِ لجهادِ عدوٍ في سبيلِ اللهِ. وأما قولُه: ﴿فِي السَّرَّاءِ﴾. فإنه يعنى: في حالِ السرورِ بكثرةِ المالِ، ورخاءِ العيش. والسَّرَّاءُ، مصدرٌ، من قولهم: سَرَّنى هذا الأمرُ مَسَرَّةً وسُرورًا. والضَّرَّاءُ مصدرٌ، من قولهم: قد ضُرَّ فلانٌ فهو يُضَرُّ. إذا أصابه الضُّرُّ، وذلك إذا أصابَه الضِّيقُ والجَهْدُ في عَيْشِه. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنَ عباسٍ قولَه: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾. يقولُ: في العسرِ واليسرِ (٢). فأخبر جلّ ثناؤه أن الجنةَ التي وَصَف صفتها لَمَن اتَّقاه، وأنفَق مالَه في حالِ الرخاءِ (٣) والسَّعَةِ، وفى حالِ الضِّيقِ والشدةِ، في سبيلِه. وقولُه: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾. يعنى: والجارِعين الغيظَ عندَ امتلاءِ نفوسِهم، منه، يقال منه: كَظَم فلانٌ غَيْظَه. إِذا تَجَرَّعَه، فحَفِظ نفسَه من أن تُمضِيَ ما هي قادرةٌ على إمضائِه، باستِشْفائها (٤) ممن غاظَها، وانتصارِها ممن ظَلَمها.

стр. 3896

وأصلُ ذلك، من كَظْمِ القِرْبةِ، يقالُ منه: كَظَمْتُ القِرْبةَ (١). إذا ملأتَها ماءً، وفلانٌ كَظِيمٌ ومَكْظومٌ. إذا كان مُمْتَلِئًا غَمًّا وحُزْنًا، ومنه قولُ اللهِ : ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٨٤]. يعني: فهو (٢) مُمتلئٌ من الحُزْنِ. ومنه قيل لمجارى الماءِ (٣): الكَظائمُ. لامتلائِها بالماءِ، ومنه قيل: أخذتُ بكَظمه. يعني بمَجارِى نفسِه. والغَيْظُ، مصدرٌ، من قولِ القائلِ: غاظني فلانٌ، فهو يَغِيظُنى غَيْظًا. وذلك إذا أحفَظه (٤) وأغضَبه. وأما قولُه: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ فإنه يعنى: والصافِحين عن الناسِ عقوبةَ ذنوبِهم إليهم، وهم على الانتقامِ منهم قادِرون، فَتارِكيها (٥) لهم. وأما قولُه: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. فإنه يعنى: فإن الله يُحِبُّ مَن عملِ بهذه الأمورِ، التي وَصَف أنه أعَدَّ للعاملين بها الجنةَ، التي عرضُها السمواتُ والأرضُ، والعامِلون بها هم المُحْسِنون، وإحسانُهم هو عملُهم بها. كما حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ الآية إلى (٢): ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. أي: وذلك الإحسانُ، وأنا أحِبُّ مَن عمل به (٦) حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الَّذِينَ

стр. 3897

يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾: قومٌ أنفقوا في العُسْرِ واليُسْرِ، والجَهْد والرخاءِ. فمَن استطاعَ أن يَغْلِبَ الشرَّ بالخيرِ فليفعَلْ، ولا قوةَ إلا باللهِ، فَنِعْمَتْ واللهِ يا بنَ آدمَ، الجَوْعَةُ تَجترعُها من صبرٍ، وأنت مَغِيظٌ، وأنت مظلومٌ (١). حدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنا محمدُ بنُ بِشْرٍ، قال: ثنا مُحْرِزٌ أبو رجاءٍ، عن الحسنِ، قال: يقالُ يومَ القيامةِ: لِيَقمْ مَن كان له على اللهِ أجرٌ. فما يقومُ إلا إنسانٌ عَفا، ثم قرَأ هذه الآيةَ: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا داودُ بنُ قيسٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن رجلٍ من أهلِ الشامِ، يقالُ له: عبدُ الجليلِ. عن عَمٍّ له، عن أبى هريرةَ في قولِه جل وعز: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ (٢)﴾. أن النبيَّ ﷺ قال: "مَن كَظَم غَيْظًا وهو يَقْدِرُ على إنفاذه، ملأه اللهُ أَمْنًا وإيمانًا" (٣). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنَ عباسٍ قولَه جل وعز: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ إلى قولِه ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾: فـ ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ كقولِه: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧]. يغضَبون في الأمرِ (٤) لو وَقَعوا به كان حرامًا، فيَغْفِرون ويَعْفُون، يَلْتمِسون بذلك وجهَ اللهِ. ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ كقولِه: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ قولِه إلى ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور:٢٢].

стр. 3898

يقولُ: لا تُقْسِموا على أن لا تُعْطوهم من النفقةِ شيئًا، واعفُوا واصفَحوا (١). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعز: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥)﴾. يعنى بقولِه جلَّ وعز: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾. أن الجنةَ التي وصَف صفتَها، أُعِدَّت للمتقين، [الذين ينفقون] (٢) في السراءِ والضراءِ، والذين إذا فعَلوا فاحشةً، وجميعُ هذه النعوتِ من صفةِ المتقين الذين قال تعالى ذكرُه: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾. كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا جعفرُ بنُ سليمانَ، عن ثابتٍ البُنَانيِّ، قال: سمِعتُ الحسنَ قرَأ هذه الآيةَ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ثم قرَأ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ إلى ﴿أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾. فقال: إن هذين النعتَين لَنَعْتُ رجلٍ واحدٍ (٣). حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ بنُ عبد الحميدِ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾. قال: هذان (٤) ذَنْبان؛ الفاحشةُ ذنبٌ، وظلموا أنفسَهم ذنبٌ (٥).

стр. 3899

وأما الفاحشةُ فهى صفةٌ لمتروكٍ. ومعنى الكلامِ: والذين إذا فعَلوا فَعْلةً (١) فاحشةً. ويعنى بالفاحشة: الفَعْلةُ القبيحةُ الخارجةُ عما أَذِن اللهُ فيه. وأصلُ الفُحْشِ القُبْحُ والخروجُ عن الحَدِّ والمقدارِ في كلِّ شيءٍ، ولذلك (٢) قيل للطويلِ المُفْرطِ الطولِ: إنه لفاحِشُ الطُّولِ. يرادُ به: قبيحُ الطولِ، خارجٌ عن المقدارِ المُسْتَحسَنِ، ومنه قيل للكلامِ القبيحِ غيرِ القصدِ (٣): كلامٌ فاحشٌ. وقيل للمتكلمِ به (٤): أفحَشَ في كلامه. إذا نَطَق بفُحْشٍ. وقد قيل: إن الفاحشة في هذا الموضعِ مَعْنيٌّ بها الزِّنَا. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا العباسُ بنُ عبدِ العظيم، قال: ثنا حِبَّانُ، [قال: ثنا حَمَّادٌ] (٥)، عن ثابتٍ، عن جابرٍ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾. قال: زِنَا القومِ، وربِّ الكعبةِ (٦). حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾، أما الفاحشةُ فالزِّنا (٧). وقولُه: ﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾. يعني به: فعَلوا بأنفسِهم غيرَ الذي كان

стр. 3900

ينبغى لهم أن يفعَلوا بها. والذي فعَلوا من ذلك ركوبُهم من معصيةِ اللهِ جلَّ وعز، ما أوجَبوا لها به عقوبتَه. كما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سُفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾. قال: الظلمُ من الفاحشةِ، والفاحشةُ من الظلمِ (١). وقولُه: ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾. يعنى بذلك: ذكَروا وعيدَ اللَّهِ على ما أتَوا من معصيتِهم إياه، ﴿فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾. يقولُ: فسَألوا ربَّهم أن يَستُرَ عليهم ذنوبَهم، بصَفْحِه لهم عن العقوبةِ عليها. ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾. يقولُ: وهل يغفرُ الذنوبَ - أي يعفو عن راكبها فيستُرُها عليه - إلا اللَّهُ. ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا﴾. يقولُ: ولم يُقِيموا على ذنوبهم التي أتَوها، ومعصيتِهم التي ركِبوها ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: لم يُقِيموا على ذنوبهم عامِدين للمُقامِ عليها، وهم يعلَمون أن الله قد تقدَّم بالنهى عنها، وأوعَد عليها العقوبةَ مَن ركِبها. وذُكِر أن هذه الآيةَ أُنزِلت خُصوصًا بتَخْفيفها ويُسْرِها أُمَّتَنا (٢) مما كانت بنو إسرائيلَ مُمتحَنةً به من عظيمِ البلاءِ في ذنوبِها. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جرَيجٍ، عن عطاءِ بن أبي رباحٍ، أنهم قالوا: يا نبي الله، بنو إسرائيل أكرم على اللَّهِ مِنّا؟!، كانوا إذا أذْنَب أحدهم أصبَحت كفارةٌ ذنبِه مكتوبةً في عَتَبةِ بابِه: اجدَعْ أُذنَكَ، اجدَعْ أنفك، افعلْ … فسكَت رسولُ اللهِ ﷺ ، فنزَلَت: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ

стр. 3901

مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾. إلى قولِه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "ألا أُخبِرُكم بخيرٍ من ذلك؟ " فقرَأ هؤلاء الآيات (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني [عمرُ بنُ خليفةَ] (٢) العَبْدِيُّ، قال: ثنا عليُّ بنُ زيدِ بن جُدْعانَ، قال: قال ابن مسعودٍ: كانت بنو إسرائيلَ إذا أذنَبوا، أصبح مكتوبًا على بابِه الذنبُ وكفارتُه، فأُعْطِينا خيرًا من ذلك هذه الآيةُ (٣). حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا جعفرُ بنُ سليمانَ، عن ثابتٍ البُنَانيِّ، قال: لمَّا نزَلت: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ [النساء: ١١٠] بكى إبليسُ فَزَعًا من هذه الآيةِ. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا جعفرُ بنُ سليمانَ، عن ثابت البناني، قال: بَلَغنى أن إبليس حين نزلت هذه الآيةُ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بكَى (٤). حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سمِعتُ عثمانَ مولى آلِ أبي عَقِيلٍ الثقفيَّ، قال: سمِعتُ عليَّ بنَ ربيعةَ يُحدِّثُ عن رجلٍ من فَزارةَ، يقالُ (٥) له: أسماءُ. أو: ابن أسماءَ. عن عليٍّ، قال: كنتُ إذا

стр. 3902

سمِعتُ من رسولِ اللهِ ﷺ شيئًا، نفعنى الله بما شاء أن ينفَعَني به، وحدَّثني أبو بكرٍ، وصدَق أبو بكر، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "ما من عبد". قال شعبةُ: وأحسَبُه قال: "مسلم". "يُذنب ذنبًا ثم يتوضأُ، ثم يصلِّى ركعتَين، ثم يستغفرُ الله لذلك الذنب [إلا غفَر له] (١). قال شعبةُ: وقرَأ إحدى هاتين الآيتين: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾؛ ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، وحدَّثنا الفضلُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا وكيعٌ، عن مِسْعَرٍ وسفيانَ، عن عثمانَ بن المغيرةِ الثَّقَفيِّ، عن عليّ بن ربيعةَ الوَالِبيِّ، عن أسماءَ بن الحكمِ الفزاريِّ، عن عليّ بن أبى طالبٍ قال: كنتُ إذا سمِعتُ من رسولِ اللهِ ﷺ حديثا نفَعَنى اللَّهُ بما شاء منه، وإذا حدَّثنى عنه غيرُه، استحلَفتُه، فإذا حَلَف لى صدَّقتُه، وحدَّثنى أبو بكرٍ وصَدَق أبو بكرٍ، أنه قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "ما من رجل يُذْنِبُ ذنبًا ثم يَتوضَّأُ، ثم يصلِّى". قال أحدُهما: "ركعتين". وقال الآخَرُ: "ثم يصلِّي ويَسْتغفِرُ اللَّهَ إلا غفر له" (٣). وحدَّثنا الزبيرُ بنُ بَكَّارٍ، قال: ثني سعدُ بنُ سعيدِ بن أبى سعيدٍ المَقْبُرِيُّ، عن أخيِه، عن جدِّه، عن عليّ بن أبى طالبٍ أنه قال: ما حدَّثني أحدٌ حديثا

стр. 3903

عن رسولِ اللهِ ﷺ إلا سألتُه أن يُقسِمَ لى باللهِ لهو سمِعه من رسولِ اللهِ ﷺ ، إلا أبا بكر، فإنه كان لا يَكْذِبُ. قال عليٌّ ﵁: فحدَّثني أبو بكرٍ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "ما مِن عبدٍ يُذنبُ ذنبًا، ثم يقومُ عند ذكرِه ذنبَه ذلك، فيَتوضَّأُ ثم يصلِّى ركعتَين، ويستغفرُ الله من ذنبِه ذلك، إلا غفَره اللهُ له" (١). وأما قولُه: ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾. فإنه كما بَيَّنا تأويلَه. وبنحوِ ذلك كان أهلُ التأويلِ يقولون. حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: ثنا ابن إسحاقَ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾. أي: إن أتَوا فاحشةً. ﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾. بمعصيةٍ، ذكروا نَهْيَ اللهِ عنها، وما حرَّم اللهُ عليهم، فاستغفَروا لها، وعَرَفوا أنه لا يغفرُ الذنوبَ إلا هو (٢). وأما قولُه: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾. فإن اسمَ اللَّهِ مرفوعٌ، ولا جَحْد قبلَه، وإنما يُرْفَعُ ما بعد "إلا" بإتباعِه ما قبله، إذا كان نكرةً ومعه جَحْدٌ، كقولِ القائلِ: ما في الدارِ أحدٌ إلا أخوك. فأما إذا قيل: قام القومُ إلا أباك. فإن وَجْهَ الكلامِ في الأبِ النصبُ، و "مَن" بصلته في قوله: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ﴾ معرفةٌ. فإن ذلك إنما جاء رفعًا؛ لأن معنى الكلامِ: وهل يغفرُ الذنوبَ أحدٌ. أو: ما يغفرُ الذنوبَ أحدٌ إِلا اللَّهُ. فرُفِع ما بعدَ" إلا" من اسمِ "اللهِ" على تأويلِ الكلامِ، لا على لفظِه.

стр. 3904

وأما قولُه: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. فإن أهلَ التأويلِ اختَلفوا في تأويلِ الإصْرارِ، ومعنى هذه الكلمةِ؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك، لم يَثْبُتوا على ما أَتَوا من الذنوبِ، ولم يُقيموا عليه، ولكنهم تابوا واستغفَروا، كما وصَفهم اللهُ جلَّ ثناؤه به. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. فإياكم والإصرارَ، فإنما هَلَكَ المُصِرُّون الماضون قُدُمًا، لا يَنْهاهم مخافةُ الله عن حرامٍ حَرَّمه عليهم، ولا يَتوبون من ذنبٍ أصابوه، حتى أتاهم الموتُ، وهم على ذلك (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. قال: قُدُمًا قُدُمًا في معاصي اللهِ، لا تَنْهاهم مخافةُ اللهِ حتى جاءهم أمرُ اللهِ (٢). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. أي: لم يُقِيموا على مَعْصِيتى، كفعلِ من أشرَك بي، فيما عَمِلوا به مِن كفرٍ بى (٣). وقال آخرون: معنى ذلك: لم يُواقِعوا الذنب إذا هَمُّوا به.

стр. 3905

ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا﴾. قال: إتيانُ العبدِ ذنبًا إصرارٌ حتى يتوبَ (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ : ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. قال: لم يُواقِعوا (٢). وقال آخرون: معنى الإصرار السكوتُ على الذنبِ، وتركُ الاستغفارِ. ذكر من قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. أمَّا يُصِرُّوا: فيَسْكُتوا ولا يستغفِروا (٣). وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ عندَنا: قولُ مَن قال: الإصرارُ: الإقامةُ على الذنبِ عامدًا، و (٤) ترك التوبةِ منه. ولا معنى لقولِ مَن قال: الإصرارُ على الذنبِ، هو مُواقعتُه. لأن الله

стр. 3906

مَدَح بتركِ الإصرارِ على الذنبِ مُوَاقِعَ الذنبِ، فقال ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾، ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا﴾. ولو كان المُوَاقِع الذنبَ مُصِرًا بمُواقعته إياه، لم يكنْ للاستغفار وَجهٌ مفهومٌ؛ لأن الاستغفارَ من الذنبِ إنما هو التوبةُ منه والندمُ، ولا يُعرَفُ للاستغفارِ من ذنبٍ لم يُواقِعه صاحبه وَجْهٌ. وقد رُوِى عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: "ما أصَرَّ مَن استغفَر، وإن عاد في اليومِ سبعين مرةً". حدَّثني بذلك الحسينُ بنُ يزيدَ السَّبِيعيُّ، قال: ثنا عبدُ الحميدِ الحِمَّانيُّ، عن عثمانَ بن واقدٍ، عن أبي نُصَيرةَ (١)، عن مولًى لأبي بكرٍ، عن أبي بكرٍ، عن رسولِ اللهِ ﷺ (٢). فلو كان مُواقِعُ الذنبِ مُصِرًا، لم يكنْ لقولِه: "ما أَصَرَّ مَن استغفَر وإن عاد في اليومِ سبعين مرةً"، معنًى؛ لأن مُواقَعةَ الذنبِ، إذا كانت هي الإصرارُ، فلا يُزِيلُ الاسم الذي لَزِمه معنًى غيرُه، كما لا يزيل عن الزاني اسَم زانٍ، وعن القاتلِ اسمَ قاتلٍ، توبته منه، ولا معنًى غيرها. وقد أبانَ هذا الخبرُ أن المُسْتغفِرَ من ذنبِه غيرُ مُصِرٍّ عليه، فمعلومٌ بذلك أن الإصرارَ غيرُ المُواقعةِ، وأنه المُقامُ عليه، على ما قلنا قبلُ. واختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه، وهم يعلَمون أنهم قد أذنَبوا.

стр. 3907

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، أمَّا: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، فيعلَمون أنهم قد أذنَبوا، ثم أقاموا فلم يستغفِروا (١). وقال آخرون: معنى ذلك: وهم يعلَمون أن الذي أَتَوا معصيةُ اللَّهِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. قال: يعلَمون بما حرَّمتُ عليهم من عبادةِ غيرى (٢). قال أبو جعفر: وقد تقدَّم بيانُنا أَوْلَى ذلك بالصوابِ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦)﴾. يعنى تعالى ذِكْرُه بقولِه: ﴿أُولَئِكَ﴾: الذين ذكَر أنه أعدَّ لهم الجنةَ التي عرضُها السمواتُ والأرضُ مِن المتقين، ووَصَفهم بما وصَفهم به. ثم قال: هؤلاء الذين هذه صِفَتُهم ﴿جَزَاؤُهُمْ﴾ يعنى: ثَوابُهم من أعمالِهم التي وَصَفَهم تعالى ذِكْرُه أنهم عمِلوها ﴿مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾. يقولُ: عَفْوٌ لهم مِن اللهِ عن عُقوبتِهم على ما سَلَف مِن ذنوبِهم، ولهم على ما أطاعوا اللَّهَ فيه مِن أعمالهم - [مع محوِ السيِّئ من أعمالِهم] (٣) بالحسنِ منها - ﴿وَجَنَّاتٌ﴾، وهى البساتينُ، ﴿تَجْرِي مِنْ

стр. 3908

تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. يقولُ: تَجْرِى خِلالَ أشجارها الأنهارُ وفي أسافلِها، جزاءً لهم على صالحِ أعمالِهم، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ يعنى: دائمي المُقامِ في هذه الجَنَّاتِ التي وَصَفها. ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ يعنى: ونِعْمَ جزاء العاملين للهِ الجناتُ التي وَصَفها. كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾: أي ثوابُ المُطِيعين (١). القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧)﴾ يعني بقولِه تعالى ذِكْرُه: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾: قد مَضَتَ وسَلَفت منى في مَن كان قبلَكم - يا مَعْشَرَ أصحابِ محمدٍ وأهلَ الإيمانِ به - من نحوِ قومِ عادٍ وثمودَ وقومِ إبراهيمَ (٢) وقومِ لوطٍ وغيرهم مِن سُلَّافِ الأُمَم قبلَكم ﴿سُنَنٌ﴾ يعني: [مُثُلًا وسِيَرًا سِرتُها] (٣) فيهم وفى مَن (٤) كَذَّبوا به مِن أنبيائِهم الذين أُرْسِلوا إليهم، بإمْهالى (٥) أهلَ التكذيب بهم، واسْتِدراجي إياهم، حتى بلَغ الكتابُ فيهم أَجَلى (٦) الذي أجَّلْتُه لإدالة أنبيائِهم وأهلِ الإيمانِ بهم عليهم، ثم أخْلَلتُ بهم عُقُوبَتى، وأنزلتُ بساحتِهم نِقْمَتِي (٧)، فتركتُهم لمن بعدَهمِ أمثالًا وعِبرًا. ﴿فَسِيرُوا

стр. 3909

فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾. يقولُ: فسيروا - أيها الظَّانُّون أن إدالتي مَن أَدَلْتُ مِن أهلِ الشركِ يومَ أُحدٍ على محمدٍ وأصحابِه لغيِر اسْتِدْراجٍ منى لمن أشرَك بى وكفَر برسولى (١) وخالَف أمْرِى - في ديارِ الأُمَمِ الذين كانوا قبلكم، ممن كان على مثلِ الذي عليه هؤلاء المُكذِّبون برسولي، والجاحِدون وَحْدانِيَّتى، فانْظُروا كيف كان عاقبةُ تكْذِيبِهم أنبيائى، وما الذي آل إليه غِبُّ (٢) خلافِهم أمْرِى، وإنكارِهم وَحْدانِيَّتى، فتَعْلَموا عندَ ذلك أن إدالَتيِ مَن أَدَلْتُ مِن المشركين على نَبِيِّي محمدٍ وأصحابِه بأُحُدٍ، إنما هي اسْتِدْراجٌ وإمْهالٌ [منى لهم؛ ليَبلُغَ كتابى الأجلَ] (٣) الذي أجَّلْتُ لهم، ثم: إما أن يَئُول حالُهم إلى مثلِ ما آل إليه حالُ الأُممِ الذين سلفوا قبلَهم، مِن تعجيلِ العقُوبِة عليهم، أو يُنيبوا إلى طاعتِي واتباعِ رَسُولى. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، قال: ثنا عبَّادٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ فقال: ألم يَسِيروا (٤) في الأرضِ فينْظُروا (٥) كيف عَذَّب اللَّهُ قومَ نوحٍ وقومَ لوطٍ وقومَ صالحٍ، والأُمَمَ التي عَذَّبَ اللهُ (٦). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن

стр. 3910

أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا﴾. يقولُ: في الكفارِ والمؤمنين، والخيرِ والشرِّ (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾: في (٢) المؤمنين والكفارِ. حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إِسحاقَ، قال: اسْتَقْبَل ذِكْرَ المُصِيبةِ التي نَزَلت بهم - يعنى بالمسلمين يومَ أُحدٍ - والبلاءِ الذي أصابَهم، والتَمحيصِ لما كان فيهم، واتخاذِه الشهداءَ منهم، فقال تَعْزيةً لهم، وتعريفًا لهم فيما صَنَعوا، وما هو صانعٌ بهم: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾. أي: قد مَضَت منى وقائعُ نِقْمَةٍ في أهلِ التكذيبِ لرُسُلى والشركِ بي (٣)؛ عادٍ وثمودَ وقومِ لوطٍ وأصحابِ مَدْينَ، فسيروا في الْأَرْضِ تَرَوْا مَثُلاتٍ قد مَضَت منى (٤) فيهم، ولمن كان على مثلِ ما هم عليه مِثْلُ ذلك منى، وإن أمليتُ (٥) لهم، أي: لئلا يَظُنُّوا أن نِقْمَتى انْقَطَعت عن عَدوِّهم وعَدوِّى، للدَّوْلةِ التي أدَلْتُها عليكم بها؛ لأبْتَلِيَكم بذلك، لأعْلَم ما عندَكم (٦). حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾. يقولُ: مَتَّعهم في الدنيا قليلًا، ثم صَيَّرهم إلى النارِ (٧).

стр. 3911

وأما السُّننُ فهى جميعُ سُنةٍ. والسنَّةُ هي المثالُ المُتَّبع، والإمامُ المُؤْتمُّ به. يُقالُ منه: سَنَّ فلانٌ فينا سُنةً حَسَنةً، وسنَّ سَنَّةً سَيئةً. إذا عَمِل عملًا اتبع عليه مِن خيرٍ أو (١) شرٍّ. ومنه قولُ لَبِيدِ بن رَبيعة (٢). مِنْ مَعْشَرٍ سَنَّتْ لَهُمْ آبَاؤُهُمْ … ولكُلِّ قَوْمٍ سُنَّةٌ وإمامُها قولُ سليمانِ بن قَتَّةَ (٣). وَإِنَّ الأُلَى بالطَّفِّ (٤) مِنْ آلِ هَاشِمٍ … تَأْسَوْا (٥) فَسَنُّوا للكِرَامَ التَّآسيا وقال ابن زيدٍ في ذلك بما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾. قال: أمثالٌ. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨)﴾ اختلف أهلُ التأويلِ في المعنى الذي أُشِير إليه بـ ﴿هَذَا﴾؛ فقال بعضُهم: عنى بقولِه: ﴿هَذَا﴾. القرآنَ.

стр. 3912

ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، قال: ثنا عبادٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾. قال: ﴿هَذَا﴾: القرآنُ (١). حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾: وهو هذا القرآنُ، جعله الله بيانًا للناسِ عامةً، وهُدًى ومَوْعِظَةً للمتقين خصوصًا (٢). حدَّثنا المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنى عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ﴾. [قال: كان تبيانُه للناسِ عامةً، ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ﴾] (٣): للمتقين خاصةً (٤). حدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدٌ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن ابن جرَيجٍ، في قولِه: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾: خاصةً. وقال آخرون: إنما أُشِيرَ بقولِه: ﴿هَذَا﴾، إلى قولِه: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِين﴾. ثم قال: ﴿هَذَا﴾ الذي عَرَّفْتُكم يا مَعْشَرَ أصحابِ محمدٍ، ﴿بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾.

стр. 3913

ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ بذلك. وأوْلَى القولين في ذلك عندِى بالصوابِ قولُ مَن قال: قولُه: ﴿هَذَا﴾ إِشارةٌ إلى ما تقدَّم هذه الآيةَ مِن تذكيرِ اللهِ جلَّ ثناؤُه المؤمنين، وتعريفهم حُدودَه، وحضِّهم على لُزومِ طاعتِه والصبرِ على جهادِ أعدائِه وأعدائِهم؛ لأن قولَه: ﴿هَذَا﴾. إشارةٌ إلى حاضر؛ إما مَرْئيٍّ وإما مَسْموعٍ، وهو في هذا المَوْضعِ إلى حاضرٍ مَسْموعٍ مِن الآياتِ المُتقدِّمة. فمعنى الكلامِ: ﴿هَذَا﴾ الذِي أَوْضَحْتُ لكم وعَرَّفْتُكُموه ﴿بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾، يعنى بالبيانِ: الشَّرْحَ والتَّفْسِير. كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾: أي هذا تَفْسيرٌ للناسِ إن قَبِلوه (١). حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ والمَثنى، قالا: ثنا أبو نُعَيمٍ، قال: ثنا سُفيانُ، عن بَيانٍ، عن الشَّعْبيِّ: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾. قال: مِن العَمَى (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن [بيانٍ، عن] (٣) الشعبيِّ مثلَه (٤). وأما قولُه جلَّ ثناؤه: ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ﴾. فإنه يعنى بالهُدَى: الدلالةَ على سبيلِ الحقِّ ومنهجِ الدينِ، وبالموعظةِ: التذكرة للصوابِ والرشادِ.

стр. 3914

كما حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ والمُثنى، قالا: ثنا أبو نُعَيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن بيانٍ، عن الشَّعْبيِّ: ﴿وَهُدًى﴾. قال: مِن الضلالةِ، ﴿وَمَوْعِظَةٌ﴾: مِن الجَهْلِ. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن بيانٍ، عن الشَّعْبيِّ مثلَه (١). حدَّثنا ابن حُميدٍ قال: ثنا سلمةُ عن ابن إسحاقَ: [﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ﴾: أي نورٌ وآدابٌ، فأما قولُه: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾. فإنه يعنى: لمن اتقى الله بطاعتِه واجتنابِ محارِمه. حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ] (٢): ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾. أي: لمن أطاعنى، وعَرَف أمْرِى (٣). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩)﴾. وهذا مِن اللهِ تعالى ذِكْرُهِ تَعْزِيةٌ لأصحابِ رسولِه ﷺ على ما أصابهم مِن الجِراحِ والقَتْلِ بأُحُدٍ (٤). قال: ولا تَهنوا ولا تَحْزنوا يا أصحابِ محمدٍ، يعني: ولا تَضْعُفوا بالذي نالكم مِن عَدوكِّم بأُحُدٍ مِن القتلِ والقُروحِ، عن جهادِ عَدوِّكم وحَرْبهم، مِن قولِ القائلِ: وهَنَ فلانٌ في هذا الأمرِ. فهو يَهِنُ وَهْنًا. ﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾: ولا تَأْسَوا فتَجْزَعوا على ما أصابكم مِن المُصيبةِ يومئذ، فإنكم أنتم الأَعْلُون، يعنى: الظَّاهرون عليهم، ولكم العُقْبَى في الظَّفَرِ والنُّصْرَةِ عليهم. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: إن كنتم مُصَدِّقِى نبيِّى محمدٍ فيما يعدُكم وفيما يُنْبِئُكم

стр. 3915

مِن الخَبَرَ عما يَئُولُ إليه أمرُكم وأمْرُهم. كما حدَّثنا المُثَنى، قال: ثنا سُوَيدُ بنُ نَصْرٍ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن يونسُ، عن الزهريِّ، قال: كَثُرَ في أصحابِ محمدٍ ﷺ القتلُ والجراحُ، حتى خَلَص إلى كلِّ امرئ منهم البَأْسُ (١)، فأنْزَل اللهُ القرآن، فآسَى (٢) فيه المؤمنين بأحسنِ ما آسَي به قومًا مِن المسلمين كانوا قبلَهم مِن الأممِ الماضيةِ، فقال: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، إلى قولِه: ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ (٣). حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: يُعزِّى أصحابِ محمدٍ ﷺ كما تَسْمعون، ويَحُثُّهم على قتالِ عَدوِّهم، ويَنْهاهم عن العجزِ والوَهْنِ في طلبِ عَدوِّهم في سبيلِ اللهِ (٤). حدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، قال: ثنا عبادٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. قال: يَأْمرُ محمدًا؛ يقولُ: ولا تهنوا (٥) أَن تَمْضُوا في سبيلِ اللَّهِ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ: عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ : ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾: ولا تَضْعُفوا (٦).

стр. 3916

حدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾. يقولُ: ولا تَضْعُفوا (١). حدَّثني القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾. قال ابن جُرَيجٍ: ولا تَضْعُفوا في أمرِ عَدوِّكم، ﴿وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾. قال: انْهَزَم أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ في الشُّعْبِ، فقالوا: ما فعَل فلانٌ؟ ما فعَل فلانٌ؟ فنَعَى بعضُهم بعضًا، وتَحدَّثوا أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قد قُتِلَ، فكانوا في همٍّ وحَزَنٍ، فبينما هم كذلك، إذ علا خالدُ بنُ الوليدِ الجبلَ بخَيلِ المشركين فوقَهم، وهم في أسفلِ الشِّعْبِ، فلما رَأَوُا النبيَّ ﷺ فَرِحوا، وقال النبيُّ ﷺ : "اللَّهُمَّ (٢) لا قوةَ لنا إلا بك، وليس يَعْبُدُك (٣) بهذه البَلْدةِ غيرُ هؤلاءِ النَّفَرِ". قال: وثاب نَفَرٌ مِن المسلمين رُماةٌ، فصَعِدوا، فرَمَوْا خيلَ المشركين حتى هَزَمهم اللهُ، وعلا المسلمون الجَبَل (٤)، فذلك قولُه: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٥). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾. أي: لا

стр. 3917

تَضْعُفوا، ﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾: ولا تَأْسَوا (١) على ما أصابكم ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾. أي: لكم تَكُونُ العاقبة والظُّهورُ ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: إن كنتم صَدَّقْتُم نبيِّي بما جاءكم به عنِّي (٢). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عَمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنَ عباسٍ، قال: أقْبل خالدُ بنُ الوليدِ يُريدُ أن يَعْلُوَ عليهم الجبلَ، فقال النبيُّ ﷺ : "اللَّهُمَّ لا يَعْلُونَ علينا". فأنْزَل اللهُ ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾. اختلف القَرأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقَرأَتْه عامةُ قَرأَةِ أهلِ الحجازِ والمدينةِ والبصرةِ: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ (٤)، كلاهما بفَتْحِ "القاف"؛ بمعنى: إن يَمْسَسْكُم القتْلُ والجراحُ يا معشرَ أصحابِ محمدٍ، فقد مَسَّ القومَ مِن أعدائكم مِن المشركين قَرْحٌ - قتلٌ وجراحٌ - مثلُه. وقرَأ ذلك عامةُ قَرأَةِ الكوفةِ: (إن تمسَسْكُمْ قُرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قُرْحٌ مثْلُهُ) (٥). [بضمِّ القافِ فيهما جميعًا، بمعنى: إن يمسَسْكم ألمُ الجراحِ فقد مسَّ القومَ منكم مثلُه] (٦). وأَوْلَى القِراءتين بالصواب قراءة مِن قرَأ: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ

стр. 3918

قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾. بفتح "القافِ" في الحرفين؛ لإجماعِ أهلِ التأويلِ على أن معناه القتلُ والجِراحُ، فذلك يَدُلُّ على أن القراءةَ هي "الفتحُ". وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يَزْعُمُ أَن القَرْحَ والقُرْحَ لغتان بمعنًى واحدٍ، والمعروفُ عندَ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ [ما قلنا] (١). ذِكْرُ مَن قال: إن القَرْحَ الجرِاحُ والقتلُ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾. قال: جراحٌ وقتلٌ. حدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٢). حدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، عن عبادٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾. قال: إِن يُقْتَلْ (٣) منكم (٤) يومَ أحدٍ، فقد قَتَلتم منهم يومَ بدرٍ (٥). حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾: والقَرْحُ: الجرِاحةُ، وذاكم يومَ أُحدٍ، فَشَا في أصحابِ نبيِّ ﷺ يومَئذٍ القتلُ والجراحةُ، فأخبرَهم اللهُ أن القومَ قد

стр. 3919

أصابهم مِن ذلك مِثْلُ الذي أصابكم، [من أعدائكم] (١) عُقُوبةً (٢). حدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾. قال: ذلك يومَ أُحُدٍ، فَشا في المسلمين [القَرْحُ، والقَرْحُ] (٣) الجِراحُ، وفَشا فيهم القتلُ، فذلك قولُه: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾. يقولُ: إن كان أصابكم قَرْحٌ فقد أصاب عَدُوِّكم مثله، يُعَزِّي أصحابِ محمدٍ ﷺ ، ويَحُثُّهم على القتالِ (٤). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضل، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾: والقَرْحُ هي الجرِاحاتُ (٥). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ أي: جِراحٌ ﴿فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾، أي جِراحٌ مِثلُها (٦). حدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا حفص بن عمر، قال: ثنا الحَكَمُ بْنُ أبانٍ، عن عِكْرمَة، عن ابنَ عباسٍ، قال: نام المسلمون وبهم الكُلُومُ، يعني يومَ أُحُدٍ، قال عِكرمةُ: وفيهم أنزلت: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾، وفيهم أُنْزِلَت: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا

стр. 3920

يَرْجُونَ﴾ (١) [النساء: ١٠٤]. وأما تأويل قوله: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ﴾. فإنه: إن يُصبْكم. كما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنَ عباسٍ: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ﴾: إن يُصِبْكم (٢). القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾. يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا﴾؛ أَيامُ بدرٍ وأُحُدٍ. ويعنى بقولِه: ﴿نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾: نجعلُها دُوَلًا بين الناسِ مُصَرَّفةً. ويعنى بالناسِ: المسلمين والمشركين، وذلك أن الله أدالَ (٣) المسلمين مِن المشركين ببَدْرٍ فقَتَلوا منهم سبعين وأسَرُوا سبعين، وأدال (٣) المشركين مِن المسلمين بأُحُدٍ فقَتَلوا منهم سبعين سِوَى مَن جَرَحوا منهم. يُقالُ منه: أدال (٣) اللهُ فلانًا مِن فلانٍ، فهو يُدِيلُه (٤) منه إدالَةً (٥): إذا ظفر به فانْتَصَر منه مما (٦) كان نال (٧) منه المُدَالُ (٨) منه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 3921

ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ سَنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، عن عبادٍ، عن الحسنِ: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾. قال: جعل الله الأيامَ دُولًا، أدالَ (١) الكفار يومَ أُحَدٍ مِن أصحابِ محمدٍ ﷺ (٢). حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾: إنه واللهِ لولا الدُّوَلُ ما أُوذِى (٣) المؤمنون، ولكن قد يُدَالُ للكافرِ مِن المؤمِنِ، ويُبْتَلَى المؤمنُ بالكافِرِ؛ ليعلم الله مَن يُطِيعُه ممن يَعْصِيه، ويَعْلَمَ الصادق مِن الكاذبِ (٤). حدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قوله: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا﴾: فأظْهَر اللهُ نبيَّه ﷺ وأصحابَه على المشركين يومَ بدرٍ، وأَظهر عليهم عدوِّهم يومَ أُحدٍ، وقد يُدالُ الكافرُ مِن المؤمنِ (٥)، ويُبتلى المؤمنُ بالكافِرِ؛ ليعلَمَ اللَّهُ مَن يُطِيعُه ممن يَعْصِيه، ويَعْلَمَ الصادقَ مِن الكاذبِ، وأما مِن ابْتُليَ منهم - مِن المسلمين - يومَ أُحُدٍ، فكان (٦) عُقوبةً بمعصيتِهم رسولَ اللهِ ﷺ (٧).

стр. 3922

حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾: يومًا لكم ويومًا عليكم (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجاج، قال: قال ابن جُريجٍ: قال ابنَ عباسٍ: ﴿نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾. قال: أدال المشركين على النبيِّ ﷺ يومَ أُحُدٍ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه،، عن ابنَ عباسٍ قولَه: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾: فإنه كان يومُ أُحُدٍ بيومِ بدرٍ؛ قُتِل المؤمنون يومَ أُحُدٍ، اتَّخَذَ اللَّهُ منهم شهداءَ، وغَلَب رسولُ اللهِ ﷺ يومَ بدرٍ المشركين، فجعَل له الدولةَ عليهم (٣). حدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ، قال: ثنا الحكمُ بنُ أبانٍ، عن عِكرمةَ، عن ابنَ عباسٍ، قال: لما كان قِتالُ أُحُدٍ، وأصاب المسلمين ما (٤) أصاب، صعِد النبيُّ ﷺ الجبل، فجاء أبو سفيانَ، فقال: يا محمدُ يا محمدُ، ألا تَخْرج؟ ألا تَخْرج؟ الحربُ سجالٌ، يومٌ لنا ويومٌ لكم. فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: "أَجِيبُوه". فقالوا: لاسواءَ لاسواءَ، قَتْلانا في الجنةِ وقتلاكم في النارِ. فقال أبو سفيانَ: لنا عُزَّى ولا عُزَّى لكم. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "قولوا: اللهُ مولانا ولا مَوْلَى لكم". فقال أبو سفيانَ: اعْلُ هُبَلُ اعْلُ هُبل. فقال رسولُ

стр. 3923

الله ﷺ : "قولوا: اللَّهُ أَعْلَى وأَجَلُّ". فقال أبو سفيانَ: موعدكم وموعدُنا بدرٌ الصُّغْرَى. قال عِكرمةُ: وفيهم أُنْزِلَتْ: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (١). حدَّثني المُثنى: قال: ثنا سويدُ بنُ نَصْرٍ، قال: أخبَرنا ابن المبارك. عن ابن جريجٍ، عن ابنَ عباسٍ في قولِه: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾: فإنه أدال على النبيِّ ﷺ يومَ أُحُدٍ (٢). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾: أي نُصرِّفُها للناسِ للبلاءِ (٣) والتَّمحيص (٤). حدَّثني إبراهيمُ بنُ عبدِ اللَّهِ، قال: أخبَرنا عبدُ اللَّهِ بنُ عبدِ الوهَّابِ الحَجَبيُّ، قال: ثنا حماد بن زَيْدٍ، عن ابن عَوْنٍ (٥)، عن محمدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾. قال: يعنى الأُمراءَ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠)﴾. يعنى بذلك تعالى ذِكْرُه: وليعلم اللهُ الذين آمنوا ويتخِذَ منكم شُهداءَ، ﴿نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾. ولو لم يَكُن في الكلامِ واوٌ لكان قولُه: ﴿وَلِيَعْلَمَ﴾ مُتَّصِلًا بما قبلَه، وكان: وتلك الأيامُ نُداوِلُها بينَ الناسِ ليَعْلَمَ اللهُ الذين آمنوا. ولكن لمَّا دَخَلت الواوُ فيه،

стр. 3924

آذَنَتْ بأن الكلامَ غيرُ (١) مُتَّصِلٍ بما قبلَها، وأن بعدَها خبرًا مطلوبًا، اللامُ (٢) التي في قولِه: ﴿وَلِيَعْلَمَ﴾. به متعلِّقةٌ. فإن قال قائلٌ: وكيف قِيلَ: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. [و ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾] (٣) مَعرِفةٌ، وأنت لا تستجيزُ (٤) في الكلامِ: "قد سَأَلتُ فعَلِمتُ عبدَ اللهِ"، وأنت تريدُ: عَلِمتُ شَخْصَه، إلا أن تُرِيدَ: عَلمِتُ صِفَتَه وما هو. قيل: إن ذلك إنما جاز مع "الذين"؛ لأن في "الذين" تأويلَ "مَن" و"أي"، وكذلك جائزٌ مِثْلُه في "الألفِ واللامِ"، كما قال تعالى ذِكُرُه: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣]؛ لأن في "الألفِ واللامِ" مِن تأويلِ "أي"، و "مَن" مثلَ الذي في "الذي". ولو جُعِلَ مع الاسمِ المعرفةِ اسمٌ فيه دلالةٌ على "أي"، جاز كما يُقالُ: سَأَلْتُ لأعلمَ عبدَ اللهِ مِن عمرٍو. ويُرادُ بذلك: لأعرِفَ هذا من هذا (٥). فتأويلُ الكلامِ: وليَعلمَ اللهُ الذين آمنوا منكم، أيها القومُ، مِن الذين نافَقوا منكم، نُداوِلُ بينَ الناسِ. فاسْتَغْنى بقولِه: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ من (٦) ذكرِ قولِه: "مِنَ الَّذينَ نافَقُوا"؛ لدلالِة الكلامِ عليه؛ إذ كان في قولِه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تأويلُ "أي" على ما وَصَفْنا. فكأنه قيل: وليَعلمَ اللهُ أيُّكم المؤمنُ، كما قال جل ثناؤُه: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى﴾ [الكهف: ١٢]. غيرَ أن "الألفَ واللامَ" و"الذي" و "مَن"، إذا وُضِعَتْ مع العَلَمِ مَوْضِعَ (٧) "أي" نُصِبَت بوقوعِ العلمِ

стр. 3925

عليه، كما قيل: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣]. فأما "أي" فإنها تُرفعُ (١). وأما قولُه: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾. فإنه يعنى: وليعلمَ اللهُ الذين آمنوا، وليَتَّخِذَ منكم شُهداءَ، أي: ليُكْرِمَ منكم بالشهادةِ مَن أراد أن يُكْرِمَه بها. و"الشهداءُ": جمعُ شَهيدٍ. كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: ليُميِّزَ بينَ المؤمنين والمنافقين، وليُكْرِمَ مَن أكرَم مِن أهلِ الإيمانِ بالشهادةِ (٢). حدَّثني المُثنى، قال: ثنا سُويدُ بنُ نَصْرٍ، قال: أخبرَنا ابن المباركِ قِراءةً على ابن جُريجٍ، في قولِه: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾. قال: فإن المسلمين كانوا يسألون رَبَّهم: ربَّنا أرِنا يومًا كيومِ بدرٍ، تُقاتِلُ فيه المشركين، ونُبْلِيك (٣) فيه خيرًا، ونَلْتَمِسُ فيه الشهادةَ، فَلَقُوا المشركين يومَ أُحُدٍ، فاتَّخَذ منهم شهداءَ. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾: فكرَّم اللهُ أولياءَه بالشهادةِ بأيدى عَدوِّهم، ثم تَصِيرُ حواصلُ الأمورِ وعواقبُها لأهلِ طاعةِ اللهِ (٤).
следующие страницы →