← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.

стр. 3921

ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ سَنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، عن عبادٍ، عن الحسنِ: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾. قال: جعل الله الأيامَ دُولًا، أدالَ (١) الكفار يومَ أُحَدٍ مِن أصحابِ محمدٍ ﷺ (٢). حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾: إنه واللهِ لولا الدُّوَلُ ما أُوذِى (٣) المؤمنون، ولكن قد يُدَالُ للكافرِ مِن المؤمِنِ، ويُبْتَلَى المؤمنُ بالكافِرِ؛ ليعلم الله مَن يُطِيعُه ممن يَعْصِيه، ويَعْلَمَ الصادق مِن الكاذبِ (٤). حدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قوله: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا﴾: فأظْهَر اللهُ نبيَّه ﷺ وأصحابَه على المشركين يومَ بدرٍ، وأَظهر عليهم عدوِّهم يومَ أُحدٍ، وقد يُدالُ الكافرُ مِن المؤمنِ (٥)، ويُبتلى المؤمنُ بالكافِرِ؛ ليعلَمَ اللَّهُ مَن يُطِيعُه ممن يَعْصِيه، ويَعْلَمَ الصادقَ مِن الكاذبِ، وأما مِن ابْتُليَ منهم - مِن المسلمين - يومَ أُحُدٍ، فكان (٦) عُقوبةً بمعصيتِهم رسولَ اللهِ ﷺ (٧).

стр. 3922

حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾: يومًا لكم ويومًا عليكم (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجاج، قال: قال ابن جُريجٍ: قال ابنَ عباسٍ: ﴿نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾. قال: أدال المشركين على النبيِّ ﷺ يومَ أُحُدٍ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه،، عن ابنَ عباسٍ قولَه: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾: فإنه كان يومُ أُحُدٍ بيومِ بدرٍ؛ قُتِل المؤمنون يومَ أُحُدٍ، اتَّخَذَ اللَّهُ منهم شهداءَ، وغَلَب رسولُ اللهِ ﷺ يومَ بدرٍ المشركين، فجعَل له الدولةَ عليهم (٣). حدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ، قال: ثنا الحكمُ بنُ أبانٍ، عن عِكرمةَ، عن ابنَ عباسٍ، قال: لما كان قِتالُ أُحُدٍ، وأصاب المسلمين ما (٤) أصاب، صعِد النبيُّ ﷺ الجبل، فجاء أبو سفيانَ، فقال: يا محمدُ يا محمدُ، ألا تَخْرج؟ ألا تَخْرج؟ الحربُ سجالٌ، يومٌ لنا ويومٌ لكم. فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: "أَجِيبُوه". فقالوا: لاسواءَ لاسواءَ، قَتْلانا في الجنةِ وقتلاكم في النارِ. فقال أبو سفيانَ: لنا عُزَّى ولا عُزَّى لكم. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "قولوا: اللهُ مولانا ولا مَوْلَى لكم". فقال أبو سفيانَ: اعْلُ هُبَلُ اعْلُ هُبل. فقال رسولُ

стр. 3923

الله ﷺ : "قولوا: اللَّهُ أَعْلَى وأَجَلُّ". فقال أبو سفيانَ: موعدكم وموعدُنا بدرٌ الصُّغْرَى. قال عِكرمةُ: وفيهم أُنْزِلَتْ: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (١). حدَّثني المُثنى: قال: ثنا سويدُ بنُ نَصْرٍ، قال: أخبَرنا ابن المبارك. عن ابن جريجٍ، عن ابنَ عباسٍ في قولِه: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾: فإنه أدال على النبيِّ ﷺ يومَ أُحُدٍ (٢). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾: أي نُصرِّفُها للناسِ للبلاءِ (٣) والتَّمحيص (٤). حدَّثني إبراهيمُ بنُ عبدِ اللَّهِ، قال: أخبَرنا عبدُ اللَّهِ بنُ عبدِ الوهَّابِ الحَجَبيُّ، قال: ثنا حماد بن زَيْدٍ، عن ابن عَوْنٍ (٥)، عن محمدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾. قال: يعنى الأُمراءَ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠)﴾. يعنى بذلك تعالى ذِكْرُه: وليعلم اللهُ الذين آمنوا ويتخِذَ منكم شُهداءَ، ﴿نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾. ولو لم يَكُن في الكلامِ واوٌ لكان قولُه: ﴿وَلِيَعْلَمَ﴾ مُتَّصِلًا بما قبلَه، وكان: وتلك الأيامُ نُداوِلُها بينَ الناسِ ليَعْلَمَ اللهُ الذين آمنوا. ولكن لمَّا دَخَلت الواوُ فيه،

стр. 3924

آذَنَتْ بأن الكلامَ غيرُ (١) مُتَّصِلٍ بما قبلَها، وأن بعدَها خبرًا مطلوبًا، اللامُ (٢) التي في قولِه: ﴿وَلِيَعْلَمَ﴾. به متعلِّقةٌ. فإن قال قائلٌ: وكيف قِيلَ: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. [و ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾] (٣) مَعرِفةٌ، وأنت لا تستجيزُ (٤) في الكلامِ: "قد سَأَلتُ فعَلِمتُ عبدَ اللهِ"، وأنت تريدُ: عَلِمتُ شَخْصَه، إلا أن تُرِيدَ: عَلمِتُ صِفَتَه وما هو. قيل: إن ذلك إنما جاز مع "الذين"؛ لأن في "الذين" تأويلَ "مَن" و"أي"، وكذلك جائزٌ مِثْلُه في "الألفِ واللامِ"، كما قال تعالى ذِكُرُه: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣]؛ لأن في "الألفِ واللامِ" مِن تأويلِ "أي"، و "مَن" مثلَ الذي في "الذي". ولو جُعِلَ مع الاسمِ المعرفةِ اسمٌ فيه دلالةٌ على "أي"، جاز كما يُقالُ: سَأَلْتُ لأعلمَ عبدَ اللهِ مِن عمرٍو. ويُرادُ بذلك: لأعرِفَ هذا من هذا (٥). فتأويلُ الكلامِ: وليَعلمَ اللهُ الذين آمنوا منكم، أيها القومُ، مِن الذين نافَقوا منكم، نُداوِلُ بينَ الناسِ. فاسْتَغْنى بقولِه: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ من (٦) ذكرِ قولِه: "مِنَ الَّذينَ نافَقُوا"؛ لدلالِة الكلامِ عليه؛ إذ كان في قولِه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تأويلُ "أي" على ما وَصَفْنا. فكأنه قيل: وليَعلمَ اللهُ أيُّكم المؤمنُ، كما قال جل ثناؤُه: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى﴾ [الكهف: ١٢]. غيرَ أن "الألفَ واللامَ" و"الذي" و "مَن"، إذا وُضِعَتْ مع العَلَمِ مَوْضِعَ (٧) "أي" نُصِبَت بوقوعِ العلمِ

стр. 3925

عليه، كما قيل: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣]. فأما "أي" فإنها تُرفعُ (١). وأما قولُه: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾. فإنه يعنى: وليعلمَ اللهُ الذين آمنوا، وليَتَّخِذَ منكم شُهداءَ، أي: ليُكْرِمَ منكم بالشهادةِ مَن أراد أن يُكْرِمَه بها. و"الشهداءُ": جمعُ شَهيدٍ. كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: ليُميِّزَ بينَ المؤمنين والمنافقين، وليُكْرِمَ مَن أكرَم مِن أهلِ الإيمانِ بالشهادةِ (٢). حدَّثني المُثنى، قال: ثنا سُويدُ بنُ نَصْرٍ، قال: أخبرَنا ابن المباركِ قِراءةً على ابن جُريجٍ، في قولِه: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾. قال: فإن المسلمين كانوا يسألون رَبَّهم: ربَّنا أرِنا يومًا كيومِ بدرٍ، تُقاتِلُ فيه المشركين، ونُبْلِيك (٣) فيه خيرًا، ونَلْتَمِسُ فيه الشهادةَ، فَلَقُوا المشركين يومَ أُحُدٍ، فاتَّخَذ منهم شهداءَ. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾: فكرَّم اللهُ أولياءَه بالشهادةِ بأيدى عَدوِّهم، ثم تَصِيرُ حواصلُ الأمورِ وعواقبُها لأهلِ طاعةِ اللهِ (٤).

стр. 3926

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجُ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾. قال: قال ابن عباسٍ: كانوا يَسْألون الشهادةَ، فَلَقُوا المشركين يومَ أُحُدٍ، فاتَّخذَ منهم شُهداءَ (١). حدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفَرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال (٢): أخبرَنا عُبَيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعت الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾: كان المسلمون يَسْأَلُون ربَّهم أن يُرِيَهم يومًا كيومِ بدرٍ، يُبْلُون فيه خيرًا، ويُرْزَقون فيه الشهادةَ، ويُرْزَقون الجنةَ والحياةَ والرِّزْقَ، [فَلَقَوا المشركين] (٣) يومَ أُحُدٍ، فاتَّخذ اللهُ منهم شهداءَ، وهم الذين ذكَرهم اللهُ فقال: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ﴾ (٤) الآية [البقرة: ١٥٤]. وأما قولُه: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾. فإنه يعنى به: الذين ظَلَموا أنفسَهم بمعصيتِهم ربَّهم. كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾: أي: المنافقين الذين يُظْهِرون بألسنتِهم الطاعةَ، وقلوبُهم مُصِرةٌ على المعصيةِ (٥).

стр. 3927

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١)﴾. يعنى تعالى ذِكْرُه بقولِه: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: ولِيَخْتَبِرَ اللهُ الذين صَدَّقوا الله ورسولَه، فيَبتليَهم بإدالةِ (١) المشركين منهم، حتى يَتَبَيَّنَ المؤمنَ منهم المخلصَ الصحيحَ الإيمانِ مِن المنافقِ. كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ (٢) في قولِه: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. قال: ليَبْتَلِيَ (٣). حدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، عن عبادٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. قال: ليُمَحِّصَ اللهُ المؤمنَ حتى يُصَدِّقَ (٤). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. يقولُ: يَبتلىَ المؤمنين (٥). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال

стр. 3928

ابن عباسٍ: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. قال: يَبْتَلِيَهم (١). حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾: فكان تَمْحِيصًا للمؤمنين، ومَحْقًا للكافرين (٢). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: أي: يَخْتَبِرُ الذين آمنوا حتى يُخَلِّصَهم بالبلاءِ الذي نزَل بهم، وكيف صَبْرُهم ويَقِينُهم (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِه: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾. قال: يَمْحَقُ مَن مُحِق في الدنيا، وكان بَقِيةُ مَن يَمْحَقُ (٤) في الآخرةِ في النارِ. وأما قولُه: (وَيَمْحَقَ الْكَفِرِينَ)، فإنه يعنى به: أنه يَنْقُصُهم ويُفْنِيهم. يقالُ منه: مَحَق فلانٌ هذا الطعامَ - إذا نَقَصه أو أفناه - يَمْحَقُه مَحْقًا. ومنه قيل لمُحاقِ القمرِ (٥): مُحاقٌ، وذلك لنقصانِه وفنائِه. كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾. قال: يَنقُصُهم (٦).

стр. 3929

حدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، عن عبادٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾. قال: يَمْحَقَ الكافرَ (١) حتى يُكَذِّبَه (٢). حدَّثنا ابن حُميدٍ قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾. أي: يُبْطِلَ مِن المُنافِقين قولَهم بأَلْسنتِهم ما ليس في قلوبِهم، حتى يَظْهَرَ منهم كفرُهم الذي يَسْتَتِرون (٣) به منكم (٤). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾. يعني بذلك جل ثناؤُه: أم حَسِبْتُم يا مَعْشَر أصحابِ محمدٍ، وظَنتم أن تَدْخُلُوا الجنةَ، وتنالوا كَرامَةَ ربِّكم وشَرَفَ المَنازِلِ عندَه، ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾. يقولُ: ولمَّا يَتَبَيَّنْ لعبادِى المؤمنين المجاهدُ منكم في سبيلى (٥) على ما أَمَرتُه (٦) به. وقد بَيَّنْتُ معنى قوله: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ﴾ وما أشبهَ ذلك، بأدلته فيما مضى (٧)، بما أَغْنَى عن إعادتِه. وقوله: ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾. يعني: الصابرين عندَ البأسِ، على ما ينَالُهم في ذاتِ اللهِ مِن جُروحٍ (٨) وألمٍ وَمَكْروهٍ.

стр. 3930

كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾، وتُصِيبوا مِن ثوابى الكرامةَ، ولم أخْتَبِرْكم بالشِّدةِ، وأبْتَلِيَكم بالمكارِه، حتى أعْلَمَ صِدْقَ (١) ذلك منكم؛ الإيمانُ (٢) بي، والصبرُ على ما أصابكم فيَّ (٣)؟ ونَصَب ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ على الصَّرْفِ. والصَّرْفُ: أَن يَجْتمعَ فِعْلَانِ ببعضِ حروفِ النسقِ، وفى أولِه ما لا يَحْسُنُ إعادتُه مع حرفِ النسقِ، فيُنْصَبُ الذي بعدَ حرفِ العطفِ على الصرفِ؛ لأنه مَصْروفٌ عن مَعْنى الأولِ، وذلك (٤) يكونُ مع جَحْدٍ أو استفهامٍ أو نَهْيٍ في أولِ الكلامِ، وذلك كقولِهم: لا يسعُنى شيءٌ ويَضِيقَ عنك (٥). لأن (لا) التي مع "يسعنى" لا يَحْسُنُ إعادتُها مع قولِه: ويضيقَ عنك. فلذلك نُصِبَ (٦). والقرأَةُ في هذا الحرفِ على النصبِ. وقد رُويَ عن الحسنِ أنه كان يَقْرأُ (وَيَعْلَمُ الصَّابِرِينَ). فيَكْسِرُ الميمَ من: (يعلمِ). لأنه كان يَنْوِى جَزْمَها على العطفِ به على قولِه: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ (٧). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ

стр. 3931

رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣)﴾ يعنى بقولِه جل ثناؤُه: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ﴾: ولقد كنتم يا مَعْشَرَ أصحابِ محمدٍ ﴿تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ﴾، يعنى أسبابَ الموتِ، وذلك القتالُ، ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾. يقولُ: فقد رَأَيْتُم ما كنتم تمنَّونه. والهاء في قوله: ﴿رَأَيْتُمُوهُ﴾، عائدة على الموتِ، والمعنى (١) [ما وصفتُ] (٢)، ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ يعني: قد رَأَيْتُموه بمرأًى منكم ومَنْظَرٍ، أي بقُربٍ منكم. وكان بعضُ أهل العربية يَزْعمُ أنه قيل: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾. على وجهِ التوكيدِ للكلامِ، كما يقالُ: رأيته عِيانًا ورأيته بعينى وسمعتُه بأُذُنى. وإنما قيل: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ﴾. لأن قومًا من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ممن [لم يَشْهدْ] (٣) بدرًا، كانوا يَتَمنَّون قبلَ أُحُدٍ يومًا مثلَ يومِ بدرٍ، [فيُبْلُوا الله] (٤) من أنفسهم خيرًا، ويَنَالوا مِن الأجرِ مثلَ ما نال أهلُ بدرٍ، فلما كان يومُ أُحُدٍ فرَّ بعضُهم، وصَبر بعضُهم حتى أَوْفَى بما كان عاهَد الله قبلَ (٥) ذلك، فعاتَب اللهُ مَن فرَّ منهم فقال: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ الآية. وأَثْنَى على الصابرين منهم والمُوفِين بعهدِهم (٦). ذِكْرُ الأخبارِ بما ذكَرنا مِن ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال ثنا عيسى، عن ابن أبي

стр. 3932

نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣)﴾. قال: غاب رجالٌ عن بدرٍ، فكانوا يَتَمنَّون مثلَ يومِ بدرٍ أن يلقَوه، فيُصيبوا مِن الخيرِ والأجرِ مثلَ ما أصاب أهلُ بدرٍ، فلما كان يومُ أُحدٍ وَلَّى مَن ولَّى منهم (١)، فعاتَبَهم اللهُ - أو فعابَهم، أو: فعيَّبهم (٢) - على ذلك. شك أبو عاصمٍ (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه، إلا أنه قال: فعاتبهم الُله على ذلك، ولم يَشُكَّ. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾: أُناسٌ مِن المؤمنين لم يَشْهدوا يومَ بدرٍ والذي أعطى اللهُ أهلَ بدرٍ من الفضلِ والشرفِ [والأجرِ] (٤)، فكانوا يَتَمنَّون أن يُرْزَقوا قتالًا فيُقاتلوا، [فسِيقَ إليهم] (٥) القتالُ حتى كان في ناحيةِ المدينةِ يومَ أُحُدٍ، فقال اللهُ كما تَسْمَعون: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ﴾، حتى بلَغ ﴿الشَّاكِرِينَ﴾ (٦). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن

стр. 3933

قتادةَ قولَه: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ﴾. قال: كانوا يَتَمنَّون أن يَلْقَوا المشركين فيُقاتِلوهم، فلما لَقُوهم يومَ أُحُدٍ ولَّوْا (١). حدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: إن أُناسًا (٢) من المؤمنين لم يَشْهَدوا يومَ بدرٍ والذي أعطاهم اللهُ مِن الفضلِ، فكانوا يَتَمنَّون أن يرَوا قتالًا فيقاتِلوا، فسِيقَ (٣) إليهم القتالُ حتى كان بناحيةِ المدينةِ يومَ أُحُدٍ، فأنزل اللهُ : ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ﴾ الآية (٤). حدَّثني محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا هَوْذةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ، قال: بلَغَنى أن رجالًا مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ كانوا يقولون: لئن لقِينا مع النبيِّ ﷺ لتَفْعَلنَّ (٥) ولتَفْعلنَّ (٥)، فابْتُلُوا بذلك، فلا واللهِ ما كلُّهم صدَق الله (٦)، فأنزل اللهُ : ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ﴾ الآية (٧). حدَّثنا محمدُ بنُ الحُسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: كان ناسٌ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ لم يَشْهَدوا بدرًا، فلمَّا رَأَوا فَضِيلةَ أهلِ بدرٍ قالوا: اللهمَّ إنا نسأَلُك أن تُرِيَنا يومًا كيومِ بدرٍ، نُبْلِيك فيه خيرًا. فرَأَوا أُحُدًا، فقال

стр. 3934

لهم: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ (١). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾: أي: لقد كنتم تَمَنَّون الشَّهادةَ على الذي أنتم عليه مِن الحقِّ، قبلَ أن تَلْقَوا عَدوَّكم، يعنى الذين استباصوا (٢) رسولَ اللهِ ﷺ إلى (٣) خُروجِه بهم إلى عَدوِّهم لِما فاتَهم مِن الحُضورِ في اليومِ الذي كان قبلَه ببدرٍ؛ رغبةً في الشَّهادةِ التي فاتَتْهم به، يقولُ: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾. أي: الموتَ بالسيوفِ في أيدى الرجالِ قد خُلِّي (٤) بينكم وبينهم، وأنتم تَنْظُرون إليهم، فصَدَدْتم عنهم (٥). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾. يعني تعالى ذِكْرُه بذلك: وما محمدٌ إلا رسولٌ كبعضِ رسلِ اللهِ الذين أَرْسَلَهم إلى خلقِه داعيًا إلى اللهِ وإلى طاعتِه، الذين حين انْقَضَتْ آجالُهم ماتوا وقَبضهم اللهُ إليه. يقولُ جل ثناؤُه: فمحمدٌ ﷺ إنما هو فيما اللهُ به صانعٌ مِن قَبْضِه إليه عندَ

стр. 3935

انقِضاءِ مُدَّةِ أَجلِه، كسائرِ (١) رسلِه إلى خَلْقِه الذين مَضَوا قبلَه، وماتوا عندَ انقضاءِ مُدةِ آجالِهم. ثم قال لأصحابِ محمدٍ مُعاتِبَهم على ما كان منهم مِن الهَلَعِ والجَزَعِ، حينَ قيل لهم بأُحُدٍ: إن محمدًا قد قُتِلَ. ومُقَبِّحًا إليهم انصرافَ مَن انْصَرَف منهم عن عَدوِّهم وانْهِزامَه عنهم: أفإن مات محمدُ أيُّها القومُ؛ لانقضاءِ مُدَّةِ أجلِه، أو قتَله عَدُوُّه (٢)، ﴿انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾. يعنى ارْتَدَدتم عن دينِكم الذي بعَث اللهُ محمدًا بالدعاءِ إليه، ورجَعتم عنه كفارًا باللَّهِ بعدَ الإيمانِ به، وبعدَ ما قد وَضَحت لكم صِحةُ ما دعاكم محمدٌ إليه، وحقيقةُ ما جاءكم به مِن عندِ رَبِّه، ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾. يعنى بذلك: ومَن يَرْتَدَّ منكم عن دينِه ويَرْجِعْ كافرًا بعدَ إيمانِه ﴿فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾. يقولُ: فلن يُوهِنَ ذلك عِزَّةَ (٣) اللهِ ولا سلطانَه، ولا يَدْخُلُ بذاك نقصٌ في مُلْكِه، بل نفسَه يَضُرُّ برِدَّتِه، وحَظَّ نفسِه يَنْقُصُ بِكُفْرِهِ، ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾. يقولُ: وسيُثِيبُ اللهُ مَن شكَره على تَوْفِيقِه وهدايتِه إياه لدينِه بثبوتِه (٤) على ما جاء به محمدٌ ﷺ إن هو مات أو قُتِل، واستقامتِه على مِنْهاجِه، وتَمَسُّكِه بدينِه ومِلَّتِه بعدَه. كما حدَّثنا المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ هاشمٍ، قال: أخبرَنا سيفُ بن عمرَ (٥)، عن أبي رَوْقٍ، عن أبي أيوبَ، عن عليٍّ ﵀ في قولِه: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾: الثابتين على دينِهم؛ أبا بكرٍ وأصحابَه.

стр. 3936

فكان عليٌّ ﵁ يقولُ: كان أبو بكرٍ أميرَ (١) الشاكرين، وأميرَ (١) أحباءِ اللهِ، وكان أشكرَهم (٢)، وأحبَّهم إلى اللهِ (٣). حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مُغِيرةَ، عن العلاءِ بن بدرٍ، قال: إن (٤) أبا بكرٍ أميرُ (١) الشاكرين. وتلا هذه الآيةَ: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: عن ابن إسحاقَ: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾: أي: مَن أطاعه وعمِل بأمرِه (٥). وذُكِر أن هذه الآيةَ أُنزِلت على رسولِ الله ﷺ في مَن انهزَم عنه بأُحدٍ من اللهِ أصحابِه. ذِكْرُ الأخبارِ الواردةِ بذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾، إلى قولِه: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾: ذاكم يومَ أُحُدٍ حينَ أصابهم القَرْحُ والقَتْلُ، ثم تناعَوا (٦) رسولَ اللِه ﷺ على تَفِئَةِ (٧) ذلك، فقال أناسٌ: لو كان نبيًّا ما قُتِلَ. وقال أناسٌ مِن عِلْيةِ أصحابِ نبيِّ اللهِ ﷺ : قاتِلوا على ما قاتَل عليه نبيُّكم، حتى يَفْتحَ اللهُ جل وعز لكم أو تَلْحَقوا به. فقال اللهُ

стр. 3937

: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾، يقولُ: إن مات نبيُّكم أو قُتِل ارْتَدَدتم كفارًا بعدَ إيمانِكم (١)؟ حدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، بنحوِه، وزاد فيه: قال الربيعُ: وذُكِرَ لنا - واللهُ أعلمُ - أن رجلًا مِن المهاجرين مرَّ على رجلٍ مِن الأنصارِ، وهو يَتَشَحَّطُ (٢) في دمِه، فقال: يا فلانُ أَشَعَرت أن محمدًا قد قُتِلَ؟ فقال الأنصاريُّ (٣): إن كان محمدٌ قد قُتِلَ فقد بَلَّغَ، فقاتِلوا عن دينِكم. فأنزل الله : ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾، يقولُ: ارْتَدَدتم كفارًا بعدَ إيمانِكم (٤). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: لمَّا بَرَز رسولُ اللهِ ﷺ يومَ أُحُدٍ إليهم - يعنى إلى المشركين - أمر الرُّماةَ فقاموا بأَصْلِ الجبلِ في وجوهِ خيلِ المشركين، وقال: "لا تَبْرَحُوا مكانَكم إن رأيْتُمونا قد هزَمْناهم، فإنَّا لن نزالَ غالبين ما ثبَتُّم مكانَكم"، وأمَّر عليهم عبدَ اللهِ بنَ جُبيرٍ، أخا خَوَّاتِ بن جُبيرٍ، ثم شَدَّ الزُّبيرُ بنُ العَوَّامِ والمقدادُ بنُ الأسودِ على المشركين فهزَماهم، وحمَل النبيُّ ﷺ وأصحابُه فهَزَموا أبا سفيانَ، فلمَّا رأَى ذلك خالدُ بنُ الوليدِ، وهو على خيلِ المشركين، حمَل (٥)، فرَمَتْه الرُّماةُ فَانْقَمَع، فلمَّا نظَر الرُّماةُ إلى

стр. 3938

رسول الله ﷺ وأصحابه في جوفِ عسكر المشركين يَنْتَهِبونه (١)، بادَرُوا إلى (٢) الغَنِيمةِ، فقال بعضُهم: لا تَتْرُكُ أمرَ رسولِ اللهِ ﷺ ، فانْطَلَق عامَّتُهم فلَحِقوا بالعسكرِ، فلما رأَى خالدٌ قلَّةَ الرُّماةِ (٣) صاح في خيلِه، ثم حمَل فقتَل الرُّماةَ، وحمَل على أصحابِ النبيِّ ﷺ ، فلما رأَى المشركون أن خيلَهم تُقاتِلُ تَنادَوْا (٤)، فشدُّوا على المسلمين، فهزَموهم وقتَلوهم، فأتَى ابن قَمِئَةَ (٥) الحارثيُّ - أحدُ بني الحارثِ بن عبدِ مناةَ (٦) بن كنانةَ - فرمَى رسولَ اللهِ ﷺ بحجرٍ، فكسَر أنفَه ورَباعِيته (٧)، وشجَّه في وجهِه فأثْقَلَه (٨)، وتفَرَّق عنه أصحابُه، ودخَل بعضُهم المدينةَ، وانْطَلَق بعضُهم فوقَ الجبلِ إلى الصخرةِ، فقاموا عليها، وجعَل رسولُ اللهِ ﷺ يَدْعُو الناسَ: "إليَّ عبادَ اللهِ، إليَّ عبادَ اللهِ". فاجْتَمَع إليه ثلاثون رجلًا، فجعَلوا يَسِيرون بين يديه، فلم يَقِفْ أحدٌ إلا طلحةُ وسهلُ بنُ حُنَيفٍ، فحماه طلحةُ فرُمِيَ بسهمٍ في يدِه فيَبِسَت (٩) يدُه، وأَقْبَل أُبَيُّ بنُ خَلَفِ الجُمَحِيُّ وقد حلَف لَيَقْتُلَنَّ النبيَّ ﷺ ، فقال النبيُّ ﷺ له: "بل أنا أقْتُلُه (١٠) "، فقال: "يا كذابُ، أين تَفِرُّ منى (٢)؟ " فحمَل عليه، فطعَنه النبيُّ ﷺ طعنةً (٢) في جيبِ (١١)

стр. 3939

الدرعِ، فجُرِح جُرْحًا خفيفًا، فوقعَ يَخورُ خُوارَ (١) الثُّورِ. فاحْتَمَلوه وقالوا: ليس بك جِراحةٌ [فما يُجزِعُك] (٢). قال: أليس قال: "لأقتُلنك"؟ [واللهِ] (٢) لو كانت لجميعِ ربيعةَ ومُضَرَ لقتَلَتْهم (٣). فلم يَلْبَثْ إلا يومًا أو بعضَ يومٍ حتى مات مِن ذلك الجُرْحِ. وفشَا في الناسِ أن رسولَ اللهِ ﷺ قد قُتِل، فقال بعضُ أصحابِ الصخْرةِ: ليت لنا رسولًا إلى عبدِ اللهِ بن أُبَيٍّ، فَيَأْخُذَ (٤) لنا أَمَنةً مِن أبي سفيانَ، يا قومِ إن محمدًا قد قُتِل، فارْجِعوا إلى قومِكم قبلَ أن يَأْتُوكم فيَقْتُلوكم. فقال أنسُ بنُ النَّضْرِ: يا قومِ، إن كان محمدٌ قد قُتِل فإن ربَّ محمدٍ لم يُقْتَلْ، فقاتِلوا على ما قاتَل عليه محمدٌ ﷺ ، اللهم إنى أَعْتَذِرُ إليك مما يقولُ هؤلاء، وأَبْرَأُ إليك مما هؤلاء. ثم شدَّ (٥) بسيفِه فقاتَل حتى قُتِل ﵀ ورضى عنه. وانْطَلَق رسولُ اللهِ ﷺ يَدْعُو الناسَ حتى انْتَهى إلى أصحابِ الصخرةِ، فلما رأَوْه وضَع رجلٌ سَهْمًا في قوسه، فأراد أن يَرْمِيَه، فقال: "أنا رسولُ اللهِ". ففرِحوا (٦) حينَ وجَدوا رسولَ اللهِ ﷺ حيًّا، وفرِح رسولُ اللهِ ﷺ حينَ رَأَى أن في أصحابِه مَن [يَمتَنِعُ به] (٧)، فلمَّا اجْتَمَعوا وفيهم رسولُ اللهِ ﷺ ذهب عنهم الحُزْنُ، فأقْبَلوا يَذْكُرون الفتحَ وما فاتهم منه، ويَذْكُرون أصحابَهم (٨) الذين قُتِلوا. فقال اللهُ للذين قالوا: إن محمدًا قد قُتِل، فارْجِعوا إلى قومِكم:

стр. 3940

﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾، قال: يَرْتَدُّ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، [عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ] (٣)، عن أبيه، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن أبيه - أن رجلًا مِن المهاجرين، مرَّ على رجلٍ مِن الأنصارِ، وهو يَتَشَحَّطُ (٤) في دمِه، فقال: يا فلانُ، أَشْعَرْتَ أن محمدًا قد (٥) قُتِل؟ فقال الأنصاريُّ: إن كان محمدٌ قد قُتِل فقد بلَّغ، فقاتِلوا عن دينِكم (٦). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى ابن إسحاقَ، قال: ثني القاسمُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن رافعٍ أخو بني عَدِيِّ بن النَّجارِ، قال: انْتَهى أنسُ بنُ النضرِ ﵀ عمُّ أنسِ بن مالكٍ - إلى عمرَ وطلحةَ بن عُبيدِ اللهِ في رجالٍ مِن المهاجرين والأنصارِ وقد ألقَوْا بأيدِيهم، فقال: ما يُجْلِسُكم؟ قالوا (٧): قُتِل محمدٌ رسولُ اللهِ. قال: فما تَصْنَعون بالحياةِ بعدَه؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسولُ اللهِ! ثم اسْتَقْبَل القومَ فقاتَل حتى قُتِل. وبه سُمِّى أَنسُ بنُ مالكٍ (٨).

стр. 3941

حدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيْرٍ، عن جُوَيْبرٍ، عن الضحَّاكِ، قال: نادَى مُنادٍ يومَ أُحدٍ حينَ هُزِم أصحابُ محمدٍ ﷺ : ألا إن محمدًا قد قُتِل، فارْجِعوا إلى دينكم الأولِ. فأنزَل اللهُ جل ثناؤُه: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ الآية (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ (٢)، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مُجاهدٍ، قال: أُلْقِى في أفْواهِ المسلمين يومَ أحدٍ أن النبيَّ ﷺ قد قُتِل، فنزَلَت هذه الآيةُ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ الآية (٣). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، أن رسولَ اللهِ ﷺ اعْتَزل هو (٤) وعِصابةٌ معه يومَئِذٍ على أَكَمةٍ، اللهِ والناسُ يَفِرُّون، ورجلٌ قائمٌ على الطريقِ يسأَلُهم: ما فعَل رسولُ اللهِ ﷺ ؟ وجعَل كلَّما مروا عليه سألُهم (٥)، فيقولون: واللهِ ما نَدْرِى ما فعَل. فقال: والذي نفسي بيدِه، لئن كان النبيُّ ﷺ قُتِل لَنُعْطِيَنَّهم بأيدِينا، إنهم لَعَشائرُنا وإخوانُنا. وقالوا: [لو أن محمدًا كان حيًّا] (٦) لم يُهْزَمْ، ولكنه قد قُتِل. فترَخَّصُوا في الفِرارِ يومَئِذٍ (٧). فأنْزَل اللهُ على نبيِّه ﷺ : ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ الآية كلها (٨).

стр. 3942

حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفَرَجِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ الآية: ناسٌ مِن أهلِ الارْتِيابِ والمرضِ والنفاقِ قالوا [يومَ أحدٍ] (١) يومَ فرَّ الناسُ عن نبيِّ اللهِ ﷺ ، وشُجَّ فوق حاجبه، وكُسِرَت رَباعِيتُه: قُتِل محمدٌ فالْحَقُوا بدينِكم الأولِ. فذلك قولُه: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾. قال: ما بينَكم وبينَ أن تَدَعُوا الإسلامَ وتَنْقَلبوا على أعقابِكم إلا أن يموتَ محمد أو يُقْتَلَ، فسوف يَكونُ أحدُ هذين؛ فسوف يَموتُ أو يُقْتَلُ. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾، إلى قولِه: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾. أي لقولِ (٣) الناسِ: قُتِل محمدٌ. وانهزامهم عندَ ذلك، وانصرافِهم عن عدُوِّهم، أيْ: أفإنْ مات نبيُّكم (٤) أو قُتِل، رجَعْتُم عن دينِكم كفارًا كما كنتم، وترَكتم جهادَ عدوِّكم وكتابَ اللهِ ، وما قد خَلَّف نبيُّه مِن دينِه معكم وعندَكم، وقد بيَّن لكم فيما جاءَكم عنى أنه مَيِّتٌ ومُفارِقُكم، ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾. أي: يَرْجِعُ عن دينِه، ﴿فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾. أي: لن يَنْقُصَ ذلك مِن عِزِّ اللهِ، ولا مُلْكِه، ولا سلطانِه (٥).

стр. 3943

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جُرَيْجٍ: قال أهلُ المرضِ والارْتيابِ والنفاقِ - حينَ فرَّ الناسُ عن النبيِّ ﷺ : قد قُتِل محمدٌ، فالحقوا بدينكم الأول. فنزلت هذه الآيةُ (١). ومعنى الكلامِ: وما محمدٌ إلا رسولٌ قد خلَت مِن قبلِه الرسلُ، [أفتَنْقَلِبون على أعقابكم] (٢) إن مات محمدٌ أو قُتِل؟ ومَن يَنْقَلِبْ على عقبيه فلن يَضُرَّ الله شَيئًا. فجعَل الاستفهامَ في حرفِ الجزَاءِ، ومعناه أن يَكونَ في جوابِه خبرٌ (٣)، وكذلك كلُّ استفهامٍ دخل على جزاءٍ، فمعناه أن يَكونَ في جوابِه خيرٌ (٣)؛ لأن الجواب خبرٌ يقومُ بنفسِه، والجزاء شرطٌ لذلك الخبر، ثم يُجْزَمُ جوابه وهو كذلك، ومعناه الرفعُ لمجيئِه بعدَ الجزاءِ، كما قال الشاعرُ (٤): حلَفْتُ لَه إِن تُدْلِجِ اللَّيلَ لا يَزَلْ … أمَامَك بَيْتٌ مِنْ بُيُوتِيَ سَائِرُ فمعنى "لا يَزَلْ" رفعٌ، ولكنه جُزِم لمجيئِه بعدَ الجزاءِ، فصار كالجوابِ، ومثلُه: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤]. و [﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ﴾ [المزمل: ١٧]. ولو كان مكان ﴿فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ "يخلدون". وقيل: أفائن مِتَّ يَخْلُدوا] (٥). جاز الرفعُ فيه والجزمُ. وكذلك لو كان مكان "انقلبتم" "تنقلبوا"، جاز الرفعُ والجزمُ؛ لما وصفتُ قبلُ وتُركتْ إعادةُ الاستفهامِ ثانيةً مع قولِه: ﴿انْقَلَبْتُمْ﴾. اكتفاءً بالاستفهامِ في أولِ الكلامِ، وأن الاستفهامَ في أوَّلِه دالٌّ على مَوْضِعِه ومكانِه.

стр. 3944

وقد كان بعضُ القَرأَةِ يَخْتارُ في قولِه: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا [وَعِظَامًا أَإِنَّا (١) لَمَبْعُوثُونَ﴾ (٢) [المؤمنون: ٨٢، الصافات: ١٦، الواقعة: ٤٧]. تَرْكَ إعادِة الاستفهامِ مع ﴿أَإِنَّا﴾ اكتفاءً بالاستفهامِ في قولِه ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾ (٣)] (١)، ويَسْتَشْهِدُ على صحةِ وَجْهِ ذلك بإجماعِ القَرَأةِ على تركِهم إعادةَ الاستفهامِ مع قولِه: ﴿انْقَلَبْتُمْ﴾، اكتفاءً بالاستفهامِ في قولِه: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ﴾، إذ كان دالًّا على معنى الكلامِ وموضعِ الاستفهامِ منه، وكان يَفْعَلُ مثلَ ذلك في جميعِ القرآنِ. وسَنَأْتِى على الصوابِ من القولِ في ذلك إن شاء اللهُ، إذا انْتَهينا إليه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾. يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: وما يَموتُ محمدٌ ولا غيرُه مِن خلقِ اللهِ إلا بعدَ بلوغِ أجَلِه الذي جعَله الله غايةً لحياتِه وبقائِه، فإذا بلَغ ذلك مِن الأجَلِ الذي كتَبه اللهُ له، وأُذِن له بالموتِ، فحينَئذٍ يَموتُ، فأما قبلَ ذلك فلن يموتَ بكيدِ كائدٍ، ولا بحِيلةِ مُحتالٍ: كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾. أي: إن لمحمدٍ أجَلًا هو بالغُه، فإذا أذِن اللهُ (٤) في ذلك كان (٥).

стр. 3945

وقد قيل: إن معنى ذلك: وما كانت نفسٌ لِتموتَ إلا بإذنِ اللهِ. واخْتَلَف أهلُ العربيةِ في المعنى الناصبِ قولَه: ﴿كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: هو توكيدٌ، ونصبُه على: كتَب اللهُ كتابًا مؤجلًا. قال: وكذلك كلُّ شيءٍ في القرآنِ مِن قولِه: ﴿حَقًّا﴾، إنما هو: أُحِقُّ ذلك حقًّا. وكذلك ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٦]، و ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الكهف: ٨٢]، و ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨]، و ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]. إنما هو: صَنَع اللهُ ذلك صُنْعًا. فهكذا تفسيرُ كلِّ شيءٍ في القرآنِ مِن نحو هذا، فإنه كثيرٌ (١). وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ في قولِه: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: معناه: كتَب اللهُ أَجالَ النفوسِ، ثم قيل: ﴿كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾. فأُخْرِج قولُه: ﴿كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾. نصبًا مِن المعنى الذي في الكلامِ، إذ كان قولُه: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ قد أَدَّى عن معنى (٢) كتَب. قال: وكذلك سائرُ ما في القرآنِ مِن نظائرِ ذلك، فهو على هذا النحوِ. وقال آخرون منهم: قولُ القائلِ: زيدٌ قائمٌ حقًّا. بمعنى: أقولُ زيدٌ قائمٌ حقًّا؛ لأن كلَّ كلامٍ قول، فأدَّى المَقولُ عن القولِ، ثم خرَج ما بعدَه منه، كما تقولُ: أقولُ قولًا حقًّا، وكذلك: "ظنًّا" و"يقينًا"، وكذلك: ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٦]، وما أشْبَهَه.

стр. 3946

والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أن كلَّ ذلك منصوبٌ على المصدرِ، من معنى الكلامِ الذي قبلَه؛ لأن في كلِّ ما قبلَ المصادرِ - التي هي مُخالفةٌ ألفاظُها الفاظَ ما قبلها مِن الكلامِ - معانيَ ألفاظِ المصادرِ، وإن خالَفها في اللفظِ، فنصبُها مِن معاني ما قبلَها دونَ ألفاظِه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥)﴾. يعنى بذلك تعالى ذكرُه: ومَن يُرِدْ منكم أيُّها الناسُ (١) بعملِه جزاءً منه، بعضَ أعراضِ الدنيا، دونَ ما عند اللهِ جل وعز مِن الكرامةِ لمَن ابتغَى بعملِه ما عندَه، ﴿نُؤْتِهِ﴾. يقولُ: نُعْطِه ﴿مِنْهَا﴾. يعني: من الدنيا، يعني أنه يُعْطِيه منها ما قُسِم له منها مِن رزقِ اللهِ (٢) أيام حياته، ثم لا نَصيبَ له في كَرامَةِ اللهِ ﵎ التي أعَدَّها لمَن أطاعَه وطلَب ما عندَه في الآخرةِ. ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ﴾. يقولُ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ﴾ منكم بعملِه جزاءً منه ﴿ثَوَابَ الْآخِرَةِ﴾. يعنى: ما عندَ اللهِ مِن كرامتِه التي أعَدَّها للعامِلِين له في الآخرةِ ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾. يقولُ: نُعْطِه ﴿مِنْهَا﴾ يعنى: مِن الآخرةِ، والمعنى: مِن كرامةِ اللهِ التي خصَّ بها أهلَ طاعتِه في الآخرةِ، فخرَج الكلامُ على الدنيا والآخِرةِ، والمعنى: ما فيهما، كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾، أيْ: فمَن كان منكم يُرِيدُ الدنيا، ليست له رغبة في الآخرة، نُؤْتِه ما قُسِم له منها مِن رِزقٍ، ولا حظَّ له في الآخرةِ، ومَن يُرِدْ ثوابَ الآخرةِ نُؤْتِه منها ما وعَدَه، مع ما يُجْرَى عليه مِن رزقِه في دنياه (٣).

стр. 3947

وأما قولُه: ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾. يقولُ: وسأُثِيبُ مَن شكَر لى ما أوْلَيْتُه مِن إحْساني إليه بطاعتِه إياى، وانتهائِه إلى أمرى، وتجنُّبِه محارمى، في الآخرةِ مثلَ الذي وعَدْتُ أوليائى مِن الكرامةِ على شكرهم إياى. وقال ابن إسحاقَ في ذلك بما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾. أي: وذلك جَزاءُ الشاكرين، يعنى بذلك: إعْطاءُ اللهِ إياه ما وعَدَه في الآخِرةِ، مع ما يُجْرِى عليه مِن الرزقِ في الدنيا (١). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ﴾. اختَلَفَت القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَه بعضُهم: ﴿وَكَأَيِّنْ﴾. بهمزِ الألفِ وتشديدِ الياءِ (٢). وقرأَه آخرون بمدِّ الألفِ وتخفيفِ الياءِ (٣). وهما قراءتان مَشْهورتان في قرأةِ المسلمين، ولغتان معروفتان لا اختلافَ في معناهما، فبأيِّ القراءتين قرَأ ذلك قارئٌ فمصيبٌ؛ لاتفاقِ معنيَىْ ذلك، وشهرتِهما في كلامِ العربِ، ومعناه: وكم مِن نبيٍّ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَاتَلَ (٤) مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾. اختَلَفَت القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿قَاتَلَ (٤) مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾؛ فقرَأ ذلك جماعةٌ مِن قَرأةِ الحجازِ والبصرةِ: (قُتِلَ) بضمِّ القافِ (٥). وقرَأه جماعةٌ

стр. 3948

أخرى بفتحِ القافِ وبالألفِ، وهى قراءةُ جماعةٍ مِن قرأةِ الحجازِ والكوفةِ (١). فأما مَن قرَأ: ﴿قَاتَلَ﴾ فإنه اختار ذلك؛ لأنه قال: لو قُتِلوا لم يَكُنْ لقولِه: ﴿فَمَا وَهَنُوا﴾. وجهٌ معروفٌ؛ لأنه يَسْتَحِيلُ أن يُوصَفوا بأنهم لم يَهِنوا ولم يَضْعُفوا بعدَ ما قُتِلوا. وأما الذين قرَءوا ذلك: (قُتِل). فإنهم قالوا: إنما عنَى بالقتلِ النبيَّ وبعضَ مَن معه مِن الرَّبيِّين دونَ جميعِهم، وإنما نفَى الوَهْنَ والضعفَ عمن بقى مِن الرِّبِّيِّين ممَّن لم يُقْتَلْ. وأولى القراءتين في ذلك بالصوابِ عندَنا قراءةُ مَن قرأه بضم القافِ: (قُتل مَعَهُ رِبِّيُّونَ كثيرٌ)؛ لأن الله جلَّ ثناؤه إنما عاتب بهذه الآيةِ والآياتِ التي قبلَها مِن قولِه: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ - الذين انْهَزَموا يومَ أَحدٍ، وترَكوا القتالَ، إِذْ سمِعوا الصائحَ يَصِيحُ: إن محمدًا قد قُتِل. فعذَلهم (٢) اللهُ على فرارِهم وتركِهم القتالَ، فقال لهم جلَّ ثناؤه: أفإن مات محمدٌ أو قُتِل أيُّها المؤمنون به ارْتَدَدْتُم عن دينِكم، وانْقَلَبْتُم على أعقابِكم؟! ثم أخبَرَهم عما كان من فعلِ كثيرٍ مِن أتباعِ الأنبياءِ قبلَهم، وقال لهم: هلَّا فعلْتُم كما كان أهلُ العلمِ والفضلِ مِن أتباعِ الأنبياءِ قبلَكم يفْعَلُونه إذا قُتِل نبيُّهم، مِن المُضِيِّ على مِنهاجِ نبيِّهم، والقتالِ على دينِه أعداءَ دينِ اللهِ، على نحوِ ما كانوا يُقاتِلون مع نبيِّهم، ولم تهِنوا ولم تضْعُفوا، كما لم يَضْعُفِ الذين كانوا قبلَكم مِن أهلِ العلمِ

стр. 3949

والبصائرِ، مِن أتباعِ الأنبياءِ إذ قُتِل نبيُّهم، ولكنهم صبَروا لأعدائِهم حتى حكَم اللهُ بينَهم وبينَهم. وبذلك مِن التأويلِ جاء تأويلُ المتأولين. وأما "الرِّبيون" فإنهم مرفوعون بقولِه: ﴿مَعَهُ﴾. لا بقولِه: (قُتِل). وإنما تأويلُ الكلامِ: وكأين مِن نبيٍّ قُتِل ومعه ربيون كثيرٌ، فما وهَنوا لمَا أصابهم في سبيلِ اللهِ. وفى الكلامِ إضمارُ واوٍ؛ لأنها واوٌ تَدُلُّ على معنى حالِ (١) قَتْلِ النبيِّ ﷺ ، غيرَ أنه اجْتُزِئ بدلالةِ ما ذُكِر مِن الكلامِ عليها مِن ذكرِها، وذلك كقولِ القائلِ في الكلامِ: قُتِل الأميرُ معه جيشٌ عظيمٌ. بمعنى: قُتِل ومعه جيشٌ عظيمٌ. وأما "الربيون"، فإن أهلَ العربيةِ اخْتَلَفوا في معناه؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: هم الذين يَعْبُدون الربَّ، واحدُهم رِبِّيٌّ. وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: لو كانوا مَنْسُوبين إلى عبادةِ الربِّ، لكانوا رَبِّيُّون، بفتحِ الراءِ، ولكنهم (٢) العلماءُ والألوفُ. والرِّبيون عندَنا: الجماعاتُ (٣) الكثيرةُ، واحدُهم رِبِّيٌّ، وهم جماعةٌ. واختَلَف أهلُ التأويلِ في معناه؛ فقال بعضُهم: مثلَ ما قلْنا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن

стр. 3950

زِرٍّ، عن عبدِ اللهِ: الربيون الألوفُ (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان (٢) الثوري، عن عاصم، عن زِرٍّ، عن عبدِ اللِه مثلَه. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ وابنُ عُيينةَ، عن عاصمِ بن أبى النَّجودِ، عن زِرِّ بن حُبَيْشٍ، عن عبدِ اللهِ مثلَه (٣). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، قال: ثنا عمرٌو، عن (٤) عاصمٍ، عن زرٍّ، عن عبدِ اللهِ مثلَه. حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبَرَنا عوفٌ عمَّن حدَّثه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾. قال: جموعٌ كثيرةٌ (٥). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾. قال: جموعٌ (٦).

стр. 3951

حدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا شعبةُ، عن عاصم، عن زِرٍّ، عن عبدِ اللهِ: (وكأَيَّنْ مِن نَبِيٍّ قُتِلَ مَعَه رِبِّيُّونَ). قال: الألوفُ (١). وقال آخرون بما حدَّثني به سليمانُ بنُ عبدِ الجبَّارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصَّلْتِ، قال: ثنا أبو كُدَيْنةَ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ (٢) مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾. قال: علماءُ كثيرٌ. حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أَخْبَرَنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ (٢) مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾. قال فقهاءُ علماءُ (٣). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيم، قال: ثنا ابن عليةَ، عن أبي رَجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: (وكأيِّن مَنْ نَّبِيٍّ قُتِلَ مَعَهُ رَبِّيُّونَ كَثِيرٌ). قال: الجموعُ الكثيرةُ. قال يعقوبُ: وكذلك قرأَها إسماعيلُ: (قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ) (٤). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: (وكأيِّن مِّنْ نَّبِيٍّ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثيِرٌ). يقولُ: جموعٌ كثيرةٌ (٥).

стр. 3952

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن الحسنِ في قولِه: (قُتِلَ مَعَهُ رَبِّيُّونَ كَثيِرٌ). قال: [علماءُ كثيرٌ] (١). قال قتادةُ: جموعٌ كثيرةٌ (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا ابن عُيينةَ، عن عمرٍو، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾، قال: جموعٌ كثيرة (٣). حدَّثني عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ الآمُليُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن عمرٍو، عن عكرمةَ، مثلَه (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللهِ : (قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ). قال: جموعٌ كثيرةٌ (٤). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٤). حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: (قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ). يقولُ: جموعٌ كثيرةٌ (٥).

стр. 3953

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيْرٍ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: (وكأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كثَيرٌ). يقولُ: جموعٌ كثيرٌ (١)، قُتِل نبيُّهم (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرَنا ابن المبارَكِ، عن جعفرِ بن حَيَّانَ (٣) والمباركِ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾. قال جعفرٌ: علماءُ صُبُرٌ. وقال المباركُ (٤): أتْقِياءُ صُبُرٌ (٥). حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرني عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: (قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ). يعني الجموعَ الكثيرةَ، قُتِل نبيُّهم. حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾. يقولُ: جموعٌ كثيرةٌ (٦).

стр. 3954

حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ في قولِه: (وكأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ). قال: وكأين من نبيٍّ أصابه القتلُ، ومعه جماعاتٌ (١). حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: (وكأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قُتِلَ مَعَهُ رَبِّيُّونَ). الرِّبيون هم الجموعُ الكثيرةُ (٢). وقال آخرون: الربيون هم الأتباعُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أَخْبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: (وكأيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قُتِلَ مَعَهُ رِبيونَ كَثِيرٌ). قال: الرِّبيون الأتباعُ، والرَّبَّانِيُّون الولاةُ، والرِّبيون الرعيةُ، وبهذا (٣) عاتَبَهم اللهُ حينَ انْهَزَموا عنه، حين صاح الشيطانُ: إن محمدًا قد قُتِل. قال: كانت الهزيمةُ عندَ صياحه في سبَبِه (٤)، صاح: أيُّها الناسُ إن محمدًا رسولَ اللهِ قد قُتِل، فارْجِعوا إلى عَشائركم يُؤَمِّنوكم (٥).

стр. 3955

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦)﴾. يعنى بقوله جلَّ ثناؤه: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: فما عجَزوا لمَا نالهم مِن ألمِ الجراحِ الذي نالهم في سبيلِ اللهِ، ولا لقتلِ مَن قُتلِ منهم عن حربِ أعداءِ اللهِ، ولا نكَلوا عن جهادِهم ﴿وَمَا ضَعُفُوا﴾. يقولُ: وما ضعفت قواهم لقتلِ نبيِّهم، ﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾. يعنى: وما ذلُّوا فتخشَّعوا (١) لعدوِّهم بالدخولِ في دينِهم، ومُداهنتهم فيه، خِيفَةً منهم، ولكن مضَوْا قُدُمًا على بصائرِهم، ومنهاجِ نبيِّهم، صُبُرًا على أمرِ اللهِ وأمرِ نبيِّهم وطاعةِ اللهِ، واتباعًا لتنزيلِه ووحيِه. ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾. يقولُ: واللهُ يُحِبُّ هؤلاء وأمثالَهم مِن الصابرين لأمرِه وطاعتِه، وطاعةِ رسولِه، في جهادِ عدوِّه، لا مَن فشَل ففرَّ عن عدوِّه، ولا من انقَلَب على عقِبَيْه، فذلَّ لعدوِّه لأنْ قُتِل نبيُّه أو مات، ولا مَن دخَله وَهْنٌ عن عدوِّه وضعفٌ؛ لفقدِ نبيِّه. وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾. يقولُ: ما عجَزوا، وما تضَعْضَعُوا

стр. 3956

لقتلِ نبيِّهم، ﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾، يقولُ: ما ارْتَدُّوا عن بصيرتِهم (١)، ولا عن دينِهم، أَنْ (٢) قاتَلوا على ما قاتَل عليه نبيُّ اللهِ ﷺ ، حتى لحِقوا باللهِ (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بن أنسٍ في قولِه: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا﴾. يقولُ: وما عجَزوا وما ضعُفوا لقتلِ نبيِّهم: ﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾، يقولُ: وما ارْتَدُّوا عن بصيرتِهم (١)، قاتَلوا على ما قاتَل عليه نبيُّ اللهِ ﷺ ، حتى لحِقوا باللهِ (٤). حدَّثنا محمدُ بن الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَمَا وَهَنُوا﴾. قال: فما وهَن الرِّبِّيُّونَ ﴿لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ من قتلِ النبيِّ ﷺ (٥). يقولُ: ما ضعُفوا في سبيلِ اللهِ، لقتلِ النبيِّ، ﴿[وَمَا ضَعُفُوا] (٦) وَمَا اسْتَكَانُوا﴾. يقولُ: ما ذلُّوا حينَ قال رسولُ اللهِ ﷺ : "اللهمَّ ليس لهم أن يَعْلُونا". ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٧). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿فَمَا وَهَنُوا﴾ لفقدِ نبيِّهم، ﴿وَمَا ضَعُفُوا﴾ عن عدوِّهم، ﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ لما أصابهم في الجهادِ عن

стр. 3957

اللهِ جلَّ ثناؤه، وعن دينِهم، وذلك الصبرُ، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾. قال: تَخَشَّعوا (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ: ﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾. قال: ما اسْتَكانوا لعدوِّهم، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١٤٧)﴾. يعنى بقولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ﴾: وما كان قولَ الرِّبِّيين، والهاءُ والميمُ مِن ذكرِ أسماءِ الرَّبِّيين، ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾، يعنى: ما كان لهم قولٌ سوى هذا القولِ، إذ قُتِل نبيُّهم. وقولُه: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾. يقولُ: لم يَعْتَصِموا إذ قُتِل نبيُّهم إلا بالصبرِ على ما أصابهم، ومُجاهَدةِ عدوِّهم، وبمسألةِ ربِّهم المغفرةَ والنصرَ على عدوِّهم. ومعنى الكلامِ: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾. وأما الإسرافُ فإنه الإفراطُ في الشيءِ، يقالُ منه: أسْرَف فلانٌ في هذا

стр. 3958

الأمرِ. إذا تجاوَز مِقدارَه فأَفْرَط. ومعناه هاهنا: اغْفِرْ لنا ذنوبَنا الصِّغارَ منها، وما أسْرَفْنا فيه منها، فتخَطَّيْنا إلى العِظامِ، وكأنَّ معنى الكلامِ: اغْفِرْ لنا ذنوبَنا؛ الصغائرَ منها والكبائرَ. كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾. قال: خَطايانا (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾. قال: خَطايانا وظُلْمَنا أنفسَنا (٢). حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ، قال: أَخْبَرَنَا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ في قولِه: ﴿وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾ الله: يعنى: الخطايا: الكبارَ (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُمَيْلةَ، عن عبيدِ بن سليمانَ، عن الضحاكِ بن مُزاحِمٍ، قال: الكبائرُ. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾. قال: خَطايانا.

стр. 3959

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾. قال: خَطايانا (١). وأما قولُه: ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾. فإنه يقولُ: اجْعَلْنا ممَّن يَثْبُتُ لحربِ عدوِّك وقتالِهم، ولا تَجْعَلْنا ممَّن يَنْهَزِمُ فيفِرَّ منهم، ولا يَثْبُتَ قدمُه في مكانٍ واحدٍ لحرِبهم، ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. يقولُ: وانْصُرْنا على الذين جحَدوا وحْدانيتَك ونبوةَ نبيِّك. وإنما هذا تأنيبٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤه عبادَه الذين فرُّوا عن العدوِّ يومَ أحدٍ، وترَكوا قتالَهم، وتأديبٌ لهم، يقولُ اللهُ جلَّ ثناؤه لهم: هلَّا فعَلْتُم إذ قيل لكم: قُتِل نبيُّكم. كما فعَل هؤلاء الرِّبِّيون، الذين كانوا قبلكم مِن أتباعِ الأنبياءِ، إذ قُتِلَت أنبياؤُهم، فصبَرْتم لعدوِّكم صبرَهم، ولم تَضْعُفوا وتَسْتَكِينوا لعدوِّكم، فتُحاوِلوا الارْتِدادَ على أعقابِكم، كما لم يَضْعُف هؤلاء الرِّبيون، ولم يسْتَكِينوا لعدوِّهم، وسألْتُم ربَّكم النصرَ والظَّفَرَ كما سأَلوا، فَينْصُرَكم اللهُ جلَّ وعزَّ كما نُصِروا؛ فإن الله جلَّ وعزَّ يُحِبُّ مَن صبَر لأمرِه، وعلى جهادِ عدوِّه، فيُعطِيه النصرَ والظَّفَرَ على عدوِّه. كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. أي: فقولوا كما قالوا، واعلَموا أنما ذلك بذنوبٍ منكم، واسْتَغْفِرُوا كما اسْتَغْفَروا، وامْضُوا على دينِكم، كما مضَوا على دينِهم، ولا تَرْتَدُّوا على أعقابِكم راجِعِين، واسْأَلوه كما سأَلوه أن يُثَبِّتَ أقدامَكم، واسْتَنْصِروه كما اسْتَنْصَروه على القومِ الكافرين، فكلُّ هذا مِن قولِهم قد كان، وقد قُتِل نبيُّهم، فلم

стр. 3960

يَفْعَلُوا كما فعَلْتُم (١). والقراءةُ التي هي القراءةُ في قولِه: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ﴾. النصبُ (٢)؛ لإجماعِ قَرَأةِ الأمْصارِ على ذلك، نقلًا مستفيضًا، وِراثةً عن الحُجَّةِ. وإنما اخْتِير النصبُ في "القولِ"؛ لأن "أن" (٣) لا تكونُ إلا معرفةً، فكانت أولى بأن تكون هي الاسمَ دونَ الأسماءِ التي قد تَكونُ معرفةً أحيانًا ونكرةً أحيانًا، ولذلك اخْتِير النصبُ في كلِّ اسمٍ ولِى "كان"، إذا كان بَعده "أن" الخفيفةُ، كقولِه: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾ [العنكبوت: ٢٤]، وقولِه: (ثُمَّ لم تَكُنْ فِتْنَتَهم إلَّا أن قالوا) (٤) [الأنعام: ٢٣]. فأما إذا كان الذي يَلِى "كان" اسمًا معرفةً، والذي بعدَه مثلَه، فسواءٌ الرفعُ؛ والنصبُ في الذي ولِى "كان"، فإن جعَلْتَ الذي ولى "كان" هو الاسمَ رفَعْتَه، ونصَبْتَ الذي بعدَه، وإن جعَلْتَ الذي ولِى "كان" هو الخبرَ نصَبْتَه، ورفَعْتَ الذي بعدَه، كقولِه جل ثناؤُه: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى﴾ [الروم: ١٠]. إن جعَلْتَ "العاقبةَ" الاسمَ رفَعْتَها، وجَعَلْتَ ﴿السُّوأَى﴾ هي الخبرَ منصوبةً، وإن جعَلْتَ "العاقبة" هي الخبرَ نَصَبْتَ، فقلتَ: ثم (٥) كان عاقبةَ الذين أساءوا السوآى، وجَعَلْتَ ﴿السُّوأَى﴾ هي الاسمَ، فكانت مرفوعةً، وكما قال الشاعرُ (٦):
следующие страницы →