← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.

стр. 4026

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾. يعنى بقولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾: فتَجاوَزْ يا محمدُ عن تُبَّاعِك وأصْحابِك مِن المؤمنين بك، وبما جئتَ به مِن عندى، ما نالك مِن أذاهم، ومَكْروهٍ في نفسِك، ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾: وادْعُ ربَّك لهم بالمغفرةِ لما أَتَوْا مِن جُرْمٍ، واسْتَحَقُّوا عليه عقوبةً منه. كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾: أي: فتَجاوَزْ عنهم، ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ ذُنوبَ مَن قارَف مِن أهلِ الإيمانِ منهم (١). ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في المعنى الذي مِن أجلِه أمَر تعالى ذكرُه نبيَّه ﷺ أن يُشاوِرَهم، وما المعنى الذي أمَره أن يُشاوِرَهم فيه؟ فقال بعضُهم: أمر اللهُ جلَّ ثناؤه نبيه ﷺ بقولِه: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾. بمشاوَرةِ أصحابِه في مكايدِ الحربِ، وعندَ لقاءِ العدوِّ، تَطْييبًا منه بذلك أنفسَهم، وتألُّفًا لهم على دينِهم، ولِيَرَوْا أَنه يَسْمَعُ منهم، ويَسْتَعِينُ بهم، وإن كان اللهُ جلَّ ثناؤه قد أغْناه (٢) - بتدْبيرِه له أمورَه، وسِياستِه إياه، وتَقْويمِه أسبابَه - عنهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يَزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾: أَمَرَ اللهُ جَلَّ ثناؤه نبيَّه ﷺ أن يشاوِرَ أصحابَه في الأمورِ، وهو يَأْتِيه وَحْىُ السماءِ؛ لأنه أطيبُ لأنْفُسِ القومِ،

стр. 4027

وأن القومَ إذا شاوَر بعضُهم بعضًا وأرادوا بذلك وجهَ اللهِ عُزِم لهم على أَرْشَدِه (١). حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾. قال: أمَر اللهُ نبيَّه ﷺ أن يُشاوِرَ أصحابَه في الأمورِ، وهو يَأْتِيه الوَحْىُ من السماءِ؛ لأنه أطْيَبُ لأنفسِهم (٢). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾: أي: لِتُرِيَهم أنك تَسْمَعُ منهم، وتَسْتَعِينُ بهم، وإن كنتَ عنهم غَنِيًّا، تألَّفُهم (٣) بذلك على دينِهم (٤). وقال آخَرون: بل أمَرَه بمشورتِهم (٥) في ذلك؛ ليتبيَّنَ (٦) له الرأىُ، وأَصْوَبُ الأمورِ في التدبيرِ؛ لمَا علِم في المَشورةِ تعالى ذكرُه من الفضلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سلمةَ بن نُبَيْطٍ، عن الضَّحَّاكِ بن مُزاحِمٍ قولَه: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾. قال: ما أمَر اللهُ جلَّ ثناؤُه نبيَّه ﷺ بالمَشورةِ إلا لمَا علِم فيها مِن الفضلِ (٧).

стр. 4028

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا مُعْتَمِرُ بنُ سليمانَ، عن إياسِ بن دَغْفَلٍ، عن الحسنِ: ما شاوَر قومٌ قَطُّ إِلا هُدُوا لأَرْشَدِ أُمورِهم (١). وقال آخَرون: إنما أمَرَه اللهُ جلَّ ثناؤه بمُشاوَرَةِ أصحابِه فيما أمَره بمُشاوَرتِهم فيه، مع إغنائه (٢) - بتَقويمِه إياه (٣)، وتدْبيرِه أسبابَه - عن آرائِهم؛ ليَتَّبِعَه المؤمنون مِن بعدِه فيما حزَبَهم مِن أمْرِ دينِهم، فيَسْتَنُّوا بسنتِه في ذلك، ويَحْتَذُوا المثالَ الذي رأَوْهُ يَفْعَلُه في حياتِه، مِن مُشاورتِه في أمورِه - مع المَنزِلةِ التي هو بها مِن اللهِ أصحابَه وتُبَّاعَه في الأمرِ يَنْزِلُ بهم مِن أمرِ دينِهم أو دُنْياهم، فيَتَشاوَرُوا بينَهم، ثم يَصْدُرُوا عما اجْتَمَع عليه ملؤهم؛ لأن المؤمنين إذا تَشاوَرُوا في أمورِ دينِهم مُتَّبِعين الحقَّ في ذلك، لم يُخْلِهم اللهُ جلَّ ثناؤُه مِن لُطْفِه، وتوفيقِه للصوابِ مِن الرأيِ والقولِ فيه. قالوا: وذلك نظيرُ قولِه جل ثناؤُه الذي مدَح به أهلَ الإيمانِ: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨]. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا سوَّارُ بنُ عبدِ اللهِ العَنْبَرِيُّ، قال: قال سفيانُ بنُ عُيَينةَ في قولِه: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾. قال: هي للمؤمنين أن يَتَشاوَروا فيما لم يَأْتِهم عن النبي ﷺ فيه أَثَرٌ. قال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوالِ بالصوابِ في ذلك أن يُقالَ: إِن الله جلَّ ثناؤه أمَر نبيَّه ﷺ بمُشاوَرةِ أصحابِه فيما حزَبه مِن أمرِ عدوِّه، ومَكايِدِ حربِه؛ تألُّفًا منه بذلك

стр. 4029

مَن لم تكنْ بَصيرتُه بالإسلامِ البصيرةَ التي يُؤْمَنُ عليه معها فتنةُ الشيطانِ، وتعريفًا منه أمتَه مأْتى (١) الأمورِ التي تَحْزُبُهم مِن بعدِه ومطلبِها؛ ليقْتَدوا به في ذلك عندَ النَّوازلِ التي تَنْزِلُ بهم، فيَتَشاوَروا فيما بينَهم، كما كانوا يَرَوْنه في حياتِه ﷺ يَفْعَلُه، فأما النبيُّ ﷺ ، فإن الله جلَّ ثناؤه كان يُعَرِّفُه مَطالبَ وجوهِ ما حزَبه مِن الأمورِ، بوحيِه أو إلهامِه إياه صوابَ ذلك، فأما أمتُه، فإنهم إذا تَشاوَروا مُسْتَنِّين بفعلِه في ذلك على تصادُقٍ وتَأَخٍّ (٢) للحقِّ، وإرادةِ جميعِهم للصوابِ، مِن غيرِ مَيْلٍ إِلى هَوًى، ولا حَيْدٍ عن هُدًى، فاللهُ مُسَدِّدُهم ومُوَفِّقُهم. وأما قولُه جلَّ وعزَّ: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، فإنه يعنى: فإذا صحَّ عزمُك بتَثْبيتِنا إياك، وتَسْديدِنا لك، فيما نابَك وحزَبَك مِن أمرِ دينِك ودُنْياك، فامْضِ لما أمَرْناك به على ما أمَرْناك به، وافَقَ ذلك آراءَ أصحابِك وما أشارُوا به عليك، أو خالَفَها، وتوَكَّلْ (٣) - فيما تأْتى مِن أمورِك وتَدَعُ، وتُحاوِلُ أو تُزاوِلُ - على ربِّك، فثِقْ به في كلِّ ذلك، وارْضَ بقضائِه في جميعِه، دونَ آراءِ سائرِ خلقِه ومعونتِهم، فـ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾، وهم الراضُون بقضائِه، المُسْتَسْلِمون لحكمِه فيهم، وافَق ذلك منهم هَوًى أو خالَفَه. كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ﴾: أي على أمرٍ جاءك منى، أو أمرٍ مِن دينِك في جهادِ عدوِّك، لا يُصْلِحُك ولا يُصْلِحُهم إلا ذلك، فامْضِ على ما أُمِرْتَ به، على خلافِ مَن خالَفك، ومُوافَقَةِ مَن وافَقَك، ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾،

стр. 4030

أي: ارضَ به مِن العبادِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾: أمَر اللهُ نبيَّه ﷺ ما إذا عزَم على أمرٍ أن يَمْضِىَ فيه، ويَسْتَقيمَ على أمرِ اللهِ جل ثناؤُه، ويَتَوَكَّلَ على اللهِ (٢). حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: حدَّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ الآية: أمَرَه اللهُ إذا عزَم على أمرٍ أَن يَمْضِىَ فيه ويَتَوَكَّلَ عليه (٣). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠)﴾. يعنى بذلك جل ثناؤُه: إن يَنْصُرْكم اللهُ أيُّها المؤمنون باللهِ ورسولِه، على مَن ناوَأَكم وعاداكم مِن أعدائِه والكافرين به، ﴿فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ مِن الناسِ. يقولُ: فلن يَغْلِبَكم - مع نصرِه إياكم - أحدٌ، ولو اجْتَمَع عليكم مَن بينَ أَقْطارِها مِن خلقِه، فلا تَهابُوا أعداءَ اللهِ لقلةِ عددِكم وكثرةِ عددِهم، ماكنتم على أمرِه، واسْتَقَمْتُم على طاعتِه وطاعةِ رسولِه، فإن الغَلَبةَ لكم، والظَّفَرَ عليهم دونَهم، ﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾. يعنى: وإن يَخْذُلُكم ربُّكم - بخلافِكم أمرَه، وتَرْكِكم طاعتَه وطاعةَ رسولِه - فيَكِلْكم إلى أنفسِكم ﴿فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ يقولُ: [فَأْيَسُوا مِن نُصرةِ الناسِ] (٤)، فإنكم لا تَجِدون ناصرًا (٥) مِن بعدِ خِذْلانِ اللهِ إياكم إن خذَلكم. يقولُ: فلا تَتْرُكوا أمرى وطاعتى وطاعةَ

стр. 4031

رسولى، فتَهْلِكوا [بخِذْلانى إياكمٍ] (١)، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. يعنى: ولكن على ربِّكم أيُّها المؤمنون فتَوَكَّلوا دون سائرِ خلقِه، وبه فارْضَوْا مِن جميعِ مَن دونَه، ولقضائِه فاسْتَسْلِموا، وجاهِدوا فيه أعداءَه، يَكْفِكُم بعونِه، ويُمْدِدْكم بنصرِه. كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾: أَي: إن يَنْصرْك اللهُ فلا غالبَ لك مِن الناسِ، لَن يَضُرَّكَ خِذْلانُ مَن خذَلك، وإن يَخْذُلْك فلن يَنْصُرَك الناسُ، ﴿فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: لئلّا (٢) تَتْرُكَ أمرى للناسِ، وارْفُضِ (٣) الناسَ لأمرى، ﴿وَعَلَى اللَّهِ (٤) فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٥). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾. اخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ ذلكِ؛ فقرَأَتْه جماعةٌ مِن قرأةِ الحجازِ والعراقِ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ (٦)﴾. بمعنى: أن يَخُونَ أصحابَه فيما أفاء اللهُ عليهم مِن أموالِ أعدائِهم (٧).

стр. 4032

واحتجَّ بعضُ قارئى هذه القراءةِ، أنَّ هذه الآيةَ نزَلَت على رسولِ اللهِ ﷺ في قَطِيفةٍ فُقِدَت مِن مَغانمِ القومِ يومَ بدرٍ، فقال بعضُ مَن كان مع النبيِّ ﷺ : لعل رسولَ اللهِ ﷺ أخَذَها. [ورَوَوْا في ذلك رِواياتٍ] (١). فمنها ما حدَّثنا به محمدُ بنُ عبدِ الملكِ بن أبى الشَّوارِبِ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ بن زيادٍ، قال: ثنا خُصَيفٌ، قال: ثنا مِقْسَمٌ، قال: ثنى ابن عباسٍ أنَّ هذه الآيةَ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ له نزَلَت في قَطيفةٍ حَمراءَ فُقِدت يومَ بدرٍ، قال: فقال بعضُ الناسِ: أَخَذَها. قال: فأكْثَروا في ذلك، فأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٢). حدَّثنا ابن أبى الشّوارِب، قال: ثنا عبدُ الواحدِ، قال: ثنا خُصَيفٌ، قال: سأَلْتُ سعيدَ بنَ جُبيرٍ: كيف تَقْرَأُ هذه الآيةَ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ أو (يُغَلَّ) فقال: لا، بل ﴿يَغُلَّ﴾، فقد كان واللهِ النبيُّ يُغَلُّ ويُقْتَلُ. حدَّثني إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بن حَبيبِ بن الشَّهِيدِ، قال: ثنا عَتَّابُ بنُ بَشِيرٍ، عن خُصَيفٍ، عن مِقْسَمٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾. قال: كان ذلك في قَطِيفةٍ حمراءَ فُقِدَت في غزوةِ بدرٍ، فقال ناسٌ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ : فلعلَّ النبيَّ أَخَذَها. فأَنْزَل اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾. قال سعيدٌ: بلى واللهِ، إِن النبيَّ ليُغَلُّ ويُقْتَلُ.

стр. 4033

حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا خَلَّادٌ، عن زُهَيْرٍ، عن خُصَيفٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: كانت قَطيفةٌ فُقِدَت يومَ بدرٍ، فقالوا: أَخَذَها رسولُ اللهِ ﷺ فأنْزَل اللهُ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ (١). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا زُهَيْرٌ، قال: ثنا خُصَيفٌ، عن سعيدِ بن جبيرٍ وعكرمةَ في قولِه: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾. قالا: يَغُلَّ. قال: قال عكرمةُ أو غيرُه، عن ابن عباسٍ، قال: كانت قَطيفةٌ فُقِدَت يومَ بدرٍ، فقالوا: أَخَذَها رسولُ اللهِ ﷺ . فأنزل اللهُ هذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾. حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا قَزَعَةُ بنُ سُوَيْدٍ الباهليُّ، عن حُميدٍ الأعْرجِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: نزَلَت هذه الآيةُ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾. في قطيفةٍ حمراءَ فُقِدَت يومَ بدرٍ مِن الغنيمةِ (٢). حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا مُعْتَمِرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، عن سليمانَ الأعمشِ، قال: كان ابن مسعودٍ يَقْرَأُ: (ما كان لنبيٍّ أن يُغَلَّ). فقال ابن عباسٍ: بلى، ويُقْتَلُ. قال: فذكَر ابن عباسٍ أنه إنما كانت في قَطِيفةٍ قالوا: إن رسولَ اللهِ ﷺ غَلَّها يومَ بدرٍ. فأَنْزَلَ اللهُ جَلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ (٣). وقال آخرون ممَّن قرَأ ذلك كذلك؛ بفتحِ الياءِ وضمِّ الغينِ: إنما نَزَلَت هذه الآيةُ

стр. 4034

في طَلائِعَ كان رسولُ اللهِ ﷺ وجَّههم في وجهِ، ثم غنِم النبيُّ ﷺ فلم يَقْسِمْ للطلائعِ، فأنْزَل اللهُ هذه الآية على نبيِّه ﷺ ، يُعْلِمُه فيها أنَّ فعلَه الذي فعَله خطأٌ، وأنَّ الواجبَ عليه في الحكمِ أن يَقْسِم للطلائعِ مثلَ ما قَسم لغيرِهم، ويُعَرِّفُه الواجبَ عليه مِن الحكمِ فيما أفاء اللهُ عليه مِن الغنائمِ، وأنه ليس له أن يَخُصَّ بشيءٍ منها أحدًا ممَّن شهِد الوَقْعةَ، أو ممَّن كان رِدْءًا لهم في غزوهم، دونَ أحدٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. يقولُ: ما كان لنبيٍّ أن يَقْسِمَ لطائفةٍ من المسلمين ويَتْرُكَ طائفةٌ ويَجورَ في القَسْمِ، ولكن يَقْسِمُ بالعدلِ، ويَأْخُذُ فيه بأمرِ اللهِ، ويَحْكُمُ فيه بما أَنْزَلَ اللهُ. يقولُ: ما كان اللهُ لِيَجْعَلَ نبيًّا يَغُلُّ مِن أصحابِه، فإذا فعَل ذلك النبيُّ ﷺ اسْتَنُّوا به (١). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضحاكِ أنه كان يقرأُ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾. قال: أَن يُعْطِيَ بعضًا ويتركَ بعضًا، إذا أصاب مَغْنمًا (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سلمةَ بن نُبَيْطٍ، عن الضحاكِ، قال: بعَث رسولُ اللهِ ﷺ طَلائعَ، فغنِم النبيُّ ﷺ ، فلم يَقْسِمْ للطلائعِ، فأنْزَل اللهُ: ﴿وَمَا

стр. 4035

كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ (١). حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعْتُ أَبا مُعاذٍ، قال: أَخْبَرَنَا عُبيدُ بنُ سليمانَ، عن الضحاكِ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾. يقولُ: ما كان لنبيٍّ أن يَقْسِمَ لطائفةٍ من أصحابِه ويَتْرُكَ طائفةً، ولكن يَعْدِلُ، ويَأْخُذُ في ذلك بأمرِ اللهِ، ويَحْكُمُ فيه بما أنْزَل اللهُ. حدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخْبَرَنا يزيدُ، قال: أخبرنا جُوَيْبِرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾. قال: ما كان له إذا أصاب مَغْنَمًا أن يَقْسِمَ لبعضِ أصحابِه ويَدَعَ بعضًا، ولكن يَقْسِمُ بينَهم بالسَّوِيَّةِ. وقال آخرون ممَّن قرَأ ذلك بفتحِ الياءِ وضمِّ الغينِ: إنما أنْزَل ذلك تعريفًا للناسِ أن النبيَّ ﷺ لَا يَكْتُمُ مِن وَحْيِ اللهِ شَيْئًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إِسْحَاقَ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. أَي: ما كان لنبيٍّ أن يَكْتُمَ الناسَ ما بعَثه اللهُ به إليهم، عن رَهْبَةٍ مِن الناسِ، ولا رَغْبةٍ، ومَن يَغْلُلْ (٢) ذلك يَأْتِ به يومَ القيامةِ (٣). فتأويلُ قراءةِ مَن قرَأ ذلك كذلك: ما يَنْبَغِي لنبيٍّ أن يَكونَ غالًّا. بمعنى: أنه

стр. 4036

ليس مِن أفعالِ الأنبياءِ خيانةُ أممِهم. يقالُ منه: غلَّ الرجلُ، فهو يَغُلُّ، إذا خان، غُلُولًا. ويُقالُ أيضًا منه: أَغَلَّ الرجلُ، فهو يُغِلُّ إغلالًا، كما قال شُرَيْحٌ: ليس على المُسْتَعِيرِ غيرِ المُغِلِّ ضَمانٌ (١). يعنى غيرَ الخائنِ. ويقالُ منه: أَغلَّ الجازرُ. إذا سرَق من اللحمِ شيئًا مع الجلدِ (٢). وبما قلْنا في ذلك جاء تأويلُ أهلِ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾. يقولُ: ما كان يَنْبَغِي له أن يَخونَ، فكما لا يَنْبَغى له أن يَخونَ فلا تَخونوا. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ في قولِه: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾. قال: أَن يَخونَ (٣). وقرأ ذلك آخَرون: (وما كان لنبيٍّ أن يَغَلَّ). بضمِّ الياءِ وفتحِ الغينِ، وهى قراءةُ عُظْمِ قرأةِ أهلِ المدينةِ والكوفةِ (٤). واخْتَلَف قارئو ذلك كذلك في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معناه: ما كان لنبيٍّ أن يَغُلَّه أصحابُه. ثم أُسْقِط الأصحابُ، فبَقِى الفعلُ غيرَ مُسَمًّى فاعلُه. وتأويلُه: وما

стр. 4037

كان لنبيٍّ أن يُخانَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخْبَرنا عوفٌ، عن الحسنِ أنه كان يَقْرَأُ: (وما كان لنبيٍّ أن يُغَلَّ). قال عوفٌ: قال الحسنُ: أَن يُخانَ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: (وما كان لنبيٍّ أن يُغَلَّ). يقولُ: وما كان لنبيٍّ أن يَغُلَّه أصحابُه الذين معه مِن المؤمنين، ذُكِر لنا أن هذه الآيةَ نزَلَت على النبيِّ ﷺ يومَ بدرٍ، وقد غَلَّ طوائفُ مِن أصحابِه (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: (وما كان لنبيٍّ أن يُغَلَّ). قال: أن يَغُلَّه أصحابُه (٣). حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: (وما كان لنبيٍّ أن يُغَلَّ). قال الربيعُ بنُ أنسٍ: يقولُ: ما كان لنبيٍّ أن يَغُلَّه أصحابُه الذين معه. قال: ذُكِر لنا - واللهُ أعلمُ - أن هذه الآيةَ أُنزِلَت على نبيِّ اللهِ ﷺ يومَ بدرٍ، وقد غَلَّ طوائفُ مِن أصحابِه (٤). وقال آخرون منهم: معنى ذلك: وما كان لنبيٍّ أن يُتَّهَمَ بالغُلولِ فيُخَوَّنَ ويُسَرَّقَ. وكأن مُتأوِّلى ذلك كذلك وجَّهوا قولَه: (وما كان لنبيٍّ أن يُغَلَّ).

стр. 4038

إلى أنه مرادٌ به "يُغَلَّل": "يُفَعَّل (١) "، ثم خُفِّفَت العينُ من "يُفَعَّل"، فصارَت "يُفَعْل"، كما قرَأ مَن قرَأ قولَه: (فإنهم لا يُكْذِبونك) (٢) [الأنعام: ٣٣]. بتأوُّلِ: ﴿يُكَذِّبُونَكَ﴾. وأولى القراءتين بالصوابِ في ذلك عندى قراءةُ مَن قرأَ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾. بمعنى: ما الغُلولُ من صفاتِ الأنبياءِ، ولا يكونُ نبيًّا مَن غَلَّ. وإنما اخْتَرْنا ذلك لأن الله أوْعَد عَقِيبَ قولِه: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾. أهلَ الغُلولِ فقال: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآية والتي بعدَها. فكان في وَعِيدِه عَقِيبَ ذلك أهلَ الغلولِ الدليلُ الواضحُ على أنه إنما نهَى بذلك عن الغلولِ، وأخْبَر عبادَه أن الغلولَ ليس مِن صفاتِ أنبيائِه بقولِه: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾. لأنه لو كان إنما نهَى بذلك أصحابَ رسولِ اللهِ ﷺ أن يتَّهِموا رسولَ اللهِ ﷺ بالغلولِ، لعقَّب ذلك بالوعيدِ على التُّهَمةِ وسوءِ الظنِّ برسولِ اللهِ ﷺ ، لا بالوعيدِ على الغُلولِ، وفي تعقيبِه ذلك بالوعيدِ على الغلولِ بيانٌ بَيِّنٌ أنه إنما عرَّف المؤمنين وغيرَهم مِن عبادِه، أن الغلولَ مُنْتَفٍ مِن صفةِ الأنبياءِ وأخلاقِهم؛ لأن ذلك جُرْمٌ عظيمٌ، والأنبياءُ لا تَأْتى مثلَه. فإن قال قائلٌ ممَّن قرَأ ذلك كذلك: فأولى منه: وَما كان لنبيٍّ أن يَخونَه أصحابُه. إن كان (٣) ذلك كما ذكَرْتَ، ولم يُعَقِّبِ اللهُ قولَه: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾. إلا بالوعيدِ على الغلولِ، ولكنه إنما وجَب الحكمُ بالصحةِ لقراءةِ مَن قرَأ: "يُغَلَّ". بضمِّ الياءِ وفتحِ الغينِ؛ لأن معنى ذلك: وما كان للنبيِّ أن يَغُلَّه أصحابُه

стр. 4039

فيَخُونوه في الغَنائمِ. قيل له: أفكان لهم أن يَغُلُّوا غيرَ النبيِّ ﷺ فيَخُونوه، حتى خُصُّوا بالنهيِ عن خيانة النبيِّ ﷺ ؟. فإن قالوا: نعم. خرَجوا مِن قولِ أهلِ الإسلامِ؛ لأن الله لم يُبحْ خِيانةَ أحدٍ في قولِ أحدٍ مِن أهلِ الإسلامِ قطُّ. فإن قال قائلٌ: لم يكنْ ذلك لهم (١) في نبيٍّ ولا غيرِه. قيل: فما وجهُ خُصوصِهم إذن بالنهيِ عن خِيانةِ النبيِّ ﷺ ، وغُلُولُه وغُلولُ بعضِ اليهود بمنزلةٍ، فيما حرَّم اللهُ على الغالِّ مِن أموالِهما، و (٢) ما يَلْزَمُ المُؤْتَمَنَ مِن أَداءِ الأمانةِ إليهما؟ وإذ كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أن معنى ذلك هو ما قلْنا مِن أن الله نفَى بذلك أن يكونَ الغلولُ والخيانةُ من صفاتِ أنبيائِه، ناهيًا بذلك عبادَه عن الغلولِ، وآمِرًا لهم بالاسْتِنانِ بمنهاج نبيِّهم، كما قال ابن عباسٍ في الروايةِ التي ذكَرْناها مِن روايةِ عَطيَّةَ (٣)، ثم عقَّب تعالى ذكرُه نهيَهم عن الغلولِ بالوعيدِ عليه، فقال: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. الآيتَيْن معًا. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. يعني بذلك تعالى ذكرُه: ومَن يَخُنْ مِن غَنائمِ المسلمين شيئًا، وفَيْئِهم، وغيرِ ذلك، يَأْتِ به يومَ القيامةِ في المَحْشَرِ. كما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابن فُضَيْلٍ، عن يحيى بن سعيدٍ

стр. 4040

[أبي حَيَّانَ] (١)، عن أبي زُرْعةَ، عن أبي هريرةَ، عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قام خطيبًا، فوعَظ وذكَّر، ثم قال: "ألا عَسَى رجلٌ منكم يَجِيءُ يومَ القيامةِ على رقبتِه شاةٌ لها ثُغاءٌ، يقولُ: يا رسولَ اللهِ أَغِثْنى. فأقولُ: لا أَمْلِكُ لك شيئًا، قد أَبْلَغْتُك. ألا هل عسى رجلٌ منكم يَجِيءُ يومَ القيامةِ على رقبتِه فرسٌ لها حَمْحَمَةٌ، يقولُ: يا رسولَ اللهِ، أَغِثْنى. فأقولُ: لا أَمْلِكُ لك شيئًا، قد أبْلَغْتُك. ألا هل عسى رجلٌ منكم يُجيءُ يومَ القيامةِ على رقبته صامتٌ (٢)، فيقولُ: يا رسولَ اللهِ، أَغِثْني، فَأَقولُ: لا أَمْلِكُ لك شيئًا، قد أَبْلَغْتُك. ألا هل عسى رجلٌ منكم يَجِئُ يومَ القيامةِ على رقبته بقرةٌ لها خُوَارٌ، يقولُ: يا رسولَ اللهِ، أَغِثْنى. فأقولُ: لا أَمْلِكُ لك شيئًا، قد أَبْلَغْتُك. ألا هل عسى رجلٌ منكم يَجِيءُ يومَ القيامةِ على رقبتِه رِقاعٌ تَخْفِقُ (٣)، يقولُ: يا رسولَ اللهِ، أَغِثْنى. فأقولُ: لا أَمْلِكُ لك شيئًا، قد أَبْلَغْتُك" (٤). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عبدُ الرحيمِ (٥)، عن أبي حَيَّانَ، عن أبي زُرْعةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبي ﷺ مثلَ هذا، زاد فيه: "على رقبتِه بَعِيرٌ له رُغَاءٌ، لا أُلْفِينَّ أحدَكم على رقبتِه نفْسٌ (٦) لها صِياحٌ (٧).

стр. 4041

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: ثنا أبو حَيَّانَ، عن أبي زُرْعةَ بن (١) عمرِو بن جَريرٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قام فينا رسولُ اللهِ ﷺ يومًا، فذكَر الغُلولَ، فعظَّمه وعظَّم أمرَه، فقال: "لا أُلْفِيَنَّ [يَجِئُ أحدُكم] (٢) يومَ القيامةِ على رقبتِه بعيرٌ له رُغاءٌ، يقولُ: يا رسولَ اللهِ، أَغِثْنى" (٣). ثم ذكَر نحوَ حديثِ أبي كُريبٍ، عن عبدِ الرحيمِ (٤). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا حفصُ بنُ بشرٍ، عن يعقوبَ القُمِّيِّ، قال: ثنا حفصُ بنُ حميدٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "لا أَعْرِفَنَّ أحدَكم يَأْتِى يومَ القيامةِ يَحْمِلُ شاةً لها ثُغاءٌ، يُنادِى: يا محمدُ، يا محمدُ. فأقولُ: لا أَمْلِكُ لك مِن اللهِ شيئًا، قد بلَّغْتُك. [ولا أعرفنَّ] (٥) أحدَكم يَأْتى (٦) يومَ القيامةِ يَحْمِلُ (٧) جملًا له رُغاءٌ، يقولُ: يا محمدُ، يا محمدُ. فأقولُ: لا أَمْلِكُ لك مِن اللهِ شيئًا، قد بلَّغْتُك. ولا أَعْرِفَنَّ أحدَكم يأْتى يومَ القيامةِ، يَحْمِلُ فرسًا له حَمْحَمَةٌ، ينادى: يا محمدُ، يا محمدُ. فأقولُ: لا أملكُ لك من اللهِ شيئًا، قد بلَّغْتُك ولا أعرِفَنَّ أحدَكم يأتى يومَ القيامةِ يَحْمِلُ قَشْعًا (٨) مِن

стр. 4042

أَدمٍ يُنادِى: يا محمدُ، يا محمدُ. فَأَقولُ: لا أَمْلِكُ لك مِن اللهِ شيئًا، قد بلَّغْتُك" (١). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا أسباطُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا أبو إسحاقَ الشَّيْبانيُّ، عن عبدِ اللهِ بن ذَكْوَانَ، عن عروةَ بن الزبيرِ، عن أبي حُميدٍ، قال: بَعث رسولُ اللهِ ﷺ مُصَدِّقًا (٢)، فجاء بسَوَادٍ كثيرٍ (٣)، قال: فبعَث رسولُ اللهِ ﷺ مَن يَقْبِضُه منه، فلمَّا أَتَوْه جعَل يقولُ: هذا لى، وهذا لكم. قال: فقالوا: من أين لك هذا؟ قال: أُهْدِى إليَّ، فأتَوْا رسولَ اللهِ ﷺ فأخْبَروه بذلك، فخرَج فخطَب، فقال: "أَيُّها الناسُ، ما بالى أَبْعَثُ قومًا إلى الصدقةِ، فيَجِئُ أحدُهم بالسَّوَادِ الكثيرِ، فإذا بعَثْتُ مَن يَقْبِضُه قال: هذا لى، وهذا لكم. فإن كان صادقًا أفلا أُهْدِيَ له وهو في بيتِ أبيه أو (٤) في بيتِ أمِّه؟ " ثم قال: "أيُّها الناسُ، مَن بَعَثْناه على عملٍ فغَلَّ شيئًا، جاء (٥) يوم القيامةِ على عنقِه يَحْمِلُه، فاتَّقُوا الله أن يَأْتِيَ أحدُكم يومَ القيامةِ على عنقِه بعيرٌ له رُغاءٌ، أو بقرةٌ تَخورُ، أو شاةٌ تَثْغُو (٦) ". حدَّثنا أبو كُريب، قال: ثنا أبو مُعاويةَ وابنُ نُمَيْرٍ وعَبْدةُ بنُ سليمانَ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، عن أبي حُميدٍ الساعديِّ، قال: اسْتَعْمَل رسولُ اللهِ ﷺ رجلًا

стр. 4043

مِن الأزْدِ، يقال له: ابن اللُّتْبِيَّةِ (١) على صدَقاتِ بني سُلَيْمٍ، فلما جاء قال: هذا لكم، وهذا هديةُ أُهْدِيَت لى. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "أَفَلا يَجْلِسُ أَحدُكم في بيتِه، فتَأْتِيَه هديتُه؟ ". ثم حمِد الله، وأثْنَى عليه، ثم قال: "أمَّا بعدُ، فإني أَسْتَعْمِلُ رجالًا منكم على أمورٍ ممَّا ولَّانى اللهُ، فيَقول أحدُهم: هذا الذي لكم، وهذا هديةٌ أُهْدِيَت إليَّ. أفلا يَجْلِسُ في بيتِ أبيه أو في (٢) بيتِ أمَّه، فتأْتِيَه هديتُه! والذي نفسي بيدِه، لا يَأْخُذُ أحدُكم مِن ذلك شيئًا إلا جاء به يومَ القيامةِ يَحْمِلُه على عنقِه، فلا أَعْرِفَنَّ ما جاء رجلٌ يَحْمِلُ بعيرًا له رُغاءٌ، أو بَقرةً لها خوَارٌ، أو شاةً تَبْعَرُ (٣) ". ثم رفَع يدَيه (٤)، فقال: "ألا هل بلَّغْتُ" (٥). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عبدُ الرحيمِ، عن هشامِ بن عُروةً، عن أبيه، عن أبي حُميدٍ، حدَّثه بمثلِ هذا الحديثِ، قال: "أفلا جلَسْتَ في بيتِ أبيك وأمِّك حتى تَأْتِيَك هديتُك؟ ". ثم رفَع يدَيه (٦) حتى إنى لأَنْظُرُ إلى بياضِ إِبْطَيْه، ثم قال: "اللهم هل بلَّغْتُ". قال أبو حُميدٍ: بَصُر عينى وسَمِع أذنى (٧). حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن وهب، قال: ثنا عمى عبدُ اللهِ بنُ وهبٍ، قال: أَخْبَرَنى عمرُو بنُ الحارثِ، أن موسى بنَ جُبَيرٍ (٨) حدَّثه، أن عبدَ اللهِ بنَ عبدِ الرحمنِ بن الحُبابِ الأنصاريِّ، حدَّثه أن عبدَ اللهِ بنَ أُنَيْسٍ (٩) حدَّثه، أنه تذاكَر هو

стр. 4044

وعمرُ يومًا الصدقةَ، فقال: ألم تَسْمَعْ رسولَ اللهِ ﷺ حينَ ذكَر غُلُولَ الصدقةِ: "مَن غَلَّ منها بعيرًا أو شاةً، فإنه يَحْمِلُه يومَ القيامةِ؟ " قال عبدُ اللهِ بنُ أُنَيْسٍ: بلى (١). حدَّثنا سعيدُ بنُ يحيى الأُمَويُّ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ الأنصاريُّ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، أن رسولَ اللهِ ﷺ بَعَث سعدَ بنَ عُبادةَ مُصَدِّقًا، فقال: "إياك يا سعدُ أن تَجيءَ يومَ القيامةِ ببعيرٍ تَحْمِلُه له رُغاءٌ". قال: لا آخُذُه ولا أَجِيءُ به، فأعفاه (٢). حدَّثني أحمدُ بنُ المغيرةِ الحمْصيُّ أبو حُميدٍ، قال: ثنا الربيعُ بنُ رَوْحٍ، قال: ثنا ابن عَيَّاشٍ، قال: ثني عُبيدُ اللهِ بن عمرَ بن حفصٍ، عن نافعٍ مولى ابن عمرَ، عن عبدِ اللهِ بن عمرَ، أن رسولَ اللهِ ﷺ اسْتَعْمَل سعدَ بنَ عُبادةَ، فأتَى النبيَّ ﷺ فسلَّم عليه، فقال له النبيُّ ﷺ : "إياك يا سعدُ أن تَجِيءَ يومَ القيامةِ تَحْمِلُ على عنقِك بعيرًا له رُغاءٌ". فقال سعدٌ: فإن فعَلتُ يا رسولَ اللهِ، إن ذلك لكائنٌ؟ قال: "نعم". قال سعدٌ: قد علِمْتَ يا رسولَ اللهِ أنى أُسْأَلُ فَأُعْطِي، فأَعْفِني. فأعفاه (٣). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ حبابٍ (٤) قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ الحارثِ، قال: ثنى جَدَى عُبيدُ بنُ أَبي عبيدٍ - وكان أولَ مولودٍ بالمدينةِ - قال: اسْتُعْمِلْتُ على صدقةِ دَوْسٍ، فجاءني أبو هريرةَ في اليومِ الذي خرَجْتُ فيه، فسلَّم، فخرَجْتُ إِليه، فسلَّمْتُ عليه، فقال: كيف أنت والبعيرَ؟ كيف أنت والبقرَ؟ كيف أنت والغنمَ؟ ثم

стр. 4045

قال: سمِعْتُ حِبِّى رسولَ اللهِ ﷺ أبا القاسمِ قال: "مَن أخَذ بعيرًا بغيرِ حقِّه، جاء به يومَ القيامةِ له رُغاءٌ، ومَن أخَذ بقرةً بغيرِ حقِّها، جاء بها يومَ القيامةِ لها خُوارٌ، ومَن أخَذ شاةً بغير حقِّها، جاء بها يومَ القيامةِ على عنقِه لها يُعارٌ (١) ". فإياك والبقرَ، فإنها أحَدُّ قرونًا وأشدُّ أظْلافًا. [حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ مَخْلَدٍ، قال: ثني [محمدٌ، عن] (٢) عبدِ الرحمنِ بن الحارثِ، عن جدِّه عبيدِ بن أبي عبيدٍ، قال: اسْتُعْمِلْتُ على صدقةِ دَوْسٍ، فلمَّا قضَيْتُ العملَ قدِمْتُ، فجاءنى أبو هريرةَ فسلَّم عليَّ، فقال: أخْبِرْني كيف أنت والإبلَ. ثم ذكَر نحوَ حديثِه عن زيدٍ، إلا أنه قال: "جاء به يومَ القيامةِ على عنقِه له رُغاءٌ" (٣)] (٤). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. قال قتادةُ: كان النبيُّ ﷺ إذا غنِم مَغْنمًا بَعث مناديًا: "ألَا لا يَغُلَّنَّ رجلٌ مِخْيَطًا" (٥) فما دونَه، ألا لا يَغُلَّنَّ رجلٌ بعيرًا، فيَأْتِىَ به على ظهرِه يومَ القيامةِ له رُغاءٌ، ألا لا يَغُلَّنَّ رجلٌ فرسًا، فيأْتِىَ به يومَ القيامةِ على ظهرِه له حَمْحَمةٌ" (٦). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦١)﴾.

стр. 4046

يعني بقولِه تعالى ذكره: ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ﴾: ثم تُعْطَى كُلُّ نَفْسٍ جَزاءَ ما كسَبَت بكسبِها، وافيًا غيرَ مَنْقوصٍ، مما اسْتَحَقَّه واسْتَوْجَبه مِن ذلك، ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. يقولُ: [وهم] (١) لا يُفْعَلُ بهم إلا الذي يَنْبَغِى أَن يُفْعَلَ بهم، مِن غيرِ أن يُعْتَدَى عليهم، فيُنْقَصُوا عما اسْتَحَقُّوه. كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: ثم يُجْزَى بكسبِه غيرَ مظلومٍ، ولا مُتعدًى (٢) عليه (٣). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢)﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ في تركِ الغُلولِ، ﴿كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ بِغُلُولِهِ ما غَلَّ؟ ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا ابن عُيينةَ، عن مُطَرِّفٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ﴾. قال: مَن لم يَغُلَّ، ﴿كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾: كمَن غَلَّ (٤).

стр. 4047

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عُيينةَ، عن مُطَرِّفِ بن طَريفٍ، عن الضحاكِ قولَه: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ﴾. قال: أَمَنْ (١) أَدَّى الخُمُسَ، ﴿كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾: [غلّ فباء بسخطٍ من اللهِ] (٢)، فَاسْتَوْجَب سَخَطًا مِنَ اللهِ؟ وقال آخَرون في ذلك بما حدَّثنا به ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ﴾: على ما أحَبَّ الناسُ وسخِطوا، ﴿كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ لرِضَا الناسِ وسَخَطِهم؟ يقولُ: أفمَن كان على طاعتى، وثوابُه الجنةُ ورِضْوانٌ مِن ربِّه، ﴿كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ فَاسْتَوْجَب غضبَه، وكان مأواه جهنمَ، وبِئْسَ المصيرُ؟ أَسَواءٌ المثلان؟ أي: فاعْرِفوا (٣). وأولى التأويلين بتأويلِ الآيةِ عندى قولُ الضحاكِ بن مُزاحِمٍ؛ لأن ذلك عَقيبَ وَعيدِ اللهِ جل ثناؤُه على الغُلولِ ونهيِه عبادَه عنه، ثم قال لهم بعدَ نهيِه عن ذلك ووعيدِه: أسَواءٌ المطيعُ لله فيما أمَره به ونهاه، والعاصي له في ذلك؟ أي أنهما لا يَسْتَوِيان، ولا تَسْتَوِى حالتاهما عندَه؛ لأن لمن أطاع الله فيما أمَره ونهاه الجنةَ، ولمن عصاه فيما أمَره ونهاه النارَ. فمعنى قولِه: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾. إذن: أفَمن ترَك الغُلولَ وما نهاه اللهُ عنه مِن مَعاصيه، وعمِل بطاعةِ اللهِ في تركِه ذلك، وفي غيرِه مما أمَره به (٤) من فرائضِه، مُتَّبِعًا في كلِّ ذلك رضا اللهِ، ومُجْتَنِبًا (٥) سَخَطَه، ﴿كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾. يعنى: كمَن انْصَرَف مُتَحَملًا سَخَطَ اللهِ

стр. 4048

وغضبَه، فاسْتَحَقَّ بذلك سُكْنَى جهنمَ؟ يقولُ: ليسا سواءً. وأما قولُه: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. [فإنه يعنى: وبئس الشيءُ (١)] (٢) الذي يَصِيرُ، ويَئُوبُ إليه من باء بسَخَطٍ مِن اللهِ - جهنمُ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣)﴾. يعنى بذلك تعالى ذكرُه أن مَن اتَّبَعَ رِضْوانَ اللهِ، ومَن باء بسخَطٍ مِن اللهِ، مختلِفو المَنازِلِ عندَ اللهِ، فلِمَن اتَّبَع رضوانَ اللهِ الكرامةُ والثوابُ الجَزيلُ، ولمَن باء بسخَطٍ مِن اللهِ المهانةُ والعذابُ الأليمُ. كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾. أي: لكلٍّ دَرَجَاتٌ مما عمِلوا في الجنةِ والنارِ، إن الله لا يَخْفَى عليه أهلُ طاعتِه مِن أهلِ معصيتِه (٣). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾. يقولُ: بأعمالِهم (٤). وقال آخرون: معنى ذلك: لهم درجاتٌ عندَ اللهِ. يعنى: لمن اتَّبَع رضوانَ اللهِ منازلُ عندَ اللهِ كريمةٌ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ. عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾. قال: هي كقولِه: لهم

стр. 4049

عندَ اللهِ (١). حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾. يقولُ: لهم درجات عندَ اللَّهِ (٢). وقيل: قولُه: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ﴾. كقولِ القائلِ: هم طَبِقاتٌ. كما قال ابن هَرْمةَ (٣): [أرجمًا للمنونِ] (٤) يكونُ قَوْمى (٥) … لرَيْبِ الدَّهْرِ أم دَرَجَ (٦) السُّيولِ وأما قولُه: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾، فإنه يعنى: واللهُ ذو علمٍ بما يَعْمَلُ أهلُ طاعتِه ومعصيتِه، لا يَخْفَى عليه مِن أعمالِهم شيءٌ، يُحْصِى على الفريقَيْن جميعًا أعمالَهم، حتى تُوفَّى كلُّ نفسٍ منهم جَزاءَ ما كسَبَت مِن خيرٍ أو شرٍّ. كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: إن الله لا يَخْفَى عليه أهلُ طاعتِه مِن أهلِ معصيتِه (٧). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾.

стр. 4050

بذلك تعالى ذكره: لقد تَطوَّل اللهُ تبارك اسمُه على [أهلِ التصديقِ به وبرسولهِ] (١)، ﴿إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا﴾: حينَ أرْسَل فيهم رسولًا، ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾: نبيًّا مِن أهلِ لسانِهم، ولم يَجْعَلْه مِن غيرِ أهلِ لسانِهم، فلا يَفْقَهوا عنه ما يقولُ، ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾. يقولُ: يَقْرَأُ عليهم آىَ كتابِه وتنزيلِه، ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾. يعنى: يُطَهِّرُهم مِن ذنوبِهم باتِّباعِهم إياه وطاعتِهم له، [فيما أمَرَهم ونهاهم] (٢)، ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾. يعنى: ويُعَلِّمُهم كتابَ اللهِ الذي أنْزَله عليه، ويُبَيِّنُ لهم تأويلَه ومعانيَه، ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾. ويعنى بالحكمةِ السُّنَّةَ التي سنَّها اللهُ للمؤمنين على لسانِ رسولِه، وبيانَه لهم، ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. يعنى: وإن كانوا مِن قبلِ أن يَمُنَّ اللهُ عليهم بإرسالِه رسولَه الذي هذه صفتُه، ﴿لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. يقولُ: في جَهالةٍ جَهْلاءَ، وفي حَيرةٍ عن الهُدَى عَمْياءَ، لا يَعْرِفون حقًّا، ولا يُبْطِلون باطلًا. وقد بيَّنَّا أصلَ الضَّلال (٣) فيما مضَى، وأنه الأخْذُ على غيرِ هُدًى، بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٤). والمُبِينُ: الذي يُبِينُ لمن تأَمَّله بعقلِه، وتدَبَّره بِفهمِه، أنه على غيرِ استقامةٍ ولا هُدًى. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.

стр. 4051

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾: [مَنٌّ مِنَ اللهِ] (١) عظيمٌ (٢)، مِن غَيرِ دَعْوةٍ ولا رغبةٍ من هذه الأمةِ، جعَله اللهُ رحمةً لهم؛ ليُخْرِجَهم مِن الظلماتِ إلى النورِ، ويَهْدِيَهُم إلى صراطٍ مستقيمٍ، قولُه: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾: الحكمةُ السنةُ، ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: ليس واللهِ كما تَقولُ أهلُ حَرُوراءَ (٣): محنةٌ غالبةٌ، مَن أَخْطَأها أُهرِيق دمُه. ولكنَّ الله بعَث نبيَّه ﷺ إلى قومٍ لا يَعْلَمون فعلَّمهم، وإلى قومٍ لا أدبَ لهم فأدَّبَهم (٤). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ إلى قولِه: ﴿لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: أي: لقد منَّ اللهُ عليكم يا أهلَ الإيمانِ، إذ بعَث فيكم رسولًا مِن أنفسِكم، يَتْلُو عليكم آياتِه، ويُزَكِّيكم فيما أحدثتم (٥)، وفيما عمِلْتُم، ويُعَلِّمُكم الخيرَ والشرَّ، لتَعْرِفوا الخيرَ فتَعْمَلوا به، والشرَّ فتَتَّقُوه، ويُخْبِرُكم برضاه عنكم إذا أطَعْتُموه؛ لتَسْتَكْثِروا مِن طاعتِه، وتتجنَبوا ما سخِط منكم مِن معصيتِه، فتَتَخَلَّصوا بذلك مِن نِقْمتِه، وتُدْرِكوا بذلك ثوابَه مِن جنتِه، وإن كنتم مِن قبلُ ﴿لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي في عَمْياءَ من الجاهليةِ، لا تَعْرِفون

стр. 4052

حسنةً، ولا تَسْتَعْتِبون (١) مِن سيئةٍ، صُمٌّ (٢) عن الحقِّ، عُمْيٌ عن الهُدَى (٣). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥)﴾. يعنى بذلك تعالى ذكرُه: أَوَ حينَ أصابتكم أيها المؤمنون ﴿مُصِيبَةٌ﴾، وهى القَتْلَى (٤) الذين قُتِلوا منهم يومَ أُحدٍ، والجَرْحَى الذين جُرِحوا منهم بأحدٍ، وكان المشركون قتَلوا منهم يومَئذٍ سبعين نفرًا، ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾. يقولُ: قد أَصْبتُم أنتم أيها المؤمنون من المشركين مِثلَىْ هذه المصيبةِ، التي أصابوا هم منكم، وهى المصيبةُ التي أصابها المسلمون من المشركين ببدرٍ، وذلك أنهم قتَلوا منهم سبعين، وأسَروا سبعين ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ يعنى: قلتُم لما أصابتكم مصيبتُكم بأحدٍ: ﴿أَنَّى هَذَا﴾ من أيِّ وجهٍ هذا؟ ومن أينَ أصابَنا هذا الذي أصابنا، ونحن مسلمون وهم مشركون، وفينا نبيُّ اللهِ ﷺ ، يأتيه الوحيُ من السماءِ، وعدوُّنا أهلُ كفرٍ باللهِ وشركٍ؟ ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ للمؤمنين بك من أصحابِك: ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾. يقولُ: قل لهم: أصابكم هذا الذي أصابكم من عندِ أنفسِكم، بخلافِكم أمرى، وتركِكم طاعتى، لا من عندِ غيرِكم، ولا من قِبَلِ أحدٍ سواكم، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، يقولُ: إن الله على جميعِ ما أراد بخلقِه من عفوٍ وعقوبةٍ وتفضُّلٍ وانتقامٍ ﴿قَدِيرٌ﴾. يعني: ذو قدرةٍ.

стр. 4053

ثم اخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾. بعدَ إجماعِ جميعِهم على أن تأويلَ سائرِ الآيةِ، على ما قلنا في ذلك من التأويلِ؛ فقال بعضُهم: تأويلُ ذلك: قل: هو من عندِ أنفسِكم، بخلافِكم على نبيِّ اللهِ، إذْ أشار عليكم بتركِ الخروجِ إلى عدوِّكم والإصحارِ (١) لهم، حتى يدخُلوا عليكم مدينتَكم، ويصيروا بينَ آطامِكم (٢)، فأبيتُم ذلك عليه، وقلتُم له: اخرُجْ بنا إليهم، حتى نُصحِرَ لهم، فنقاتلَهم خارجَ المدينةِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: حدثنا يزيدُ، قال: حدثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾: أُصِيبوا يومَ أحدٍ، قُتِل منهم سبعون (٣) يومَئذٍ، وأصابوا مِثْلَيها (٤) يومَ بدرٍ، قتَلوا من المشركين سبعين، وأسَروا سبعين، ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾: ذُكر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ قال لأصحابِه يومَ أحدٍ، حينَ قدِم أبو سفيانَ والمشركون، فقال نبيُّ اللهِ ﷺ لأصحابِه: "إِنَّا في جُنَّةٍ (٥) حصينةٍ" - يعنى بذلك المدينةَ - "فَدَعُوا القومَ أن يدخُلوا علينا نقاتلْهم". فقال له ناسٌ من أصحابِه من الأنصارِ: يا نبيَّ اللهِ: إنا نكرَهُ أَن نُقتَلَ في طرقِ المدينةِ، وقد كنا نمتنعُ [من الغزوِ] (٦) في الجاهليةِ، فبالإسلامِ أحقُّ أن نمتنعَ فيه، فابرُزْ بنا إلى القومِ. فانطلق نبيُّ اللهِ ﷺ ، فلبِس لأْمتَه (٧)، فتلاوم القومُ، فقالوا

стр. 4054

عرَّض نبيُّ اللهِ بأمرٍ، وعرَّضتم بغيرِه، اذهبْ يا حمزةُ فقل لنبيِّ اللهِ: أمرُنا لأمرِك تَبَعٌ، فأتَى حمزةُ، فقال له: يا نبيَّ اللهِ، إن القومَ قد تلاوموا، وقالوا: أمرُنا لأمرِك تبعٌ. فقال النبيُّ ﷺ : "إنه ليس لنبيٍّ إذا لبس لأْمتَه أن يضعها حتى يُناجزَ، وإنه ستكونُ فيكم مصيبةٌ". قالوا: يا نبيَّ اللهِ، خاصَّةً أو عامَّةٌ؟ قال: "سترَوْنها" (١). وذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ رأى في النومِ (٢) أن بقرًا تُنحَرُ، فتأوَّلها قتلًا في أصحابِه، ورأى أن سيفَه ذا الفَقارِ (٣) انْفَصم (٤)، فكان قتلُ عمِّه حمزةَ، قُتِل يومَئذٍ، وكان يقالُ له: أسَدُ اللهِ. ورأى أن كبشًا أَغبَرَ قُتِل (٥)، فتأوَّله كبشَ الكتيبةِ عثمانَ بنَ أبي طلحةَ، أُصِيب يومَئذٍ، وكان معه لواءُ المشركين. حُدِّثت عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع بنحوِه، غيرَ أنه قال: ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾. يقولُ: مِثْلَى ما أُصِيب منكم، ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾. يقولُ: بما عصَيتم. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: أُصِيب المسلمون يومَ أحدٍ مصيبةً، وكانوا قد أصابوا مِثْلَيْها يومَ بدرٍ ممن قُتِلوا وأُسِروا، فقال اللهُ جل ثناؤه: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ (٦). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عمرَ

стр. 4055

ابن عطاءٍ، عن عكرمةَ، قال: قتَل المسلمون من المشركين يومَ بدرٍ سبعين، وأسَروا سبعين، وقتَل المشركون يومَ أحدٍ من المسلمين سبعين، فذلك قولُه: ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾، ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ ونحن مسلمون نقاتلُ غضبًا للهِ، وهؤلاء مشركون؟! ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ عقوبةً لكم بمعصيتِكم النبيَّ ﷺ حينَ قال ما قال (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن مباركٍ، عن الحسنِ: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾. قالوا: فإنما أصابنا هذا؛ لأنا قَبِلنا الفداءَ يومَ بدرٍ من الأُسارى، وعصَينا النبيَّ ﷺ يومَ أحدٍ، فمن قُتِل منا كان شهيدًا، ومن بقىَ منا كان مطهَّرًا، رضِينا ربَّنا (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن مباركٍ، عن الحسنِ وابنِ جريجٍ، قالا: معصيتُهم أنه قال لهم: "لا تتَّبعوهم"، يومَ أحدٍ، فاتَّبعوهم (٣). حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، ثم ذكَر ما أُصِيب من المؤمنين، يعنى بأحدٍ، وقُتِل منهم سبعون إنسانًا، ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾: كانوا يومَ بدرٍ أسَروا سبعين رجلًا، وقتَلوا سبعين، ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾: أي من أين هذا؟ ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ إنكم عصَيتم (٤).

стр. 4056

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾، يَقولُ إنكم أَصَبتم من المشركين يومَ بدرٍ مِثْلَىْ ما أصابوا منكم يومَ أحدٍ (١). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، ثم ذكَر المصيبةَ التي أصابتْهم، فقال: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾. أي إن تكُ قد أصابتكم مصيبةٌ في إخوانِكم فبذنوبِكم، قد أَصَبْتُم مِثْلَيها (٢)؛ قتلًا من عدوِّكم في اليومِ الذي كان قبلَه ببدرٍ، قتلَى وأسرَى، ونسِيتُم معصيتَكم وخلافَكم ما أمَركم به نبيُّكم ﷺ ، إنكم أَحْلَلتم ذلك بأنفسِكم، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: إن الله على كلِّ ما أراد بعبادِه من [نقَمِه أو عفوِه] (٣) قديرٌ (٤). حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، يقولُ: أخبرنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ الآية. يعنى بذلك: أنكم أصَبْتُم من المشركين يومَ بدرٍ مِثْلَى ما أصابوا منكم يومَ أحدٍ. وقال بعضُهم: بل تأويلُ ذلك: قل هو من عندِ أنفسِكم بإسارِكم المشركين ببدرٍ، وأخذِكم منهم الفداءَ، وتركِكم قتلَهم.

стр. 4057

ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن فُضيلٍ، عن أشعثَ بن سوَّارٍ، عن ابن سيرينَ، عن عَبيدةَ، قال: أسَر المسلمون من المشركين سبعين، وقتَلوا سبعين، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "اخْتَاروا؛ أن تأخُذوا منهم الفِداءَ، فتَقوَوْا (١) به على عدوِّكم، وإن قبِلتموه قُتِل منكم سبعون، أو تَقْتُلوهم". فقالوا: بل نأخُذُ الفديةَ منهم، ويُقتَلُ منا سبعون. قال: فأخَذوا الفديةَ منهم، وقتَلوا منهم سبعين. قال عَبيدةُ: وطلَبوا الخِيَرَتين كلتَيْهما (٢). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، قال: ثنا ابن عونٍ، عن ابن سيرينَ، عن عَبيدةَ، أنه قال في أُسارى بدرٍ: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إن شئتُم قتلتُموهم، وإن شئتُم فادَيْتُموهم، واسْتُشْهِد منكم بعِدَّتِهم" قالوا: بل نأخُذُ الفداءَ، فنسْتَمْتِعُ به، ويُسْتَشْهَدُ منا بعِدَّتِهم (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني إسماعيلُ، عن ابن عونٍ، عن محمدٍ، عن (٤) عَبيدةَ السَّلْمانيِّ، وحدثني حجَّاجٌ، عن جريرٍ، عن محمدٍ، عن (٥) عَبيدةَ السَّلْمانيِّ، عن عليٍّ، قال: جاء جبريلُ إلى النبيِّ ﷺ ، فقال: يا محمدُ، إن الله قد كرِه ما صنَع قومُك في أخذِهم الأُسارى، وقد أمَرك أن تخيِّرَهم بينَ أمرين: أن يُقَدَّموا فتُضرَبَ أعناقُهم، وبينَ أن يأخُذوا الفداءَ، على أن يُقتَلَ منهم عِدَّتُهم.

стр. 4058

قال: فدعا رسولُ اللهِ ﷺ ، فذكَر ذلك لهم، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، عشائرُنا وإخوانُنا، لا، بل نأخُذُ فداءَهم، فنتقوَّى به على قتالِ عدوِّنا، ويُسْتَشْهَدُ منا عِدَّتُهم، فليس في ذلك ما نكرَه. قال: فقُتِل منهم يومَ أحدٍ سبعون رجلًا، عِدَّةُ أُسارى أهلِ بدرٍ (١). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾. يعني تعالى ذكرُه بذلك: والذي أصابكم يومَ الْتَقى الجمعانِ، وهو يومُ أحدٍ حينَ الْتَقى جمعُ المسلمين والمشركين، ويعنى بالذي أصابهم: ما نال مِن القتلِ مَن قُتِل منهم، ومِن الجراحِ مَن جُرِح منهم، ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾، يقول: فهو بإِذنِ اللهِ كان. يعنى: بقضائِه وقَدَرِه فيكم، وأجاب ﴿مَا﴾ بالفاءِ؛ لأن ﴿وَمَا﴾ حرفُ جزاءٍ، وقد بيَّنتُ نظيرَ ذلك فيما مضى قبلُ (٢). ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾. بمعنى: وليعلَمَ اللهُ المؤمنين، وليعلَمَ الذين نافقوا، أصابكم ما أصابكم يومَ التقى الجمعانِ بأحدٍ؛ ليميِّزَ لأهلِ (٣) الإيمانِ باللهِ ورسولِه المؤمنين منكم، من المنافقين، فيعرِفوهم ولا يخفى عليهم أمرُ الفريقين. وقد بيَّنا تأويلُ قولِه: ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. فيما مضى، وما وجهُ ذلك، بما أغنى عن إعادتِه

стр. 4059

في هذا الموضعِ (١). وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال ابن إسحاقَ. حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: أي (٢) منكم؛ ما أصابكم حينَ التقيتُم أنتم وعدوُّكم فبإذنى كان ذلك، حينَ فعَلتُم ما فعَلتُم بعدَ أن جاءكم نصْرى، وصدَقتكم (٣) وعدى. ليميِّزَ بينَ المنافقين والمؤمنين، ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ منكم، أي: ليُظْهِروا ما فيهم (٤). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (١٦٧)﴾. يعني تعالى ذكرُه بذلك عبدَ اللهِ بنَ أُبيٍّ ابنَ سلولَ المنافقَ، وأصحابَه الذين رجَعوا عن النبيِّ ﷺ عن أصحابِه، حينَ سار نبيُّ اللهِ ﷺ إلى المشركين بأحدٍ لقتالِهم، فقال لهم المسلمون: تعالوا قاتلوا المشركين معنا، أوِ ادْفَعوا بتكثيرِكم سوادَنا. فقالوا: لو نعلَمُ أنكم تقاتلون لسِرْنا معكم إليهم، ولكُنَّا معكم عليهم، ولكن لا نُرَى أنه يكونُ بينَكم وبينَ القومِ قتالٌ. فَأَبْدَوْا مِن نفاقِ أنفسِهم ما كانوا يكتُمونه، وأبدوْا بألسنتِهم بقولِهم: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾. غيرَ ما كانوا يكتُمونه ويُخفونه؛ من عداوةِ رسولِ اللهِ ﷺ ، وأهلِ الإيمانِ به.

стр. 4060

كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ مسلمِ بن شهابٍ الزُّهْريُّ ومحمدُ بنُ يحيى بن حَبَّانَ وعاصمُ بنُ عمرَ بن قتادةَ والحصينُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن عمرِو بن سعدِ بن معاذٍ وغيرُهم من علمائِنا، كلُّهم قد حدَّث، قال: خرَج رسولُ اللهِ ﷺ يعني حينَ خرَج إلى أحدٍ - في ألفِ رجلٍ من أصحابِه، حتى إذا كانوا بالشَّوْطِ (١) بينَ أحدٍ والمدينةِ، انْخَزَل (٢) عنهم عبدُ اللهِ بنُ أبيٍّ ابن سلولَ بثلثِ الناسِ، فقال: أطاعهم فخرَج وعصاني، وواللهِ ما نَدْرِى علامَ نقتُلُ أنفسَنا ههنا أيُّها الناسُ؟ فرَجع بمن اتَّبعه من الناسِ من قومِه من أهلِ النفاقِ وأهلِ الرَّيْبِ. واتَّبعهم عبدُ اللهِ بنُ عمرِو بن حَرامٍ، أخو بني سَلِمةَ، يقولُ: يا قومُ أُذكِّرُكم الله أن تخذُلوا نبيَّكم وقومَكم عندَما حضَر من عدوِّهم، فقالوا: لو نعلَمُ أنكم تُقاتلون ما أسلمناكم، ولكنا لا نُرَى أن يكونَ قتالٌ، فلما اسْتَعصَوا عليه، وأَبَوا إلا الانصرافَ عنهم، قال: أَبْعدَكم اللهُ يا أعداءَ (٣) اللهِ، فسيُغْنى اللهُ عنكم. ومضَى رسولُ اللهِ ﷺ (٤). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا﴾. يعنى: عبدَ اللهِ بنَ أُبيٍّ ابنَ سلولَ وأصحابَه، الذين رجَعوا عن رسولِ اللهِ ﷺ ، حينَ سار إلى عدوِّه من المشركين بأحدٍ. وقولُه: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾. يقولُ: لو نعلَمُ أنكم تقاتلون لَسِرْنا معكم، ولدفَعنا

стр. 4061

عنكم، ولكن لا نظنُّ أن يكونَ قتالٌ، فظهَر منهم ما كانوا يُخفون في أنفسِهم. يقولُ اللهُ : ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ [يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾. أي: يُظهرون لكم الإيمانَ] (١)، وليس في قلوبهِم، ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾: أي: بما يُخفون (٢). حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، خرَج رسولُ اللهِ ﷺ يعنى يومَ أحدٍ - في ألفِ رجلٍ، وقد وعَدهم الفتحَ إن صبَروا؛ فلما خرَجوا رجَع عبدُ اللهِ بنُ أبيٍّ ابن سلولَ في ثلاثِمائةٍ، فتبِعهم أبو جابرٍ السُّلَميُّ يَدْعوهم، فلما غلَبوه وقالوا له: ما نعلَمُ قتالًا، ولئن أَطَعْتَنا لترجِعَنَّ معنا. قال: فذكَر اللهُ جل وعز أصحابَ عبدِ اللهِ بن أُبيٍّ ابن سلولَ، وقولَ [عبدِ اللهِ أبى جابرِ بن عبدِ اللهِ] (٣) الأنصاريِّ حينَ دعاهم، فقالوا: ما نعلَمُ قتالًا، ولئن أَطَعْتُمونا لترجِعُنَّ معنا. فقال: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾ (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، قال: قال ابن جُريجٍ: قال عكرمةُ: ﴿قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾. قال: نزَلت في عبدِ اللهِ بْنِ أَبِيٍّ ابن سلولَ (٤). قال ابن جُريجٍ: وأخبرنى عبدُ اللهِ بنُ كَثِيرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا﴾. قال: لو نعلَمُ أنا واجِدون معكم قتالًا، لو نعلَمُ مكانَ قتالٍ لاتَّبعناكم (٥). واخْتَلفوا في تأويلِ قولِه: ﴿أَوِ ادْفَعُوا﴾؛ فقال بعضُهم: إن معناه: أو

стр. 4062

كثِّروا، فإنكم إذا كثَّرتم دفَعتم القومَ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿أَوِ ادْفَعُوا﴾. يقولُ: أو كثِّروا (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ: ﴿أَوِ ادْفَعُوا﴾. قال: بكثرتِكم العدوَّ، وإن لم يكنْ قتالٌ (٢). وقال آخرون: معنى ذلك: أو رابِطوا إن لم تقاتِلوا. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا إسماعيلُ بنُ حفصٍ الأُبُلِّيُّ (٣) وعليُّ بنُ سهلٍ الرَّمْليُّ، قالا: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: ثنا عتبةُ بنُ ضَمْرةً، قال: سمِعتُ أبا عونٍ الأنصاريَّ في قولِه: ﴿قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا﴾. قال: رابِطوا (٤). وأمَّا قولُه: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (١٦٧)﴾. فإنه يعنى به: واللهُ أعلمُ من هؤلاء المنافقين الذين يقولون للمؤمنين: لو نعلمُ قتالًا لاتَّبعْناكم. بما يُضْمِرون في أنفسِهم للمؤمنين ويكتُمونه، فيستُرونه، من العداوةِ والشَّنَآنِ، وأنهم لو علِموا قتالًا ما تبِعوهم، ولا دفعوا عنهم، وهو تعالى ذكرُه محيطٌ بما هم

стр. 4063

مُخفوه من ذلك، مُطَّلِعٌ عليه، ومُحْصيه عليهم، حتى يهتِكَ به (١) أستارَهم في عاجلِ الدنيا، فيفضَحَهم به، ويُصْلِيَهم به في (١) الدَّرْكَ الأسفلَ من النارِ في الآخرةِ. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٦٨)﴾. يعنى تعالى ذكرُه بذلك: وليعلَمَ اللهُ الذين نافقوا، الذين قالوا لإخوانِهم وقعَدوا فموضعُ ﴿الَّذِينَ﴾ نصبٌ على الإبدالِ من ﴿الَّذِينَ نَافَقُوا﴾، وقد يجوزُ أن يكونَ رفعًا على الترجمةِ عمَّا في قولِه: ﴿يَكْتُمُونَ﴾. من ذكرِ ﴿الَّذِينَ نَافَقُوا﴾. فمعنى الآيةِ: وليعلَمَ اللهُ الذين قالوا لإخوانِهم الذين أُصيبِوا مع المسلمين في حربِهم المشركين بأحدٍ يومَ أحدٍ، فقُتِلوا هنالك، من عشائرِهم وقومِهم، ﴿وَقَعَدُوا﴾. يعنى: وقعَد هؤلاء المنافقون القائلون ما قالوا، مما أَخْبَرَ اللهُ عنهم، من قيلِهم عن الجهادِ مع إخوانِهم وعشائرِهم في سبيلِ اللهِ: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا﴾. يعني: لو أطاعنا مَن قُتِل بأحدٍ مِن إخوانِنا وعشائرِنا ﴿مَا قُتِلُوا﴾. يعني: ما قُتِلوا هنالك. قال اللهُ تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ قل يا محمدُ لهؤلاء القائلين هذه المقالةَ من المنافقين: ﴿فَادْرَءُوا﴾. يعني: فادْفَعوا، من قولِ القائلِ: دَرَأَتُ عن فلانٍ القتلَ - بمعنى: دفَعتُ عنه - أَدْرَؤُه دَرْءًا. ومنه قولُ الشاعر (٢): أقولُ (٣) وقد دَرَأْتُ لها وَضِينى … أهذا دينُه أبدًا ودِيني يقولُ تعالى ذكرُه: قل لهم: فادْفَعوا - إن كنتُم أيها المنافقون صادقين في

стр. 4064

قيلِكم: لو أطاعنا إخوانُنا في تركِ الجهادِ في سبيلِ اللهِ مع محمد ﷺ ، وقتالِهم أبا سفيانَ ومَن معه مِن قريشٍ، ما قُتِلوا هنالك بالسيفِ، ولكانوا أحياءً بقعودِهم معكم وتخلُّفِهم عن محمدٍ ﷺ ، وشهودِ جهادِ أعداءِ اللهِ معه - الموتَ، فإنكم قد قعَدتم عن حربِهم. و (١) تخلَّفتُم عن جهادِهم، وأنتم لا محالةَ ميِّتون. كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ﴾ الذين أُصيبوا معكم من عشائرِهم وقومِهم: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ الآية. أي: إنه لابدَّ من الموتِ، فإنِ استطَعْتم أن تدفَعوه عن أنفسِكم فافعَلوا. وذلك أنهم إنما نافقوا وترَكوا الجهادَ في سبيلِ اللهِ؛ حرصًا على البقاءِ في الدنيا، وفِرارًا من الموت (٢). ذكرُ مَن قال: الذين قالوا لإخوانِهم هذا القولَ، هم الذين قال اللهُ فيهم: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا﴾ الآية. ذُكِر لنا أنها نزَلت في عدوِّ اللهِ عبدِ اللهِ بن أُبيٍّ (٣). حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: هم عبد اللهِ بنُ أُبيٍّ وأصحابُه (٤).

стр. 4065

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: هو عبدُ اللهِ بنُ أُبيٍّ الذي قعَد، و ﴿[قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ] (١)﴾ الذين خرَجوا مع النبيِّ ﷺ يومَ أحدٍ: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾. الآية (٢). قال ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: قال جابرُ بنُ عبدِ اللهِ: هو عبدُ اللهِ بْنُ أَبِيٍّ ابن سَلُول (٣). حُدِّثت عن عمارٍ، عن ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ قولَه: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا﴾ الآية. قال: نزَلت في عدوِّ اللهِ عبدِ اللهِ بن أُبيٍّ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. يعني بقولِه تعالى ذكرُه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾: ولا تَظنَّنَّ. كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾: ولا تظنَّنَّ (٤). وقولُه: ﴿الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يعنى: الذين قُتِلوا بأُحدٍ من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ﴿أَمْوَاتًا﴾. يقولُ: ولا تحسَبَنَّهم يا محمدُ أمواتًا، لا يُحسُّون شيئًا، ولا يَلْتذُّون، ولا يتنعَّمون، فإنَّهم أحياءٌ عندى، متنعِّمون في رزقي،
следующие страницы →