← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.

стр. 4061

عنكم، ولكن لا نظنُّ أن يكونَ قتالٌ، فظهَر منهم ما كانوا يُخفون في أنفسِهم. يقولُ اللهُ : ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ [يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾. أي: يُظهرون لكم الإيمانَ] (١)، وليس في قلوبهِم، ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾: أي: بما يُخفون (٢). حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، خرَج رسولُ اللهِ ﷺ يعنى يومَ أحدٍ - في ألفِ رجلٍ، وقد وعَدهم الفتحَ إن صبَروا؛ فلما خرَجوا رجَع عبدُ اللهِ بنُ أبيٍّ ابن سلولَ في ثلاثِمائةٍ، فتبِعهم أبو جابرٍ السُّلَميُّ يَدْعوهم، فلما غلَبوه وقالوا له: ما نعلَمُ قتالًا، ولئن أَطَعْتَنا لترجِعَنَّ معنا. قال: فذكَر اللهُ جل وعز أصحابَ عبدِ اللهِ بن أُبيٍّ ابن سلولَ، وقولَ [عبدِ اللهِ أبى جابرِ بن عبدِ اللهِ] (٣) الأنصاريِّ حينَ دعاهم، فقالوا: ما نعلَمُ قتالًا، ولئن أَطَعْتُمونا لترجِعُنَّ معنا. فقال: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾ (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، قال: قال ابن جُريجٍ: قال عكرمةُ: ﴿قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾. قال: نزَلت في عبدِ اللهِ بْنِ أَبِيٍّ ابن سلولَ (٤). قال ابن جُريجٍ: وأخبرنى عبدُ اللهِ بنُ كَثِيرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا﴾. قال: لو نعلَمُ أنا واجِدون معكم قتالًا، لو نعلَمُ مكانَ قتالٍ لاتَّبعناكم (٥). واخْتَلفوا في تأويلِ قولِه: ﴿أَوِ ادْفَعُوا﴾؛ فقال بعضُهم: إن معناه: أو

стр. 4062

كثِّروا، فإنكم إذا كثَّرتم دفَعتم القومَ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿أَوِ ادْفَعُوا﴾. يقولُ: أو كثِّروا (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ: ﴿أَوِ ادْفَعُوا﴾. قال: بكثرتِكم العدوَّ، وإن لم يكنْ قتالٌ (٢). وقال آخرون: معنى ذلك: أو رابِطوا إن لم تقاتِلوا. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا إسماعيلُ بنُ حفصٍ الأُبُلِّيُّ (٣) وعليُّ بنُ سهلٍ الرَّمْليُّ، قالا: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: ثنا عتبةُ بنُ ضَمْرةً، قال: سمِعتُ أبا عونٍ الأنصاريَّ في قولِه: ﴿قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا﴾. قال: رابِطوا (٤). وأمَّا قولُه: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (١٦٧)﴾. فإنه يعنى به: واللهُ أعلمُ من هؤلاء المنافقين الذين يقولون للمؤمنين: لو نعلمُ قتالًا لاتَّبعْناكم. بما يُضْمِرون في أنفسِهم للمؤمنين ويكتُمونه، فيستُرونه، من العداوةِ والشَّنَآنِ، وأنهم لو علِموا قتالًا ما تبِعوهم، ولا دفعوا عنهم، وهو تعالى ذكرُه محيطٌ بما هم

стр. 4063

مُخفوه من ذلك، مُطَّلِعٌ عليه، ومُحْصيه عليهم، حتى يهتِكَ به (١) أستارَهم في عاجلِ الدنيا، فيفضَحَهم به، ويُصْلِيَهم به في (١) الدَّرْكَ الأسفلَ من النارِ في الآخرةِ. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٦٨)﴾. يعنى تعالى ذكرُه بذلك: وليعلَمَ اللهُ الذين نافقوا، الذين قالوا لإخوانِهم وقعَدوا فموضعُ ﴿الَّذِينَ﴾ نصبٌ على الإبدالِ من ﴿الَّذِينَ نَافَقُوا﴾، وقد يجوزُ أن يكونَ رفعًا على الترجمةِ عمَّا في قولِه: ﴿يَكْتُمُونَ﴾. من ذكرِ ﴿الَّذِينَ نَافَقُوا﴾. فمعنى الآيةِ: وليعلَمَ اللهُ الذين قالوا لإخوانِهم الذين أُصيبِوا مع المسلمين في حربِهم المشركين بأحدٍ يومَ أحدٍ، فقُتِلوا هنالك، من عشائرِهم وقومِهم، ﴿وَقَعَدُوا﴾. يعنى: وقعَد هؤلاء المنافقون القائلون ما قالوا، مما أَخْبَرَ اللهُ عنهم، من قيلِهم عن الجهادِ مع إخوانِهم وعشائرِهم في سبيلِ اللهِ: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا﴾. يعني: لو أطاعنا مَن قُتِل بأحدٍ مِن إخوانِنا وعشائرِنا ﴿مَا قُتِلُوا﴾. يعني: ما قُتِلوا هنالك. قال اللهُ تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ قل يا محمدُ لهؤلاء القائلين هذه المقالةَ من المنافقين: ﴿فَادْرَءُوا﴾. يعني: فادْفَعوا، من قولِ القائلِ: دَرَأَتُ عن فلانٍ القتلَ - بمعنى: دفَعتُ عنه - أَدْرَؤُه دَرْءًا. ومنه قولُ الشاعر (٢): أقولُ (٣) وقد دَرَأْتُ لها وَضِينى … أهذا دينُه أبدًا ودِيني يقولُ تعالى ذكرُه: قل لهم: فادْفَعوا - إن كنتُم أيها المنافقون صادقين في

стр. 4064

قيلِكم: لو أطاعنا إخوانُنا في تركِ الجهادِ في سبيلِ اللهِ مع محمد ﷺ ، وقتالِهم أبا سفيانَ ومَن معه مِن قريشٍ، ما قُتِلوا هنالك بالسيفِ، ولكانوا أحياءً بقعودِهم معكم وتخلُّفِهم عن محمدٍ ﷺ ، وشهودِ جهادِ أعداءِ اللهِ معه - الموتَ، فإنكم قد قعَدتم عن حربِهم. و (١) تخلَّفتُم عن جهادِهم، وأنتم لا محالةَ ميِّتون. كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ﴾ الذين أُصيبوا معكم من عشائرِهم وقومِهم: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ الآية. أي: إنه لابدَّ من الموتِ، فإنِ استطَعْتم أن تدفَعوه عن أنفسِكم فافعَلوا. وذلك أنهم إنما نافقوا وترَكوا الجهادَ في سبيلِ اللهِ؛ حرصًا على البقاءِ في الدنيا، وفِرارًا من الموت (٢). ذكرُ مَن قال: الذين قالوا لإخوانِهم هذا القولَ، هم الذين قال اللهُ فيهم: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا﴾ الآية. ذُكِر لنا أنها نزَلت في عدوِّ اللهِ عبدِ اللهِ بن أُبيٍّ (٣). حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: هم عبد اللهِ بنُ أُبيٍّ وأصحابُه (٤).

стр. 4065

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: هو عبدُ اللهِ بنُ أُبيٍّ الذي قعَد، و ﴿[قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ] (١)﴾ الذين خرَجوا مع النبيِّ ﷺ يومَ أحدٍ: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾. الآية (٢). قال ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: قال جابرُ بنُ عبدِ اللهِ: هو عبدُ اللهِ بْنُ أَبِيٍّ ابن سَلُول (٣). حُدِّثت عن عمارٍ، عن ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ قولَه: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا﴾ الآية. قال: نزَلت في عدوِّ اللهِ عبدِ اللهِ بن أُبيٍّ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. يعني بقولِه تعالى ذكرُه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾: ولا تَظنَّنَّ. كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾: ولا تظنَّنَّ (٤). وقولُه: ﴿الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يعنى: الذين قُتِلوا بأُحدٍ من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ﴿أَمْوَاتًا﴾. يقولُ: ولا تحسَبَنَّهم يا محمدُ أمواتًا، لا يُحسُّون شيئًا، ولا يَلْتذُّون، ولا يتنعَّمون، فإنَّهم أحياءٌ عندى، متنعِّمون في رزقي،

стр. 4066

فرِحون مسرورون بما آتيتُهم من كرامتى وفضلى، وحبَوتُهم به من جزيلِ ثوابي وعطائي. كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، وحدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عياشٍ، عن ابن إسحاقَ، عن إسماعيلَ بن أميَّةَ، عن أبي الزُّبيرِ المكيِّ، عن ابن عباسٍ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لما أُصِيب إخوانُكم بأحدٍ، جعَل اللهُ أرواحَهم في أجوافِ طيرٍ خُضْرٍ، ترِدُ أنهارَ الجنَّةِ، وتأكُلُ من ثمارِها، وتأوِى إلى قناديلَ من ذهبٍ في ظلِّ العرشِ، فلما وجَدوا طِيبَ مشرَبهِم ومأكلِهم وحسنَ مَقيلِهم (١)، قالوا: يا ليتَ إخوانَنا يعلَمون ما صنَع اللهُ بنا؛ لئلا يزهَدُوا في الجهادِ، ولا ينكُلوا (٢) عن الحربِ، فقال اللهُ ﵎: أنا أُبلِّغُهم عنكم، فأَنْزل اللهُ على رسولِه هؤلاء الآيات (٣) ". حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جريرُ بنُ عبدِ الحميدِ، وحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، [عن ابن إسحاقَ، جميعًا] (٤) عن الأعمشِ، عن أبي الضحى، عن مسروقِ بن الأجدعِ، قال: سألْنا عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ، عن هذه الآيةِ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية. فقال: أمَا إنا قد سألْنا عنها، فقيل لنا: إنه لما أُصيب إخوانُكم

стр. 4067

بأُحُدٍ، جعَل اللهُ أرواحَهم في أجوافِ طيرٍ خُضْرٍ، ترِدُ أنهارَ الجنةِ، وتأكُلُ من ثمارِها، وتأوِى إلى قناديلَ من ذهبٍ في ظلِّ العرشِ، فيطَّلِعُ اللهُ إليهم اطلاعةً فيقولُ: يا عبادى ما تشتهون فأزيدَكم؟ فيقولون: ربَّنا لا فوقَ ما أعطَيْتَنا، الجنة نأكُلُ منها حيث شئْنا. ثلاثَ مَرَّاتٍ، ثم يطَّلعُ فيقولُ: يا عبادى ما تشتهون فأزيدَكم؟ فيقولون: ربَّنا لا فوقَ ما أعطيتَنا، الجنة نأكُلُ منها حيثُ شئنا، إلا أنا نختارُ أن ترُدَّ أرواحَنا في أجسادِنا، ثم تردَّنا إلى الدنيا، فنقاتلَ فيك حتى نُقتَلَ فيك مرَّةً أخرى (١). حدَّثنا [الحسنُ بنُ يحيى العَبْديُّ] (٢)، قال: ثنا وهبُ بنُ جريرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الأعمشِ، عن أبي الضحى، عن مسروقٍ، قال: سألْنا عبدَ اللهِ عن هذه الآيةِ، ثم ذكَر نحوَه، وزاد فيه: فقال: إني قد قضيتُ ألا تَرْجِعوا. حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن شعبةَ، عن سليمانَ، عن عبدِ اللهِ بن مرَّةَ، عن مسروقٍ، قال: سألنا عبدَ اللهِ عن أرواحِ الشهداءِ، ولولا عبدُ اللهِ ما أَخْبَرنا به أحدٌ، قال: أرواحُ الشهداءِ عندَ اللهِ في أجوافِ طيرٍ خضرٍ، في قناديلَ تحتَ العرشِ، تسرَحُ في الجنةِ حيثُ شاءت، ثم ترجعُ إلى قناديلِها، فيطَّلعُ إليها ربُّها، فيقولُ: ماذا تريدون؟ فيقولون: نريدُ أن نرجِعُ إلى الدنيا، فنُقتَلَ مرَّةً

стр. 4068

أخرى (١). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عبدُ الرحيمِ بنُ سليمانَ وعَبْدةُ بنُ سليمانَ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن الحارثِ بن فُضيلٍ، عن محمودِ بن لَبيدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "الشهداءُ على بارقٍ: على (٢) نهرٍ ببابِ الجنةِ، في قُبَّةٍ خضراءَ - وقال عَبْدةُ (٣): "في روضةٍ خضراءَ" - يخرُجُ عليهم رزقُهم من الجنةِ بُكرةً وعشيًّا" (٤). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا يونسُ بنُ بكيرٍ، عن محمدِ بن إسحاقَ، قال: ثني الحارثُ بنُ فُضيلٍ، عن محمودِ بن لَبيدٍ، عن ابن عباسٍ، عن النبيِّ ﷺ بنحوه (٥)، إلا أنه قال: "في قُبَّةٍ خضراءَ". وقال: "يخرُجُ عليهم فيها". حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدثنا ابن إدريسَ، عن محمدِ بن إسحاقَ، قال: ثنى الحارثُ بنُ فُضيلٍ، عن محمودِ بن لَبيدٍ (٦)، عن ابن عباسٍ، عن النبيِّ ﷺ بمثلِه. حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: قال محمدُ بنُ إسحاقَ: وحدثني الحارثُ بنُ الفضيلِ الأنصاريُّ عن محمودِ بن لَبيدٍ الأنصاريِّ، عن ابن عباسٍ،

стр. 4069

قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "الشهداءُ على بارقٍ؛ نهرٍ ببابِ الجنةِ، في قُبَّة خضراءَ، يخرُجُ عليهم رزقُهم من الجنةِ بُكرةً وعشيًّا" (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: ثني أيضًا - يعني إسماعيلَ بنَ عيَّاشٍ عن ابن إسحاقَ، عن الحارثِ بن الفضيلِ، عن محمودِ بن لَبيدٍ، عن ابن عباسٍ، عن النبيِّ ﷺ بنحوِه. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: قال محمدُ بنُ إسحاقَ: وحدَّثنى بعضُ أصحابي، عن عبدِ اللهِ بن محمدِ بن عَقيلِ بن أبي طالبٍ، قال: سمِعتُ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ يقولُ: قال لى رسولُ اللهِ ﷺ : "ألا أبشِّرُك يا جابرُ؟ ". قال: قلتُ: بلى يا رسولَ اللهِ. قال: "إن أباك حيثُ أُصيب بأحدٍ أَحْيَاه اللهُ، ثم قال له: ما تُحِبُّ يا عبدَ اللهِ بنَ عمرٍو أن أفعَلَ بك؟ قال: يا ربِّ أُحبُّ أن تردَّني إلى الدنيا، فأُقاتلَ فيك، فأُقتَلَ مرَّةً أخرى" (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ذُكِر لنا أن رجالًا من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، قالوا: يا ليتنا نعلَمُ ما فعَل إخوانُنا الذين قُتِلوا يومَ أُحدٍ! فأَنْزَل اللهُ ﵎ في ذلك القرآنَ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾. كنا نُحدَّثُ أن أرواحَ الشهداءِ تعارفُ في طيرٍ بيضٍ تأكُلُ من ثمارِ الجنةِ، وأن مساكنَهم السِّدْرةُ (٣). حُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: حدثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع بنحوِه، إلا

стр. 4070

أنه قال: تعارَفُ في طيرٍ خُضْرٍ وبيضٍ. وزاد فيه أيضًا: وذُكِر لنا عن بعضِهم في قولِه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ﴾. قال: هم قتلى بدرٍ وأُحدٍ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن محمدِ بن قيسِ بن مَخْرمةَ، قال: قالوا: يا ربِّ، أَلا رسولٌ لنا يُخبِرُ النبيِّ ﷺ عنَّا بما أعطيْتَنا؟ فقال اللهُ جل وعز: أنا رسولُكم. فأمَر جبريلَ ﵇ أن يأتىَ النبيَّ ﷺ بهذه الآيةِ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآيتين (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللهِ بن مُرَّةَ، عن مسروقٍ، قال: سألْنا عبدَ اللهِ (٣) عن هذه الآياتِ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾. قال: أرواحُ الشهداءِ عندَ اللهِ كطيرِ خُضْرٍ، لها قناديلُ معلَّقةٌ بالعرشِ، تسرَحُ في الجنةِ حيثُ شاءت، قال: فاطَّلع إليهم ربُّك اطِّلاعةً فقال: هل تشتهون من شيءٍ فأزيدَكموه؟ قالوا: ربَّنا ألسنا نسرَحُ في الجنةِ في أيِّها شئنا! ثم اطَّلع [إليهم الثانيةَ فقال: هل تشتهون من شيءٍ فأَزيدَكموه؟ قالوا: ربنا، ألسنا نَسرحُ في أنهار الجنة في أيها شئنا! ثم اطَّلَع إليهم] (٤) الثالثةَ فقال: هل تشتهون من شيءٍ فأزيدَكموه؟ قالوا: تُعيدُ أرواحَنا في أجسادِنا، فنُقاتِلُ في سبيلِك مرةً أخرى. فسكَت عنهم (٥).

стр. 4071

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا ابن عُيينةً، عن عطاءِ بن السائبِ، عن [أبي عُبيدةَ] (١)، عن عبدِ اللهِ، أنهم قالوا في الثالثةِ حينَ قال لهم: هل تشتهون من شيءٍ فأزيدَكموه؟ قالوا: تُقرِئُ نبيَّنا عنا السلامَ، وتُخبِرُه أنّا قد رضِينا ورُضى عنا (٢). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: قال اللهُ ﵎ لنبيِّه محمدٍ ﷺ ، يرغِّبُ المؤمنين في ثوابِ الجهادِ (٣)، ويهوِّنُ عليهم القتلَ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ أي: قد أحييتُهم، فهم عندى يُرْزَقون في رَوْحِ الجنةِ وفضلِها، مسرورين بما آتاهم اللهُ من فضلِ ثوابِه على جهادِهم عنه (٤). حُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ، قال: كان المسلمون يسألون ربَّهم أن يُريَهم يومًا كيومِ بدرٍ، يُبلون فيه خيرًا ويُرْزَقون فيه الشهادةَ؛ يُرْزَقون فيه الجنةَ، والحياةَ في الرزقِ، فلقوا المشركين يومَ أحدٍ، فاتَّخذ اللهُ منهم شهداءَ، وهم الذين ذكَرهم اللهُ فقال: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ الآية. حدَّثنا محمد بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ. قال: ذكَر الشهداءَ فقال: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. إلى قولِه: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. وزعَم أن أرواحَ الشهداءِ

стр. 4072

في أجوافِ طيرٍ خُضْرٍ، في قناديلَ من ذهبٍ، معلَّقة بالعرشِ، فهي تَرْعَى بُكرةً وعشيَّةً في الجنةِ، [فإذا كان الليلُ بِتْنَ] (١) في القناديلِ، فإذا سرَحن نادى منادٍ: ماذا تريدون؟ وماذا تشتهون؟ فيقولون: ربَّنا نحن فيما اشتهتْ أنفسُنا. فيسألُهم رُّبهم أيضًا: ماذا تشتهون، وماذا تريدون؟ فيقولون: نحن فيما اشتهت أنفسُنا. فيُسْأَلُون الثالثةَ، فيقولون ما قالوا، ولكنَّا نُحِبُّ أن تُردَّ أرواحُنا في أجسادِنا. لما رأَوا (٢) من فضلِ الثوابِ (٣). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا عبادٌ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ معمرٍ، عن الحسنِ، قال: ما زال ابن آدمَ يَتحمَّدُ حتى صار حيًّا ما يموتُ، ثم تلا هذه الآيةَ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ مرزوقٍ، قال: ثنا عمرُ بنُ يونسَ، [عن عكرمةَ] (٤) قال: ثنا إسحاقُ بنُ أبي طلحةَ، قال: ثني أنسُ بنُ مالكٍ في أصحابِ النبيِّ ﷺ ، الذين أَرْسَلهم النبيُّ ﷺ إلى أهلِ بئرِ معونةَ، قال: لا أدرى أربعين، أو سبعين، وعلى ذلك الماءِ عامرُ بنُ الطُّفيلِ الجَعْفريُّ، فخرَج أولئك النفرُ من أصحابِ النبيِّ ﷺ ، حتى أتوا غارًا مشرفًا على الماءِ فقعدوا فيه، ثم قال بعضُهم لبعضٍ: أيُّكم يُبلِّغُ رسالةَ رسولِ اللهِ ﷺ أهلَ هذا الماءِ؟ فقال -- أُرَاه [ابنَ مِلْحانَ] (٥) الأنصاريَّ -: أنا أُبلِّغ رسالةً رسولِ اللهِ

стр. 4073

ﷺ ، فخرَج حتى [أتى حِوَاء] (١) منهم، فاحتبى أمامَ البيوتِ، ثم قال: يا أهلَ بئرِ مَعونةَ، إنى رسولُ رسولِ اللهِ ﷺ إليكم، إنى أَشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ، وأن محمدًا عبدُه ورسولُه، فآمِنوا باللهِ ورسولِه (٢)، فخرَج إليه رجلٌ من كِسْرِ البيتِ (٣) برمحٍ، فضرَب به في جنبِه، حتى خرَج من الشَّقِّ الآخرِ، فقال: اللهُ أكبرُ، فزتُ وربِّ الكعبةِ. فاتبعوا أثَرَه حتى أتوا أصحابَه في الغارِ، فقتَلهم (٤) أجمعين عامرُ بنُ الطُّفيلِ. قال: قال إسحاقُ: حدَّثني أنسُ بنُ مالكٍ أن الله أنْزَل فيهم قرآنًا: " [بلغوا قومَنا عنّا أنّا قد لِقينا ربَّنا فرضِى عنا ورضِينا عنه". ثم نُسخت فرُفعت] (٥) بعدَ ما قرأناه زمانًا، وأَنزل اللهُ : ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (٦). حدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخبرنا يزيدُ، قال: أخبرنا جُويبرٌ، عن الضحَّاكِ، قال: لما أُصيب الذين أُصيبوا يومَ أحدٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ ، لقُوا ربَّهم فأَكْرمهم، فأصابوا الحياة والشهادةَ والرزقَ الطيِّبَ، قالوا: يا ليت بيننا وبينَ إخوانِنا من يُبلِّغُهم أنّا لقينا ربَّنا، فرضِى عنا وأرضانا، فقال اللهُ ﵎ لهم: أنا رسولُكم إلى نبيِّكم وإخوانِكم، فأَنْزَل اللهُ جل ذكره على نبيِّه ﷺ : ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾. إلى قولِه: ﴿وَلَا هُمْ

стр. 4074

يَحْزَنُونَ﴾. فهذا النبأُ (١) الذي بلَّغ اللَّهُ [رسولَه والمؤمنين] (٢) ما قال الشهداءُ (٣). وفى نصبِ قولِه: ﴿فَرِحِينَ﴾. وجهان؛ أحدُهما، أن يكونَ منصوبًا على الخروجِ (٤) من قولِه: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. والآخرُ من قولِه: ﴿يُرْزَقُونَ﴾. ولو كان رفعًا بالردِّ على قولِه: "بل أحياءٌ فرِحون"، كان جائزًا. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠)﴾. يعنى بذلك تعالى ذكرُه: ويفرَحون بمن لم يلحَقْ بهم من إخوانِهم الذين فارقوهم وهم أحياءٌ في الدنيا على مناهجِهم، من جهادِ أعداءِ اللَّهِ مع رسولِه، لعلمِهم بأنهم إن اسْتُشهدوا فلحِقوا بهم، صاروا من كرامةِ اللَّهِ، إلى مثلِ الذي صاروا هم إليه، فهم لذلك مستبشرون بهم، فرِحون أنهم إذا صاروا كذلك، لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون، يعنى بذلك: لا خوفٌ عليهم؛ لأنهم قد أمِنوا عقابَ اللَّهِ، وأيقنوا برضاه عنهم، فقد أمِنوا الخوفَ الذي كانوا يَخافونه من ذلك في الدنيا، ولا هم يحزَنون على ما خلَّفوا وراءَهم من أسبابِ الدنيا، ونكَدِ عيشِها، للخفضِ الذي صاروا إليه، والدَّعَةِ والزُلْفَةِ (٥). ونصبُ ﴿أَلَّا﴾ بمعنى: يستبشرون لهم بأنهم لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزَنون.

стр. 4075

وبنحوِ ما قلنا في تأويلِ ذلك قال جماعةٌ من أهلِ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ الآية. يقولُ: لإخوانِهم الذين فارقوهم على دينِهم وأمرِهم؛ لِما قدِموا عليه من الكرامةِ والفضلِ والنعيمِ الذي أعطاهم (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ الآية. قال: يقولون (٢): إخوانُنا يُقتَلون كما قُتِلنا، يلحقون فيُصيبون مِن كرامةِ اللَّهِ تعالى ما أَصبْنا (٣). حُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ: ذُكر لنا عن بعضِهم في قولِه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾. قال: هم قتلى بدرٍ وأحدٍ، زعَموا أن اللَّهَ ﵎ لما قبَض أرواحَهم، وأَدْخَلهم الجنةَ، جُعِلت أرواحُهم في طيرٍ خُضْرٍ تَرْعَى في الجنةِ، وتأوِى إلى قناديلَ من ذهبٍ تحتَ العرشِ، فلما رأوْا ما أعطاهم اللَّهُ من الكرامةِ، قالوا: ليت إخوانَنا الذين بعدَنا يعلَمون ما نحن فيه، فإذا شهِدوا قتالًا تعجَّلوا إلى ما نحن فيه. فقال اللَّهُ ﵎: إنى منزِّلٌ على نبيِّكم، ومخبرٌ إخوانَكم بالذي أنتم فيه. ففرِحوا به واستبشروا، وقالوا: يُخبرُ اللَّهُ نبيَّكم وإخوانَكم بالذي أنتم فيه، فإذا شهدوا قتالًا أتوكم. قال فذلك قولُه: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، إِلى قولِه: ﴿أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

стр. 4076

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾. أي: ويُسَرُّون بلُحوقِ من لحِق بهم من إخوانِهم، على ما مضَوا عليه من جهادِهم، ليَشْرَكوهم فيما هم فيه من ثوابِ اللَّهِ الذي أعطاهم، وقد أَذْهب اللَّهُ عنهم الخوفَ والحزنَ (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾. قال: هم إخوانُهم من الشهداءِ ممن يُسْتَشهَدُ مِن بعدِهم: ﴿أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾، حتى بلَغ: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: أما ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾، فإن الشهيدَ يُؤْتَى بكتابٍ فيه مَن يقدَمُ عليه مِن إخوانِه وأهلِه، فيقالُ: يقدَمُ عليك فلانٌ يومَ كذا وكذا، ويقدَمُ عليك فلانٌ يومَ كذا وكذا. فيستَبْشرُ حينَ يَقْدَمُ عليه، كما يستبشرُ أهلُ الغائبِ بقدومِه في الدنيا (٢). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١)﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾: يفرَحون، ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ يعني: بما حبَاهم به تعالى ذكرُه من عظيمِ كرامتِه عندَ ورودِهم عليه، ﴿وَفَضْلٍ﴾ يقولُ: وبما أَسْبَغ عليهم من الفضلِ، وجزيلِ الثوابِ، على ما سلَف منهم مِن طاعةِ اللَّهِ وطاعةِ (٣) رسولِه ﷺ ، وجهادِ أعدائِه، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

стр. 4077

كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ الآية؛ لما عاينوا من وفاءِ الموعودِ، وعظيمِ الثوابِ (١). واخْتَلفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ فقرَأ ذلك بعضُهم بفتحِ الألفِ من "أَنَّ" (٢)، بمعنى: يستبشرون بنعمةٍ من اللَّهِ وفضلٍ، وبأن اللَّهَ لا يضيعُ أجرَ المؤمنين. [فموضعُ "أن" إذا فُتِحتُ خُفِض بالعطف على "الفضلِ". وقرأ ذلك آخرون: (وإن الله)] (٣) بكسرِ الألفِ على الاستئنافِ (٤). واحتج مَن قرَأ ذلك كذلك بأنها في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (وَفَضْلٍ وَاللَّهُ لا يُضِيعُ أَجْرَ المُؤْمنِين). قالوا: فذلك دليلٌ على أن قولَه: (وإن الله). مستأنَفٌ غيرُ متصلٍ بالأولِ. ومعنى قولِه: ﴿لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. لا يُبْطِلُ جزاءَ أعمالِ من صدَّق رسولَه واتَّبعه، وعمِل بما جاءَه به من عندِ اللَّهِ. وأولى القراءتين بالصوابِ قراءةُ من قرَأ ذلك: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾. بفتحِ الألفِ؛ الإجماعِ الحجَّةِ من القرأةِ على ذلك. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢)﴾. يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وأن اللَّهَ لا يضيعُ أجرَ المؤمنين، المستجيبين للَّهِ والرسولِ، من بعدِ ما أصابهم الجِراحُ والكُلُومُ (٥)، وإنما عنى اللَّهُ تعالى ذكرُه بذلك

стр. 4078

الذين اتَّبَعوا رسولَ اللَّهِ ﷺ إلى حَمراءِ الأسَدِ في طلبِ العدوِّ؛ أبي سفيانَ، ومن كان معه من مشرِكي قريشٍ، مُنْصرَفَهم عن أُحدٍ، وذلك أن أبا سفيانَ لما انصرَف عن أُحدٍ خرَج رسولُ اللَّهِ ﷺ في أثَرِه، حتى بلَغ حَمراءَ الأسَدِ، وهي على ثمانيةِ أميالٍ من المدينةِ، لِيُرِىَ الناسَ أن به وأصحابِه قوةً على عدوِّهم. كالذي حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، قال: ثنى حسينُ (١) بنُ عبدِ اللَّهِ، عن عكرمةَ، قال: كان يومُ أُحدٍ يومَ السبتَ للنصفِ من شوَّالٍ، فلما كان الغدُ من يومِ أُحدٍ، يومَ الأحدِ لستَّ عشْرةَ ليلةً مضَت من شوَّالٍ، أذَّن مؤذِّنُ رسولِ اللَّهِ ﷺ في الناسِ بطلَبِ العدوِّ، وأذَّن مؤذِّنُه: أن لا يخرُجَنَّ معنا أَحدٌ إلا من حضَر يومَنا بالأمسِ. فكلَّمه جابرُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن عمرِو بن حَرامٍ فقال: يا رسولَ اللَّهِ، إن أبي كان خلَّفني على أخواتٍ لى سبعٍ، وقال لي: يا بُنيَّ، إنه لا ينبغى لى ولا لك أن نترُكَ هؤلاء النسوةَ لا رجلَ فيهن، ولستُ بالذي أُوثِرُكَ بالجهادِ مع رسولِ اللَّهِ ﷺ على نفْسي، فتخلَّفْ على أخواتِك. فتخلَّفتُ عليهنَّ. فأذِن له رسولُ اللَّهِ ﷺ ، فخرَج معه، وإنما خرَج رسولُ اللَّهِ ﷺ مُرْهِبًا للعدوِّ؛ ليبلِّغَهم أنه خرَج في طلبِهم، ليظنُّوا به قوةً وأن الذي أصابهم لم يُوهِنْهم عن عدوِّهم (٢). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، قال: فحدثني عبدُ اللَّهِ بنُ خارجةَ بن زيدِ بن ثابتٍ، عن أبي السائبِ مولى عائشةَ بنتِ عثمانَ، أن رجلًا من أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ من بنى عبدِ الأَشْهِل، كان شهِد شهد أُحدًا قال:

стр. 4079

شهِدتُ مع رسولِ اللَّهِ ﷺ أحدًا أنا وأخٌ لى، فرجَعنا جريحين، فلما أذِن رسولُ اللَّهِ ﷺ بالخروجِ في طلبِ العدوِّ، قلتُ لأخى، أو قال لى: أتَفوتُنا غزوةٌ مع رسولِ اللَّهِ ﷺ ؟ واللَّهِ ما لنا من دابَّةٍ نركبُها، وما منا إلا جريحٌ ثقيلٌ، فخرَجنا مع رسولِ اللَّهِ ﷺ ، وكنتُ أيسرَ جُرْحًا منه، فكنتُ إذا غُلِب حمَلتُه عُقْبَةً (١)، ومشَى عُقْبةً، حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون، فخرَج رسولُ اللَّهِ ﷺ ، حتى انتهى إلى حَمراءِ الأسَدِ، وهى من المدينةِ على ثمانيةِ أميالٍ، فأقام بها ثلاثًا؛ الاثنينَ والثلاثاءَ والأربِعاءَ، ثم رجَع إلى المدينةِ (٢). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: فقال اللَّهُ ﵎: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾. أي الجراحُ، وهم الذين ساروا مع رسولِ اللَّهِ ﷺ الغدَ من يومِ أُحدٍ إلى حَمراءِ الأسَدِ، على ما بهم من ألمِ الجرِاحِ، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ الآية. وذلك يومَ أُحدٍ بعدَ القتلِ والجراحِ، وبعدَ ما انصرَف المشركون؛ أبو سفيانَ وأصحابُه، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ لأصحابِه: "أَلا عصابةٌ تنتدبُ (٤) لأمرِ اللَّهِ تطلُبُ عدوَّها، فإنه أنكى للعدوِّ، وأبعدُ للسَّمْعِ". فانطلَق عصابةٌ منهم على ما يَعْلَمُ اللَّهُ تعالى من الجهدِ (٥).

стр. 4080

حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: انطلَق أبو سفيانَ منصرِفًا من أُحدٍ، حتى بلَغ بعضَ الطريقِ، ثم إنهم ندِموا وقالوا: بئْسَما صنَعتُم (١)، إنكم قتَلْتُموهم، حتى إذا لم يبقَ منهم إلا الشَّريدُ ترَكتُموهم! ارجِعوا واستأصِلوهم. فقذَف اللَّهُ في قلوبِهم الرُّعبَ، فهُزِموا، فأَخْبَر اللَّهُ رسولَه، فطلَبهم حتى بلَغ حمراءِ الأسَدِ، ثم رجَعوا من حَمراءِ الأسَدِ، فأَنْزَلَ اللَّهُ جلَّ ثناؤُه فيهم: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: إن اللَّهَ جلَّ وعزَّ قذَف في قلبِ أبي سفيانَ الرُّعبَ - يعني يومَ أُحدٍ - بعدَ ما كان منه ما كان، فرجَع إلى مكةَ، فقال النبيُّ ﷺ : "إن أبا سفيانَ قد أصاب منكم طَرْفًا، وقد رجَع، وقذَف اللَّهُ في قلبِه الرعبَ". وكانت وقعةُ أحدٍ في شوَّالٍ، وكان التُّجارُ يَقدَمون المدينةَ في ذى القَعدةِ، فينزِلون ببدرٍ الصُّغْرَى في كلِّ سنةِ مرَّةً، وإنهم قدِموا بعدَ وقْعةِ أُحدٍ، وكان أصاب المؤمنين القَرْحُ، واشتكَوا ذلك إلى نبيِّ اللَّهِ ﷺ ، واشتَدَّ عليهم الذي أصابَهم، وإن رسولَ اللَّهِ ندَب الناسَ لينطلِقوا معه، ويتَّبِعوا ما كانوا مُتَّبِعين، وقال (٣): "إنما يرتَحِلون الآنَ، فيأتُونَ الحجَّ ولا يقدِرون على مثلِها حتى عامٍ مُقبلٍ". فجاء الشيطانُ فخوَّف أولياءَه، فقال: إن الناسَ قد جمَعوا لكم. فأبى عليه الناسُ أن يتَّبِعوه، فقال: "إني ذاهبٌ، وإن لم يتَّبِعْني أَحدٌ لأُحضِّضَ الناسَ". فانْتَدَب معه أبو بكرٍ الصديقُ، وعمرُ، وعثمانُ، وعليٌّ، والزبيرُ، وسعدٌ، وطلحةُ، وعبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ، وعبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ،

стр. 4081

وحذيفةُ بنُ اليمانِ، وأبو عُبيدةَ بنُ الجرَّاحِ في سبعين رَجُلًا، فساروا في طلبِ أبي سفيانَ، فطلَبوه حتى بلَغوا الصَّفْراءَ (١)، فأَنْزل اللَّهُ تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (٢). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هاشمُ بنُ القاسمِ، قال: ثنا أبو سعيدٍ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، أنها قالت لعبدِ اللَّهِ بن الزبيرِ: يا بنَ أُختى، أَمَا واللَّهِ إن أباك وجدَّك - تعنى أبا بكرٍ والزبيرَ - لمِن الذين قال اللَّهُ تعالى فيهم: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: أُخْبِرتُ أن أبا سفيانَ بنَ حربٍ لما راحَ هو وأصحابُه يومَ أُحدٍ، قال المسلمون للنبيِّ ﷺ : إنهم عامِدون إلى المدينةِ. فقال: "إن رَكِبوا الخيلَ وترَكوا الأثقالَ، فإنهم عامِدون إلى المدينةِ، وإن جلَسوا على الأثقالِ وترَكوا (٤) الخيلَ، فقد رَعَبَهم (٥) اللَّهُ ولَيْسوا بعامِدِيها". فركِبوا الأثْقالَ، فرعَبهم اللَّهُ، ثم ندَب ناسًا يتْبَعونهم؛ ليُرَوا أن بهم قوةً، فأَتْبَعوهم ليلتَيْن أو ثلاثًا، فنزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ (٦).

стр. 4082

حدَّثني سعيدُ بنُ الرَّبيعِ، قال: ثنا سفيانُ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، قال: قالت لى عائشةُ: إن كان أبَوَاك لمن الذين استجابوا للَّهِ والرسولِ من بعدِ ما أصابهم القرحُ. تعنى أبا بكرٍ والزبيرَ (١). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: كان عبدُ اللَّهِ من الذين استجابوا للَّهِ والرسولِ (٢). قال أبو جعفرٍ: فوعَد اللَّهُ مُحسِنَ مَن ذكَرنا أمرَه - من أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ؛ الذين استجابوا للَّهِ والرسولِ من بعدِ ما أصابهم القَرْحُ، إذا اتَّقى اللَّهَ فخافه، فأدَّى فرائضَه، وأطاعه في أمرِه ونهيِه فيما يَستقبِلُ من عُمُرِه - أجرًا عظيمًا، وذلك الثوابُ الجزيلُ، والجزاءُ العظيمُ، على ما قدَّم من صالحِ أعمالِه في الدنيا. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾. يعنى بذلك تعالى ذِكرُه: وأن اللَّهَ لا يُضيعُ أجرَ المؤمنين، الذين قال لهم الناسُ: إن الناسَ قد جمَعوا لكم. و ﴿الَّذِينَ﴾ في موضعِ خفضٍ، مردودٌ على ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾. وهذه الصفةُ من صفةِ الذين استجابوا للَّهِ والرسولِ. و ﴿النَّاسُ﴾ الأوَّلُ: هم قومٌ - فيما ذُكِر لنا - كان أبو سفيانَ قد سأَلهم أن يُثبِّطوا رسولَ اللَّهِ ﷺ وأصحابَه الذين خرَجوا في طلَبِه بعدَ مُنصرَفِه عن أُحدٍ إلى حَمراءِ الأسَدِ. و ﴿النَّاسُ﴾ الثاني: هم أبو سفيانَ وأصحابُه من قريشٍ الذين كانوا معه بأُحدٍ.

стр. 4083

يعني بقولِه: ﴿قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾. قد جمَعوا الرجالَ للقائِكم والكرَّةِ إليكم لحربِكم. ﴿فَاخْشَوْهُمْ﴾، يقولُ: فاحْذَروهم، واتَّقوا لقاءَهم؛ فإنه لا طاقةَ لكم بهم. ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾، يقولُ: فزادهم ذلك من تخويفِ مَن خوَّفهم أمرَ أبى سفيانَ وأصحابِه من المشركين، يقينًا إلى يقينِهم، وتصديقًا للَّهِ ولوعدِه ووعدِ رسولِه إلى تصديقِهم، ولم يُثْنِهم ذلك عن وجهِهم، الذي أمَرهم رسولُ اللَّهِ ﷺ بالسيرِ فيه. ولكن ساروا حتى بلَغوا رضوانَ اللَّهِ منه. ﴿وَقَالُوا﴾ - ثقةً باللَّهِ، وتوكُّلًا عليه، إذ خوَّفهم مَن خوَّفهم أبا سفيانَ وأصحابَه من المشركين -: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾. يعنى بقولِه: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ﴾. كفانا (١) اللَّهُ، يعنى (٢): يكفينا اللَّهُ. ﴿وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾، يقولُ: ونعْمَ المَوْلى لمن ولِيَه وكفَله. وإنما وصَف تعالى نفسَه بذلك؛ لأن "الوكيلَ" في كلامِ العربِ: هو المُسْنَدُ إليه القيامُ بأمرِ مَن أَسْنَد إليه القيامَ بأمرِه، فلما كان القومُ الذين وصَفهم اللَّهُ بما وصَفهم به في هذه الآياتِ، قد كانوا فوَّضوا أمرَهم إلى اللَّهِ، ووثِقوا به، وأَسْنَدوا ذلك إليه، وصَف نفسَه بقيامِه لهم بذلك، وتفويضِهم أمرَهم إليه بالوَكالةِ، فقال: ونِعْم الوكيلُ اللَّهُ تعالى لهم. واخْتَلف أهلُ التأويلِ في الوقتِ الذي قال مَن قال لأصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ : ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: قيل ذلك لهم في وجهِهم الذي خرَجوا فيه مع رسولِ اللَّهِ ﷺ من أُحدٍ إلى حَمَراءِ الأسَدِ، في طلبِ أبي سفيانَ ومَن معه من المشركين.

стр. 4084

ذكرُ مَن قال ذلك، وذكرُ السببِ الذي من أجلِه قيل ذلك، ومَن قائلُه حدَّثنا محمدُ بنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن عبدِ اللَّهِ بن أبي بكرِ بن محمدِ بن عمرِو بن حزمٍ، قال: مرَّ به - يعني برسولِ اللَّهِ ﷺ مَعْبدٌ الخُزاعيُّ بحمراءِ الأسَدِ، وكانت خزاعةُ، مسلمُهم ومشركُهم، عَيْبةَ (١) نُصحٍ الرسولِ اللَّهِ ﷺ بتِهَامةَ، صَفْقَتُهم معه، لا يُخفون عليه شيئًا كان بها، ومعبدٌ يومَئذٍ مشركٌ، فقال: يا محمدُ، أَمَا واللَّهِ لقد عزَّ علينا ما أصابك في أصحابِك، ولَوَدِدنا أن اللَّهَ كان أعفاك فيهم. ثم خرَج من عندِ رسولِ اللَّهِ ﷺ بحمراءِ (٢) الأسَدِ، حتى لقِى أبا سفيانَ بنَ حربٍ ومن معه بالرَّوْحاءِ، قد أَجْمعوا الرَّجْعةَ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ وأصحابِه، وقالوا: أصبْنا حَدَّ (٣) أصحابِه وقادتَهم وأشرافَهم، ثم نرجِعُ قبلَ أن نستأصِلَهم؟! لنكُرَّنَّ على بقيَّتِهم، فلْنفرُغَنَّ منهم. فلما رأى أبو سفيانَ مَعْبدًا، قال: ما وراءَك يا معبدُ؟ قال: محمدٌ قد خرَج في أصحابِه يطلُبُكم في جمعٍ لم أرَ مثلَه قطُّ، يتحرَّقون عليكم تحرُّقًا، قد اجْتَمع معه من كان تخلَّف عنه في يومِكم، وندِموا على ما صنَعوا، فيهم (٤) من الحَنَقِ عليكم شيءٌ (٥) لم أرَ مثلَه قطُّ. قال: ويْلَك ما تقولُ؟ قال: واللَّهِ ما أراك ترتحلُ حتى ترى نواصيَ الخيلِ. قال: فواللَّهِ لقد أَجْمَعْنا الكرَّةَ عليهم لنستأصلَ بقيَّتَهم، قال: فإني أنهاك عن ذلك، فواللَّهِ لقد حمَلني ما رأيتُ على أن قلتُ فيه أبياتًا من شعرٍ! قال: وما قلتَ؟ قال: قلتُ (٦):

стр. 4085

كادَتْ تُهَدُّ من الأصواتِ راحلتى … إذْ سالتِ الأرضُ بالجُرْدِ (١) الأبابِيلِ (٢) تَرْدِي (٣) بأُسْدٍ كرامٍ لا تَنابلةٍ (٤) … عندَ اللِّقاءِ ولا مِيلٍ (٥) مَعَازيلِ (٦) فظَلْتُ عَدْوًا (٧) أظُنُّ الأرضَ مائلةً … لما سَمَوا برئيسٍ غيرِ مَخْذولِ فقلتُ ويلَ ابن حربٍ من لقائِكمُ … إذا تَغَطْمَطَت (٨) البطحاءُ بالجيلِ (٩) إنّي نذيرٌ لأهلِ البَسْلِ (١٠) ضاحيةً … لكلِّ ذى إرْبةٍ منهم ومَعْقولِ مِن جيشِ أحمدَ لا وَخْشٍ (١١) تَنَابلةٍ … وليس يُوصَفُ ما أَنْذَرتُ بالقيلِ

стр. 4086

قال: فثَنى ذلك أبا سفيانَ ومن معه، ومرَّ به رَكْبٌ من عبدِ القَيْسِ، فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريدُ المدينةِ. قال: ولِمَ؟ قالوا: نريدُ المِيرةَ. قال: فهل أنتم مُبلِّغون عنى محمدًا رسالةً أُرسلُكم بها إليه (١)، وأُحَمِّلُ لكم إبلَكم هذه غدًا زبيبًا بعُكاظَ إذا وافيتُموها؟ قالوا: نعم. قال: فإذا جئْتُموه فأخبِروه أنا قد أجْمَعنا السيرَ إليه وإلى أصحابِه؛ لنستأصلَ بقيَّتَهم، فمرَّ الرَّكْبُ برسولِ اللَّهِ ﷺ وهو بحمراءِ الأسَدِ، فأخبروه بالذي قال أبو سفيانَ، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ (٢): "حَسْبُنا اللَّهُ ونعمَ الوكيلُ" (٣). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: فقال اللَّهُ: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾. والناسُ الذين قال لهم ما قالوا، النفرُ من عبدِ القيسِ، الذين قال لهم (٤) أبو سفيانَ ما قال؛ إن أبا سفيانَ ومن معه راجعون إليكم. يقولُ اللَّهُ ﵎: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ الآية (٥). حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، قال: لما ندِموا - يعنى: أبا سفيانَ وأصحابِه - على الرجوعِ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ وأصحابِه وقالوا: ارجعوا فاستأصِلوهم فقذَف اللَّهُ في قلوبِهم الرُّعْبَ فهُزِموا، فلَقُوا أَعرابيًّا، فجعَلوا له جُعْلًا، فقالوا له: إن لقيتَ محمدًا وأصحابَه فأخبرْهم أنا قد جمَعنا لهم،

стр. 4087

فأخبرَ اللَّهُ جلَّ ثناؤُه رسولَه ﷺ ، فطلَبهم حتى بلَغ حَمراءِ الأسَدِ، فلقُوا الأعرابيَّ في الطريقِ، فأخبَرهم الخبرَ، فقالوا: حَسْبُنا اللَّهُ ونعمَ الوكيلُ. ثم رجَعوا من حمراءِ الأسَدِ، فأَنْزَل اللَّهُ تعالى فيهم، وفى الأعرابيِّ الذي لقِيَهم: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: استقبل أبو سفيانَ في مُنصرَفِه من أُحدٍ عيرًا واردةً المدينةَ ببضاعةٍ لهم، وبينهم وبينَ النبيِّ ﷺ جِبالٌ، فقال: إن لكم عليَّ رضاكم إن أنتم ردَدتُم على محمدًا ومن معه، إن أنتم وجَدتموه في طلَبي، وأخبرتموه أني قد جمَعت له جموعًا كثيرةً، فاستقبلَت العيرُ رسولَ اللَّهِ ﷺ ، فقالوا له: يا محمدُ، إنا نخبرُك أن أبا سفيانَ قد جمَع لك جموعًا كثيرةً، وأنه مقبلٌ إلى المدينةِ، وإن شئتَ أن ترجِعَ فافعَلْ، ولم يَزِدْه ذلك ومن معه إلا يقينًا، وقالوا: حَسْبُنا اللَّهُ ونعمَ الوكيلُ. فأَنْزَل اللَّهُ ﵎: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: انطلَق رسولُ اللَّهِ ﷺ وعصابةٌ من أصحابِه بعدَ ما انصرَف أبو سفيانَ وأصحابُه من أُحدٍ خلْفَهم، حتى كانوا بذي الحُلَيفةِ، فجعَل الأعرابُ والناسُ يأتون عليهم، فيقولون لهم: هذا أبو سفيانَ مائلٌ عليكم بالناسِ، فقالوا: حَسْبُنا اللَّهُ ونعمَ الوكيلُ. فأَنْزل اللَّهُ تعالى فيهم: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا

стр. 4088

وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (١). وقال آخرون: بل قال ذلك لرسولِ اللَّهِ ﷺ وأصحابِه من قال ذلك له في غزوةِ بدرٍ الصُّغرى، وذلك في مسيرِ النبيِّ ﷺ من عامِ قابلٍ من وقعةِ أُحدٍ، للقاءِ عدوِّه أبى سفيانَ وأصحابِه، للموعدِ الذي كان واعَده الالتقاءَ بها. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾. قال: هذا أبو سفيانَ، قال لمحمدٍ ﷺ : موعدُكم بدرٌ حيثُ قتَلتُم أصحابَنا. فقال: محمدٌ ﷺ "عسى". فانطلق رسولُ اللَّهِ ﷺ لموعدِه حتى نزَل بدرًا، فوافقوا السوقَ فيها، وابتاعوا، فذلك قولُه ﵎: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾. وهى غزوةُ بدرٍ الصُّغرى (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه، وزاد فيه: وهى بدرٌ الصغرى. قال ابن جُريجٍ: لما عمَد النبيُّ ﷺ لموعدِ أبي سفيانَ، فجعَلوا يلقَوْن المشركينَ، ويسألونهم عن قريشٍ، فيقولون: قد جَمعوا لكم. يكِيدونهم بذلك، يريدون أن يَرْعَبوهم، فيقولُ المؤمنون: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ الله. حتى قدِموا بدرًا، فوجَدوا أسواقَها عافيةً لم ينازِعْهم فيها أحدٌ، وقدِم رجلٌ من المشركين، فأَخْبَر أهلَ مكةَ بخيلِ محمدٍ ﵇، وقال

стр. 4089

في ذلك (١): نفَرَتْ قُلُوصى عن خيولِ محمدِ وعَجْوةٍ منثورةٍ كالعُنْجُدِ (٢) واتَّخَذَتْ ماءَ قُدَيدٍ (٣) مَوْعدى قال أبو جعفرٍ: هكذا أنشدنا القاسمُ، وهو خطأٌ، وإنما هو: قد نفَرَتْ من رُفْقَتى محمدِ وعَجْوةٍ من يثربٍ كالعُنْجُدِ تَهْوِى على دينِ أبيها الأَتْلدِ قد جعَلَتْ ماءَ قُدَيدٍ مَوْعدى وماءَ ضَجْنانَ لها ضُحَى الغدِ (٤) حدَّثني الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا ابن عُيينةَ، عن عمرٍو، عن عكرمةَ، قال: كانت بدرٌ متجرًا في الجاهليةِ، فخرَج ناسٌ من المسلمين يريدونه، فلقِيهم ناسٌ من المشركين، فقالوا لهم: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾. فأما الجبانُ فرجَع، وأما الشُّجاعُ فأخَذ الأُهْبةَ للقتالِ، وأهبةَ التجارةِ، وقالوا: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾. فأَتَوْهم فلم يلْقَوا أحدًا، فأَنْزَل اللَّهُ فيهم: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ (٥).

стр. 4090

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا ابن عُيينةَ، قال: أخبرني زكريا، عن الشعبيِّ، عن عبدِ اللَّهِ بن عمرٍو، قال: هي كلمةُ إبراهيمَ ﷺ حينَ أُلقِىَ في النارِ، فقال: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (١). وأولى القولين في ذلك بالصوابِ قولُ من قال: إن الذي قيل لرسولِ اللَّهِ ﷺ وأصحابِه، من أن الناسَ قد جَمعوا لكم فاخشَوْهم. كان في حالِ خُروجِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، وخُروجِ مَن خرَج معه في أَثرِ أبى سفيانَ ومن كان معه من مشركي قريشٍ، منصرفَهم عن أُحدٍ إلى حَمراءِ الأسَدِ؛ لأن اللَّهَ تعالى ذِكرُه إنما مدَح الذين وصَفهم بقيلِهم: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾. لما قيل لهم: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾. بعدَ الذي قد كان نالهم من القروحِ والكُلُومِ، بقولِه: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾. ولم تكنْ هذه الصفةُ إلا صفةَ من تَبِع رسولَ اللَّهِ ﷺ ، من جَرْحَى أصحابِه بأُحدٍ إلى حَمراءِ الأسَدِ. فأما (٢) الذين خرَجوا معه إلى غزوةِ بدرٍ الصُّغرى، فإنه لم يكُنْ فيهم جريحٌ، إلا جريحٌ قد تقادَم اندمالُ جُرْحِه، وبرَأ كَلْمُه. وذلك أن رسولَ اللَّهِ ﷺ إنما خرَج إلى بدرٍ الخَرْجةَ الثانيةَ إليها لموعدِ أبي سفيانَ الذي كان واعَده اللقاءَ بها بعدَ سنةٍ من غزوةِ أُحدٍ [في قولِ بعضٍ، وفي قولِ آخرين: خرج إليها بعدَما مضى عشرةُ أشهرٍ من أحدٍ] (٣)، في شعبانَ سنةَ أربعٍ من الهجرةِ. وذلك أن وقعةَ أُحدٍ كانت في النصفِ من شوَّالٍ من سنةِ ثلاثٍ، وخُروجَ النبيَّ ﷺ لغزوةِ بدرٍ الصُّغرى إليها في شعبانَ من سنةِ أربعٍ، ولم يكنْ للنبيِّ ﷺ بينَ ذلك وقعةٌ مع المشركين كانت بينَهم فيها حربٌ جُرحِ فيها

стр. 4091

أصحابُه، ولكن قد كان قُتِل في وقعةِ الرَّجِيعِ من أصحابِه جماعةٌ لم يشهَدْ أحدٌ منهم غزوةَ بدرٍ الصُّغْرَى، وكانت وقعةُ الرَّجِيعِ فيما بينَ وقعةِ أُحدٍ، وغزوةِ النبيَّ ﷺ بدرًا الصُّغرى. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤)﴾. يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾. فانصرَف الذين استجابوا للَّهِ والرسولِ من بعدِ ما أصابَهم القرْحُ، من وجهِهم الذي توجَّهوا فيه، وهو سيرُهم في أثَرِ عدوِّهم إلى حَمراءِ الأسَدِ. ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾، يعني: بعافيةٍ من ربِّهم، لم يَلْقَوا بها عدوًّا، ﴿وَفَضْلٍ﴾، يعنى ما (١) أصابوا فيها من الأرباحِ بتجارتِهم التي تَجَروا بها، والأجرِ الذي اكتسبوه، ﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾. يعنى: لم ينَلْهم بها مكروةٌ من عدوِّهم ولا أذًى، ﴿وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ﴾. يعنى بذلك: أنهم أَرْضَوا اللَّهَ بفعلِهم ذلك، واتباعِهم رسولَه إلى ما دعاهم إليه، من اتباعِ أَثرِ (٢) العدوِّ وطاعتِهم، ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾. يعنى: واللَّهُ ذو إحسانٍ وطَوْلٍ عليهم، بصرفِ عدوِّهم الذي كانوا قد همُّوا بالكرَّةِ إليهم، وغيرِ ذلك من أياديه عندَهم، وعلى غيرِهم بنعَمِه، ﴿عَظِيمٍ﴾ عندَ من أَنْعَم به عليه من خلقِه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ من أهلِ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾. قال: والفضلُ ما أصابوا من

стр. 4092

التجارةِ والأجرِ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: وافقوا السوقَ فابتاعوا، وذلك قولُه: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾. قال: الفضلُ ما أصابوا من التجارةِ والأجرِ. قال ابن جُريجٍ: ما أصابوا من البيعِ نعمةٌ من اللَّهِ وفضلٌ، أصابوا عفوَه وعزَّتَه، لا ينازِعُهم فيه أحدٌ. قال: وقولُه: ﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾. قال: قَتْلٌ. ﴿وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ﴾. قال: طاعة النبيِّ ﷺ . حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾. لما صرَف عنهم من لقاءِ عدوِّهم (٢). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: أطاعوا اللَّهَ، وابتغَوا حاجتَهم، ولم يؤذِهم أحدٌ: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ (٣). حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، قال: أعطَى رسولُ اللَّهِ ﷺ أصحابِه (٤) - يعني: حينَ خرَج إلى غزوةِ بدرٍ الصغرى - ببدرٍ دراهمَ ابتاعوا بها من موسمِ بدرٍ، فأصابوا تجارةً، فذلك قولُ اللَّهِ : ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ﴾. أما "النعمةُ"، فهى العافيةُ،

стр. 4093

وأما "الفضلُ" فالتجارةُ، و "السوءُ" القتلُ (١). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾. يعنى بذلك تعالى ذكرُه: إنما الذي قال لكم، أيها المؤمنون: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ فخوَّفوكم بجموعِ عدوِّكم، ومسيرِهم إليكم، من فعلِ الشيطانِ ألقاه على أفواهِ من قال ذلك لكم، يخوِّفُكم بأوليائِه من المشركين؛ أبي سفيانَ وأصحابِه من قريشٍ، لتَرْهَبوهم، وتَجْبُنوا عنهم. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾: يخوِّفُ واللَّهِ المؤمنَ بالكافرِ، ويُرْهِبُ المؤمنَ بالكافرِ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال مجاهدٌ قولَه: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾. قال: يخوِّفُ المؤمنين بالكفارِ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾. يقولُ: الشيطانُ يخوِّفُ المؤمنين بأوليائِه (٤). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾: أي: أولئك الرهطُ - يعنى النفرَ من عبدِ القيسِ - الذين قالوا

стр. 4094

لرسولِ اللَّهِ ﷺ ما قالوا، وما أَلقى الشيطانُ على أفواهِهم، ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾. أي: يُرْهبُكُم بأوليائِه (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا عليُّ بنُ مَعْبَدٍ، عن عتَّابِ بن بشيرٍ، مولى قريشٍ، عن سالمٍ الأَفْطسِ في قولِه: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾. قال: يُخوِّفُكم بأوليائِه. وقال آخرون: معنى ذلك: إنما ذلكم الشيطانُ يعظِّمُ أمرَ المشركين، أيها المنافقون، في أنفسِكم لتخافونه (٢). ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: ذكَر أمرَ المشركين وعظَّمهم في أعينِ المنافقين، فقال ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾. يقولُ: يعظِّمُ أولياءَه في صدورِكم فتخافونَهم (٣). فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾. وهل يخوِّفُ الشيطانُ أولياءَه؟ [وكيف] (٤) قيل: إن كان معناه: يخوِّفُكم بأوليائِه: ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾؟ قيل: ذلك نظيرُ قولِه: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ [الكهف: ٢]. بمعنى: لينذرَكم بأسَه الشديدَ، وذلك أن البأسَ لا يُنذَرُ، وإنما يُنْذَرُ به (٥). وقد كان بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ البصرةِ يقولُ: معنى ذلك: يخوِّفُ الناسَ

стр. 4095

أولياءَه، كقولِ القائلِ: هو يُعْطِى الدراهمَ، ويكسو الثيابَ. بمعنى: هو يُعطِى الناسَ الدراهمَ، ويكْسُوهم الثيابَ، فحذَف ذلك للاستغناءِ عنه. وليس الذي شبَّه من (١) ذلك بمشتَبِهٍ (٢)، لأن الدراهمَ في قولِ القائلِ: هو يُعطى الدراهمَ. معلومٌ أن المعطَى هي الدراهمُ، وليس كذلك الأولياءُ في قولِه: ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾. مخوَّفين، بل التخويفُ من الأولياءِ لغيرِهم، فلذلك افْتَرقا. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾. يعني تعالى ذكرُه: فلا تخافوا أيها المؤمنون المشركين، ولا يعظُمَنَّ عليكم أمرُهم، ولا تَرْهَبوا جمعَهم مع طاعتِكم إياى؛ ما أطعْتَموني، واتبعتم أمرى، وإني متكفِّلٌ (٣) لكم بالنصرِ والظَّفَرِ، ولكن خافونِ، واتقوا أن تَعصُوني، وتخالفوا أَمْرِى، فتَهلِكوا، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: ولكن خافونى دونَ المشركين، ودونَ جميعِ خلقى أن تخالفوا أَمرِى، إن كنتم مصدِّقي رسُولي، وما جاءكم به من عندِي. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولا يَحْزُنْك يا محمدُ كفرُ الذين يسارعون في الكفرِ، مرتدِّين على أعقابِهم من أهلِ النفاقِ، فإنهم لن يضرُّوا اللَّهَ شيئًا بمسارعتِهم في الكفرِ، كما أن مسارعتَهم لو سارعوا إلى الإيمانِ لم تكنْ بنافعتِه، فكذلك مسارعتُهم إلى الكفرِ غيرُ ضارَّتِه.

стр. 4096

كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾. يعنى: إنهم (١) المنافقون (٢). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾. أي: المنافقون (٣). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٧٦)﴾. يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: يريدُ اللَّهُ ألا يجعلَ لهؤلاء الذين يسارعون في الكفرِ نصيبًا في ثوابِ الآخرةِ، فلذلك خذَلهم فسارعوا فيه، ثم أَخْبَر أنهم مع حِرمانِهم ما حُرِموا من ثوابِ الآخرةِ، لهم عذابٌ عظيمٌ في الآخرةِ، وذلك عذابُ النارِ. وقال ابن إسحاقَ في ذلك بما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ﴾: أَن يُحْبِطَ أعمالَهم (٤). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٧)﴾. يعنى بذلك تعالى ذكرُه المنافقين الذين تقدَّم إلى نبيِّه ﷺ فيهم، ألَّا يحزنَه مسارعتُهم إلى الكفرِ، فقال لنبيِّه ﷺ : إن هؤلاء الذين ابتاعوا الكفرَ بإيمانِهم، فارتدُّوا عن إيمانِهم بعدَ دخولِهم فيه، ورضُوا بالكفرِ باللَّهِ وبرسولِه، عوضًا من

стр. 4097

الإيمانِ، لن يضرُّوا اللَّهَ بكفرِهم، وارتدادِهم عن إيمانِهم شيئًا، بل إنما يضرُّون بذلك أنفسَهم بإيجابِهم بذلك لها من عقابِ اللَّهِ ما لا قِبلَ لها به. وإنما حثَّ اللَّهُ عزَّ ذكرُه بهذه الآياتِ من قولِه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ الله﴾. إلى هذه الآيةِ - عبادَه المؤمنين على إخلاصِ اليقينِ، والانقطاعِ إليه في أمورِهم، والرضا به ناصرًا وحدَه دونَ غيرِه منِ سائرِ خلقِه، ورغَّب بذلك في جهادِ أعدائِه وأعداءِ دينِه، وشجَّع بها قلوبَهم، وأَعْلَمهم أن من ولِيه بنصرِه، فلن يُخْذَلَ، ولو اجتمع عليه جميعُ من خالَفه وحادَّه، وأن من خذَله، فلن ينصُرَه ناصِرٌ ينفَعُه نصرُه ولو كثُرت أعوانُه [ونصراؤُه] (١). كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾: أي المنافقين، ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: أي مُوجعٌ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: هم المنافقون (٢). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨)﴾. يعنى بذلك تعالى ذكرُه: ولا يظُنَّنَّ الذين كفَروا باللَّهِ ورسولِه، وما جاء به من عندِ اللَّهِ، أن إملاءَنا لهم (٣) خيرٌ لأنفسِهم. ويعنى بالإملاءِ: الإطالةَ في العمُرِ، والإنساءَ في الأجلِ، ومنه قوله جلَّ ثناؤُه:

стр. 4098

﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦]. أي حينًا طويلًا. ومنه قيل: عِشْتَ طويلًا، وتملَّيتَ حَبِيبًا (١). والملا نفسُه: الدهرُ، والملَوانِ: الليلُ والنهارُ. ومنه قولُ تميمِ بن مُقْبِل (٢): ألا يا ديارَ الحَيِّ بالسَّبُعانِ (٣) … أملَّ عليها بالبِلَى المَلوَانِ يعنى بالمَلَوينِ (٤): الليلَ والنهارَ. وقد اخْتَلفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ﴾، فقرأ ذلك جماعةٌ منهم: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ﴾ بالياءِ، وبفتحِ الألفِ من قولِه: ﴿أَنَّمَا﴾، على المعنى الذي وصَفتُ من تأويلِه (٥). وقرأه آخرون: (ولَا تَحْسَبنَّ) بالتاءِ، و ﴿أَنَّمَا﴾، أيضا بفتحِ الألفِ من "أَنَّما"، بمعنى: ولا تَحْسَبَنَّ يا محمدُ أنت (٦) الذين كفَروا أنما نُمْلِى لهم خيرٌ لأنفسِهم (٧). فإن قال قائلٌ: فما الذي من أجلِه فُتحِت الألفُ من قولِه: ﴿أَنَّمَا﴾. في قراءةِ من قرأ: (تَحْسَبَنَّ). بالتاءِ، وقد علِمتَ أن ذلك إذا قُرِئ بالتاءِ، فقد أَعْملتَ ﴿يَحْسَبَنَّ﴾ في ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وإذا أعملتَها في ذلك لم يجُزْ لها أن تقعَ على "أنما"؛ لأن "أنما" إنما يعمَلُ فيها عاملٌ يعمَلُ في شيئين نصبًا؟ قيل: أما الصوابُ في العربيةِ، ووجهُ الكلامِ المعروفُ من كلامِ العربِ كَسْرُ

стр. 4099

"إنَّ" إذا قُرِئت (تَحْسَبنَّ) بالتاءِ؛ لأن (تَحْسَبَنَّ) إذا قُرِئت بالتاءِ، فإنها قد نصَبت ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، فلا يجوزُ أن تعمَلَ، وقد نصَبتْ اسمًا، في "أن"، ولكنى أظُنُّ أن من قرَأ ذلك بالتاءِ في (تحسَبَنَّ)، وفتحِ الألفِ من ﴿أَنَّمَا﴾، إنما أراد تكريرَ (تحسبَنَّ) على ﴿أَنَّمَا﴾، كأنه قصَد إلى أن معنى الكلامِ: ولا تحسبَنَّ يا محمدُ أنت الذين كفَروا، لا تحسبَنَّ أنما نملى لهم خيرٌ لأنفسِهم، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ [محمد: ١٨] بتأويلِ: هل ينظُرون إلا الساعةَ، هل ينظُرون إلا أن تأتيَهم بغتةً؟ وذلك وإن كان وجهًا جائزًا في العربيةِ، فوجهُ كلامِ العربِ ما وصَفنا قبلُ. والصوابُ من القراءةِ في ذلك عندَنا قراءةُ من قرأ: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. بالياءِ من ﴿يَحْسَبَنَّ﴾، وبفتحِ الألفِ من ﴿أَنَّمَا﴾، على معنى أنَّ (١) الحِسْبانَ للذين كفَروا دونَ غيرِهم، ثم يعمَلُ في ﴿أَنَّمَا﴾ نصبًا؛ لأن ﴿يَحْسَبَنَّ﴾ حينَئذٍ لم تشْغَلْ بشيءٍ عُمِلت فيه، وهى تطلُب منصوبين. وإنما اخْتَرنا ذلك لإجماعِ القرأةِ على فتحِ الألفِ من ﴿أَنَّمَا﴾ الأُولى، فدلَّ ذلك على أن القراءةَ الصحيحةَ في ﴿يَحْسَبَنَّ﴾ بالياءِ (٢) لما وصَفنا. وأما ألفُ ﴿أَنَّمَا﴾ الثانيةِ فبالكسرِ (٣) على الابتداءِ بإجماعٍ من القرأةِ عليه. وتأويلُ قولِه: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾: إنما نؤخِّرُ آجالَهم فنُطِيلُها (٤). ﴿لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾، يقولُ: يكتسِبوا المعاصىَ، فتزدادَ آثامُهم وتكثُرَ.

стр. 4100

﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾، يقولُ: ولهؤلاء الذين كفَروا باللَّهِ ورسولِه في الآخرةِ عقوبةٌ لهم مُهينةٌ مُذلَّةٌ. وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك جاء الأثرُ. حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن خَيْثمةَ، عن الأسودِ، قال: قال عبدُ اللَّهِ: ما من نفسٍ برَّةٍ ولا فاجرةٍ إلا والموتُ خيرٌ لها. وقرأ: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾. وقرأ: ﴿نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ (١) [آل عمران: ١٩٨]. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾. يعنى بقولِه جلَّ ثناؤه: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾: ما كان اللَّهُ ليدعَ المؤمنين، على ما أنتم عليه من التباسِ المؤمنِ منكم بالمنافقِ، فلا يُعرَفَ هذا من هذا، ﴿حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾. يعنى بذلك: حتى يميزَ الخبيثَ، وهو المنافقُ المُسْتَسِرُّ للكفرِ، من الطيِّبِ، وهو المؤمنُ المخلصُ الصادقُ الإيمانِ - بالمحنِ والاختبارِ، كما ميَّز بينَهم يومَ أُحدٍ، عندَ لقاءِ العدوِّ، و (٢) عندَ خروجِهم إليهم (٣). واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في "الخبيث" الذي عنى اللَّهُ في هذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم
следующие страницы →