← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.

стр. 4131

وجَدونى هؤلاء نائمًا ما أيقظونى. قالت: فكلِّمْهم من فوقِ البيتِ. فأبى عليها، فنزَل إليهم يفوحُ ريحُه، قالوا: ما هذه الريحُ يا أبا (١) فلانٍ؟ قال: هذا عطرُ أمِّ فلانٍ. امرأتِه، فدنا إليه بعضُهم يَشْتَمُّ (٢) رأسَه (٣)، ثم اعتنقه، ثم قال: اقتُلوا عدوَّ اللَّهِ. فطعَنه أبو عَبْسٍ في خاصرتِه، وعلاه محمدُ بنُ مسلمةَ بالسيفِ، فقتَلوه، ثم رجَعوا، فأصبحت اليهودُ مذعورين، فجاءوا إلى النبيِّ ﷺ فقالوا: قُتِل سيدُنا غِيلَةً. فذكَّرهم النبيُّ ﷺ صنيعَه، وما كان يحضُّ عليهم، ويحرِّضُ في قتالِهم، ويؤذيهم، ثم دعاهم إلى أن يكتُبَ بينَه وبينَهم صُلْحًا. فقال: فكان ذلك الكتابُ مع عليٍّ رضوانُ اللَّهِ عليه (٤). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ (٥) لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧)﴾. يعنى بذلك تعالى ذكرُه: واذكرْ أيضًا من هؤلاءِ اليهودِ وغيرِهم من أهلِ الكتابِ منهم يا محمدُ، إذ أخَذ اللَّهُ ميثاقَهم لَيبيِّنُنَّ للناسِ أمرَك الذي أخَذ ميثاقَهم على بيانِه للناسِ، في كتابِهم الذي في أيديهم، وهو التوراةُ والإنجيلُ، وأنك للَّهِ رسولٌ مرسَلٌ بالحقِّ، (ولا يكتُمونه فنبذوه وراءَ ظهورَهم). يقولُ: فترَكوا أمرَ اللَّهِ

стр. 4132

وضيَّعوه، ونقضُوا ميثاقَه الذي أخَذ (١) عليهم بذلك، فكتَموا أمرَك، وكذَّبوا بك، ﴿وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. يقولُ: وابتاعُوا بكتمانِهم ما أخَذ عليهم الميثاقَ ألَّا يكتُموه من أمرِ نبوَّتِك، عِوضًا منه، خسيسًا قليلًا من عَرَضِ الدنيا. ثم ذمَّ جَلَّ ثناؤُه شراءَهم ما اشْتَرَوا به من ذلك، فقال: ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾. واخْتَلف أهلُ التأويلِ في من عُنِى بهذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بها اليهودَ خاصَّةً. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبي محمدٍ مولى زيدِ بن ثابتٍ، عن عكرمةَ، أنه حدَّثه عن ابن عباسٍ: (وَإذْ أخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذيِن أُوتُوا الكِتابَ لَيُبَيِّنُنَّهُ للنَّاسِ وَلَا يَكْتُمُونَهُ). إلى قولِه: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يعنى: فِنحاصَ وأشيعَ، وأشباهَهما من الأحبارِ (٢). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن أبي محمدٍ مولى آل زيدِ بن ثابتٍ، عن عكرمةَ مولى ابن عباسٍ مثلَه (٣). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا يَكتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ). كان أمَرهم أن يتَّبعوا النبيَّ الأُمِّيَّ الذي يؤمنُ باللَّهِ وكلماتِه، وقال: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨].

стр. 4133

فلما بعَث اللَّهُ محمدًا ﷺ قال: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠]. عاهَدهم على ذلك، فقال حينَ بعَث محمدًا: صدِّقوه، وتَلقَوْن الذي أحببتم عندِى (١). حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ لَيُبِيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ) الآية. قال: إن اللَّهَ أَخَذ ميثاقَ اليهودِ لَيُبِّنُنَّه للناسِ؛ محمدًا ﷺ ، (ولا يكتُمونه فَنَبَذُوهُ) اليهودُ (٢) ﴿وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (٣). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن أبي الجَحَّافِ، عن مسلمٍ البَطينِ، قال: سأل الحجَّاجُ بنُ يوسفَ جلساءَه عن هذه الآيةِ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾. قال: فقام رجلٌ إلى سعيدِ بن جُبيرٍ فسأله، فقال: وَإِذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ أهلِ الكِتابِ: يهودُ، (لَيُبِيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ) محمدًا ﷺ (وَلَا يَكتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ) (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ قولَه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾. قال: وكان فيه: إن الإسلامَ دينُ اللَّهِ الذي افترَضه على عبادِه، وإن محمدًا يجدُونَه مكتوبًا عندَهم في التوراةَ والإنجيلِ.

стр. 4134

وقال آخرون: عُنِى بذلك كلُّ من أُوتِىَ علمًا بأمرِ الدين. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ الآية: هذا ميثاقٌ أخذه الله على أهل العلم، فمن علم شيئًا فليعلِّمه، وإيّاكم وكتمانَ العلمِ، فإن كتمان العلمِ هَلَكَةٌ، ولا يتكلَّفَنَّ رجلٌ ما لا عِلْمَ له به، فيخرُجَ من دينِ اللَّهِ، فيكونَ المتكلِّفين، كان يقالُ: مثَلُ علمٍ لا يقالُ به، كمثل كَنزٍ لا يُنفَقُ منه، ومثلُ حكمةٍ لا تُخرَجُ، كمثل صنمٍ قائمٍ لا يأكُلُ ولا يشرَبُ. وكان يقالُ: طُوبَى لعالمٍ ناطقٍ، وطُوبَى لمستمعٍ واعٍ، هذا رجلٌ عَلم علمًا فعلَّمه، وبذله ودعا إليه، ورجلٌ سمِع خيرًا فحفِظه ووعاه، وانتفع به (١). حدَّثني يحيى بنُ إبراهيم المسعوديُّ، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن جدِّه، عن الأعمش، عن عمرو بن مُرَّةً، عن أبي عُبيدةَ، قال: جاء رجلٌ إلى قومٍ في المسجدِ وفيه عبد الله بنُ مسعودٍ، فقال: إن أخاكم كعبًا يُقرئُكم السلام، ويبشِّرُكم أن هذه الآيةَ ليست فيكم: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾. فقال له عبد الله: وأنت فأقرِتْه السلام، وأخبره أنها نزلت وهو يهوديٌّ. حدَّثني ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن الأعمشِ، عن عمرِو بن مُرَّةَ، عن أبي عُبيدةَ بنحوه، عن عبدِ اللهِ وكعبٍ (٢).

стр. 4135

وقال آخرون: معنى ذلك: وإذ أخذ الله ميثاقَ النبِّيين على قومهم. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن سفيانَ، قال: ثنى حبيبُ (١) بنُ أبى ثابتٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: قلتُ لابن عباسٍ: إن أصحاب عبدِ اللهِ يقرءون: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنَ الذينَ أوتُوا الكِتابَ مِيثاقهم). قال: من النبيِّين على قومهم. حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا قَبيصةُ، قال: ثنا سفيانُ، عن حبيبٍ، عن سعيدٍ قال: قلت لابن عباسٍ: إن أصحاب عبد الله يقرءون: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾. ونقرأُ (٢): ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٨١]. قال: فقال: أخذ الله ميثاق النبيِّين على قومهم (٣). وأما قوله: (لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ). فإنه كما حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ثنى أبى، قال: ثنا محمدُ بن ذَكوانَ، قال: ثنا أبو نعامة السعديُّ، قال: كان الحسنُ يفسِّرُ قوله: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا يُكتُمُونَهُ): لَيتكلَّمُنَّ بالحقِّ، ولَيُصدِّقُنَّه بالعمل (٤). واختلفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأه بعضُهم: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾. بالتاء جميعًا (٥)، وهى قراءةُ عُظْم قرأةِ أهلِ المدينةِ والكوفةِ (٦)، على وجه المخاطبة (٧)، بمعنى: قال الله لهم: لتَبينُنَّه للناس ولا تكتُمونه.

стр. 4136

وقرأ ذلك آخرون: (لَيُبَيِّنُنَّهُ للنَّاسِ وَلا يَكْتُمُونَهُ). بالياء جميعًا (١)، على وجهِ الخبرِ عن الغائبِ؛ لأنهم في وقتِ إخبارِ اللهِ جَلّ وعزَّ نبيَّه ﷺ بذلك عنهم كانوا غيرَ موجودين، فصار الخبرُ عنهم كالخبرِ كالخبرِ عن الغائبِ. والقولُ في ذلك عندنا أنهما قراءتان صحيحةٌ وجوهُهما، مستفيضتان في قرأة الإسلامِ، غيرُ مختلِفَتى المعانى، فبأيتِهما قرأ القارئُ فقد أصاب الحقَّ والصوابَ في ذلك، غيرَ أن الأمرَ في ذلك وإن كان كذلك، فإن أحبَّ القراءتين إليَّ أن أقرأ بها (٢): (لَيُبَيِّنُنَّهُ للنَّاس وَلا يَكْتُمُونَهُ). بالياء جميعًا، استدلالًا بقوله: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾. - أنه إذ كان قد خرَج مَخْرَجَ الخبر عن الغائب على سبيلِ قوله: ﴿فَنَبَذُوهُ﴾. - حتى يكون الكلامُ متَّسقًا كله على معنًى واحدٍ ومثالٍ واحدٍ، ولو كان الأولُ بمعنى الخطاب، لكان أن يقالَ: فنبذتموه وراءَ ظهورِكم. أَوْلى من أن يقالَ: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾. وأما قولُه: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾. فإنه مثلٌ لتضييعهم القيام بالميثاق، وتركِهم العمل به. وقد بيَّنَّا المعنى الذي من أجلِه قيل ذلك كذلك فيما مضَى من كتابنا هذا (٣)، فكرهنا إعادتَه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

стр. 4137

ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: أخْبرَنا يحيى بنُ أيوبَ البَجَليُّ، عن الشعبيِّ في قوله: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾. قال: إنهم قد كانوا يقرءونه، إنما نبذوا العمل به (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾. قال: نبذوا الميثاق (٢). حدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ عمر، قال: ثنا مالكُ بن مِغْولٍ، قال: نُبِّئتُ عن الشعبيِّ في هذه الآية: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾. قال: قذَفُوه بين أيديهم، وترَكوا العمل به (٣). وأما قولُه: ﴿وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. فإن معناه ما قلنا، من أَخْذهم ما أخَذُوا على كتمانهم الحقَّ، وتحريفِهم الكتابَ. كما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال، ثنا أحمدُ بن مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾: أخذوا طمعًا، وكتَموا اسمَ محمدٍ ﷺ (٤). وقولُه: ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾. يقولُ: فبئس الشراءُ يشترُون في تضييِعهم الميثاقَ، وتبديلِهم الكتابَ. كما حدَّثنا محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي

стр. 4138

نَجيحٍ، عن مجاهد: ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾. قال: تبديلُ اليهود التوارة (١). القولُ في تأويل قوله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨٨)﴾. اختلف أهلُ التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم: عُنِى بذلك قومٌ من أهل النفاقِ كانوا يقعُدون خِلافَ رسول الله ﷺ إذا غَزا العدوَّ، فإذا انصرف رسولُ الله ﷺ اعتذروا إليه، وأحبُّوا أن يُحْمَدوا بما لم يفعلوا. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا محمدُ بن سهلٍ بن عَسكرٍ وابنُ عبدِ الرحيم البرقيُّ، قالا: ثنا ابن أبى مريمَ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفر بن أبى كثيرٍ، قال: ثنى زيدُ بنُ أسلمَ، عن عطاء بن يسارٍ، عن أبي سعيدٍ الخدْرِيِّ، أن رجالًا من المنافقين كانوا على عهد رسول الله ﷺ إذا خرَج النبيُّ ﷺ إلى الغزو، تخلَّفوا عنه، وفرحوا بمقعَدِهم خِلافَ رسول الله ﷺ ، فإذا قدم النبيُّ من السفر اعتذروا إليه، وأحبُّوا أن يُحْمَدوا بما لم يفعلوا، فأَنْزَل الله تعالى فيهم: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ الآية (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾. قال: هؤلاء المنافقون يقولون للنبيِّ ﷺ : لو قد خرَجتَ لخرَجنا معك. فإذا خرَج النبيُّ ﷺ

стр. 4139

تخلَّفوا وكذَبوا، ويفرَحون بذلك، ويرَون أنها حِيلةٌ احتالوا بها (١). وقال آخرون: بل عُنى بذلك قومٌ من أحبارِ اليهودِ كانوا يفرَحون بإضلالِهم الناسَ، ونسبةِ الناس إيَّاهم إلى العلمِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن أبى محمدٍ مولى زيدِ بن ثابتٍ، عن عكرمة مولى ابن عباسٍ، أو سعيدِ بن جُبيرٍ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: يعنى فِنْحاصَ وأشيعَ وأشباهَهما من الأحبارِ الذين يفرَحون بما يُصيبون من الدنيا على ما زيَّنوا للناس من الضلالة، ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾: أن يقول لهم الناسُ: علماءُ. وليسوا بأهل علمٍ، لم يحملوها (٢) على هُدًى ولا خيرٍ، ويحبُّون أن يقولَ لهم الناس: قد فعلوا (٣). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونسُ بن بُكيرٍ، قال: ثنا محمدُ بن إسحاق، قال: ثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولى زيدِ بن ثابتٍ، عن عكرمةَ، أنه حدَّثه عن ابن عباسٍ بنحوِ ذلك، إلا أنه قال: وليسوا بأهل علمٍ، لم يحملوهم على هُدًى (٤). وقال آخرون: بل عُنى بذلك قومٌ من اليهودِ فرِحوا باجتماعِ كلمتهم على تكذيبِ محمدٍ ﷺ ، ويحبُّون أن يُحْمَدوا بأن يقال لهم (٥): هم أهلُ صلاة وصيامٍ.

стр. 4140

ذكرُ من قال ذلك حُدِّثت عن الحسينِ بن الفَرَج، قال: سمِعت أبا معاذٍ يقولُ: أخْبرَنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعت الضحَّاكَ بنَ مُزاحمٍ يقولُ في قوله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾: فإنهم فرِحوا باجتماعهم على كفرِهم بمحمدٍ ﷺ ، وقالوا: قد جمع الله كلمتنا، ولم يخالف أحدٌ منا أحدًا [أن محمدًا ليس بنبيٍّ] (١) ". وقالوا: نحنُ أبناءُ اللهِ وأحبَّاؤُه، ونحن أهلُ الصلاة والصيام. وكذَبوا، بل هم أهلُ كفرٍ وشركٍ وافتراءٍ على الله، قال اللَّهُ: ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ (٢). حدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخْبرَنا يزيدُ، قال: أخْبرَنا جُوَيبرٌ، عن الضحَّاكِ في قوله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾. قال: كانت (٣) اليهودُ أمرَ بعضُهم (٤) بعضًا، فكتَب بعضُهم إلى بعضٍ: إن محمدًا ليس بنبيٍّ، فأَجْمِعوا كلمتَكم، وتمسَّكُوا بديِنكم وكتابِكم الذي معكم. ففعلوا، وفرحوا (٥) بذلك، وفرِحوا باجتماعِهم على الكفرِ بمحمدٍ ﷺ (٦). حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: قال: كتَموا اسمَ محمدٍ ﷺ ، ففرحوا بذلك (٧) حين اجتَمعوا عليه، وكانوا يزكُّون أنفسَهم فيقولون: نحنُ أهلُ الصيامِ، وأهلُ الصلاةِ، وأهلُ الزكاةِ، ونحن على دين

стр. 4141

إبراهيم. فأَنْزَل الله جل ثناؤه فيهم: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ من كتمانِ محمدٍ ﷺ ، ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾، أحبُّوا أن تحمدَهم العربُ بما يزكُّون به أنفسهم، وليسوا كذلك (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاق، قال: أخْبرَنا الثوريُّ، عن أبى الجَحَّافِ، عن مسلمٍ البَطينِ، قال: سأل الحجَّاجُ جلساءَه عن هذه الآيةِ: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾. قال [سعيدُ بنُ جبيرٍ] (٢): بكتمانِهم محمدًا، ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾. قال: هو قولُهم: نحن على دين إبراهيم ﵇ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾: هم أهلُ الكتابِ، أُنْزِل عليهم الكتابُ، فحكَموا بغير الحقِّ، وحرَّفوا الكَلِمَ عن مواضعِه، وفرِحوا بذلك، وأحبُّوا أن يُحْمَدوا بما لم يفعلوا، فرحوا بأنهم كفَروا بمحمدٍ ﷺ وما أُنزل إليه (٤)، وهم يزعُمون أنهم يعبُدون الله، ويصُومون، ويصلُّون، ويطيعُون الله، فقال الله جلَّ ثناؤُه لمحمدٍ ﷺ : ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾، كُفْرًا (٥) بالله، وكُفْرًا (٥) بمحمدٍ ﷺ ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾، من الصلاة والصوم، فقال الله جلَّ وعزَّ لمحمدٍ ﷺ : ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٦).

стр. 4142

وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تحسَبَنَّ الذين يفرَحون بما أَتَوْا من تبديلِهم كتابَ الله، ويحبُّون أن يحمَدَهم الناسُ على ذلك. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾. قال: يهودُ، فرحوا بإعجاب الناس بتبديلهم الكتابَ، وحمدِهم إيَّاهم عليه، ولا تملكُ يهودُ ذلك (١). وقال آخرون: معنى ذلك أنهم فرحوا بما أعطَى الله تعالى آل إبراهيم ﵇. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي المُعَلَّى، عن سعيدِ بن جُبير أنه قال في هذه الآية: ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾. قال: اليهودُ، يفرَحون بما أتى الله إبراهيم ﵇ (٢). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا وهبُ بنُ جَريرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي المُعَلَّى العطَّارِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: هم اليهودُ، فرِحوا بما أعطى اللَّهُ إبراهيمَ الكتاب (٣). وقال آخرون: بل عُنِي بذلك قومٌ من اليهودِ سألهم رسولُ اللهِ ﷺ عن شيءٍ

стр. 4143

فكتَموه، ففرِحوا بكتمانِهم ذلك إيَّاه. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاق، قال: أخْبرَنا ابن جريجٍ، قال: أخبرني ابن أبى مُليكةَ، أن علقمة [بن وقاصٍ] (١) أخبره، أن مَرْوانَ قال لرافعٍ: اذهب يا رافعُ إلى ابن عباسٍ فقل له: لئن كان كلُّ امرئ منا فرح بما أتى (٢)، وأحبَّ أن يُحْمَدَ بما لم يفعل معذَّبًا، ليعذِّبَنا الله أجمعين. فقال ابن عباسٍ: وما لكم ولهذه؟ إنما دعا النبيُّ ﷺ يهودَ فسألهم عن شيءٍ فكتَموه إيَّاه، وأخبَروه بغيرِه، فأرَوه أن قد استجابوا لله بما أخبروه عنه مما سألهم، وفرِحوا بما أَتَوْا (٣) من كتمانهم إيَّاه، ثم قرأ (٤): ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ الآية (٥). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، قال: قال ابن جُريجٍ: أخبرني عبدُ الله بن أبى مُليكةَ، أن حميدَ بن عبدِ الرحمن بن عوفٍ أخبره، أن مَرْوانَ بنَ الحكم قال لبوَّابِه: يا رافعُ، اذهب إلى ابن عباسٍ فقل له: لئن كان كلُّ امرئ منا فرِح بما أَتَى، وأحبَّ أن يُحْمدَ بما لم يفعَلْ مُعذَّبًا، لَنُعذَّبَنَّ جميعًا. فقال ابن عباسٍ: ما لكم ولهذه الآية؟ إنما أُنْزِلت في أهلِ الكتابِ. ثم تلا ابن عباس: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾ إلى قوله: ﴿أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾. قال ابن عباسٍ: سألهم النبيُّ ﷺ عن شيءٍ فكتَموه إياه، وأخبَروه

стр. 4144

بغيرِه، فخرجوا وقد أَرَوه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، فاسْتَحْمَدوا بذلك إليه، وفرِحوا بما أَتَوْا من كتمانِهم إيَّاه ما سألهم عنه (١). وقال آخرون: بل عُنى بذلك قومٌ من يهودَ أَظْهَرُوا النفاقَ للنبى ﷺ ؛ محبةً منهم للحمدِ، والله عالمٌ منهم خلافَ ذلك. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، قال: ذُكر لنا أن أعداء الله اليهودَ؛ يهودَ خيبرَ، أتوا نبيَّ الله ﷺ ، فزعَموا أنهم راضون (٢) بالذي جاءهم به، وأنهم متابِعوه، وهم متمسِّكون بضلالتِهم، وأرادوا أن يحمَدَهم نبيُّ الله ﷺ بما لم يفعَلوا، فأَنزل الله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ الآية (٣). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ قال: إن أهل خيبرَ أَتَوُا النبيَّ ﷺ وأصحابَه فقالوا: إنَّا على رأيِكم وهيئتِكم، وإنا لكم رِدْءٌ (٤). فأَكْذَبهم الله فقال: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ الآيتين (٥). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن عمرِو بن مُرَّةَ، عن أبي عُبيدةَ، قال: جاء رجلٌ إلى عبدِ اللَّهِ فقال: إن كعبًا يقرأ

стр. 4145

عليك السلامَ ويقولُ: إن هذه الآيةَ لم تنزل فيكم: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾. قال: أخبروه أنها نزلت وهو يهوديٌّ (١). وأَوْلَى هذه الأقوال بالصوابِ في تأويلِ قوله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ الآية. قولُ من قال: عُنِى بذلك أهلُ الكتاب الذين أَخْبَر الله جلَّ وعزَّ أنه أخذ ميثاقَهم، ليُبيِّنُنَّ للناسِ أمرَ محمدٍ ﷺ ، ولا يكتُمونه؛ لأن قوله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ الآية. في سياق الخبرِ عنهم، وهو شبيهٌ بقصتِهم، مع اتفاقِ أهلِ التأويل على أنهم المعنيُّون بذلك. فإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الآيةِ: لا تحسَبَنَّ يا محمدُ الذين يفرَحون بما أَتَوا من كتمانِهم الناسَ أمرَك، وأنك لى رسولٌ مرسَلٌ بالحقِّ، وهم يجدونَك مكتوبًا عندَهم في كتُبِهم، وقد أخَذتُ عليهم الميثاقَ بالإقرار بنبوَّتِك وبيانِ أمرِك للناسِ، وألَّا يكتُموهم ذلك، وهم مع نقضهم ميثاقى الذي أخَذْتُ عليهم بذلك، يفرَحون بمعصيتِهم إياى في ذلك، ومخالفتهم أمرى، ويحبُّون أن يحمَدَهم الناسُ بأنهم أهلُ طاعةٍ لله وعبادةٍ وصلاةٍ وصومٍ، واتِّباعٍ لوحيِه وتنزيلِه الذي أنزله على أنبيائِه، وهم من ذلك أبرياءُ أَخْلِياءُ؛ لتكذيبهم رسولَه، ونقضِهم ميثاقَه الذي أخَذ عليهم، لم يفعلوا شيئًا مما يحبُّون أن يحمَدَهم الناسُ عليه، ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. [ويعنى بقوله] (٢): ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾: فلا تظُنُّنَّهم بمنجاةٍ من عذابِ الله الذي أعدَّه لأعدائِه في الدنيا، من الخَسفِ والمَسْخِ والرَّجْفِ

стр. 4146

والقتل، وما أشبَه ذلك من عقابِ اللهِ، ولا هم ببعيدٍ منه. كما حدَّثني يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾. قال: بمنجاةٍ من العذابِ، [ولا هم ببعيدٍ منه] (١). ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يقولُ: ولهم عذابٌ في الآخرةِ أيضًا مؤلمٌ، مع الذي لهم في الدنيا مُعَجَّلٌ. القولُ في تأويلِ قولهِ: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩)﴾. وهذا تكذيبٌ من الله للذين قالوا: إن الله فقيرٌ ونحن أغنياءُ. يقولُ تعالى ذكرُه مكذِّبًا لهم: للَّهِ مُلكُ جميع ما حوته السماوات والأرضُ، فكيف يكونُ - أيها المفترون على الله - من كان مُلكُ ذلك له فقيرًا؟ ثم أَخْبَر جلَّ ثناؤه أنه القادرُ على تعجيل العقوبة لقائلى ذلك، ولكلِّ مكذِّبٍ به، ومفترٍ عليه، وعلى غير ذلك مما أراد وأحبَّ، ولكنه تفضَّلَ بحِلْمِه على خلقِه، فقال: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. يعني: من إهلاك قائلى ذلك، وتعجيل عقوبتِه لهم، وغير ذلك من الأمور. القولُ في تأويل قوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾. وهذا احتجاجٌ من الله تعالى ذكرُه على قائلِ ذلك، وعلى سائرِ خلقِه، بأنه المديِّرُ المصرِّفُ الأشياءَ، والمسخِّرُ ما أحبَّ، وأن الإغناءَ والإفقارَ إليه وبيدِه، فقال جلَّ ثناؤُه: تدبَّروا أيها الناسُ واعتبِروا، ففيما أنشأتُه فخلقتُه من

стр. 4147

السماواتِ والأرضِ لمعاشِكم وأقواتِكم وأرزاقِكم، وفيما عقَّبْتُ بينَه من الليل والنهارِ، فجعَلتُهما يختلِفان ويعتقبان عليكم، تتصرَّفون في هذا المعاشكم، وتسكُنون في هذا راحةً لأبدنِكم (١) - معتبرٌ ومدَّكرٌ، وآياتٌ وعظاتٌ، لمن كان منكم ذا لُبٍّ وعقل يعلَمُ به أن من نسبنى إلى أنى فقيرٌ وهو غنيٌّ، كاذبٌ مفترٍ، فإن ذلك كلَّه بيدى، أقلِّبُه وأصرِّفُه، ولو أبطَلْتُ ذلك لهلَكتم، فكيف يُنْسَبُ إلى فقرٍ من كان كلُّ ما به عيشُ ما في السماواتِ والأرض بيده وإليه؟ أم كيف يكون غنيًّا من كان رزقُه بيدِ غيره؟ إذا شاء رزَقه، وإذا شاء حرَمه، فاعتبروا يا أولى الألباب. القولُ في تأويل قوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. وقولُه: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾. من نعتِ "أُولى الألباب"، و ﴿الَّذِينَ﴾ في موضع خفضٍ ردًّا على قوله: ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. ومعنى الآية: إن في خلق السماواتِ والأرض، واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب، الذاكرين الله قيامًا وقعودًا، وعلى جنوبهم. يعنى بذلك: قيامًا في صلاتهم، وقعودًا في تشهُدهم، وفى غيرِ صلاتِهم، وعلى جنوبِهم نيامًا. كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ قوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾ الآية. قال: هو ذكرُ الله في الصلاة وفى غير الصلاة، وقراءة القرآن (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾: وهذه حالاتُك كلُّها يابنَ آدمَ،

стр. 4148

[فاذكر الله وأنت قائمٌ فإن لم تَستَطِعْ فاذكُره وأنت قاعدٌ، فإن لم تَستَطِعْ] (١) فاذكُره وأنت على جنبِك، يُسْرًا من الله وتخفيفًا (٢). فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾. فعطف به ﴿عَلَى﴾ وهى صفةٌ، على "القيام والقعود"، وهما اسمان؟ قيل: لأن قوله: ﴿وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾. في معنى الاسم، ومعناه: ونيامًا، أو: (٣) مضطجعين على جنوبهم. فحسُن عطفُ ذلك على القيامِ والقعودِ لذلك (٤) المعنى، كما قيل: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾ [يونس: ١٢]. فعطف بقوله: ﴿أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾. على قوله: ﴿لِجَنْبِهِ﴾. لأن معنى قوله: ﴿لِجَنْبِهِ﴾: مضطجعًا. فعطف بـ "القاعد والقائم" على معناه، فكذلك ذلك في قوله: ﴿وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾. وأما قولُه: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. فإنه يعنى بذلك أنهم يعتبِرون بصنعةِ صانع ذلك، فيعلمون أنه لا يصنَعُ ذلك إلا من ليس كمثله شيءٌ، ومَن هو مالكُ كلِّ شيءٍ ورازقُه، وخالقُ كلِّ شيءٍ ومدبِّرُه، ومن هو على كلِّ شيءٍ قديرٌ، وبيده الإغناءُ والإفقارُ، والإعزازُ والإذلالُ، والإحياءُ والإماتةُ، والشقاءُ والسعادةُ. القولُ في تأويل قوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾. يعنى بذلك تعالى ذكره: وَيَتَفَكَّرُون في خَلق السماوات والأرض قائلين: رَبَّنَا

стр. 4149

مَا خَلَقتَ هذا باطلًا. فترَك ذكر "قائلين"؛ إذ كان فيما ظهَر من الكلامِ دَلالةٌ عليه. وقولُه: ﴿مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾. يقولُ: لم تخلُق هذا الخلقَ عبثًا ولا لعِبًا، ولم تخلُقْه إلا لأمرٍ عظيمٍ، من ثوابٍ وعقابٍ، ومحاسبةٍ ومجازاةٍ. وإنما قال: ﴿مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾. ولم يقل: ما خلَقْتَ هذه. ولا: هؤلاء. لأنه أراد بـ ﴿هَذَا﴾ الخلق الذي في السماوات والأرض، يدلُّ على ذلك قولُه: ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. ورغبتُهم إلى ربِّهم في أن يقيَهم عذابَ الجحيم. ولو كان المعنيُّ بقولِه: ﴿مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾. السماواتِ والأرضَ، لما كان لقولِه عَقِيبَ ذلك: ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. معنًى مفهومٌ؛ لأن السماواتِ والأرضَ أدلةٌ على بارئها، لا على الثواب والعقابِ، وإنما الدليلُ على الثوابِ والعقاب الأمرُ والنهىُ. وإنما وصَف جلَّ ثناؤُه أولى الألبابِ الذين ذكَرهم في هذه الآيةِ أنهم إذا رأَوُا المأمورين المنهيين، قالوا: يا رَبَّنا، لم تخلُق هؤلاء باطلًا عبثًا. ﴿سُبْحَانَكَ﴾. يعني: تنزيهًا لك [وتعظيمًا لك] (١) من أن تفعَلَ شيئًا عبثًا، ولكنك خلقتهم (٢) لعظيم من الأمرِ، لجنةٍ أو نارٍ. ثم فزِعوا إلى ربِّهم بالمسألةِ أن يُجيرَهم من عذابِ النار، وألَّا يجعَلَهم ممن عصاه وخالَف أمرَه، فيكونوا من أهل جهنَّمَ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢)﴾. اختَلف أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ربَّنا إنك من تُدْخِل النارَ من عبادك فتخلِّده فيها فقد أَخْزَيتَه. قالوا (٣): ولا يُخْزَى مؤمِنٌ

стр. 4150

مصيرُه إلى الجنةِ، وإن عُذِّب بالنارِ بعضَ العذابِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني أبو حفصٍ الجُبيريُّ ومحمدُ بنُ بشارٍ، قالا: أخْبرَنا المؤمَّلُ، أخْبرَنا (١) أبو هلالٍ، عن قتادةَ، عن أنسٍ في قوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾. قال: من تُخَلِّد فيها (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا الثوريُّ، عن رجلٍ، عن ابن المسيَّب: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾. قال: هي خاصَّةٌ لمن لا يخرُجُ منها (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو النعمان عارمٌ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، قال: ثنا قبيصةُ بنُ مَرْوانَ، عن الأشعثِ الحُمْليِّ، قال: قلتُ للحسنِ: يا أبا سعيدٍ، أرأيتَ ما تذكُرُ من الشفاعة حقٌّ هو؟ قال: نعم حقٌّ. قال: قلتُ: يا أبا سعيدٍ، أرأيتَ قول الله جل وعز: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ [المائدة: ٣٧]. قال: فقال لي: إنك والله لا تَسْطُو (٤) عليَّ بشيءٍ (٥)، إن للنار أهلًا لا يخرُجون منها كما قال الله. قال: قلتُ:

стр. 4151

يا أبا سعيدٍ: [فيمَ دَخَلوها وبم] (١) خرجوا؟ قال: كانوا (٢) أصابوا ذُنوبًا في الدنيا، فأَخَذهم اللهُ بها، فأَدْخَلهم بها، ثم أَخْرَجهم بما يعلَمُ في قلوبِهم من الإيمانِ والتصديق به (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جريجٍ قوله: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾. قال: هو من يُخلَّدُ فيها (٤). وقال آخرون: معنى ذلك: ربَّنا إنك من تُدْخِل النارَ من مخلَّدِ فيها وغيرِ مخلَّدٍ فيها، فقد أُخْرى بالعذابِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا الحارثُ بنُ مسلمٍ، عن بحرٍ (٥)، عمرِو بن دينارٍ، قال: قدِم علينا جابرُ بنُ عبدِ اللَّهِ في عُمْرَةٍ، فانتهيتُ إليه أنا وعطاءٌ، فقلتُ: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾. قال: وما أَخزاه (٦) حينَ أَحْرَقه (٧) بالنار! إِنَّ دونَ ذاك لخزيًا (٨). وأولى القولين بالصوابِ عندى قولُ جابرٍ أن من أُدْخِل النارَ فقد أُخْزِى بدخولِه إياها وإن أُخرج منها. وذلك أن الخزىَ إنما هو هتكُ سِترِ المُخْرَى وفضيحتُه، ومن

стр. 4152

عاقبه ربُّه في الآخرةِ على ذنُوبِه، فقد فضَحه بعقابِه إياه، وذلك هو الخزىُ. وأما قولُه: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾. يقولُ: وما لمن خالف أمر الله فعصاه، من ذى نصرة له ينصُرُه من الله، فيدفَعَ عنه عقابَه، أو يُنْقِذَه من عذابِه. القولُ في تأويلِ قولِه ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣)﴾. اختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ المنادِى الذي ذكَره الله تعالى في هذه الآية؛ فقال بعضُهم: المنادِى في هذا الموضع القرآنُ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا قَبيصةُ بنُ عُقْبَةَ، قال: ثنا سفيانُ، عن موسى بن عُبيدةَ، عن محمدٍ بن كعبٍ: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾. قال: هو الكتابُ، ليس كلُّهم لَقِى النبيَّ ﷺ (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا منصورُ بنُ حَكِيمٍ، عن خارجةَ، عن موسى بن عُبيدةَ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرَظيِّ في قوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾. قال: ليس كلُّ الناسِ سمع النبيِّ ﷺ ، ولكنَّ المنادِىَ القرآن (٢). وقال آخرون: بل هو محمدٌ ﷺ .

стр. 4153

ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جريجٍ قولَه: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾. قال: هو محمدٌ ﷺ (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾. قال: ذلك رسولُ الله ﷺ (٢). وأولى القولين في ذلك بالصواب قولُ محمدِ بن كعبٍ، وهو أن يكونَ المنادِى القرآنَ؛ لأن كثيرًا ممن وصَفهم اللهُ جل ثناؤه بهذه الصفةِ في هذه الآياتِ، ليسوا ممن رأى النبيَّ ﷺ ولا عاينه، فىَسْمَعُوا (٣) دعاءَه إلى الله ﵎ ونداءه، ولكنه القرآنُ، وهو نظيرُ قولِه جلَّ ثناؤُه مخبرًا عن الجنِّ إذ سمِعوا كلام الله يُتْلَى عليهم، أنهم قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ [الجن: ١، ٢]. وبنحو ذلك [كان قتادةُ يقول] (٤). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ إلى قوله: ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾: سمِعوا دعوةً من الله فأجابوها، [وأَحْسَنوا] (٥) فيها، وصبَروا عليها. ينبِّئُكم الله عن مؤمنِ الإنس كيف قال، وعن مؤمنِ الجنِّ كيف قال؛ فأما [مؤمنُ الجنِّ فقال: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾. وأما] (٦) مؤمنُ

стр. 4154

الإنس فقال: ﴿إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ الآية (١). وقيل: ﴿إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾. يعنى: ينادى إلى الإيمان. كما قال تعالى ذكرُه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣]. بمعنى: هدانا إلى هذا. وكما قال الراجزُ (٢): أَوْحَى لها القرارَ فَاسْتَقَرَّتِ وشدَّها بالراسيات الثُّبَّتِ بمعنى: أَوْحَى إليها. ومنه قولُه: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥]. وقيل: يحتملُ أن يكونَ معناه: إننا سمعنا مناديًا للإيمانِ ينادى: أن آمِنُوا بربِّكم. فتأويلُ الآية إذن: ربَّنا إننا سمعنا داعيًا يدعو إلى الإيمان. يقولُ: إلى التصديقِ بك، والإقرار بوحدانيتك، واتِّباع رسولك وطاعتِه، فيما أمَرنا به، ونهانا عنه، مما جاء به من عندك، ﴿فَآمَنَّا رَبَّنَا﴾. يقولُ: فصدَّقنا بذلك يا ربَّنا، ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾. يقولُ: فاسْتُر علينا خطايانا، ولا تفضحنا بها في القيامة على رءوس الأشهادِ، بعقوبتِك إيانا عليها، ولكن كفِّرها عنا، وسيئات أعمالنِا، فامْحُها بفضلك ورحمتك إيانا، ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾. يعنى بذلك: واقبضنا إليك - إذا قبَضتنا إليك - في عِدادِ الأبرار، واحْشُرْنا مَحْشَرَهم ومعهم. والأبرارُ جمعُ بَرٍّ، وهم الذين برُّوا الله ﵎ بطاعتهم إياه، وخدمتهم له، حتى أرضَوْه فَرضى عنهم.

стр. 4155

القول في تأويل قوله: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤)﴾. إن قال لنا قائلٌ: وما وجهُ مسألة هؤلاء القوم ربَّهم أن يؤتيَهم ما وعَدهم، وقد علِموا (١) أن الله منجزٌ وعدَه، وغير جائزٍ أن يكونَ منه إخلافُ موعدٍ؟ قيل: قد (٢) اختَلف في ذلك أهلُ البحثِ؛ فقال بعضُهم: ذلك قولٌ خرج مَخْرَجَ المسألةِ، ومعناه الخبرُ. قالوا: وإنما تأويلُ الكلام: ربَّنا إِنَّنا سمِعنا مناديًا يُنادِى للإيمان أن آمنوا بربِّكم فآمنَّا، ربَّنا فاغفر لنا ذنوبَنا وكفِّر عنا سيِّئاتِنا وتوفَّنا مع الأبرار، لتؤتيَنا ما وعَدتنا على رسلِك، ولا تُخْزِنا يوم القيامة. قالوا: وليس ذلك على أنهم قالوا: إن توفَّيتَنا مع الأبرارِ فَأَنجز لنا ما وعَدتنا؛ لأنهم قد علِموا أن اللَّهَ لا يُخْلِفُ الميعادَ، وأن ما وعَد على ألسنةِ رسلِه، ليس يعطيه (٣) بالدعاءِ، ولكنه تفضَّل بابتدائه (٤)، ثم ينجزُه. وقال آخرون: بل ذلك قولٌ من قائلِيه (٥) على معنى المسألةِ والدعاء لله بأن يجعَلَهم ممن آتاهم ما وعَدهم من الكرامةِ على ألسُن رسلِه، لا أنهم كانوا قد استحقُّوا منزلة الكرامة عندَ اللهِ في أنفسهم، ثم سألوه أن يؤتيَهم ما وعَدهم، بعد علمِهم باستحقاقهم عند أنفسهم، فيكون ذلك مسألةً لربِّهم ألا يُخلفَ وعده. قالوا: ولو كان القومُ إنما سألوا ربَّهم أن يؤتيهم ما وعَد الأبرار، لكانوا قد زكَّوْا أنفسَهم، وشهِدوا لها أنها ممن قد اسْتَوْجب كرامةَ اللهِ وثوابَه. قالوا: وليس ذلك صفةَ أهل الفضل من المؤمنين.

стр. 4156

وقال آخرون: بل قالوا هذا القولَ على وجه المسألة والرغبةِ منهم إلى الله أن يؤتيهم ما وعدهم؛ من النصر على أعدائهم من أهل الكفر، والظَّفَرِ بهم (١)، وإعلاء كلمة الحقِّ على الباطلِ، فيعجِّل ذلك لهم (٢). قالوا: ومُحالٌ أن يكونَ القومُ مع وصف الله إياهم بما وصَفهم به، كانوا على غير يقينٍ من أن اللَّهَ لا يُخلِفُ الميعادَ، فيرغبوا إلى اللَّهِ جلَّ ثناؤُه في ذلك، ولكنهم كانوا وُعِدوا النصرَ، ولم يُوَقَّتْ لهم في [ذلك وقتٌ فرغبوا إلى الله في] (٣) تعجيلِ ذلك لهم، لما في تعجيله (٤) من سرور الظُّفَرِ وراحةِ الجسدِ. والذي هو أولى الأقوالِ بالصواب في ذلك عندى، أن هذه الصفةَ صفةُ من هاجر من أصحاب رسول الله ﷺ من وطنِه ودارِه، مفارقًا لأهل الشركِ بالله، إلى اللَّهِ ورسولِه، وغيرِهم من تُبَّاعِ رسول الله ﷺ ، الذين رغبوا إلى الله في تعجيل نُصرتِهم على أعداءِ اللَّهِ وأعدائِهم، فقالوا: ربَّنا آتنا ما وعَدتنا من نصرتِك عليهم عاجلًا، فإنك لا تخلفُ الميعادَ، ولكن لا صبرَ لنا على أناتِك وحِلْمِك عنهم، فعجِّل خِزيَهم (٥)، ولنا الظفرَ عليهم. يدلُّ على صحةِ ذلك آخرُ الآية الأخرى، وهو قولُه: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾ الآيات بعدها. وليس ذلك مما ذهب إليه الذين حكيتُ قولَهم في شيءٍ. وذلك أنه غيرُ موجودٍ في كلامِ العربِ أن يقالَ: افعل بنا يا ربِّ كذا وكذا. بمعنى: [لتَفْعَل بنا كذا وكذا] (٦)

стр. 4157

ولو جاز ذلك، لجاز أن يقول القائلُ لآخر (١): أقبل إليَّ وكَلِّمْني. بمعنى: أقبل إليَّ لتُكلِّمنى. وذلك غيرُ موجودٍ في الكلام، ولا معروفٍ جوازُه، وكذلك أيضًا غيرُ معروفٍ في الكلام: آتنا ما وعدتنا. بمعنى: اجعلنا ممن آتيته ذلك. وإن كان كلُّ من أُعْطِيَ شيئًا سَنِيًّا، فقد صُيِّر نظيرًا لمن كان مَثلَه في المعنى الذي أُعطِيَه، ولكن ليس الظاهرُ من معنى الكلام ذلك، وإن كان قد يَئُولُ معناه إليه. فتأويلُ الكلام إذن: ربَّنا أعطِنا ما وعدتنا على ألسُنِ رُسلك، إنك تُعلى كلمتك كلمة الحقِّ، فأيِّدنا (٢) على من كفر بك، وحادَّك، وعبَد غيرَك، وعجِّل لنا ذلك، فإنا قد علمنا أنك لا تخلِفُ ميعادَك، ولا تُخْزِنا يوم القيامة، فتفضحنا بذنوبنا التي سلَفت منا، ولكن كفِّرها عنا، واغفرها لنا. وقد حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جريجٍ قوله: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾. قال: يَسْتَنْجِزُ موعودَ اللهِ على رسله (٣). القولُ في تأويل قوله: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾. يعنى بذلك جل ثناؤه: فأجاب هؤلاء الداعين - بما وصف الله عنهم أنهم دَعوه (٤) به - ربُّهم، بأنى لا أضيعُ عمل عاملٍ منكم عمِل خيرًا؛ ذكرًا كان العاملُ أو أُنثى. وذُكِر أنه قيل لرسول الله ﷺ : ما بالُ الرجال يُذكَرون ولا تُذْكَرُ النساءُ في الهجرةِ. فأَنْزَلَ اللَّهُ ﵎ في ذلك هذه الآية.

стр. 4158

حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: قالت أمُّ سَلَمةَ: يا رسولَ اللَّهِ، يُذْكَرُ الرجالُ في الهجرةٍ ولا نُذْكَرُ. فنزلت: ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ الآية (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاق، قال: أخْبرَنا ابن عُيينةَ، عن عمرِو بن دينارٍ، قال: سمعت رجلًا من ولد أمِّ سَلَمَةَ زوج النبيِّ ﷺ يقولُ: قالت أمُّ سَلَمَةَ: يا رسول الله، لا أسمعُ الله يذكُرُ النساءَ في الهجرة بشيءٍ. فأَنزل الله ﵎: [﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ] (٢) أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ (٣). حدَّثنا الربيعُ بنُ سليمانَ، قال: ثنا أسدُ بنُ موسى، قال: ثنا سفيانُ، عن عمرو بن دينارٍ، عن رجلٍ من ولد أمِّ سَلَمَةَ، عن أمِّ سَلَمَةَ، أنها قالت: يا رسول الله، لا أسْمَعُ الله ذكَر النساء في الهجرة بشيءٍ. فأَنزَل الله: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ (٤). وقيل: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ﴾. بمعنى: فأجابهم، كما قال الشاعرُ (٥): وداعٍ دعا يا مَن يُجِيبُ إلى النَّدَى … فلم يَسْتَجِبْه عند ذاك مُجيبُ

стр. 4159

بمعنى: فلم يُجبه (١) عند ذاك مجيبٌ. وأُدْخِلَت ﴿مِنْ﴾ في (٢) قوله: ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾. على الترجمة والتفسير عن قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾. بمعنى: لا أضيعُ عَمَلَ عاملٍ منكم من الذكور والإناث. وليست "من" هذه بالتي يجوزُ إسقاطُها وحَذْفُها من الكلام في الجحد؛ لأنها دخَلت بمعنًى لا يصلُحُ الكلام إلَّا به. وزعم بعضُ نحويِّى البصرة أنها دخلت في هذا الموضع كما تدخُلُ في قولهم: قد كان من حديثٍ. قال: و ﴿مِنْ﴾ هاهنا أحسنُ؛ لأن حرف (٣) النهى قد دخل في قوله: ﴿لَا أُضِيعُ﴾. وأنكَر ذلك بعضُ نحويِّى الكوفةِ، وقال: لا تدخُلُ "مِنْ" ولا (٣) تخرج إلَّا في موضع الجحدِ. وقال: قولُه: ﴿لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ﴾. لم يُدْرِكْه الجحدُ؛ لأنك لا تقولُ: لا أضرِبُ غلامَ رجلٍ في الدارِ ولا في البيت. فتُدخِلُ "ولا"؛ لأنه لم يَنَله الجحدُ، ولكن "من" مفسِّرةٌ. وأما قوله: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾. فإنه يعنى: ﴿بَعْضُكُمْ﴾ أيها المؤمنون الذين [يذكرون الله] (٤) قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم، ﴿مِنْ بَعْضٍ﴾؛ في النُّصرة والملَّة (٥) والدين، وحكمُ جميعِكم فيما أنا بكم فاعلٌ (٦) حكم أحدِكم، في أنى لا أضيعُ عمل (٧) ذكرٍ منكم ولا أُنثَى.

стр. 4160

القول في تأويلِ قولِه: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (١٩٥)﴾. يعنى بقوله جلَّ ثناؤه: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾: [يعنى هاجَرُوا] (١) قومَهم من أهلِ الكفرِ وعشيرتَهم، في الله، إلى إخوانهم من أهلِ الإيمان بالله والتصديق برسوله، ﴿وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾. وهم المهاجرون الذين أخرَجهم مشركو قريشٍ من ديارِهم بمكةَ، ﴿وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي﴾. يعنى: وأُوذوا في طاعتهم ربَّهم، وعبادتهم إياه، مخلصين له الدينَ. وذلك هو سبيلُ الله التي أذى فيها المشركون من أهلِ مكةَ المؤمنين برسول الله ﷺ من أهلها، [(وقُتِلُوا). يعنى: وقُتِلُوا في سبيل الله، (وقاتَلُوا) فيها] (٢)، ﴿لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾. يعنى: لأمْحُونَّها عنهم، ولأتَفَضَّلنَّ عليهم بعَفوى ورَحمتى، ولأغْفِرَنَّها لهم، ﴿وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، ﴿ثَوَابًا﴾. يَعْنى: جزاءٌ لهم على ما عملوا وأبلَوا في الله وفى سبيله، ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. يَعْنى: مِن قِبَلِ اللَّهِ لهم، ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾. يَعْنى: أن الله عندَه مِن جزاء أعمالهم لهم (٣) جميعُ صنوفِه، وذلك ما لا يَبْلُغُه وَصْفُ واصفٍ؛ لأنه مما لا عينٌ رأت، [ولا أُذنٌ سمعت] (٤)، ولا خطَر على قلبِ بشرٍ. كما حدَّثنا [أحمدُ بنُ] (٥) عبدِ الرحمنِ بن وهبٍ، قال: ثنا عمِّى عبد الله بنُ

стр. 4161

وهبٍ، قال: ثنى عمرُو بنُ الحارثِ، أن أبا عُشَّانةَ المَعافريَّ حدَّثه، أنه سمع عبدَ الله بنَ عمرِو بن العاصِ يقولُ: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إن أول ثُلَّةٍ (١) تَدْخُلُ (٢) الجنةَ لفقراءُ المهاجرين، الذين تُتَّقى بهم المكارهُ، إذا أُمِروا سمِعوا وأطاعُوا، وإن كانت لرجلٍ منهم حاجةٌ إلى السلطانِ لم تُقضَ (٣) حتى يَمُوتَ وهى في صدرِه، وإن الله يَدْعُو يومَ القيامةٍ الجنةَ، فتأتى بزخرفها وزينتِها، فيقُولُ: أين عبادى الذين قاتَلوا في سبيلى وقُتلوا، وأُوذوا في سبيلى، وجاهَدوا في سبيلى؟ ادخُلوا الجنةَ. فيدْخُلونها بغير عذابٍ ولا حسابٍ، وتأتى الملائكةُ فيسْجُدون ويَقُولون: ربَّنا نحن نُسبِّحُ لك الليلَ والنهارَ، ونُقَدِّسُ لك، من هؤلاء الذين آثَرْتَهم علينا؟ فيقُولُ الربُّ جلَّ ثناؤه: هؤلاء عبادى الذين قاتلوا في سبيلى، وأُوذوا في سبيلى. فتَدْخُلُ الملائكة عليهم من كلِّ بابٍ: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (٤) [الرعد: ٢٤]. واختلفت القرأةُ في قراءة قوله: ﴿وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾ فقرأ بعضُهم: (وَقَتَلُوا وقُتِلُوا). بالتخفيف (٥)، بمعنى: أنهم قَتَلوا من قتلوا من المشركين، [ثم قتلهم المشركون] (٦). وقرأ ذلك آخرون: (وَقاتَلُوا وَقُتُلُوا). بتشديد: (قُتِّلوا) (٧)، بمعنى: أنهم قاتلوا المشركين، وقتَّلهم المشركون بعضًا بعد بعضٍ، وقتلًا بعد قتلٍ.

стр. 4162

وقرأ ذلك عامةُ قرأة المدينةِ وبعضُ الكوفىين: ﴿وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾. بالتخفيف (١)، بمعنى: أنهم قاتلوا المشركين وقُتِلوا. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيين: (وَقُتِلُوا): بالتخفيفِ، (وَقاتَلُوا) (٢). بمعنى: أن بعضَهم قُتِل، وقاتَل مَن بَقى منهم. والقرأةُ التي لا أسْتَجِيزُ أن أغدُوَها إحدى هاتين القراءتين، وهى: ﴿وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾. بالتخفيف، أو: (وقُتِلوا). بالتخفيف، (وَقاتَلُوا). لأنها القراءةُ المنقولة نقل وراثةٍ، وما عَدَاهما فشاذٌّ (٣). وبأيِّ هاتين القراءتين اللتين ذكَرتُ أنى لا أَسْتَجِيزُ أن أعْدُوهما، قرأ قارئٌ فمصيبٌ في ذلك الصوابَ مِن القراءة؛ لاستفاضة القراءة بكلِّ واحدةٍ منهما في قرَأة الإسلام، مع اتفاق معنَييهما. القولُ في تأويل قولِه: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧)﴾. يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ﴾ يا محمدُ، ﴿تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾ يَعْنى: تَصَرُّفُهم في الأرضٍ وضَرْبُهم فيها. كما حدَّثني محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: هو ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾. يقولُ: ضربُهم في البلادِ (٤). فنهى الله تعالى ذكرُه نبيَّه ﷺ عن الاغترار بضربهم في البلاد وإمهال الله إياهم، مع شركهم وجحودهم نِعَمَه، وعبادتهم غيرَه. وخرج الخطابُ بذلك

стр. 4163

للنبيِّ ﷺ ، والمعنيُّ به غيرُه من أتباعه وأصحابه، كما قد بيَّنَّا فيما مضَى قبلُ [مِن أشكاله (١)، وما اغترَّ ﷺ بهم ولا خدَعوه عن شيءٍ] (٢) من أمر الله، ولكن كان بأمرِ الله صادِعًا، وإلى الحقِّ داعيًا. وبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال قتادةُ. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾: والله ما غرُّوا نبيَّ اللهِ، ولا وكَل إليهم شيئًا مِن أَمرٍ الله، حتى قبَضه الله على ذلك (٣). وأما قولُه: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾. فإنه يعنى أن تَقَلُّبَهم في البلادِ وتَصَرُّفَهم فيها مُتعةٌ يُمَتَّعُون (٤) بها قليلًا، حتى يبلُغوا آجالَهم فتَختَرِمَهم منيَّاتُهم، ﴿ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ بعدَ مماتِهم. والمأوى: الموضعُ (٥) الذي يَأْوُون إليه يوم القيامةِ، فيَصِيرون فيه. ويَعنى بقوله: ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾: وبئس الفراشُ والمَضْجَعُ جهنمُ. القولُ في تأويلِ قوله: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (١٩٨)﴾. يعنى بقوله (٦): ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾: لكن الذين اتَّقَوُا الله بطاعتِه واتباع مرضاتِه، في العمل بما أمرَهم به، واجتنابِ ما نهاهم عنه، ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ﴾. يعني: بساتينُ، ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾. يَقُولُ: باقين فيها

стр. 4164

أبدًا، ﴿نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. يعنى: إنزالًا مِن اللَّهِ إياهم فيها أَنزَلَهمُوها. ونَصَبَ ﴿نُزُلًا﴾ على التفسير من قوله: ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. كما يُقالُ: لك عندَ اللهِ جناتٌ تجرى من تحتها الأنهارُ ثوابًا. وكما يُقَالُ: هو لك صدقةً. و: هو لك هبةً. وقوله: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. يَعْنى: مِن قِبَل الله، ومن كرامة الله إياهم، وعطاياه لهم. وقوله: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾. يقولُ: وما عند الله من الحياة والكرامة وحُسن المآب، خيرٌ للأبرار مما يَتَقَلَّبُ فيه الذين كفروا، فإن الذي يَتَقَلُّبون فيه زائلٌ فانٍ، وهو قليلٌ من المتاع خسيسٌ وما عندَ اللهِ (١) مِن كرامته للأبرار - وهم أهل طاعته - باقي غيرُ فانٍ ولا زائلٍ. حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: سمعت ابن زيدٍ يقولُ في قوله: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾. قال: لمن يُطِيعُ اللَّهَ (٢). حدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن الأعمشِ، عن خيثمةَ، عن الأسود، عن عبدِ اللهِ، قال: ما من نفسٍ برَّةٍ ولا فاجرةٍ إلا والموتُ خيرٌ لها. ثم قرأ عبد الله: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾. وقرأ هذه الآية: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ﴾ الآية (٣).

стр. 4165

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن فرَجِ بن فَضالةَ، عن لقمانَ، عن أبي الدرداءِ، أنه كان يقولُ: ما من مؤمنٍ إلا والموتُ خيرٌ له، وما من كافرٍ إلا والموتُ خيرٌ له، ومَن لم يُصَدِّقْنى فإن الله يقولُ: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ ويَقُولُ: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ (١). القولُ في تأويل قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. اختلف أهلُ التأويل في من عُنى بهذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: عُنى بها أَصْحَمةُ النجاشيُّ، وفيه أُنزِلت. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عصام (٢) بن روَّادِ بن الجراحِ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا أبو بكرٍ الهُذليُّ، عن قتادة، عن سعيد بن المسيَّب، عن جابرِ بن عبدِ اللهِ، أن النَّبيَّ ﷺ قال: "اخْرُجوا فصَلُّوا على أخٍ لكم". فخرج (٣) فصلَّى بنا فكبَّر أربع تكبيراتٍ، فقال: "هذا النجاشيُّ أَصْحَمةُ". فقال المنافقون: انْظُروا إلى هذا يُصَلِّي على عِلْجٍ (٤) نصرانيٍّ لم يَرَهُ قَطُّ. فأنزل الله جلَّ وعزَّ: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ الآية (٥).

стр. 4166

حدَّثنا [محمدُ بنُ بشَّارٍ] (١)، قال: ثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنا أبى، عن قتادة، أن النبيَّ ﷺ قال: "إن أخاكم النجاشيَّ قد مات فصلُّوا عليه". قالوا: تُصَلِّى على رجلٍ ليس بمسلمٍ؟ قال: فنزلت: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾. قال قتادةُ: فقالوا: فإنه كان لا يُصَلِّي (٢) القبلة. فأنزل الله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (٣) [البقرة: ١١٥]. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾: ذُكر لنا أن هذه الآية نزَلت في النجاشيِّ وفى ناسِ من أصحابه، آمنوا بنبيِّ الله ﷺ وصدَّقوا به. قال: وذكر لنا أن نبيَّ الله ﷺ اسْتَغْفَرَ للنجاشيِّ وصلَّى عليه حينَ بلَغه موتُه، قال (٤) لأصحابه: "صلُّوا على أخٍ لكم قد مات بغير بلادكم". فقال أناسٌ من أهلِ النفاقِ: يُصَلِّي على رجلٍ مات ليس من أهل دينه؟ فأَنزَلَ اللهُ هذه الآيةَ: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (٥). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاق، قال: أخْبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ

стр. 4167

إِلَيْهِمْ﴾. قال: نزلت في النجاشيِّ وأصحابه ممن آمن بالنبيِّ ﷺ ، واسمُ النجاشيِّ أصحمُة. [قال الثوريُّ: واسمُ النجاشيِّ أصحمةُ] (١). حدَّثنا المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: قال عبدُ الرزاقِ: وقال ابن عيينةَ: اسمُ النجاشيِّ بالعربيةِ عطيةُ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: لما صلَّى النبيُّ ﷺ على النجاشيِّ، طعن في ذلك المنافقون، فنزلت هذه الآيةُ: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ إلى آخِرِها (٣). وقال آخرون: بل عُنِى بذلك عبدُ اللهِ بنُ سَلَامٍ ومَن معه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: [قال آخرون] (٤): نزلت - يَعنى هذه الآية ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ الآية في عبد الله بن سلامٍ ومن معه (٥). حدَّثني يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية كلها. قال: هؤلاء يهودٌ (٦).

стр. 4168

وقال آخرون: بل عُنِى بذلك مُسْلِمةُ أهل الكتاب كلُّهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾: من اليهود والنصارى، وهم مُسْلِمةُ أهل الكتابِ (١). وأولى هذه الأقوال بتأويل الآيةِ ما قال مجاهدٌ، وذلك أن الله جلَّ ثناؤه عمَّ بقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾. أهلَ الكتابِ جميعًا، فلم يخصُصْ منهم النصارى دونَ اليهود، ولا اليهودَ دونَ النصارى، وإنما أخبَر أن مِن أهل الكتاب مَن يُؤمِنُ بالله، وكلا الفريقين - أعنى اليهودَ والنصارى - من أهل الكتاب. فإن قال قائلٌ: فما أنت قائلٌ في الخبرِ الذي رويتَ عن جابرٍ وغيره أنها نزلت في النجاشيِّ وأصحابِه؟ قيل: ذلك خبرٌ في إسنادِه نَظَرٌ، ولو كان صحيحًا لا شكَّ فيه لم يَكُنْ لما قلنا في معنى الآية بخلافٍ (٢)، وذلك أن جابرًا ومَن قال بقوله إنما قالوا: نزلت في النجاشيِّ. وقد تَنْزِلُ الآيةُ في الشئ ثم يُعَمُّ بها كلُّ مَن كان في معناه. فالآيةُ وإن كانت نزلت في النجاشيِّ، فإن الله ﵎ قد جعل الحكم الذي حكَم به للنجاشيِّ حكمًا لجميع عباده الذين هم بصفة النجاشيِّ، في اتباعِهم رسول الله ﷺ والتصديق بما جاءهم به مِن عندِ اللهِ، بعد الذي كانوا عليه قبل ذلك، مِن اتباع أمرِ اللهِ، فيما أمر به عباده في الكتابين؛ التوراة والإنجيل.

стр. 4169

فإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الآية: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: التوراة والإنجيل، ﴿لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾، فيُقرُّ بوحدانيته، ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ أيُّها المؤمنون. يقولُ: وما أنزل إليكم من كتابه ووحيه على لسانِ رسولِه محمدٍ ﷺ ، ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾. يَعْنى: وما أُنزِل إلى أهل الكتاب من الكتب، وذلك التوراةُ والإنجيلُ والزَّبُورُ، ﴿خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾. يَعْنى: خاضعين لله بالطاعة له، مُسْتَكِينين له بها متذلِّلين. كما حدَّثنا يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني ابن زيدٍ في قوله: ﴿خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾. قال: الخاشع المتذلِّلُ للهِ الخائفُ. ونَصَب قوله: ﴿خَاشِعِينَ﴾. على الحالِ مِن قوله ﴿لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ ﴿خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾. وهو حالٌ مما في ﴿يُؤْمِنُ﴾ من ذكر ﴿مِنْ﴾. ﴿لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. يقُولُ: لا يُحرِّفون ما أنزل الله إليهم في كتبه من نعتِ محمدٍ ﷺ ، فيُبدِّلونه، ولا غيرَ ذلك مِن أحكامه وحُجَجه فيه، لعرضٍ من الدنيا خسيسٍ، يُعْطَوْنه على ذلك التبديل، وابتغاء الرياسة على الجهال، ولكنَّهم يَنْقادُون للحقِّ، فيعملون بما أمرهم الله به فيما أنزل إليهم في كتبِه، ويَنْتَهُون عما نهاهم عنه فيها، ويُؤثرون أمر الله على هوى أنفسهم. القولُ في تأويل قوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩٩)﴾. يعنى جلَّ ثناؤه بقوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾: هؤلاء الذين يُؤْمِنون بالله وما أُنزل إليكم وما أُنزِل إليهم، ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. يَعْنى: لهم عِوَضُ أعمالهم التي عملوها، وثوابُ طاعتهم ربَّهم فيما أطاعوه فيه، ﴿عِنْدَ

стр. 4170

رَبِّهِمْ﴾. يَعْنى: مذخورٌ ذلك لهم لديه، حتى يَصيروا إليه في القيامةِ فيُوَفِّيَهم ذلك، ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. وسرعةُ حسابه تعالى ذكرُه أنه لا يَخْفَى عليه شيءٌ من أعمالهم قبل أن يَعْمَلوها وبعد ما عملوها، فلا حاجة به إلى إحصاء عدد ذلك، فيقع في الإحصاء إبطاءٌ، فلذلك قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. القول في تأويل قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾. اختلف أهلُ التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: اصبِروا على دينكم، وصابروا الكفار ورابطوهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا المثنى، قال: ثنا سويدُ بن نصرٍ، قال: أخْبرَنا ابن المبارك، عن المبارك بن فضالة، عن الحسن أنه سمعه يقولُ في قولِ اللهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾. قال: أمرهم أن يصبروا على دينهم، فلا يَدَعوه لشدّةٍ ولا رخاءٍ، ولا سرَّاءَ ولا ضرَّاءَ، وأمرهم أن يُصابروا الكفارَ، وأن يُرابطوا المشركين (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾. أي: اصبروا على طاعة الله، وصابِروا أهل الضلالة، ورابطوا في سبيل الله، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢).
следующие страницы →