← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.

стр. 4166

حدَّثنا [محمدُ بنُ بشَّارٍ] (١)، قال: ثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنا أبى، عن قتادة، أن النبيَّ ﷺ قال: "إن أخاكم النجاشيَّ قد مات فصلُّوا عليه". قالوا: تُصَلِّى على رجلٍ ليس بمسلمٍ؟ قال: فنزلت: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾. قال قتادةُ: فقالوا: فإنه كان لا يُصَلِّي (٢) القبلة. فأنزل الله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (٣) [البقرة: ١١٥]. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾: ذُكر لنا أن هذه الآية نزَلت في النجاشيِّ وفى ناسِ من أصحابه، آمنوا بنبيِّ الله ﷺ وصدَّقوا به. قال: وذكر لنا أن نبيَّ الله ﷺ اسْتَغْفَرَ للنجاشيِّ وصلَّى عليه حينَ بلَغه موتُه، قال (٤) لأصحابه: "صلُّوا على أخٍ لكم قد مات بغير بلادكم". فقال أناسٌ من أهلِ النفاقِ: يُصَلِّي على رجلٍ مات ليس من أهل دينه؟ فأَنزَلَ اللهُ هذه الآيةَ: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (٥). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاق، قال: أخْبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ

стр. 4167

إِلَيْهِمْ﴾. قال: نزلت في النجاشيِّ وأصحابه ممن آمن بالنبيِّ ﷺ ، واسمُ النجاشيِّ أصحمُة. [قال الثوريُّ: واسمُ النجاشيِّ أصحمةُ] (١). حدَّثنا المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: قال عبدُ الرزاقِ: وقال ابن عيينةَ: اسمُ النجاشيِّ بالعربيةِ عطيةُ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: لما صلَّى النبيُّ ﷺ على النجاشيِّ، طعن في ذلك المنافقون، فنزلت هذه الآيةُ: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ إلى آخِرِها (٣). وقال آخرون: بل عُنِى بذلك عبدُ اللهِ بنُ سَلَامٍ ومَن معه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: [قال آخرون] (٤): نزلت - يَعنى هذه الآية ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ الآية في عبد الله بن سلامٍ ومن معه (٥). حدَّثني يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية كلها. قال: هؤلاء يهودٌ (٦).

стр. 4168

وقال آخرون: بل عُنِى بذلك مُسْلِمةُ أهل الكتاب كلُّهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾: من اليهود والنصارى، وهم مُسْلِمةُ أهل الكتابِ (١). وأولى هذه الأقوال بتأويل الآيةِ ما قال مجاهدٌ، وذلك أن الله جلَّ ثناؤه عمَّ بقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾. أهلَ الكتابِ جميعًا، فلم يخصُصْ منهم النصارى دونَ اليهود، ولا اليهودَ دونَ النصارى، وإنما أخبَر أن مِن أهل الكتاب مَن يُؤمِنُ بالله، وكلا الفريقين - أعنى اليهودَ والنصارى - من أهل الكتاب. فإن قال قائلٌ: فما أنت قائلٌ في الخبرِ الذي رويتَ عن جابرٍ وغيره أنها نزلت في النجاشيِّ وأصحابِه؟ قيل: ذلك خبرٌ في إسنادِه نَظَرٌ، ولو كان صحيحًا لا شكَّ فيه لم يَكُنْ لما قلنا في معنى الآية بخلافٍ (٢)، وذلك أن جابرًا ومَن قال بقوله إنما قالوا: نزلت في النجاشيِّ. وقد تَنْزِلُ الآيةُ في الشئ ثم يُعَمُّ بها كلُّ مَن كان في معناه. فالآيةُ وإن كانت نزلت في النجاشيِّ، فإن الله ﵎ قد جعل الحكم الذي حكَم به للنجاشيِّ حكمًا لجميع عباده الذين هم بصفة النجاشيِّ، في اتباعِهم رسول الله ﷺ والتصديق بما جاءهم به مِن عندِ اللهِ، بعد الذي كانوا عليه قبل ذلك، مِن اتباع أمرِ اللهِ، فيما أمر به عباده في الكتابين؛ التوراة والإنجيل.

стр. 4169

فإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الآية: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: التوراة والإنجيل، ﴿لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾، فيُقرُّ بوحدانيته، ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ أيُّها المؤمنون. يقولُ: وما أنزل إليكم من كتابه ووحيه على لسانِ رسولِه محمدٍ ﷺ ، ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾. يَعْنى: وما أُنزِل إلى أهل الكتاب من الكتب، وذلك التوراةُ والإنجيلُ والزَّبُورُ، ﴿خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾. يَعْنى: خاضعين لله بالطاعة له، مُسْتَكِينين له بها متذلِّلين. كما حدَّثنا يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني ابن زيدٍ في قوله: ﴿خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾. قال: الخاشع المتذلِّلُ للهِ الخائفُ. ونَصَب قوله: ﴿خَاشِعِينَ﴾. على الحالِ مِن قوله ﴿لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ ﴿خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾. وهو حالٌ مما في ﴿يُؤْمِنُ﴾ من ذكر ﴿مِنْ﴾. ﴿لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. يقُولُ: لا يُحرِّفون ما أنزل الله إليهم في كتبه من نعتِ محمدٍ ﷺ ، فيُبدِّلونه، ولا غيرَ ذلك مِن أحكامه وحُجَجه فيه، لعرضٍ من الدنيا خسيسٍ، يُعْطَوْنه على ذلك التبديل، وابتغاء الرياسة على الجهال، ولكنَّهم يَنْقادُون للحقِّ، فيعملون بما أمرهم الله به فيما أنزل إليهم في كتبِه، ويَنْتَهُون عما نهاهم عنه فيها، ويُؤثرون أمر الله على هوى أنفسهم. القولُ في تأويل قوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩٩)﴾. يعنى جلَّ ثناؤه بقوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾: هؤلاء الذين يُؤْمِنون بالله وما أُنزل إليكم وما أُنزِل إليهم، ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. يَعْنى: لهم عِوَضُ أعمالهم التي عملوها، وثوابُ طاعتهم ربَّهم فيما أطاعوه فيه، ﴿عِنْدَ

стр. 4170

رَبِّهِمْ﴾. يَعْنى: مذخورٌ ذلك لهم لديه، حتى يَصيروا إليه في القيامةِ فيُوَفِّيَهم ذلك، ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. وسرعةُ حسابه تعالى ذكرُه أنه لا يَخْفَى عليه شيءٌ من أعمالهم قبل أن يَعْمَلوها وبعد ما عملوها، فلا حاجة به إلى إحصاء عدد ذلك، فيقع في الإحصاء إبطاءٌ، فلذلك قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. القول في تأويل قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾. اختلف أهلُ التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: اصبِروا على دينكم، وصابروا الكفار ورابطوهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا المثنى، قال: ثنا سويدُ بن نصرٍ، قال: أخْبرَنا ابن المبارك، عن المبارك بن فضالة، عن الحسن أنه سمعه يقولُ في قولِ اللهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾. قال: أمرهم أن يصبروا على دينهم، فلا يَدَعوه لشدّةٍ ولا رخاءٍ، ولا سرَّاءَ ولا ضرَّاءَ، وأمرهم أن يُصابروا الكفارَ، وأن يُرابطوا المشركين (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾. أي: اصبروا على طاعة الله، وصابِروا أهل الضلالة، ورابطوا في سبيل الله، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢).

стр. 4171

حدَّثنا الحسن بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾. يقولُ: صابِروا المشركين، ورابطوا في سبيل الله (١). حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿اصْبِرُوا﴾ على الطاعة، ﴿وَصَابِرُوا﴾ أعداء الله، ﴿وَرَابِطُوا﴾ في سبيل الله. حدَّثنا يحيى بنُ أبى طالب، قال: أخْبرَنا يزيدُ، قال: أخْبرَنا جويبرٌ، عن الضحاكِ في قوله: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾. قال: اصبروا على ما أُمرتم به، وصابروا العدوَّ ورابطوهم. وقال آخرون: [معنى ذلك] (٢): اصبروا على دينكم، وصابِروا وَعْدى إياكم على طاعتكم لى، ورابطوا أعداءَكم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني أبو صخرٍ، عن محمدِ بن كعب القُرَظِيِّ، أنه كان يقولُ في هذه الآية: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ يقولُ: اصبروا على دينكم، وصابروا الوعد الذي وعدتُكم، ورابطوا عدوِّى وعدوَّكم حتى يَتْرُكَ دينَه لدينِكم (٣). وقال آخرون: معنى ذلك: اصبروا على الجهاد، وصابروا عدوَّكم ورَابطوهم.

стр. 4172

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا جعفرُ بنُ عونٍ، قال: أخْبرَنا هشامُ بن سعدٍ، عن زيدِ بن أسلمَ في قوله: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾. قال: اصبروا على الجهادِ، وصابروا عدوَّكم، ورابطوا على عدوِّكم (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا مُطَرِّفُ بنُ عبدِ الله المدنيُّ (٢)، قال: ثنا مالكٌ - يعنى ابن أنسٍ - عن زيد بن أسلمَ، قال: كتب أبو عبيدة بنُ الجراح إلى عمر بن الخطاب، يَذْكُرُ له جموعًا من الروم، وما يَتَخوَّفُ منهم، فكتب إليه عمرُ: أما بعد، فإنه مهما نزل بعبدٍ مؤمنٍ من منزلة شدَّةٍ، يجعَلُ الله له بعدَها فرجًا، وإنه لن يَغْلِبَ عسرٌ يُسرين، وإن الله ﵎ يَقُولُ في كتابه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٣). وقال آخرون: معنى قوله: ﴿وَرَابِطُوا﴾. أي: رابطوا على الصلوات، أي: انتظروها واحدةً بعد واحدةٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخْبرَنا ابن المبارك، عن مصعب بن ثابتِ بن عبد الله بن الزبير، قال: ثنى داودُ بن صالحٍ، قال: قال لى أبو سلمةَ بنُ

стр. 4173

عبد الرحمن: يا بن أخى، هل تَدْرِى في أيِّ شيءٍ نزلت هذه الآيةُ: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾؟ قال: قلتُ: لا. قال: [إنه يا بنَ أخى] (١) لم يَكُنْ في زمانِ النبيِّ ﷺ غَزْوٌ يُرابَط فيه، ولكنه انتظارُ الصلاة خلف الصلاةِ (٢). حدَّثني أبو السائب، قال: ثنا ابن فضيلٍ، عن عبد الله بن سعيدٍ المقبريِّ، عن جدِّه، عن شُرَحبيلٍ، عن عليٍّ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "ألا أدُلُّكم على ما يُكَفِّرُ [الله به] (٣) الذنوب والخطايا؟ إسباغُ الوضوء على المكاره، وانتظارُ الصلاةِ بعد الصلاةِ، فذلك الرِّباطُ (٤). حدَّثنا موسى بنُ سهلٍ الرمليُّ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مهاجرٍ، قال: ثنى يحيى بنُ يزيدَ، عن زيدِ بن أبى أُنَيسةَ، عن شُرَحبيلٍ، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "ألا أدُلُّكم على ما يَمْحُو الله به الخطايا، ويُكفِّرُ به الذنوب؟ قال: قلنا: بلى يا رسولَ اللهِ. قال: "إسباغُ الوضوء في أماكنها، وكثرةُ الخُطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرِّباط" (٥). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ مَخْلَدٍ، قال: ثنا محمدُ بن جعفرٍ، عن العلاء بن عبدِ الرحمنِ، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "ألا

стр. 4174

أدُلُّكم على ما يَحُطُّ الله به (١) الخَطايا، ويَرْفَعُ به الدرجات"؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "إسباغُ الوُضوء عند المكاره، وكثرةُ الخُطا إلى المساجد، وانتظارُ الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرِّباط، فذلكم الرِّباطُ" (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ جعفرٍ، عن العلاءِ بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ بنحوه (٣). قال أبو جعفرٍ: وأولى التأويلات بتأويل الآية قولُ مَن قال في ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: يا أيُّها الذين صدَّقوا الله ورسوله، ﴿اصْبِرُوا﴾ على دينِكم وطاعة ربِّكم. وذلك أن الله جل ثناؤُه لم يَخْصُصُ من معاني الصبر على الدين والطاعة شيئًا فيَجُوزَ إخراجُه من ظاهرِ التنزيل؛ فلذلك قلنا: إنه عَنَى بقوله: ﴿اصْبِرُوا﴾. الأمر بالصبر على جميع معاني طاعة الله فيما أمر به ونهى؛ صعبها وشديدها، وسهلها (٤) وخفيفها. ﴿وَصَابِرُوا﴾. يعنى: وصابروا أعداءكم من المشركين. وإنما قلنا: ذلك أولى بالصواب؛ لأن المعروف من كلام العرب في المفاعلة أن تكونَ من فريقين، أو اثنين فصاعدًا، ولا تكونُ من واحدٍ إلا قليلًا في أحرفٍ

стр. 4175

معدودة. وإذ كان ذلك كذلك، فإنما أُمر المؤمنون أن يُصابروا غيرهم من أعدائهم حتى يُظْفِرَهم الله بهم، ويُعْلِيَ كلمته، ويُخْزِى أعداءهم، وألا يكونَ (١) عدوُّهم أصبرَ منهم. وكذلك قوله: ﴿وَرَابِطُوا﴾. معناه: ورابطوا أعداءكم وأعداء دينكم من أهل الشركِ في سبيل الله. وأرَى أصلَ الرِّباط ارتباط الخيلِ للعدوِّ، كما ارتبط عدوُّهم لهم خيلهم (٢)، ثم استُعمل ذلك في كلِّ مقيمٍ في ثغرٍ يَدْفَعُ عمن وراءه من أرادهم من أعدائهم بسوءٍ، ويَحْمى عنهم من بينه وبينهم ممن بغاهم بشرٍّ، كان ذا خيلٍ قد ارتَبَطها، أو ذا رُجْلةٍ (٣) لا مَرْكبَ له. وإنما قلنا: معنى: ﴿وَرَابِطُوا﴾: ورابطوا أعداءكم وأعداء دينكم؛ لأن ذلك هو المعنى المعروفُ من معاني الرِّباطِ، وإنما يُوَجَّهُ الكلامُ إلى الأغلب المعروفِ في استعمال الناسِ مِن معانيه دونَ الخَفَيِّ، حتى تأتى بخلاف ذلك - مما (٤) يُوجِبُ صرفه إلى الخَفَيِّ مِن معانيه - حجةٌ يَجِبُ التسليمُ لها، من كتاب الله ، أو خبر عن الرسول ﷺ ، أو إجماعٍ من أهل التأويل. القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾. قال أبو جعفرٍ: يعنى تعالى ذكرُه: واتَّقوا الله أيها المؤمنون، فاحذروه أن

стр. 4176

تخالِفوا أمرَه أو (١) تَتَقَدَّموا على نهيه، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. يقولُ: لتُفْلِحوا فتبقوا في نعيم الأبدِ، وتُنْجِحوا في طلباتكم عنده. كما حدَّثنا يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني أبو صخرٍ، عن محمد بن كعبٍ القرظيِّ أنه كان يقولُ في قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: واتَّقونى (٢) فيما بينى وبينكم، لعلكم تُفلِحون غدًا إذا لَقِيتُموني (٣). تمَّ التفسيرُ تفسيرُ سورة "آل عمران" والحمدُ لله ربِّ العالمين

стр. 4177

القولُ في تفسير السورة التي يُذكر فيها النساءُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ القول في تأويل قوله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾. قال أبو جعفر: يعنى جلَّ ثناؤُه بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾. احْذَروا أيُّها الناسُ ربَّكم في أن تُخالفوه فيما أمركم أو فيما نهاكم، فيُحِلَّ بكم مِنْ عقوبته ما لا قبل لكم به، ثم وصف تعالى ذكرُه نفسه بأنه المتوحِّدُ بخلقِ جميع الأنامِ من شخصٍ واحدٍ، وعرَّف عبادَه كيف كان مبتدأُ انتشائِه ذلك من النفس الواحدة (١)، مُنَبِّهَهم بذلك على أن جميعهم بنو رجلٍ واحدٍ وأم واحدةٍ، وأن بعضهم من بعضٍ، وأن حقَّ بعضهم على بعضٍ واجبٌ وجوبَ حقَّ الأخ على أخيه؛ لاجتماعهم في النسب إلى أبٍ واحدٍ وأمِّ واحدةٍ، وأن الذي يَلْزَمُهم مِن رعاية بعضهم حقَّ بعض - وإن بُعد التلاقى في النسب إلى الأب الجامع بينَهم، مثلُ الذي يَلْزَمُهم مِن ذلك في النسب [إلى الأب] (٢) الأدنى، وعاطفًا بذلك بعضهم على بعضٍ، ليتناصفوا ولا يَتَظالموا، وليَبْذُلَ القويُّ منهم من نفسه للضعيف حقَّه بالمعروفِ على ما ألزمه الله له، فقال: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾. يعنى: من آدم ﵇. كما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضلٍ، قال: ثنا

стр. 4178

أَسْباطُ، عن السُّدِّيِّ: أما خَلْقُكم من نفسٍ واحدةٍ فمن آدم (١). حدَّثنا (٢) بشرُ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾. يَعْنى: آدم ﷺ (٣). حدَّثنا [سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى] (٤)، عن سفيان، عن رجلٍ واحدٌ (٥)، عن مجاهدٍ: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾. قال: آدمُ (٦). ونظيرُ قوله: ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾، والمعنيُّ به رجلٌ، قول الشاعرِ (٧): أبوك خليفةٌ ولدته أخرى … وأنت خليفةٌ ذاك الكمالُ فقال: ولدته أخرى. وهو يُريدُ الرجل، فأنَّث للفظ الخليفة، وقال تعالى ذكرُه: ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾. لتأنيثِ النفس، والمعنى: من رجلٍ واحدٍ، ولو قيل: "من نفس واحدٍ". فأُخْرِج اللفظُ (٨) على التذكير للمعنى كان صوابًا. القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾. يعنى بقوله جل ثناؤه: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾: وخلق من النفس الواحدة زوجها، يعنى بالزوج: الثاني لها. وهو فيما قال أهلُ التأويل، امرأتُها حواءُ.

стр. 4179

[ذكرُ مَن قال ذلك] (١) حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾. قال: حوّاءُ مِن قُصَيْرَى (٢) آدم وهو نائمٌ، فاستيقظ فقال: أثا. بالنَّبطيَّة امرأةٌ (٣). حدَّثني المثَنّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٤). حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾: يَعْنى حوّاء، خُلِقت مِن آدمَ من ضِلَعٍ مِن أضلاعه (٥). حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حَمَّادٍ، قال: ثنا أَسْباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: أَسْكن آدمُ الجنةَ، فكان يمشى فيها وَحْشًا ليس له زوجٌ يَسْكُنُ إليها، فنام نومةٌ فاستيقظ، وإذا عند رأسه امرأةٌ قاعدةً، خلقها الله من ضِلعِه، فسألها: ما أنت؟! قالت: امرأَةٌ. قال: ولم خُلِقْتِ؟ قالت: لتَسْكُنَ إليَّ (٦). حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، قال: أَلْقَى على آدم ﷺ السِّنَةَ - فيما بلغنا عن أهل الكتاب من أهل التوراة، وغيرهم من أهل العلم، عن

стр. 4180

عبد الله بن عباس وغيره - ثم أخَذ ضِلَعًا من أضلاعه مِن شِقِّه الأيسر، ولأَم مكانه لحمًا (١)، وآدم نائمٌ لم يَهْبُبْ مِن نومتِه، حتى خلَق اللهُ مِن ضِلَعِه تلك زوجته حَوّاءَ، فسواها امرأةً ليَسْكُنَ إليها، فلما كشَفَ (٢) عنه السِّنةَ وهَبَّ مِن نومتِه، رآها إلى جنبِه، فقال - فيما يَزْعُمون والله أعلم -: لحمى ودَمى وزوجتى. فسكن إليها (٣). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضَّل، قال: ثنا أَسْباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾: جَعَل مِن آدمَ حوّاءَ (٤). وأما قولُه: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾. فإنه يعنى: ونشر منهما؛ يعنى من آدم وحواء ﵉ رجالًا كثيرًا ونساءً قد رآهم، كما قال جل ثناؤُه: ﴿كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة: ٤]. يقالُ منه: بثَّ الله الخلقَ، وأبَثَّهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّل، قال: ثنا أَسْباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾: وبثَّ: خلَق (٥). القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾: اختلفت القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقرأته عامَّة قرأة أهل المدينةِ والبصرةِ:

стр. 4181

(تَسَّاءَلُونَ) بالتشديد (١)، بمعنى [تَتَساءَلون، ثم أدغم] (٢) إحدى التاءين في السين، فجعلهما سينًا مشددةً. وقرَأه بعضُ قرأة الكوفة: ﴿تَسَاءَلُونَ﴾ بالتخفيف (٣)، على مثالِ تَفَاعَلون. وهما قراءتان معروفتان، ولغتان فَصيحتان، أعنى التشديد والتخفيف في قوله: ﴿تَسَاءَلُونَ﴾. فبأيِّ ذلك قرأ القارئُ أصاب الصواب فيه؛ لأن معنى ذلك بأيِّ وجْهَيه قُرِيء غيرُ مختلفٍ. وأما تأويلُه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. أيُّها الناسُ، الذي إذا سأل بعضُكم بعضًا سأل به، فقال السائلُ للمسئول: أسألُك بالله، وأَنْشُدُك بالله، وأعزِمُ عليك بالله. وما أشبه ذلك، يقولُ تعالى ذكرُه: فكما تعظِّمون أيُّها الناسُ ربَّكم بألسنتكم، حتى تَرَوا أن مَن أعطاكم عهدَه فأَخْفَرَكُمُوه (٤)، فقد أتى عظيمًا، فكذلك فعظِّموه بطاعتكم إياه فيما أمركم به (٥)، واجتنابكم ما نهاكم عنه،، واحْذَروا عقابه في (٦) مخالفتكم إياه فيما أمركم به أو نهاكم عنه. كما حدَّثنى المُثَنّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيرٍ، عن جُوَيبِرٍ، عن الضحّاكِ في قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾. قال: يَقُولُ: اتقوا الله الذي به تَعَاقدون وتَعاهَدون (٧).

стр. 4182

حدَّثني المُثَنّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾. يَقُولُ: اتقوا الله الذي به تَعاقَدون وتَعاهَدون (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجّاجٌ، عن [ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه] (٢)، عن [الرَّبيع بن أنسٍ بمثله. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حَجّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال] (٣) ابن عباسٍ: ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾. قال: تعاطفون به (٤). وأما قولُه: ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾. فإن أهل التأويل اختلَفوا في تأويله؛ فقال بعضُهم: معناه واتقُوا الله الذي إذا سألتم بينكم، قال السائلُ للمسئول: أسألُك به وبالرَّحم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حَكّامٌ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن إبراهيم: (اتَّقُوا اللَّهَ الذي تساءلُونَ به والأرحام) (٥). [يَقُولُ: اتقوا الله الذي تعاطفون بهِ. (والأرحام)] (٦)، يقول: الرجلُ يَسْأَلُ بالله وبالرحم (٧).

стр. 4183

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيم، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: هو كقول الرجلِ: أسألك بالله أسألُكَ (١) بالرحم، يَعنى قوله: (اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ به وَالأَرْحَامِ) (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: (اتَّقُوا الله الذي تَسَاءَلُونَ بِه والأَرْحَامِ). قال: يَقولُ: أسألُك بالله وبالرحم" (٣). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن مُغيرة، عن إبراهيمَ: هو كقولِ الرجلِ: أسألُك بالرحمِ. حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: (اتَّقُوا اللَّهَ الذِي تَسَاءَلُونَ بِه والأَرْحَامِ). قال: يَقُولُ: أسألك بالله وبالرحم (٤). حدَّثنا المثنى، قال: ثنا الحمّانيُّ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن منصورٍ أو مُغيرةَ، عن إبراهيمَ في قوله: (اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِى تَسَاءَلُونَ بِه والأَرْحَامِ). قال: هو قولُ الرجل: أسألك بالله وبالرَّحِمِ. حدَّثني المُثَنّى، قال: ثنا سُوَيدٌ، قال: أخْبرَنا ابن المُبَارَكِ، عن مَعْمَرٍ، عن الحسن، قال: هو قولُ الرجلِ: أَنْشُدُك بالله وبالرحمِ (٤).

стр. 4184

قال أبو جعفرٍ: وعلى هذا التأويل قرأ (١) بعضُ مَن قرأ قوله: (والأرْحامِ) بالخفض، عطفًا بالأرحام على الهاء التي في قوله: ﴿بِهِ﴾ (٢). كأنه أراد: واتقوا الله الذي تَسَاءَلون به وبالأرحام. فعطف بظاهر على مكنيٍّ مخفوضٍ، وذلك غيرُ فصيحٍ من الكلام عند العرب؛ لأنها [لا تَنْسُقُ بظاهرٍ على مَكْنيٍّ] (٣) في الخفضِ إلا في ضرورة شعرٍ، وذلك لضيق الشِّعرِ. وأما الكلام فلا شيء يضطرُّ المتكلم إلى اختيار المكروه من المنطق والردئ في الإعراب منه، ومما جاء في الشعر من ردِّ ظاهرٍ على مكنيٍّ في حال الخفض قولُ الشاعر (٤): نُعَلِّقُ (٥) في مثل السَّوارِى سُيوفنا … وما بينها والكَعْب [غَوْطٌ نَفَائِفُ] (٦) فعطف بالكعب، وهو ظاهرٌ، على الهاءِ والألف في قوله: "بينها". وهى مكنيةٌ. وقال آخرون: بل (٧) تأويل ذلك: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾. واتقوا الأرحام أن تَقْطَعوها.

стр. 4185

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بن المُفَضَّل، قال: ثنا أَسْباطُ، عن السُّدِّي في قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾. يَقُولُ: اتقُوا الله واتقوا الأرحام لا تقطعوها (١). حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢). ذُكر لنا أن نبيَّ الله ﷺ كان ما يَقُولُ: "اتقوا الله وصِلُوا الأرحامَ، فإنه أبقى لكم في الدنيا، وخيرٌ لكم في الآخرة" (٣). حدَّثنا عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبى طلحة، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾. يَقُولُ: اتقوا الله الذي تَسَاءلون به، واتقوا الله في الأرحام فصِلُوها (٤). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن منصورٍ، عن الحسنِ في قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾. قال: اتقوا الله الذي تَسَاءَلون به، واتَّقوه في الأرحام (٥). حدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا أبى، عن سفيان، عن خُصيفٍ، عن عِكْرِمَةَ في قولِ

стр. 4186

الله : ﴿الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾. قال: اتَّقوا الأرحام أن تَقْطَعوها (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ يَحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن الحسنِ في قوله: (اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِى تَسَاءَلُونَ بِهِ والأَرْحَامِ). قال: هو قولُ الرجلِ: أنشدك باللهِ والرَّحِم (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يَحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ، أن النبي ﷺ قال: "اتقُوا الله وصلُوا الأرحام" (٣). حدَّثنى المُثَنّى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾. قال: اتقُوا الأرحام أن تَقْطَعوها (٤). حدَّثنى المُثَنّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنى أبو زُهَيرٍ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحّاك في قوله: ﴿الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾. قال: يَقُولُ: واتَّقُوا الله في الأرحام فصِلُوها (٥). حدَّثني المُثنّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع: (اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِى تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامِ). قال: يَقُولُ: واتَّقُوا الله في الأرحامِ فصِلُوها (٦).

стр. 4187

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، عن [عبد الرحمن] (١) بن أبى حمادٍ، [وأخْبرَنا أبو جعفرٍ] (٢) الخَزّازُ، عن جويبرٍ، عن الضحّاكِ، أن ابن عباسٍ كان يَقْرَأُ: ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾. يَقُولُ: اتقوا الله لا تَقْطَعوها (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: يقولُ اتَّقُوا الأرحام (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الرَّبيع، قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾: أَن تَقْطَعوها (٥). حدَّثني يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ [وَالْأَرْحَامَ﴾. قال: يقولُ: اتقوا الله الذي تساءلون به] (٦) واتَّقُوا الأرحام أن تَقْطَعُوها .. وقرأ: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ (٧) [الرعد: ٢١]. قال أبو جعفرٍ: وعلى هذا التأويل قرأ ذلك من قرأه نصبًا، بمعنى واتَّقُوا الله الذي تساءلون به، واتقُوا الأرحام أن تَقْطَعوها، عطفا بالأرحام في إعرابها بالنصب على اسم الله تعالى ذكره.

стр. 4188

قال: والقراءةُ التي لا أَسْتَجِيزُ لقارئ أن يقرأ غيرَها في ذلك النصبُ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾. بمعنى: واتقوا الأرحام أن تقطعوها؛ لما قد بينّا من أن العرب لا تَعْطِفُ بظاهرٍ من الأسماء على مكنيٍّ في حال الخفض إلا في ضرورة شعرٍ، على ما وصَفْتُ قبلُ. القولُ في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾. قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكرُه بذلك: إن الله لم يَزَلْ عليكم رقيبًا، ويَعْنى بقوله: ﴿عَلَيْكُمْ﴾: على الناس الذين قال لهم: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾. و [إنما قال ﴿عَلَيْكُمْ﴾ وهو يعنى الذين خوطبوا بالآية ومن قد مضى من بنى آدم؛ لأن] (١) المخاطَب والغائب إذا اجتمَعا في الخبر، فإن العرب تُخْرِج الكلامَ على الخطاب، فتقولُ - إذا خاطَبَتْ رجلًا واحدًا أو جماعةً فعَلتْ هي وآخرون غُيَّبٌ معهم فعلًا -: فعلتم كذا، وصنعتم كذا. ويعنى بقوله: ﴿رَقِيبًا﴾: حفيظًا مُحْصِيًا عليكم أعمالَكم، مُتَفَقِّدًا رعايتكم حرمة أرحامكم وصِلتَكم إياها، أو قَطْعَكُمُوها وتضييعَكم حرمتَها. كما حدَّثنا المُثَنّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ له: حفيظًا (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: سمعت ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. على أعمالكم، يَعْلَمُها ويَعْرفُها (٣).

стр. 4189

ومنه قولُ أبى دُوادٍ الإيادِيِّ (١): كمقاعِد الرُّقباء للضُّـ … ـــرباءِ أيديهم نواهِدْ (٢) القولُ في تأويل قوله: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾. قال أبو جعفرٍ: يَعنى بذلك تعالى ذكرُه أوصياء اليتامى، يَقُولُ لهم: وأعطُوا يا معشَرَ أوصياءِ اليتامى اليتامى (٣) أموالهم، إذا هم بلغوا الحُلُمَ، وأُويس منهم الرُّشْدُ، ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ يَقُولُ: ولا تَسْتَبدلوا الحرام عليكم من أموالهم بأموالكم الحلال لكم. كما حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قول الله جل وعز: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾. قال: الحلال بالحرام (٤). حدَّثنى المُثَنّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، -، عن مجاهدٍ مثله (٥). حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾. قال: الحرام مكانَ الحلال (٥).

стр. 4190

قال أبو جعفرٍ: ثم اختلف أهلُ التأويلِ في صفة تبدُّلهم الخبيث (١) بالطَّيبِ الذي نُهُوا عنه ومعناه؛ فقال بعضُهم: كان أوصياءُ اليتامى يَأْخُذون الجيدَ مِن مالِهم (٢) والرفيعَ منه، ويجعلون مكانه لليتيم الردئ والخسيسَ، فذلك تبديلُهم الذي نهاهم الله تعالى عنه. ذكرُ مِن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، عن سفيانَ، عن مُغيرة، عن إبراهيمَ: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾. قال: لا تُعْطِ زَيْفًا وتأخذ جيدًا (٣). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن سفيان، عن السديِّ، وعن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيدٍ بن المسيبِ، ومَعْمَرٍ عن الزهريِّ، قالوا: يُعْطِى مَهْزولًا ويَأْخُذُ سمينًا. حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن الضحاك، قال: لا تُعْطِ فاسدًا وتَأْخُذَ جيدًا (٤). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أَسْباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾: كان أحدُهم يَأْخُذُ الشاةَ السمينةَ مِن غنمِ

стр. 4191

اليتيم، ويَجْعَلُ (١) مكانَها الشاةَ المهزولة، ويَقُولُ: شاةٌ بشاةٍ. ويَأْخُذُ الدرهم الجيدَ ويَطْرَحُ مكانَه الزيفَ، ويَقُولُ: درهمٌ بدرهمٍ (٢). وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تَسْتَعْجِلِ الرزقَ الحرامَ وتَأْكُلُه قبل أن يَأتيَك الذي قد قُدِّر لك من الحلال. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾. قال: لا تَعْجَلْ بالرزق الحرام قبل أن يأتيك الحلالُ الذي قُدِّر لك (٣). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ عن سفيانَ، عن إسماعيل، عن أبي صالحٍ مثله (٤). وقال آخرون: بل معنى ذلك كالذى حدَّثني يونسُ بنُ عبد الأعلى، قال: أخْبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾. قال: كان أهلُ الجاهلية لا يُورِّثون النساء ولا يُوَرِّثون الصغارَ، يَأْخُذُه الأكبرُ، وقرأ: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]. قال: إذا لم يَكُنْ لهن (٥) شيءٌ، ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾ لا [تُوَرِّثُونَهم شيئًا] (٦)، قال: فنصيبُه من الميراث

стр. 4192

طيبٌ، وهو للذى أخَذه خبيثٌ (١). قال أبو جعفرٍ: وأولى هذه الأقوال بتأويل هذه الآية قولُ مَن قال: تأويلُ ذلك: ولا تَتَبدَّلوا أموالَ أيتامكم - أيُّها الأوصياءُ - الحرام عليكم، الخبيثَ لكم، فتأخُذوا رفائعَها وجيادَها وخيارَها، بالطيبِ الحلالِ لكم من أموالكم [وتجعلوا] (٢) الردئ الخسيسَ بدلًا منه. وذلك أن تَبَدُّلَ الشئِ بالشئِ في كلام العربِ، أَخْذُ شيءٍ مكان آخر غيره، يُعْطِيه المأخوذ منه أو يَجْعَلُه مكان الذي أخَذه، فإذ كان ذلك معنى التَّبَدُّلِ والاستبدال، فمعلومٌ أن الذي قاله ابن زيدٍ - من أن معنى ذلك هو أخذُ أكبر ولد الميتِ جميعَ مالِ ميْتِه ووالده دونَ صغارِهم إلى ماله - قولٌ لا معنى له؛ لأنه إذا أخذ الأكبرُ من ولدِه جميع مالِه دونَ الأصاغر منهم، فلم يَسْتَبْدِلْ مما أَخَذ شيئًا، فما التبدُّلُ الذي قاله جل ثناؤه: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾. ولم يبذُل الآخِذُ مكان المأخوذ بدلًا؟ وأما الذي قاله مجاهدٌ وأبو صالحٍ من أن معنى ذلك: لا تَتَعَجَّل الرزقَ الحرامَ قبلَ مجئ الحلال. فإنهما أيضًا إن لم يَكُونا أرادا بذلك نحو الذي رُوى عن ابن مسعودٍ أنه قال: إن الرجلَ ليُحْرَمُ الرزقَ بالمعصيةِ يَأْتيها. ففسادُه نظيرُ فسادِ قول ابن زيدٍ؛ لأن من اسْتَعْجَل الحرام فأكله، ثم آتاه الله رزقَه الحلال فأكله (٣)، فلم يُبَدِّلُ شيئًا مكانَ شيءٍ. وإن كانا أرادا بذلك أن الله جل ثناؤه نهى عباده أن يَسْتَعْجِلُوا الحرام، فيَأْكُلوه قبل مجئ الحلالِ، فيكون أكلُهم ذلك سببًا لحرمان الطيِّب منه،

стр. 4193

فذلك وجهٌ معروفٌ ومذهبٌ مقولٌ (١) يَحْتَمِلُه التأويلُ. غير أن [أشبه من] (٢) في ذلك بتأويل الآية ما قلنا؛ لأن ذلك هو الأظهرُ من معانيه؛ لأن الله جلّ ثناؤه إنما ذكر ذلك في قصةِ أموال اليتامى وأحكامها، فَلأنُ (٣) يكونُ ذلك من جنس حكم أوّل الآية [وآخرِها، أولى] (٤) فأخرَجها مِن أَن يَكُونَ مِن غيرِ جنسِه. القولُ في تأويل قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾. قال أبو جعفر: يعنى بذلك تعالى ذكرُه: ولا تَخْلِطوا أموالهم - يَعْنى أموال اليتامى - بأموالكم فتأكُلوها مع أموالكم. كما حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، [قال: ثنا عبدُ الرحمن] (٥) قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾. [قال: أموالهم مع أموالكم (٦). حدَّثنا محمدٌ، قال: نا أحمدُ، قال نا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾] (٥). يَقُولُ: لا تَأْكُلوا أموالكم وأموالهم، تَخْلِطوها فتَأْكُلُوها جميعًا (٧). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن مباركٍ، عن

стр. 4194

الحسنِ، قال: لما نزَلت هذه الآيةُ في أموال اليتامى، كرهوا أن يُخالطوهم، وجعَل وليُّ اليتيم يَعْزِلُ مالَ اليتيم عن مالِه، فشكَوا ذلك إلى النبيّ ﷺ ، فأنزل اللهُ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. قال: فخالَطوهم واتقَوا (١). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢)﴾. قال أبو جعفرٍ: يَعْنى بذلك عز ذكرُه: إن أكلَكم أموالَ أيتامِكم مع أموالِكم حُوبٌ كبيرٌ، والهاء في قوله ﴿إِنَّه﴾ دالَّةٌ على اسم الفعلِ، أَعْنى الأكلَ. وأما الحُوبُ: فإنه الإثم. يقالُ منه: حاب الرجلُ يحوبُ حُوبًا وحَوْبا وحيابةً. ويُقالُ منه: قد تحوّب الرجلُ من كذا (٢). إذا تأثَّم منه، ومنه قولُ أميةَ بن الأَسْكَرِ الليثيِّ (٣): وإِنَّ مُهَاجِرَين تَكنَّفَاهُ … غَدَاتَئِذٍ لقد خَطِئَا وحابَا ومنه قيل: نزَلنا بحَوبةٍ مِن الأرضِ، وبحِيبةٍ من الأَرضِ. إذا نزَلوا بموضعِ سُوءٍ منها. والكبيرُ: العظيمُ، فمعنى ذلك: إن أكلَكم أموالَ اليتامى مع أموالِكم إثمٌ عندَ اللهِ عظيمٌ. وبنحوِ الذي قلنا في الحُوبِ، قال أهلُ التأويلِ.

стр. 4195

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو [وعمرُو] (١) بنُ عليٍّ، قالا: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهدٍ في قول اللهِ : ﴿حُوبًا كَبِيرًا﴾. قال: إثمًا (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٣). حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾. قال: إثمًا عظيمًا (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضّلِ، قال: ثنا أَسْبَاطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ له قال: أما حُوبًا فإثمًا (٤). حدَّثنا الحسنُ بنُ يَحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾. قال: إثمًا (٥). حدَّثنا بِشْرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾. يَقُولُ: ظلمًا كبيرًا (٦).

стр. 4196

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: سمِعت ابنَ زيدٍ يَقُولُ في قولِه: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾. قال: ذنبًا كبيرًا، قال وهى لأهلِ الإسلامِ (١). حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا قرةُ بنُ خالدٍ، قال: سمِعت الحسنَ يَقُولُ: ﴿حُوبًا كَبِيرًا﴾. قال: إثمًا واللهِ عظيمًا (٢). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. قال أبو جعفرٍ: اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: وإن خفتم يا معشرَ أولياءِ اليتامى ألا تُقْسِطُوا في صَدَاقِهنَّ، فتَعْدِلُوا فيه، وتَبْلُغوا بصَداقِهن صَدُقات أمثالِهنّ، فلا تَنْكِحُوهنَّ، ولكن انْكِحوا غيرَهنَّ مِن الغرائبِ اللواتى أحلَّهنَّ الله لكم وطيَّبَهنَّ، من واحدةٍ إلى أربعٍ، فإن خِفتم أن تجُورُوا - إذا نكَحتم من الغرائبِ أكثرَ من واحدةٍ - فلا تعدِلوا، فانْكِحُوا منهنَّ واحدةً، أو ما ملَكتم (٣). ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا ابن المُباركِ، عن مَعْمَرٍ، عن الزهريِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾. فقالت: يا بنَ أختى، هي اليتيمةُ تَكُونُ في حجرِ وليِّها، فيَرْغَبُ في مالِها وجمالِها، ويُرِيدُ أن يَنْكِحَها بأدنى من سُنَّةِ صداقها، فنُهوا أن يَنْكِحُوهُنَّ إلا أن يُقْسِطُوا لهنَّ في

стр. 4197

إكمالِ الصداقِ، وأُمِرُوا أَن يَنْكِحوا ما سواهنَّ مِن النساءِ (١). حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: أخبرَنى يونسُ بْنُ يزيدَ، عن ابن شِهابٍ، قال: أخبَرني عُروةُ بنُ الزبيرِ، أنه سأَل عائشةَ زوجَ النبيِّ ﷺ ، عن قولِ اللهِ ﵎: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾. قالت: يا بنَ أختى، هذه اليتيمةُ تَكُونُ فِي حِجْرِ وليِّها، تُشارِكُه في مالِه، فيُعْجِبُه مالُها وجمالُها، فيُريدُ وليُّها أن يَتَزَوَّجَها بغيرِ أن يُقْسِطَ في صداقِها، فيُعْطِيَها مثلَ ما يُعطِيها غيرُه؛ فنُهوا (٢) أن يَنْكِحُوهن إلا أن يُقْسِطُوا لهنَّ، ويَبْلُغُوا بهنَّ أعلى [سُنتهنَّ في] (٣) الصداقِ، وأُمروا أن يَنْكِحُوا ما طاب لهم مِن النساءِ سواهنَّ (٤). قال يونسُ بنُ يزيدَ، قال ربيعةُ في قولِ الله : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾. قال: يَقُولُ: اتْرُكُوهن فقد أحلَلت لكم أربعًا (٥). حدَّثنا الحسنُ بنُ الجُنَيدِ، [قال: ثنا] (٦) سعيدُ بنُ مَسْلمةَ، [قال: أنبأنا] (٧) إسماعيلُ

стр. 4198

ابن أُميةَ، عن ابن شهابٍ، عن عُروةَ بن الزبيرِ، قال: سأَلتُ عائشةَ أمَّ المؤمنين، قلت: يا أمَّ المؤمنين، أرأيتِ قولَ اللهِ : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾. قالت: يا بنَ أختى، هي اليتيمةُ تَكُونُ في حِجْرِ وليِّها، فيَرْغَبُ في جمالِها ومالِها، ويُريدُ أن يَتَزوَّجَها بأدنى مِن سُنَّةِ صَداقِ نسائها، فنُهوا عن ذلك أن يَنْكِحُوهُنَّ إلا أن يُقْسِطُوا، فيُكْمِلوا لهنَّ الصَّداقَ، ثم أُمِرُوا أَن يَنْكِحُوا سِوَاهُنَّ مِن النساءِ إن لم يُكْمِلُوا لهنَّ الصَّداقَ. حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني الليثُ، قال: ثني يونسُ، عن ابن شهابٍ، قال: ثنى عُروةُ بنُ الزُّبيرِ، أنه سأَل عائشةَ زوجَ النبيِّ ﷺ ، فذكرَ نحوَ حديث يونسَ عن ابن وَهْبٍ. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاق، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن الزهريِّ، عن عُروَةَ، عن عائشةَ، مثلَ حديثِ ابن حُمَيدٍ عن ابن المباركِ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن هشامٍ، عن أبيه، عائشةَ، قالت: نزَلت - يعنى قولَه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ الآية - في اليتيمةِ تَكُونُ عندَ الرجلِ وهى ذاتُ مالٍ، فلعله يَنْكِحُها لمالها وهى لا تُعْجِبُه، ثم يُضِرُّ بها، ويُسيءُ صُحبتَها، فوُعِظ في ذلك (٢).

стр. 4199

قال أبو جعفرٍ: فعلى هذا التأويل جوابُ قولِه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا﴾. قولُه: ﴿فَانكِحُوا﴾. وقال آخرون: بل معنى ذلك: النهيُ عن نكاحِ ما فوقَ الأربعِ [من النساءِ حذارا] (١) على أموالِ الأيتامِ أن يُتْلِفَها أولياؤهم. وذلك أن قريشًا، كان الرجلُ منهم يَتَزوَّجُ العشْرَ من النساءِ، والأكثرَ والأقلَّ، فإذا صار مُعْدِمًا، مال على مالِ يتيمِه الذي في حِجْرِه فأنفَقه أو تزوَّج به، فنُهوا عن ذلك، وقيل لهم: إن أنتم خفتم على أموالِ أيتامِكم أن تُنْفِقوها فلا تَعْدِلُوا فيها، مِن أجلِ حاجتِكم إليها، لما يَلْزَمُكم مِن مُؤَنِ نسائِكم، فلا تُجاوِزوا فيما تَنْكِحون مِن عددِ النساءِ على أربعِ، وإن خِفْتم أيضًا مع الأربعِ، ألا تَعْدِلوا في أموالِهم، فاقْتَصِروا على الواحدةِ، أو على ما مَلَكت أيمانُكم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سِماكٍ، قال: سمِعت عِكرمةَ يَقُولُ في هذه الآيةِ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾. قال: كان الرجلُ مِن قريشٍ تَكونُ عندَه النِّسْوةُ ويَكونُ عندَه الأيتامُ، فيَذهَبُ مالُه، فيَميلُ على مالِ الأيتامِ. قال: فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٢). حدَّثنا هنّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا أبو الأحوَصِ، عن سِماكٍ، عن عِكرمةَ في قولِه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. قال: كان الرجلُ يَتَزَوَّجُ

стр. 4200

الأربعَ والخمسَ والستَّ والعَشْرَ، فيَقولُ الرجلُ: ما يَمْنَعُنى أن أَتَزَوَّجَ كما تَزَوَّج فلانٌ؟ فَيَأْخُذُ مالَ يتيمِه، فيَتَزَوَّجُ به، فنُهوا أن يتزوَّجوا فوقَ الأربعِ (١). حدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن حَبيبِ بن أبي ثابتٍ، عن طاوسٍ، عن ابن عباسٍ، قال: قُصِر الرجالُ على أربعٍ، مِن أجلِ أموالِ اليتامى (٢). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولَه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ له: فإن الرجلَ كان يَتَزَوَّجُ بمالِ اليتيمِ ما شاء اللهُ، فنَهى اللهُ عن ذلك (٣). وقال آخرون: بل معنى ذلك: إن القومَ كانوا يَتَحَوَّبون في أموالِ اليتامى ألا يَعْدِلُوا فيها، ولا يَتَحَوَّبون في النساءِ أَلا يَعْدِلُوا فيهنَّ، فقال (٤) لهم: كما خِفْتُم أَلّا تَعْدِلوا في اليتامَى، فكذلك فخافوا في النساءِ ألَّا تعدلوا فيهنَّ، ولا (٥) تَنْكِحُوا منهنَّ إلا مِن واحدةٍ إلى الأربعِ، ولا تَزيدوا على ذلك، وإن خِفْتُم ألا تعدِلوا أيضًا في [الزيادةِ على] (٦) الواحدةِ، فلا تَنْكِحوا إلا ما لا تَخَافون أن تَجُوروا فيهن مِن واحدةٍ، أو ما ملَكت أيمانُكم.

стр. 4201

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، [قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ] (١)، عن أيوبَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: كان الناسُ على جاهليتِهم، إلا أن يُؤْمَروا بشيءٍ أو يُنْهَوا عنه، قال: فذكَروا اليتامى فنزَلت: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. قال: فكما خِفْتم ألا تُقْسِطوا في اليتامى، فكذلك فخافوا ألا تُقْسِطُوا في النساءِ (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: قال كانوا يُشَدِّدون في اليتامى ولا يُشَدِّدون في النساءِ، يَنْكِحُ أحدُهم النسوةَ فلا يَعْدِلُ بينَهنَّ، فقال اللهُ جل وعز: كما تخافون ألّا تَعْدِلُوا في اليتامى فخافُوا في النساءِ، فانْكِحوا واحدةً إلى أربعٍ، فإن خِفْتم ألا تَعْدِلوا فواحدةً أو ما ملَكت أيمانُكم (٣). حدَّثنا بِشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾. حتى بلَغ: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾. يَقُولُ: كما خِفْتم الجَوْرَ في اليتامى وهمَّكم ذلك، فكذلك فخافوا في جمعِ (٤) النساءِ. وكان الرجلُ في الجاهليةِ يَتَزَوَّجُ العَشْرَ فما دونَ ذلك، فأحلَّ اللهُ جلَّ ثناؤه أربعًا، ثم صيرهنَّ إلى أربعٍ قولُه: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ

стр. 4202

خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾. يقولُ: إِن خِفْتَ ألا تَعْدِلَ (١) في أربعٍ فثلاثٍ، وإلا فثنتين، وإلا فواحدةٍ، وإن خِفت ألا تَعْدِلَ في واحدةٍ فما ملَكت يمينُك (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن أيوبَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾. [قال خاف الناسُ ألا يقسطوا في اليتامى فنزلت] (٣) ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾. يَقُولُ: ما حَلَّ لكم مَثْنَى وثُلاثَ ورُباع، فخافوا في النساءِ مثلَ الذي خِفْتُم في اليتامى ألا تُقْسِطُوا فيهن (٤). حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحَجّاجُ بنُ المنهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن أيوبَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: جاء الإسلامُ والناسُ على جاهليتِهم إلا أن يُؤْمروا بشيءٍ فيَتَّبِعوه، أو يُنْهَوا عن شيءٍ فيَجْتَنِبوه، حتى سأَلوا عن اليتامى، فأنزَل اللهُ ﵎: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مَّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٥). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو النعمانِ عارمٌ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: بعَث اللهُ ﵎ محمدًا ﷺ والناسُ على أمرِ جاهليتِهم، إلا أن يُؤمَروا بشيءٍ أو يُنْهَوا عنه، وكانوا يَسْأَلونه عن اليتامى فأنزل اللهُ ﵎: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾. قال: فكما تخافون ألا تُقْسِطوا في اليتامى، فخافوا ألا تُقْسِطُوا وتَعْدِلُوا في النساءِ (٥).

стр. 4203

حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ الله بنُ صالحِ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾. قال: كانوا في الجاهليةِ يَنْكِحُون عَشْرًا مِن النساءِ الأيامى، وكانوا يُعَظِّمون شأنَ اليتيمِ، فتَفَقَّدوا مِن دينِهم شأنَ اليتامى، وترَكوا ما كانوا يَنْكِحون في الجاهليةِ، [فقال: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾. ونهاهم عما كانوا يَنْكِحون في الجاهلية] (١). حُدِّثت عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعت الضَّحَّاكَ يَقُولُ في قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾: كانوا في جاهليتهم لا يَرْزَءون (٢) من مالِ اليتيمِ شيئًا، وهم يَنْكِحُون عَشْرًا مِن النساءِ، ويَنْكِحُون نساءَ آبائهم فتفَقَّدوا من دينِهم شأنَ [اليتامى فسألوا نبيَّ الله ﷺ عن مخالطتِهم ولم يتفقدوا من دِينهم شأنَ] (٣) النساءِ، فوعَظهم اللهُ في اليتامى وفى النساءِ، فقال في اليتامى: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ إلى ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢]. ووعَظهم في شأنِ النساءِ، فقال: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية. وقال: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ الآية (٤) [النساء: ٢٢]. حُدِّثت عن عمارٍ، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ إلى ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. يَقُولُ: فإن

стр. 4204

خِفْتم الجَوْرَ في اليتامى وغمَّكم ذلك، فكذلك فخافوا في جمعِ (١) النساء، قال: وكان الرجلُ يَتَزَوَّجُ العَشْرَ في الجاهليةِ فما دونَ ذلك، فأحلَّ الله أربعًا، وصيَّرهنَّ إلى أربعٍ، يَقُولُ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾. فإن خِفْت ألا تَعْدِلَ في واحدةٍ فما ملكت يمينُك (٢). وقال آخرون: معنى ذلك: فكما خِفْتم في اليتامى، فكذلك فتخوَّفوا في النساءِ أن تَزْنوا بهنَّ، ولكن انْكِحُوا ما طاب لكم مِن النساءِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبرَنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾. يَقُولُ: إِن تَحَرَّجتم من ولايةِ اليتامى وأكلِ أموالِهم إيمانًا وتصديقًا، فكذلك فتَحَرَّجوا من الزنى، وانْكِحُوا النساءَ نكاحًا طيبًا: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٣). حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٣). وقال آخرون: بل معنى ذلك: وإن خِفْتم ألا تُقْسِطوا في اليتامى اللاتي أنتم وُلاتُهن فلا تَنْكِحُوهُنَّ، وانْكِحُوا أنتم ما أحلَّ لكم منهنَّ.

стр. 4205

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾. قالت (١): نزَلت في اليتيمةِ تَكُونُ عندَ الرجلِ؛ هو وَلِيُّها ليس لها وليٌّ غيرُه، وليس أحدٌ يُنازِعُه فيها، ولا يُنْكِحُها لمالِها فيُضِرَّ بها ويسيءَ صحبتَها (٢). حدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا يونسُ، عن الحسنِ في هذه الآيةِ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾: أي ما حلَّ لكم [من يتامَاكم] (٣) مِن قَراباتِكم: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٤). قال أبو جعفرٍ: وأولى هذه الأقوالِ التي ذكَرناها في ذلك بتأويلِ الآية قولُ مَن قال: تأويلُها: وإن خِفْتُم ألا تُقْسِطوا في اليتامى، فكذلك فخافوا في النساءِ فلا تَنْكِحوا منهنَّ إلا ما لا تَخافون أن تَجُوروا فيه منهنَّ، مِن واحدةٍ إلى الأربعِ، فإن خِفْتُم الجَوْرَ في الواحدةِ أيضًا، فلا تَنْكِحُوها ولكن عليكم بما ملَكت أيمانُكم، فإنه أحرى ألا تَجُوروا عليهنّ. وإنما قلنا: إن ذلك أولى بتأويلِ الآية؛ لأن الله جلَّ ثناؤه افتَتح الآيةَ التي قبلَها، بالنهي عن أكلِ أموالِ اليتامى بغيرِ حقِّها، وخلطِها بغيرِها مِن الأموالِ، فقال تعالى ذكرُه: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ
следующие страницы →