← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 4376–4415 · переход к 4381.

стр. 4376

يعنى جلّ ثناؤهُ بقوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾: وخالِقُوا (١) أَيُّها الرجالُ نساءَكم، وصاحبوهنَّ بالمعروف. يعنى: بما أمرتُكم به من المصاحبة، وذلك إمساكهنَّ بأداءِ حقوقهنَّ التي فرض الله جل ثناؤُه لهنَّ عليكم إليهنَّ، أو تسريحٌ منكم لهنَّ بإحسانٍ. كما حدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. يقولُ: وخالطوهنَّ. كذا قال محمد بن الحسين، وإنما هو: خالِقوهنَّ. مِن العِشْرَةِ وهى المُصَاحَبَةُ. القول في تأويل قوله: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩)﴾. يعنى بذلك تعالى ذكرُه: لا تَعْضُلوا نساءكم لتَذْهَبوا ببعض ما آتَيْتُمُوهُنَّ مِن غير ريبةٍ ولا نشوزٍ كان منهنَّ، ولكن عاشروهنَّ بالمعروف وإن كرهتموهنَّ، فلعلَّكم أن تَكْرَهُوهنَّ فتُمْسِكُوهُنَّ، فيجعل الله لكم في إمساككم إيَّاهنَّ على كُرهٍ منكم لهنَّ، خيرًا كثيرًا، مِن ولدٍ يَرْزُقُكم منهنَّ، أو عطفكم عليهنَّ بعد كراهتكم إيَّاهنَّ. كما حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾. يقولُ: فعسى الله أن يَجْعَل في الكراهة خيرًا كثيرًا (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.

стр. 4377

حدَّثني محمد بن الحسين، قال: ثني أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ في قوله: ﴿وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾. قال: الولد (١). حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾: والخير الكثير أن يَعْطِفَ عليها، فيُرْزَقَ الرجلُ ولدها، ويجعَلَ اللهُ في وَلدِها خيرًا كثيرًا (٢). والهاء في قوله: ﴿وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾. على قول مجاهدٍ الذي ذكرناه، كنايةٌ عن مصدرِ ﴿تَكْرَهُوا﴾. كأن معني الكلام عنده: فإن كرِهْتُموهنَّ، فعسى أن تكرهوا شيئًا، ويجعَلَ اللهُ [في كرهِهِ] (٣) خيرًا كثيرًا. ولو كان تأويل الكلام: فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعَلَ اللهُ في ذلك الشيء الذي تكرهونه خيرًا كثيرًا. كان جائزًا صحيحًا. القول في تأويل قوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾. يعنى جلَّ ثناؤُه بقوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾: وإن أَرَدْتُم أَيُّها المؤمنون نكاح امرأةٍ مكانَ امرأة لكم تُطَلِّقونها، ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ﴾. يقولُ: وقد أعْطَيتُم التي تُرِيدُون طلاقها من المهر ﴿قِنْطَارًا﴾. والقنطار المالُ الكثيرُ. وقد ذكرنا فيما مضى اختلاف أهل التأويل في مبلغه، والصواب من القول في ذلك عندنا (٤).

стр. 4378

﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾. يقولُ: فلا تَضُرُّوا بِهِنَّ إِذا أَرَدْتُم طَلاقَهُنَّ؛ ليَفْتَدِينَ منكم بما أتيتُموهنَّ. كما حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾: طلاق امرأة مكانَ أخرى، فلا يَحِلُّ له مِن مالِ المطلقة شيءٌ وإن كثر (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله. القولُ في تأويل قوله: ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠)﴾ يعنى بقوله تعالى ذكرُه: ﴿أَتَأْخُذُونَهُ﴾: أتأخذون ما آتيتموهنَّ مِن مُهورهنَّ، ﴿بُهْتَانًا﴾. يقولُ: ظلمًا بغير حقٍّ، ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾. يعنى: وإثمًا قد أبان أمرُ آخذه أنه بأخذه إيَّاه لمن أخَذه منه ظالمٌ. القول في تأويل قوله: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾. يعنى جلَّ ثناؤه بقوله: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ﴾: وعلى أيِّ وجهٍ تأخُذون مِن نسائكم ما آتيتموهنَّ مِن صَدُقَاتِهِنَّ إذا أردتُم طلاقهنَّ، واستبدال غيرِهنَّ بهنَّ أزواجًا، ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾، فتباشَرتُم وتلامَسْتُم. وهذا كلامٌ وإن كان مَخْرَجُه مخرجَ الاستفهام، فإنه في معنى النكير والتغليظ، كما يقولُ الرجلُ لآخر: كيف تفعل كذا وكذا وأنا غير راضٍ به؟ على معنى التهدُّدِ (٢) والوعيد.

стр. 4379

وأمَّا الإفضاء إلى الشيء، فإنه الوصول إليه بالمباشرة له، كما قال الشاعر (١): بِلًى [وثأًى] (٢) أَفضَى إلى كلِّ (٣) كُتبةٍ … بدا سيرُها من باطنٍ بعد ظاهرِ يعنى بذلك أن الفساد والبِلَى وصل إلى الخُرَزِ. والذي عُنى به الإفضاء في هذا الموضع، الجماعُ في الفرج. فتأويلُ الكلام - إذ كان ذلك معناه -: وكيف تأخُذون ما آتيتموهنَّ وقد أفْضَى بعضُكم إلى بعضٍ بالجماع؟ وبنحو ما قلنا في ذلك قال جماعةٌ من أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عبد الحميد بن بيانٍ القَنَّادُ، قال: ثنا إسحاق، عن سفيان، عن عاصم، عن بكرِ بن عبدِ اللهِ، عن ابن عباس، قال: الإفضاء المباشرة، ولكنَّ الله كريمٌ، يَكْنِي عمَّا يشاءُ (٤). حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن عاصم، عن بكرٍ، عن ابن عباس، قال: الإفضاءُ الجماعُ، ولكنَّ الله يَكْنِى (٥). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عاصمٍ، عن (٦) بكرِ بن عبدِ اللهِ المزنيِّ،

стр. 4380

عن ابن عباس، قال: الإفضاء هو الجماع. حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾. قال: مجامعة النساءِ (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله. حدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضَّل، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾: يعنى المجامعة (٢). القولُ في تأويل قوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١)﴾. أي: ما وثَّقتم (٣) به لهنَّ على أنفسكم، من عهد وإقرار منكم بما أقْرَرْتُم به على أنفسكم، من إمساكهنَّ بمعروف، أو تسريحهنَّ بإحسان، وكان في عقد المسلمين النِّكاح قديمًا، فيما بلغنا، أن يقال للناكح: الله عليك، لَتُمْسِكُنَّ بمعروف، أو لَتُسَرِّحَنَّ بإحسانٍ. حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾: والميثاق الغليظُ الذي أخذه للنساء على الرجال؛ إمساكٌ بمعروفٍ، أو تسريحٍ بإحسانٍ، وقد كان في عقد (٤) المسلمين عند

стр. 4381

إنكاحهم: اللهِ عليك لَتُمْسِكَنَّ بمعروفٍ، أو لَتُسَرِّحَنَّ بإحسانٍ (١). واختلف أهل التأويل في الميثاقِ الذي عنَى اللهُ جَلَّ ثناؤُه بقوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾؛ فقال بعضُهم: هو إمساكٌ بمعروفٍ، أو تسريحٌ بإحسان. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاكِ في قوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾. قال: إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسانٍ (٢). حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عون، قال: ثنا هشيم، عن جويبرٍ، عن الضحَّاك مثله. حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادةَ في قوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾. قال: هو ما أخذ الله ﵎ للنساء على الرجال؛ فإمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان. قال: وقد كان ذلك يُؤْخَذُ عندَ عقدِ النكاحِ (٣). حدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ: أَمَّا: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾. فهو أن يَنْكِحَ المرأة فيقول

стр. 4382

وَلِيُّها: أَنْكَحْناكَها بأمانةِ اللهِ، على أن تُمسكها بالمعروف، أو تُسَرِّحَها بإحسانٍ (١). حدَّثنا عَمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ في قوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾. قال: الميثاق الغليظ الذي أخذه الله للنساء؛ إمساك بمعروفٍ، أو تسريح بإحسانٍ، وكان (٢) في عُقدة المسلمين عند نكاحهنَّ: للهِ (٣) عليك، لَتُمْسِكَنَّ بمعروف، ولَتُسَرِّحَنَّ بإحسانٍ. حدَّثنا عَمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبو قتيبة، قال: ثنا أبو بكرٍ الهُذَليُّ، عن الحسن ومحمد بن سيرين في قوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾. قال: إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسانٍ (٤). وقال آخرون: هو كلمة النِّكاح التي اسْتَحَلَّ بها الفرج. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾. قال: كلمة النِّكاح التي اسْتَحَلَّ بها فروجَهنَّ (٥). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.

стр. 4383

حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا سفيان، عن أبي هاشمٍ المكِّيِّ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾. قال: قوله: نكَحت. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، قال: ثنا عَنْبسةُ، عن محمد بن كعبٍ القُرَظيِّ: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾. قال: هو قولهم: قد ملَكْتُ النِّكاح. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا سفيان، عن سالمٍ الأفطس، عن مجاهد: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾. قال: كلمة النِّكاح (١). حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾. قال: الميثاق النِّكاح. حدَّثنا عَمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا سفيان، قال: ثنى سالم الأفطس، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾. قال: كلمةُ النِّكاح، قوله: نكَحتُ (١). وقال آخرون: بل عنى قول النبيِّ ﷺ : "أخَذْتُموهنَّ بأمانةِ اللهِ، واسْتَحْلَلْتُم فُروجَهنَّ بكلمةِ اللهِ" (٢). ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن (٣) عكرمة:

стр. 4384

﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾. قال (١): "أخذتموهنَّ بأمانة الله، واسْتَحللتم فُروجَهنَّ بكلمةِ اللهِ" (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾: والميثاق الغليظُ: "أَخَذْتُموهنَّ بأمانة الله، واسْتَحللتم فُروجَهنَّ بكلمةِ اللهِ" (٣). قال أبو جعفر: وأَوْلَى هذه الأقوالِ بتأويل ذلك قولُ مَن قال: الميثاق الذي عُنِى به في هذه الآية، هو ما أُخِذ للمرأة على زوجها عند عقد (٤) النِّكاح، من عهدٍ على إمساكها بمعروفٍ، أو تسريحها بإحسانٍ، فأقرَّ به الرجلُ؛ لأن الله جلَّ ثناؤُه بذلك أوْصَى الرجال في نسائهم. وقد بيَّنَّا معنى الميثاق فيما مضى قبل (٥)، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. واختلف في حكم هذه الآية؛ أمُحكَمٌ أم منسوخٌ؟ فقال بعضُهم: مُحْكَمٌ، وغير جائزٍ للرجل أخذُ شيءٍ مما آتاها إذا أراد طلاقها، إلا أن تكون هي المريدةَ الطلاق. وقال آخرون: هي مُحكمةٌ، وغير جائز له أخذُ شيءٍ مما آتاها منها بحالٍ، كانت هي المريدة الطلاق أو هو. وممن حكى عنه هذا القولُ بكرُ بنُ عبدِ اللهِ المُزنيُّ.

стр. 4385

حدَّثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا عُقْبَةُ بنُ أبي الصَّهْباءِ (١)، قال: سألتُ بكرًا عن المختلعة: أيَأْخُذُ منها شيئًا؟ قال: لا، ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ (٢). وقال آخرون: بل هي منسوخةٌ، نسخها قوله ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾. إلى قوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾. قال: ثم رخَّص بعد، فقال: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾. قال: فنسَخت هذه تلك (٣). قال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى الأقوال بالصواب في ذلك قولُ مَن قال: إنها مُحْكَمَةٌ غير منسوخةٍ، وغير جائز للرجل أخذُ شيءٍ مما آتاها، إذا أراد طلاقها من غيرِ نُشوزٍ كان منها، ولا ريبةٍ أتَتْ بها. وذلك أن الناسخَ من الأحكام ما نفى خلافه من الأحكام، على ما قد بيَّنَّا في سائر كتبنا، وليس في (٤) قوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ

стр. 4386

زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾. نفى حكم قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾. لأن الذي حرَّم الله على الرجل بقوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾. أخذُ ما آتاها منها، إذا كان هو المريد طلاقها. وأمَّا الذي أباح له أخذه منها بقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾. فهو إذا كانت هي المريدة طلاقه، وهو له كارهٌ، ببعض المعاني التي قد ذكرنا في غير هذا الموضع (١)، وليس في حكم إحدى الآيتين نفيُ حكم الأخرى. وإذا كان ذلك كذلك، لم يجز أن يُحْكم لإحداهما بأنها ناسخةٌ، وللأخرى بأنها منسوخةٌ، إلا بحجَّةِ يَجِبُ التسليم لها. وأمَّا ما قاله بكرُ بنُ عبدِ اللهِ المُزَنيُّ، مِن أنه ليس لزوج المختلعة أخذُ ما أعطته على فراقه إيَّاها، إذا كانت هي الطالبة الفرقة وهو الكارة، [فليس بصوابٍ] (٢)، لصحَّة الخبر عن رسول الله ﷺ بأنه أمر ثابت بن قيس بن شَمَّاسٍ بأخذ ما كان ساق إلى زوجته، وفراقها إن طلبتْ فراقه، وكان النشوزُ مِن قِبَلِها (٣). القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢)﴾. ذكر أن هذه الآية نزلت في قوم كانوا يَخْلُفُون على حلائل آبائهم، فجاء الإسلام وهم على ذلك، فحرَّم الله ﵎ عليهم المقام عليهنَّ، وعفا لهم

стр. 4387

عمّا كان سلف منهم في جاهليتهم وشركهم، من فعل ذلك، لم يُؤَاخِذْهم به إن هم اتقَوُا الله في إسلامهم، وأطاعوه فيه. ذكرُ الأخبار التي رُويت في ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ المُخَرِّميُّ (١)، قال: ثنا قُرَادٌ، قال: ثنا ابن عُيَيْنَةَ، عن (٢) عمرٍو، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان أهل الجاهليَّةِ يُحَرِّمون ما يُحَرَّمُ إلا امرأةَ الأب، والجمع بين الأختين. قال: فأنزل الله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾، ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ في قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية. قال: كان أهلُ الجاهليَّةِ يُحَرِّمون ما حرَّم الله، إلا أن الرجل كان يَخْلُفُ على حَليلةِ أبيه، ويَجْمَعون بين الأختين، فمِن ثَمَّ قال الله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٤). حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ عن عكرمة في قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾. قال: نزلت في أبي قيس بن الأَسْلَتِ، خَلَف على أُمِّ عُبيدٍ بنتِ ضَمْرَةَ (٥)، كانت تحتَ الأَسْلَتِ أبيه؛ وفى الأسودِ بن خَلَفٍ، وكان خلف على بنتِ

стр. 4388

أبي طلحةَ بن عبدِ العُزَّى بن عثمانَ بن عبد الدارِ، وكانت عند أبيه خلفٍ؛ وفى فاختةَ بنتِ الأسودِ بن المُطَّلِبِ بن أَسَدٍ، وكانت عند أُمَيَّةَ بن خلفٍ، فخلف عليها صفوانُ بنُ أُمَيَّةَ؛ وفي منظورِ بن زَبَّانَ (١)، وكان خلَف على مُلَيْكَةَ ابنة خارجةَ، وكانت عند أبيه زَبَّانَ (١) بن سَيَّارٍ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قلتُ لعطاءِ بن أبي رباحٍ: الرجلُ يَنْكِحُ المرأة ثم لا يراها حتى يُطَلِّقَها، أَتُحِلُّ لابنه؟ قال: هي مرسَلةٌ، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾. قال: قلتُ لعطاءٍ: ما قولُه: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾؟ قال: كان الأبناءُ يَنْكِحون نساءَ آبائِهم في الجاهلية (٣). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبد الله بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية. يقولُ: كلُّ امرأةٍ تزوَّجها أبوك وابنُك، دخَل أو لم يدخُلْ، فهى عليك حرامٌ (٤). واخْتُلِف في معنى قوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾، فقال بعضُهم: معناه: لكن ما قد سلَف فدَعُوه. وقالوا: هو مِن الاستثناءِ المنقطِع. وقال آخَرون: معنى ذلك: ولا تَنْكِحوا نكاحَ آبائِكم. بمعنى: ولا تَنْكِحوا

стр. 4389

كنكاحِهم، كما نَكَحوا على الوجوه الفاسدةِ التي لا يجوزُ مثلُها في الإسلام. ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾. يعنى: أن نكاحَ آبائِكم الذي كانوا يَنْكِحونه في جاهليتِهم، كان فاحشةً ومقتًا وساء سبيلًا، إلا ما قد سلَف منكم في جاهليتِكم، مِن نكاح لا يجوزُ ابتداءُ مثلِه في الإسلام، فإنه معفوٌّ لكم عنه. وقالوا: قولُه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾. كقول القائلِ للرجل: لا تَفْعَلْ ما فعلتُ، ولا تَأْكُلْ ما أكلتُ. بمعنى: ولا تأكل كما أكلتُ. ولا تفعَلْ كما فعلتُ. وقال آخرون: معنى ذلك: ولا تَنْكِحوا ما نكح آباؤكم من النساءِ بالنكاحِ الجائز كان عقدُه بينهم، إلا ما قد سلَف منهم من وجوه الزنى عندهم، فإن نكاحَهنَّ لكم حلالٌ (١)؛ لأنهنَّ لم يَكُنَّ لهم حلائل، وإنما كان (٢) ما كان من آبائِكم [ومنهنَّ] (٣) من ذلك فاحشةً ومقتًا وساء سبيلًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ الآية. قال: الزنى، ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾، فزاد ههنا المقت (٤). قال أبو جعفر: وأَوْلَى الأقوال في ذلك بالصواب - على ما قاله أهلُ التأويل في

стр. 4390

تأويله - أن يكون معناه: ولا تَنْكِحوا من النساء نكاحَ آبائِكم، إلا ما قد سلَف منكم فمضَى في الجاهليةِ، فإنه كان فاحشةً ومقتًا وساء سبيلًا. فيكونُ قولُه: ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾. من صلة قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا﴾. ويكونُ قولُه: ﴿مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾. بمعنَى المصدر، ويكونُ قولُه: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾. بمعنى الاستثناء المنقطع؛ لأنه يحسُنُ في موضعِه: لكن ما قد سلَف فمضَى، إنه كان فاحشةً ومقتًا وساء سبيلًا. فإن قال قائلٌ: وكيف يكونُ هذا القولُ موافقًا قولَ مَن ذَكَرتَ قولَه مِن أهل التأويل، وقد علِمتَ أن الذين ذكرت قولَهم في ذلك إنما قالوا: أُنْزِلت هذه الآيةُ في النهي عن نكاحِ حلائلِ الآباءِ، وأنت تذكُرُ أنهم إنما نُهوا أن يَنْكِحوا نكاحَهم. قيل له: إنما (١) قلنا: إن ذلك هو التأويلُ الموافقُ لظاهر التنزيل؛ إذ كانت "ما" في كلام العرب لغيرِ بنى آدم، وأنه لو كان المقصود بذلك النهيُ عن حلائل الآباء، دونَ سائر ما كان من مناكِحِ آبائهم حرامًا ابْتداءُ مثله في الإسلام، بنهي الله جلَّ ثناؤُه عنه، لقيل: ولا تَنْكِحوا مَن نكَح آباؤُكم من النساء إلا ما قد سلف. لأن ذلك هو المعروفُ في كلام العرب؛ إذ كان "من" لبنى آدم، و "ما" لغيرهم، ولم (٢) يُقَل: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾. [وأما قولُه] (٣): فإنه يدخُلُ في "ما" ما كان من مناكح آبائهم التي كانوا يَتَناكَحونها في جاهليتِهم، فحرَّم عليهم في الإسلام بهذه الآية نكاحَ حلائلِ الآباء، وكلَّ نكاحٍ

стр. 4391

سواه نهَى الله تعالى ذكرُه ابتداءَ مثله في الإسلام، مما كان أهلُ الجاهليَّةِ يَتَناكَحونه في شِركِهم. ومعنى قوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾: إلا ما قد مضَى، ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾. يقولُ: إن نكاحَكم الذي سلَف منكم كنكاح آبائكم المُحَرَّم عليكم ابتداءُ مثلِه في الإسلام، بعد تحريمى ذلك عليكم، ﴿فَاحِشَةً﴾. يقولُ: معصيةٌ. ﴿وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾. أي: بئس طريقًا ومنهجًا ما كنتم تَفْعَلُون في جاهليتِكم، مِن المناكِحِ التي كنتم تَناكَحُونها. القولُ في تأويل قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣)﴾. يعنى بذلك تعالى ذكرُه: حُرِّم عليكم نكاحُ أمهاتِكم. فتَرَك ذكرَ النِّكاح اكتفاءً بدلالة الكلام عليه. وكان ابن عباسٍ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، عن الثوريِّ، عن الأعمش، عن إسماعيلَ بن رجاءٍ، عن عُميرٍ مولى ابن عباسٍ، عن ابن عباسٍ، قال: حرُم من النسبِ سبعٌ، ومن الصِّهْرِ سبعٌ، ثم قرأ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾. حتى بلغ: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾. قال: والسابعةُ: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ

стр. 4392

آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (١). حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا مُؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاءٍ، عن عُميرٍ مولى ابن عباسٍ، عن ابن عباسٍ، قال: يَحْرُمُ مِن النسب سبعٌ، ومن الصِّهْرِ سبعٌ. ثم قرأ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾. إلى قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. حدَّثنا ابن بشَّارٍ مرةً أخرى، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرِيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاءٍ، عن عُميرٍ مولى ابن عباسٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه (٢). حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي ذئبٍ، عن الزُّهريِّ بنحوه. حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن حبيبٍ، عن سعيد بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: حُرِّم عليكم سبعٌ نَسَبًا، وسبعٌ صِهْرًا: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ الآية (٣). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن عليِّ بن صالحٍ، عن سمَاكِ بن حربٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، قال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ

стр. 4393

وَأَخَوَاتُكُمْ﴾. قال: حرَّم الله مِن النَّسَبِ سبعًا، ومِن الصِّهْرِ سبعًا. ثم قرأ: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ﴾ الآية (١). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُطَرِّفٍ، عن عَمرِو بن سالمٍ مولى الأنصارِ، قال: حُرِّم مِن النَّسَبِ سبعٌ، ومِن الصِّهْرِ سبعٌ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾. ومن الصِّهْرِ: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾، ثم (٢) قال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾. فكلُّ هؤلاء اللواتى سمَّاهنَّ الله ﵎ وبيَّن تحريمهن في هذه الآية، مُحَرَّماتٌ غيرُ جائزٍ نكاحُهنَّ لمن حرَّم الله ذلك عليه من الرجال، بإجماعِ جميعِ الأمةِ، لا اختلافَ بينهم في ذلك، إلا في أمهات نسائِنا اللواتي لم يَدْخُلْ بهِنَّ أزواجهنَّ، فإن في نكاحِهنَّ اختلافًا بيْن بعض المتقدِّمين من الصحابة، إذا بانت (٣) الابنةُ قبل الدخول بها من زوجها، هل هنَّ مِن المُبْهَماتِ (٤)، أم هنَّ مِن المشروط

стр. 4394

فيهنَّ الدخولُ ببناتِهنَّ؟ فقال جميعُ أهل العلم متقدِّمُهم ومتأخرُهم: مِن المبهَماتِ، وحرامٌ على من تزوَّج امرأةً؛ أمُّها، دخَل بامرأتِه التي نكَحها أو لم يَدْخُلْ بها. وقالوا: شرطُ الدخول في الربيبة دونَ الأُمِّ، فأمَّا أمُّ المرأة فمُطْلَقَةٌ بالتحريم. قالوا: ولو جاز أن يكون شرطُ الدخول في قوله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾. يَرْجِعُ (١) موصولًا به قولُه: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾. جاز أن يكونَ الاستثناءُ في قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. مِن جميع المُحَرَّماتِ بقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ الآية. قالوا: وفى إجماع الجميع على أن الاستثناءَ في ذلك إنما هو مما وَليَه من قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ﴾. أبينُ الدلالة على أن الشرط في قوله: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾. مما وليَه من قوله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾. دونَ أمهاتِ نسائِنا. ورُوى عن بعض المتقدِّمين أنه كان يقولُ: حلالٌ نكاحُ أمهاتِ نسائِنا اللواتي لم نَدْخُلْ بهنَّ، وإن حكمَهنَّ في ذلك حكمُ الربائبِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا ابن أَبي عَدِيٍّ وعبدُ الأعلى، عن سعيدٍ، عن قَتادةَ، عن خِلَاسِ بن عَمْرٍو، عن عليٍّ ﵁، في رجلٍ تزوَّج امرأةً فطلَّقها قبل أن يَدْخُلَ بها، أَيَتَزَوَّجُ أَمَّها؟ قال: هي بمنزلة الرَّبِيبةِ (٢).

стр. 4395

حدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، قال: ثنا قتادةُ، عن خلاسٍ، عن عليٍّ ﵁، قال: هي بمنزلة الرَّبيبة. حدَّثنا حُميدٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، قال: ثنا قتادةُ، عن سعيد بن المُسَيَّبِ، عن زيد بن ثابتٍ، أنه كان يقولُ: إذا ماتت امرَأتُه عندَه، فأخَذ ميراثَها، كُرِه أن يَخْلُفَ على أمِّها، وإذا طلَّقها قبلَ أن يَدْخُل بها، فإن شاء فعل (١). حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا يحيى، عن (٢) سعيدٍ، عن قتادة، عن سعيد بن المسيَّبِ، عن زيدِ بن ثابتٍ، قال: إذا طلَّق الرجلُ امرأته قبل أن يَدْخُلَ بها، فلا بأسَ أن يَتَزَوَّجَ أُمَّهَا. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، قال: قال ابن جُرَيْجٍ: أخبرني عكرمةُ بنُ خالدٍ، أن مجاهدًا قال له: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾: أريد بهما الدخولُ جميعًا (٣). قال أبو جعفرٍ: والقولُ الأولُ أولى بالصوابِ، أعنى قولَ من قال: الأمُّ من المبهَماتِ؛ لأن الله لم يَشْرُط معَهنَّ الدخول ببناتِهنَّ، كما شرَط ذلك مع أمَّهاتِ الربائب، مع أن ذلك أيضًا إجماعٌ مِن الحُجَّةِ التي لا يجوزُ خلافُها فيما جاءت به مُتَّفقةً عليه. وقد رُوِى بذلك أيضًا عن النبيِّ ﷺ ، خبرٌ، غير أن في إسناده نظرًا، وهو ما حدَّثنا به المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ بن موسى، قال: أخبَرنا ابن المُبارك، قال: أخبَرنا

стр. 4396

المُثَنَّى بنُ الصَّبَّاحِ، عن عَمرو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "إذا نكَح الرجلُ المرأةَ، فلا يَحِلُّ له أن يَتَزَوَّجَ أُمَّهَا، دخل بالابنة أمْ لم يَدْخُلْ، وإذا تزوَّج الأُمَّ فلم يَدْخُلْ بها، ثم طلَّقها، فإن شاء تزوَّج الابْنة" (١). قال أبو جعفرٍ: وهذا خبرٌ، وإن كان في إسنادِه ما فيه، فإن في إجماعِ الحُجَّةِ على صحة القولِ به مُسْتَغْنًى عن الاستشهاد على صحته بغيره. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قلنا لعطاءٍ: الرجلُ يَنْكِحُ المرأة لم يَرَها ولا يُجَامِعُها حتى يُطَلِّقَها، أَتَحِلُ له أَمُّها؟ قال: لا، هي مرسَلةٌ. قلتُ لعطاءٍ: أكان ابن عباس يَقْرَأَ: (وأمهاتُ نسائِكم اللَّاتى دَخَلْتم بهنَّ). قال: لا. تَتْرَى (٢). قال حجَّاجٌ: قلتُ لابن جُرَيجٍ: مَا تَتْرَى (٢)؟ قال: كأنه قال: لا، لا (٣). وأما "الربائبُ" فإنَّها (٤) جمعُ رَبيبةٍ، وهى ابنةُ امرأة الرجل، قيل لها: ربيبةٌ. لتربيته إيَّاها، وإنما هي مربوبةٌ، صُرفت إلى ربيبةٍ، كما يقالُ: هي قتيلةٌ (٥). من مقتولةٍ (٦)، وقد يقالُ لزوج المرأةِ: هو ربيبُ ابن امرأته. يعنى به: هو رابُّه. كما يقالُ: هو [خابرٌ وخبيرٌ] (٧)، وشاهدٌ وشهيدٌ.

стр. 4397

واخْتَلف أهلُ التأويل في معنى قوله: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾، فقال بعضُهم: معنى الدخول في هذا الموضع الجماع. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثنَّى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباس قوله: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾: والدخولُ النِّكاح (١). وقال آخرون: الدخولُ في هذا الموضع هو التجريد. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجَّاجٌ، قال: قال ابن جُريجٍ: قلت لعطاءٍ: قوله: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾. ما الدخولُ بهنَّ؟ قال: أن تُهْدَى إليه فيَكْشِفَ، ويَعْتَسَّ (٢)، ويَجْلِسَ بين رجليها. قلتُ: أرأيتَ إن فعل ذلك في بيتِ أهلها؟ قال: هو سواءٌ، وحَسْبُه، قد حرَّم ذلك عليه ابنتها. قلتُ: تَحْرُمُ الربيبة ممن يَصْنَعُ هذا بأمِّها، ألا (٣) يَحْرُمُ عليَّ مِن أَمَتى إن صنَعْتُه بأمِّها؟ قال: نعم، سواءٌ. قال عطاءٌ: إذا كشف الرجلُ أمَتَه وجلس بين رجلَيْها، أَنْهاه عن أمها وابنتها (٤). قال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى القولين عندى بالصواب في تأويل ذلك ما قاله ابن عباس، مِن أن معنى الدخول الجماعُ والنكاح؛ لأن ذلك لا يَخْلُو معناه مِن أحدِ

стр. 4398

أمرين؛ إما أن يكون على الظاهرِ المتعارفِ من معاني الدخول في الناس، وهو الوصول إليها بالخلوة بها، أو يكون بمعنى الجماع. وفي إجماع الجميع على أن خلوة الرجل بامرأته لا يُحَرِّمُ عليه ابنتها، إذا طلَّقها قبلَ مَسِيسِها ومباشرتها، أو قبل النظر إلى فرجها بالشهوة، ما يَدُلُّ على أن معني ذلك هو الوصول إليها بالجماع. وإذا كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أن الصحيح من التأويل في ذلك ما قلناه. وأما قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾. فإنه يقولُ: فإن لم تكونوا أيُّها الناسُ دخلتم بأمهات ربائبكم اللاتي في حجوركم، فجامَعْتُموهنَّ حتى طلَّقْتُمُوهُنَّ (١)، ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾. يقولُ: فلا حرج عليكم في نكاح من كان من ربائبكم كذلك. وأما قوله: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾. فإنه يعنى: وأزواج أبنائكم الذين من أصلابكم. وهى جمعُ حَلِيلةٍ، وهي امرأته. وقيل: سُمِّيت امرأةُ الرجل حليلته؛ لأنها تحلُّ معه في فراشٍ واحدٍ. ولا خلاف بين جميع أهل العلم أن حليلة ابن الرجل حرامٌ عليه نكاحها بعقد ابنه عليها النِّكاح، دخل بها أو لم يَدْخُلْ بها. فإن قال قائلٌ: فما أنت قائلٌ في حلائلِ الأبناء من الرضاع، فإن الله تعالى إنما حرَّم حلائل أبنائنا مِن أصلابنا؟ قيل: إن حلائل الأبناء من الرضاع، وحلائل الأبناء من الأصلاب، سواءٌ في التحريم، وإنما قال (٢): ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾. لأن معناه:

стр. 4399

وحلائلُ أبنائكم الذين ولدتموهم، دون حلائل أبنائكم الذين تَبَنَّيتُموهم. كما حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريجٍ، قال: قلتُ لعطاء: قوله: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾؟ قال: كنَّا نَتَحَدَّثُ - والله أعلم - أنها نزلت في محمدٍ ﷺ حين نكح امرأة زيد بن حارثة، قال المشركون في ذلك، فنزلت: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾. ونزلت: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤]، ونزَلت: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (١) [الأحزاب: ٤٠]. وأمَّا قولُه: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾. فإن معناه: وحُرِّم عليكم أن تجمعوا بين الأختين عندكم بنكاح. فـ ﴿وَأَنْ﴾ في موضع رفعٍ، كأنه قيل: والجمع بين الأختين. ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾: لكن ما قد مضى منكم، فإن الله كان غفورًا لذنوب عباده، إذا تابوا إليه منها، رحيمًا بهم فيما كلَّفهم من الفرائض، وخفَّف عنهم فلم يُحَمِّلْهم فوق طاقتِهم. يُخْبِرُ بذلك جل ثناؤه أنه غفورٌ لمن كان جمع بين الأختين بنكاح في جاهليته، وقبل تحريمه ذلك، إذا اتَّقى الله ﵎ بعد تحريمه ذلك عليه، فأطاعه باجتنابه، رحيمٌ به وبغيره من أهل طاعته من خلقه. القول في تأويل قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. يعنى بذلك جل ثناؤه: حُرِّمت عليكم المحصنات من النساء إلا ما ملكت

стр. 4400

أيمانُكم. واختلف أهل التأويل في المُحْصَناتِ التي عناهنَّ (١) الله في هذه الآية؛ فقال بعضُهم: هنَّ ذواتُ الأزواج غير (٢) المَسْبيَّاتِ منهنَّ، [ومِلْكُ] (٣) اليمين السبايا اللَّواتي فرَّق بينَهنَّ وبين أزواجهنَّ السِّباءُ، فحلَلْنَ لمن صِرْنَ له بملك اليمين، من غيرِ طلاقٍ كان من زوجها الحربيِّ لها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي حصينٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كلُّ ذاتِ زوجٍ إتيانها زنًى، إلا ما سَبَيْتَ (٤). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن عُلية (٥)، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباس مثله. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. يقولُ: كلُّ امرأة لها زوجٌ فهى عليك حرامٌ، إلا أمةً ملكتها ولها زوجٌ بأرض الحرب، فهى لك حلالٌ إذا اسْتَبرأتها (٦).

стр. 4401

وحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَونٍ، قال: أخبرنا هُشَيْمٌ، عن خالدٍ، عن أبي قلابة في قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. قال: ما سبيتُم من النساء، إذا سُبيت المرأة ولها زوجٌ في قومها، فلا بأس أن يطأها (١). حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. قال: كلُّ امرأةٍ محصنة لها زوجٌ فهي محرَّمةٌ، إلا ما ملكت يمينك من السبي وهى محصنةٌ لها زوج، فلا تَحْرُمُ عليك به. قال: كان أبي يقولُ ذلك (١). حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عُتْبَةُ بنُ سعيد الحِمْصِيُّ، قال: ثنا سعيدٌ، عن مكحولٍ في قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. قال: السَّبايا (٢). واعتلَّ قائلو هذه المقالة بالأخبار التي رُويت أن هذه الآية نزلت في من سُبِى مِن أوطاسٍ. ذكرُ الرواية بذلك حدَّثنا بشرٌ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، عن أبي الخليل، عن أبي علقمة الهاشميِّ، عن أبي سعيد الخدري، أن نبيَّ الله ﷺ يوم حنين بعَث جيشًا إلى أوطاس، فلَقُوا عدوًّا، فأصابوا سبايا لهنَّ أزواجٌ من المشركين، فكان المسلمون يتأَثَّمون من غِشْيانِهِنَّ، فَأَنزل الله ﵎ هذه الآية: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. أي: هنَّ حلالٌ لكم إذا ما انقضت عِدَدُهنَّ (٣).

стр. 4402

حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، عن صالح أبي الخليل، أن أبا علقمة الهاشميَّ حدَّث، أن أبا سعيد الخدرى حدَّث، أن نبيَّ الله ﷺ بعث يومَ حُنينٍ سَرِيَّةً، فأصابوا حيًّا من أحياء العرب يومَ أوطاس، فهزموهم وأصابوا لهم سبايا، فكان ناسٌ من أصحاب رسولِ اللهِ ﷺ يَتَأثَّمون من غِشْيانِهِنَّ مِن أجل أزواجهنَّ، فأنزل الله ﵎: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ منهنَّ، فحلالٌ لكم ذلك (١). حدَّثني عليُّ بن سعيدٍ الكنديُّ (٢)، قال: ثنا عبد الرحيم بن سليمانَ، عن أَشْعَثَ بن سَوَّارٍ، عن عثمان البَتِّيِّ، عن أبي الخليل، عن أبي سعيد الخدري، قال: لمَّا سبى رسول الله ﷺ أهلَ أوطاس قلنا: يا رسول الله، كيف نَقَعُ على نساءٍ قد عرفنا أنسابَهنَّ وأزواجهنَّ؟ قال: فنزلت هذه الآية: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٣). حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن عثمان البتِّيِّ، [عن أبي الخليل] (٤)، عن أبي سعيد الخدري، قال: أَصَبْنا نساءً مِن سبي أوطاسٍ لهنَّ أزواج، فكرهنا أن نقع عليهنَّ ولهنَّ أزواجٌ، فَسَأَلْنَا النبيَّ ﷺ ، فنزلت: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. فَاسْتَحْلَلْنا فُروجَهنَّ (٥). حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن

стр. 4403

قتادة، عن أبي الخليل، عن أبي سعيد، قال: نزلت في يوم أوطاسٍ، أصاب المسلمون سبايا لهنَّ أزواجٌ في الشركِ، فقال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. يقول: إلا ما أفاء الله عليكم. قال: فاسْتَحْلَلْنا بها فُروجَهنَّ (١). وقال آخرون - ممن قال: المحصنات ذوات الأزواج في هذا الموضع -: بل هنَّ كلُّ ذاتِ زوجٍ من النساء، حرامٌ على غير أزواجهنَّ، إلا أن تكون مملوكةً اشتراها مشترٍ من مولاها فتَحِلَّ لَمُشْتَرِيها، ويُبْطِلُ بيع سيِّدها إيَّاها النِّكاح بينها وبين زوجها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني أبو السائبِ سَلْمُ بنُ جُنادَةَ، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الله في قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. قال: كلُّ ذاتِ زوجٍ عليك حرامٌ إلا أن تَشْتَرِيَها، أو ما مَلَكَتْ يمينك (٢). حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا محمد (٣) بن جعفرٍ، عن شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم، أنه سُئل عن الأَمَةِ تُباع ولها زوجٌ، قال: كان عبد الله يقولُ: بيعها طلاقها. ويتلو هذه الآية: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٤). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيم، عن عبدِ اللهِ في

стр. 4404

قولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. قال: كلُّ ذاتِ زوجٍ عليك حرامٌ، إلا ما اشتريتَ بمالِك. وكان يقولُ: بيعُ الأَمَةِ طلاقُها. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن ابن المسيَّبِ قولَه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾. قال: هنَّ ذواتُ الأزواجِ، حرَّم اللهُ نكاحَهنَّ، إلا ما ملَكتْ يمينُك، فبيعُها طلاقُها. قال مَعْمَرٌ: وقال الحسنُ مثلَ ذلك (١). حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. قال: إذا كان لها زوجٌ فبيعُها طلاقُها (٢). حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، أن أُبَيَّ بنَ كعبٍ، وجابرَ بنَ عبدِ اللهِ، وأنسَ بنَ مالكٍ، قالوا: بيعُها طلاقُها (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، أن أُبَيَّ بنَ كعبٍ، وجابرًا، وابنَ عباسٍ، قالوا: بيعُها طلاقُها. حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عمرُ بنُ عُبيدٍ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: قال عبدُ اللهِ: بيعُ الأَمَةِ طلاقُها.

стр. 4405

حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ ومغيرةَ والأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللهِ، قال: بيعُ الأمةِ طلاقُها (١). حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللهِ مثلَه (٢). حدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللهِ مثلَه. حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن خالدٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: طلاقُ الأمةِ سِتٌّ (٣)، بيعُها طلاقُها، وعِتْقُها طلاقُها، وهِبَتُها طلاقُها، وبراءتُها طلاقُها، وطلاقُ زوجِها طلاقُها (٤). حدَّثني أحمدُ بنُ المغيرةِ الحِمْصِيُّ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، عن عيسى بن أبى إسحاقَ، عن أَشْعَثَ، عن الحسنِ، عن أُبَيِّ بن كعبٍ أنه قال: بيعُ الأَمَةِ طلاقُها. حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، عن عوفٍ، عن الحسنِ، قال: بيعُ الأمَةِ طلاقُها، وبيعُه طلاقُها (٥). حدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا خالدٌ، عن أبي قِلابةَ، قال: قال عبدُ اللهِ: مشتريها أحقُّ ببُضْعِها. يعنى الأمةَ تُباعُ ولها زوجٌ.

стр. 4406

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المُعْتَمِرُ، عن أبيه، عن الحسنِ، قال: طلاقُ الأَمَةِ بيعُها (١). حدَّثنا حُميدٌ، قال: ثنا سفيانُ بنُ حبيبٍ، قال: ثنا يونسُ، عن الحسنِ، أن أُبَيًّا قال: بيعُها طلاقُها (٢). حدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا سفيانُ، عن خالدٍ، عن أبي قِلابةَ، عن ابن مسعودٍ، قال: إذا بِيعتِ الأمةُ ولها زوجٌ، فسيِّدُها أحقُّ ببُضْعِها (٣). حدَّثنا حُميدٌ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثني سعيدٌ، عن قتادةَ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن إبراهيمَ، قال: بيعُها طلاقُها. قال: فقيلَ لإبراهيمَ: فبيعُه؟ قال: ذلك (٤) ما لا نقولُ فيه شيئًا. وقال آخَرون: بل معنى المحصناتِ في هذا الموضعِ العفائفُ. قالوا: وتأويلُ الآيةِ: والعفائفُ مِن النساءِ حرامٌ أيضًا عليكم، إلا ما ملَكتْ أيمانُكم منهنَّ بنكاحٍ وصَدَاقٍ وبَيِّنَةٍ (٥) وشهودٍ، مِن واحدةٍ إلى أربعٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن أبي العاليةِ، قال: يقولُ: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾. ثم حرَّم ما حرَّم مِن النَّسَبِ والصِّهْرِ، ثم قال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ

стр. 4407

أَيْمَانُكُمْ﴾. قال: فرجَع إلى أولِ السورةِ إلى أربعٍ، فقال: هنَّ حرامٌ أيضًا، إلا بصَداقٍ وبَيِّنَةٍ (١) وشهودٍ (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن أيوبَ، عن ابن سِيرِينَ، عن عَبِيدَةَ، قال: أَحَلَّ اللهُ لك أربعًا في أولِ السورةِ، وحرَّم نكاحَ كلِّ مُحْصَنَةٍ بعدَ الأربعِ، إلا ما ملَكت يمينُك. قال مَعْمَرٌ: وأخبرني ابنُ طاوسٍ، عن أبيه: إلا ما ملَكت يمينُك، قال: فزوجُك مما ملَكت يمينَك، يقولُ: حرَّم اللهُ الزنى، لا يَحِلُّ لك أن تَطَأَ امرأَةً إلا ما ملَكت يمينُك (٣). حدَّثني عليُّ بنُ [سعيدِ بن] (٤) مسروقٍ الكِنْديُّ، قال: ثنا عبدُ الرحيمِ بنُ سليمانَ، عن هشامِ بن حسَّانَ، عن ابن سِيرِينَ، قال: سألتُ عَبِيدَةَ عن قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. قال: أربعٌ (٥). حدَّثني عليُّ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا عبدُ الرحيمِ، عن أَشْعَثَ بن سَوَّارٍ، عن ابن سيرِينَ، عن عَبيدَةَ، عن عمرَ بن الخطابِ مثلَه (٦). حدَّثنا أبو كَريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ في قولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. قال: الأربعُ، فما بعدَهنَّ حرامٌ (٧).

стр. 4408

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: سألتُ عطاءً عنها، فقال: حرَّم اللهُ ذواتِ القرابةِ، ثم قال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. يقولُ: حرَّم ما فوقَ الأربعِ منهنَّ (١). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾. قال: الخامسةُ حرامٌ كحرمةِ الأُمَّهاتِ والأخواتِ. ذكرُ مَن قال: عَنى بالمُحْصَناتِ في هذا الموضعِ العفائفَ مِن المسلمين وأهلِ الكتابِ حدَّثني إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بن حبيبِ بن الشهيدِ، قال: ثنا عتَّابُ بنُ بَشِيرٍ، عن خَصيفٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَتُ﴾. قال: العفيفةُ العاقلةُ؛ مِن مسلمةٍ [أو مِن] (٢) أهلِ الكتابِ (٣). حدَّثنا أبو كَريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن بعضِ أصحابِه، عن مجاهدٍ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. قال: العفائفُ (٤). وقال آخَرون: المحصناتُ في هذا الموضعِ ذواتُ الأزواجِ، غيرَ أن الذي حرَّم اللهُ منهنَّ في هذه الآيةِ الزنى بهنَّ، وأباحَهنَّ بقولِه: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. بالنكاحِ أو المِلْكِ.

стр. 4409

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿والْمُحْصَنَاتُ﴾. قال: نهَى عن الزنى (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾. قال: نهَى عن الزنى؛ أن تَنْكِحَ المرأةُ زوجَيْنِ. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. قال: كلُّ ذاتِ زوجٍ عليكم حرامٌ، إلا الأربعَ اللاتى يُنْكَحْنَ بالبيِّنةِ والمهرِ (٢). حدَّثنا أحمدُ بنُ عثمانَ، قال: ثنا وهبُ بنُ جريرٍ، قال: ثنا أبي، قال: سمِعتُ النعمانَ بنَ راشدٍ يُحَدِّثُ عن الزُّهْرِيِّ، عن سعيدِ بن المُسَيَّبِ، أَنه سُئِل عن المُحْصَناتِ من النساءِ، قال: هنَّ ذواتُ الأزواجِ (٣). حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن حمَّادٍ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللهِ، قال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. قال: ذواتُ الأزواجِ مِن المسلمينِ والمشركينِ. وقال عليٌّ: ذواتُ الأزواجِ مِن المشركين (٤).

стр. 4410

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾. قال: كلُّ ذاتِ زوجٍ عليكم حرامٌ. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن عبدِ الكريمِ، عن مكحولٍ نحوَه (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن الصَّلْتِ بن بَهْرامَ، عن إبراهيمَ نحوَه (٢). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. إلى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾: يعني ذواتِ الأزواجِ مِن النساءِ لا يَحِلُّ نكاحُهنَّ، يقولُ: لا تَخْلُبْ (٣) ولا تَعِدْ فتَنْشُزَ على زوجِها، وكلُّ امرأةٍ لا تُنْكَحُ إلا ببَيِّنَةٍ ومهرٍ فهى مِن المُحْصناتِ التي حرَّم اللهُ، ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. يعنى التي أحَلَّ اللهُ مِن النساءِ، وهو ما أحَلَّ مِن حرائرِ النساءِ مثنى وثُلاثَ ورُباع (٤). وقال آخَرون: بل هنَّ نساءُ أهلِ الكتابِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عيسى بنُ عُبيدٍ، عن

стр. 4411

أيوبَ بن (١) أبي العَوْجاءِ عن أبي مِجْلَزٍ في قولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. قال: نساءُ أهلِ الكتابِ. وقال آخَرون: بل هنَّ الحرائرُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنى حَمَّادُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا سليمانُ، عن (٢) عَزْرةَ (٣) في قولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾. قال: الحرائرُ. وقال آخَرون: المحصناتُ هن العفائفُ وذواتُ الأزواجِ، وحرامٌ كلٌّ مِن الصَّنْفيْنِ إلا بنكاحٍ أو مِلْكِ يمينٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني الليثُ، قال: ثني عُقَيْلٌ، عن ابن شهابٍ، وسُئِل عن قولِ اللهِ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ الآية. قال: نرى أنه حرَّم في هذه الآيةِ المحصناتِ مِن النساءِ ذواتِ الأزواجِ أن يُنْكَحْنَ مع أزواجِهنَّ، والمحصناتُ العفائفُ، ولا يَحْلِلْنَ إلا بنكاحٍ أو مِلْكِ يمينٍ، والإحصانُ إحصانان؛ إحصانُ تزويجٍ، وإحصانُ عفافٍ في الحرائرِ والمملوكاتِ، كلَّ ذلك حرَّم اللهُ، إلا بنكاحٍ أو مِلْكِ يمين (٤).

стр. 4412

وقال آخَرون: نزَلت هذه الآيةُ في نساءٍ كنَّ يُهَاجِرْنَ (١) إلى رسولِ اللهِ ﷺ ولهنَّ أزواجٌ، فيَتَزَوَّجُهنَّ بعضُ المسلمين، ثم يَقْدَمُ أزواجُهنَّ مهاجرينَ، فنُهِي المسلمون عن نكاحِهنَّ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: ثنى حبيبُ بنُ أبي ثابتٍ، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، قال: كان النساءُ يَأْتِينَنَا ثم يُهاجِرُ أزواجُهنَّ، فمُنِعْناهنَّ. يعنى بقولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٢). وقد ذُكِرَ عن (٣) ابن عباسٍ وجماعةٍ غيرِه أنه كان مُلْتَبِسًا عليهم تأويلُ ذلك. حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عَمرِو بن مُرَّةَ، قال: قال رجلٌ لسعيدِ بن جُبيرٍ: أمَا رأيتَ ابنَ عباسٍ حينَ سُئِل عن هذه الآيةِ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. فلم يَقُلْ فيها شيئًا؟ قال: فقال: كان لا يَعْلَمُها (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرَنا عبدُ الرحمنِ بن يحيى، عن مجاهدٍ، قال: لو أَعْلَمُ مَن يُفَسِّرُ لى هذه الآيةَ لضرَبتُ إليه أكبادَ الإبلِ؛ قولَه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿فَمَا

стр. 4413

اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ إلى آخرِ الآيةِ (١). قال أبو جعفرٍ: فأَمَّا المُحْصَنَاتُ، فإنهنَّ جمعُ مُحْصَنَةٍ، وهي التي قد مُنِع فرجُها بزوجٍ: يقالُ منه: أَحْصَنَ الرجلُ امرأتَه فهو يُحْصِنُها إحصانًا، وحصَنتْ هي فهي تَحْصُنُ حصانةً، إذا عفَّتْ، وهى حاصنٌ مِن النساءِ، عفيفةٌ، كما قال العجَّاجُ (٢): وحاصِنٍ مِن حاصناتٍ مُلْسِ من [الأذَى ومن] (٣) قِرافِ الوَقْسِ (٤) ويقالُ أيضًا إذا هي عفّت فحفِظتْ فرجَها مِن الفجورِ: قد أحْصَنت فرجَها فهي مُحْصَنَةٌ. كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [التحريم: ١٢]. بمعنى: حفِظتْه مِن الريبةِ، ومنَعتْه مِن الفجورِ. وإنما قيل لحصونِ المدائنِ والقرى: حُصُونٌ. لمنعِها مَن أرادها وأهلَها، وحفْظِها ما وراءَها ممن بغاها مِن أعدائِها، ولذلك قيل للدرعِ: درعٌ حَصِينةٌ. فإذ كان أصلُ الإحصانِ ما ذكَرنا مِن المنعِ والحفظِ، فبيِّنٌ أن معنى قولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾: والممنوعاتُ مِن النساءِ حرامٌ عليكم، ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. وإذ كان ذلك معناه، وكان الإحصانُ قد يكونُ بالحُرِّيَّةِ، كما قال جل ثناؤُه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]. ويكونُ

стр. 4414

بالإسلامِ، كما قال تعالى ذكرُه: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾. ويكونُ بالعِفَّةِ، كما قال جل ثناؤُه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ (النور: ٤). ويكونُ بالزوجِ، ولم يكنْ ﵎ خصَّ محصَنةً دونَ محصَنةٍ في قولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ - فواجبٌ أن تكونَ كلُّ محصَنةٍ - بأيِّ معاني الإحصانِ كان إحصانُها - حرامًا علينا، سفاحًا أو نكاحًا، إلا ما ملَكتْه أيمانُنا منهنَّ؛ بشراءٍ، كما أباحه لنا كتابُ اللهِ جلَّ ثناؤه، أو نكاح (١)، على ما أطْلَقه لنا تنزيلُ اللهِ. فالذي أباحه ﵎ لنا نكاحًا مِن الحرائرِ، الأربعُ سوى اللَّواتى حُرِّمن علينا بالنَّسَبِ والصِّهْرِ، ومِن الإماءِ ما سبَيْنا مِن العدوَّ سوى اللواتى وافَق معْناهن معَنى ما حُرّم علينا مِن الحرائرِ بالنَّسَبِ والصِّهْرِ، فإنهن والحرائرَ فيما يَحِلُّ ويَحْرُمُ بذلك المعنى متفقاتُ المعانى، وسوى اللَّواتى سبَيْناهنَّ مِن أهل الكتابَيِنْ ولهنَّ أزواجٌ، فإن السِّباءَ يُحِلُّهنَّ لمن سباهنَّ بعدَ الاستبراءِ، وبعدَ إخراجِ حقِّ اللهِ ﵎ الذي جعَله لأهلِ الخُمْسِ منهنَّ. فأمَّا السِّفاحُ، فإن الله ﵎ حرَّمه مِن جميعِهن، فلم يُحِلَّه مِن حُرَّةٍ ولا أَمَةٍ، ولا مسلمةٍ ولا كافرةٍ مشركةٍ. وأمَّا الأمَةُ التي لها زوجٌ، فإنها لا تَحِلُّ لمالِكها إلا بعدَ طلاقٍ زوجِها إيَّاها، أو وفاتِه وانقضاءِ عدَّتِها منه. فأمَّا بيعُ سيدِها إيَّاها، فغيرُ مُوجِبٍ بينَها وبيَن زوجِها فراقًا ولا تحليلًا لمشترِيها؛ لصحَّةِ الخبرِ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه خيَّر بَرِيرةَ إذ أعْتَقَتْها عائشةُ، بينَ المُقام معَ زوجِها، الذي كان سادتُها زوَّجوها منه في حالِ رقِّها، وبينَ فِراقِه (٢)، ولم يَجْعَلْ ﷺ عتقَ عائشةَ إيَّاها لها طلاقًا. ولو كان عتقُها وزوالُ مِلْكِ عائشةَ إِيَّاها

стр. 4415

لها (١) طلاقًا، لم يكن لتخييرِ النبيِّ ﷺ إيَّاها بينَ المُقامِ مع زوجِها والفراقِ معنًى، [ولوجَب] (٢) بالعتقِ الفِراقُ، وبزوالِ ملكِ عائشةَ عنها الطلاقُ. فلمَّا خيَّرها النبيُّ ﷺ بينَ الذي ذكَرْنا وبينَ المُقامِ مع زوجِها والفِراقِ، كان معلومًا أنه لم يُخَيِّرْ بينَ ذلك إلا والنكاحُ عقدُه ثابتٌ، كما كان قبلَ زوالِ ملكِ عائشةَ عنها، فكان نظيرًا للعتقِ - الذي هو زوالُ ملكِ مالكِ المملوكةِ ذاتِ الزوجِ عنها - البيعُ الذي هو زوالُ ملكِ مالِكها عنها؛ إذ كان أحدُهما زوالًا ببيعٍ، والآخرُ بعتقٍ، في أن الفُرْقةَ لا تجِبُ (٣) بينَها وبينَ زوجِها بهما ولا بواحدٍ منهما، [ولا يجِبُ بهما ولا بواحدٍ منهما] (٤) طلاقٌ (٥) وإن اختلفا في معانٍ أُخَرَ، مِن أن لها في العتقِ الخيارَ في المُقامِ مع زوجِها والفِراقِ، لعلةٍ مفارقةٍ معنى البيعِ، وليس ذلك لها في البيعِ. فإن قال قائلٌ: وكيف يكونُ معنيًّا بالاستثناءِ مِن قولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾. ما وراءَ الأربعِ مِن الخَمْسِ إلى ما فوقَهنَّ بالنكاحِ، والمنكوحاتُ به غيرُ مملوكاتٍ؟ قيل له: إن الله تعالى لم يَخُصَّ بقولِه: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. المملوكاتِ الرقابَ دونَ المملوكِ عليها بعقدِ النكاحِ أمرُها، بل عمَّ بقولِه: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. كلا المعنيينِ، أعنى ملكَ الرقبةِ وملكَ الاستمتاعِ بالنكاحِ؛ لأن جميعَ ذلك ملَكتْه أيمانُنا، أمَّا هذه فملكُ استمتاعٍ، وأمَّا هذه فملكُ استخدامٍ واستمتاعٍ وتصريفٍ فيما أُبِيح لمالِكِها منها.
следующие страницы →