← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.

стр. 4341

عن مجاهدٍ: ﴿فَآذُوهُمَا﴾. يعنى: سبًّا (١). وقال آخرون: بل كان ذلك الأذى باللسان واليد. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباس قوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾: فكان الرجلُ إذا زنَى أُوذِيَ بالتَّعْيير وضُرِب بالنِّعالِ (٢). قال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكرُه كان أمر المؤمنين بأذى الزانيين المذكورين إذا أتَيا ذلك وهما من أهل الإسلام، والأذى قد يَقَعُ بكلِّ (٣) مَكْروهٍ نالَ الإنسانَ؛ مِن قولٍ سيِّئ باللسان، أو فعلٍ. وليس في الآية بيان أيِّ (٤) ذلك كان أُمر به المؤمنون يومئذٍ، ولا خبرٌ به عن رسول الله ﷺ ، مِن نَقْلِ الواحد ولا نقل الجماعة الموجبِ مَجِيئُها قطعَ العُذْرِ. وأهلُ التأويل في ذلك مُخْتَلِفون، وجائزٌ أن يكون ذلك أذًى باللسان أو (٥) اليد، وجائزٌ أن يكون كان أذًى بهما (٦)، وليس في العلم بأيِّ (٧) ذلك كان من أيٍّ نفعٌ في دينٍ ولا دُنيا، ولا في

стр. 4342

الجهل به مَضَرَّةٌ إذ كان الله جلّ ثناؤُه قد نسَخ ذلك من مُحْكَمِه بما أوجب من الحكم على عباده فيهما، وفى اللاتي قبلهما، فأما الذي أوجب من الحكم عليهم فيهما، فما أوجب في سورة "النور" بقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]. وأما الذي أوجب في اللاتي قبلهما، فالرَّجمُ الذي قضى به رسول الله ﷺ فيهما، وأجمع أهلُ التأويل جميعًا على أن الله تعالى ذكرُه قد جعل لأهل الفاحشة من الزُّناة والزَّوانى سبيلًا بالحدود التي حكم بها فيهم. وقال [جماعةٌ من] (١) أهل التأويل: إن الله سبحانه نسخ بقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾. قوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾. قال: كلُّ ذلك نَسَخته الآية التي في "النور" بالحدِّ المفروض (٢). حدَّثنا أبو هشام، قال: ثنا يحيى، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ الآية. قال: هذا نَسخته الآية في سورة "النور" بالحدِّ المفروض (٢). حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا أبو تُميلةَ، قال: ثنا الحسين بن واقدٍ، عن يزيد

стр. 4343

النحويِّ، عن عكرمة والحسن البصريِّ، قالا في قوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ الآية: نسخ ذلك بآية الجَلْدِ، فقال: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾: فَأَنزَل اللهُ بعد هذا: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾، فإن كانا مُحْصَنَين رُجِما في سُنَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ (٢). حدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّي: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ الآية: جاءت الحدود فنسَخَتها. حُدِّثْتُ عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا مُعاذٍ يقولُ: أَخبرنا عُبَيدُ بنُ سليمان، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ: نَسَخ الحدُّ هذه الآية (١). حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سُفيان، عن معمرٍ، عن قَتادةَ: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ الآية. قال: نسختها الحدود. وقوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾. نَسَختها الحدود (١). حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ الآية: ثم نُسخ هذا، وجُعل السبيلُ لها إذا زَنَت

стр. 4344

وهى مُحْصَنَةٌ رُجِمَت وأُخْرِجَت، وجُعِل السبيلُ للذَّكَرِ جلد مائة. حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادة في قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾ [النساء: ١٥]. قال: نَسختها الحدود (١). وأما قوله: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾. فإنه يعنى به جلّ ثناؤُه: فإن تابا من الفاحشة التي أتيا، فراجعا طاعة الله بينهما، ﴿وَأَصْلَحَا﴾. يقولُ: وأصلحا دِينَهما بمُراجعة التوبة من فاحشتهما، والعمل بما يُرْضِى الله. ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾. يقولُ: فاصفَحوا عنهما، وكُفُّوا عنهما الأذى الذي كنتُ أمرتكم أن تُؤذوهما به عقوبة لهما على ما أتيا من الفاحشة، ولا تُؤذوهما بعد توبتهما. وأما قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾. فإنه يعنى: إن الله لم يَزَلْ راجعًا لعبيده إلى ما يُحِبُّون، إذا هم راجعوا ما يُحِبُّ منهم من طاعته، رحيمًا بهم، يعني: ذا رحمة ورأفة. القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾. يعنى بقوله جلَّ ثناؤه: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾: ما التوبة على الله لأحدٍ من خلقه إلا للذين يعملون السوء من المؤمنين بجهالة، ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾، يقولُ: ما اللهُ براجعٍ لأحدٍ من خلقه إلى ما

стр. 4345

يُحِبُّه من العفو عنه، والصفح عن ذنوبه التي سَلَفت منه، إلا للذين يأتُون ما يأتونه من ذنوبهم جهالةً منهم، وهم بربِّهم مؤمنون، ثم يُراجعون طاعةَ اللهِ، ويُنيبُونَ (١) منه إلى ما أمرهم الله به، من الندم عليه والاستغفار وترك العود إلى مثله، من قبل نزول الموت بهم. وذلك هو "القريبُ" الذي ذكره الله تعالى ذكره فقال: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾. وبنحو ما قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل، غير أنهم اختلفوا في معنى قوله: ﴿بِجَهَالَةٍ﴾؛ فقال بعضُهم في ذلك بنحو ما قلنا فيه، وذهب إلى أن عمله السوء هو الجهالة التي عناها. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، عن أبي العالية أنه كان يُحدِّثُ أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يقولون: كلُّ ذنبٍ أصابه عبدٌ فهو بجهالة (٢). حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾. قال: اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ فرَأَوا أن كلَّ شيءٍ عُصِى به فهو جهالةٌ، عمدًا كان أو غيره (٣). حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾، قال: كلُّ مَن

стр. 4346

عَصَى ربَّه فهو جاهلٌ، حتى ينزِعَ عن معصيته (١). حدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مُجاهدٍ قوله: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾. قال: كلُّ مَن عَمِل بمعصية الله، فذاك منه بجهلٍ حتى يَرْجِعَ عنه. حدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾: ما دام يَعْصِى الله فهو جاهلٌ. حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا محمد بن فُضَيل بن غزوان، عن أبي النَّضْرِ، عن أبي صالح، عن ابن عباس: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾. قال: مَن عَمِل السوء فهو جاهلٌ؛ مِن جَهالته عَمِل السوءَ (٢). حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مجاهد، قال: مَن عَصَى الله فهو جاهلٌ، حتى يَنْزِعَ عن معصيته. قال ابن جُرَيج: وأَخبَرَنى عبد الله بن كثيرٍ، عن مجاهدٍ، قال: كلُّ عاملٍ بمعصية فهو جاهلٌ، حينَ عَمِل بها (٣). قال ابن جريج: وقال لى عطاء بن أبي رَبَاحٍ نحوه (٤). حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيد في قول

стр. 4347

اللهِ: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾. قال: الجهالة كلُّ امرئٍ عمل شيئًا من معاصى الله، فهو جاهلٌ أبدًا حتى يَنْزِعَ عنها. وقرأ: ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ [يوسف: ٨٩]. وقرأ: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣]. قال: مَن عصى الله فهو جاهِلٌ حتى يَنْزِعَ عن معصيته. وقال آخرون: معنى قوله: ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾: يعملون ذلك على عمدٍ منهم له. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن مجاهد: ﴿يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾. قال: الجهالةُ العمدُ (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ مثله (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيرٍ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاك: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾. قال: الجهالة العمدُ (١). وقال آخرون: معنى ذلك: إنما التوبة على الله للذين يعملون السوءَ في الدنيا.

стр. 4348

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا معتمرُ بن سليمان، عن الحكمِ بن أبان، عن عكرمة قوله: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾. قال: الدنيا كلُّها جهالةٌ (١). قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوالِ بتأويل الآية قولُ مَن قال: تأويلُها: إنما التوبةُ على الله للذين يعملون السوء، وعملُهم السوء هو الجهالة التي جَهلوها، عامدين كانو للإثم أو جاهلين بما أعَدَّ اللهُ لأهلها، وذلك أنه غير موجودٍ في كلام العرب تَسْمِيةُ العامدِ للشيء؛ الجاهل به، إلا أن يكونَ مَعْنِيًّا به أنه جاهلٌ بقَدْر مَنْفعتِه ومَضَرَّتِه، فيقالُ: هو به جاهلٌ. على معنى جهله بمعنى (٢) نفعه وضَرِّه، فأما إذا كان عالمًا بقَدْرِ مبلغ نفعه وضُرِّه، قاصدًا إليه، فغير جائز مِن أجلِ (٣) قَصْدِه إليه أن يقال: هو به جاهلٌ؛ لأن الجاهل بالشيء هو الذي لا يعلَمُه ولا يَعرِفُه عند التقدم عليه، أو يَعلَمُه فيُشَبَّهُ فَاعِلُه، إذ كان خَطَأً ما فعله، بالجاهل الذي يأتى الأمر وهو به جاهلٌ، فيُخطِئُ موضعَ الإصابة منه، فيقالُ: إنه لجاهلٌ به. وإن كان به عالمًا؛ لإتيانه الأمر الذي لا يأتى مثله إلا أهل الجهل به. وكذلك معنى قوله: ﴿يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾. قيل فيهم: ﴿يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾. وإن أتوه على علمٍ منهم بمبلغ عقاب الله أهله، عامدين إتيانه، مع معرفتهم بأنه عليهم حرامٌ؛ لأن فعلهم ذلك كان من الأفعال التي لا يأتى مثله إلا مَن

стр. 4349

جَهِل عظيم عقاب الله عليه أهله، في عاجل الدنيا وآجل الآخرة، فقيل لمن أتاه وهو به عالمٌ: أتاه بجهالة. بمعنى أنه فعَل فِعلَ الجُهَّالِ به، لا أنه كان به جاهِلًا. وقد زَعَم بعضُ أهل العربية (١) أن معناه أنهم جَهلوا كُنْهَ ما فيه من العقابِ، فلم يَعْلَموه كعلم العالم، وإن عَلِموه ذَنْبًا، فلذلك قيل: ﴿يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾. ولو كان الأمرُ على ما قال صاحبُ هذا القولِ لوَجَب أَلَّا تكونَ توبةٌ لَمَنْ علِم كُنْه ما فيه، وذلك أنه جلَّ ثناؤه قال: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾. دون غيرهم، فالواجبُ على صاحب هذا القول ألا يكون للعالم الذي عَمِل سوءًا على علم منه بكُنه ما فيه، ثم تاب من قريب - توبةٌ، وذلك خلافُ الثابت عن رسول الله ﷺ ، من أن كلَّ تائبٍ عسى الله أن يتوب عليه (٢)، وقوله: "بابُ التَّوبة مفتوحٌ ما لم تَطْلُع الشمسُ من مَغْربِها" (٣). وخلافُ قولِ اللهِ : ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الفرقان: ٧٠]. القول في تأويل قوله: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾. اختلف أهل التأويل في معنى "القريب" في هذا الموضع؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ثم يتوبون في صحتهم قبل مرضهم وقبل موتهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباط، عن

стр. 4350

السُّدِّيِّ: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾: والقريبُ قبل الموتِ ما دام في صحته (١). حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضَيلٍ، عن أبي النَّضْرِ، عن أبي صالحٍ، عن ابن عباس: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾. قال: في الحياة والصحة (٢). وقال آخرون: بل معنى ذلك: ثم يتوبون من قبل مُعاينة مَلَكِ الموتِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا معاوية بن صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾: والقريب فيما بينه وبين أن ينظر إلى ملك الموت (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بن سليمان، قال: سمعتُ عِمران بن حُديرٍ، قال: قال أبو مجلزٍ: لا يزالُ الرجلُ في توبةٍ حتى يُعايِنَ الملائكة (٢). حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن محمد بن قيسٍ، قال: القريب ما لم تنزِلْ به آيةٌ من آياتِ اللهِ تعالى، ويَنزِلْ به الموتُ (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ

стр. 4351

قَرِيبٍ﴾: له التوبةُ ما بينه وبين أن يُعايِنَ مَلَكَ الموتِ، فإذا تاب حين ينظُرُ إلى مَلَكِ الموت، فليس له ذاك (١). وقال آخرون: بل معنى ذلك: ثم يتوبون من قبل الموت. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن رجلٍ، عن الضحاك: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾. قال: كلُّ شيءٍ قبل الموت فهو قَريبٌ (٢). حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا معتمر بن سليمان، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾. قال: الدنيا كلُّها قَريبٌ (٣). حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾: قبل الموتِ. حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا مُعاذ بن هشامٍ، قال: ثنى أبي، عن قَتادةَ، عن أبي قلابةَ، قال: ذُكِر لنا أن إبليس لمَّا لُعِن وأُنظِر، قال: وعِزَّتِك لا أخرُج من قلب ابن آدم ما دام فيه الروح. فقال ﵎: وعِزَّتى لا أمنعه التوبة ما دامَ فيه الروح.

стр. 4352

حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا عمران، عن قَتادةَ، قال: كُنَّا عندَ أنس بن مالكٍ وثَمَّ أبو قلابة، فحَدَّث أبو قلابة، قال: إن الله ﵎ لما لَعَن إبليس سأله النَّظِرةَ، فقال: وعِزَّتِك لا أخرج من قلب ابن آدم. فقال الله ﵎: وعِزَّتى لا أمنعُه التوبة ما دامَ فيه الروح. حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا أيوب، عن أبي قلابة، قال: إن الله ﵎ لما لَعَن إبليس سأله النَّظرة، فأنظره إلى يوم الدين، قال: وعزَّتك لا أخرج من قلب ابن آدم ما دام فيه الروح. قال: وعزَّتى لا أحجُبُ عنه التوبة ما دامَ فيه الروح (١). حدَّثني ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسن، قال: بلغنى أن رسول الله ﷺ قال: "إن إبليس لمَّا رأى آدمَ أجْوَفَ قال: وعِزَّتِك لا أخرُجُ مِن جَوْفِه ما دامَ فيه الروح. فقال الله ﵎: وعِزَّتى لا أحُولُ بينه وبين التوبة ما دام فيه الروح" (٢). حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا معاذ بن هشامٍ، قال: ثنى أبي، عن قَتادةَ، عن العلاء بن زياد، عن أبي أيوب بُشير بن كعبٍ، أن نبيَّ الله ﷺ ، قال: "إنَّ الله يقبل توبةَ العَبْدِ ما لم يُغَرْغِرْ (٣).

стр. 4353

حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، عن عُبادةَ بن الصامت، أن رسول الله ﷺ قال. فذكر مثله (١). حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا ابن أبي عديٍّ، عن عوف، عن الحسن، قال: بلغنى أن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ الله ﵎ يَقْبَلُ تَوْبَةَ العبدِ ما لم يُغَرْغِرْ" (٢). قال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: تأويلُه: ثم يتوبون قبل مماتهم، في الحال التي يفهمون فيها أمر الله ﵎ ونهيه، وقبل أن يُغلبوا على أنفسهم وعقولهم، وقبل حال اشتغالهم بكرب الحشرجة، وغَمِّ الغَرْغَرةِ، فلا يعرفوا أمرَ اللهِ ونهيه، ولا يعقِلوا التوبةَ؛ لأن التوبة لا تكون توبةً إلا ممَّن (٣) ندم على ما سَلَف منه، وعزم فيه على تركِ المعاودة، وهو يعقِلُ الندم، ويختارُ ترك المعاودةِ، فأما إذا كان بكربِ الموتِ مَشْغولًا، وبغَمِّ الحَشْرجةِ مَغْمورًا، فلا إخالُه إلا عن الندم على ذنوبه مَغْلوبًا، ولذلك قال مَن قال: إن التوبة مقبولةٌ ما لم يُغَرْغِرِ العبد بنفسه. فإن كان المرءُ في تلك الحال يعقِلُ عقل الصحيح، ويفهم فهم العاقل الأريب، فأحدث إنابةً من ذنوبه، ورَجعةٌ من شُرودِه عن ربِّه إلى طاعته، كان إن شاء الله ممن دخل في وعدِ الله الذي وَعَد التائبين إليه من إجرامهم من قريبٍ بقوله: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾. القول في تأويل قوله: ﴿فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧)﴾. يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: ﴿فَأُولَئِكَ﴾: فهؤلاء الذين يعملون السوء بجهالةٍ ثم يتوبون من قريبٍ، ﴿يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾، دونَ مَن لم يَتُبْ، حتى غُلِب

стр. 4354

على عقلِه، وغَمَرتُه حَشْرجةُ مِيتته، فقال وهو لا يفقَهُ ما يقولُ: ﴿إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾. خداعًا لربِّه، ونفاقًا في دينه. ومعنى قوله: ﴿يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾: يَرزُقُهم إنابةً إلى طاعتِه، ويَتَقَبَّلُ منهم أَوْبتَهم إليه وتوبتهم التي أحدثوها من ذنوبهم. وأما قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. فإنه يعنى: ولم يَزَلِ الله جلَّ ثناؤُه عليمًا بالناس من عباده المُنيبين إليه بالطاعة، بعد إدبارهم عنه، المُقبلين إليه بعدَ التولية، وبغير ذلك من أمورِ خلقه، حكيمًا في توبته على من تابَ منهم من معصيته، وفى غير ذلك من تدبيره وتقديره، ولا يدخُلُ أفعاله خَلَلٌ، ولا يَخْلِطُه خطأٌ ولا زَلَلٌ. القول في تأويل قوله: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾. يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: وليست التوبة للذين يعملون السيئات من أهل الإصرار على معاصى اللهِ، ﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾ يقولُ: إِذا حَشْرَج أحدُهم بنفسه، وعاين ملائكة ربِّه قد أقبلوا إليه لقبضِ روحه قال - وقد غُلب على نفسه، وحِيلَ بينه وبينَ فَهْمِه، بشُغْلِه بكربٍ حَشْرَجَتِهِ وَغَرْغَرتِه -: ﴿إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾. يقولُ: فليس لهذا عند الله ﵎ توبةٌ؛ لأنه قال ما قال في غير حالِ توبة. كما حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن يَعْلى بن نَعْمَانَ، قال: أخبَرَنى من سمع ابن عمر يقولُ: التوبة مبسوطةٌ ما لم يُسَقْ. ثم قرأ ابن عمر: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾. ثم قال: وهل الحضور إلا

стр. 4355

السَّوْقُ (١). حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾. قال: إذا تَبَيَّن الموتُ فيه لم يقبل الله له توبةً. حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضَيلٍ، عن أبي النَّضْرِ، عن أبي صالحٍ، عن ابن عباس: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾: فليس لهذا عند الله تَوْبَةٌ (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبة، قال: سمِعتُ إبراهيم بن ميمونٍ يُحدِّثُ عن رجل من بني الحارث، قال: ثنا رجلٌ مِنَّا، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو أنه قال: مَن تاب قبل موته بعامٍ تيب عليه. حتى ذكر شهرًا، حتى ذكر ساعةً، حتى ذكر فُوَاقًا (٣)، قال: فقال رجلٌ: كيف يكون هذا، والله تعالى يقولُ: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾؟ فقال عبد الله: أنا أحدِّثك ما سمعتُ من رسولِ الله ﷺ (٤).

стр. 4356

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن إبراهيمَ بن مُهاجِرٍ، عن إبراهيم، قال: كان يقالُ: التوبة مبسوطةٌ ما لم يُؤْخَذْ بكَظَمِه (١). واختلف أهل التأويل في مَن عنَى بقوله: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾؛ فقال بعضُهم: عنَى به أهلَ النِّفاقِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾. قال: نَزَلَت الأولى في المؤمنين، ونَزَلَت الوسطى في المنافقين - يعنى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ - والأخرى في الكفار. يعنى: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ (٢). وقال آخرون: بل عنى بذلك أهل الإسلام. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا المثنى، قال: ثنا سُوَيدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سُفيانَ، قال: بلغنا في هذه الآيةِ: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾. قال: هم المسلمون، ألا ترى أنه قال: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾؟

стр. 4357

وقال آخرون: بل هذه الآية كانت نَزَلَت في أهل الإيمان، غير أنها نُسِخَت. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبد الله بن صالحٍ، قال: ثني معاوية بن صالحٍ، عن على بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾: فأنزل الله ﵎ بعد ذلك: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦]. فحَرَّم الله تعالى المغفرة على من مات وهو كافرٌ، وأَرْجَأَ أهل التوحيد إلى مَشِيئَتِه، فلم يُؤيسْهم من المغفرة المغفرة (١). قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندى بالصواب ما ذكره الثوريُّ أنه بلغه أنه في الإسلام. وذلك أن المنافقين كفارٌ، فلو كان مَعْنِيًّا به أهلَ النِّفاقِ، لم يكن لقوله: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾. معنًى مفهومٌ؛ لأنهم [إن كانوا] (٢) الذين قبلهم في معنًى واحدٍ، من أن جميعهم كفارٌ، فلا (٣) وَجْهَ لتَفْريقِ أحكامهم (٤)، و (٥) المعنى الذي من أجلِه بَطَل أن تكونَ توبةٌ؛ واحدٌ (٦). وفى تفرقة الله جلّ ثناؤه بين أسمائهم وصِفاتِهم، بأن سَمَّى أحدَ الصِّنفين كافرًا، ووَصف الصِّنْفَ الآخَرَ بأنهم أهلُ سَيئاتٍ، ولم يُسَمِّهم كفارًا، ما دَلَّ على افتراقِ مَعانِيهم.

стр. 4358

وفي صحة كون ذلك كذلك صحة ما قلنا وفساد ما خالفه. القول في تأويل قوله: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)﴾. يعنى بذلك جلّ ثناؤه: ولا التوبة للذين يموتون وهم كفارٌ. فمَوضِعُ ﴿الَّذِينَ﴾ خَفْضٌ؛ لأنه معطوفٌ على قوله: ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾. وقوله: ﴿أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. يقولُ: هؤلاء الذين يموتون وهم كفارٌ أعتدنا لهم عذابًا أليمًا؛ لأنهم [من التوبة أبعد، لموتهم] (١) على الكفر. كما حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضَيلٍ، عن أبي النضر، عن أبي صالحٍ، عن ابن عباس: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾: أولئك أبعد من التوبة (٢). واختلف أهل العربية في معنى: ﴿أَعْتَدْنَا لَهُمْ﴾؛ فقال بعضُ البصريين: معنى ﴿أَعْتَدْنَا﴾: أفعلنا، من العتاد. قال: ومعناها: أعددنا. وقال بعضُ الكوفيين: أعْدَدنا وأعتدنا معناهما واحدٌ. فمعنى قوله: ﴿أَعْتَدْنَا لَهُمْ﴾: أعْدَدنا لهم. ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾. يقولُ: مؤلمًا مُوجِعًا. القولُ في تأويل قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾.

стр. 4359

يعنى ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: يا أيُّها الذين صدَّقوا الله ورسوله ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾. يقولُ: لا يَحِلُّ لكم أن تَرِثوا نكاح نساء أقاربكم وآبائكم كَرْهًا. فإن قال قائلٌ: كيف كانوا يرثونهن؟ وما وَجْهُ تَحريم وراثتهنَّ، وقد عَلِمتَ أن النساءَ مُوَرَّثاتٌ (١) كما الرجالُ مُوَرَّثون (٢)؟ قيل: إن ذلك ليس من معنى وِراثتهنَّ إذا هن مِتْنَ فتَرَكنَ مالًا، وإنما ذلك أنهن في الجاهلية كانت إحداهنَّ إذا مات زوجها، كان ابنه أو قَريبُه أَوْلَى بها من غيرِه، ومنها بنفسها، إن شاء نَكَحها، وإن شاء عَضَلها، فمنعها من غيرِه ولم يتزوَّجها (٣) حتى تموت، فحَرَّم الله تعالى ذلك على عباده، وحَظَر عليهم نكاح حلائل آبائهم، ونهاهم عن عَضْلِهن عن النِّكاح. وبنحو القول الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريب، قال: ثنا أسباط بن محمدٍ، قال: ثنا أبو إسحاق - يعنى الشيبانيَّ - عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾. قال: كانوا إذا مات الرجل، كان أولياؤه أحقُّ بامرأته، إن شاء بعضُهم تَزوَّجَها، وإن

стр. 4360

شاءوا زَوَّجوها، وإن شاءوا لم يُزَوِّجوها، وهم أحقُّ بها من أهلها، فنَزَلَت هذه الآية في ذلك (١). وحدثني أحمد بن محمد الطُّوسيُّ، قال: ثنا عبد الرحمن بن صالحٍ، قال: ثني محمدُ بنُ فُضَيلٍ، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيفٍ، عن أبيه، قال: لما تُوفِّى أبو قيس بن الأسلتِ أرادَ ابنُه أن يتزوج امرأته، وكان ذلك لهم في الجاهلية، فأنزل اللهُ: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ (٢). حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا يحيى بن واضحٍ، عن الحسين بن واقد، عن يزيد النحويِّ، عن عكرمة والحسن البصري، قالا في قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾: وذلك أن الرجل كان يَرِثُ امرأة ذى قرابته، فيَعضُلُها حتى تموتَ أو تَرُدَّ إليه صداقها، فأحكم الله عن ذلك، يعني أن الله نهاكم عن ذلك. حدَّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن سليمان التَّيميِّ، عن أبي مجلزٍ في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾. قال: كانت الأنصارُ تفعل ذلك، كان الرجلُ إذا مات حَميمُه، وَرِثْ حَميمُه امرأته، فيكون أولى بها من وليِّ نفسها (٣).

стр. 4361

حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حَجَّاجُ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ الخراسانيِّ، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ الآية. قال: كان الرجل إذا مات أبوه أو حَميمُه، فهو أحقُّ بامرأتِه، إن شاء أمسكها، أو يحبسها حتى تفتدى منه بصداقها، أو تموت فيذهب بمالها (١). قال ابن جريجٍ: فأخبرنى عطاءُ بن أبي رباحٍ أن أهل الجاهلية كانوا إذا هلك الرجلُ فتَرَك امرأةٌ، حَبَسها أهله على الصبيِّ يكون فيهم. فنزلت: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ الآية (٢). قال ابن جريجٍ، وقال مجاهدٌ: كان الرجلُ إذا تُوفِّى أبوه كان أحقَّ بامرأتِه، يَنكِحُها إن شاء، إذا لم يكن ابنَها، أو يُنكِحُها مَن (٣) شاء؛ أخاه أو ابنَ أخيه. قال ابن جُريجٍ: وقال عكرمة: نزَلَت فِي كُبَيشَةَ بنتِ مَعْنِ بن عاصمٍ من الأوس، توفِّي عنها أبو قيس بنُ الأسلتِ، فَجَنَح عليها (٤) ابنه، فجاءت النبيَّ ﷺ فقالت: يا نبيَّ الله، لا أنا ورثت زوجى، ولا أنا تُرِكتُ فأُنْكَحَ. فنزَلَت هذه الآيةُ (٥). حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ،

стр. 4362

عن مجاهدٍ في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾. قال: كان إذا توفِّى الرجلُ، كان ابنه الأكبر هو أحقَّ بامرأته، يَنكِحُها إذا شاء إذا لم يكن ابنَها، أو يُنكِحُها مَن شاء؛ أخاه أو ابن أخيه (١). حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن عمرو بن دينارٍ مثل قول مجاهدٍ. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شِبلٌ، قال: سمعتُ عمرو بن دينار يقول مثل ذلك. حدَّثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: أما قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾. فإن الرجل في الجاهلية كان يموتُ أبوه أو أخوه أو ابنه، فإذا مات وترك امرأته، فإن سَبَق وارِثُ الميت فألقى عليها ثوبه، فهو أحقُّ بها أن يَنكِحَها بمَهْرِ صاحبِه، أو يُنكِحَها فيَأْخُذَ مهرها، وإن سبقته فذهَبَت إلى أهلها، فهم أحقُّ بنفسها (٢). حُدِّثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبَيدُ بنُ سليمان الباهليُّ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾: كانوا بالمدينة إذا ماتَ حَميمُ (٣) الرجل وتَرَك امرأةً، ألقى الرجلُ عليها ثَوبَه، فوَرِث نكاحها، وكان أحقَّ بها، وكان ذلك عندهم نكاحًا، فإن شاء أمسَكها حتى تفتدِيَ منه، وكان هذا في الشِّرْكِ.

стр. 4363

حدَّثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾. قال: كانت الوراثة (١) في أهل يثرب بالمدينة ههنا، فكان الرجلُ يموتُ فيَرِثُ ابنه امرأة أبيه، كما يَرِثُ أمَّه، لا يستطيعُ أَن يُمنع. فَإِن أَحَبَّ أن يَتخِذَها اتخَذَها، كما كان أبوه يتخِذُها، وإن كَرِه فارَقَها، وإن كان صغيرًا حُبِسَت عليه حتى يَكْبَرَ، فإن شاء أصابها، وإن شاء فارقها، فذلك قولُ الله ﵎: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾: وذلك أن رجالًا من أهل المدينة كان إذا مات حَميمُ أحدهم، ألقَى ثوبَه على امرأتِه، فوَرِث نِكَاحَها، فلم ينكحها أحدٌ غيرُه، وحَبَسها عنده حتى تفتدِيَ منه بفديةٍ، فأنزل الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ (٣). حدثني ابن وَكيع، قال: ثنى أبي، قال: ثنا سفيان، عن عليِّ بن بَذِيمةَ، عن مِقْسَمٍ، قال: كانت المرأةُ في الجاهلية إذا مات زوجُها، فجاء رجلٌ فألقى عليها ثوبه، كان أحقَّ الناس بها. قال: فنزلت هذه الآيةُ: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ (٤). فتأويل الآية على هذا التأويل: يا أيُّها الذين آمنوا لا يَحِلُّ لكم أن ترثوا آباءكم

стр. 4364

وأقاربكم نكاح نسائهم كَرْهًا. فترك ذكر الآباء والأقارب والنكاح، ووجَّه الكلام إلى النهي عن وِراثة النساء؛ اكتفاء بمعرفة المخاطبين بمعنى الكلام، إذ كان مفهومًا معناه عندهم. وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا يَحِلُّ لكم أيُّها الناسُ أن تَرِثوا النساءَ تَرِكاتِهن كَرْهًا. قالوا: وإنما قيل ذلك كذلك لأنهم كانوا يَعضُلُونَ أَيَامَاهُنَّ وهُنَّ كَارِهاتٌ للعضل، حتى يَمُتْنَ فيرِثوهن أموالهن. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾. قال: كان الرجل إذا مات وترك جاريةً، ألقى عليها حَميمُه ثوبه، فمنعها من الناس، فإن كانت جميلةٌ تَزَوَّجها، وإن كانت ذميمةً (١) حبسها حتى تموتَ فيرِثَها (٢). حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن الزهريِّ في قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾. قال: نزلت في ناسٍ من الأنصار، كانوا إذا مات الرجلُ منهم، فأملك الناس بامرأتِه وَلِيُّه، فيُمسكها حتى تموتَ فيرِثَها، فنَزَلَت فيهم (٣). قال أبو جعفرٍ: وأولى القولين بتأويل الآية القولُ الذي ذكرناه عمَّن قال: معناه:

стр. 4365

لا يَحِلُّ لكم أن ترثوا النساء (١) أقاربكم؛ لأن الله جل ثناؤه قد بَيَّن مَواريث أهل المواريث، فذلك لأهله، كره (٢) وراثتهم إياه الموروث ذلك عنه من الرجال أو النساء، [أو رضى] (٣). فقد عُلم بذلك أنه جلّ ثناؤه لم يَحظُرْ على عباده أن يرثوا (٤) النساء ما جعله لهم ميراثًا عنهن، وأنه إنما خطر أن يُكْرَهن موروثاتٍ، بمعنى حَظرِ وراثة نكاحهن، إذ كان ميِّتهم الذي ورثوه قد كان مالكًا عليهن أمرهن في النِّكاح مِلْكَ الرجل مَنْفعةَ ما استأجر من الدُّور والأرضين وسائر ما له منافعُ (٥). فأبانَ الله جلّ ثناؤه لعباده أن الذي يملكه الرجلُ منهم من يُضْعِ زَوْجِه، معناه غيرُ معنى ما يملكُ أحدهم من منافع سائر المملوكات التي تجوز إجارتها، [بمعنى الإجارة] (٣)، فإن المالِكَ بُضْعَ زوجته إذا هو مات، لم يكن ما كان له ملكًا من زوجته بالنكاح لورثته بعده، كما لهم من الأشياء التي كان يملكها بشراءٍ أو هبةٍ أو إجارةٍ بعد موته بميراثه ذلك عنه. وأما قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾. فَإِن أهل التأويل اختلفوا في تأويله؛ فقال بعضُهم: تأويله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾. أي: ولا تحبسوا يا معشرَ وَرثَةٍ من مات من الرجال أزواجهم عن نكاحِ مَن أَرَدْنَ نِكَاحَه من

стр. 4366

الرجال، كيما يمتن فتَذهَبوا ببعض ما آتيتموهن، أي: فتأخُذوا من أموالهن إذا مِتْنَ، ما كان موتاكم الذين ورثتموهم (١) ساقوا إليهن من صدُقاتهن. وممن قال ذلك جماعةٌ قد ذكرنا بعضهم، منهم ابن عباسٍ، والحسن البصريُّ، وعكرمة. وقال آخرون: بل معني ذلك: ولا تَعْضُلوا أيُّها الناسُ نساءكم، فتحبسوهن ضرارًا، ولا حاجة بكم إليهن، فتُضِرُّوا بِهن، ليَفْتَدِين منكم بما آتيتموهن من صدقاتهن. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبد الله بن صالحٍ، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾. يقولُ: لا تَقْهَروهنّ. ﴿لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾. يعنى: الرجلُ تكون له المرأة وهو كارِهٌ لصُحْبتِها، ولها عليه مَهْرٌ، فَيُضِرُّ بها لتَفْتِدِى (٢). حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ في قوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾. يقولُ: لا ينبغي (٣) لك أن تحبس امرأتك ضرارًا حتى تَفْتدِيَ منك (٤). قال: وأَخبرنا مَعْمَرٌ، قال: وأخبرني سماكُ بن الفضل (٥)، عن ابن البيلمانيِّ (٦)، قال: نزلت هاتان الآيتان، إحداهما في أمر الجاهلية، والأخرى في

стр. 4367

أمر الإسلام. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن مَعْمَرٍ، قال: أخبرنا سماكُ بنُ الفضل (١)، عن عبدِ الرحمنِ بن البَيْلَماني (٢) في قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾. قال: نزلت هاتان الآيتان، إحداهما في الجاهلية، والأخرى في أمر (٣) الإسلام. قال عبد الله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ﴾ في الجاهلية، ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ في الإسلامِ (٤). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحمَّانيُّ، قال: ثنا شريكٌ، عن سالم، عن سعيدٍ: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾. قال: لا تَحْبِسوهنّ (٥). حدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾: أما ﴿تَعْضُلُوهُنَّ﴾، فيقولُ: تُضارُّوهن ليَفْتَدِين منكم (٦). حدِّثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدُ بنُ سليمان، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾. قال: العَضْلُ أن يُكْرِهَ الرجل امرأته فيُضِرُّ بها حتى تفتدِى منه، قال الله ﵎: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ (٧) [النساء: ٢١].

стр. 4368

وقال آخرون: المعنيُّ بالنهي عن عَضْل النساء في هذه الآية أولياؤهنَّ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾: أن يَنْكِحْنَ أزواجهن، كالعضل في سورة "البقرة" (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ مثله. وقال آخرون: بل المنهيُّ عن ذلك زوج المرأة بعد فراقه إياها. وقالوا: ذلك كان من فعل الجاهلية، فنُهوا عنه في الإسلام. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونس بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: كان العَضْلُ في قريش بمكة؛ يَنكِحُ الرجلُ المرأة الشريفة، فلعلَّها لا (٢) توافقه، فيُفارِقُها على ألا تَتزوَّجَ إلا بإذنه، فيأتى بالشهودِ، فيكتُبُ ذلك عليها ويُشْهِدُ، فإذا خطبها خاطِبٌ، فإن أعطته وأرضَتْه أذن لها، وإلا عَضَلها. قال: فهذا قولُ اللهِ ﵎: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ الآية (٣). قال أبو جعفر: قد بَيَّنَّا فيما مضى معنى "العَضْل"، وما أصله بشواهد ذلك من الأدلة (٤). وأولى هذه الأقوال التي ذكرناها بالصحة في تأويل قوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ

стр. 4369

لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾. قولُ مَن قال: نهى الله جلّ ثناؤه زوج المرأةِ عن التَّضْييقِ عليها والإضرار بها وهو لصُحْبتها كارهٌ، ولفِراقِها مُحِبٌّ، لتفتدِيَ منه ببعض ما آتاها من الصَّداق. وإنما قلنا: ذلك أولى بالصحة؛ لأنه لا سبيل لأحدٍ إلى عَضْلِ امرأةٍ إِلَّا لأحدٍ رجلين؛ إمّا لزوجها بالتَّضييق عليها، وحَبْسِها على نفسه وهو لها كارِهٌ، مُضارَّةً منه لها بذلك؛ ليَأخُذَ منها ما آتاها، بافتدائها منه نفسَها بذلك، أو لوليِّها الذي إليه إنكاحُها، وإذا كان لا سبيل إلى عَضْلِها لأحدٍ غيرهما، وكان الوليُّ معلومًا أنه ليس ممّن آتاها شيئًا فيقال إن عَضَلَها عن النِّكاح: عَضَلها ليَذهَبَ ببعض ما آتاها. كان معلومًا أن الذي عنى الله ﵎ بنهيه عن عَضْلِها هو زوجها الذي له السبيلُ إلى عَضْلِها ضِرارًا لتفتدِى منه. وإذا صحَّ ذلك، وكان معلومًا أن الله تعالى ذكره لم يجعل لأحدٍ السبيل على زوجته بعد فراقه إياها وبَيْنونَتِها منه، منه، فيكون له إلى عَضْلِها سبيلٌ لتَفْتِدِيَ منه مِن عَضْلِه إياها، أتَتْ بفاحشة أم لم تأتِ بها، وكان الله جلّ ثناؤه قد أباحَ للأزواج عَضْلَهن إذا أَتَيْنَ بفاحشةٍ مُبَيِّنَةٍ حتى يَفْتدِين منه - كان بَيِّنًا بذلك خطأُ التأويل الذي تأوَّله ابن زيد، وتأويل من قال: عُنى بالنهي عن العَضْل في هذه الآية أولياء الأيامى. وصحةُ ما قلنا فيه. ﴿لَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾. في موضع نَصْبٍ عطفًا على قوله: ﴿أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾. ومعناه: لا يَحِلُّ لكم أن تَرِثُوا النساءَ كَرْهًا ولا أَنْ تَعْضُلوهن. وكذلك هي فيما ذُكر في حرف ابن مسعودٍ (١).

стр. 4370

ولو قيل: هو في موضع جزم على وَجْهِ النهي. لم يكن خطأً. القول في تأويل قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. يعنى بذلك جلّ ثناؤه: لا يَحِلُّ لكم أيُّها المؤمنون أن تَعْضُلوا نساءكم، ضِرارًا منكم لهن، وأنتم لصُحْبتهن كارهون، وهُنَّ لكم طائعاتٌ، لتذهَبوا ببعض ما آتيتُمُوهن مِن صَدُقَاتِهِنَّ، إلا أن يَأْتين بفاحشةٍ مُبيِّنةٍ، فيَحِلَّ لكم حينئذٍ الضِّرارُ بهنَّ؛ ليَفْتَدِين منكم. ثم اختلف أهل التأويل في معنى "الفاحشة" التي ذكرها الله جلّ ثناؤه في هذا الموضع؛ فقال بعضُهم: معناها: الزِّنَى. وقال: إذا زَنَت امرأة الرجل، حَلَّ له عَضْلُها والضِّرارُ بها لتفتدِى منه بما آتاها من صداقها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا أشعثُ، عن الحسن في البِكْرِ تَفْجُرُ، قال: تُضرَبُ مائةً، وتُنفَى سنةً، وتَرُدُّ إلى زوجها ما أخَذَت منه. وتأوَّلَ هذه الآيةَ: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (١). حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن عطاءٍ الخراساني، في الرجل إذا أصابت امرأتُه فاحشةً، أخذ ما ساق إليها وأخرجها، فنَسَخ ذلك الحدود (٢).

стр. 4371

حدَّثنا أحمد بن منيعٍ، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن أيوب، عن أبي قلابة، قال: إذا رأى الرجلُ مِن امرأته فاحِشَةً، فلا بأس أن يُضارَّها، ويَشُقَّ عليها حتى تختلِعَ منه (١). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرني مَعْمَرٌ، عن أيوب، عن أبي قلابة في الرجل يَطَّلِعُ من امرأته على فاحشةٍ. فذكر نحوه. حدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾: وهو الزِّنَى، فإِذا فَعَلْن ذلك فَخُذُوا مُهورهنَّ (٢). حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: أخبرني عبد الكريم أنه سمع الحسن البصريَّ: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ﴾. قال: الزِّنَى. قال: وسمِعتُ الحسنَ وأبا الشَّعْثاءِ يَقولان: فإِن فَعَلَت، حَلَّ لزوجها أن يكون هو يسألُها الخُلْعَ لِتفتدِىَ (٣). وقال آخرون: الفاحشة المبيِّنة في هذا الموضع النُّشُوزُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبد الله بن صالحٍ، قال: ثني معاوية بن صالحٍ، عن

стр. 4372

على بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾: وهو البُغْضُ والنُّشُوزُ، فإذا فَعَلَت ذلك، فقد حَلَّ له منها الفِدْية (١). حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، قال: ثنا عَنْبسةُ، عن عليِّ بن بَذِيمةَ، عن مقسمٍ في قوله: (وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتذهبوا ببعض ما آتيتموهُنَّ إلا أَنْ يُفْحِشْنَ) في قراءة ابن مسعودٍ، قال: إذا عصتك (٢) وآذتك، فقد حلَّ لك أخذُ ما أخَذَتْ منك (٣). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مُطَرِّفِ بن طَرِيفٍ، عن خالدٍ، عن الضحَّاكِ بن مُزَاحِمٍ: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. قال: الفاحشة هاهنا النشوزُ، فإذا نشَزت حلَّ له أن يَأْخُذَ خُلْعَها منها (١). حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادة في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. قال: هو النشوزُ (٤). حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال عطاءُ بن أبي رَبَاحٍ: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾: فَإِن فَعَلْنَ؛ إِن شِئتُم أمْسَكتُموهنَّ، وإِن شِئتُم أَرْسَلْتُموهنَّ. حدِّثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذٍ يقولُ: أَخبرنا عبيدُ بنُ سليمان، قال: سمعتُ الضحَّاكَ بنَ مُزاحِمٍ يقولُ في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. قال: عدل ربُّنا ﵎ في القضاء، فرجع إلى النساء،

стр. 4373

فقال: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾: والفاحشة العصيانُ والنُّشُوزُ، فإذا كان ذلك مِن قِبَلِها، فإن قبلها، فإن الله أمره أن يَضْرِبَها، وأمره بالهجرِ، فإن لم تدع العصيان والنشوز، فلا جناح عليه بعد ذلك أن يَأْخُذَ منها الفدية (١). قال أبو جعفر: وأَوْلَى ما قيل في تأويل قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. أَنَّه مَعْنيٌّ به كلُّ فاحشةٍ من بذاءةٍ باللسان على زوجها، وأذًى له، وزِنًى بفرجها، وذلك أن الله جل ثناؤه عمَّ بقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. كل فاحشة مبيِّنةٍ ظاهرة، فكلُّ زوج امرأة أتت بفاحشة من الفواحش التي هي زِنًى أو نشوزٌ، فله عَضْلُها على ما بيَّن الله في كتابه، والتضييق عليها حتى تَفْتَدِى منه - بأيِّ معاني فواحش أتت، بعد أن تكونَ ظاهرةٌ مُبيِّنةً - بظاهر كتاب الله ﵎، وصحة الخبر عن رسول الله ﷺ . كالذي حدَّثني يوسف (٢) بن سلمان (٣) البصريُّ، قال: ثنا حاتم بن إسماعيل، قال: ثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، أن رسول الله ﷺ ، قال: "اتَّقوا الله في النساء، فإنكم أخَذْتُموهنَّ بأمانةِ اللهِ، واستحلَلْتُم فُروجَهنَّ بكلمة الله، وإنّ لكم عليهنَّ ألَّا يُوطِئْنَ فُرُشَكم أحدًا تَكْرَهُونه، فإن فعَلْنَ ذلك، فاضْرِبُوهُنَّ ضربًا غَيرَ مُبَرِّحٍ، ولهنَّ عليكم رِزْقُهنَّ وكسْوَتُهنَّ بالمعروف" (٤). حدَّثنا موسى بن عبدِ الرحمنِ المَسْرُوقيُّ، قال: ثني زيدُ بن الحُبابِ، قال: ثنا

стр. 4374

موسى بنُ عُبيدَةَ الرَّبَذِيُّ، قال: ثنى صدقةُ بنُ يَسَارٍ، عن ابن عمرَ، أَن رسول الله ﷺ قال: "أيُّها الناسُ، إن النساء عندكم عَوَانٍ (١)، أَخَذْتُمُوهُنَّ بأمانةِ اللهِ، واسْتَحْلَلْتُم فُرُوجَهنَّ بكلمة الله، ولكم عليهِنَّ حقٌّ، ولهنَّ عليكم حقٌّ، ومن حقِّكم عليهنَّ ألَّا يُوطِئْنَ فرشكم أحدًا، ولا يَعْصِينَكم في معروف، فإذا فعلن ذلك، فلهنَّ رزقهنَّ وكسوتُهنَّ بالمعروفِ" (٢). فأخبر ﷺ أن من حقِّ الزوج على المرأة ألا تُوطِئَ فراشه أحدًا، وألا تعصيه في معروفٍ، وأن الذي يجبُ لها من الرزق والكسوة عليه، إنما هو واجبٌ عليه إذا أدَّت هي إليه ما يجب عليها من الحقِّ، بتركها إيطاءَ فراشه غيره، وتركها معصيته في معروفٍ، ومعلومٌ أن معنى قول النبيِّ ﷺ : "من حقِّكم عليهنَّ أَلَّا يُوطِئْنَ فُرُشَكم أحدًا". إنما هو: ألّا يُمَكِّنَّ أنفسَهنَّ مِن أحدٍ سواكم. وإذا كان ما روينا في ذلك صحيحًا عن رسول الله ﷺ ، فبيِّنٌ أن لزوج المرأة إذا أوطأت امرأته نفسها غيره، وأمكنت من جماعها سواه، أن له من منعها الكسوة والرزق بالمعروف، مثل الذي له من منعها ذلك إذا هي عصته في المعروف، وإذا كان ذلك له، فمعلومٌ أنه غيرُ مانعٍ لها - بمنعه إيَّاها ما له منعها - حقًّا لها واجبًا عليه، وإذا كان ذلك كذلك فبيِّنٌ أنها إذا افتدت نفسها عند ذلك من زوجها، فأخذ منها زوجها ما أعطَتْه، أنه لم يَأْخُذْ ذلك عن عضْلٍ مَنْهيٍّ عنه، بل هو أخذ ما أخذ منها عن عَضْلٍ له مُباحٍ، وإذ كان ذلك كذلك، كان بيِّنًا أنه داخلٌ في استثناءِ الله ﵎ الذي استثناه من العاضلين بقوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. وإذ صحَّ ذلك، فبيِّنٌ فسادُ قولِ مَن قال: قولُه: ﴿إِلَّا

стр. 4375

أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. منسوخٌ بالحدود؛ لأن الحد حقُّ الله جل ثناؤه على مَن أتى الفاحشة التي هي زنًى، وأمَّا العَضْلُ لِتَفْتَدِى المرأة من الزوج بما آتاها أو ببعضه، فحقٌّ لزوجها، كما عَضْلُه إيَّاها وتضييقه عليها إذا هي نشرت عليه لِتَفْتَدِى منه، حقٌّ له، وليس حكم أحدهما يُبْطِلُ حكم الآخرِ. فمعنى الآية: ولا يَحِلُّ لكم أيها الذين آمنوا أن تَعْضُلُوا نساءكم، فتضيِّقوا عليهنَّ، وتمنعوهنَّ رزقهنَّ وكسوتهنَّ بالمعروف؛ لِتَذْهَبوا ببعض ما آتَيْتُموهنَّ مِن صَدُقاتِكم، ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ﴾ مِن زنًى أو بذاءٍ عليكم، وخلاف لكم فيما يَجِبُ عليهنَّ لكم. ﴿مُبَيِّنَةٍ﴾: ظاهرة. فيحلَّ لكم حينئذٍ عَضْلُهنَّ والتضييق عليهنَّ؛ لِتَذْهَبوا ببعض ما آتيتموهنَّ مِن صَداقٍ، إن هنَّ افْتَدَيْنَ منكم به. واخْتَلفت القَرَأَةُ في قراءة قوله: ﴿مُبَيِّنَةٍ﴾؛ فقرأ ذلك بعضُهم: (مُبَيَّنَةٍ) بفتح الياء (١)، بمعنى أنها قد بُيِّنت لكم، وأُعلنت وأُظْهِرت. وقرأه بعضُهم: ﴿مُبَيِّنَةٍ﴾ بكسر الياء (٢)، بمعنى أنها ظاهرةٌ بيِّنةٌ للناس أنها فاحشةٌ. وهما قراءتان مستفيضتان في قَرَأَةِ أمصار الإسلام، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ في قراءته الصوابَ؛ لأن الفاحشة إذا أظْهَرها صاحبها فهي ظاهرةٌ بَيِّنةٌ، وإذا ظهرت فبإظهارِ صاحبها إيَّاها ظهرت، فلا تكون ظاهرةً بيِّنةٌ إلا وهي مُبَيَّنَةٌ، ولا مُبَيَّنَةٌ إلا وهى مُبَيِّنَةٌ، فلذلك رأيتُ القراءةَ بأيِّهما قرأ القارئ صوابًا. القول في تأويل قوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.

стр. 4376

يعنى جلّ ثناؤهُ بقوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾: وخالِقُوا (١) أَيُّها الرجالُ نساءَكم، وصاحبوهنَّ بالمعروف. يعنى: بما أمرتُكم به من المصاحبة، وذلك إمساكهنَّ بأداءِ حقوقهنَّ التي فرض الله جل ثناؤُه لهنَّ عليكم إليهنَّ، أو تسريحٌ منكم لهنَّ بإحسانٍ. كما حدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. يقولُ: وخالطوهنَّ. كذا قال محمد بن الحسين، وإنما هو: خالِقوهنَّ. مِن العِشْرَةِ وهى المُصَاحَبَةُ. القول في تأويل قوله: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩)﴾. يعنى بذلك تعالى ذكرُه: لا تَعْضُلوا نساءكم لتَذْهَبوا ببعض ما آتَيْتُمُوهُنَّ مِن غير ريبةٍ ولا نشوزٍ كان منهنَّ، ولكن عاشروهنَّ بالمعروف وإن كرهتموهنَّ، فلعلَّكم أن تَكْرَهُوهنَّ فتُمْسِكُوهُنَّ، فيجعل الله لكم في إمساككم إيَّاهنَّ على كُرهٍ منكم لهنَّ، خيرًا كثيرًا، مِن ولدٍ يَرْزُقُكم منهنَّ، أو عطفكم عليهنَّ بعد كراهتكم إيَّاهنَّ. كما حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾. يقولُ: فعسى الله أن يَجْعَل في الكراهة خيرًا كثيرًا (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.

стр. 4377

حدَّثني محمد بن الحسين، قال: ثني أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ في قوله: ﴿وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾. قال: الولد (١). حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾: والخير الكثير أن يَعْطِفَ عليها، فيُرْزَقَ الرجلُ ولدها، ويجعَلَ اللهُ في وَلدِها خيرًا كثيرًا (٢). والهاء في قوله: ﴿وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾. على قول مجاهدٍ الذي ذكرناه، كنايةٌ عن مصدرِ ﴿تَكْرَهُوا﴾. كأن معني الكلام عنده: فإن كرِهْتُموهنَّ، فعسى أن تكرهوا شيئًا، ويجعَلَ اللهُ [في كرهِهِ] (٣) خيرًا كثيرًا. ولو كان تأويل الكلام: فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعَلَ اللهُ في ذلك الشيء الذي تكرهونه خيرًا كثيرًا. كان جائزًا صحيحًا. القول في تأويل قوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾. يعنى جلَّ ثناؤُه بقوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾: وإن أَرَدْتُم أَيُّها المؤمنون نكاح امرأةٍ مكانَ امرأة لكم تُطَلِّقونها، ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ﴾. يقولُ: وقد أعْطَيتُم التي تُرِيدُون طلاقها من المهر ﴿قِنْطَارًا﴾. والقنطار المالُ الكثيرُ. وقد ذكرنا فيما مضى اختلاف أهل التأويل في مبلغه، والصواب من القول في ذلك عندنا (٤).

стр. 4378

﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾. يقولُ: فلا تَضُرُّوا بِهِنَّ إِذا أَرَدْتُم طَلاقَهُنَّ؛ ليَفْتَدِينَ منكم بما أتيتُموهنَّ. كما حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾: طلاق امرأة مكانَ أخرى، فلا يَحِلُّ له مِن مالِ المطلقة شيءٌ وإن كثر (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله. القولُ في تأويل قوله: ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠)﴾ يعنى بقوله تعالى ذكرُه: ﴿أَتَأْخُذُونَهُ﴾: أتأخذون ما آتيتموهنَّ مِن مُهورهنَّ، ﴿بُهْتَانًا﴾. يقولُ: ظلمًا بغير حقٍّ، ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾. يعنى: وإثمًا قد أبان أمرُ آخذه أنه بأخذه إيَّاه لمن أخَذه منه ظالمٌ. القول في تأويل قوله: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾. يعنى جلَّ ثناؤه بقوله: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ﴾: وعلى أيِّ وجهٍ تأخُذون مِن نسائكم ما آتيتموهنَّ مِن صَدُقَاتِهِنَّ إذا أردتُم طلاقهنَّ، واستبدال غيرِهنَّ بهنَّ أزواجًا، ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾، فتباشَرتُم وتلامَسْتُم. وهذا كلامٌ وإن كان مَخْرَجُه مخرجَ الاستفهام، فإنه في معنى النكير والتغليظ، كما يقولُ الرجلُ لآخر: كيف تفعل كذا وكذا وأنا غير راضٍ به؟ على معنى التهدُّدِ (٢) والوعيد.

стр. 4379

وأمَّا الإفضاء إلى الشيء، فإنه الوصول إليه بالمباشرة له، كما قال الشاعر (١): بِلًى [وثأًى] (٢) أَفضَى إلى كلِّ (٣) كُتبةٍ … بدا سيرُها من باطنٍ بعد ظاهرِ يعنى بذلك أن الفساد والبِلَى وصل إلى الخُرَزِ. والذي عُنى به الإفضاء في هذا الموضع، الجماعُ في الفرج. فتأويلُ الكلام - إذ كان ذلك معناه -: وكيف تأخُذون ما آتيتموهنَّ وقد أفْضَى بعضُكم إلى بعضٍ بالجماع؟ وبنحو ما قلنا في ذلك قال جماعةٌ من أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عبد الحميد بن بيانٍ القَنَّادُ، قال: ثنا إسحاق، عن سفيان، عن عاصم، عن بكرِ بن عبدِ اللهِ، عن ابن عباس، قال: الإفضاء المباشرة، ولكنَّ الله كريمٌ، يَكْنِي عمَّا يشاءُ (٤). حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن عاصم، عن بكرٍ، عن ابن عباس، قال: الإفضاءُ الجماعُ، ولكنَّ الله يَكْنِى (٥). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عاصمٍ، عن (٦) بكرِ بن عبدِ اللهِ المزنيِّ،

стр. 4380

عن ابن عباس، قال: الإفضاء هو الجماع. حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾. قال: مجامعة النساءِ (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله. حدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضَّل، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾: يعنى المجامعة (٢). القولُ في تأويل قوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١)﴾. أي: ما وثَّقتم (٣) به لهنَّ على أنفسكم، من عهد وإقرار منكم بما أقْرَرْتُم به على أنفسكم، من إمساكهنَّ بمعروف، أو تسريحهنَّ بإحسان، وكان في عقد المسلمين النِّكاح قديمًا، فيما بلغنا، أن يقال للناكح: الله عليك، لَتُمْسِكُنَّ بمعروف، أو لَتُسَرِّحَنَّ بإحسانٍ. حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾: والميثاق الغليظُ الذي أخذه للنساء على الرجال؛ إمساكٌ بمعروفٍ، أو تسريحٍ بإحسانٍ، وقد كان في عقد (٤) المسلمين عند
следующие страницы →