← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 4516–4555 · переход к 4521.

стр. 4516

يُلْحِقُ به الرجلَ، فيكونُ تابِعَه، فإذا مات الرجلُ صار لأهلِه وأقاربِه الميراثُ، وبَقِى تابعًا (١) ليس له شيءٌ، فأنزَل اللهُ، (وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَتُكُمْ فَئَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ). فكان يُعْطَى من ميراثِه، فأنزَل اللهُ بعدَ ذلك: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ (٢). وقال آخرون: بل نزَلَت هذه الآيةُ فى الذين آخى بينَهم رسولُ اللهِ ﷺ من المهاجرين والأنصارِ، فكان بعضُهم يَرِثُ بعضًا بتلك المُؤاخاةِ، ثم نَسَخ اللهُ ذلك بالفرائضِ، وبقولِه: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا أبو أُسامةً، قال: ثنا إدريسُ بنُ يزيدَ، قال: ثنا طلحةُ بنُ مُصَرِّفٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: (وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَتُكُمْ فَتَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ). قال: كان المهاجِرون حينَ قَدِموا المدينةَ [يرِثُ المهاجرِيُّ الأنصاريَّ] (٣) دونَ ذوى رَحِمِه (٤)، للأخوةِ التي أخَى رسولُ اللهِ ﷺ بينَهم، فلما نزَلَت هذه الآيةُ: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾. نُسِخَت (٥). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِه: (وَالَّذِينَ

стр. 4517

عَاقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ): الذين عَقَد رسولُ اللهِ ﷺ ، ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ إذا لم يأْتِ رَحِمٌ يحولُ بينَهم. قال: وهو لا يكونُ اليومَ، إنما كان في نَفَرٍ آخَى بينَهم رسولُ اللهِ ﷺ ، وانقطَع ذلك، ولا يكونُ هذا لأحدٍ إلا للنبيِّ ﷺ ، كان آخى بينَ المُهاجِرين والأنصارِ، واليومَ لا يُؤاخَى بينَ أحدٍ (١). وقال آخرون: بل نزَلَت هذه الآيةُ في أهلِ العَقْدِ بالحِلْفِ، ولكنهم أُمِروا أن يُؤْتِيَ بعضُهم بعضًا أنصباءَهم من النُّصْرَةِ والنصيحةِ وما أشبَه ذلك، دونَ الميراثِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا أبو أُسامةَ، قال: ثنا إدريسُ الأَوْدِيُّ، قال: ثنا طلحةُ بنُ مُصَرِّفٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾: من النصرِ والنصيحةِ والرِّفادةِ (٢)، ويُوصِى لهم، وقد ذهَب الميراثُ (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سُفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. قال: كان حِلْفٌ في الجاهليةِ، فأُمِروا في الإسلامِ أن يُعْطوهم نصيبَهم من العَقْلِ والمَشورةِ والنصرةِ، ولا ميراثَ (٤).

стр. 4518

حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ أنه قال في هذه الآيةِ: (وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ فَشَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ): من العونِ والنصرِ والحِلْفِ. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه: (وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ فَئَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ). قال: كان هذا حِلْفًا في الجاهليةِ، فلما كان الإسلامُ أُمِروا أن يُؤتوهم نصيبَهم من النصرِ والوَلاءِ والمشورةِ، ولا ميراثَ (١). حدَّثنا زكريا بنُ يحيى بنِ أبي زائدةَ، قال: ثنا حجاجٌ، قال ابنُ جُرَيجٍ: (وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ فَئَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ): أخبرَني عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ أنه سمِع مجاهدًا يقولُ: هو الحِلْفُ، عقَدت أيْمانُكم. قال: ﴿فَآتُوهُمْ﴾ (٢). قال: النصرُ. حدَّثني زكريا بنُ يحيى، قال: ثنا حجاجٌ، قال ابنُ جُرَيجٍ: أخبرَني عطاءٌ، قال: هو الخَلْفُ. قال: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾. قال: العَقْلُ والنصرُ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: (وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ فَئَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ). قال: لهم (٤) نصيبُهم من النصرِ والرِّفادةِ والعَقْلِ (٥).

стр. 4519

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه. حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. قال: هم الحلفاءُ (١). حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا عَبَّادُ بنُ العَوَّامِ، عَن خُصَيفٍ، عن عِكرمةَ مثلَه (١). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾: أَما ﴿عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. فالحِلْفُ، كان الرجلُ في الجاهليةِ يَنْزِلُ في القومِ فيُحالِفونه على أنه منهم، يُواسُونه بأنفسِهم، فإذا كان لهم حقٌّ أو قتالٌ كان مثلَهم، وإذا كان له حقٌّ أو نُصْرَةٌ خَذَلوه، فلما جاء الإسلامُ سألوا عنه، وأبَى اللهُ إلا أن يُشَدِّدَه، وقال رسولُ اللهِ ﷺ : "لم يَزِدِ الإسلامُ الحُلفاءَ إلا شِدَّةً" (٢). وقال آخرون: بل نزَلَت هذه الآيةُ فى الذين كانوا يَتَبَنَّون أبناءَ غيرِهم في الجاهليةِ، فأُمِروا [في الإسلامِ] (٣) أن يُوصوا لهم عندَ الموتِ وصيةً. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني الليثُ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: ثني سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ: إن اللهَ قال: (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ فَئَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ). قال

стр. 4520

سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ: إنما نزَلَت هذه الآيةُ فى الذين كانوا يَتَبَنَّون رجالًا غيرَ أبنائِهم ويُوَرِّثونهم، فأنزَل اللهُ فيهم، فجعَل لهم نَصيبًا فى الوصيةِ، ورَدَّ الميراثَ إلى الموالى فى ذِى (١) الرحمِ والعَصَبةِ، وأبَى اللهُ للمُدَّعَيْن ميراثًا ممن ادَّعاهم وتَبَنَّاهم، ولكنَّ اللهَ جعَل لهم نَصيبًا في الوصيةِ (٢). قال أبو جعفرٍ: وأَولى الأقوالِ بالصوابِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. قولُ مَن قال: والذين عَقَدَت أيمانُكم على المُخَالفةِ، وهم الحلفاءُ. وذلك أنه معلومٌ عندَ جميعِ أهلِ العلِم بأيامِ العربِ وأخبارِها، أَن عَقْدَ الحِلْفِ بينَها كان يكونُ بالأيمانِ والعهودِ والموَاثيقِ، على نحوِ ما قد ذكَرنا من الروايةِ في ذلك. فإذ كان اللهُ جلّ ثناؤُه إنما وَصَف الذين عَقَدَت أيمانُهم مَا عَقَدوه بها بينَهم، دونَ مَن لم يَعْقِدْ عقدَ ما بينهم أيمانُهم، وكانت مُؤاخاةُ النبيِّ ﷺ بينَ مَن آخَى بينَه وبينَه من المُهاجِرِين والأنصارِ، [لم تكنْ] (٣) بينَهم بأيمانِهم، وكذلك التَّبَنِّى - كان معلومًا أن الصوابَ من القولِ فى ذلك قولُ مَن قال: هو الحِلْفُ. دونَ غيرِه؛ لِما وَصفنا من العِلَّةِ. وأمَّا قولُه: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾. فإن أَولى التأويلَين به ما عليه الجميعُ مُجْمِعون من حكمِه الثابتِ، وذلك إيتاءُ أهلِ الحِلْفِ الذي كان في الجاهليةِ دونَ الإسلامِ، بعضِهم بعضًا أنصباءَهم؛ من النُّصْرَةِ والنصيحةِ والرأيِ، دونَ الميراثِ؛ وذلك لصحةِ الخبرِ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: "لا حِلْفَ في الإسلامِ، وما كان من حِلْفٍ في الجاهليةِ، فلم يَزِدْه الإسلامُ إِلا شِدَّةً".

стр. 4521

حدَّثنا بذلك أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن شَريكٍ، عن سِماكٍ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، عن رسولِ اللهِ ﷺ (١). وحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا مصعبُ بنُ المِقْدامِ، عن إسرائيلَ بن يونسَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ مولى آلِ، طلحةَ، عن عِكْرمةَ، عنِ ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "لا خِلْفَ في الإسلامِ، وكلُّ حِلْفٌ كان في الجاهليةِ فلم يَزِدْه الإسلامُ إلا شِدَّةً، وما يَسُرُّنى أن لى حُمْرَ النَّعَمِ وأَني نَقَضْتُ الحِلْفَ الذي كان في دارِ الندوةِ" (٢). حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُغِيرةَ، عن أبيه، عن شعبةَ بن التوأمِ الضَّبِّيِّ، أن قيسَ بنَ عاصمٍ سأل النبيَّ ﷺ عن الحِلْفِ، فقال: "لا حِلْفَ في الإسلامِ، ولكن تَمَسَّكوا بحِلْفِ الجاهليةِ" (٣). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا مُغيرةُ، عن أبيه، عن شعبةَ بنِ التوأمِ، عن قيسِ بنِ عاصمٍ، أنه سأل النبيَّ ﷺ عن الحِلْفِ، قال: فقال: "ما كان مِن حِلْفٍ فى الجاهليةِ فتَمَسَّكوا به، ولا حِلْفَ فى الإسلامِ" (٤). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن داودَ بنِ أبي عبدِ اللهِ، عن ابنِ جُدْعانَ، [عَن جَدَّتِه] (٥)، عن أمِّ سَلَمَةَ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "لا حِلْفَ في الإسلامِ، وما كان مِن حِلْفٍ في الجاهليةِ لم يَزِدْه الإسلامُ إلا شِدَّةً" (٦).

стр. 4522

حدَّثنا [حُميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا حُسينٌ المُعَلِّمُ] (١)، وحدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ قال: ثنا حُسينٌ المُعَلِّمُ، وحدَّثنا حاتمُ بنُ بكرٍ الضَّبِّيُّ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، [عن حسينٍ المُعَلِّمِ، قال: ثنا أبي، عن عمرِو بنِ شُعيبٍ] (١)، عن أبيه، عن جدِّه، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال في خُطبتِه يومَ فتحِ مكةَ: "فُوا بحِلْفِ، فإنه لا يَزِيدُه الإسلامُ إلا شِدَّةً، ولا تُحْدِثوا حِلْفًا في الإسلامِ" (٢). حدَّثنا أبو كُرَيبٍ وعَبْدَةُ بنُ عبدِ اللهِ الصَّفَارُ، قالا: ثنا محمدُ بنُ بِشْرٍ، قال: ثنا زكريا بنُ أبي زائدةَ، قال: ثني سعدُ بنُ إبراهيمَ، عن أبيه، عن جُبَيرِ بنِ مُطْعِمٍ، أن النبيَّ ﷺ قال: "لا حِلْفَ فى الإسلامِ، وأيُّما حِلْفٍ كان في الجاهليةِ، فلم يَزِدْه الإسلامُ إلا شِدَّةً" (٣). حدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعَدةَ ومحمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قالا: ثنا بِشْرُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ إسحاقَ، وحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ إسحاقَ، عن الزهريِّ، عن محمدِ بنِ جُبيرِ بن مُطْعِمٍ، عن أبيه، عن عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "شَهِدْتُ خِلْفَ المُطَيِّبِين وأنا غُلامٌ مع عُمومتى، فما أُحِبُّ أَن لِى حُمْرَ النَّعَمِ وأَنِّى أَنْكُثُه". زادَ يعقوبُ في حديثِه

стр. 4523

عن ابنِ عُليَّةَ، قال: وقال الزهريُّ: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "لم يُصِبِ الإسلامُ حِلْفًا إِلا زَادَه شِدَّةً". قال: "ولا حِلْفَ في الإسلامِ". قال: وقد أَلَّف رسولُ اللهِ ﷺ بينَ قريشٍ والأنصارِ (١). حدَّثنا تَميمُ بن المُنْتصِرِ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن عمرٍو ابنِ شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، قال: لمَّا دخَل رسولُ اللهِ ﷺ مكةَ عامَ الفتحِ، قام خَطيبًا في الناسِ فقال: "يا أيُّها الناسُ، ما كان مِن حِلْفٍ في الجاهليةِ فإن الإسلامَ لم يَزِدْهُ إِلا شِدَّةً، ولا حِلْفَ فى الإسلامِ" (٢). حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن عمرِو بنِ شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبيِّ ﷺ نحوَه (٣). حدَّثنا أبو كُرَيبٍ قال: ثنا خالدُ بنُ مَخْلَدٍ، قال: ثنا سليمانُ بنُ بلالٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن بنُ الحارِث، عن عمرِو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبيِّ ﷺ نحوَه (٤). فإذ كان ما ذكَرنا عن رسولِ اللهِ ﷺ صحيحًا، وكانت الآيةُ إذا اختُلف في حُكْمِها منسوخٌ هو (٥) أم غيرُ منسوخٍ، غيرُ جائزٍ القضاءُ عليه بأنه منسوخٌ - مع

стр. 4524

اختلافِ المُخْتلِفين فيه، ولوجوبِ حُكْمِها ونَفْيِ النسخِ عنها وَجْهٌ صحيحٌ -إلا بحُجَّةٍ يجبُ التسليمُ لها؛ لِما قد بَيَّنَّا في غير موضعٍ من كُتُبِنا الدلالةَ على صحةِ القولِ بذلك- فالواجبُ أن يكونَ الصحيحُ من القولِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾. هو ما ذكَرنا من التأويلِ، وهو أن قوله: ﴿عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. من الحِلفِ، وقولَه: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾. مِن النُّصْرةِ والمعونةِ والنصيحةِ والرأيِ، على ما أمَر به مِن ذلك رسولُ اللَّهِ ﷺ في الأخبارِ التي ذكَرْناها عنه، دونَ قولِ مَن قال: معنى قوله: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾. مِن الميراثِ، وأن ذلك كان حُكْمًا ثم نُسِحَ بقولِه: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾. [ودون] (١) ما سِوى القولِ الذي قلناه في تأويلِ ذلك. وإذا صَحَّ ما قلنا في ذلك، وَجَب أن تكونَ الآيةُ مُحْكَمةً لا منسوخةً. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣)﴾. يعنى بذلك جلّ ثناؤُه: فآتُوا الذين عَقَدَتْ أيمانُكم نصيبَهم من النُّصْرةِ والنصيحةِ والرأيِ، فإن اللَّهَ شاهدٌ على ما تفعَلون من ذلك، وعلى غيرِه من أفعالِكم، مُرَاعٍ لكلِّ ذلك حافظٌ، حتى يُجازِيَ جميعَكم على جميعِ ذلك جزاءَه، أما المُحسِنَ منكم المُتَّبِعَ أمرى وطاعتى، فبالحُسْنى، وأما المُسِيءَ منكم المُخالِفَ أمرى ونَهْيِي، فبالسوأى. ومعنى قولِه: ﴿شَهِيدًا﴾ (٢): ذو شهادةٍ على ذلك.

стр. 4525

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾. يعنى بذلك جلّ ثناؤُه: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾: الرجالُ أَهلُ قيامٍ على نسائِهم، في تأديبِهن والأَخْذِ على أيديهن فيما يَجِبُ عليهن للَّهِ ولأنفسِهم، ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾. يعني: بما فَضَّل اللَّهُ به الرجالَ على أزواجِهم؛ من سَوْقِهم إليهنَّ مُهورَهن، وإنفاقِهم عليهن أموالَهم، وكِفايتِهم إياهن مُؤَنَهن، وذلك تفضيلُ اللَّهِ ﵎ إياهم (١) عليهنَّ، ولذلك صاروا قُوَّامًا عليهن، نافِذى الأمرِ عليهن، فيما جعَل اللَّهُ إليهم من أمورِهن. وبما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾: يعنى أمراءَ، عليها أن تُطِيعَه فيما أمَرها اللَّهُ به مِن طاعتِه، وطاعتُه أن تكونَ مُحْسِنةً إلى أهلِه، حافِظةً لمالِه، وفضْلُه عليها بنفَقَتِه وسَعْيِه (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيرٍ، عن جُوَيبرٍ، عن الضَّحاكِ في قولِه: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾: يقولُ: الرجلُ قائمٌ على المرأةِ، يأمُرُها بطاعةِ اللَّهِ، فإن أبَتْ فله أن يَضْرِبَها ضربًا غيرَ مُبَرِّحٍ، وله عليها الفضلُ بنفقتِه وسَعْيِه (٣).

стр. 4526

حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾. قال: يأخُذون على أيديهن ويُؤدِّبوهن (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ، موسى، قال: أخبَرنا ابنُ المُباركِ، قال: سمِعتُ سُفيان يقولُ: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾. قال: بِتَفْضِيلِ اللَّهِ الرجالَ على النساءِ (١). وذُكر أن هذه الآيةَ نَزَلَت في رجلٍ كان (٢) لَطَم امرأتَه، فخُوصِم إلى النبيِّ ﷺ في ذلك، فقَضَى لها بالقصاصِ. ذكرُ الخبرِ بذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ثنا الحسنُ، أن رجلًا لَطَم امرأته، فأَتَتِ النبيَّ ﷺ ، فأراد أن يُقصَّها منه، فأنزَل اللَّه: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾. فدعاه النبيُّ ﷺ فتَلَاها عليه، وقال: "أردتُ أمرًا وأراد اللَّهُ غيرَه" (٣). حدَّثنا بِشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ

стр. 4527

أَمْوَالِهِمْ﴾: ذُكِر لنا أن رجلًا لَطَم امرأتَه، فأتَتِ النبيَّ ﷺ ، ثم ذكَر نحوَه. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾، قال: صَكَّ رجلٌ امرأتَه، فأتَتِ النبيَّ ﷺ ، فأراد أن يُقِيدَها منه، فأنزَل اللَّهُ: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ (١). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن جريرِ بنِ حازمٍ، عن الحسنِ، أن رجلًا من الأنصارِ لطَمَ امرأتَه، فجاءت تلتمِسُ القصاصَ، فجعل النبي ﷺ بينهما القصاصَ، فنزَلَت: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤]. ونزَلَت: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال: لَطَم رجلٌ، امرأتَه، فأراد النبيُّ ﷺ القصاصَ، فبينما هم كذلك نزَلَت الآيةُ (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: أما: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾. فإن رجلًا من الأنصارِ كان بينَه وبينَ امرأتِه كلامٌ فلَطَمها، فانطلَق أهلُها، فذكَروا ذلك للنبيِّ ﷺ ، فأخبرَهم: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾. الآية (٣)

стр. 4528

وكان الزهريُّ يقولُ: ليس بيَن الرجلِ وامرأتِه قصاصٌ فيما دونَ النفسِ. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، سمِعتُ الزُّهْرى يقولُ: لو أن رجلًا شَجَّ امرأتَه أو جرَحها، لم يكنْ عليه في ذلك قَوَدٌ، وكان عليه العَقْلُ، إلا أن يَعْدُو عليها فيَقْتُلَها، فيُقتَلَ بها (١). وأما قوله: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾. فإنه يعنى: وبما ساقُوا إليهن من صَداقٍ، وأنفَقُوا عليهن من نَفَقةٍ. كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بن صالحٍ، عن عليٍّ ابن أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: فَضْلُه عليها بنفقتِه وسَعْيه (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيرٍ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ مثلَه. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ، موسى، قال: أخبَرنا ابنُ المُباركِ، قال: سمِعتُ سُفيان يقولُ: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾: بما ساقوا من المَهْرِ (٣). فتأويلُ الكلامِ إذن: الرجالُ قَوَّامون على نسائِهم بتفضيلِ اللَّهِ إياهم عليهن، وبإنفاقِهم عليهن مِن أموالِهم. و "ما" التي في قوله: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ﴾. والتي في قولِه: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا﴾. في معنى المصدرِ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾.

стр. 4529

يعنى بقولِه جلّ ثناؤُه: ﴿فَالصَّالِحَاتُ﴾: المستقيماتُ الدينِ، العاملاتُ بالخيرِ. كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ المُباركِ، قال: سمِعتُ سُفيان يقولُ: ﴿فَالصَّالِحَاتُ﴾ يَعْمَلُن بالخيرِ (١). وقوله: ﴿قَانِتَاتٌ﴾. يعنى: مطيعاتٌ للَّهِ ولأزواجِهن. كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَانِتَاتٌ﴾. قال: مُطيعاتٌ (٢). حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَانِتَاتٌ﴾. قال: مُطِيعاتٌ (٣). حدَّثني عليُّ بنُ (٤) داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿قَانِتَاتٌ﴾: مُطِيعاتٌ (٥). حدَّثنا بِشْرُ (٦) بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَانِتَاتٌ﴾: أي: مُطِيعاتٌ للَّهِ ولأزواجِهنَّ (٧).

стр. 4530

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ، قال: ﴿قَانِتَاتٌ﴾: مُطِيعاتٌ (١) حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: القانِتاتُ المُطِيعاتُ (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ، موسى، قال: أخبَرنا ابنُ المُباركِ، قال: سمِعتُ سُفيان يقولُ في قولِه: ﴿قَانِتَاتٌ﴾: مُطيعاتٌ لأزواجِهن (٣). وقد بَيَّنَّا مَعنى القُنوتِ فيما مضَى، وأنه الطاعةُ، ودَلَّلنا على صحةِ ذلك من الشواهدِ بما أغنَى عن إعادتِه (٤). وأما قوله: ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾. فإنه يعني: حافِظاتٌ لأنفسِهنَّ عندَ غَيْبة أزواجِهنَّ عنهن، في فُروجِهن وأموالِهم، وللواجبِ عليهنّ من حقِّ اللَّهِ في ذلك وغيرِه. كما حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾. يقولُ: حافظاتٌ لِما استَودَعَهنَّ اللَّهُ من حقِّه، وحافِظاتٌ لغَيْبِ أزواجِهن (٥). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾. يقولُ: تَحفَظُ على زوجِها مالَه

стр. 4531

وفَرْجَها حتى يَرْجِعَ، كما أمَرها اللَّهُ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: ما قولُه: ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾؟ قال: حافِظاتٌ للزوجِ (٢). حدَّثني زكريا بنُ يحيى بن أبي زائدةَ، قال: ثنا حَجَّاجُ، قال: قال ابنُ جُرَيجٍ: سألتُ عطاءً عن: ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾. قال: حافِظاتٌ للأزواجِ. حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ موسى، قال: أخبَرنا ابنُ المُباركِ، قال: سمِعتُ سُفيانَ يقولُ: ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾: حافِظاتٌ لأزواجِهنَّ لِما غابَ من (٣) شأنِهنَّ. حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا أبو مَعْشَرٍ، قال: ثنا سعيدُ بنُ (٤) أبي سعيدٍ المقبرِيُّ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "خَيْرُ النساء امرأةٌ إذا نَظَرْتَ إليها سَرَّتْك، وإذا أمَرْتَها أَطاعَتك، وإذا غِبْتَ عنها حَفِظَتْك في نفسِها ومَالِهَا (٥) ". قال: ثم قرأ رسولُ اللَّهِ ﷺ الآيةَ: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ إلى آخر الآية (٦). قال أبو جعفر: وهذا الخبرُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ يَدلُّ على صحةِ ما قلنا في تأويلِ ذلك، وأن معناه صالحاتٌ في أديانهنَّ، مُطِيعاتٌ لأزواجِهنَّ، حافِظاتٌ [لهم في أنفسهنَّ] (٧) وأموالِهم.

стр. 4532

وأما قولُه: ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾. فإن القَرأةَ اختَلفت في قراءتِه؛ فقرَأته عامةُ القَرأةِ في جميعِ أمصارِ الإسلامِ: ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾. برفعِ اسمِ (اللَّه)، على معنى: بحِفْظِ اللَّهِ إياهنَّ إذ صَيَّرَهن كذلك. كما حدَّثني زكريا بنُ يحيى بنِ أبي زائدةَ، قال: ثنا حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيج: سألتُ عطاءً عن قولِه: ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾. قال: يقولُ: حَفِظَهِنَّ اللَّهُ (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ، موسى، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، قال: سمِعتُ سُفيانَ يقولُ في قولِه: ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾. قال: بحِفْظِ اللَّهِ إيَّاها أنه جعَلها كذلك (٢). وقرَأ ذلك أبو جعفرٍ يزيدُ بنُ القَعْقَاع المَدَنىُّ (٣): (بما حفظ اللَّه) (٤) يعنى: بحفظهنَّ (٥) اللَّه في طاعتِه، وأداءِ حَقِّه بما (٦) أمرهنَّ مِن حِفْظِ غَيْبِ أَزواجهنَّ، كقولِ الرجلِ للرجلِ: ما حَفِظْتَ اللَّه في كذا وكذا. بمعنى: راقَبْتَه [ولا حَظْتَه] (٧). قال أبو جعفرٍ: والصوابُ من القراءةِ في ذلك ما جاءت به قرأةُ المسلمين مِن القراءةِ مَجِيئًا يقطَعُ عُذْرَ مَن بَلَعَه، ويُثْبِتُ عليه حُجَّته، دونَ ما انفرَد به أبو جعفرٍ

стр. 4533

فشَذَّ عنهم -وذلك (١) القراءةُ برفعِ اسمِ اللَّهِ ﵎: ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾. مع صحةِ ذلك في العربيةِ وكلامِ العربِ، وقُبْحِ نَصْبِه في العربيةِ؛ لخروجِه عن المعروفِ مِن مَنْطقِ العربِ، وذلك أن العربَ لا تَحذِفُ الفاعلَ مع المصادرِ، من أجلِ أن الفاعلَ إذا حُذِف معها لم يكنْ للفعلِ صاحبٌ معروفٌ (٢). وفى الكلامِ متروكٌ استُغْنِىَ بدلالةِ الظاهرِ من الكلامِ عليه من ذكرِه، ومعناه: فالصالحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ للغيبِ بما حفِظ اللَّهُ، فأحسِنوا إليهنَّ وأصلِحوا. وكذلك هو فيما ذُكِر في قراءةِ ابنِ مسعودٍ. حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ أبي حَمَّادٍ، قال: ثنا عيسى الأعمَى، عن طلحةَ بنِ مُصَرِّفٍ، قال: في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (فالصالحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ للغيبِ بما حفِظ اللَّهُ فأصلِحُوا إليهن واللاتى تخافُونَ نُشوزهنَّ) (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباط، عن السُّدّى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾، فأحسِنوا إليهن (٣). حدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾، فأصلِحوا إليهنَّ (٤).

стр. 4534

حدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ ابن أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾: يعنى إذا كُنَّ هكذا فأَحْسِنوا (١) إليهنَّ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ (٢)﴾. اختلف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: واللاتي تعلَمون نشوزَهنَّ. ووَجْهُ صَرْفِ الخوفِ في هذا الموضعِ إلى العلمِ في قولِ هؤلاء نظيرُ صرفِ الظنِّ إلى العلمِ؛ لتَقاربِ (٣) معنييْهما، إذ كان الظنُّ شكًّا، وكان الخوفُ مقرونًا برَجاءٍ، وكانا جميعًا من فعلِ المرءِ بقلبِه، كما قال الشاعرُ (٤): ولا تَدْفِتَنِّي في الفَلَاةِ فإنَّني … أخافُ إذا ما مِتُّ أَن لا أَذُوقُها بمعنى (٥): فإننى أَعلَمُ. وكما قال الآخرُ (٦): أَتاني كلامٌ عن نُصَيْبٍ يَقُولُهُ … وما خِفْتُ يا سَلَّامُ أَنَّكَ عَائِبي بمعنى: وما ظَنَنتُ. وقال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ: معنى الخوفِ في هذا الموضعِ الخوفُ الذي هو خلافُ الرجاءِ. قالوا: ومعنى ذلك: إذا رأيتُم منهن ما تَخافون أن يَنْشُزْنَ عليكم،

стр. 4535

من نَظَرٍ إلى ما لا ينبغى لهنَّ أَن يَنْظُرْنَ إليه، ويَدخُلنَ ويَخْرُجْنَ، واستَرَبْتُم بِأَمرِهنَّ، فعظوهنَّ واهجروهنَّ. وممن قال ذلك محمدُ بنُ كعبٍ (١). وأما قولُه: ﴿نُشُوزَهُنَّ﴾. فإنه يعنى: استعلاءَهنَّ على أزواجِهن، وارتفاعهنَّ عن فُرُشِهم بالمعصيةِ منهن، والخلافَ عليهم فيما لَزِمَهن طاعتُهم فيه، بُغْضًا منهن (٢)، وإعراضًا عنهم. وأصلُ النُّشوزِ الارتفاعُ. ومنه قيل للمكانِ المرتفعِ من الأرضِ: نَشْزٌ ونَشَازٌ. ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾. يقولُ: ذَكِّروهن اللَّه، وخَوِّفوهن وَعيدَه، في ركوبِها ما حَرَّم اللَّهُ عليها من معصيةِ زوجِها فيما أوجب عليها طاعتَه فيه. وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال: النشوزُ البُغْضُ ومَعصيةُ الزوجِ حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾. قال: بُغْضُهنَّ (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾. قال: التى تخافُ مَعْصيتَها. قال: النُّشُورُ معصيتُه وخِلافُه (٤).

стр. 4536

حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾: تلك (١) المرأةُ تَنْشُزُ، وتَسْتَخِفُّ بحَقِّ زوجِها ولا تطيعُ أمرَه (٢). حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا رَوْحُ، قال: ثنا ابنُ جُرَيجٍ، قال: قال عطاءٌ: النُّشورُ أن تُحِبَّ فِراقَه، والرجلُ كذلك. ذكرُ الرواية عمَّن قال ما قلنا في قولِه: ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾. حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾: يعني: عِظُوهُنَّ بكتابِ اللَّهِ. قال: أمَره اللَّهُ إذا نَشَرَت أن يَعِظُها ويُذَكِّرَها اللَّهَ، ويُعَظِّمَ حَقَّه عليها (٣). حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾. قال: إذا نَشَرَت المرأةُ عن فراشِ زوجِها يقولُ لها: اتقى اللَّهَ وارجِعى إلى فِراشِك. فإن أطاعَته فلا سبيلَ له عليها (٤). حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن يونسَ، عن الحسنِ، قال: إذا نَشَزَت المرأةُ على زوجِها فليعِظُها بلسانِه. يقولُ: يأمُرُها بتقوى اللَّهِ وطاعتِه.

стр. 4537

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن موسى بن عُبَيدةَ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظِيِّ، قال: إذا رأى الرجلُ [خِفَّةً في بَصرِهَا و] (١) مَدْخَلَها ومَخْرَجَها. قال: يقولُ لها بلسانِه: قد رأيتُ منكِ كذا وكذا فانتَهِى. فإن أعتَبَت (٢) فلا سبيلَ له عليها، وإِن أَبَتْ هَجَر مَضْجَعَها (٣). حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ موسى، قال: ثنا ابنُ المباركِ، قال: أخبَرنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾. قال: إِذا نَشَرَت المرأةُ عن فراشِ زوجِها، فإنه يقولُ لها: اتقى اللَّهَ وارجِعى. حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن عطاءٍ: ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾. قال: بالكلامِ (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيج قولَه: ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾. قال: بالألسنةِ. حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرِو بنِ أبي قيسٍ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ: ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾. قال: عِظُوهنَّ باللسانِ (٤). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾. اختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: فعِظُوهنَّ في

стр. 4538

نُشوزهن عليكم أيُّها الأزواجُ، فإن أبَيْنَ مُراجعة الحقِّ في ذلك والواجبِ عليهن لكم، فاهجُروهنَّ بتَرْكِ جِماعِهن في مضاجعتِكم إياهن. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾: يعنى: عِظُوهنَّ، فإن أطَعْنَكم، وإلا فاهجُرُوهنَّ. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾: يعنى بالهِجْرانِ أن يكونَ الرجلُ وامرأتُه على فِراشٍ واحدٍ لا يُجامِعُها (١). حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ. قال: الهَجْرُ هَجْرُ الجِماعِ (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: أما: ﴿تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾. فإن على زَوْجِهَا أَن يَعِظُها، فإن لم تَقْبَلْ فليَهْجُرُها في المَضْجَعِ. يقولُ: يَرْقُدُ عندَها ويُولِّيها ظهرَه، ويَطَؤُها، ولا يُكَلِّمُها (١). هكذا في كتابي: ويَطَؤُها ولا يُكَلِّمُها. حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾. قال: يُضاجِعُها ويَهْجُرُ

стр. 4539

كلامَها، ويُوَلِّيها ظَهْرَه (١). حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ موسى، قال: ثنا ابنُ المباركِ، قال: أخبَرنا شَرِيكٌ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدٍ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾. قال: لا يُجامِعُها (٢). وقال آخرون: بل معنى ذلك: واهجُروا كلامَهن في تَرْكِهِنَّ مُضاجَعَتَكم (٣)، حتى يَرْجِعْن إلى مُضاجَعَتِكم (٣). ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابنُ إدريسَ، عن الحسنِ بنِ عُبَيدِ اللَّهِ، عن أبي الضُّحَى، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾: إنها [لا تُتْرَكُ] (٤) في الكلامِ، ولكنَّ الهِجْرانَ في أمرِ المَضْجَعِ. حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا أبو حمزةَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾. يقولُ: حتى يَأْتِينَ مَضاجِعَكم. حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾: في الجِماعِ. حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن

стр. 4540

عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾. قال: يَعِظُها، فإن هي قَبِلَت، وإلا هَجَرها في المَضْجَعِ، ولا يُكَلِّمُها، من غيرِ أَن يَذَرَ نِكَاحَها، وذلك عليها شديدٌ (١). حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ، موسى، قال: أخبَرنا ابنُ المُباركِ، قال: أخبَرنا شَرِيكٌ، عن خُصَيفٍ، عن عِكْرمةَ: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾: الكلامَ والحديثَ (٢). ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني الحسنُ بنُ زُرَيقِ الطَّهَوِيُّ، قال: ثنا أبو بكرِ بن عَيَّاشٍ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾. قال: لا تُضاجِعوهن (٣). حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مُغِيرةً، عن الشعبيِّ، قال: الهِجْرانُ ألّا يُضاجِعَها (٤). وبه قال: ثنا جَريرٌ، عن مُغِيرةَ، عن عامرٍ وإبراهيمَ، قالا: الهِجْرانُ في المَضْجَعِ ألّا يُضاجِعَها على فراشٍ (٥). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا مُغِيرةً، عن إبراهيمَ

стр. 4541

والشعبيِّ، أنهما قالا في قولِه: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾. قالا: يَهْجُرُ مُضاجَعَتَها حتى تَرجِعَ إلى ما يُحِبُّ (١). حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن مُغِيرةً، عن إبراهيمَ والشعبيِّ، أنهما كانا يقولان: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾. قالا: يَهْجُرُها في المَضْجَعِ. حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ، قال: ثنا ابنُ المباركِ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن خُصيفٍ، عن مِقْسَمٍ: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾. قال: هَجْرُها في مَضْجَعِها ألا يَقرَبَ فِراشَها (٢). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن موسى بن عُبَيدةَ، عن محمد بنِ كعبٍ القُرَظِيِّ، قال: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾. قال: يَعِظُها بلسانِه، فإِن أَعْتَبَت فلا سبيلَ له عليها، وإِن أَبَت هَجَر مَضْجَعَها (٣). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن الحسنِ وقتادةَ في قولِه: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ﴾. قالا: إذا خاف نُشوزَها وَعَظَها، فإن قَبِلَت وإلا هَجَر مَضْجَعَها (٤). حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾. قال: تَبدَأُ يا بنَ آدمَ فَتَعِظُها، فإن أَبَت عليك فاهجُرْها. يعنى به فِراشَها.

стр. 4542

وقال آخرون: معنى قوله: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾: قولوا لهنَّ مِن القولِ هُجْرًا فِي تَرْكِهِنَّ مُضاجَعَتَكُم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن رجلٍ، عن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾. قال: يَهْجُرُها بلسانه، ويُغْلِظُ لها بالقولِ، ولا يَدَعُ جِماعَها (١). وبه قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن خُصَيفٍ، عن عِكْرمةَ، قال: إنما الهِجْرانُ بالمنطقِ أن يُغْلِظَ لها، وليس بالجِماعِ (٢). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا مُغيرةٌ، عن أبي الضُّحَى في قولِه: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾. قال: يَهجُرُ بالقولِ، ولا يَهجُرُ مُضاجَعتَها حتى تَرجِعَ إلى ما يريدُ (٣). حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ بن موسى، قال: أخبَرنا ابنُ المُباركِ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، عن رجلٍ، عن الحسنِ، قال: لا يَهجُرُها إلا في المَبيتِ (٤)؛ في المَضْجَعِ، ليس له أن يَهجُرَ في كلامٍ ولا شيءٍ إلا في الفراشِ. حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنى يَعْلَى، عن سُفيانَ في قولِه:

стр. 4543

﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾. قال: في مُجامَعتِها، ولكن يقولُ لها: تَعالَىْ، وافعَلى. كلامًا فيه غِلْظَةٌ، فإذا فَعَلَت ذلك، فلا يُكَلِّفها أن تُحيَّه، فإن قلبَها (١) ليس في يَدَيها. ولا معنَى للهَجْرِ في كلامِ العربِ إلا على أحدِ ثلاثةِ أَوجُهٍ: أحدُها: هَجْرُ الرجلِ كلامَ الرجلِ وحديثَه. وذلك رَفْضُه وتَرْكُه، يقالُ منه: هَجَر فلانٌ أهلَه يَهْجُرُها هَجْرًا وَهِجْرانًا والآخرُ: الإكثارُ من الكلامِ بتَرْديدٍ، كهيئةِ كلامِ الهازئِ، يقالُ منه: هَجَر فلانٌ في كلامه يَهْجُرُ هَجْرًا. إذا هَذَى ومَدَّد الكلمةَ. وما زالَتْ تلك هِجِّيراه وإهْجِيرَاه. ومنه قولُ ذي الرُّمَّةِ (٢): رَمَى فَأَخْطَأ والأقدارُ غالِبةٌ … فانْصَعْنَ (٣) والوَيلُ هِجيرَاهُ (٤) والحَرَبُ (٥) والثالثُ: هجْرُ البعيرِ، إذا رَبَطَه صاحبه بالهِجَارِ؛ وهو حبلٌ يُربَطُ في حَقْوَيها ورُسْعِها، ومنه قولُ امرئِ القيسِ (٦): رَأَتْ هَلَكًا (٧) بنِجَافِ (٨) الغَبيطِ (٩) … فَكادَت تَجُدُّ (١٠) لذاكَ الهِجَارا فأما القولُ الذى فيه الغِلْظةُ والأذَى، فإنما هو الإهجارُ، ويقالُ منه: أَهْجَر فلانٌ

стр. 4544

في مَنْطِقِه -إذا قال الهُجْرَ، وهو الفُحْشُ من الكلامِ- يُهْجِرُ إهجارًا وهُجْرًا. فإذ كان لا وَجْهَ الهَجْرِ في الكلامِ إلا أحدَ المعاني الثلاثةِ، وكانت المرأةُ المخوفَ نُشورُها، إنما أُمِر زوجُها بوَعْظِها لتُنِيبَ إلى طاعتِه فيما يجبُ عليها له من مُوافاتِه عندَ دعائه إياها إلى فِراشِه -فغيرُ جائزٍ أن تكونَ عِظَتُه لذلك، ثم تَصيرُ المرأةُ إلى أمرِ اللَّهِ وطاعةِ زوجِها في ذلك، ثم يكونُ الزوجُ مأمورًا بهَجْرِها في الأمرِ الذي كانت عِظَتُه إياها عليه. وإذ كان ذلك كذلك، بَطَل قولُ مَن قال: معنى قولِه: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾: واهجُروا جِماعَهن. أو يكونُ -إذ بطَل هذا المعنى- بمعنَى (١): واهجُروا كلامهنَّ بسببِ هَجْرِهن مَضاجِعَكم. وذلك أيضًا لا وَجْهَ له مفهومٌ؛ لأن اللَّه تعالى ذكرُه قد أخبر على لسانِ نبيِّه ﷺ أنه لا يَحِلُّ لمسلمٍ أن يَهْجُرَ أخاه فوقَ ثلاثٍ (٢). على أن ذلك لو كان حَلالًا لم يكنْ لهَجْرِها في الكلامِ معنًى مفهومٌ؛ لأنها إذا كانت عنه مُنصرِفةٌ، وعليه ناشِزًا، فمن سُرورِها ألا يُكلِّمها ولا يَراها ولا تَراه، فكيف يُؤْمَرُ الرجلُ في حالِ بُغْضِ امرأتِه إياه، وانصِرافِها عنه بتَرْكِ ما في تَرْكِه سُرورُها مِن تَرْكِ جِماعِها ومُحَادَثَتِها (٣) وتَكْليمِها، وهو يُؤمَرُ بِضَرْبِها لتَرْتدِعَ عما هي عليه؛ من تَرْكِ [طاعةِ اللَّهِ في تركِ] (٤) طاعته إذا دَعاها إلى فِراشِه، وغيرِ ذلك مما يَلزَمُها طاعتُه فيه. أو يكونُ -إذ فَسَد هذان الوجهان- يكونُ معناه: واهجُروا في قولِكم لهم.

стр. 4545

بمعنى: رَدِّدُوا عليهنَّ كلامَكم إذا كَلَّمْتُموهنَّ بالتَّغليظِ لهنَّ. فإن كان ذلك معناه، فلا وَجْهَ لإعمالِ الهَجْرِ في كنايةِ أسماءِ النساءِ الناشزاتِ -أعنى في الهاءِ والنونِ مِن قوله: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ﴾. لأنه إذا أُرِيد به ذلك المعنى، كان الفعلُ غيرَ واقعٍ (١)، إنما يقالُ: هَجَر فلانٌ في كلامِه. ولا يقالُ: هَجَرَ فلانٌ فلانًا. فإذ كان في كلِّ هذه المعانى ما ذَكَرنا من الخَلَلِ اللاحِقِ، فأَولى الأقوالِ بالصوابِ في ذلك أن يكونَ قوله: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ﴾. مُوَجَّها معناه إلى معنى الرَّبْطِ بالهِجَارِ، على ما ذكَرنا من قبلِ العربِ للبعيرِ إذا رَبَطه صاحبُه بحبلٍ على ما وَصَفنا: هَجَره فهو يَهْجُرُه هَجْرًا (٢). وإذا كان ذلك معناه، كان تأويلُ الكلامِ: واللاتى تَخافون نُشُوزَهنّ: فعِظُوهُنَّ في نُشُورهنَّ عليكم، فإن اتَّعَطِّنَ فلا سبيلَ لكم عليهنَّ، وإِن أَبَيْنَ الأَوْبةَ من نُشوزهن، فاستوثقوا منهنَّ رِباطًا في مَضاجِعِهِنَّ (٣). يعني: في مَنازِلِهِنَّ وبُيُوتِهِنَّ التي يَضْطَجِعن فيها ويُضاجِعْنَ فيها أزواجَهنَّ. كما حدَّثني عباسُ بنُ أبي طالبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ أبى بُكَيرٍ، عن شِبْلٍ، قال: سمِعتُ أبا قَرَعَةَ يُحدِّثُ عن (٤) عمرِو بنِ دينارٍ، عن حكيمِ بنِ مُعاويةً، عن أبيه، أنه جاء إلى النبيِّ ﷺ فقال: ما حَقُّ زوجةِ أحدِنا عليه؟ قال: "يُطْعِمُها،

стр. 4546

ويكْسُوها، ولا يَضْرِبُ الوَجْهَ، ولا يُقَبِّحُ، ولا يَهْجُرُ إلا في البيتِ (١) ". حدَّثنا الحسنُ بنُ عَرفةَ، قال: ثنا يزيدُ (٢)، عن شُعبةَ بنِ الحَجَّاجِ، عن أَبي قَزَعَةَ، عن حكيمِ بنِ مُعاويةَ، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ نحوَه (٣). حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ موسى، قال: ثنا ابنُ المباركِ، قال: أخبَرنا بَهْزُ ابنُ حكيمٍ، [عن أبيه] (٤)، عن جدِّه، قال: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، نِساؤُنا، ما نأتى منها وما نَذَرُ؟ قال: "حَرْثُكَ، فَأْتِ حَرْثَكَ أَنَّى شِئْتَ، غير ألا تَضْرِبَ الوَجْهَ، ولا تُقَبِّحَ، ولا تَهْجُرَ إلا في البيتِ، وأَطْعِمْ إذا طَعِمْتَ، واكْسُ إذا اكتَسَيتَ، كيف وقد أفضَى بعضُكم إلى بعضٍ؟ إلا بما حَلَّ عليها (٥) ". وبنحوِ الذى قُلنا في تأويلِ ذلك قال عِدَّةٌ من أهلِ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: أخبَرنا هُشَيمٌ، عن الحسنِ، قال: إذا نَشَرَت المرأةُ على زوجِها، فليَعِظْها بلسانِه، فإن قَبِلَت فذاك، وإلا ضَرَبها

стр. 4547

ضَرْبًا غيرَ مُبَرِّحٍ، فإن رَجَعَت فذاك، وإلا فقد حَلَّ له أَن يَأْخُذَ منها ويُخَلِّيها. حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن الحسنِ بنِ عُبَيدِ اللَّهِ، عن أبي الضُّحَى، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾. قال: يَفعَلُ بها ذاك ويَضْرِبُها حتى تُطِيعَه في المَضاجعِ، فإذا أطاعتَه [في المَضْجَعِ] (١)، فليس له عليها سبيلٌ إذا ضاجَعَته (٢). حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ، قال: ثنا ابنُ المُباركِ، قال: أخبَرنا يحيى بنُ بِشْرٍ، أنه سمِع عِكْرمةَ يقولُ في قولِه: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾: ضَرْبًا غيرَ مُبَرِّحٍ. قال: قال رسولُ اللَّهِ: "اضْرِبُوهُنَّ إذا عصينكم في المعروفِ ضَرْبًا غيرَ مُبَرِّحٍ" (٣). قال أبو جعفرٍ: فكلُّ هؤلاء الذين ذكرنا قولهم لم يُوجبوا للهَجْرِ معنًى غير الضَّرْبِ، ولم يُوجِبوا هَجْرًا -إذ كان هَيْئَةٌ من الهَيئاتِ التي تكونُ بها المضروبةُ عندَ الضَّرْبِ، مع دَلالةِ الخبرِ الذي رواه عِكْرمة عن النبيِّ ﷺ ، أنه أمَر بضَرْبهِنَّ إذا عَصَين أزواجهنَّ في المعروفِ، من غير أمر منه أزواجهنَّ بهَجْرِهنَّ -لِما وَصَفنا من العِلَّةِ. فإِن ظَنَّ ظانٌّ أن الذى قُلنا في تأويلِ الخبرِ عن النبيِّ ﷺ الذي رَواه عِكْرمةُ، ليس كما قلنا، وصَحَّ أن تَرْكَ النبيِّ ﷺ أمرَ الرجلِ بهَجْرِ زوجتِه إذا عَصَته في المعروفِ، وأمره بضَرْبها قبلَ الهَجْرِ، لو كان دليلًا على صحةِ ما قُلنا من أن معنى الهَجْرِ هو ما بَيَّنَّاه -لَوَجَب أن يكونَ لا معنى لأمر اللَّه زوجها أن يَعِظُها إذا هى

стр. 4548

نَشَزَتَ، إذ كان لا ذِكْرَ للعِظَةِ في خبرِ عِكْرمةَ عن النبيِّ ﷺ - فإن الأمرَ في ذلك بخلافِ ما ظَنَّ، وذلك أن قولَه ﷺ : "إذا عَصَيْنَكم في المعروفِ". دَلالةٌ بَيِّنةٌ أنه لم يُبِحْ للرجلِ ضَرْبَ زوجتِه إلا بعد عِظَتِها مِن نُشوزِها، وذلك أنه لا تكونُ له عاصِيةٌ إلا وقد تقدَّم منه لها أمرٌ أو عِظَةٌ بالمعروفِ على ما أمَر اللَّهُ تعالى ذكرُه به. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾. يعنى بذلك جلّ ثناؤُه: فعِظُوهنَّ أَيُّها الرجالُ في نُشوزِهنَّ، فإِن أَبَينَ الإيابَ إلى ما يَلْزَمُهنَّ لكم، فشُدُّوهنَّ وَثاقًا في منازِلِهنَّ، واضربوهنَّ ليَؤُبْنَ إلى الواجبِ عليهن من طاعةِ اللَّهِ في اللازمِ لهنّ مِن حُقوقِكم. وقال أهلِ التأويلِ: صفةُ الضَّرْبِ التى أباحَ اللَّهُ لزوج الناشزِ أَن يَضْرِبَها، الضَّرْبُ غير المُبَرِّحِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾. قال: ضربًا غيرَ مُبَرِّحٍ. حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: أخبَرنا أبو حمزةَ، عن عطاءِ ابنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ مثلَه. حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مُغيرةَ، عن الشعبيِّ، قال: الضَّرْبُ غيرُ مُبَرِّحٍ (١). حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ موسى، قال: ثنا ابنُ المباركِ، قال: أخبَرنا

стр. 4549

شَرِيكٌ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾. قال: ضَرْبًا غَيرَ مُبَرِّحٍ (١). حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾. قال: تَهْجُرُها في المَضْجَعِ، فإن أقبَلَت وإلا فقد أذِن اللَّهُ لك أن تَضْرِبَهَا ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، ولا تَكْسِرُ لها عَظْمًا، فإن أقبلَت، وإلا فقد حَلَّ لك منها الفِدْيةُ (٢). حدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن الحسن وقتادةَ في قولِه: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾. قال: ضربًا غيرَ مُبَرِّحٍ (٣). وبه قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابنُ جُرَيجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ قال: ضربًا غَيرَ مُبَرِّحٍ (٣). حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾. قال: تَهْجُرُها فِي المَضْجَعِ، فَإِن أَبَتْ عليك فاضرِبْها ضربًا غيرَ مُبَرِّحٍ، أي: غيرَ شائنٍ. حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ عُيَينةَ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن عطاءٍ [في قولِه: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾. قال: يَضْرِبُها ضربًا غَيرَ مُبَرِّحٍ] (٤). قال: السَّوَاكُ وشِبْهُهُ، يَضْرِبُها به.

стр. 4550

حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعيدٍ الجَوْهَرِيُّ، قال: ثنا ابنُ عُبَينَةَ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن عطاءٍ، قال: قلتُ لابنِ عباسٍ، ما الضربُ غيرُ المُبَرِّحِ؟ قال: بالسَّوَاكِ ونحوِه (١). حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ موسى، قال: أخبَرنا ابنُ المُباركِ، قال: أخبَرنا ابنُ عُيَينةَ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ في خُطبتِه: "ضَرْبًا غيرَ مُبَرِّحٍ". قال: السَّوَاكُ ونحوُه (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجُ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "لا تَهْجُروا النساءَ إلا في المضاجِعِ، واضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غيرَ مُبَرِّحٍ". يقولُ: غيرَ مُؤَثِّرٍ (٣). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: حدَّثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن عطاءٍ: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾. قَالَ: ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ. حدَّثنا المثنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ، قال: أخبَرنا ابنُ المُباركِ، قال: ثنا يحيى بنُ بِشْرٍ، عن عِكْرمةَ مثلَه (٤). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾. قال: إن أقبَلَت في الهِجْرانِ، وإلا ضرَبَها ضَرْبًا غيرَ مُبَرِّحٍ. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن موسى بنِ عُبَيدةَ، عن محمدِ بنِ كعبٍ،

стр. 4551

قال: تَهْجُرُ مَضْجَعَها ما رأيتَ أن تَنْزعَ، فإن لم تَنْزِعُ ضَرَبها ضَرْبًا غَيرَ مُبَرِّحٍ. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن يونسَ، عن الحسنُ: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾. قال: ضربًا غَيرَ مُبَرِّحٍ. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ، قال: ثنا ابنُ المباركِ، قال: أخبَرنا عبدُ الوارثِ ابن سعيدٍ، عن رجلٍ، عن الحسنِ: ضَرْبًا غيرَ مُبَرِّحٍ: غَيرَ مُؤَثْرٍ (١). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾. يعنى بذلك جلّ ثناؤُه: فإن أطَعْنَكم (٢) أيُّها الناسُ نساؤكم اللاتي تَخافون نُشوزهنَّ عندَ وَعْظِكم إيَّاهن، فلا تَهْجُرُوهن في المَضاجعِ، فإن لم يُطعنَكم، فاهجُرُوهنَّ في المَضاجعِ واضربوهنَّ، فإن راجَعْنَ طاعتَكم عندَ ذلك، وفِتْنَ (٣) إلى الواجب عليهنَّ، فلا تَطْلُبُوا طريقًا إلى أذاهنَّ ومَكْرُوهِهِنَّ، ولا تَلْتَمِسوا سبيلًا إلى ما لا يَحِلُّ لكم من أبدانِهنَّ وأموالِهن بالعِلَل، وذلك أن يقولَ أحدُكم لإحداهن وهى له مُطِيعةٌ: إنكِ لستِ تُحبِّيني، وأنت لى مُبْغِضَةٌ. فيَضرِبُها على ذلك أو يُؤذيها. فقال اللَّهُ تعالى للرجال: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ﴾. أى: على بُغْضِهِنَّ لكم، فلا تَجنُّوا عليهن، ولا تُكَلِّفُوهُنَّ مَحَبَّتكم؛ فإن ذلك ليس بأيدِيهن، فتَضْرِبوهنَّ أو تُؤْذُوهُنَّ عليه. ومعنى قولِه: ﴿فَلَا تَبْغُوا﴾: لا تَلْتَمِسوا ولا تَطْلُبوا. من قولِ القائلِ: بَغَيتُ الضَّالَّةَ. إذا التَمسْتَها، ومنه قولُ الشاعرِ في صفةِ الموتِ (٤):

стр. 4552

بَغاكَ وما تَبْغِيه حتى وَجَدْتَه … كأنَّك قد وَاعَدْتَه أَمسِ مَوْعِدَا بمعنى: طَلَبك وما تَطْلُبُه. وبنحوِ ما قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾. قال: إذا أطاعَتْكَ فلا تَتَجَنَّ عليها العِلَلَ (١). حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن الحسنِ بنِ عُبَيدِ اللَّهِ، عن أبي الضُّحَى، عن ابنِ عباسٍ، قال: إذا أطاعَتْه فليس له عليها سبيلٌ إذا ضاجَعَتْه (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابنُ جُرَيجٍ قولَه: ﴿فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾. قال: العِلَلُ (٣). وقال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: قال الثوريُّ في قولِه: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ﴾ قال: إن أَتَتِ (٤) الفِراشَ وهى تُبْغِضُه (٥). حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا يَعْلَى، عن سُفيانَ، قال: إذا فَعَلَت ذلك لا يُكَلِّفُها أن تُحِبَّه؛ لأن قلبَها ليس في يدَيها.

стр. 4553

حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: إن أطاعَتْه فَضاجَعَته، فإن اللَّه يقولُ: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾. حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾. يقوّلُ: فإن أطاعَتْكَ فلا تَبْغِ عليها العِلَلَ (١). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤)﴾. يقولُ: إن اللَّه ذو عُلُوٍّ على كلِّ شيءٍ، فلا تَبْغُوا أَيُّها الناسُ على أزواجِكم إذا أَطَعْنَكم فيما أَلْزَمَهنَّ اللَّهُ لكم من حَقٍّ سبيلًا؛ لعُلُوِّ أيديكم على أيديهن، فإن اللَّهَ أعلى منكم ومن كلِّ شيءٍ، [وأعلى] (٢) منكم عليهن، وأكبر منكم، ومن كلِّ شيءٍ، وأنتم في يَدِه وقَبْضتِه، فاتَّقُوا اللَّهَ أن تَظْلِموهنّ وتَبْغُوا عليهنّ سبيلًا وهن لكم مُطِيعات، فيَنْتَصِرَ لهن منكم رَبُّكم الذي هو أعلى منكم ومن كلِّ شيءٍ، وأكبرُ منكم ومن كلِّ شيءٍ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾. يعنى بقولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾: وإِن عَلِمتُم أَيُّها الناسُ ﴿شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾، وذلك مُشَاقَّةُ كلِّ واحدٍ منهما صاحِبَه، وهو إتيانُه ما يَشُقُّ عليه من الأمورِ. فأما من المرأةِ فالنُّشوزُ، وتَرْكُها أداءَ حَقِّ اللَّهِ عليها الذى ألزَمَها اللَّهُ لزوجِها، وأما مِن الزوجِ، فتَرْكُه إمساكَها بالمعروفِ أو تَسْريحَها بإحسانٍ.

стр. 4554

والشَّقَاقُ مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: شاق فلانٌ فلانًا. إذا أتى كلُّ واحدٍ منهما إلى صاحبِه ما يَشُقُّ عليه من الأمورِ -فهو يُشَاقُّه مُشَاقَّةٌ وشِقاقًا، وذلك قد يكونُ عَداوةً. كما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في قولِه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾. قال: إن ضَرَبها فَأَبَت أن تَرْجِعَ وشَاقَّتْه. يقولُ: عادَتْه. وإنما أُضِيفَ "الشَّقاقُ" إلى "البَينِ"؛ لأن البَيْنَ قد يكونُ اسمًا، كما قال جلّ ثناؤُه: (لقد تقطَّعَ بَيْنُكم) [الأنعام: ٩٤]. فى قراءةِ مَن قرَأ ذلك (١). وأما قولُه: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾. فَإِن أَهْلَ التأويلِ اختَلَفوا فى المُخاطَبِين بهذه الآيةِ؛ من المأمورُ ببَعْثَةِ الحكمَين؟ فقال بعضُهم: المأمورُ بذلك السلطانُ الذي يُرْفَعُ ذلك إليه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا أيوبُ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ أنه قال في المُخْتَلِعَةِ: يَعِظُها، فإن انتَهَت وإلا هَجَرها، فإن انتهت وإلا ضَرَبها، فإن انتَهَت وإلا رَفَع أمرَها إلى السلطانِ، فيَبعَثُ حَكَمًا من أهلِه وحَكَمًا من أهلِها، فيقولُ الحَكَمُ الذى من أهلِها: يَفعَلُ بها كذا. ويقولُ الحَكَمُ الذى مِن أهلِه: تَفعَلُ به كذا (٢). فأيُّهما كان الظالمَ (٣) ردَّه السلطانُ، وأخذ فوقَ يَديه، وإن

стр. 4555

كانت ناشِزًا أَمَره أن يَخْلَعَ (١). حدَّثنا يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جُوَيبرٌ، عن الضحاكِ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾. قال: بل ذلك إلى السلطانِ. وقال آخرون: بل المأمورُ بذلك الرجلُ والمرأةُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾: إنْ ضَرَبها، فإن رَجَعَت فإنه ليس له عليها سبيلٌ، فإن أَبَت أن تَرْجِعَ وشاقَّتْه، فليَبعَثْ حَكَمًا مِن أهلِه، وتَبْعَثُ حَكَمًا مِن أهلِها. ثم اختَلف أهلُ التأويلِ فيما يُبعَثُ له الحكمان، وما الذى يجوزُ للحكَمَين من الحُكْمِ بينَهما، وكيف وَجْهُ بَعْثهما بينَهما؟ فقال بعضُهم: يَبعَثُهما الزوجان بتوكيلٍ (٢) منهما إياهما بالنظرِ بينَهما، وليس لهما أن يَعْمَلا شيئًا في أمرِهما إلا ما وكلاهما به، أو وكله كلُّ واحدٍ منهما بما إليه، فيَعْمَلان بما وَكَّلهما به مَن وَكَّلَهما مِن الرجلِ والمرأةِ فيما يجوزُ توكيلُهما فيه، أو توكيلُ مَن وُكِّل منهما في ذلك. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أيوبَ، عن محمدٍ، عن
следующие страницы →