← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 4726–4765 · переход к 4731.

стр. 4726

رُوِى عن ابن عباسٍ أنه قال: يَعْنى مُلْكَ سليمانَ؛ لأن ذلك هو المعروفُ في كلامِ العربِ، دونَ الذي قال [من قال] (١): إنه مُلْكُ النُّبَّوةِ. ودونَ قولِ مَن قال: إنه تحليلُ النساءِ والمِلْكُ عليهنَّ؛ لأن كلامَ الله جل ثناؤه الذي خُوطِبت به العربُ غيرُ جائزٍ توجيهُه إلا إلى المعروفِ المستعمَلِ فيهم مِن معانيه، إلا أن تَأْتِيَ دَلالَةٌ أَو تَقُومَ حُجَّةٌ على أن ذلك بخلافِ ذلك، يَجِبُ التسليمُ لها. القولُ في تأويلِ قولهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥)﴾. قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤه: فمِن الذين أُوتُوا الكتابَ من يهودِ بني إسرائيلَ الذين قال لهم جلَّ ثناؤُه: ﴿آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ - ﴿مَنْ آمَنَ بِهِ﴾. يَقُولُ: مَن صدَّق بما أنْزَلنا على محمدٍ ﷺ مصدِّقًا لما معهم، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾. يقولُ: ومنهم مَن أعرَض عن التصديقِ به. كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثني عيسى، وحدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾. قال: بما (٢) أُنْزِل على محمدٍ مِن يهودَ، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾ (٣).

стр. 4727

وفى هذه الآيةِ دَلالةٌ على أن الذين صَدُّوا عما أنزَل الله على محمدٍ ﷺ ، من يهودِ بني إسرائيلَ الذين كانوا حوالَىْ مُهاجرِ رسولِ الله ﷺ ، إنما رُفِع عنهم وعبدُ اللهُ الذي تَوَعَّدَهم به في قولِه: ﴿آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾. في الدنيا، وأُخِّرت عقوبتُهم إلى يومِ القيامةِ؛ لإيمانِ مَن آمَن منهم، [وأن الوعيدَ لهم مِن اللهِ بتعجيلِ] (١) العقوبةِ في الدنيا إنما كان على مُقامِ جميعِهم على الكفرِ بما أنزَل اللهُ على نبيِّه محمدٍ ﷺ ، فلما آمَن بعضُهم خرَجوا مِن الوعيدِ الذي توعَّده في عاجلِ الدنيا، وأخِّرت عقوبةُ المقيمين على التكذيبِ إلى الآخرةِ، فقال لهم: كفاكم بجهنمَ سعيرًا. ويَعْنى بقولِه: ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾: وحسبُكم أيُّها المكذِّبون بما أنْزَلْتُ على محمدٍ نبيِّى ورسولى ﴿بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾. يَعْنى: بنارٍ جَهَنَّمَ تُسْعَرُ عليكم. أي: تُوقَدُ عليكم. وقيل: ﴿سَعِيرًا﴾. وأصلُه "مَسْعُورا"، من: سُعِرتْ تُسْعَرُ فهي مَسْعُورةٌ، كما قال الله جلَّ ثناؤه: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ [التكوير: ١٢]. ولكنها صُرِفت إلى فَعيلٍ، كما قيل: كفٌّ خَضِيبٌ ولحيةٌ دَهِينٌ. بمعنى: مَخْضُبةٌ ومَدْهونةٌ. والسعيرُ الوَقودُ. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾.

стр. 4728

قال أبو جعفرٍ ﵀: وهذا وعيدٌ مِن اللهِ للذين أقاموا على تكذيبِهم بما أنزَل الله على محمدٍ مِن يهودِ بنى إسرائيلَ وغيرِهم مِن سائِر الكفّارِ [به و] (١) برسولِه. يقُولُ الله لهم: إن الذين جحَدوا ما أَنْزَلْتُ (٢) على رسولى محمدٍ ﷺ مِن آياتى. يَعْنى: مِن آياتِ تنزيلِه، ووَحْى كتابِه، وهى [دَلالتُه وحُجَّتُه] (٣) على صدقِ محمدٍ ﷺ ، فلم يُصَدِّقوا به مِن يهودِ بني إسرائيل وغيرِهم من سائرِ أهلِ الكفرِ به، ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا﴾. يقولُ: سوف تُنْضِجُهم في نارٍ يُصْلَون فيها، أي: يُشْوَوْن فيها، ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾. [يَقُولُ: كلَّما انْشَوَتُ بها جُلودُهم] (٤) فاحْتَرَقت، ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾. يَعْنى: غيرَ الجلودِ التي قد نضِجت فانْشَوَت. كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن الأعمشِ، عن ثُوَيرٍ (٥)، عن ابن عمرَ: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾. قال: إذا احْتَرَقَت جُلودُهم بَدَّلناهم جُلودًا بيضًا أمثالَ القراطيسِ (٦). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾. يَقُولُ: كُلَّما احْتَرَقت جُلودُهم بدَّلْناهم جلودًا غيرَها.

стр. 4729

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ قال: سمِعنا أنه مكتوبٌ في الكتابِ الأوّلِ أن (١) جلدَ أحدِهم أربعون ذراعًا، [وسِنَّه سبعون ذراعًا] (٢)، وبَطْنَه لو وُضِع فيه جبلٌ لوَسِعه (٣)، فإذا أكَلت النارُ جُلودَهم بُدِّلوا جُلودًا غيرَها (٤). حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخْبرَنا ابن المباركِ، قال: بَلَغني عن الحسنِ: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾، قال: تُنْضِجُهم (٥) في اليومِ سبعين ألفَ مرَّةٍ (٦). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو عُبَيدةَ الحدادُ، عن هشامِ بن حسانَ، عن الحسنِ قولَه: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾. قال: تُنْضِجُ النارُ كلَّ يومٍ سبعين ألفَ جلدٍ. قال (٧): وغلظُ جلدِ الكافرِ أربعون ذراعًا، فالله (٨) أعلمُ بأيِّ ذراعٍ (٩). [وإن سأَلنا] (١٠) سائلٌ فقال: وما معنى قوِله جلَّ ثناؤُه: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ

стр. 4730

بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾؟ وهل يَجُوزُ أن يُبَدَّلُوا جُلُودًا غيرَ جُلودِهم التي كانَت لهم في الدنيا فيعذَّبوا فيها؟ فإن جاز ذلك عندَك، فأجِزْ أَن يُبَدَّلُوا أجسامًا وأرواحًا غيرَ أجسامِهم وأرواحِهم التي كانت لهم في الدنيا فتُعذَّبَ، فإِن أَجَزْت ذلك لزِمك أن يكونَ المعذَّبون في الآخرةِ بالنارِ غيرَ الذين أوْعَدَهم الله العقابَ على كفرِهم به ومعصيتِهم إياه، وأن يَكُونَ الكفارُ قد ارتفَع عنهم العذابُ! قيل: إن الناسَ اختلَفوا في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: العذابُ إنما يَصِلُ إلى الإنسانِ الذي هو غيرُ (١) الجلدِ واللحم، وإنما يُحْرَقُ الجلدُ ليَصِلَ إلى الإنسانِ ألمُ العذابِ، فأما الجلدُ واللحمُ فلا يَأْلَمان. قالوا: فسواءٌ أُعِيدَ على الكافرِ جلدُه الذي كان له في الدنيا أو جلدٌ غيرُه، إذ كانَت الجلودُ غيرَ آلمةٍ ولا معذَّبةٍ، وإنما الآلِمةُ المعذَّبةُ النفسُ التي تُحِسُّ الألمَ، ويَصِلُ إليها الوجَعُ. قالوا: وإذ كان ذلك كذلك، فغيرُ مستحيلٍ أن يُخْلَقَ لكلِّ كافرٍ في النارِ في كلِّ لحظةٍ وساعةٍ مِن الجلودِ ما لا يُحْصَى عددُه، ويُحْرَقُ ذلك عليه (٢)، ليَصِلَ إلى نفِسه ألمُ العذابِ، إذ كانت الجلودُ لا تألمُ. وقال آخرون: بل الجلودُ تَأْلمُ، واللحمُ وسائرُ أجزاءِ جِرْمِ ابن (٣) آدمَ، وإذا أُحْرِق جلدُه أو غيرُه من أجزاءِ جسدِه، وصل ألمُ ذلك إلى جميعِه. قالوا: ومعنى قولِه: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾: بدَّلناهم جُلودًا غيرَ مُحْتَرِقةٍ، وذلك أنها تُعادُ جديدةً، والأُولى كانَت قد احتَرَقت فأُعِيدَت غيرَ محترقةٍ، فلذلك قيل ﴿غَيْرَهَا﴾؛ لأنها غيرُ الجلودِ التي كانَت لهم في الدنيا التي عصَوُا الله وهي لهم.

стр. 4731

قالوا: وذلك نظيرُ قولِ العربِ للصائغِ - إذا اسْتَصَاغَتْه خاتَمًا مِن خَاتَمٍ مصوغٍ، بتحويلِه عن صِياغتِه التي هو (١) بها إلى صياغةٍ أُخرى -: صُغْ لى مِن هذا الخاتمِ خاتَمًا غيرَه. فيَكْسِرُه ويَصوغُه (٢) له منه خاتَمًا غيرَه، والخاتمُ المصوغُ بالصياغةِ (٣) الثانيةِ هو الأوّلُ، ولكنه لما أُعيدَ بعدَ كسرِه خاتَمًا قيل: هو غيرُه. قالوا: فكذلك معنى قولِه: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾. لما احْتَرَقت الجلودُ ثم أُعِيدَت جديدًا (٤) بعدَ الاحتراقِ قيل: هي غيرُها. على ذلك المعنى. وقال آخرون: معنى ذلك: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾. سرابيلُهم، بدَّلناهم سرابيلَ مَن قَطِرانٍ غيرَها، فجُعِلَت السَّرابيلُ القَطِرانُ لهم جُلودًا، كما يُقالُ للشيءِ الخاصِّ بالإنسانِ: هو جِلدةُ ما بينَ عيْنَيه ووجهِه؛ لخُصوصِه به. قالوا: فكذلك سرابيلُ القَطِران التي قال الله في كتابِه: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠]. لما صارَت لهم لباسًا لا تُفارقُ أجسامَهم جُعِلت لهم جلودًا، فقيل: كلما اشتعَل القَطِرانُ في أجسامِهم واحترَق، بُدِّلوا سرابيلَ من قَطِرانٍ آخَرَ. قالوا: وأما جلودُ أهلِ الكفرِ مِن أهلِ النارِ فإنها لا تحترقُ (٥)؛ لأن في احتراقِها إلى حالِ إعادتِها فناءَها، وفى فنائِها راحتُها. قالوا: وقد أخبرَ الله تعالى ذكرُه [عنها أنهم لا يموتون] (٦) ولا يُخَفَّفُ عنهم مِن عذابِها، قالوا: وجلودُ الكفارِ أحدُ أجزاءِ (٧) أجسامِهم، ولو جاز أن يَحْتَرِقَ منها شيءٌ فيَفْنَى ثم يُعادَ بعد الفناءِ في النارِ،

стр. 4732

جاز ذلك في جميعِ أجزائِها، وإذا جاز ذلك وجَب أن يَكُونَ جائزًا عليهم الفناءُ، ثم الإعادةُ والموتُ، ثم الإحياءُ، وقد أخبرَ الله عنهم أنهم لا يَمُوتون. قالوا: وفى خبرِه عنهم أنهم لا يَمُوتون دليلٌ واضحٌ أنه لا يَمُوتُ شيءٌ مِن أجزاءِ أجسامِهم، والجلودُ أحدُ تلك الأجزاءِ. وأما معنى قولِه: ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ فإنه يقولُ: فعَلنا ذلك بهم ليَجِدُوا ألمَ العذابِ وكَرْبَه وشِدَّتَه، بما كانوا في الدنيا يُكَذِّبون آياتِ اللهِ ويَجْحَدُونها. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)﴾. يقولُ: إن الله لم يَزَلْ عزيزًا في انتقامِه ممن انتقَم منه مِن خلقِه، لا يَقْدِرُ على الامتناعِ منه أحدٌ أراده بضرٍّ، ولا الانتصارِ منه أحدٌ أحلَّ به عقوبةً، حكيمًا في تدبيرِه وقضائِه. القولُ في تأويلِ قولهِ جل ثناؤُه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (٥٧)﴾ (١). قال أبو جعفرٍ ﵀: يَعْنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: والذين آمَنوا بالله ورسولِه محمدٍ ﷺ ، وصدَّقوا بما أنزَل الله على محمدٍ مصدِّقًا لما معهم؛ من يهودِ بنى إسرائيلَ وسائرِ الأممِ غيرِهم، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. يَقُولُ: وأدَّوْا ما أمَرهم الله به مِن فرائضِه، واجْتَنَبوا ما حرَّم الله عليهم مِن معاصيه، وذلك هو الصالحُ مِن أعمالِهم، ﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. يقول: سوف يُدْخِلُهم الله يومَ القيامةِ جناتٍ، يَعْنى بساتينَ، ﴿تَجْرِي

стр. 4733

مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. يقولُ: تَجْرِى مِن تحتِ تلك الجناتِ الأنهارُ، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. يقولُ: باقين فيها أبدًا بغيرِ نهايةٍ ولا انقطاعٍ، دائمًا ذلك لهم فيها أبدًا، ﴿لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ﴾. يقولُ: لهم في تلك الجناتِ التي وصَف صفتَها ﴿أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾. يَعْنى: بريئاتٌ مِن الأدناسِ والرِّيَبِ والحيضِ والغائطِ والبولِ والحبَلِ (١) والبُصاقِ، وسائرِ ما يَكونُ في نساءِ أهلِ الدنيا. وقد ذكَرنا ما في ذلك مِن الآثار فيما مضَى قبلُ فأغنَى ذلك عن إعادتِها (٢). وأما قولُه: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾. فإنه يقولُ: ونُدْخِلُهم ظِلَّا كَنِينًا. كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠]. وكما حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، وحدَّثنا ابن المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قالا جميعًا: ثنا شعبةُ، قال: سمِعت أبا الضحاكِ يُحدِّثُ عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "إن في الجنةِ لشجرةً يَسيرُ الراكبُ في ظلِّها مائةَ عامٍ لا يَقْطَعُها؛ شجرةُ الخُلدِ" (٣). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: اختلَف أهلُ التأويلُ فيمن عُنِى بهذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بها ولاةُ أمورِ المسلمينِ.

стр. 4734

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقيُّ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن أبي مكينٍ (١)، عن زيدِ بن أَسْلَمَ، قال: نزَلت هذه الآيةُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (٢). في وُلاةِ الأمرِ (٣). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: ثنا ليثٌ، عن شهرِ بن حَوْشَبٍ، قال: نزَلت في الأمراءِ خاصةً ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (٤). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: ثنا إسماعيلُ، عن مصعبِ بن سعدٍ، قال: قال عليٌّ كلماتٍ أصاب فيهنّ: حقٌّ على الإمامِ أن يَحْكُم بما أنزَل اللهُ، وأن يُؤَدِّيَ الأمانةَ، وإذا فعَل ذلك، فحقٌّ على الناسِ أن يَسْمَعُوا وأن يُطِيعُوا، وأن يُجيبُوا إذا دُعوا (٥). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال: ثنا إسماعيلُ، عن مصعبِ بن سعدٍ، عن عليٍّ بنحوِه.

стр. 4735

حدَّثني محمدُ بنُ عُبَيدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا موسى بنُ عميرٍ، عن مكحولٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. قال: هم أهلُ الآيةِ التي قبلها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾. إلى آخرِ الآيةِ (١). حدَّثني يونسُ، قال: حدَّثنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرنا ابن زيدٍ، قال: [قال أبي: هم] (٢) الوُلاةُ، أمَرهم أن يُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهلِها (٣) وقال آخرونَ: أمَر السلطانَ بذلك؛ أن يَعِظُوا النساءَ (٤). ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾: يَعْنِي السلطانَ، [يَعِظون النساءَ] (٥). وقال آخَرون: الذي خوطِب بذلك النبيُّ ﷺ في مفاتيحِ الكعبةِ، أُمِر بردِّها على عثمانَ بن طلحةَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قولَه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾. قال: نزَلت في

стр. 4736

عثمانَ [بن طلحةَ] (١) بن أبي طلحةَ، قبَض منه النبيُّ ﷺ مِفتاحِ (٢) الكعبةِ، ودخَل به (٣) البيتَ يومَ الفتحِ، فخرَج وهو يَتْلُو هذه الآيةَ، فدَعا عثمانَ فدفَع إليه المِفتاحَ. قال: وقال عمرُ بنُ الخطابِ لما خرَج رسولُ اللهِ ﷺ [مِن الكعبةِ] (٤) وهو يَتْلُو هذه الآيةَ: فِداه أبي وأمى، ما سمِعتُه يَتْلُوها قبلَ (٥) ذلك (٦). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا الزَّنْجيُّ بنُ خالدٍ، عن الزهريِّ، قال: دفَعه إليه وقال: "أعينُوه" (٧). وأوَلى هذه الأقوالِ بالصوابِ في ذلك عندى قولُ مِن قال: هو خطابٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه ولاةَ أمورِ المسلمين بأداءِ الأمانةِ إلى مَن وَلُوا أَمْرَه فِي فَيْئِهم وحقوقِهم، وما ائْتُمِنوا عليه مِن أمورِهم، وبالعدلِ بينَهم في القضيةِ، والقَسْمِ بينَهم بالسويةِ، يَدُلُّ على ذلك ما وعَظ به الرعيةَ في قولِه: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. فأمَرهم اللهُ بطاعتِهم، وأوْصَى الراعىَ برعيِّتِه، وأوْصَى الرعيةِ بالطاعةِ. كما حدَّثني يونسُ، قال: حدَّثنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. قال: قال أبي: هم السلاطينُ. وقرَأ ابن زيدٍ: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ

стр. 4737

مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦]. [وإنما نقولُ: هم العلماء الذين يَطَيفون (١) على السلطانِ] (٢)، ألا تَرَى أنه أمرهم فبدأ بهم؛ بالولاةِ فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾. [والأماناتُ هي] (٣) الفَيْءُ الذي اسْتَأْمنهم على جمعِه وقَسمِه، والصَّدَقَاتُ التي اسْتَأْمَنهم على جَمْعِها وقِسْمتِها، ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ الآية كلها. فأمَر بهذا الولاةَ، ثم أقبَل علينا نحن فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. وأما الذي قال ابن جريجٍ مِن أن هذه الآية نزَلت في عثمانَ بن طلحةَ، فإنه جائزٌ أن تَكُونَ نزَلت فيه وأُرِيدَ به كلُّ مُؤتَمنٍ على أمانةٍ، فدخَل فيه وُلاةُ أمورِ المسلمينِ وكلُّ مُؤْتَمَنٍ على أمانةٍ في دينٍ أو دنيا، ولذلك قال مَن قال: عُنى به قضاءُ الدَّيْنِ وردُّ حقوقِ الناسِ. كالذي حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾: فإنه لم يُرخِّصْ لمُوسرٍ ولا مُعْسرٍ أن يُمسكها (٤). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾. عن الحسنِ أن نبيَّ اللهِ ﷺ كان يَقُولُ: "أد الأمانةَ إلى مِن ائْتَمنك، ولا تَخُنْ مِن خانكَ" (٥).

стр. 4738

فتأويلُ الآيةِ إذن، إذ كان الأمرُ على ما وصَفنا: إن اللهَ يَأْمُرُكم يا معشرَ وُلاةِ أمورِ المسلمين (١) أن تُؤَدُّوا ما ائْتَمَنكم عليه رَعِيَّتُكُم مِن فَيْئِهم وحُقُوقِهم وأموالِهم وصَدَقاتهم إليهم (٢)، على ما أمَركم اللهُ بأداءِ كلِّ شيءٍ مِن ذلك إلى مَن هو له، بعدَ أن تصيرَ في أيديكم، لا تَظْلِموها أهلَها، ولا تَسْتأثِروا بشيءٍ منها، ولا تَضَعوا شيئًا منها في غيرِ موضعِه (٣)، ولا تَأْخُذُوها إلا ممَّن أذِن اللهِ لكم بأخذِها منه، قبلَ أن تَصيرَ في أيديكم، ويَأْمُرُكم إذا حَكَمتم بين رعِيَّتِكم أن تَحْكُموا بينَهم بالعدلِ والإنصافِ، وذلك حكمُ اللهِ الذي أنزَله في كتابه، وبَيَّنَه على لسانِ رسولِه، لا تَعْدُوا ذلك فتَجُورُوا عليهم (٤). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: إن الله - يا معشرَ ولاةِ أمورِ المسلمين - نِعْمَ الشيءُ يَعِظُكم به، ونِعْمَت العِظةُ يَعِظُكم بها، في أمْرِه إياكم أن تُؤدُّوا الأماناتِ إلى أهلها، وأن تَحْكُموا بينَ الناسِ بالعدلِ، و ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾. يقولُ: إن الله لم يَزَلْ سميعًا بما تَقُولون وتَنْطِقُون، وهو سميعٌ لذلك منكم

стр. 4739

إذا حكَمتم بينَ الناسِ، ولِمَا (١) تُحاوِرونَهم (٢) به [وتنطِقون] (٣)، ﴿بَصِيرًا﴾ بما تفعلون فيما ائْتُمِنْتم (٤) عليه مِن حقوق رعيَّتِكم وأموالِهم، وما تَقْضُون به (٥) بينَهم مِن أحكامِكم، بعدلٍ تَحكمون أو جورٍ، لا يَخْفى عليه شيءٌ مِن ذلك، حافظٌ ذلك كلَّه عليكم (٦)، حتى يُجَازِى مُحسِنَكم بإحسانِه، ومُسيئكم بإساءته، أو يَعْفُو بفضله. القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: يا أيُّها الذين آمَنوا أطِيعوا اللهِ ربَّكم فيما أمرَكم به وفيما نهاكم عنه، وأطِيعوا رسولَه محمدًا ﷺ ، فإن في طاعتِكم إياه لربِّكم طاعةً، وذلكم أنكم تُطِيعونه لأمرِ اللهِ إياكم بطاعتِه. كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن الأعمشِ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسول اللهِ ﷺ : "مَن أطاعَنى فقد أطاع الله، ومَن أطاع أميرى (٧) فقد أطاعَنى، ومن عَصاني فقد عصَى الله، ومَن عَصا أميرِى (٧) فقد عَصاني" (٨).

стр. 4740

واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾؛ فقال بعضُهم: ذلك أمرٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه باتباعِ سنتِه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾. قال: طاعةُ الرسولِ اتباعُ سنتِه. حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا يَعْلَى بْنُ عُبيد، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ قولَه: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾. قال: طاعةُ الرسولِ اتباعُ الكتابِ والسنةِ (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ مثلَه (٢). وقال آخرون: ذلك أمرٌ مِن اللهِ بطاعةِ الرسولِ في حياته. ذكر مِن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾: إن كان حيًّا. والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يُقالَ: هو أمرٌ مِن الله تعالى بطاعةِ رسولِه في

стр. 4741

حياتِه فيما أمَر ونهَى، وبعدَ وفاتِه باتباعِ سنتِه؛ وذلك أن الله عمَّ بالأمرِ بطاعتِهِ ولم يَخْصُصْ ذلك (١) في حالٍ دونَ حالٍ، فهو على العمومِ حتى يخصَّ ذلك ما يَجِبُ التسليمُ له. واختلَف أهلُ التأويلِ في أُولى الأمِر الذين أمَر اللهُ عبادَه بطاعتِهم في هذه الآية؛ فقال بعضُهم: هم الأمراءُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ في قولِه: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. قال: هم الأمراء (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ الصَّبَاحِ البزارُ، قال: ثنا حجاجُ بنُ محمدٍ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبَرني يَعْلى بنُ مسلمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ أنه قال ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾: نزَلت في رجلٍ بعَثه النبيُّ ﷺ على سريةٍ (٣).

стр. 4742

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عبدِ الله (١) بن مسلم بن هُرْمُزَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ أن هذه الآيةَ نزَلت في عبدِ اللهِ بن [حذافةَ بن قيسٍ] (٢) السَّهْمِيِّ إذ بعَثه النبيُّ ﷺ في السرية. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكام، عن عنيسةً، عن ليثٍ، قال: سأَل مَسلمةُ ميمونَ بنَ مهرانَ عن قولِه: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ قال: أصحابُ السَّرَايا على عهدِ النبيِّ ﷺ (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. قال: قال أبي: هم السلاطينُ. قال: وقال ابن زيدٍ: قال الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. قال: قال أبي: قال رسولُ اللهِ: "الطاعةَ الطاعةَ، وفي الطاعةِ بَلاءٌ". قال: ولو شاء اللهُ (٤) لجعَل الأمرَ في الأنبياءِ يُقْضَى (٥)، لقد جعِل (٦) إليهم والأنبياءُ معهم، ألا ترى حينَ حكَموا في قتلِ يحيى بن زكريا (٧).

стр. 4743

حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ﴾. قال: بعَث رسولَ اللهِ ﷺ سريةً عليها خالدُ بنُ الوليدِ، وفيها عمارُ بنُ ياسرٍ، فساروا قِبلَ القومِ الذين يُريدون، فلمّا بلَغوا قريبًا منهم عرَّسوا (١)، وأتاهم ذو (٢) العُيَيْنَتَينِ (٣) فأخبرَهم، فأصبَحوا قد هرَبوا غيرَ رجلٍ أمَر أهلَه فجمَعوا متاعَهم، ثم أقبَل يمشى في (٤) ظلمةِ الليلِ، حتى أتَى عسْكرَ خالدٍ، فسأَل عن عمارِ بن ياسرٍ فأتاه، فقال: يا أبا اليَقْظانِ. إنى قد أسلمتُ، وشهِدتُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وأن محمدًا عبدُه ورسولُه، وإن قومى لمّا سمِعوا بكم هرَبوا، وإنى بقِيتُ، فهل إسلامى نافعى غدًا، وإلا هربتُ؟ قال عمار: بل هو يَنْفَعُك، فأقِم. فأقام، فلمّا أصبَحوا أغار خالدٌ، فلم يَجِد أحدًا غيرَ الرجلِ، فأخَذه وأخَذ مالَه، فبلَغ عمارًا الخبرُ، فأتى خالدًا فقال: خلٍّ عن الرجلِ فإنه قد أسلَم، وهو (٥) في أمانٍ منِّى. قال خالدٌ: وفيم أنت تُجيرُ؟ فاستبًا وارْتَفعا إلى النبيِّ ﷺ ، فأجاز أمانَ عمارٍ ونهاه أن يُجيرَ الثانيةَ على أميرٍ، فاستبّا عندَ رسولِ اللهِ ﷺ ، فقال خالدٌ: يا رسولَ اللهِ، أَتَتْرُكُ هذا العبدَ الأجدعَ يَسُبُّني؟ فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "يا خالدُ، لا تَسُبَّ عمارًا، فإنه مِن سبَّ عمارًا سبَّه اللهُ، ومَن أَبْغَضَ عمارًا أبْغَضَه اللهُ، ومَن لعَن عمارًا لعَنه اللهُ". فغضِب عمارٌ، فقام، فتبِعه خالدٌ حتى أخَذ بثوبِه فاعتذَر إليه، فرضِى عنه، فأنزَل اللهُ (٦) قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ

стр. 4744

مِنْكُمْ﴾ (١). وقال آخرون: هم أهلُ العلمِ والفقهِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن عليٍّ بن صالحٍ، عن عبدِ اللهِ بن محمدِ بن عَقيلٍ، عن [جابرِ بن عبدِ اللهِ] (٢)، قال (٣): ثنا جابرُ بنُ: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. قال: أولو الفقه منكم (٤). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: أخبَرنا ليثٌ، عن مجاهدٍ في

стр. 4745

قوله: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. قال: أولو الفقهِ والعلمِ (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. قال: أولو الفقهِ في الدينِ والعقلِ. حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بن صالحٍ، عن عليٍّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾: يَعْنى أهلَ الفقهِ و (٣) الدينِ (٤). حدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن خُصَيفٍ (٥)، عن مجاهدٍ: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. قال: أهلُ العلمِ. حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا عبدُ الملكِ، عن عطاءٍ (٦) في قولِه: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. قال: أولو العلم

стр. 4746

والفقه (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: ثنا هشيمٌ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. قال: الفقهاءُ والعلماءُ (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. قال: هم العلماءُ (٢). حدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاقِ، عن الثَّوْرِيِّ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. قال: هم أهلُ الفقهِ والعلمِ (٣). حدَّثني المثنى، قال: حدَّثني إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. قال: هم أهلُ العلمِ، ألا تَرَى أنه يَقُولُ: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (٤) [النساء: ٨٣]. وقال آخَرون: هم أصحابُ محمدٍ ﷺ .

стр. 4747

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: ثنا ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. قال: كان مجاهدٌ يَقُولُ: أصحابُ محمدٍ. قال: وربما قال: [أولو العقلِ] (١) والفقهِ ودينِ اللهِ (٢). وقال آخَرون: هم أبو بكرٍ وعمرُ ﵄. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرٍو البصريُّ [وسعدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكمِ، قالا] (٣): ثنا حفصُ بنُ عمرَ العَدَنيُّ، قال: ثنا الحكمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. قال: أبو بكرٍ وعمرُ (٤). وأوْلَى الأقوال في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: هم الأمراءُ والوُلاةُ؛ لصحةِ الأخبارِ عن رسولِ اللهِ ﷺ بالأمرِ بطاعةِ الأئمةِ والوُلاةِ فيما كان للهِ (٥) طاعةً، وللمسلمين مصلحةً.

стр. 4748

كالذي حدَّثني عليُّ بنُ مسلمٍ الطُّوسيُّ، قال: ثنا ابن أبي فُدَيكٍ (١)، قال: ثني عبدِ اللهِ بن محمدِ بن عُروةَ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبي صالحٍ السَّمَّانِ، عن أبي هريرة، أن النبيَّ ﷺ قال: "سيَلِيكم بعدى وُلاةٌ، فتليكم البَرُّ ببِرِّه، و (٢) الفاجرُ بفُجوره، فاسْمَعوا لهم وأطِيعُوا في كلِّ ما وافَق الحقَّ، وصَلُّوا وراءَهم، فإن أحْسَنوا [فلكم ولهم] (٣)، وإن أساءُوا فلكم وعليهم" (٤). حدَّثنا ابن المثنَّى، قال: ثنا يحيى، عن (٥) عبيدِ اللهِ، قال: أخبرَنى نافعٌ: عن [عبدِ اللهِ] (٦)، عن النبيِّ ﷺ قال: "على المرءِ المسلمِ [السمعُ و] (٧) الطاعةُ فيما أحبَّ و (٨) كرِه، إلا أن يُؤمر بمعصيةٍ، فإن (٩) أُمرِ بمعصيةِ فلا طاعةَ" (١٠). حدَّثنا ابن المثنى، قال: حدَّثنا خالدٌ عن (١١) عبيدِ اللهِ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ،

стр. 4749

عن النبيِّ ﷺ نحوَه. فإذ كان معلومًا أنه لا طاعةَ واجبةٌ لأحدٍ غيرِ اللهِ أو رسولِه أو إمامٍ عَدْلٍ، وكان اللهُ قد أمَر بقولِه: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. بطاعةِ ذوِى أمرِنا، كان معلومًا أن الذين أمَر بطاعتِهم تعالى ذكرُه مِن ذوِى أمرِنا هم الأئمةُ ومَن [وَلَّوْه أمَر المسلمين] (١)، دونَ غيرِهم مِن الناسِ، وإن كان فرضًا القبولُ مِن كلِّ [آمرٍ أمَر] (٢) بتَركِ معصيتِه ودعا إلى [طاعتِه، غيرَ] (٣) أنه لا طاعةَ تَجِبُ لأحدٍ فيما أمَر ونهَى فيما (٤) لم تُقمْ حجةُ وجوبِه إلا للأئمةِ الذين ألزَم اللهُ عبادَه طاعتَهم فيما أمَروا به رعيَّتَهم، مما هو مصلحةٌ لعامةِ الرعيةِ، فإن على مَن أمَروه بذلك طاعتَهم، وكذلك في كلِّ ما لم يَكُنْ للهِ معصيةً. وإذ كان ذلك كذلك، كان معلومًا بذلك صحةُ ما اخْتَرنا مِن التأويلِ دونَ غيرِه. القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: فإن اختلَفتم أيها المؤمنون، في شيءٍ مِن أمرِ دينِكم؛ أنتم فيما بينَكم، أو أنتم ووُلاة أمرِكم، فاشْتَجَرتم فيه، ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾. يَعْنى بذلك: فارْتَادوا معرفةَ حكمِ ذلك (٥) الذي اشْتَجَرتم أنتم بينكم، أو أنتم وولاةُ أمرِكم فيه، مِن عندِ اللهِ، يَعْنى بذلك: مِن كتابِ اللهِ، فاتَّبِعوا (٦) ما

стр. 4750

وجَدتم فيه (١)، [وأطيعوا الله باتِّباعِكم ما فيه مِن أمرِه ونَهْيِه، وحكمِه وقضائه] (٢). وأما قولُه: ﴿وَالرَّسُولِ﴾. فإنه يَقُولُ: فإن لم تَجِدوا (٣) عِلْمَ ذلك في كتابِ اللهِ مُبَيَّنًا (٤)، فارْتادُوا معرفةً ذلك أيضًا مِن عندِ الرسولِ إن كان حيًّا، وإن كان ميِّتًا فمِن سنَّتِه، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. يَقُولُ: افْعَلُوا ذلك إن كنتم تصدِّقون باللهِ واليومِ الآخرِ. يعنى: بالمعادِ الذي فيه الثوابُ والعقابُ، فإنكم إن فعَلتم ما أُمِرتم به مِن ذلك، فلكم مِن الله الجزيلُ مِن الثوابِ، وإن لم تفعَلوا ذلك، فلكم الأليمُ مِن العقابِ. وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: أخبَرنا ليثٌ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. قال: فإن تنازَع العلماءُ ردُّوه إلى اللهِ والرسولِ (٥)؛ إلى (٦) كتابِ اللهِ وسنةِ رسولِه. ثم نزَع (٧) مجاهدٌ بهذه (٨) الآيةِ: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ

стр. 4751

مِنْهُمْ﴾ (١) [النساء: ٨٣]. حدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. قال: إلى (٢) كتابِ اللهِ وسنَّةِ نبيِّه ﷺ (٣). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: حدَّثنا الثوري، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. قال: إلى الله: إلى كتابِه، وإلى الرسول: إلى سنَّةِ نبيِّه (٤). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن ليثٍ، قال: سأَل مَسْلمةُ ميمونَ بنَ مهرانَ عن قولِه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ قال: إلى (٢) اللهِ: كتابِه، ورسولِه: سنتِه. فكأنما ألْقمه حجرًا. حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ بُرْقَانَ (٥)، عن ميمونِ بن مهرانَ: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. قال: الردُّ إلى اللهِ، الردُّ إلى كتابِه، والردُّ إلى رسولِه إن كان حيًّا، فإن قبَضه الله إليه فالردُّ إلى السنةِ (٦).

стр. 4752

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. يقولُ: رُدُّوه إلى كتابِ اللهِ وسنةِ رسولِه ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (١) حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾: إن كان الرسولُ حيًّا، ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ قال: إلى كتابِه (٢). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بقوله جلَّ ثناؤُه: ﴿ذَلِكَ﴾: فرَدُّ ما تنازَعتم فيه مِن شيءٍ إلى اللهِ والرسولِ، ﴿خَيْرٌ﴾. لكم عندَ اللهِ في مَعادِكم، وأصلحُ لكم في دنياكم؛ لأن ذلك يَدْعُوكُم إلى الألفةِ وتركِ التنازِع والفُرقةِ، ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾. يعنى: وأحمَدُ موئلًا ومغبَّةً، وأجملُ عاقبةً. وقد بينا فيما مضَى أن التأويلَ التفعيلُ، مِن "تأوَّل"، وأن قولَ القائل: تأوَّل: "تفعَّل" مِن قولِهم: آلَ هذا الأمرُ إلى كذا أي: رجَع. بما أغنَى عن إعادتِه (٣). وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 4753

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾. قال: وأحسنُ جزاءً (١) حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾. يقولُ: ذلك أحسنُ ثوابًا وخيرٌ عاقبةٌ (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾. قال: عاقبةً (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾. قال: وأحسنُ عاقبةٌ. قال: والتأويلُ التصديقُ. القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ يا محمدُ بقلبِك فتَعْلمَ، إلى الذين يَزْعُمون أنهم صدَّقوا بما أَنْزَلْنا إليك مِن الكتابِ، وإلى الذين يَزْعُمون أنهم آمنوا بما أَنْزَلْنَا مِن قَبْلِك مِن الكتبِ ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا﴾. في

стр. 4754

خصومتهم ﴿إِلَى الطَّاغُوتِ﴾. يَعْنى: إلى مَن يُعَظِّمونه ويَصْدُرون عن قولِه، ويَرْضَون بحكمه مِن دونِ حكمِ اللهِ، ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾. يَقولُ: وقد أمَرهم اللهُ أن يُكَذِّبوا بما جاءَهم به الطاغوتُ الذي يَتَحاكَمون إليه، فترَكوا أمَر اللهِ، واتَّبعوا أمْرَ الشيطانِ، ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾. يَعْنى أن الشيطانَ يُريدُ أن يصدَّ هؤلاء المتحاكِمين إلى الطاغوتِ عن سبيلِ الحقِّ والهدى. فيُضِلُّهم عنها ضلالًا بعيدًا، يعني: فيجورَ بهم عنها جَوْرًا شديدًا. وقد ذكِر أن هذه الآية نزَلت في رجلٍ مِن المنافقين دعا رجلًا مِن اليهود في خصومةٍ كانت بينَهما إلى بعضِ الكُهانِ ليَحْكُم بينَهم، ورسولُ اللهِ ﷺ بينَ أظهرهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ في هذه الآيةِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾. قال: كان بينَ رجلٍ مِن اليهودِ وبينِ رجلٍ مِن المنافقين خصومةٌ، فكان المنافقُ يَدْعُو إلى اليهودِ؛ لأنه يَعْلَمُ أنهم يَقْبَلُون الرِّشوةَ، وكان اليهوديُّ يَدْعُو إلى المسلمين؛ لأنه يَعْلَمُ أنهم لا يَقْبَلون الرِّشوةَ، فاصْطَلحا أن يَتَحاكما إلى كاهنٍ مِن جُهَيْنةَ، فأنزَلَ اللهُ فيه هذه الآيةَ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ حتى بلَغ: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١).

стр. 4755

حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ في هذه الآيةِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾. فذكرَ نحوَه، وزاد فيه: فأنزَل اللهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾: يعنى المنافقَ (١)، ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾: يعنى اليهودِيَّ (٢)، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾. يقولُ: إلى (٣) الكاهن، ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾: أُمِر هذا في كتابِه، وأُمِر هذا في كتابه، أن يَكْفُرَ بالكاهنِ. حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابن عليةَ، عن داودَ، عن الشعبيِّ، قال: كانت بينَ رجلٍ ممن يَزْعُمُ أنه مسلمٌ وبينَ رجلٍ مِن اليهودِ خصومةٌ، فقال اليهوديُّ: أُحاكمُك إلى أهل دينِك. أو قال: إلى النبيِّ، لأنه قد عِلم أن النبيَّ ﷺ يأْخذُ الرِّشوةَ في الحكمِ، فاختلفا، فاتَّفَقا على أن يَأْتِيا كاهنًا في جُهَيْنَةً. قال: فنزَلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾: يَعْنى الذي مِن الأنصارِ، ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾: يَعْنى اليهوديَّ، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾: إلى الكاهنِ، ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾. يَعْنى: أُمِر هذا في كتابِه، وأُمِر هذا في كتابِه. ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾. وقرَأ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾. إلى: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، قال: زعَم حضرميٌّ أن رجلًا مِن اليهودِ كان قد أسلَم، فكانت بينَه وبين رجلٍ

стр. 4756

مِن اليهودِ مُدارَاةٌ (١) في حقٍّ، فقال اليهوديُّ له: انْطَلِق إلى نبيِّ اللهِ. فعرَف أنه سيَقْضِي عليه، قال: فأبى، فانْطَلَقا إلى رجلٍ مِن الكهانِ، فتَحاكَما إليه، فأنزَل (٢) اللهُ جل ثناؤُه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ الآية. حتى بلغ: ﴿ضَلَالًا بَعِيدًا﴾: ذُكر لنا أن هذه الآيةَ نزَلت في رجلين؛ رجلٍ مِن الأنصارِ يُقال له: بشرٌ. وفى رجلٍ مِن اليهودِ، في مُدارَأَةٍ كانت بينَهما في حقٍّ، فتَدارَءا بينَهما فيه، فتَنافَرا إلى كاهنٍ بالمدينة يَحْكُم بينَهما، وترَكا نبيَّ اللهِ ﷺ ، فعاب اللهُ ذلك عليهما (٤)، وذُكِر لنا أن اليهوديَّ كان يَدْعُوه إلى النبيِّ ﷺ ليَحْكُمَ بينَهما، وقد عِلم أن النبيَّ ﷺ الله لن يَجُورَ عليه، فجعَل الأنصاريُّ يَأْتِي عليه، وهو يَزْعُمُ أنه مسلمٌ، ويَدْعُوه إلى الكاهنِ، فأنزَل اللهُ ما تَسْمَعُون، فعاب ذلك (٥) على الذي يَزْعُمُ أنه مسلمٌ، وعلى اليهوديِّ الذي هو مِن أهلِ الكتابِ، فقال ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾. إلى قولِه: ﴿صُدُودًا﴾ (٦).

стр. 4757

حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾. قال: كان ناسٌ مِن اليهودِ قد أسلَموا ونافَق بعضُهم، وكانت قريظةُ والنضيرُ في الجاهليةِ إذا قُتِل الرجلُ مِن بني النضيرِ؛ قتَلتْه بنو قُرَيظةَ، قتَلوا به منهم، فإذا قُتِل الرجلُ مِن بني قريظة؛ قتَلته النَّضِيرُ، أعطَوْا دِيتَه ستين وَسْقًا (١) مِن تمرٍ، فلما أسلَم ناسٌ مِن بني قُرَيظةَ والنَّضيرِ، قتَل رجلٌ مِن مِن بني النضيرِ رجلًا مِن بنى قريظةَ، فتَحاكَموا إلى النبيِّ ﷺ ، فقال النَّضَرِيُّ: يا نبيَّ اللهِ، إنا كنا نُعْطِيهم في الجاهليةِ الدِّيَةَ، فنحن نُعْطِيهم اليومَ ذلك. فقالت قُرَيْظَةُ: لا، ولكنا إخوانُكم في النَّسَبِ والدين، ودماؤُنا مثلُ دمائِكم، ولكنكم كنتم تَغْلِبوننا في الجاهليةِ، فقد جاء اللهُ بالإسلامِ. فأنزَلَ اللهُ يُعَيِّرُهم بما فعَلوا، فقال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]. [عيَّرهم بما فعَلوا] (٢)، ثم ذكَر قولَ النَّضَريِّ: كنا نُعْطيهم في الجاهليةِ ستين وسْقًا ونَقْتُلُ منهم ولا يَقْتُلُوننا. فقال: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]. فأخذ النَّضريَّ فقتَله بصاحبِه، فتَفاخَرتِ النَّضيرُ وقُريظةُ، فقالت النضيرُ: نحن أكرمُ منكم. وقالت قريظةُ: نحن أكرمُ منكم. ودخَلوا المدينةَ إلى أبي بُرْدَة (٣) الكاهنِ الأسلميِّ، فقال المنافقون (٤) مِن قُرَيظةَ والنَّضيرِ: انْطَلِقوا إلى أبى بُرْدَة (٣) يُنْفِر (٥) بينَنا. وقال المسلمون مِن قُرَيظةَ والنَّضِيرِ: لا، بل النبيُّ ﷺ يُنْفِرُ بينَنا، فتعالَوا إليه. فأبَى المنافقون،

стр. 4758

وانْطَلَقوا إلى أبى بُرْدَةَ (١) فسأَلوه، فقال: أعظِموا اللُّقمةَ. يَقُولُ: أعظِموا الخَطَرَ (٢). فقالوا: لك عَشَرَةُ أوساقٍ. قال: لا، بل مائةُ وَسْقٍ، دِيَتِى، فإني أخافُ أَن أُنْفِرَ النَّضِيرَ فتَقْتُلَنِى قُرَيظَةُ، أو أُنْفِرَ قُرَيْظَةَ فتَقْتُلَنِي النَّضِيرُ، فَأَبَوْا أَن يُعْطُوه فوقَ عَشَرَةِ أوساقٍ، وأبَى أن يَحْكُمَ بينَهم، فأنزلَ اللهُ : ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾: وهو أبو بُرْدَةَ (١)، ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾. إلى قولِه: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٣). وقال آخَرون: الطاغوتُ في هذا الموضعِ هو كعبُ بنُ الأشرفِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾: والطاغوتُ رجلٌ مِن اليهودِ كان يقالُ له: كعبُ بنُ الأشرفِ. وكانوا إذا ما دُعوا إلى ما أنْزَل اللهُ وإلى الرسولِ ليَحْكُمَ بينَهم قالوا: بل نحاكِمُكم إلى كعبِ. فذلك قولِه: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ الآية (٤). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ،، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا

стр. 4759

أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ قال: تنازَع رجلٌ مِن المنافقين ورجلٌ مِن اليهودِ، فقال المنافقُ: اذْهَبْ بنا إلى كعبُ بنُ الأشرفِ. وقال اليهوديُّ: اذْهَبْ بنا إلى النبيِّ محمدٍ (١). فقال اللهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾. الآية والتي تليها فيهما (٢) أيضًا. حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾. فذكَر مثلَه، إلا أنه قال: وقال اليهوديُّ: اذْهَبْ بنا إلى محمدٍ (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بن أنسٍ في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾. إلى قولِه: ﴿ضَلَالًا بَعِيدًا﴾. قال: كان رجلان مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ بينَهما خصومةٌ؛ أحدُهما مؤمنٌ والآخر منافقٌ، فدعاه المؤمنُ إلى النبيِّ ﷺ ، ودعاه المنافقُ إلى كعبُ بنُ الأشرفِ، فأنزَل اللهُ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ عن مجاهدٍ قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾. قال: تنازَع رجلٌ مِن المؤمنين

стр. 4760

ورجلٌ مِن اليهودِ، فقال اليهوديُّ: اذْهَبْ بنا إلى كعبُ بنُ الأشرفِ. وقال المؤمنُ: اذْهَبْ بنا إلى النبيِّ ﷺ فقال اللهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾. إلى قولِه: ﴿صُدُودًا﴾ قال ابن جريجٍ: ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾. قال: القرآنُ، ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾. قال: التوراةُ. قال: ويَكُونُ بينَ المسلمِ والمنافقِ الحقُّ، فيَدْعُوه المسلمُ إلى النبيِّ ﷺ ؛ ليُحاكِمَه إليه، فيَأْتِي المنافقُ ويَدْعُوه إلى الطاغوتِ. قال ابن جريجٍ: قال مجاهدٌ: الطاغوتُ كعبُ بنُ الأشرفِ (١). حدِّثت عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعت الضحاك يقولُ في قولِه: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾: هو كعبُ بنُ الأشرفِ (٢) وقد بينا معنى الطاغوتِ في غيرِ هذا الموضعِ، فكرِهنا إعادتَه (٣). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١)﴾ قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ألم تَرَ يا محمدُ إلى الذين يَزْعُمون أنهم آمنوا بما أُنْزِل إليك مِن المنافقين، وإلى الذين يَزْعُمون أنهم آمَنوا بما أُنْزِل مِن قبلِك، مِن أهلِ الكتابِ، يُريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوتِ، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا (٤) إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾. يَعْنى بذلك: وإذا قيل لهم (٥): هَلُمُّوا إلى حكمِ اللهِ الذي أَنْزَله في كتابِه، وإلى الرسولِ ليحكُمَ بينَنا،

стр. 4761

﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾. يَعْنى بذلك: يَمْتَنِعون مِن المصيرِ إليك لتَحْكُمَ بينَهم، ويَمْنَعُون مِن المصيرِ إليك كذلك (١) غيرَهم ﴿صُدُودًا﴾. وقال ابن جريجٍ في ذلك بما حدَّثنا به القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾. قال: دعَا المسلمُ المنافقَ إلى رسولِ اللهِ ليَحْكُم بينَهم (٢). قال: ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾. وأما على تأويلِ (٣) مِن جعَل ذلك (٢) الداعيَ إلى النبيِّ ﷺ اليهوديَّ، والمَدْعُوَّ إليه المنافقَ، على ما ذكَرتُ مِن أقوالِ مَن قال ذلك في تأويلِ قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾. فإنه على ما بَيَّنتُ قبلُ. القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: فكيف بهؤلاء الذين يُريدون أن يَتَحاكموا إلى الطاغوتِ، وهم يَزْعُمُون أنهم آمَنوا بما أُنزِل إليك وما أُنزل مِن قبلِك ﴿إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾. يَعْنى: إذا نزَلت بهم نقمةٌ مِن الله، ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾. يَعْنى: بذُنوبِهم التي سلَفت منهم، ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾. يقولُ: ثم جاءوك يخلفون باللهِ كذبًا وزورًا، ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾. وهذا خبرٌ مِن الله عن هؤلاء المنافقين أنهم لا يَرْدَعُهم عن النفاقِ

стр. 4762

الغِيرُ (١) والنِّقَمُ، وأنهم وإن نالتَهم (٢) عُقوبةٌ مِن اللهِ على احتكامِهم إلى الطاغوتِ، لم يُنيبوا ولم يَتُوبوا، ولكنهم يَحْلِفُون بالله كذبًا وجُرْأةً على اللهِ: ما أَرَدْنا باحتكامِنا إليه إلا الإحسانَ مِن بعضنا إلى بعضٍ، والصوابَ فيما احتكَمنا فيه إليه [باحتكامِنا إليه] (٣). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿أُولَئِكَ﴾: هؤلاء المنافقون، ﴿الَّذِينَ﴾ وصَفتُ (٤) لك يا محمدُ صفتَهم، ﴿يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ في احتكامِهم إلى الطاغوتِ، وتركِهم الاحتكامَ إليك، وصدودِهم عنك، مِن النفاقِ والزَّيْغِ، وإن حلَفوا باللهِ ما أرَدنا إلا إحسانًا وتوفيقا، ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ﴾. يقولُ: فدَعْهُم فلا تُعاقِبْهم في أبدانِهم وأجسامِهم، ولكن عِظْهم بتخويفِك إياهم بأسَ اللهِ أن يَحِلَّ بهم، وعُقوبته أن تَنْزِلَ بدارِهم، وحَذِّرْهم غِبَّ (٥) مكروهِ ما هم عليه مِن الشكِّ في أمرِ اللهِ وأُمِر رسولِه، ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾. يقولُ: مُرْهم باتقاءِ اللهِ والتصديقِ به وبرسولِه ووعدِه ووعيدِه. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.

стр. 4763

قال أبو جعفرٍ ﵀: يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ولم تُرسل يا محمدُ رسولًا إلا فَرَضْتُ طاعتَه على مَن أَرْسَلْتُه إليه. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فأنتَ يا محمدُ مِن الرسلِ الذين فَرَضْتُ طاعتَهم على مَن أرسَلْتُه إليه. وإنما هذا توبيخٌ مِن الله جل ثناؤُه للمُحْتَكِمين مِن المنافقين، الذين كانوا يَزْعُمون أنهم يُؤْمنون بما أُنْزِل إلى النبيِّ ﷺ ، فيما اختصموا فيه إلى الطاغوتِ، صُدُودًا عن رسولِ اللهِ ﷺ يَقُولُ لهم تعالى ذكرُه: ما أَرْسَلْتُ رسولًا إِلا فَرَضْتُ طاعتَه على مَن أَرْسَلْتُه إليه، فمحمدٌ ﷺ مِن أولئك الرسلِ، فمن ترَك طاعتَه والرضا بحكمِه واحتَكَم إلى الطاغوتِ، فقد خالَف أمْرِى وضيَّع فرْضِى. ثم أخبرَ جلَّ ثناؤُه أن مَن أطاع رُسُلَه، فإنما يُطيعُهم بإذنِه. يعنى: بتقديرِه ذلك له (١)، وقضائه السابق في علمه ومشيئتِه. كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: نا عيسى، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن شبلٍ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: واجبٌ لهم أن يطيعَهم مِن شاء الله، ولا يطيعَهم أحدٌ إلا بإذنِ اللهِ (٢) وإنما هذا تعريضٌ مِن الله تعالى ذكرُه لهؤلاء المنافقين، بأن تَرْكَهم طاعةَ اللهِ وطاعةَ رسولِه والرضَا بحكِمه، إنما هو للسابقِ (٣) مِن خِذْلانِه وغلبة الشَّقاءِ عليهم، ولولا ذلك لكانوا ممن أذِن اللهِ له في الرضَا بحكمِه، والمسارعةِ إلى طاعتِه.

стр. 4764

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ولو أن هؤلاء المنافقين الذين وصَف صفتَهم في هاتين الآيتين، الذين إذا دُعُوا إلى حكمِ اللهِ وحكمِ رسولِه صَدُّوا صدودًا ﴿إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ باكتسابِهم (١) العظيمَ مِن الإثمِ في احتكامِهم إلى الطاغوتِ، وصدودِهم عن كتابِ اللهِ وسنةِ رسولِه إذا دُعُوا إليها، ﴿جَاءُوكَ﴾ يا محمدُ حينَ فعَلوا ما فعَلوا من مصيرِهم إلى الطاغوتِ راضين بحكمِه دونَ حكمِك، جاءوك تائبين مُنيبين، فسأَلوا الله أن يَصْفَحَ لهم عن عقوبةِ ذنبِهم بتغطيتِه عليهم (٢)، وسأَل لهم الله رسولُه ﷺ مثلَ ذلك. وذلك هو معنى قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾. وأما قولُه: ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾. فإنه يقولُ: لو كانوا فعَلوا ذلك فتابوا من ذنبِهم (٣)، ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا﴾. يَقُولُ: راجعًا لهم مما يَكْرَهون إلى ما يُحِبون، ﴿رَحِيمًا﴾ بهم في تركِه عقوبتَهم على ذنبِهم الذي تابوا منه. وقال مجاهدٌ: عُنِى بذلك اليهوديُّ والمسلمُ اللذان تحاكَما إلى كعبِ بن الأشرفِ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾. إلى قولِه: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. قال: هو الرجلُ اليهوديُّ والرجلُ المسلمُ اللذان تحاكَما إلى كعبِ بن

стр. 4765

الأشرفِ (١). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾. قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يَعْنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿فَلَا﴾: فليس الأمرُ كما يَزْعُمون أنهم يؤمنون بما أُنْزِل إليك، وهم يحتكِمون إلى الطاغوتِ، ويَصُدُّون عنك إذا دُعُوا إليك يا محمدُ. ثم (٢) اسْتَأْنَف القَسَمَ جلَّ ثناؤُه، فقال: ﴿وَرَبِّكَ﴾ يا محمدُ، ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾. أي: لا يُصَدِّقون بي وبك وما أنزلتُ إليك، ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾. يَقُولُ: حتى يَجْعَلُوك حكَمًا بينهَم فيما اختلَط بينَهم مِن أمورِهم، فالْتَبَس عليهم حُكْمُه. يُقَالُ منه (٣): شجَر يَشْجُرُ شُجُورًا [وشَجْرًا] (٤)، وتشاجَر القومُ، إذا اختلَفوا في الكلامِ والأمرِ، مُشاجرةً وشِجارًا. ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾. يقولُ: ثم لا يَجِدوا في أنفسِهم ضِيقًا مما قضَيت. وإنما معناه: ثم لا تَخْرَجُ أنفسُهم مما قضَيت. أي: لا تأْثَمُ بإنكارِها ما قضيتَ، وشكِّها في طاعتِك، وأن الذي (٥) قضَيت به بينَهم حقٌّ لا يَجُوزُ لهم خلافُه.
следующие страницы →