← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.

стр. 4691

الصلاةِ فَيَؤمُّونهم، يَزْعُمون أنهم لا ذنوبَ لهم، فتلك التَّزْكيةُ (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن الأعرجِ، عن مجاهدٍ، قال: كانوا يُقَدِّمون الصِّبْيانَ أمامَهم في الدعاءِ والصلاةِ، يَؤمُّونهم، ويزعُمون أنهم لا ذنوبَ لهم، فتلك تَزْكيةٌ. قال ابن جُرَيجٍ: هم اليهودُ والنصارى. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سُفيانَ، عن حُصَينٍ، عن أبي مالكٍ في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾. قال: نَزَلَت في اليهودِ كانوا يُقَدِّمون صِبْيانَهم، يقولون: ليست لهم ذنوبٌ (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن [أبي مَكِينٍ] (٣)، عن عِكْرمةَ في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾. قال: كان أهلُ الكتابِ يُقَدِّمون الغِلمانَ الذين لم يَبْلُغوا الحِنْثَ (٤) يُصَلُّون بهم، يقولون: ليس لهم ذنوبٌ. فأنزَل اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية (٥).

стр. 4692

وقال آخرون: بل تزكيتُهم أنفسَهم كانت قولَهم: إن أبناءَنا يَسْتَشْفِعون (١) لنا ويُزَكُّوننا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾: وذلك أن اليهودَ قالوا: إن أبناءَنا (٢) تُوفُّوا وهم لنا قُرْبةٌ عند الله، ويَسْتَشْفِعون لنا (١) ويُزَكُّوننا. فقال اللهُ جلَّ ثناؤُه لمحمدٍ ﵇: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ إلى: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ (٣). وقال آخرون: بل ذلك كان منهم تزكيةً مِن بعضِهم لبعضٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يحيى بنُ إبراهيمَ المَسْعوديُّ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، [عن جدِّه] (٤)، عن الأعمشِ، عن قيسِ بن مسلمٍ، عن طارقِ بن شهابٍ، قال: قال عبدُ اللهِ: إن الرجلَ ليَغْدو بدينِه، [ثم يَرْجِعُ] (٥) وما معه منه شيءٌ، يَلْقَى الرجلَ ليس يَملِكُ له نفعًا ولا ضرًّا، فيقولُ: واللهِ إنك [لذيْتَ وذَيْتَ] (٦). فلعلَّه (٧) أن

стр. 4693

يَرجِعَ، ولم يَحْلَ (١) مِن حاجتهِ بشيءٍ، وقد أسْخَط الله عليه، ثم قرَأ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾. الآية (٢). قال أبو جعفرٍ: وأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى تَزْكية القومِ الذين وَصَفهم اللهُ بأنهم يُزَكُّون أنفسَهم: وَصْفُهم إياها بأنها لا ذنوبَ لها ولا خَطايا، وأنهم لله جلَّ ثناؤُه أبناءٌ وأحباءُ، كما أخبرَ اللهُ جلَّ ثناؤُه عنهم أنهم كانوا يقولونه؛ لأن ذلك هو أظهرُ مَعانيه، لإخبارِ اللهِ عنهم أنهم (٣) إنما كانوا يُزَكُّون أنفسَهم دونَ غيرِها. وأما الذين قالوا: معنى ذلك، تَقْديمُهم أطفالهَم للصلاةِ، فتأويلٌ لا تُدْرَكُ صحتُه إلا بخبرٍ حُجَّةٍ يُوجِبُ العلم. وأما قولُه جلَّ ثناؤُه: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾. فإنه تكذيبٌ مِن الله المُزَكِّين أنفسَهم مِن اليهودِ والنصارى، المُبَرِّئيها مِن الذنوبِ. يقولُ اللهُ لهم: ما الأمرُ كما زعَمتم؛ أنه لا ذنوب لكم ولا خَطايا، وأنكم بُرَآءُ مما يَكْرَهُه اللهُ، ولكنكم أهلُ فِرْيةٍ وكذبٍ على اللهِ، وليس المُزكَّى مَن زَكَّى نفسَه، ولكنه الذي يُزَكِّيه الله، واللهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ مِن خلقِه، [فيطهِّرُه ويبرِّئُه] (٤) مِن الذنوبِ؛ بتَوفيقه لاجْتِنابِ ما يَكْرَهُه مِن مَعاصيه إلى ما يَرْضاه مِن طاعِته.

стр. 4694

وإنما قلنا: إن ذلك كذلك؛ لقوله جلّ ثناؤُه: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾. فأخبَر (١) أنهم يَفْتَرون على اللهِ الكذبَ بدَعْواهم أنهم أبناءُ اللهِ وأحباؤُه، وأن اللهُ جلَّ ثناؤُه قد طَهَّرهم مِن الذنوبِ. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ولا يَظْلِمُ اللَّهُ هؤلاء الذين أخبرَ عنهم أنهم يُزَكُّون أنفسَهم ولا غيرَهم مِن خلقه، فيُبْخَسَهم - في تَرْكه تَزْكيتَهم وتَزْكيةَ مَن تَرَكَ تَزْكيتَه، وفى تَزْكِيةِ مَن زَكَّى مِن خلقه - شيئًا مِن حقوقِهم، ولا يَضَعُ شيئًا في غيرِ موضعهِ، ولكنه يُزَكِّي مَن يَشَاءُ مِن خَلقِه، فيُوَفِّقُه، ويَخذُلُ مَن يشاءُ مِن أهل مَعاصِيه، كلُّ ذلك إليه وبيدِه، وهو في كلِّ ذلك غيرُ ظالمٍ أحدًا، ممن زَكَّاه أو لم يُزَكِّه، فَتِيلًا. واختَلف أهلُ التأويلِ في معنى الفَتِيلِ؛ فقال بعضُهم: هو ما خَرَجَ مِن بين الإصْبَعَين والكَفَّين مِن الوَسَخِ، إذا فَتَلْتَ إحداهما بالأخرى. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، [قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الصَّلْتِ] (٢)، قال: ثنا أبو كُدَينةَ، عن قابوسَ [بن أبي ظَبْيانَ] (٣)، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: الفَتِيلُ: ما خَرَج مِن بين إصْبَعَيكَ (٤).

стр. 4695

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكّام، عن عَنْبَسةَ، عن أبي إسحاقَ الهَمْدَانيِّ، عن التِّميميِّ (١)، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ عن قولِه: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾. قال: ما فَتَلْتَ بينَ إصْبَعَيك. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن يزيدَ (٢) بن دِرْهمٍ أبى العلاءِ، قال: سَمِعتُ أبا العالية، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾. قال: الفَتِيلُ: هو الذي يخرُجُ مِن بين إِصْبَعَى الرجلِ. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾. قال (٣): الفَتِيلُ: هو أن تَدْلُكَ (٤) إصْبَعَيكَ، فما خرَج منهما (٥) فهو ذلك. حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرَنا حُصَينٌ، عن أبي مالكٍ في قولِه: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾. قال: الفَتِيلُ: الوَسَخُ الذي يَخْرُجُ مِن بين الكَفِّين (٦). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: الفَتِيلُ ما فَتَلْتَ به يَدَيك، فَخَرَجَ وَسَخٌ (٧).

стр. 4696

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾. قال: ما تَدْلُكُه في يَدَيك، فيَخْرُجُ (١) بينَهما (٢). وأناسٌ يقولون: هو (٣) الذي يكونُ في شَقِّ (٤) النَّوَاةِ (٥). ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثني عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَتِيلًا﴾. قال: الذي في شَقِّ (٦) النواة (٧). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن طَلْحةَ بنَ عمرٍو (٨)، عن عطاءٍ، قال: الفَتِيلُ: الذي في بَطْنِ النواة (٩). حدَّثني يونسُ، قال: حدَّثنا ابن وهب، قال: ثني طلحةُ بنُ عمرٍو، أنه سمِع عطاءَ بنَ أبي رباحٍ يقولُ. فذكَر مثلَه (٩).

стр. 4697

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاج، قال: قال ابن جُرَيج: أخبرَني عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ، أنه سمِع مجاهدًا يقولُ: الفَتِيلُ: الذي في شَقِّ النّوَاةِ (١). حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى (٢) بنُ سعيدٍ، قال: ثنا سفيانُ بنُ سعيدٍ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ قال: الفتيلُ في النواةِ. حدَّثنا الحسنُ (٣) بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ، في قولِه: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾. قال: الفَتِيلُ الذي في شَقِّ النَّوَاةِ (٤). حُدِّثت عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سَمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عُبَيدُ بنُ سُليمانَ، قال: سَمِعتُ الضَّحاكَ يقولُ: الفَتيلُ: شَقُّ النَّوَاةِ (٥) حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: الفَتِيلُ: الذي في بَطْن النَّوَاةِ. حدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخبرَنا يزيد، قال: حدَّثنا جُوَيبرٌ، عن الضَّحاكِ، قال: الفَتِيلُ: الذي يكونُ في شَقِّ النَّوَاةِ. حدَّثنا المُثَنَّى (٦)، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾: فَتِيلُ النَّوَاةِ: شَقُّها (٧).

стр. 4698

حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا قُرَّةُ، عن عَطِيةَ، قال: الفَتِيلُ: الذي في بَطْنِ النَّوَاةِ (١). قال أبو جعفرٍ: وأصلُ الفَتِيلِ: المفتولُ، صُرِف عن (٢) "مفعول" إلى "فعيل"، كما قيل: صَريعٌ ودَهِينٌ. مِن مَصْروعٍ ومَدْهونٍ. وإذ كان ذلك كذلك، فكان اللهُ جلَّ ثناؤُه إنما قصَد بقولِه: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾. الخبرَ عن أنه لا يظلِمُ عبادَه أقلَّ الأشياءِ التي لا خَطَرَ لها، فكيف بما له خَطَرٌ، [وكان] (٣) الوَسَخُ الذي يخرجُ مِن بين إصْبَعَى الرجل، أو مِن بين كَفَّيْهِ إِذا فَتَل إحداهما على الأخرى، كالذى هو في شَقِّ النواةِ وبَطْنِها، وما أشْبَه ذلك مِن الأشياءِ التي هي مَفْتولةٌ، مما لا خطرَ له ولا قيمةَ، فواجبٌ أن يكونَ كلُّ ذلك داخلًا في معنى الفَتيلِ، إلا أن (٤) يُخرج شيئًا مِن ذلك ما يجبُ التسليمُ له مما دلَّ عليه ظاهرُ التنزيلِ. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾. قال أبو جعفرٍ، ﵀: يعنى بذلك عز ذكرُه: انظُرْ يا محمدُ كيف يَفْتَرى هؤلاء الذين يُزَكُّون أنفسَهم مِن أهلِ الكتابِ، القائلون: نحن أبناء اللهِ وأحباؤُه، وإنه لن يَدخُلَ الجنةَ إلا مِن كان هودًا أو نصارى، الزاعِمون أنه لا ذنوبَ لهم، الكَذِبَ والزُّورَ مِن القولِ، فيَختَلِقونه على اللَّهِ، ﴿وَكَفَى بِهِ﴾. يقولُ: وحَسْبُهم بقِيلهم ذلك الكذبَ والزورَ على اللهِ جلَّ ﴿إِثْمًا﴾، لهم (٥)

стр. 4699

﴿مُبِينًا﴾. يعنى أنه يُبَيِّنُ كذبَهم السامعيه، ويُوضِّحُ لهم أنهم أَفَكَةٌ فَجَرَةٌ. كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾. قال: هم اليهودُ والنصارى، ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾. [بقيلهم ذلك] (١). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ألم تَرَ بقلبِك يا محمدُ إلى الذين أُعْطوا ﴿نَصِيبًا﴾ (٢): حَظًّا مِن كتاب اللَّهِ، فَعَلِموه، ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ يعنى يُصَدِّقون بالجِبْتِ والطاغوتِ، ويَكْفُرون باللَّهِ، وهم يَعْلَمون أن الإيمانَ بهما، باللهِ (٢) كُفْرٌ، والتصديقَ بهما شِرْكٌ. ثم اختَلف أهلُ التأويلِ في معنى الجِبْتِ والطاغوتِ؛ فقال بعضُهم: هما صَنَمان كان المشركون يعبُدُونهما مِن دونِ اللهِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، قال: أخبرَنا أيوب، عن عِكْرمةَ أنه قال: الجِبْتُ والطاغوتُ صَنَمان (٣). وقال آخرون: الجِبْتُ الأصنام، والطاغوتُ تَراجِمةُ الأصنام.

стр. 4700

ذكر مِن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾: الجبْتُ الأصنامُ، والطاغوتُ الذين يكونون بينَ يدَى (١) الأصنام، يُعبِّرون عنها الكذبَ؛ ليُضِلُّوا الناسَ، وزَعَم رجالٌ أن الجبْتَ الكاهِنُ، والطاغوتَ رجلٌ مِن اليهودِ يُدْعَى كعب بن الأشرف، كان سَيِّدَ اليهودِ (٢). وقال آخرون: الجِبْتُ: السِّحْرُ، والطاغوتُ الشيطانُ. ذكر مِن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ أبي عَدِيٍّ، عن شُعْبَةَ، عن أبي إسحاقَ، عن [حَسَّانَ بن فائدٍ] (٣)، قال: قال عمرُ: الجِبْتُ: السحرُ، والطاغوتُ الشيطانُ (٤). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سُفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن حَسَّانَ بن فائدٍ العَبْسيِّ، عن عمرَ مثلَه (٥).

стр. 4701

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرَنا عبدُ الملكِ، عمَّن حدَّثه، عن مجاهدٍ، قال: الجِبْتُ السحرُ، والطاغوتُ الشيطانُ (١). حدَّثني يعقوبُ، قال: حدَّثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرَنا زكريا، عن الشعبيِّ، قال: الجِبْتُ السحرُ، والطاغوتُ الشيطانُ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾. قال: الجبْتُ السحرُ، والطاغوتُ (٣) الشيطانُ في صورةِ إنسانٍ يَتَحاكمون إليه، وهو صاحبُ أمرهم (٤). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن عبدُ الملكِ، عن قيسٍ، عن مجاهدٍ، قال: الجبْتُ السحرُ، والطاغوتُ الشيطانُ و (٥) الكاهنُ. وقال آخرون: الجِبْتُ الساحرُ، والطاغوتُ الشيطانُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: أخبرَنا ابن زيدٍ، قال: كان أبي يقولُ: الجِبْتُ الساحرُ، والطاغوتُ الشيطانُ.

стр. 4702

وقال آخرون: الجِبْتُ الساحرُ، والطاغوتُ الكاهنُ. ذكر مِن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بِشْرٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ في هذه الآيةِ: ﴿بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾. قال: الجِبْتُ الساحرُ بلسانِ الحبشة، والطاغوتُ الكاهنُ (١). حدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ (٢)، قال: ثنا داودُ، عن رُفَيعٍ، قال: الجِبْتُ الساحرُ، والطاغوتُ الكاهنُ (٣). حدَّثنا ابن المثنى، قال: حدَّثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن أبي العاليةِ أنه قال: الطاغوتُ الساحرُ، والجبْتُ الكاهنُ (٤) حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: حدَّثنا هُشَيمٌ، عن داودَ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾. قال: أحدُهما السحْرُ، والآخَرُ الشيطانُ (٥). وقال آخرون: الجِبْتُ الشيطانُ، والطاغوتُ الكاهنُ.

стр. 4703

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ (١): كُنَّا نُحدَّثُ أن الجبْتَ شيطانٌ، والطاغوتُ الكاهنُ. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ مثلَه (٢). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيّ، قال: الجبْتُ الشيطانُ، والطاغوتُ الكاهنُ (٣). [حدَّثني محمدُ بنُ عوفٍ، قال: حدَّثنا أبو اليمان، قال: حدَّثنا صفوانُ بنُ عمرٍو، عن رِشْدِينَ بن سعدٍ، عن عِكْرمةَ، عن أبي بردةَ، أنه كان كاهنًا في الجاهلية، فتنافَر (٤) إليه ناسٌ ممن أسلم، فأنزل اللهُ : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ إلى آخرِ الآية] (٥) (٦).

стр. 4704

وقال آخرون: الجِبْتُ الكاهنُ، والطاغوتُ الشيطانُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سُفيانَ، عن رجلٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، قال: الجبْتُ الكاهنُ، والطاغوتُ الشيطانُ (١). [وقال آخرون: الجبتُ الكاهنُ، والطاغوتُ الساحرُ. ذكرُ مَن قال ذلك] (٢) حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا حَمَّادُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا عوفٌ، عن محمدٍ، قال في الجبْتِ والطاغوتِ. قال: الجبْتُ الكاهنُ، والآخَرُ الساحرُ (٣). [حدَّثني ابن البرقيِّ، قال: حدَّثنا عمرو بنُ أبي سلمةَ، عن سعيدِ بن عبدِ العزيزِ عن الجبتِ، قال: قال مكحولٌ: الكاهن] (٤). وقال آخرون: الجِبْتُ حُيَيُّ بنُ أَخْطَبَ، والطاغوتُ كعبُ بن الأشرفِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾. الطاغوتُ كعبُ بن الأشرف،

стр. 4705

والجبْتُ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيرٍ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ، قال: الجِبْتُ حُيَيُّ بنُ أَخْطَبَ، والطاغوتُ كعبُ بنُ الأشرف (٢). حدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخبرنا يزيدُ، قال: أخبرنا جُوَيبرٌ، عن الضحاكِ في قوله: ﴿بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾. قال: الجِبْتُ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، والطاغوتُ كعبُ بنُ الأشرفِ. وقال آخرون: الجِبْتُ كعبُ بن الأشرفِ، والطاغوتُ الشيطانُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: الجِبْتُ كعبُ بنُ الأشرفِ، والطاغوتُ الشيطانُ كان في صورة إنسانٍ (٣). والصوابُ من القول في تأويل قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾. أن يقالَ: يُصَدِّقون بمعبودَين مِن دونِ اللهِ، فَيَعبُدُونهما من دون الله، ويَتَّخذونهما إلهين؛ وذلك أن الجبت والطاغوت اسمان لكلِّ مُعَظَّمٍ بعبادةٍ مِن دونِ اللَّهِ أو طاعةٍ أو خضوعٍ له، كائنًا [ما كان ذلك] (٤) المُعَظَّمُ؛ مِن حَجَرٍ أو إنسانٍ أو شيطانٍ.

стр. 4706

وإذ كان ذلك كذلك، وكانت الأصنامُ التي كانت (١) الجاهليةُ تَعْبُدُها، كانت مُعَظَّمةً بالعبادةِ مِن دونِ اللهِ، فقد كانت جُبُوتًا وطواغيت. وكذلك الشياطينُ التي كانت الكفارُ تُطِيعُها في معصيةِ الله، وكذلك الساحرُ والكاهنُ اللذان كان مقبولًا منهما ما قالا في أهل الشرك بالله. وكذلك حُيَيُّ بنُ أَخطبَ وكعبُ بن الأشرف؛ لأنهما كانا مُطاعَين في أهلِ مِلَّتِهما من اليهود في معصية الله والكفر به وبرسوله، فكانا جبتيَن طاغوتين (٢). وقد بيَّنتُ الأصلَ الذي منه قيل للطاغوت: طاغوتٌ. بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع (٣). القولُ في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بذلك جل ثناؤُه: ويقولون للذين جحَدوا وحدانية الله ورسالة رسولِه محمدٍ ﷺ : ﴿هَؤُلَاءِ﴾ يعنى بذلك: هؤلاء (٤) الذين وصفهم الله بالكفر، ﴿أَهْدَى﴾. يعنى: أقوم وأعدلَ، ﴿مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [يعنى: من الذين] (٥) صَدَّقوا الله ورسوله، وأقرُّوا بما جاءهم به نبيُّهم محمدٌ ﷺ ، ﴿سَبِيلًا﴾. يعنى: طريقًا. وإنما ذلك مَثَلٌ، ومعنى الكلامِ أن الله جل ثناؤُه وَصَف الذين أُوتوا نصيبًا مِن

стр. 4707

الكتابِ من اليهود، بتَعظيمهم غير الله بالعبادة والإذعان له بالطاعة، في الكفر بالله ورسوله ومعصيتهما، وأنهم قالوا: إن أهلَ الكفر باللهِ أولى بالحقِّ من أَهلِ الإيمان به، وإن دينَ أهل التكذيب لله جلَّ ثناؤُه ولرسوله ﵇، أعدلُ وأصوبُ من دينِ أهل التصديق لله ولرسوله. وذُكر أن ذلك من صفة كعبِ بن الأشرفِ وأنه قائلُ ذلك. ذكرُ الآثار الواردة بما قلنا حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا ابن أبى عَدِيٍّ، عن داودَ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا قدِم كعبُ بن الأشرفِ مكةَ، قالت له قريشٌ: أنت خيرُ (١) أهلِ المدينة وسيدُهم؟ قال: نعم. قالوا: ألَا تَرَى إلى هذا الصُّنبورِ (٢) المُنبتِرِ مِن قومه، يَزْعُمُ أنه خيرٌ منَّا، ونحن أهلُ الحَجيج وأهلُ السَّدَانة (٣) وأهلُ السِّقاية؟ قال: أنتم خيرٌ منه. قال: فأنزِلَت: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣]. وأُنزِلَت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾. إلى قوله: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ (٤).

стр. 4708

حدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن عِكرمةَ في هذه الآية: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾. ثم ذكَر نحوه (١). حدَّثني إسحاق بنُ شاهينٍ، قال: حدَّثنا خالدٌ الواسطيُّ، عن داود، عن عكرمة، قال: قَدِم كعبُ بن الأشرفِ مكةَ، فقال له المشركون: احكُم بينَنا وبيَن هذا الصُّنبور الأبتر، فأنتَ سيدُنا وسيدُ قومِك. فقال كعبٌ: أنتم والله خيرٌ منه. فأنزل الله ﵎: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾. إلى آخر الآية. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، قال: أخبرني أيوبُ، عن عكرمةَ، أن كعبَ بن الأشرف انطلَق إلى المشركين من كفارِ قريشٍ، فاستَجاشَهم (٢) على النبيِّ ﷺ ، [وأمرهم] (٣) أن يَغْزوه، وقال: إنا معكم نُقاتله. فقالوا: إنكم أهلُ كتابٍ، وهو صاحبُ كتابٍ، ولا نأمَنٌ أن يكونَ هذا مَكْرًا منكم، فإن أردت أن تخرُجَ معك، فاسجُد لهذين الصَّنمَين، وآمن بهما. ففَعَل، ثم قالوا: نحن أهدى أم محمدٌ، فنحن نَنْحَرُ الكَوْماء (٤)، ونَسْقى اللبن علي الماءِ، ونَصِلُ الرَّحِمَ، ونَقْرِى الضَّيْفَ، ونطوفُ بهذا البيت، ومحمدٌ قَطَع رَحِمَه،

стр. 4709

وخَرَج من بلده؟ قال: بل أنتم خيرٌ وأهدَى. فنزلت فيه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ (١). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: لمَّا كان من أمرِ رسول الله ﷺ واليهود من (٢) النَّضير ما كان، حين أتاهم يستعِينُهم (٣) في دية العامِريَّين، فهَمُّوا به وبأصحابه، فأطَلع الله رسوله على ما هَمُّوا به من ذلك، ورجع رسولُ الله ﷺ إلى المدينة، هرب (٤) كعبُ بنُ الأشرف حتى (٥) أتَى مكةَ، فعاهَدهم (٦) على محمدٍ ﷺ ، فقال له أبو سُفيانَ: يا أبا سعيدٍ (٧)، إنكم قومٌ تَقْرءُون الكتاب، وتَعْلَمون، ونحن قومٌ لا نَعلَمُ، فأخبرنا؛ دينُنا خيرٌ أم دينُ محمدٍ؟ قال كعبٌ: اعرِضُوا عليَّ دينكم. فقال أبو سُفيانَ: نحن قومٌ نَنحَرُ الكَوْماءَ، ونسقى الحَجيج الماءَ، ونَقْرِى الضيفَ، ونَعْمُرُ بيت ربِّنا، ونعبدُ آلهتنا التي كان يَعبُدُ آباؤنا، ومحمدٌ يأمُرُنا أن نَترُكَ هذا ونَتَّبِعُه. قال: دينُكم خيرٌ من دينِ محمدٍ، فاثبُتُوا عليه، ألا ترون أن محمدًا يزعم أنه بُعث بالتَّواضع، وهو يَنكِحُ من النساء ما شاء، وما نَعلَمُ مُلْكًا أعظم مِن مُلْكِ النساءِ. فذلك حين يقول جلَّ ثناؤه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ

стр. 4710

أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: نزلت في كعبِ بن الأشرف وكفار قريشٍ، أنه (٢) قال: كفارُ قريشٍ أهدى من محمدٍ، قال ابن جُريجٍ: قِدم كعبُ بنُ الأشرف، فجاءته قريشٌ فسألته عن محمدٍ، فصغَّر أمره ويسَّره، وأخبرهم أنه ضالٌّ. قال: ثم قالوا له: نَنشُدُك الله، أنحن أهْدَى أم هو؟ فإنك قد علمت أنّا نَنحَرُ الكُومَ، ونَسقى الحجيج، ونَعْمُرُ البيتَ، ونُطعِمُ ما هَبَّت الريحُ. قال: أنتم أهْدَى (٣). [حدَّثنا ابن بشَّار، قال: حدَّثنا ابن أبى عَدِيٍّ، قال: أنبأنا داودُ بن أبى هندٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا قدِم كعبِّ بن الأشرف بمكة أتوه فقالوا له: نحن أهلُ السَّقاية والسدانة، وأنت سيِّدُ أهل المدينة، فنحن خيرٌ أم هذا الصُّنبورُ المبتَّرُ من قومه، يَزْعُمُ أنه خيرٌ منا؟ قال: بل أنتم خيرٌ منه. قال: فنزلت: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ ونزلت عليه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ إلى قوله: ﴿نَصِيرًا﴾] (٤). وقال آخرون: بل هذه الصفةُ صفةُ جماعةٍ من اليهود؛ منهم (٥) حيَيُّ بنُ

стр. 4711

أخطبَ، وهم الذين قالوا للمشركين ما أخبر الله جل ثناؤه عنهم أنهم قالوا لهم. ذكرُ الأخبار بذلك عمَّن قاله حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ (١) قال: حدَّثني محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن عِكرمةَ، أو عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان الذين حَزَّبوا الأحزابَ من قريشٍ وغَطَفانَ وبنى قُرَيظةَ، حُيَيُّ بْنُ أَخطبَ، وَسَلَّامُ بنُ أَبى الحُقَيقِ [أبو رافعٍ] (٢)، والربيعُ [بنُ الربيعِ] (٣) بن أبى الحُقَيقِ، وأبو عمَّارٍ (٤)، ووَحْوَحُ بنُ عامرٍ، وهَوْذَةُ بنُ قَيسٍ؛ فأما وَحْوَحٌ، وأبو عمَّارٍ (٤)، وهَوْذَةُ؛ فمِن بني وائلٍ، وكان سائرُهم مِن بنى النَّضِيرٍ، فلما قَدِموا على قريشٍ، قالوا: هؤلاء أحبارُ يهودَ، وأهلُ العلم بالكُتُبِ الأُولِ، فسَلوهم: أدينُكم خيرٌ أم دينُ محمدٍ؟ فسألوهم، فقالوا: بل دينُكم خيرٌ مِن دينِه، وأنتم أهدَى منه وممن اتَّبعه. فأنزَلَ اللَّهُ فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾. إلى قولِه: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ (٥). حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ الآية. قال: ذُكرِ لنا أن هذه الآية أُنزِلَت في كعبِ بن الأشرفِ، وحُيَيِّ بن أخطبَ، [ورجُلَيْن] (٦) مِن

стр. 4712

اليهودِ من بني النضيرِ، لَقِيا قريشًا بموْسمٍ، فقال لهم المشركون: أنحن أهدَى أم محمدٌ وأصحابُه، فإنّا أهلُ السِّدَانِةِ والسِّقايةِ وأهلُ الحَرَمِ؟ فقالا: لا، بل أنتم (١) أهدَى مِن محمدٍ وأصحابِه. وهما يَعْلَمان أنهما كاذبان، إنما حَمَلهما على ذلك حَسَدٌ محمدٍ ﷺ وأصحابِه (٢). وقال آخرون: بل هذه صفةُ حُيَيِّ بن أخطبَ وحدَه، وإيّاه عَنَى بقولِه: ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: جاء حُيَيُّ بنُ أخطبَ إلى المشركين، فقالوا: يا حُيَيُّ، إنكم أصحابُ كُتبٍ، فنحن خيرٌ أم محمدٌ وأصحابُه؟ فقال: نحن وأنتم خيرٌ منهم. فذلك قولُه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ إلى قولِه: ﴿وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾. وأَولى الأقوالِ في ذلك بالصحةِ، قولُ مَن قال: إن ذلك خبرٌ مِن الله جلّ ثناؤه عن جماعةٍ مِن أهلِ الكتابِ من اليهودِ. وجائزٌ أن تكونَ (٣) الجماعةَ الذين سَمَّاهم ابن عباسٍ في الخبرِ الذي رَواه محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن عِكْرمةَ، أو عن سعيدِ بن جبيرٍ، [وجائزٌ أن يكونَ كان] (٤) حُيَيًّا وآخَرَ معَه، إما كَعْبًا وإما غيرَه.

стр. 4713

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿أُولَئِكَ﴾: هؤلاء الذين وَصَف صفتَهم أنهم أُوتُوا نَصيبًا مِن الكتابِ وهم يؤمنون بالجبْتِ والطاغوتِ، هم ﴿الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾. يقولُ: أخزاهم الله فأبَعدهم مِن رحمتِه بإيمانِهم بالجِبْتِ والطاغوتِ، وكُفْرِهم بالله ورسولِه، عنادًا منهم لله ولرسولِه، وبقولهِم للذين كفَروا: ﴿هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ - ﴿وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ﴾. يقولُ: ومَن يُخْزِه الله فيُبْعِدْه من رحمتِه، ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾. يقولُ: فلن تَجِدَ له يا محمدُ ناصرًا ينصُرُه من عقوبةِ الله ولعنتِه التي تَحِلُّ به، فيَدْفَعَ ذلك عنه. كما حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قال كعبُ بن الأشرفِ وحُيَيُّ بنُ أَخطبَ ما قالا، يعنى (١) قولهما: ﴿هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾، وهما يَعْلَمان أنهما كاذبان، فأنزَل الله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣)﴾. يعني جلّ ثناؤه بقولِه: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ﴾: أم لهم حظٌّ مِن المُلْكِ. يقولُ: ليس لهم حَظٌّ مِن المُلْكِ. كما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ﴾. يقولُ: لو كان لهم نصيبٌ مِن

стр. 4714

المُلْكِ، إذن لم يُؤتوا محمدًا نَقِيرًا (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، قال: قال ابن جُرَيجٍ: قال الله: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ﴾. قال: فليس لهم، [فلو كان لهم] (٢) نصيبٌ مِن المُلْكِ [لم يؤتوا الناسَ نقيرًا. يقولُ] (٣): ولو كان لهم نصيبٌ وحَظٌّ مِن المُلْكِ، لم يكونوا إذن يُعْطُون (٤) الناسَ نَقيرًا مِن بُخْلِهم (٥). واختَلف أهلُ التأويلِ فى معنى "النَّقِير"، فقال بعضُهم: هو النقطةُ التي في ظَهْرِ النواةِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنى عبدُ الله، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿نَقِيرًا﴾. يقولُ: النقطةُ التي في ظَهْرِ النواةِ (٦). حدَّثني سليمانُ بنُ (٧) عبدِ الجبارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصَّلْتِ، قال: ثنا أبو كُدَينةَ، عن قابوسٍ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: النقيرُ الذي في ظَهْرِ النواةِ (٨). حدَّثني جعفرُ بنُ محمدٍ الكوفيُّ الدُّوريُّ (٩)، قال: ثنا عُبَيدُ اللهِ، عن إسرائيلَ،

стр. 4715

عن خُصيفٍ، عن عِكْرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: النَّقِيرُ وَسَطُ النواةِ (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾. قال النَّقِيرُ نَقِيرُ النواةِ، وَسَطُها. [حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبد الرزاقِ، قال: أخْبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿نَقِيرًا﴾. قال: النقيرُ الذي في وَسَطِ النواةِ من ظهرِها] (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾. يقولُ: لو كان لهم نَصيبٌ مِن المُلْكِ، إذن لم يُؤتوا محمدًا نَفِيرًا، والنَّقِيرُ النُّكْتةُ التي في وَسَطِ النواةِ (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: ثنى طلحةُ بنُ عمرٍو، أنه سَمِع عطاءَ بنَ أبى رباحٍ، يقولُ: النقيرُ الذي في ظَهْرِ النواةِ (٤). [حدَّثني يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: النقيرُ: الذي في ظهرِ النواةِ] (٥). حدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخْبرَنا يزيدُ، قال: أخْبرَنا جُوَيبرٌ، عن

стр. 4716

الضحاكِ، قال: النَّقِيرُ النُّقَيْرَةُ (١) التي تكونُ في ظهْرِ النواةِ (٢). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: حدَّثنا حُصَينٌ، عن أبي مالكٍ، قال: النقيرُ الذي في ظَهْرِ النواةِ (٣). وقال آخرون: بل (٤) النَّقِيرُ الحَبَّةُ التي تكونُ في وَسَطِ النواةِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿نَقِيرًا﴾. قال: النَّقِيرُ حبةُ النواةِ التي في وَسَطِها (٥). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾. قال: النقيرُ حبةُ النواةِ التي في وَسَطِها. حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا سفيانُ بنُ سعيدٍ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: النَّقِيرُ في النَّواة (٦). حدَّثنا القاسمُ، قال ثنا الحسينُ، قال: ثنا حَجَّاجٌ، قال: قال ابن جُرَيجٍ: أخبَرنى عبدُ الله بنُ كثيرٍ، أنه سَمِع مجاهدًا يقولُ: النَّقِيرُ نَقِيرُ النواةِ التي (٧) في بطنها (٤) وَسَطَها.

стр. 4717

حُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخْبرَنا عُبَيدُ بنُ سليمانَ، قال: سَمِعتُ الضحاكَ بنَ مُزاحِمٍ يقولُ: النَّقِيرُ نَقِيرُ النواةِ الأبيضُ (١) الذي يكونُ في وسطِ النواةِ. وقال آخرون: معنى ذلك: نَقْرُ الرجلِ الشيءَ بطَرَفِ إبهامِه (٢). ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن [يزيدَ بن] (٣) دِرهمٍ أبى العلاءِ، قال: سمِعتُ أبا العالية، [عن ابن عباسٍ: النقيرُ نقرُ الرجلِ إِصْبَعَيْه كما يَنْقُرُ الدرهمَ. قال أبو العاليةِ] (٤): ووَضَع ابن عباسٍ طَرَفَ الإبهامِ على باطنِ (٥) السَّبَّابةِ، ثم رفَعَهما وقال: هذا النَّقِيرُ (٦). وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن الله جل ثناؤُه وَصَف هؤلاء الفِرْقةَ مِن أهلِ الكتابِ بالبُخْلِ باليسيرِ مِن الشيءِ الذي لا خطَرَ له، ولو كانوا مُلُوكًا وأهلَ قُدْرةٍ على الأشياءِ الجليلةِ الأقدارِ، فإذ كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى بمعنى النَّقِيرِ أن يكونَ أصغرَ ما يكونُ مِن النُّقَر. وإذا كان ذلك أولى به، فالنُّقْرَةُ التي هي (٦) في ظَهْرِ النواةِ مِن صِغارِ النُّقَرِ، وقد يَدخُلُ في ذلك كلُّ ما شاكَلها مِن النُّقَرِ.

стр. 4718

ورُفِع قولُه: ﴿يُؤْتُونَ النَّاسَ﴾. ولم يُنصَبْ بـ "إذن"، ومِن حُكْمِها أن تَنصِبَ الأفعالَ المُستقبَلةَ إذا ابتُدئَ بها الكلامُ؛ لأن معها فاءً، ومِن حُكْمِها إذا دخَل فيها بعضُ حروفِ العطفِ أن تُوَجَّهَ إلى الابتداءِ بها مَرَّةً، وإلى النَّقْلِ عنها إلى غيرِها أخرى، وهذا المَوضِعُ مما أُرِيدَ بالفاءِ فيه النقلُ عن "إذن" إلى ما بعدَها، وأن يكونَ معنى الكلامِ: أم لهم نصيبٌ [من المُلْكِ] (١) فلا يُؤتون الناسَ نَقِيرًا إذن. القولُ في تأويلِ قولهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. [قال أبو جعفرٍ، ﵀: يقولُ جلّ ثناؤُه] (٢): أم يًحسُدُ هؤلاء الذين أُوتوا نَصيبًا مِن الكتابِ من اليهودِ. كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾. قال: يهودُ (٣). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ مثلَه (٤). وأمَّا قولُه: ﴿النَّاسَ﴾. فإن أهلَ التأويلِ اختَلَفوا في من عَنَى اللَّهُ جل ثناؤه

стр. 4719

به؛ فقال بعضُهم: عَنَى الله بذلك محمدًا ﷺ خاصةً. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرو [بنُ عونٍ] (١)، قال: أخْبرَنا هُشَيمٌ، عن خالدٍ، عن عِكْرمةَ في قولِه: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. قال: الناسُ في هذا الموضعِ النبيُّ ﷺ خاصةً (٢). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنى أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾: يعني محمدًا ﷺ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ مثلَه (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. قال: الناسُ محمدٌ ﷺ (٤) حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخْبرَنا عُبَيدٌ، قال: سمِعتُ الضَّحَّاكَ يقولُ. فذكَر نحوَه (٣). وقال آخرون: بل عَنَى الله جلَّ ثناؤُه به العربَ.

стр. 4720

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾: أولئك اليهودُ، حَسَدوا هذا الحيَّ من العربِ على ما آتاهم الله مِن فضلِه (١). وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن الله جلَّ ثناؤُه عاتَب اليهودَ الذين وَصَف صِفَتَهم في هذه الآياتِ، فقال لهم [مُوَبِّخًا لهم] (٢) - في قِيلِهم للمشركين مِن عَبَدةِ الأوثانِ: أنتم (٣) أهدَى مِن محمدٍ وأصحابِه سَبيلًا (٤). على علمٍ منهم بأنَّهم في قِيلِهم ما قالوا مِن ذلك كَذَبَةٌ -: أيَحسُدُون (٥) محمدًا وأصحابَه على ما آتاهم الله مِن فضلِه. وإنما قلنا: ذلك أولى بالصوابِ؛ لأن ما قبلَ قولِه: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. مضَى بذمِّ القائِلين من اليهودِ للذين كفَروا: ﴿هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾. فإلحاقُ قولِه: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. بذَمِّهم (٦) على ذلك، وتَقْريظِ (٧) الذين آمَنوا الذين (٨) قيل فيهم ما قيل - أشبَهُ وأَولى، ما لم تأتِ دَلالةٌ على انصرافِ معناه عن معنى ذلك.

стр. 4721

واختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ الفَضْلِ الذي أخبرَ اللَّهُ أَنه آتَى الذين ذكَرهم في قولِه: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾؛ فقال بعضُهم: ذلك الفضلُ هو النُّبُوَّةُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾: حَسَدوا هذا الحيَّ مِن العربِ على ما آتاهم الله [مِن فضلِه] (١)؛ بَعَث الله منهم نَبِيًّا، فحَسَدوهم على ذلك (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، قال: قال ابن جُرَيجٍ: ﴿عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. قال: النُّبُوَّةُ (٣). وقال آخرون: بل ذلك الفَضْلُ الذي ذَكَر الله أنه آتَاهُمُوه، هو إباحتُه ما أباحَ لنَبِيِّه محمدٍ ﷺ مِن النساءِ؛ أن (٤) يَنكِحَ منهنّ ما شاء بغيرِ عَدَدٍ. قالوا: وإنما يعنى بالناسِ محمدًا ﷺ . على ما ذَكَرتُ قبلُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآيةَ: وذلك أن أهلَ الكتابِ قالوا: زَعَم محمدٌ أنه أُوتى ما أُوتى في تَواضُعٍ، وله

стр. 4722

تِسْعُ نسوةٍ، ليس هَمَّه إلا النكاحَ، فأيُّ مُلكِ أفضلُ مِن هذا؟ فقال الله جل ثناؤه: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (١). [حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾] (٢) قال: يعني محمدًا ﷺ أن يَنكِحَ ما شاء مِن النساءِ (٣). حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ [أبا مُعاذٍ يقولُ: أخْبرَنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ] (٤) الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾: وذلك أن اليهودَ قالوا: ما شأنُ محمدٍ أُعْطِى النبوةَ كما يَزِعُمُ، وهو جائعٌ عارٍ، وليس له هَمٌ إلا نكاحَ النساءِ؟ فحسَدوه على تزويجِ الأزواجِ، وأحلَّ الله لمحمدٍ ﷺ أن يَنكِحَ منهن ما شاء أن يَنكِحَ (٥). وأولى التأويلَين في ذلك بالصوابِ قولُ قتادةَ وابنِ جُرَيجٍ الذي ذكَرناه قبلُ، أن معنى الفَضْلِ في هذا الموضعِ، النُّبُوةُ التي فَضَّل الله بها محمدًا ﷺ ، وشَرَّف بها العربَ، إذ آتاها رجلًا منهم (٦) دونَ غيرِهم؛ لِما ذكَرنا قبلُ مِن أن دَلالةَ ظاهرِ هذه الآيةِ تَدُلُّ على أنها تَقْرِيظٌ (٧) للنبيِّ ﷺ وأصحابِه؛ على ما قد بَيَّنَّا قبلُ، وليس النكاحُ وتَزْويجُ النساءِ - وإن كان مِن فَضْلِ اللهِ جلّ ثناؤه الذي آتاه عبادَه -

стр. 4723

بتقْريظٍ (١) لهم ومدحٍ. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بذلك جل ثناؤُه: أم يَحسُدُ (٢) هؤلاء اليهودُ، الذين وَصَف صفتَهم في هذه الآياتِ، الناسَ (٣) على ما آتاهم الله مِن فضلِه، مِن أجلِ أنهم ليسوا منهم؟ فكيف لا يحسُدُون آلَ إبراهيم، فقد آتيَناهم الكتابَ (٤). ويعنى بقولِه: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ﴾: فقد أعطَينا آلَ إبراهيمَ. يعنى أهلَه وتُبَّاعَه (٥) على دينِه ﴿الْكِتَابَ﴾. يعني: كتابَ الله الذي أوحاه إليهم، وذلك كصُحُفِ إبراهيمَ وموسى والزبورِ، وسائرِ ما آتاهم من الكُتُبِ. وأما الحكمةُ: فما أُوحِي إليهم مما لم يكنْ كتابًا مَقْروءًا. ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾. [واختَلف] (٦) أهلُ التأويلِ في معنى المُلْكِ العظيمِ الذي عنى الله في هذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: هو النُّبُوةُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا [محمدُ بنُ عمرٍو] (٧)، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ الله جل ثناؤُه: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾. قال: هم يهودُ، ﴿عَلَى

стр. 4724

مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾. وليسوا منهم، ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾. قال: النبوةُ (١). وقال آخرون: بل ذلك تحليلُ النساءِ. قالوا: وإنما عَنَى الله جل ثناؤُه بذلك: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ محمدًا، على ما أحلَّ الله له مِن النساءِ، فقد أحلَّ اللَّهُ مثلَ الذي أحَلَّه له (٢) منهن، لداودَ وسليمانَ وغيرِهما (٣) من الأنبياءِ، فكيف لم يَحسُدُوهم على ذلك وحَسَدوا محمدًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ﴾: سليمانَ وداودَ، ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾. يعنى: النُّبُوةَ، ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾. في النساءِ، فما بالُه حَلَّ لأولئك وهم أنبياءُ، أن يَنكِحَ داودُ تِسْعًا وتسعين امرأةً، ويَنكِحَ سليمانُ مائةً، ولا يَحِلُّ لمحمدٍ أن يَنكِحَ كما نَكَحوا (٤)؟ وقال آخرون: بل معنى قولِه: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾: الذي أُوتِى (٥) سليمانُ بنُ داودَ.

стр. 4725

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾: يعنى ملكَ سليمانَ (١). وقال آخرون: بل كانوا أُيِّدوا بالملائكةِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ الغفاريُّ، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن همامٍ بنِ الحارثِ: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾. قال: أُيِّدوا بالملائكةِ والجنودِ (٢). [حدَّثني أحمدُ بنُ عثمانَ بن حَكِيمٍ الْأَوْدِيُّ، قال: ثنا شُرَيْحُ بنُ مَسْلَمةَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ يوسفَ بن أبى إسحاقَ، عن أبيه، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ الرحمن بن يزيدَ، عن أبي مسلمٍ في قولِه: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾. قال: أُيِّدوا بالملائكةِ] (٣) (٤). وأولى هذه الأقوالِ بتأويلِ (٥) قولِه: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾. القولُ الذي

стр. 4726

رُوِى عن ابن عباسٍ أنه قال: يَعْنى مُلْكَ سليمانَ؛ لأن ذلك هو المعروفُ في كلامِ العربِ، دونَ الذي قال [من قال] (١): إنه مُلْكُ النُّبَّوةِ. ودونَ قولِ مَن قال: إنه تحليلُ النساءِ والمِلْكُ عليهنَّ؛ لأن كلامَ الله جل ثناؤه الذي خُوطِبت به العربُ غيرُ جائزٍ توجيهُه إلا إلى المعروفِ المستعمَلِ فيهم مِن معانيه، إلا أن تَأْتِيَ دَلالَةٌ أَو تَقُومَ حُجَّةٌ على أن ذلك بخلافِ ذلك، يَجِبُ التسليمُ لها. القولُ في تأويلِ قولهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥)﴾. قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤه: فمِن الذين أُوتُوا الكتابَ من يهودِ بني إسرائيلَ الذين قال لهم جلَّ ثناؤُه: ﴿آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ - ﴿مَنْ آمَنَ بِهِ﴾. يَقُولُ: مَن صدَّق بما أنْزَلنا على محمدٍ ﷺ مصدِّقًا لما معهم، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾. يقولُ: ومنهم مَن أعرَض عن التصديقِ به. كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثني عيسى، وحدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾. قال: بما (٢) أُنْزِل على محمدٍ مِن يهودَ، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾ (٣).

стр. 4727

وفى هذه الآيةِ دَلالةٌ على أن الذين صَدُّوا عما أنزَل الله على محمدٍ ﷺ ، من يهودِ بني إسرائيلَ الذين كانوا حوالَىْ مُهاجرِ رسولِ الله ﷺ ، إنما رُفِع عنهم وعبدُ اللهُ الذي تَوَعَّدَهم به في قولِه: ﴿آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾. في الدنيا، وأُخِّرت عقوبتُهم إلى يومِ القيامةِ؛ لإيمانِ مَن آمَن منهم، [وأن الوعيدَ لهم مِن اللهِ بتعجيلِ] (١) العقوبةِ في الدنيا إنما كان على مُقامِ جميعِهم على الكفرِ بما أنزَل اللهُ على نبيِّه محمدٍ ﷺ ، فلما آمَن بعضُهم خرَجوا مِن الوعيدِ الذي توعَّده في عاجلِ الدنيا، وأخِّرت عقوبةُ المقيمين على التكذيبِ إلى الآخرةِ، فقال لهم: كفاكم بجهنمَ سعيرًا. ويَعْنى بقولِه: ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾: وحسبُكم أيُّها المكذِّبون بما أنْزَلْتُ على محمدٍ نبيِّى ورسولى ﴿بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾. يَعْنى: بنارٍ جَهَنَّمَ تُسْعَرُ عليكم. أي: تُوقَدُ عليكم. وقيل: ﴿سَعِيرًا﴾. وأصلُه "مَسْعُورا"، من: سُعِرتْ تُسْعَرُ فهي مَسْعُورةٌ، كما قال الله جلَّ ثناؤه: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ [التكوير: ١٢]. ولكنها صُرِفت إلى فَعيلٍ، كما قيل: كفٌّ خَضِيبٌ ولحيةٌ دَهِينٌ. بمعنى: مَخْضُبةٌ ومَدْهونةٌ. والسعيرُ الوَقودُ. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾.

стр. 4728

قال أبو جعفرٍ ﵀: وهذا وعيدٌ مِن اللهِ للذين أقاموا على تكذيبِهم بما أنزَل الله على محمدٍ مِن يهودِ بنى إسرائيلَ وغيرِهم مِن سائِر الكفّارِ [به و] (١) برسولِه. يقُولُ الله لهم: إن الذين جحَدوا ما أَنْزَلْتُ (٢) على رسولى محمدٍ ﷺ مِن آياتى. يَعْنى: مِن آياتِ تنزيلِه، ووَحْى كتابِه، وهى [دَلالتُه وحُجَّتُه] (٣) على صدقِ محمدٍ ﷺ ، فلم يُصَدِّقوا به مِن يهودِ بني إسرائيل وغيرِهم من سائرِ أهلِ الكفرِ به، ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا﴾. يقولُ: سوف تُنْضِجُهم في نارٍ يُصْلَون فيها، أي: يُشْوَوْن فيها، ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾. [يَقُولُ: كلَّما انْشَوَتُ بها جُلودُهم] (٤) فاحْتَرَقت، ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾. يَعْنى: غيرَ الجلودِ التي قد نضِجت فانْشَوَت. كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن الأعمشِ، عن ثُوَيرٍ (٥)، عن ابن عمرَ: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾. قال: إذا احْتَرَقَت جُلودُهم بَدَّلناهم جُلودًا بيضًا أمثالَ القراطيسِ (٦). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾. يَقُولُ: كُلَّما احْتَرَقت جُلودُهم بدَّلْناهم جلودًا غيرَها.

стр. 4729

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ قال: سمِعنا أنه مكتوبٌ في الكتابِ الأوّلِ أن (١) جلدَ أحدِهم أربعون ذراعًا، [وسِنَّه سبعون ذراعًا] (٢)، وبَطْنَه لو وُضِع فيه جبلٌ لوَسِعه (٣)، فإذا أكَلت النارُ جُلودَهم بُدِّلوا جُلودًا غيرَها (٤). حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخْبرَنا ابن المباركِ، قال: بَلَغني عن الحسنِ: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾، قال: تُنْضِجُهم (٥) في اليومِ سبعين ألفَ مرَّةٍ (٦). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو عُبَيدةَ الحدادُ، عن هشامِ بن حسانَ، عن الحسنِ قولَه: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾. قال: تُنْضِجُ النارُ كلَّ يومٍ سبعين ألفَ جلدٍ. قال (٧): وغلظُ جلدِ الكافرِ أربعون ذراعًا، فالله (٨) أعلمُ بأيِّ ذراعٍ (٩). [وإن سأَلنا] (١٠) سائلٌ فقال: وما معنى قوِله جلَّ ثناؤُه: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ

стр. 4730

بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾؟ وهل يَجُوزُ أن يُبَدَّلُوا جُلُودًا غيرَ جُلودِهم التي كانَت لهم في الدنيا فيعذَّبوا فيها؟ فإن جاز ذلك عندَك، فأجِزْ أَن يُبَدَّلُوا أجسامًا وأرواحًا غيرَ أجسامِهم وأرواحِهم التي كانت لهم في الدنيا فتُعذَّبَ، فإِن أَجَزْت ذلك لزِمك أن يكونَ المعذَّبون في الآخرةِ بالنارِ غيرَ الذين أوْعَدَهم الله العقابَ على كفرِهم به ومعصيتِهم إياه، وأن يَكُونَ الكفارُ قد ارتفَع عنهم العذابُ! قيل: إن الناسَ اختلَفوا في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: العذابُ إنما يَصِلُ إلى الإنسانِ الذي هو غيرُ (١) الجلدِ واللحم، وإنما يُحْرَقُ الجلدُ ليَصِلَ إلى الإنسانِ ألمُ العذابِ، فأما الجلدُ واللحمُ فلا يَأْلَمان. قالوا: فسواءٌ أُعِيدَ على الكافرِ جلدُه الذي كان له في الدنيا أو جلدٌ غيرُه، إذ كانَت الجلودُ غيرَ آلمةٍ ولا معذَّبةٍ، وإنما الآلِمةُ المعذَّبةُ النفسُ التي تُحِسُّ الألمَ، ويَصِلُ إليها الوجَعُ. قالوا: وإذ كان ذلك كذلك، فغيرُ مستحيلٍ أن يُخْلَقَ لكلِّ كافرٍ في النارِ في كلِّ لحظةٍ وساعةٍ مِن الجلودِ ما لا يُحْصَى عددُه، ويُحْرَقُ ذلك عليه (٢)، ليَصِلَ إلى نفِسه ألمُ العذابِ، إذ كانت الجلودُ لا تألمُ. وقال آخرون: بل الجلودُ تَأْلمُ، واللحمُ وسائرُ أجزاءِ جِرْمِ ابن (٣) آدمَ، وإذا أُحْرِق جلدُه أو غيرُه من أجزاءِ جسدِه، وصل ألمُ ذلك إلى جميعِه. قالوا: ومعنى قولِه: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾: بدَّلناهم جُلودًا غيرَ مُحْتَرِقةٍ، وذلك أنها تُعادُ جديدةً، والأُولى كانَت قد احتَرَقت فأُعِيدَت غيرَ محترقةٍ، فلذلك قيل ﴿غَيْرَهَا﴾؛ لأنها غيرُ الجلودِ التي كانَت لهم في الدنيا التي عصَوُا الله وهي لهم.
следующие страницы →