← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 4831–4870 · переход к 4836.

стр. 4831

خروجِه من تأويلِ أهلِ التأويلِ، [لا وجهَ له] (١). وكذلك لا وَجْهَ [لتَوجِيه ذلك] (٢) إلى الاستثناءِ مِن قولِه: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾؛ لأن علمَ ذلك إذا رُدَّ إلى الرسولِ وإلى أولى الأمرِ منهم، فَبَيَّنه رسولُ اللهِ ﷺ ، وأولو العلمِ (٣) منهم بعدَ وضوحِه لهم، استَوى في علمِ ذلك كلُّ مُسْتنبط حقيقته (٤)، فلا وَجْهَ لاستثناءِ بعضِ المُسْتَنبِطِين منهم، وخصوصِ بعضِهم لعلمِه (٥)، مع استواءِ جميعِهم في علمِه. وإذ كان لا قولَ في ذلك إلا ما قُلنا، فدَخَل (٦) هذه الأقوالَ الثلاثةَ ما بَيَّنَّا مِن الحَالِ (٧)، فبَيِّنٌ أن الصحيحَ مِن القولِ في ذلك هو الرابعُ (٨)، وهو القولُ الذي قَضَينا له بالصوابِ مِن أنّ (٩) الاستثناءَ من الإذاعةِ (١٠). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (٨٤)﴾. يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾:

стр. 4832

فَجَاهِدْ يا محمد أعداءَ اللهِ مِن أهلِ الشركِ به ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، يعني: في دينِه الذي شَرَعه لك، وهو الإسلامُ، وقاتِلْهم فيه بنفسِك. فأما قولُه: ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾، فإنه يعنى: لا يُكَلِّفُ اللهُ فيما فَرَض عليك مِن جهادِ عدوِّك وعدوِّه، إلا ما حمَّلك مِن ذلك دونَ ما حَمَّل غيرَك منه، أي إنك إنما تُتَّبع (١) بما اكتسبتَه دونَ ما اكتَسَبه غيرُك، وإنما عليك ما كُلِّفتَه دونَ ما كُلِّفه غيرُك. ثم قال له: ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، يعني: وحُضَّهم على قتالِ مَن أمرَتُك بقتالِهم معك، ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. يقولُ: لعل الله أن يَكُفَّ قتالَ مَن كفَر باللهِ وجَحَد وَحْدانيتَه وأنكَر رسالتَك، عنك وعنهم، ونِكايتَهم. وقد بَيَّنَّا فيما مضَى أنَّ "عسى" مِن اللهِ واجبةٌ بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٢). ﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾. يقولُ: واللهُ أَشَدُّ نِكايةً في عدوَّه مِن أهلِ الكفرِ به، به، منهم فيك يا محمدُ وفى أصحابك فلا تَنْكُلَنَّ عن قتالهم، فإنى راصِدُهم بالبأسِ والنِّكايةِ والتَّنْكيلِ والعقوبةِ، لأُوهِنَ كيدَهم، وأُضْعِفَ بأسَهم، وأُعْلِىَ الحقَّ عليهم. والتَّنْكِيلُ مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: نَكَّلتُ بفلانٍ، فأنا أُنكِّلُ به تَنْكِيلًا. إذا أوجَعْتَه عقوبةً.

стр. 4833

كما حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾: أي عُقوبةً (١). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾. يعنى بقوله جلّ ثناؤه: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾: مَن يَصِرْ يا محمد شَفْعًا لوِتْرِ أصحابِك، فيَشْفَعُهم في جهادِ عدوِّهم وقتالِهم في سبيلِ اللهِ، وهو الشَّفاعةُ الحسنةُ، ﴿يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾. يقولُ: يكنْ له مِن شفاعتِه تلك نَصِيبٌ، وهو الحَظُّ من ثوابٍ اللهِ، وجزيلِ كرامتِه: ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً﴾. يقولُ: ومَن يَشْفَعْ وِتْرَ أهلِ الكفرِ باللهِ على المؤمنين به، فيُقاتِلْهم معهم، وذلك هو الشفاعةُ السيئةُ، ﴿يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾. يعني بالكِفْلِ: النصيبَ والحظَّ من الوِزْرِ والإثمِ، وهو مأخوذٌ مِن كِفْلِ البعيرِ والمَرْكَبِ، وهو الكساءُ أو الشيءُ يُهَيَّأُ عليه، شَبيهًا بالسَّرْجِ على الدابةِ. يقالُ منه: جاءنا فلانٌ مُكْتَفِلًا. إذا جاءنا على مَرْكَبٍ قد وُطِّئَ له - على ما بَيَّنَّا - لركوبِه. وقد قيل: إنه عَنَى بقولِه: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾. الآية: شفاعةَ الناسِ بعضهم لبعض. وغيرُ مُسْتَنكَرٍ أن تكونَ الآيةُ نَزَلَت فيما ذكَرنا، ثم عُمَّ بذلك كلُّ شافعٍ (٢) بخيرٍ أو شرٍّ. وإنما اخترنا ما قُلنا مِن القول في ذلك؛ لأنه في سياق الآيةِ التي أمرَ اللهُ نبيَّه ﷺ ما فيها بحَضِّ المؤمنين على القتالِ، فكان ذلك بالوعدِ لمَن أجابَ رسولَ اللهِ ﷺ ،

стр. 4834

والوعيدِ لمَن أبَى إجابتَه، أشبهَ منه مِن الحَثِّ على شفاعةِ الناسِ بعضِهم لبعضٍ التي لم يَجْرِ لها ذكرٌ قبلُ، ولا لها ذكرٌ بعدُ. ذكرُ مَن قال ذلك في شفاعة الناس بعضهم لبعضٍ حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ جميعًا، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾، ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً﴾. قال: [شفاعةُ بعضِ الناسِ لبعضٍ] (١) (٢). حُدِّثتُ عن ابن مَهْدِيٍّ، عن حَمَّادِ بن سَلَمَةَ، عن حُمَيدٍ، عن الحسنِ، قال: مَن يَشْفَعُ شفاعةً حسنةً، كان له [فيها أجران] (٣) و [إن لم يُشَفَّعْ] (٤)؛ لأن الله يقولُ: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾، ولم يقُلْ: مَن يُشَفَّعْ (٥). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سُفيانَ، عن رجلٍ، عن الحسنِ، قال: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾. كُتب له أجرُها ما جَرَت مَنْفعتُها (٦). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: سألتُه - يعنى ابنَ

стр. 4835

زيد - عن قولِ اللهِ: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾، قال: الشفاعةُ الصالحةُ التي شُفع فيها وعُمِل بها، هي بينَك وبينَه، هما فيها شريكان. ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾. قال: هما شَرِيكان فيها كما كان هذان (١) شَريكَين. ذكرُ مَن قال: الكِفْلُ النصيبُ حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾، أي: حَظَّ مِنها ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾. والكِفْلُ هو الإثمُ (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾: أمَّا الكِفْلُ فالحَظُّ (٣). حدَّثني المُثَنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الله بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾. قال: حَظٌّ منها، فبِئْس الحظُّ (٤). حدَّثني يونسُ، قال: حدَّثنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: الكِفْلُ والنصيبُ واحدٌ. وقرَأ: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ (٥) [الحديد: ٢٨]. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥)﴾.

стр. 4836

اختلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: وكان اللهُ على كلِّ شيءٍ حفيظًا وشهيدًا. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾. يقولُ: حفيظًا (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مُقِيتًا﴾: شهيدًا (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سُفيانَ، عن رجلٍ [لم يُسمِّه] (٣)، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مُقِيتًا﴾. قال: شهيدًا، حسيبًا، حفيظًا (٤). حدَّثنى أحمدُ بنُ عثمانَ بن حَكيمٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ شَرِيكٍ، قال: ثنا أبي، عن خُصيفٍ، عن مجاهدٍ أبي الحَجَّاجِ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾. قال: المُقِيتُ الحسيبُ (٥). وقال آخرون: معنى ذلك: القائمُ على كلِّ شيءٍ بالتدبيرِ.

стр. 4837

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال عبدُ اللهِ بنُ كَثِيرٍ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾. قال: المُقِيتُ الواصِبُ (١). وقال آخرون: بل هو القديرُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾. أمَّا المُقِيتُ فالقديرُ (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾. قال: على كلِّ شيءٍ قديرًا. المقيتُ: القديرُ (٣). والصوابُ من هذه الأقوالِ قولُ مَن قال: معنى المُقيتِ: القديرُ. وذلك أن ذلك - فيما يُذكرُ - كذلك بلغةِ قريشٍ، ويُنشَدُ للزبيرِ بن عبدِ المطلبِ، عمِّ رسولِ اللهِ ﷺ (٤): وَذِى ضِغْنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ عنه … وكُنتُ على مَساءَتِه مُقِيتَا أي: قادرًا (٥). وقد قيل: إن منه قولَ النبيِّ ﷺ : "كَفى بالمرءِ إثمًا أن يُضِيعَ

стр. 4838

مَن يُقِيتُ" (١). في روايةِ مَن رَواها: يُقِيتُ، يعني: مَن هو تحتَ يَدَيه وفي سلطانِه من أهلِه وعيالِه، فيُقَدِّرُ له قوته. يقالُ منه: أقاتَ فلانٌ الشيءَ يُقِيتُه إقاتةً، وقاتَه يَقوتُه قياتةً وقَوْتًا، والقُوتُ الاسمُ. وأما المُقِيتُ في بيت اليهوديِّ (٢) الذي يقولُ فيه: ليتَ شِعْرِي وأَشْعُرَنَّ إذا ما … قَرَّبوها مَطْوِيَّةً (٣) ودُعِيتُ أَلِي الفَضْلُ أَم عَلَيَّ إِذا حُو … سِبْتُ إنِّي على الحسابِ مُقِيتُ فإنّ معناه: فإنِّى على الحسابِ موقوفٌ، وهو مِن غيرِ هذا المعنى. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ يعنى بقوله جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾: إذا دُعِى لكم بطولِ الحياةِ والبقاءِ والسلامةِ، ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾. يقولُ: فَادْعُوا لَمَن دَعا لكم بذلك بأحسَنَ مما دعا لكم، ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾، يقولُ: أو رُدُّوا التحيةَ. ثم اختَلف أهلُ التأويلِ في صفةِ التحيةِ التي هي أحسنُ مما حُيِّى به المُحَيَّا، والتي هي مثلُها؛ فقال بعضُهم: التي هي أحسنُ منها أن يقولَ المُسلَّمُ عليه إذا قيل: السلامُ عليكم: وعليكم السلامُ ورحمةُ اللهِ. فيزيدُ على دعاءِ الداعِى له. والردُّ أن يقولَ: السلامُ عليكم. مثلَ ما قيل له، أو يقولَ: وعليكم السلامُ. فيَدْعُو للدَّاعِى له مثلَ الذي دَعا له.

стр. 4839

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بن المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾. يقولُ: إذا سَلَّم عليك أحدٌ (١)، فقل أنت: وعليك السلامُ ورحمةُ اللهِ، أو تَقطَعَ إلى: السلامُ عليك. كما قال لك (٢). حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ قولَه: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾. قال: في أهلِ الإسلامِ (٣). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سُوَيدُ بن نصرٍ، قال: أخبرَنا ابن المُباركِ، عن ابن جُريجٍ، فيما قُرِئَ عليه عن عطاءٍ، قال: في أهلِ الإسلامِ. حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سُفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن شُرَيحٍ، أنه كان يرُدُّ: السلامُ عليكم. كما يُسَلَّمُ عليه (٤). حدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا أبى، عن ابن عَوْنٍ وإسماعيل بن أبي خالدٍ، عن إبراهيمَ، أنه كان يَرُدُّ: السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ (٥).

стр. 4840

حدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سُفيانَ، عن عطيةَ (١)، عن ابن عمرَ، أنه يَرُدُّ: وعليكم (٢). وقال آخرون: بل معنى ذلك: فحَيُّوا بأحسنَ منها أهلَ الإسلامِ، أو رُدُّوها على أهلِ الكفرِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني إسحاقُ بن إبراهيمَ بن حبيبِ بن الشهيدِ، قال: ثنا حُمَيدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن الحسنِ بن صالحٍ، عن سِمَاكِ بن حربٍ، عن عِكْرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: مَن سَلَّم عليك مِن خَلْقِ اللهِ، فاردُدْ عليه وإن كان مجوسِيًّا، فإن الله يقولُ: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا سالمُ بنُ نوحٍ، قال: ثنا سعيدُ بنُ أَبي عَرُوبةَ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾: للمسلمين، ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾ على أهلِ الكتابِ (٤). حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدُ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ

стр. 4841

بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾. يقولُ: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ أي على المسلمين، ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾ على أهلِ الكتابِ. حدَّثني يونسُ، قال: حدَّثنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِه: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾. قال: قال أبي: حَقٌّ على كلِّ مسلمٍ حُيِّىَ بتحيةٍ أن يُحَيِّىَ بأحسَنَ منها، وإذا حَيَّاه غيرُ أهلِ الإسلامِ، أن يَرُدَّ عليه بمثلِ ما قال. وأَوْلى التأويلَين بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: ذلك في أهلِ الإسلامِ. ووَجَّه معناه إلى أن يَرُدُّ السلام على المُسْلِم إذا حَيَّاه تَحيَّةً أحسَنَ مِن تَحيَّتِه أو مثلَها. وذلك أن الصَّحاحَ مِن الآثارِ عن رسولِ اللهِ ﷺ ، [أنه قال: "إذا سلَّم عليكم أهلُ الكتابِ فقولوا: وعليكم" (١). فبيَّن ﷺ ] (٢) أنه واجبٌ على كلِّ مسلمٍ ردُّ تحيةِ كلِّ كافرٍ بأحسنَ مِن تَحيَّتِه. وقد أمَر اللهُ جلّ ثناؤه بِرَدِّ الأحسَنِ أو المِثْلِ في هذه الآيةِ، مِن غيرِ تمييزٍ منه بينَ المُسْتَوجِبِ ردَّ الأحسنِ من تحيتِه عليه، والمردودِ عليه مثلُها، بدلالةٍ يُعْلَمُ بها صحةُ قولِ مَن قال: عَنَى برَدِّ الأحسنِ المُسْلِمَ، وبرَدِّ المِثْلِ أهلَ الكفرِ. فالصوابُ - إذا لم يكنْ في الآيةِ دلالةٌ على صحةِ ذلك، [ولا جاء بصحتِه] (٣) أثرٌ لازمٌ عن الرسولِ ﷺ أن يكونَ الخيارُ في ذلك إلى المُسلَّمِ عليه؛ بينَ (٤) رَدَّ

стр. 4842

الأحسنِ أو المثلِ، إلا في الموضعِ الذي خَصَّ شيئًا من ذلك سُنَّةٌ مِن رسولِ اللهِ ﷺ ، فيكونُ مُسَلَّما لها، وقد خَصَّتِ السُّنَّةُ أهل الكفرِ بالنَّهْى عن رَدَّ الأحسنِ مِن تحيتِهم عليهم أو مثلِها، إلا بأن يُقالَ: وعليكم. فلا ينبغي لأحدٍ أن يَتَعدَّى ما حَدَّ في ذلك رسولُ اللهِ ﷺ ، فأما أهلُ الإسلامِ فإنّ لمَن سُلِّم عليه منهم في الردِّ مِن الخيارِ ما جعَل اللهُ له من ذلك. وقد رُوِى عن رسولِ اللهِ ﷺ في تأويلِ ذلك بنحوِ ما قلنا خَبَرٌ. وذلك ما حدَّثني موسى بنُ سهلٍ الرَّمْلِيُّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ السَّرِيِّ الأنْطَاكِيُّ، قال: ثنا هشامُ بن لاحقٍ، عن عاصمٍ الأحولِ، عن أبي عثمانَ النَّهْدِيِّ، عن سَلْمانَ الفارسيِّ، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ ، فقال: السلامُ عليك يا رسولُ اللهِ. فقال: "وعَلَيكَ ورحمةُ اللهِ". ثم أتى آخَرُ فقال: السلامُ عليك يا رسولَ اللهِ ورحمةُ اللهِ. فقال له رسولُ اللهِ ﷺ : "وعَلَيك ورحمةُ اللهِ وَبَرَكاتُه". ثم جاء آخَرُ فقال: السلامُ عليك يا رسولَ اللهِ ورحمةُ اللهِ وبركاتُه. فقال له: "وعَلَيكَ". فقال له الرجلُ: يا نبيَّ الله، بأبي أنت وأمى، أتاك فلانٌ وفلانٌ، فَسَلَّما عليك، فرَدَدْتَ عليهما أكثر مما رَدَدْتَ عليَّ؟ فقال: "إنكَ لم تَدَعْ لنا شيئًا، قال اللهُ: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾. فرَدَدْناها عليكَ" (١). فإن قال قائلٌ: أفواجبٌ رَدُّ التَّحِيةِ على ما أمَر اللهُ في كتابِه؟ قيل: نعم، وبه كان يقولُ جماعةٌ من المُتَقدِّمِين.

стр. 4843

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سُوَيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا ابن المُباركِ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: أخبَرني أبو الزُبيرِ أنه سمِع جابرَ بن عبدِ اللهِ يَقولُ ما رأيتُه إلا يُوجِبُه قولَه: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ (١). حدَّثنا المثنَّى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أَخْبَرَنا ابن المُبارَكِ، عن سُفيانَ، عن رجلٍ، عن الحسنِ قال: السلامُ تَطوُّعٌ، والردُّ فَريضةٌ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بذلك جل ثناؤُه: إن الله كان على كلِّ شيءٍ مما تَعْمَلون أيُّها الناسُ مِن الأعْمالِ، من طاعةٍ ومعصيةٍ، حَفيظًا عليكم، حتى يُجازِيَكم بها جَزاءه. كما حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى. وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ جميعًا، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿حَسِيبًا﴾. قال: حَفيظًا (٣). وأصْلُ الحَسِيبِ في هذا الموضعِ عندى فَعِيلٌ مِن الحسابِ، الذي هو في معنى

стр. 4844

الإحْصاءِ، يُقالُ منه: حاسَبْتُ فلانًا على كذا وكذا، وفلانٌ يُحاسِبُه (١) علي وكذا وكذا، فهو حَسِيبُه، وذلك إذا كان صاحبَ حِسابِه. وقد زعَم بعضُ أهلِ البصرةِ من أهلِ اللغةِ، أن معنى الحَسيبِ في هذا الموضعِ: الكافِى، يُقالُ منه: أَحْسَبَنى الشيء يُحْسِبُنى إحْسابًا، بمعنى: كفاني، من قولهم: حَسْبي كذا وكذا. قال أبو جعفر ﵀: وهذا غلطٌ مِن القولِ وخطأٌ، وذلك أنه لا يُقالُ في "أَحْسَبَنى (٢) الشيءَ": أحْسَبَنى (٢) على الشيءِ فهو حَسِيبٌ عليه، وإنما يُقالُ: هو حَسْبُه وحَسِيبُه، واللهُ يقولُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بقوله جلَّ ثناؤُه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾: المَعْبودُ الذي لا تَنْبَغى العُبودَةُ إلا له هو، الذي له عِبادةُ كلِّ شيءٍ، وطاعةُ كلٌ طائعٍ. وقولُه: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ يقولُ: ليَبْعَثَنَّكُم مِن بعدِ مَماتِكم، فلَيَحْشُرَنَّكم جميعًا إلى موقفِ الحسابِ الذي يُجازى الناسَ فيه بأعْمالِهم، ويَقْضِى فيه بينَ أهلِ طاعتِه ومعصيتِه، وأهلِ الإيمانِ به والكفرِ، ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، يقولُ: لا شكَّ في حقيقةِ ما أَقولُ لكم مِن ذلك، وأُخْبِرُكم من خبرِى، بأنِّي جامِعُكم إلى يومِ القيامةِ بعدَ مَماتِكم. ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾، يعنى بذلك: فاعْلَموا حقيقةَ ما أَخْبرتُكم مِن الخبرِ، فإنِّي جامِعُكم إلى يومِ القيامةِ للجَزاءِ والعَرْضِ

стр. 4845

والحسابِ والثوابِ والعقابِ يقينًا، فلا تَشُكُّوا في صحتِه، ولا تَمْتَرُوا في حقيقتِه، فإن قولِى الصدقُ الذي لا كَذِبَ فيه، ووَعْدى الحقُّ (١) الذي لا خُلْفَ له. ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾. يقولُ: وأيُّ ناطقٍ أصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا، وذلك أن الكاذبَ إنما يَكْذِبُ ليَجْتَلِب بكذبِه إلى نفسِه نفعًا، أو يَدْفَعَ عنها ضَرًّا، واللهُ تعالى ذكرُه خالقُ الضَّرِّ والنفعِ، فغيرُ جائزٍ أن يَكونَ منه كذبٌ؛ لأنه [لا يَدْعُو إلى ذلك اجْتِلابُ نفعٍ به، ولا دفعُ ضَرٍّ عن نفسِه، وإنّما يجوزُ ذلك على مَن دونَه، فمنَ ذا الذي لا يحتاجُ إلى اجتلابِ نفعٍ إلى] (٢) نفسِه، أو دفعِ ضَرٍّ عنها سواه تعالى ذكرُه، فيَجوزَ أن يَكونَ له في اسْتِحالةِ الكذبِ منه نظيرٌ؟ أو مَن أَصْدَقُ مِن الله حديثًا وخبرًا؟ القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾: فما شأنُكم أيُّها المؤمنون في أهلِ النِّفاقِ فِرْقتَين (٣) مُخْتلِفتَين. ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾، يعنى بذلك: واللهُ رَدَّهم إلى أحكامِ أهلِ الشركِ في إباحةِ دمائهم، وسَبْي ذَراريِّهم، [﴿بِمَا كَسَبُوا﴾، يعنى: بما كذَبوا الله ورسولَه، وكفَروا بعدَ إسلامِهم] (٤).

стр. 4846

والإرْكاسُ الردُّ، ومنه قولُ أُميةَ بن أبي الصَّلْتِ الثقَفِيِّ (١): فأُرْكِسوا في حَمِيم النارِ أَنَّهُمُ … كانوا عُصاةً وقالوا الإفْكَ والزُّورَا يقال منه: أَرْكسَهم ورَكَسَهم. وقد ذُكِر أنها في قراءةِ عبدِ اللهِ وأُبَيٍّ: (واللهُ ركَسَهم) بغيرِ ألفٍ (٢). واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في الذين نزَلَت فيهم هذه الآيةُ؛ فقال بعضُهم: نزلَت في اختلافِ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ في الذين تخَلَّفوا عن رسولِ اللهِ ﷺ يومَ أُحدٍ، وانْصَرَفوا إلى المدينةِ، وقالوا لرسولِ اللهِ ﷺ ولأصحابِه: لو نعلَمُ قتالًا لاتَّبَعْناكم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني الفضلُ بنُ داودَ (٣) الواسطيُّ، قال: ثنا أبو داودَ، عن شعبةَ، عن عديِّ بن ثابتٍ، قال: سمعْتُ عبدَ اللهِ بنَ يزيدَ الأنصاريَّ يُحَدِّثُ عن زيدِ بن ثابتٍ، أن النبيَّ ﷺ لمَّا خرَج إلى أُحدٍ، رجَعَت طائفةٌ ممَّن كان معه، فكان أصحابُ النبيِّ ﷺ فيهم فرقتَيْن؛ فرقةٌ تَقولُ: نَقْتُلُهم. وفرقةٌ تقولُ: لا. فنزَلَت هذه الآيةُ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ الآية. قال رسولُ اللهِ ﷺ في المدينة: "إنها طَيْبةُ، وإنها تَنْفِى خَبَثَها كما تَنْفِى النارُ خَبَثَ الفِضَّةِ" (٤). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، قال: ثنا شعبةُ، عن عديِّ بن

стр. 4847

ثابتٍ، عن عبدِ اللهِ بن يزيدَ، عن زيدِ بن ثابتٍ، قال: خرَج رسولُ اللهِ ﷺ ، فذكَر مثلَه (١). حدَّثني زُرَيقُ بنُ السَّخْتِ، قال: ثنا شَبَابِةُ، [حدَّثنا شعبةُ] (٢)، عن عديِّ بن ثابتٍ، عن عبدِ اللهِ بن يزيدَ، عن زيدِ بن ثابتٍ، قال: ذكَروا المنافقين عندَ النبيِّ ﷺ ، فقال فريقٌ: نَقْتُلُهم. وقال فريقٌ: لا تَقْتُلُهم. فأنْزَل اللهُ ﵎: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ (٣). وقال آخرون: بل نزَلَت في اختلافٍ كان بينَ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ في قومٍ كانوا قدِموا المدينة من مكةَ، فأظهروا للمسلمين أنهم مُسلمون، ثم رجَعوا إلى مكةَ، فأظْهَرُوا لهم الشرك. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾. قال: قومٌ خرجوا مِن مكةَ حتى أتَوُا المدينةَ يَزْعُمون أنهم مُهاجرون، ثم ارْتَدُّوا بعد ذلك، واسْتَأْذَنوا النبيَّ ﷺ إلى مكة ليَأْتُوا ببَضائعَ لهم يَتَّجرون فيها، فاخْتَلَف فيهم المؤمنون، فقائلٌ يقولُ: هم مُنافِقون. وقائلٌ يقولُ: هم مؤمنون. فبيَّن اللهُ نفاقَهم، فأمرَ بقتالِهم، فجاءوا ببَضائعِهم يُرِيدون المدينةَ، فلقيهم [عليُّ بنُ عُوَيْمِرٍ أو] (٤) هلالُ بنُ عُوَيْمرٍ الْأَسْلَمِيُّ،

стр. 4848

وبينَه وبينَ النبيِّ ﷺ حِلْفٌ، وهو الذي حَصِر صدرُه أن يُقاتِلَ المؤمنين أو يُقاتِلَ قومه، فدفَع عنهم بأنهم يؤمُّون (١) هلالًا، وبينَه وبينَ النبيِّ ﷺ عَهْدٌ (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مُجاهدٍ بنحوِه، غيرَ أنه قال: فبيَّن اللهُ نفاقَهم، وأمَر بقتالِهم، فلم يُقاتَلوا يومَئذٍ، فجاءوا ببَضائِعهم يُرِيدون هلالَ بنَ عُوَيمرٍ الأَسْلَميَّ، وبينَه وبينَ رسولِ اللهِ ﷺ حِلْفٌ [وقال أيضًا: فدفَع عنهم بأنَّهم يؤمُّون هلالًا، وبينَه وبين رسولِ اللهِ ﵇ حِلْفٌ] (٣) (٤). وقال آخرون: بل كان اختلافُهم في قومٍ من أهلِ الشركِ، كانوا أظْهَروا الإسلامَ بمكةَ، وكانوا يُعِينون المُشْرِكين على المسلمين. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾: وذلك أن قومًا كانوا بمكةَ قد تَكَلَّموا بالإسلامِ، وكانوا يُظاهرون المشركين، فخرَجوا من مكةَ يَطْلُبون حاجةً لهم، فقالوا: إن لِقينا أصحابَ محمدٍ فليس علينا منهم بأسٌ. وأن المؤمنين لما أُخبِروا أنهم قد خرَجوا من مكةَ، قالت فئةٌ مِن المؤمنين: ارْكَبوا إلى الخُبْثَاءِ فَاقْتُلُوهم، فإنهم يُظاهرون عليكم عدوَّكم. وقالت فئةٌ أخرى مِن المؤمنين: سبحانَ اللهِ - أو كما قالوا - تقْتُلون قومًا قد تكَلَّموا بمثلِ ما تكَلَّمْتُم به، مِنْ أَجْلِ أنهم لم يُهاجِروا

стр. 4849

ويَتْرُكوا ديارَهم؟ تُسْتَحَلُّ دماؤُهم وأموالُهم لذلك؟ فكانوا كذلك فتتين، والرسولُ ﵊ عندَهم لا يَنْهَى واحدًا من الفريقين عن شيءٍ، فنزَلَت: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ الآية (١). حدَّثنا بشر بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ الآيةَ: ذُكِر لنا أنهما كانا رجلَينْ مِن قريشٍ، كانا مع المشركين بمكةَ، وكانا قد تكلَّما بالإسلامِ، ولم يُهاجِرا إلى النبيِّ ﷺ ، فلقِيَهما ناسٌ من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، وهما مُقْبِلان من مكة، فقال بعضُهم: إن دماءهما وأموالَهما حَلالٌ. وقال بعضُهم: لا تَحِلُّ لكم. فتشاجَروا فيهما، فأنْزَل اللهُ في ذلك: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ حتى بلغ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ (٢). حدَّثنا القاسم [قال: حدَّثنا الحسينُ] (٣)، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرِ بن راشدٍ، قال: بلَغَنى أن ناسًا مِن أهلِ مكةَ كتَبوا إلى النبيِّ ﷺ أنهم قد أسْلَموا، وكان ذلك منهم كذبًا، فلقُوهم، فاخْتَلَف فيهم المسلمون، فقالت طائفةٌ: دماؤُهم حلالٌ. وقالت طائفةٌ: دماؤهم حَرامٌ. فأنزَل اللهُ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ (٤). حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعْتُ أَبا مُعاذٍ، يقولُ: أَخْبَرَنَا عُبيدٌ،

стр. 4850

قال: سمِعْتُ الضَّحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾: هم ناسٌ تخَلَّفوا عن نبيِّ اللهِ ﷺ ، وأقاموا بمكةَ، وأعْلَنوا الإيمانَ، ولم يُهاجِروا، فاخْتَلَف فيهم أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ ، فتوَلَّاهم ناسٌ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، وتبرَّأَ مِن وَلايتِهم آخرون، وقالوا: تخَلَّفوا عن رسولِ اللهِ ﷺ ، ولم يُهاجروا. فسمَّاهم اللهُ مُنافِقِين، وبرَّأ المؤمنين من وَلايتِهم، وأمَرهم ألَّا يَتَوَلَّوْهم حتى يُهاجروا (١). وقال آخرون: بل كان اخْتلافُهم في قومِ كانوا بالمدينةِ أرادوا الخروجَ عنها نِفاقًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾. قال: كان ناسٌ من المنافقين أرادوا أن يَخْرُجوا من المدينةِ، فقالوا للمؤمنين: إنَّا قد أصابَنا أوْجاعٌ في المدينةِ واتَّخَمْناها (٢)، فلعلَّنا أن نَخْرُجَ إِلى الظَّهْرِ (٣)، حتى نَتَماثَلَ ثم نَرْجِعَ، فإنا كنا أصحابَ بَرِّيَّةٍ. فانْطَلَقوا. فاخْتَلَف فيهم أصحاب النبيِّ ﷺ ، فقالت طائفةٌ: أعداءُ الله منافقون، ودِدْنا أن رسول اللهِ ﷺ أذِن لنا فقاتَلْناهم. وقالت طائفةٌ: لا، بل إخْوانُنا غمَّتْهم (٤) المدينةُ، فاتَّخَموها، فخرَجوا إلى الظُّهْرِ يَتَنَزَّهون، فإذا برَءوا رجَعوا. فقال اللهُ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾. يقولُ: ما لكم

стр. 4851

تكونون فيهم فئتين، ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ (١). وقال آخَرون: بل نزَلَت هذه الآيةُ في اختلافِ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ في أمر أهلِ الإفْكِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونُسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ حتى بلَغ: ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾. قال: هذا في شأنِ ابن أُبَيٍّ حينَ تكَلَّم في عائشةَ بما تكَلَّم بِه. [وحدثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: إنّ هذه الآيةَ أُنزِلت حينَ أُنزِلت: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾، فقرأ حتى بلَغ: ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢). فقال سعدُ بنُ مُعَاذٍ: فإني أَبْرَأُ إِلى اللهِ وإلى رسولِه [من فئتِه] (٣). يُرِيدُ عبدَ اللهِ بنَ أُبَيٍّ ابنَ سَلُولَ (٤). وأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ في ذلك قولُ مَن قال: نزَلت هذه الآيةُ في اخِتلافِ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ في قومٍ كانوا ارْتَدُّوا عَن الإسلامِ بعدَ إسلامِهم، مِن أهلِ مكةَ. وإنما قلْنا ذلك أولى بالصوابِ؛ لأن اختلافَ [أهلِ التأويلِ في ذلك إنما هو على (٥) قولين؛ أحدهما] (٦): أنهم قومٌ كانوا مِن أهلِ مكةَ على ما قد

стр. 4852

ذكرْنا الروايةَ عنهم. والآخرُ: أنهم قومٌ كانوا مِن أهلِ المدينةِ. وفى قولِ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أوْضَحُ الدليلِ على أنهم كانوا مِن غيرِ أهلِ المدينةِ؛ لأن الهجرةَ كانت على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ إلى دارِه ومدينتِه من سائرِ أرضِ الكفرِ، فأمَّا مَن كان بالمدينةِ في دارِ الهجرة مُقيمًا من المنافقين وأهلِ الشركِ، فلم يَكُنْ عليه فرضُ هجرةٍ؛ لأنه في دارِ الهجرةِ كان وطنُه ومُقامُه. واخْتَلَف أهلُ العربيةِ في نصبِ قولِه: ﴿فِئَتَيْنِ﴾ فقال بعضُهم: هو منصوبٌ على الحالِ، كما تَقولُ: "مالك قائمًا". بمعنى ما لك في حالِ القيامِ، وهذا قولُ بعضِ البصريين. وقال بعضُ نحويي الكوفيين: هو منصوبٌ على فعلِ "مالك". قال: ولا تُبالِ كان المنصوبُ في "ما لَك" معرفةً أو نكرةً. قال: ويَجوزُ في الكلامِ أن تَقولَ: ما لَك السائرَ معنا. لأنه كالفعلِ الذي يُنْصَبُ بـ "كان" و"أَظُنُّ" وما أَشْبَهَهما. قال: وكلُّ موضعٍ صلَحَت فيه فعَل ويَفْعَلُ مِن المنصوبِ جاز نصْبُ المعرفةِ منه والنكرةِ، كما يَنْصِبُ "كان" و"أَظُنُّ"؛ لأنهن نواقصُ في المعنى، وإن ظنَنْتَ أنهن تامَّاتٌ. وهذا القولُ أولى بالصوابِ في ذلك؛ لأن المطلوبَ في قول القائلِ: ما لَك قائمًا. القيامُ، فهو في مذهبِ كان وأخواتِها وأَظُنُّ وصَواحباتِها. وقولُه: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾. اختلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ﴾ فقال بعضُهم: معناه ردَّهم. كما قلنا.

стр. 4853

ذكرُ مَن قال ذلك [حدَّثنا القاسمُ قال: حدَّثنا الحسين] (١)، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ ردَّهم (٢). وقال آخَرون: معنى ذلك: واللهُ أَوْقَعهم. ذُكر مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾: يقولُ: أَوْقَعهم (٣). وقال آخرون: معنى ذلك: أضَلَّهم وأهْلَكهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن مَعْمَرٍ، عن قَتادةَ: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ﴾: أَهْلَكَهم (٤). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن قَتادةَ:

стр. 4854

﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾: أهلكهم بما عملوا (١). حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾: [يقولُ: أَضلَّهم بما كسبوا (٢). حدثنا بشرٌ، قال: حدثنا يزيدُ، قال: حدثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿أَرْكَسَهُمْ﴾] (٣): أهْلكهم. وقد أتينا على البيان عن معنى ذلك قبلُ بما أغْنَى عن إعادتِه (٤). القول في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨)﴾. يعنى جل ثناؤُه بقوله: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾: أتريدون أيُّها المؤمنون أن تهدوا إلى الإسلام، فتوفِّقوه للإقرار (٥) به والدُّخول فيه، من أضَلَّه الله عنه. يعنى بذلك: مَن خَذَله الله عنه، فلم يُوَفِّقه للإقرار به؟ وإنما هذا خطابٌ من الله تعالى ذكرُه للفئة التي دافعت عن هؤلاء المنافقين الذين وصف الله صفتهم في هذه الآية، يقول لهم جلَّ ثناؤُه: أتبغون هداية هؤلاء الذين أضلَّهم الله، فخذَلَهم عن الحقِّ [واتباع الإسلام] (٦)، بمُدافعتكم عن قتالهم مَن أراد قتالهم من المؤمنين؟ ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾. يقولُ: ومَن

стр. 4855

يخذُله الله عن دينِه واتِّباع ما أمَرَ به؛ من الإقرار به وبنبيِّه محمد ﷺ وما جاء به من عندِه، فأضَلَّه عنه ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ﴾ يا محمدُ، ﴿سَبِيلًا﴾ يقولُ: فلن تَجِدَ له طريقًا تَهْدِيه فيه إلى إدراك ما خذَله الله [فأضله عنه] (١)، ولا منهجًا يَصِلُ به (٢) منه إلى الأمرِ الذي قد حرمه الوصول إليه. القولُ في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال أبو جعفر ﵀: يعنى بقوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا﴾: تمَنَّى أيُّها المؤمنون، هؤلاء المنافقون الذين أنتم فيهم فئتان، أن تَكْفُرُوا فتَجْحَدُوا وَحْدانية ربِّكم، وتصديق نبيِّكم محمدٍ ﷺ ، ﴿كَمَا كَفَرُوا﴾. يقولُ: كما جحَدوا هم ذلك، ﴿فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾. يقول: فتكونون كفَّارًا مثلَهم، وتَسْتَوُون أنتم وهم في الشرك بالله، ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. [يقول جل ثناؤه: فاستغشُّوهم، ولا تنصحُوهم، ولا تستنصروهم، ولا تتَّخِذُوا منهم وليًّا ولا نصيرًا ولا خليلًا مُصَافِيًا، ﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾] (١) يقولُ: حتى يَخْرُجوا من دار الشرك، ويُفارقوا أهلها الذين هم بالله مُشْرِكون، إلى دار الإسلام وأهلها، ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يعنى: في ابتغاء دينِ اللهِ، وهو سبيلُه، فيَصيروا عند ذلك مثلكم، ويَكونَ لهم حينئذٍ حُكْمُكم. كما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾: حتى يَصْنَعوا كما صنَعْتُم - يعنى الهجرة -

стр. 4856

[يقولُ: حتى يهاجرُوا] (١) في سبيلِ اللَّهِ (٢). القولُ في تأويلِ قوله جلّ ثناؤه: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩)﴾. قال أبو جعفر ﵀: يعنى جلَّ ثناؤه بذلك: فإِنْ أدْبَر هؤلاء المنافقون عن الإقرار بالله ورسوله، وتَولَّوْا عن الهجرة من دار الشركِ إلى دار الإسلام، [وعن مفارقة أهل الكفر إلى الإسلام] (٣)، ﴿فَخُذُوهُمْ﴾ أيُّها المؤمنون، ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ من بلادهم وغير بلادهم، أين أصَبْتُموهم مِن أَرضِ اللَّهِ، ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾. يقولُ: ولا تَتَّخِذُوا منهم خَليلًا يُواليكم على أموركم، ولا ناصرًا يَنصُرُكم على أعدائكم، فإنهم كفارٌ لا يألونكم خبالًا، وَدُّوا ما عنتُّم. وهذا الخبرُ من الله جل ثناؤُه إبانةٌ عن صحةِ نفاق الذين اخْتَلَف المؤمنون في أمرِهم، وتحذيرٌ لمن دافَع عنهم عن المُدافعة عنهم. وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهلُ التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ﴾: فإن تَوَلَّوْا عن الهجرة

стр. 4857

﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ﴾ (١). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾. يقولُ: إذا أظْهَروا الكُفْرَ فاقْتُلُوهم حيث وجَدْتُموهم (٢). القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾. قال أبو جعفر ﵀: يعنى جل ثناؤه بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾: فإن تولّى هؤلاء المنافقون الذين اخْتَلَفتم فيهم عن الإيمان بالله ورسولِه، وأبَوُا الهجرة، فلم يُهاجروا في سبيل الله، فخُذُوهم واقتُلوهم حيثُ وجدتُموهم، سوى من وصل منهم إلى قوم بينكم وبينهم موادعةٌ وعهدٌ وميثاقٌ، فدخلوا بينهم (٣)، وصاروا منهم، ورضُوا بحكمهم، فإنَّ لمَن وصل إليهم (٤) فدخل فيهم من أهلِ الشركِ راضيًا بحكمَهم حكمهم (٥)؛ في حَقن دمائِهم بدخوله فيهم، و (٦) ألَّا تُسبَى نساؤُهم وذَرارِيُّهم، ولا تُغْنَمَ أموالُهم. كما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾. يقول: إذا أظهروا كفرهم فاقْتُلُوهم حيث وجدتُموهم، فإن أحدٌ منهم دخل في قومٍ بينكم وبينهم ميثاقٌ، فأجرُوا عليه

стр. 4858

مثل ما تُجْرُون على أهلِ الذِّمَّةِ (١). حدَّثني يونُسُ، قال أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾. [قال: الذين] (٢) يصلون إلى هؤلاء الذين بينكم وبينهم ميثاقٌ من القومِ، لهم من الأمانِ مثلُ ما لهؤلاء (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عكرمة قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾. قال: [نزَلَت في هلال بن عُوَيمِرٍ الأَسْلَميِّ، وسُراقة بن مالك بن جُعْشُمٍ، وجَذِيمة (٤) بن عامرٍ بن عبدِ مناةَ] (٥) (٦). وقد زعم بعضُ أهل العربية (٧) أن معنى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ﴾: إلا الذين يَتَّصِلُون في أنسابهم لقوم بينكم وبينهم ميثاقٌ. من قولهم: اتَّصَل الرجلُ. بمعنى: انْتَمَى وانْتَسَب. كما قال الأَعْشَى في صفةِ امرأةٍ انْتَسَبَت إلى قومٍ (٨).

стр. 4859

إذا اتَّصلت قالَتْ أبكر بن وائلٍ … وبَكْرٌ سبَتْها والأُنوفُ رَواغِمُ يعنى بقوله: اتَّصَلَت. انْتَسَبَت. ولا وجهَ لهذا التأويل في هذا الموضعِ؛ لأن (١) الانْتِسابَ إلى قومٍ مِن أهلِ المُوادعةِ والعَهْدِ، لو كان يُوجِبُ للمُنتَسِبين إليهم ما لهم، إذا لم يَكُنْ لهم مِن العهد والأمانِ [ما لمن له العهدُ والأمان منهم] (٢) - لما كان رسولُ اللهِ ﷺ لِيُقاتِلَ قريشًا وهم أنسباءُ السابقين الأوَّلين، ولأهل الإيمان من الحقِّ بإيمانهم أكثرُ مما لأهل العهدِ بعهدِهم، وفى قتال رسولِ اللهِ ﷺ مُشْرِكى قريشٍ بتركها الدخول فيما دخل فيه أهلُ الإيمان منهم، مع قرب أنسابِهم من أنسابِ المؤمنين منهم - الدليلُ الواضحُ أن انتِسابَ مَن لا عهد له إلى ذى العهد منهم، لم يَكُنْ مُوجِبًا له من العهد ما لذي العهد منهم من انتسابه. فإن ظنَّ ذو غَفْلَةٍ أن قِتالَ النبيِّ ﷺ مَن قاتَل مِن أنْسِباء المؤمنين من مشركى قريشٍ، إنما كان بعدَ ما نُسخ قولُه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾. فإنّ أهل التأويل أجمَعوا على أن ذلك نُسخ ["ببراءة"، و"براءة"] (٣) نزَلَت بعدَ فتح مكةَ ودخول قريشٍ في الإسلامِ. القولُ في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾. قال أبو جعفر ﵀: يعنى بقوله جل ثناؤُه: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾: فإن تولَّوْا فَخُذُوهم واقتُلوهم حيث

стр. 4860

وجَدْتُموهم، إلا الذين يَصِلُون إلى قومٍ بينكم وبينَهم ميثاقٌ، أو: إلا الذين جاءوكم منهم قد حصِرَت صدورُهم عن (١) أن يُقاتِلوكم أو يُقاتِلوا قومَهم، فدخَلوا فيكم. ويعنى بقوله: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾: ضاقَت صدورهم عن (١) أن يُقاتلوكم أو يُقاتلوا قومَهم. والعربُ تقولُ لكلِّ مَن ضاقَت نفسُه عن شيءٍ مِن فعلٍ أو كلامٍ: قد حصِرَ. ومنه الحَصَرُ في القراءةِ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾. يقولُ: رجعوا فدخلوا فيكم، ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾. يقولُ: ضاقَت صدورُهم ﴿أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ (٢). وفى قوله: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾. متروكٌ تُرك ذكرُه لدَلالةِ الكلامِ عليه؛ وذلك أن معناه: أو جاءوكم قد حصرَت صدورُهم. فتُرك ذكرُ "قد"؛ لأن من شأنِ العربِ فعلَ مثلِ ذلك، تقولُ: أتاني فلانٌ ذهَب عقلُه. بمعنى: قد ذهَب عقلُه. ومَسْموعٌ منهم: أَصْبَحْتُ نظَرْتُ إلى ذاتِ التَّنانير (٣). بمعنى: قد نظَرْتُ. ولإضمارِ "قد" مع الماضي جاز وضْعُ الماضي من الأفعالِ في مواضعِ (٤)

стр. 4861

الحال؛ لأنّ "قد" إذا دخَلَت معه أذنَته من الحالِ، وأَشْبَهَتْهُ (١) الأسماء. وعلى هذه القراءةِ - أعنى: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ قراءةُ القَرَأةِ في جميعِ الأمصارِ، وبها يُقْرَأُ لإجماع الحُجَّة عليها (٢). وقد ذُكر عن الحسن البصريِّ أنه كان يَقْرَأُ ذلك: (أو جاءُوكم حصِرَةً صدورُهم) (٣). نصبًا [على الحال] (٤). وهى صحيحةٌ في العربيةِ، فصيحةً، غيرَ أنها غيرُ جائزة القراءةُ عندى بها؛ لشُذوذها وخُروجِها من قراءةِ قَرَأَةِ أهل الإسلام. [حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: نا يونسُ بنُ محمدٍ، عن أبانٍ، عن قتادة: (أو جاءُوكم حَصِرَةً (٥) صُدورُهم): أي كارهةً صدُورُهم] (٤) (٦). القولُ في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠)﴾. قال أبو جعفر ﵀: يعنى جل ثناؤُه بقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾: ولو شاء الله تسلَّط هؤلاء الذين يَصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاقٌ، فيَدْخُلون في جوارهم وذمَّتهم، والذين يَجِيئُونكم (٧) قد حصرَت

стр. 4862

صدورُهم عن قتالِكم وقتال قومهم - عليكم أيُّها المؤمنون، فقاتَلوكم مع أعدائكم من المشركين، ولكنَّ الله تعالى ذكره كفَّهم عنكم. يقولُ جل ثناؤُه: فأطيعوا الذي أنعَم عليكم - بكفِّهم عنكم، مع سائر ما أنعَم به عليكم - فيما أمركم به من الكفِّ عنهم إذا وصلوا إلى قوم بينَكم وبينَهم ميثاقٌ، أو جاءُوكم حصرَت صدورُهم عن قتالِكم وقتالِ قومِهم. ثم قال جل ثناؤُه: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ﴾. يقولُ: فإِن اعْتَزَلكم هؤلاء الذين أمَرْتُكم بالكفِّ عن قتالِهم من المنافقين، بدخولهم في أهل عهدكم، أو بمصيرهم إليكم حصِرةً (١) صدورُهم عن قتالِكم وقتالِ قومِهم، ﴿فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾. يقولُ: وصالَحوكم. والسَّلَم هو الاستسلامُ. وإنما هذا مثلٌ، كما يقولُ الرجلُ للرجلٍ: أعطيتُك قيادى، وألقيتُ إليك خطامى إذا استسلم له وانقاد لأمره. فكذلك قولُه: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾. إنما هو: والْقَوْا إليكم قيادهم فاسْتَسْلَموا لكم؛ صلحًا منهم لكم وسَلَمًا. ومِن السَّلَمِ قولُ الطِّرِمَّاح (٢): وذاك أن تميمًا غادَرَت سَلَمًا … للأشد كلَّ حَصانٍ وَعْنَةِ (٣) اللَّبَدِ (٤) يعنى بقوله: سَلَمًا: اسْتِسْلامًا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع: ﴿فَإِنِ

стр. 4863

اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾. قال: الصلحُ (١). وأما قولُه: ﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾. فإنه يقولُ: إذا استسلم لكم هؤلاء المنافقون الذين وصف صفتَهم، صلحًا منهم لكم، ﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾. أي: فلم يَجْعَلِ اللهُ لكم على أنفسِهم وأموالِهم وذراريِّهم ونسائِهم طريقًا إلى قتلٍ أو غنيمةٍ أو سباءٍ، بإباحةٍ منه ذلك لكم ولا إذْنٍ، فلا تَعَرَّضُوا لهم في ذلك إلا بسبيل (٢) خيرٍ. ثم نسخ الله جل ثناؤُه جميع حكم هذه الآية والتي بعدها بقوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥]. ذكرُ مَن قال في ذلك مثلَ الذي قلنا فيه حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، عن الحسين، عن يزيد، عن عكرمة والحسن قالا: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾. إلى قوله: ﴿وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾. وقال في المُمْتَحَنَةِ: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾. وقال فيها: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي

стр. 4864

الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾. إلى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: ٩،٨]. فنسَخ هؤلاء الآياتِ الأربع في شأن المشركين، فقال: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ١، ٢]. فجعل لهم أربعة أشهرٍ يسيحون في الأرضِ، وأبطلَ ما كان قبلَ ذلك، وقال في التي تليها: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾. ثم نسَخ واسْتَثنَى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦]. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبد الرزَّاقِ، قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن قتادة: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ﴾. قال: نسخها قولُه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا حجاجُ بنُ المِنْهال، قال: ثنا هَمَّامُ (٣) بنُ يحيى، قال: سمِعْتُ قتادة يقولُ في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾. إلى قولِه: ﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾: ثم نَسَخ ذلك بعد في "براءة". وأمَر نبيَّه ﷺ أن يُقاتِل المشركين [حتى يشهدوا ألَّا إلهَ إلا الله، وأنّ محمدًا رسولُ الله، فقال] (٤): ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ

стр. 4865

كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ (١). حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: هو ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ الآية. قال: نُسِخ هذا كلُّه جميعٌ (٢)، نسَخَه الجهادُ، ضُرِب لهم أَجَلٌ؛ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، إمَّا أن يُسْلِموا، وإِمَّا أَن يَكونَ الجهادُ. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: وهؤلاء فريقٌ آخَرُ مِن المنُافِقِين كانوا يُظهرون الإسْلامَ لرسولِ اللهِ ﷺ وأصحابِه؛ ليَأمَنوا به عندَهم من القتلِ والسّباءِ وأخذِ الأمْوالِ، وهم كُفَّارٌ، يَعْلَمُ ذلك (٣) منهم قومُهم، إذا لَقُوهم كانوا معهم، وعبَدوا ما يَعْبُدُونه مِن دونِ اللهِ؛ ليَأمَنوهم على أنفسِهم وأموالِهم ونِسائِهم وذَرارِيِّهم، يَقولُ الله: ﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾. يَعْنى: كُلَّما دَعاهم قومُهم (٤) إلى الشِّرْكِ باللَّهِ ارْتَدُّوا فصاروا مُشْرِكِين مثلَهم. واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في الذين عُنُوا بهذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: هم ناسٌ كانوا مِن أهلِ مكةَ أسْلَمُوا على ما وصَفَهم الله به مِن التَّقِيَّةِ [وكانوا كُفَّارًا] (٥)؛ ليَأْمَنوا عندَ هؤلاء وهؤلاء.

стр. 4866

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدثني عيسى، وحدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال حدَّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾. قال: ناسٌ كانوا يَأْتُونَ النبيَّ ﷺ فيُسْلمون رياءً، فيَرْجِعون (١) إلى قريشٍ، فيَرْتَكِسون في الأوثانِ، يَبْتَغون بذلك أن يَأْمَنوا هاهنا وهاهنا، فأُمِر (٢) بقتالِهم إن لم يَعْتَزِلوا ويُصْلِحوا (٣). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾. يقولُ: كُلَّما أرادوا أن يَخْرُجوا مِن فِتْنَةٍ أُرْكِسوا فيها، وذلك أن الرجلَ كان يُوجَدُ قد تَكلَّم بالإسْلام، فيُقَرَّبُ إلى العُودِ والحَجَرِ (٤) وإلى العَقْرَبِ والخُنْفَساءِ، فيَقولُ المُشْرِكون لذلك المُتَكَلِّم بالإسلامِ: قُلْ: هذا رَبَّى. للخُنْفَساءِ والعَقْرَبِ (٥). وقال آخَرون: بل هم قومٌ مِن أهلِ (٦) الشركِ، كانوا طلَبوا الأَمانَ مِن رسولِ الله ﷺ ؛ ليَأمَنوا عندَه وعندَ أصحابِه وعندَ المشركين.

стр. 4867

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾: حَيٌّ كانوا بتِهامةَ، قالوا: يا نبيَّ الله، لا نُقاتِلُك ولا نُقاتِلُ قومَنا. وأرادوا أن يَأْمَنوا نبيَّ الله ﷺ ويأْمَنوا قومَهم، فأبَى الله عليهم ذلك، فقال الله: ﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾. يَقولُ: كُلَّما عرَضَ لهم بَلاءٌ هلَكوا فيه (١). وقال آخَرون: نزَلَت هذه الآيةُ في نُعَيْمِ بن مسعودٍ الأشْجَعيِّ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ، قال: ثم ذكَر نُعَيْمَ بنَ مسعودٍ الأشْجَعيَّ، و (٢) كان يَأْمَنُ في المشركين والمسلمين، بنقلِ (٣) الحديثِ بين (٤) النبيِّ ﷺ والمشركين، فقال: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ﴾. يقولُ: إلى الشركِ (٥). وأما تأويلُ قولِه: ﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾. فإنه كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾. قال: كُلَّمَا ابْتُلُوا بها عَمُوا فيها (٦).

стр. 4868

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كُلَّما عرَض لهم بَلاءٌ هلَكوا فيه. والقولُ في ذلك ما قد بيَّنْتُ قبلُ، وذلك أن الفِتنةَ في كلامِ العربِ الاخْتِبارُ، والإرْكاسَ الرُّجوعُ (١). فتأويلُ الكلامِ (٢): كُلَّما رُدُّوا إلى الاخْتبارِ ليَرْجِعوا إلى الكفرِ والشركِ رجَعوا إليه. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (٩١)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ﴾ أَيُّها المُؤْمِنون، هؤلاء الذين يُرِيدون أن يَأْمَنوكم ويَأْمَنوا قومَهم، وهم كُلَّما دُعُوا إلى الشركِ أجابوا إليه، ﴿وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾. يقولُ: ولم يَسْتَسْلِموا لكم (٣) فيُعْطُوكم (٤) المقادَ ويُصالحوكم - كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾. قال: الصُّلْحَ. ﴿وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ﴾. يقولُ: ويَكُفُّوا أيديَهم عن قتالِكم، ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾. يقولُ جل ثناؤُه: فإن لم يَفْعَلُوا

стр. 4869

ذلك (١) فخُذُوهم أين أصَبْتُموهم مِن الأرضِ ولقِيتُموهم فيها، فاقْتُلوهم، فإن دماءَهم لكم حينَئذٍ حَلالٌ، ﴿وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾. يقولُ جل ثناؤُه: وهؤلاء الذين يُرِيدون أن يَأْمَنوكم ويَأْمَنوا قومَهم، وهم على ما هم عليه مِن الكفرِ، إن لم يَعْتَزِلُوكم، ويُلْقُوا إليكم السَّلَم، ويَكُفُّوا أيديَهم، جعَلْنا لكم عليهم (١) حُجَّةً في قتلِهم أينما لقِيتُموهم؛ لمُقامِهم (٢) على كفرِهم، وترْكِهم هِجْرةَ دارِ الشركِ، ﴿مُبِينًا﴾. يعنى: أنها تَبِينُ عن استحقاقِهم ذلك [منكم، وإصابتِكم] (٣) الحقَّ في قتلِهم، وذلك قولُه: ﴿سُلْطَانًا مُبِينًا﴾. والسُّلْطانُ هو الحجة. كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا قَبيصةُ، قال: ثنا سفيانُ، عن رجلٍ، عن عكرمةَ، قال: ما كان في القرآنِ مِن سلطانٍ فهو حُجَّةٌ (٤). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿سُلْطَانًا مُبِينًا﴾: أمَّا السُّلْطانُ المبينُ فهو الحُجَّةُ (٥). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ

стр. 4870

يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾: وما أذِن الله لمؤمنٍ ولا أباح له أن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا. يقولُ: ما كان ذلك له فيما جعَل له ربُّه وأذِن له فيه من الأشياءِ ألْبتةَ. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾. يقولُ: ما كان له ذلك فيما أتاه مِن ربِّه مِن عَهْدِ اللَّهِ الذي عهِد إليه (١). وأما قولُه: ﴿إِلَّا خَطَأً﴾. فإنه يقولُ جل ثناؤُه: إلا أن المؤمنَ قد يَقْتُلُ المُؤْمنَ خَطأً، وليس ذلك (٢) مما جعَل له ربُّه فأباحه له. وهذا من الاسْتِثْناء الذي تُسَمِّيه أهلُ العربيةِ الاسْتِثْناءَ المُنْقَطِعَ، كما قال جَرِيرُ بنُ عَطِيَّة (٣): من البيضِ لم تَظْعَنْ بَعيدًا ولم تَطَأ … على الأرضِ إِلا [رَيْطَ بُرْدٍ] (٤) مُرحَّلٍ (٥) يعنى: ولم تَطَأْ على الأرضِ إلا أن تَطَأَ [ذَيْلَ البُرْدِ] (٦). وليس ذيلُ البُرْدِ مِن الأرض (٧). ثم أخْبَر جل ثناؤُه عبادَه بحُكْمِ مَن قتل مِن المؤمنين مؤمنًا (٨) خطأً، فقال: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾. يقولُ: فعليه تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مؤمنةٍ
следующие страницы →