← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 4866–4905 · переход к 4871.

стр. 4866

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدثني عيسى، وحدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال حدَّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾. قال: ناسٌ كانوا يَأْتُونَ النبيَّ ﷺ فيُسْلمون رياءً، فيَرْجِعون (١) إلى قريشٍ، فيَرْتَكِسون في الأوثانِ، يَبْتَغون بذلك أن يَأْمَنوا هاهنا وهاهنا، فأُمِر (٢) بقتالِهم إن لم يَعْتَزِلوا ويُصْلِحوا (٣). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾. يقولُ: كُلَّما أرادوا أن يَخْرُجوا مِن فِتْنَةٍ أُرْكِسوا فيها، وذلك أن الرجلَ كان يُوجَدُ قد تَكلَّم بالإسْلام، فيُقَرَّبُ إلى العُودِ والحَجَرِ (٤) وإلى العَقْرَبِ والخُنْفَساءِ، فيَقولُ المُشْرِكون لذلك المُتَكَلِّم بالإسلامِ: قُلْ: هذا رَبَّى. للخُنْفَساءِ والعَقْرَبِ (٥). وقال آخَرون: بل هم قومٌ مِن أهلِ (٦) الشركِ، كانوا طلَبوا الأَمانَ مِن رسولِ الله ﷺ ؛ ليَأمَنوا عندَه وعندَ أصحابِه وعندَ المشركين.

стр. 4867

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾: حَيٌّ كانوا بتِهامةَ، قالوا: يا نبيَّ الله، لا نُقاتِلُك ولا نُقاتِلُ قومَنا. وأرادوا أن يَأْمَنوا نبيَّ الله ﷺ ويأْمَنوا قومَهم، فأبَى الله عليهم ذلك، فقال الله: ﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾. يَقولُ: كُلَّما عرَضَ لهم بَلاءٌ هلَكوا فيه (١). وقال آخَرون: نزَلَت هذه الآيةُ في نُعَيْمِ بن مسعودٍ الأشْجَعيِّ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ، قال: ثم ذكَر نُعَيْمَ بنَ مسعودٍ الأشْجَعيَّ، و (٢) كان يَأْمَنُ في المشركين والمسلمين، بنقلِ (٣) الحديثِ بين (٤) النبيِّ ﷺ والمشركين، فقال: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ﴾. يقولُ: إلى الشركِ (٥). وأما تأويلُ قولِه: ﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾. فإنه كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾. قال: كُلَّمَا ابْتُلُوا بها عَمُوا فيها (٦).

стр. 4868

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كُلَّما عرَض لهم بَلاءٌ هلَكوا فيه. والقولُ في ذلك ما قد بيَّنْتُ قبلُ، وذلك أن الفِتنةَ في كلامِ العربِ الاخْتِبارُ، والإرْكاسَ الرُّجوعُ (١). فتأويلُ الكلامِ (٢): كُلَّما رُدُّوا إلى الاخْتبارِ ليَرْجِعوا إلى الكفرِ والشركِ رجَعوا إليه. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (٩١)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ﴾ أَيُّها المُؤْمِنون، هؤلاء الذين يُرِيدون أن يَأْمَنوكم ويَأْمَنوا قومَهم، وهم كُلَّما دُعُوا إلى الشركِ أجابوا إليه، ﴿وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾. يقولُ: ولم يَسْتَسْلِموا لكم (٣) فيُعْطُوكم (٤) المقادَ ويُصالحوكم - كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾. قال: الصُّلْحَ. ﴿وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ﴾. يقولُ: ويَكُفُّوا أيديَهم عن قتالِكم، ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾. يقولُ جل ثناؤُه: فإن لم يَفْعَلُوا

стр. 4869

ذلك (١) فخُذُوهم أين أصَبْتُموهم مِن الأرضِ ولقِيتُموهم فيها، فاقْتُلوهم، فإن دماءَهم لكم حينَئذٍ حَلالٌ، ﴿وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾. يقولُ جل ثناؤُه: وهؤلاء الذين يُرِيدون أن يَأْمَنوكم ويَأْمَنوا قومَهم، وهم على ما هم عليه مِن الكفرِ، إن لم يَعْتَزِلُوكم، ويُلْقُوا إليكم السَّلَم، ويَكُفُّوا أيديَهم، جعَلْنا لكم عليهم (١) حُجَّةً في قتلِهم أينما لقِيتُموهم؛ لمُقامِهم (٢) على كفرِهم، وترْكِهم هِجْرةَ دارِ الشركِ، ﴿مُبِينًا﴾. يعنى: أنها تَبِينُ عن استحقاقِهم ذلك [منكم، وإصابتِكم] (٣) الحقَّ في قتلِهم، وذلك قولُه: ﴿سُلْطَانًا مُبِينًا﴾. والسُّلْطانُ هو الحجة. كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا قَبيصةُ، قال: ثنا سفيانُ، عن رجلٍ، عن عكرمةَ، قال: ما كان في القرآنِ مِن سلطانٍ فهو حُجَّةٌ (٤). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿سُلْطَانًا مُبِينًا﴾: أمَّا السُّلْطانُ المبينُ فهو الحُجَّةُ (٥). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ

стр. 4870

يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾: وما أذِن الله لمؤمنٍ ولا أباح له أن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا. يقولُ: ما كان ذلك له فيما جعَل له ربُّه وأذِن له فيه من الأشياءِ ألْبتةَ. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾. يقولُ: ما كان له ذلك فيما أتاه مِن ربِّه مِن عَهْدِ اللَّهِ الذي عهِد إليه (١). وأما قولُه: ﴿إِلَّا خَطَأً﴾. فإنه يقولُ جل ثناؤُه: إلا أن المؤمنَ قد يَقْتُلُ المُؤْمنَ خَطأً، وليس ذلك (٢) مما جعَل له ربُّه فأباحه له. وهذا من الاسْتِثْناء الذي تُسَمِّيه أهلُ العربيةِ الاسْتِثْناءَ المُنْقَطِعَ، كما قال جَرِيرُ بنُ عَطِيَّة (٣): من البيضِ لم تَظْعَنْ بَعيدًا ولم تَطَأ … على الأرضِ إِلا [رَيْطَ بُرْدٍ] (٤) مُرحَّلٍ (٥) يعنى: ولم تَطَأْ على الأرضِ إلا أن تَطَأَ [ذَيْلَ البُرْدِ] (٦). وليس ذيلُ البُرْدِ مِن الأرض (٧). ثم أخْبَر جل ثناؤُه عبادَه بحُكْمِ مَن قتل مِن المؤمنين مؤمنًا (٨) خطأً، فقال: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾. يقولُ: فعليه تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مؤمنةٍ

стр. 4871

في مالِه، ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ﴾. تُؤَدِّيها عاقِلتُه ﴿إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾. يقول: إلا أن يَصَّدَّقَ أهلُ القتيلِ خَطأً على مَن لَزِمَته دِيَةُ قَتيلِهم، فيَعْفُوا عنه ويَتَجَاوَزوا عن [دِيَتِه، فتَسْقُطَ] (١) عنه. ومَوْضِعُ ﴿أَنْ﴾ في (٢) قولهِ: ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾. نَصْبٌ؛ لأن (٣) معناه: فعليه ذلك إلا أن يَصَّدَّقوا. وذُكِر أن هذه الآيةَ نزلَت في عياشِ بن أبى رَبيعةَ المَخْزوميِّ، وكان قد (٤) قتَل رجلًا مُسْلِمًا بعدَ إسْلامه، وهو لا يَعْلَمُ بإسلامِه. ذكرُ الآثار بذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مُجاهِدٍ في قولِه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾. قال: عَبَّاشُ بنُ أبى رَبيعَة قتَل رجلًا مؤمنًا كان يُعَذِّبُه مع أبى جهلٍ، وهو أخوه لأمِّه، فاتَّبَع النبيَّ ﷺ ، وهو يَحْسَبُ أن ذلك الرجلَ كان كما هو، وكان عَيَّاشٌ هاجرَ إلى النبيِّ ﷺ مُؤْمنًا، فجاءه أبو جَهْلٍ وهو أخوه لأُمِّه، فقال: إِن أُمَّكَ تُناشِدُكَ رَحِمَها وحقَّها أن تَرْجِعَ إليها. وهى أسماءُ بنتُ مُخَرِّبَةَ (٥)، فأقْبَل معه، فربَطه أبو جهلٍ حتى قدِم مكةَ، فلمَّا رآه (٦) الكفارُ زادهم ذلك كفرًا وافْتِتانًا، وقالوا: إن أبا جهلٍ لَيَقْدِرُ

стр. 4872

مِن محمدٍ [على ما يَشاءُ] (١)، ويَأْخُذُ أصحابَه (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ بنحوِه، إلا أنه قال في حديثِه: فاتَّبع النبيَّ ﷺ ذلك الرجلُ، وعَيَّاشٌ يَحْسَبُه (٣) أنه كافرٌ كما هو، وكان عَيَّاشٌ هاجرَ إلى المدينةِ مؤمنًا، فجاءه أبو جهلٍ وهو أخوه لأُمِّه (٤)، فقال: إن أُمَّك تَنْشُدُك برحِمِها وحقِّها إلا رجَعْتَ إليها. وقال أيضًا: يَأْخُذُ (٥) أصحابَه فيَرْبِطُهم. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مُجاهِدٍ (٦) بنحوِه. قال ابن جُرَيْجٍ، عن عكرمةَ: و (٧) كان الحارثُ بنُ يزيدَ بن أُنَيْسَة (٨) مِن بنى عامرِ بن لُؤَيٍّ يُعَذِّبُ عَيَّاشَ بنَ أبى ربيعةَ مع أبى جهلٍ، ثم خرَج (٩) الحارثُ بنُ يزيدَ مُهاجِرًا إلى النبيِّ ﷺ ، فلقِيه عَيَّاشٌ بالحرَّةِ، فعلاه بالسيفِ حتى سكَت (١٠)، وهو يَحْسَبُ أنه كافرٌ، ثم جاء إلى النبيِّ ﷺ فَأَخْبَرَه، ونزَلَت: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ الآية. فقرَأَها عليه، ثم قال له: "قُمْ فحَرِّرْ" (١١).

стр. 4873

حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾. قال: نزَلَت في عَيَّاشِ بن أبى رَبيعةَ المخَزْوميِّ، فكان أخًا لأبى جهلِ بن هشامٍ لأمِّه، وأنه أسْلَم وهاجَر مع (١) المهاجِريِن الأوَّلِين قبلَ قدومِ رسول اللهِ ﷺ ، فطلَبه أبو جهلٍ والحارثُ بنُ هشامٍ، وتَبعِهما (٢) رجلٌ مِن بنى عامرِ بن لؤَيٍّ، فأَتَوْه بالمدينةِ، وكان عَيَّاشٌ أَحَبَّ إخوتِه إلى أمِّه، فكلَّموه وقالوا: إن أمَّك قد حلَفَت أن لا يُظِلُّها بيتٌ حتى تَراك، وهى مُضْطَجعةٌ في الشمسِ، فأتِها فَلْتَنْظُرُ (٣) إليك ثم ارْجِعْ. وأَعْطَوْه مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لا يَهِيجونه (٤) حتى يَرْجِعَ إلى (٥) المدينةِ، فأعْطاه بعضُ أصحابِه بعيرًا له نَجيبًا، وقال: إن خِفْتَ منهم (٦) شيئًا فاقْعُدْ على النَّجيبِ. فلما أَخْرَجوه من المدينةِ أخَذوه فأَوْثَقوه، وجلَده العامريُّ، فحلَف ليَقْتُلَنَّ العامريَّ، فلم يَزَلْ مَحْبوسًا بمكةَ حتى خرَج عامَ (٧) الفتحِ، فاسْتَقْبَله العامريُّ وقد أسْلَمَ، ولا يَعْلَمُ عَيَّاشٌ بإسلامِه، فضرَبه فقتَلَه، فأنْزَل الله جل ثناؤُه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾. يقولُ: وهو لا يَعْلَمُ أنه مُؤْمِنٌ، ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ فيَتْرُكوا الدِّيَةَ (٨).

стр. 4874

وقال آخرون: بل (١) نزَلَت هذه الآيةُ في أبى الدَّرداءِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ الآية كلّها. قال: [نزلت هذه] (٢) الآية (٣) في رجلٍ قتَله أبو الدَّرداءِ، [أُنْزِل هذا كلُّه فيه، كان] (٤) في سَرِيَّةٍ، فعدَل أبو الدرداءِ إلى شِعْبٍ يُرِيدُ حاجةً له، فوجَد رجلًا مِن القومِ في غنمٍ له، فحمَل عليه بالسيفِ، فقال: لا إلهَ إلا الله. فبَدر (٥) فضرَبه، ثم جاء بغنمهِ إلى القومِ، ثم وجَد في نفسِه شيئًا، فأتَى رسول الله ﷺ فذكَر ذلك له، فقال له رسولُ الله ﷺ : "ألا شقَقْتَ عن قلبهِ؟ " فقال: ما عسَيْتُ أن (٦) أَجِدَ، هل هو يا رسولَ الله إلا دمٌ أو ماءٌ؟ قال: "فقد (٧) أخْبَرَك بلسانِه فلم تُصَدِّقْه؟ " فقال: كيف بى (٨) يا رسولَ الله؟ قال: "فكيف بلا إلهَ إلا الله؟ " قال: فكيف بى (٩) يا رسولَ الله؟ قال: "فكيف بلا إلهَ إلا الله؟ ". حتى تمنَّيْتُ أن يَكونَ ذلك مُبْتَدَأَ (١٠) إسْلامى. قال: فنزَل القرآنُ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ حتى بلَغ ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾.

стр. 4875

قال: إلا أن يَضعوها (١). والصوابُ من القولِ في ذلك أن يُقالَ: إن الله عرَّف عباده بهذه الآية ما على مَن قتَل مؤمنًا خطأً من كفَّارة وديةٍ، وجائزٌ أن تَكونَ الآيةُ هذه (٢) نزَلَت في عيَّاش بن أبى ربيعة وقَتيِله، وفى أبى الدرداءِ وصاحبِه، وأيُّ ذلك كان، فالذى عنَى الله [بهذه الآية] (٣) تعريفُ عباده ما ذكَرنا، وقد عرف ذلك [من عقل ذلك عنه من عباده كتابه وتنزيله] (٤)، وغيرُ ضائِرِهم جهلُهم بمن نزَلَت فيه. وأما الرقبةُ المؤمنةُ، فإن أهلَ العلمِ مُخْتَلِفون في صفتِه (٥)؛ فقال بعضُهم: لا تكونُ الرقبةُ مؤمنةً حتى تكونَ قد اختارَت الإيمانَ بعد بلوغها وصلَّت وصامَت، ولا يَسْتَحِقُّ الطفلُ هذه الصفةَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُليةَ، عن أبي (٦) حَيَّانَ، قال: سأَلْتُ الشعبيَّ عن قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾. قال: قد صلَّت وعرَفَت الإيمان (٧).

стр. 4876

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾: يعنى بالمؤمنة من قد (١) عقَل الإيمان وصام وصلَّى (٢). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: ما كان في القرآن من رقبةٍ مؤمنةٍ، فلا يُجزئُ (٣) إلا مَن صام وصلَّى، وما كان في القرآنِ من رقبةٍ ليست مؤمنةً، فالصبيُّ يُجزئُ (٤). حُدِّثْتُ عن يزيدَ بن هارونَ، عن هشام بن حسَّانَ، عن الحسن، قال: كلُّ شيءٍ في كتاب الله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، فمن صلَّى وصام وعقَل، وإذا قال: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾. فما شاء (٥). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاق، قال: أخْبرَنا الثوريُّ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: كلُّ شيءٍ في القرآن: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾. فالذى قد صلَّى، وما لم تَكُنْ مؤمنةً، فتحريرُ مَن لم يصلِّ (٦). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾: والرقبةُ المؤمنةُ عند قتادةَ من قد صلَّى، وكان يَكْرَهُ أن يُعْتَقَ في هذا الطفلُ الذي لم يُصلِّ، ولم يَبْلُغْ ذلك (٦). حدَّثنا يحيى بنُ طلحةَ اليَربوعيُّ، قال: ثنا فُضَيْلُ بنُ عِياضٍ، عن مُغيرةَ، عن

стр. 4877

إبراهيم في قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾. قال: إذا عقل دينه (١). حدَّثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاقِ، عن مَعمر، عن قَتادةَ، قال: في [حرفِ أُبيٍّ] (٢): (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ لَا يُجْزِئُ فيها صبيٌّ) (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنى مُعاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾: يعنى بالمؤمنة مَن قد عقَل الإيمانَ وصام وصلَّى، فإن لم يجد رقبةً فصيامُ شهرَين مُتتابعين، وعليه ديةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهلِه، إلا أن يُتَصَدَّقَ (٤) بها عليه (٥). وقال آخرون: إذا كان مولودًا بين أبوين مسلمَين فهو مُؤمنٌ وإن كان طفلًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن جُريجٍ، عن عطاءٍ، قال: كلُّ رقبة وُلِدَت في الإسلام فهى تُجزِئُ (١). وأوْلَى [الأقوال في ذلك بالصواب] (٦) قولُ مَن قال: لا يُجْزِئُ في قتل الخطأَ من الرِّقاب إلا من قد آمَن، وهو يَعْقِلُ الإيمان من بالغ (٧) الرجال والنساء، إذا كان

стр. 4878

ممَّن كان أبواه على ملَّةٍ من الملل سوى الإسلام ووُلد [بينهما وهما] (١) كذلك، ثم لم يُسلِما ولا واحدٌ منهما حتى أُعتِق في كفَّارة الخطأ. فأما مَن وُلد بين أبوين مسلمين، فقد أجْمَع الجميعُ مِن أهل العلمِ أنه وإن لم يَبْلُغ حدَّ الاختيارِ والتمييز، ولم يُدْرِك الحلُم، فمحكومٌ له بحكم أهل الإيمان في المُوارثة، والصلاة عليه إن مات، وما يَجِبُ عليه إن جَنَى، ويَجِبُ له إن جُنى عليه، وفى المُناكحةِ، فإذ كان ذلك من جميعِهم إجماعًا، فواجبٌ أن يكونَ له من الحكم فيما يُجْزِئُ فيه من كفارة الخطأ إذا أُعتِق فيها، من حكم أهلِ الإيمان - مثلُ الذي له من حكم الإيمان (٢) في سائر المعانى التي [ذكرنا غيرها] (٣). ومَن أَبَى ذلك عُكِس عليه الأمرُ فيه، ثم سُئِل الفرق بين ذلك من أصلٍ أو قياسٍ، فلن يقول في شيءٍ مِن ذلك قولًا إلا أُلْزِم في غيره مثله. وأما الديةُ المُسَلَّمةُ إلى أهل القَتيلِ، فهى المدفوعةُ إليهم على ما وجَب لهم، مُوَفَّرةً غيرَ مُنتَقَصةٍ حقوقُ أهلها (٤) منها. وذُكر عن ابن عباسٍ أنه كان يقولُ: هي الموفرة. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال ابن عباس قوله: (وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ). قال: موفَّرةٌ (٥). وأما قولُه: ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾. فإنه يَعْنى به: إلا أن يَتَصَدَّقوا بالدَّية على القاتلِ أو على عاقلتِه. فأُدغمت التاءُ من قوله: يَتَصَدَّقوا. في الصادِ، فصارتا صادًا

стр. 4879

مُشَدَّدةً (١). وقد ذُكر أن ذلك في قراءةِ أُبيٍّ: (إلا أن يَتَصَدَّقوا). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا بكرُ بنُ الشَّرُودِ (٢)، قال (٣): في حرفِ أُبيٍّ: (إلا أنْ يَتَصَدَّقُوا) (٤). القولُ في تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾. قال أبو جعفر، ﵀: يعنى جلَّ ثناؤُه بقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾: فإن كان هذا القتيلُ الذي قتَله المؤمنُ خطأً، ﴿مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾. يعنى: مِن عِدَادِ قومٍ هم (٥) أعداءٌ لكم في الدِّينِ مشركون، [قد ناصبوكم] (٦) الحربَ على خلافِكم على الإسلام، ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾. يقولُ: فإذا قتَل المسلمُ خطأً رجلًا مِن عِداد المشركين، والمقتولُ مؤمنٌ، والقاتلُ يَحْسَبُ أنه على كفرِه، فعليه تحريرُ رقبةٍ مؤمنةٍ. واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: وإن كان المقتولُ من قومٍ هم عدوٌّ لكم، ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾. أي: بينَ أَظْهِرِكم لم يُهاجِرْ، فقتله مؤمنٌ، فلا دية عليه، وعليه تحريرُ رقبةٍ مؤمنةٍ.

стр. 4880

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بن بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن سفيان، عن سماكٍ، عن عكرمةَ، والمغيرةِ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾. قالا (١): هو الرجلُ يُسْلِمُ في دار الحرب فيُقْتَلُ. فقالا (٢): ليس فيه ديةٌ، وفيه الكفارة (٣). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ في قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾. قال: يعنى المقتولَ يكونُ مؤمنًا وقومُه كفارٌ. قال: فليس له ديةٌ، ولكن [تحريرُ رقبةٍ] (٤) مؤمنةٍ (٥). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو غَسَّانَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن سماكٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾. قال: يكونُ الرجلُ مؤمنًا وقومُه كفارٌ، فلا ديةَ له، ولكن تحريرُ رقبةٍ مؤمنةٍ (٦). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾: في دار الحرب (٧)،

стр. 4881

يقولُ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾. وليس له ديةٌ (١). حدَّثنا بشرُ بن مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾: ولا ديةَ لأهلِه؛ من أجلِ أنهم كفارٌ، وليس بينهم وبين [نبيِّ الله ﷺ ] (٢) - عهدٌ ولا ذِمَّةٌ (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا حمادٌ، قال: أخْبرَنا عطاءُ بنُ السائب، عن [أبى عياضٍ] (٤) أنه قال في قول الله جل ثناؤه: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ إلى آخر الآية. قال: كان الرجلُ يُسْلِمُ، ثم يَأْتى قومه، فيُقِيمُ فيهم وهم مُشْرِكون، فيمرُّ بهم الجيشُ لرسولِ الله ﷺ ، فيُقْتَلُ فيمن يُقْتَلُ، فيُعْتِقُ قاتلُه رقبةً، ولا دية له (٥). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيم: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾. قال: هذا إذا كان الرجلُ المسلمُ من قومٍ عدوٍّ و (٦) ليس لهم عهدٌ، فقُتِل (٧) خطأً، فإنما (٨) على من قتله تحريرُ رقبةٍ مؤمنة (٩).

стр. 4882

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾. يقولُ: فإن كان في أهل الحرب وهو مؤمنٌ، فقتله خطأ، فعلى قاتلِه أن يُكَفَّرَ بتحرير رقبةٍ مؤمنةٍ، أو صيام شهرَين مُتتابعَين، ولا ديةً عليه (١). حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾: القتيلُ مسلمٌ وقومُه كفّارٌ، ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، ولا يُؤَدِّي إليهم الدية فيَتَقَوَّون بها عليكم. وقال آخرون: بل عُنى به الرجلُ من أهلِ الحرب يَقْدَمُ دار الإسلام، فيُسْلِمُ، ثم يَرْجِعُ إلى دار الحرب، فإذا مرَّ بهم الجيشُ من أهلِ الإسلام هرَب قومُه، وأقام ذلك المسلمُ بينهم (٢) فيها، فيقْتُلُه (٣) المسلمون وهم يَحسَبونه كافرًا. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾: فهو المؤمنُ يكون في العدوِّ بين (٤) المشركين، يَسْمَعون بالسَّرِيَّة من أصحابِ محمدٍ ﷺ ، فيَفرُّون (٥) ويَلبَثُ (٦) المؤمنُ فيُقْتَلُ، ففيه تحريرُ

стр. 4883

رقبةٍ مؤمنةٍ (١). القولُ في تأويل قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾. قال أبو جعفر ﵀: يعنى جلَّ ثناؤُه بقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾. أي (٢): وإن كان القتيلُ الذي قتله المؤمنُ خطأ، ﴿مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ﴾ أيُّها المؤمنون، ﴿وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾. أي: عهدٌ وذمةٌ، وليسوا أهل حربٍ لكم، ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾. يقولُ: فعلى قاتله ديةٌ مسلَّمةٌ إلى أهلِه يَتَحَمَّلُها (٣) عاقلتُه، ﴿وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ كفارةً لقتله. ثم اخْتَلَف أهل التأويل في صفة هذا القَتيلِ الذي هو من قوم بيننا وبينهم ميثاقٌ، أهو مؤمنٌ أم كافرٌ؟ فقال بعضُهم: هو كافرٌ، إلا أنه لزمت قاتلَه ديتُه؛ لأن له ولقومِه عهدًا، فوجب (٤) أداءُ ديتِه إلى قومه للعهدِ الذي بينهم وبين المؤمنين، وأنها مالٌ مِن أموالهم، ولا يَحِلَّ للمؤمنين شيءٌ من أموالهم بغيرِ طِيبِ أنفسهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾. يقولُ: إذا كان كافرًا في ذمتكم فقتِل، فعلى قاتله الديةُ مُسَلَّمَةٌ إلى أهلِه وتحريرُ رقبةٍ

стр. 4884

مؤمنةٍ، أو صيام شهرين مُتَتابعَيْن (١). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن أيوبَ، قال: سَمِعْتُ الزهريَّ يقولُ: ديةُ الذميِّ ديةُ المسلمِ. قال: وكان يَتَأَوَّلُ: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ إدريسَ، عن [عيسى بن أبي المغيرةِ] (٣)، عن الشعبيِّ في قولِه: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾. قال: مِن أهلِ العهدِ (٤)، وليس بمؤمنٍ (٥). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن مَهْدِيٍّ، عَن هُشَيْمٍ، عَن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾: وليس بمؤمن. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾: بقتْلِه، أي بالذي أصاب مِن أهل ذمتِه وعَهْدِهِ، ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ﴾ الآية.

стр. 4885

حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾. يقولُ: فأدُّوا إليهم الديةَ بالميثاقِ. قال: وأهلُ الذمةِ يَدْخُلُون في هذا، ﴿وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ الآية. وقال آخرون: بل هو مؤمنٌ، وعلى قاتلِه ديةٌ يُؤَدِّيها إلى قومِه مِن المشركين؛ لأنهم أهلُ ذمةٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مُغيرةً، عن إبراهيمَ: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾. قال: هذا الرجلُ المسلمُ وقومُه مشركون لهم عقدٌ، فتكونُ ديتُه لقومِه، ومِيراثُه للمسلمين، ويَعْقِلُ عنه قومُه، ولهم دِيتُه (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا ابن المُبارَكِ، عن هُشَيْمٍ، عن أبي إسحاقَ الكوفيِّ، عن جابرِ بن زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾. قال: وهو مؤمنٌ (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن مَهْديٍّ، عن حمادِ بن سلمةَ، عن يونُسَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾. قال: [كلُّهم مؤمنٌ] (٣).

стр. 4886

وأولى القولين في ذلك بتأويلِ الآيةِ قولُ من قال: عنَى بذلك المقتولَ مِن أهلِ العهدِ؛ لأن الله أبْهَم ذلك، فقال: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾. ولم يَقُلْ: وهو مؤمنٌ. كما قال في القتيل من المؤمنين وأهلِ الحربِ، [إذ عنى المؤمنين] (١): ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾. فكان في تركِه وصفَه بالإيمانِ الذي وصَف به القتيلَيْن الماضيَ ذكرُهما قبلُ، الدليلُ الواضحُ على صحةِ ما قلْنا في ذلك. فإن ظنّ ظانٌّ أن في قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾. دليلًا على أنه مِن أهل الإيمانِ؛ لأن الديةَ عندَه لا تكونُ إلا لمؤمنٍ، فقد ظنَّ خطأً، وذلك أن ديةَ الذميِّ وأهلِ الإسلامِ سواءٌ؛ لإجماعِ جميعِهم على أن دِيَاتِ عبيدِهم الكفارِ وعبيدِ المؤمنين من أهلِ الإيمانِ سَواءٌ، فكذلك حكمُ دِياتِ أحْرارِهم سواءٌ. مع أن دياتِهم لو كانت على ما قال مَن خالَفَنا في ذلك، فجعَلها على النصفِ مِن دِياتِ أهلِ الإيمانِ، أو على الثلثِ، لم يَكُنْ في ذلك دليل على أن المعنيَّ بقولِه: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾. من أهلِ الإيمانِ؛ لأن ديةَ المؤمنةِ (٢) لا خلاف بين الجميع - إلا من لا يُعَدُّ خلافًا - أنها على النصفِ مِن ديةِ المؤمنِ، وذلك غيرُ مُخْرِجها مِن أن تكونَ ديةً (٣)، فكذلك حكمُ دياتِ أهلِ الذمةِ، لو كانت مُقَصِّرةً عن (٤) دياتِ أهلِ الإيمانِ، لم يُخْرِجُها ذلك مِن أن تكونَ دياتٍ، فكيف والأمرُ في ذلك بخلافِه، ودياتُهم ودياتُ المؤمنين سَواءٌ. وأما الميثاقُ، فإنه العهدُ والذمةُ، وقد بيَّنا في غيرِ هذا الموضعِ أن

стр. 4887

ذلك كذلك، والأصلَ الذي منه أُخِذ، بما أَغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (١). ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أَسْبَاطُ، عن السُّديِّ في قولِه: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾. يقولُ: عهدٌ (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن الزهريِّ في قولِه: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾. قال: هو المُعاهَدةُ (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو غَسَّانَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾: عهدٌ (٤). حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ مثلَه. فإن قال قائلٌ: وما صفةُ الخطأِ الذي إذا قتل المؤمنُ المؤمنَ أو المعاهَدَ لزِمَته ديتُه والكفارةُ؟ قيل: هو ما قال النَّخَعيُّ في ذلك؛ وذلك ما حدَّثنا به (٥) ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا

стр. 4888

عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ، قال: الخطأُ أن يُرِيدَ الشيءَ فيُصِيبَ غيرَه (١). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا هُشَيْمٌ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: الخطأُ أن [يَرْمى الشيءَ فيُصِيبَ] (٢) إنسانًا، وهو لا يُرِيدُه، فهو خطأٌ، وهو على العاقِلةِ. فإن قال قائلٌ (٣): فما بالُ (٣) الديةِ الواجبةِ في ذلك؟ قيل: أما في قتلِ المؤمنِ فمائةٌ من الإبلِ، إن كان من أهلِ الإبلِ، على (٤) عاقلةِ قاتلِه، لا خلافَ بينَ الجميعِ في ذلك، وإن كان في مَبْلَغِ [أسنانِها اختلافٌ بينَ] (٥) أهلِ العلمِ. فمنهم مَن يقولُ: هي أرباعٌ؛ خمسٌ وعشرون منها حِقَّةً (٦)، وخمسٌ وعشرون منها (٣) جَذَعةً (٧)، وخمسٌ وعشرون بَناتِ (٨) مَخَاضٍ (٩)، وخمسٌ وعشرون بناتِ لبُونٍ (١٠). ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن

стр. 4889

منصور، عن إبراهيمَ، عن عليٍّ ﵁: في الخطأِ شِبْهِ العَمْدِ ثلاثٌ وثلاثون حِقَّةً، وثلاثٌ وثلاثون جَذَعةً، وأربعٌ وثلاثون ثَنِيَّةً (١) إلى بازِلِ (٢) عامِها، وفي الخطأِ خمسٌ وعشرون حِقَّةً، وخمسٌ وعشرون جَذَعةً، وخمسٌ وعشرون بناتِ مَخاضٍ، وخمسٌ وعشرون بناتِ لَبُونٍ (٣). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن فِراسٍ والشَّيْبانيِّ، عن الشعبيِّ، عن عليّ بن أبي طالبٍ بمثلِه. حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن عاصمِ بن ضَمْرةَ، عن عليٍّ بنحوِه (٤). حدَّثني واصلُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن فُضَيْلٍ، عن أشعثَ بن سَوَّارٍ، عن الشعبيِّ، عن عليٍّ، أنه قال: في قتلِ الخطأِ الديةُ مائةٌ أرْباعًا. ثم ذكَر مثلَه. وقال آخرون: هي أخماسٌ؛ عشرون حِقَّةً، وعشرون جَذَعةً، وعشرون بناتِ لَبونٍ، وعشرون بنو لَبُونٍ، وعشرون بناتِ مَخَاضٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن أبي

стр. 4890

مِجْلَزٍ، عن أبي عُبيدةَ، عن أبيه (١) عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، قال: في الخطأِ عشرون حِقَّةً، وعشرون جَذَعةً، وعشرون بناتِ لَبونٍ، وعشرون بنو لَبونٍ، وعشرون بناتِ مَخَاضٍ (٢). وحدثني واصلُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا ابن فُضَيْلٍ، عن أشعثَ، عن عامرٍ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ: في قتلِ الخطأِ مائةٌ مِن الإبلِ أَحْمَاسًا؛ خُمْسٌ جِدَاعٌ، وخُمْسٌ حِقَاقٌ، وخُمْسٌ بناتُ لَبونٍ، وخُمْسٌ بناتُ مَخَاضٍ، وخُمْسٌ بنو مَخَاضٍ (٣). حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبرَنا سليمانُ التَّيْميُّ، عن أبي مِجْلَزٍ، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ اللهِ، قال: الديةُ أخْماسٌ؛ ديةُ الخطأِ؛ خُمْسٌ بناتُ مَخَاضٍ، وخُمْسٌ بنو مخاضٍ، وخُمْسٌ بناتُ لَبونٍ، وخُمْسٌ حِقاقٌ، وخُمْسٌ جِذاعٌ (٤). واعْتَلَّ قائلو هذه المَقالةِ بحديثٍ حدَّثنا به أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا يحيى ابن (٥) أبي زائدةَ وأبو خالدٍ الأحمرُ، عن حجاجٍ، عن زيدِ بن جُبَيْرٍ، عن الخِشْفِ بن مالكٍ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، أن النبيَّ ﷺ قضَى في الديةِ في الخطأِ أخْماسًا. قال أبو هشامٍ: قال ابن أبي زائدةَ: عشرون حِقَّةً، وعشرون جذعةً، وعشرون ابنةَ

стр. 4891

لَبونٍ، وعشرون ابنةَ مَخَاضٍ، وعشرون بنو (١) مَخَاضٍ (٢). حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا يحيى، عن أبيه، عن أبي إسحاقَ، عن علقمةَ، عن عبدِ اللهِ، أنه قضَى بذلك (٣). وقال آخَرون: هي أرْباعٌ، غير أنها ثلاثون حِقَّةً، وثلاثون بناتِ لَبونٍ، وعشرون بناتِ مَخَاضٍ، وعشرون بنو لَبونٍ ذكورٌ. ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن عبدِ ربِّه، عن أبي عِياضٍ، عن عثمانَ وزيدِ بن ثابتٍ، قالا: في الخطأِ شِبْهِ العمدِ أربعون جَذَعَةً خَلِفَةً (٤)، وثلاثون حِقَّةً، وثلاثون بناتِ (٥) مَخَاضٍ، وفى الخطأِ ثلاثون حِقَّة، وثلاثون جَذَعةً، وعشرون بناتِ مَخَاضٍ، وعشرون بنو لَبونٍ

стр. 4892

ذُكورٌ (١). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن سعيدٍ، عن قَتادةَ، عن سعيدِ بن المسيب، عن زيدِ بن ثابتٍ: في ديةِ الخطأِ ثلاثون حِقَّةً، وثلاثون بناتِ لَبونٍ، وعشرون بناتِ مَخَاضٍ، وعشرون بنو لَبونٍ ذكورٌ (٢). حدَّثنا ابن بَشارٍ، قال: ثنا ابن عَثْمةَ، قال: ثنا سعيدُ بنُ بَشيرٍ، عن قتادةَ، عن عبدِ ربِّه، عن أبي عِياضٍ، عن عثمانَ بن عفانَ ﵁، قال: وحدَّثنا سعيدُ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيبِ، عن زيدِ بن ثابتٍ مثلَه. والصوابُ مِن [ذلك عندَنا] (٣) أن الجميعَ مُجْمِعون على (٤) أن في قتلِ الخطأِ المَحْضِ على أهلِ الإبلِ مائةً من الإبلِ. ثم اخْتَلَفُوا في مَبالغِ أسْنانِها، وأجْمَعوا على أنه لا يُقْتَصَرُ (٥) بها في الذي وجَبَت له الأسنانُ عن (٦) أقلِّ ما ذكَرْنا مِن أسْنانِها التي حدَّها الذين ذكَرْنا اخْتِلافَهم فيها، وأنه لا يُجاوَزُ بها الذي وجَبَت عليه (٧) عن أعْلاها. وإذ كان ذلك من جميعهم إجْماعًا، فالواجبُ أَن يَكونَ مُجْزِئًا مَن لزِمَته ديةُ قتلٍ خطأ - أيُّ هذه الأسنانِ التي اخْتَلَف المُخْتلفون فيها أدَّاها إلى (٨) مَن وجَبَت له؛ لأن الله جلَّ ذكرُه لم يَحُدَّ ذلك بحدٍّ لا يُجاوِزُه (٩) ولا يُقصِّرُ عنه، ولا

стр. 4893

رسولُه ﷺ ، إلا ما ذكَرْتُ مِن إجماعِهم فيما أجْمَعوا عليه؛ لأنه (١) ليس للإمامِ مُجاوَزةُ ذلك في الحكمِ بتقصيرٍ ولا زيادةٍ، وله التَّخَيُّرُ (٢) فيما بينَ ذلك بما رأَى الصَّلاحَ فيه للفريقيْن. وإن كانت عاقِلةُ القاتلِ مِن أهلِ الذهبِ، فإن لورثةِ القتيلِ عليهم عندَنا ألفَ دينارٍ، وعليه علماءُ الأمصارِ. وقال بعضُهم: ذلك تقويمٌ مِن عمرَ الإبلَ (٣) على أهلِ الذهبِ في عصرِه، فالواجبُ أن يُقَوَّمَ في كلِّ زمانٍ قيمتُها إذا عدِم الإبلَ عاقلةُ القاتلِ. واعْتَلُّوا [في ذلك] (٤) بما حدَّثنا ابن بَشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أيوبَ بن موسى، عن مكحولٍ، قال: كانت الديةُ تَرْتَفِعُ وتَنْخَفِضُ (٥)، فتُوُفِّي رسولُ اللهِ ﷺ وهى ثمانمائةِ دينارٍ، فخشِي عمرُ مِن بعدِه، فجعَلها اثنى عشَرَ ألفَ درهمٍ أو ألفَ دينارٍ (٦). وأما الذين أوْجَبوها في كلِّ زمانٍ على أهلِ الذهبِ ذهبًا ألفَ دينارٍ، فقالوا: ذلك فريضةٌ فرَضها اللهُ على لسانِ نبيِّه محمدٍ ﷺ ، كما فرَض الإبلَ على أهلِ الإبلِ. قالوا: وفي إجماعِ علماءِ الأمْصارِ في كلِّ عصرٍ وزمانٍ، إلا مَن شَذَّ عنهم، على أنها لا تُزادُ على ألفِ دينارٍ، ولا تَنْقُصُ عنها - أوضحُ الدليلِ على أنها الواجبةُ على أهلِ الذهبِ، وجوبَ الإبلِ على أهلِ الإبلِ؛ لأنها لو كانت قيمةَ

стр. 4894

المائة (١) من الإبل لَاخْتَلَف ذلك بالزيادة والنقصان لتغير أسعار الإبل. قال أبو جعفر ﵀: وهذا القول هو الحق في ذلك عندى (٢)؛ لما ذكرنا من إجماع الحجة عليه. وأما من الوَرِقِ على أهلِ الوَرِقِ عندنا، فاثنا عشر ألف درهم، وقد بينا العِلل في ذلك في كتابنا كتاب "لطيف القول في أحكام شرائع الإسلام". وقال آخرون: إنما على أهلِ الوَرِقِ مِن الوَرِقِ عشرة آلاف درهم. وأما ديةُ المُعاهَدِ الذي بيننا وبين قومه ميثاق، فإن أهل العلم اختلفوا في مبلغها؛ فقال بعضُهم: ديته ودية الحرّ المسلم سواء. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا بشرٌ بن السِّريِّ، عن إبراهيم بن سعد، عن الزهري، أن أبا بكر وعثمان كانا يَجْعَلان دية اليهودي والنصراني إذا كانا مُعاهَدَيْن كدية المسلم (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا بشرُ بنُ السَّرِيِّ، عن الدَّسْتُوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن الحكم بن عتيبة (٤)، أن ابن مسعودٍ كان يَجْعَلُ ديةَ أهل الكتاب إذا كانوا أهلَ ذمّةٍ، كدية المسلمين (٥).

стр. 4895

حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن حمادٍ، قال: سأَلَنى عبدُ الحميدِ عن ديةِ أهلِ الكتابِ، فأخْبَرْتُه أن إبراهيمَ قال: إن ديتَهم وديتَنا سَواءٌ (١). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو الوليدِ، قال: ثنا حمادٌ، عن إبراهيمَ، وداودَ، عن الشعبيِّ، أنهما قالا: ديةُ اليهوديِّ والنصرانيِّ والمجوسيِّ مثلُ ديةِ الحرِّ المسلمِ. حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: كان يقالُ: ديةُ اليهوديِّ والنصرانيِّ والمجوسيِّ كديةِ المسلمِ إذا كانت له ذمةٌ. حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليةَ، قال: ثنا ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ وعطاءٍ، أنهما قالا: ديةُ المعاهَدِ (٢) ديةُ المسلمِ (٣). حدَّثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا بشرُ بن المُفَضَّلِ، قال: ثنا المَسْعوديُّ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ، أنه قال: ديةُ المسلمِ والمعاهَدِ سَواءٌ. حدَّثني يعقوبُ، قال: حدَّثنا ابن عُليةَ، عن أيوبَ، قال: سمِعتُ الزهريَّ يقولُ: ديةُ الذميِّ ديةُ المسلمِ (٤). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، عن أشْعَثَ، عن عامرٍ، قال: ديةُ

стр. 4896

الذميِّ مثلُ ديةِ المسلمِ (١). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، عن سعيدِ بن أبي عَروبةَ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن إبراهيمَ مثلَه. حدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا أبو مُعاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: [ديةُ اليهوديِّ والنصرانيِّ والمجوسيِّ من أهلِ العهدِ كديةِ المسلمِ] (٢). حدَّثنا عبدُ الحميد بنُ بَيانِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يزيدَ، عن إسماعيلَ، عن عامرٍ، وبلَغه أن الحسنَ كان يقولُ: ديةُ المجوسيِّ ثمانِمائةٍ، وديةُ اليهوديِّ والنصرانيِّ أربعةُ آلافٍ [أربعةُ آلافٍ] (٢)، فقال: ديتُهم واحدةٌ. حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن قيسِ بن مسلمٍ، عن الشعبيِّ، قال: ديةُ المسلمِ والمعاهَدِ و (٣) كفارتُهما سَواءٌ (٤). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: ديةُ المعاهَدِ والمسلمِ سواءٌ (٥). وقال آخَرون: بل ديتُه على النصفِ من ديةِ المسلمِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن المثنى، قال: حدَّثني عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عمرِو بن

стр. 4897

شُعيبٍ في ديةِ اليهوديِّ والنصرانيِّ، قال: جعَلها عمرُ بنُ الخطابِ نصفَ ديةِ المسلمِ، و (١) المجوسيَّ ثمانِمائةٍ فقلتُ لعمرِو بن شُعيبٍ: إن الحسنَ يقولُ: أربعةُ آلافٍ. [قال: كان ذلك قبلَ القيمةِ] (٢). وقال: وإنما جعل ديةَ المجوسيِّ بمنزلةِ العبدِ. حدَّثني أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عبيدُ (٣) اللهِ الأشْجَعيُّ، عن سفيانَ، عن أبي الزِّنادِ، عن عمرَ بن عبدِ العزيزِ، قال: ديةُ المعاهَدِ على النصفِ مِن ديةِ المسلمِ (٤). وقال آخَرون: بل ديتُه على الثلثِ مِن ديةِ الحُرِّ (٥) المسلمِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني واصلُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن فُضَيْلٍ، عَن مُطَرِّفٍ، عن أبي عثمانَ، قال - وكان قاضيًا لأهلِ مَرْوِ - قال: جعَل عمرُ ﵁ ديةَ اليهوديِّ والنصرانيِّ أربعةَ آلافٍ (٦) أربعةَ آلافٍ. حدَّثني عمارُ بنُ خالدٍ الواسطيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن الأعمشِ، عن ثابتٍ (٧)، عن سعيدِ بن المسيبِ، قال: قال عمرُ: ديةُ النصرانيِّ أربعةُ آلافٍ، والمجوسيِّ ثمانِمائةٍ (٨).

стр. 4898

حدَّثنا محمدُ (١) بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، عن ثابتٍ، قال: سمِعْتُ سعيدَ بنَ المسيبِ يقولُ: قال عمرُ: ديةُ أهلِ الكتابِ أربعةُ آلافٍ، وديةُ المجوسيِّ ثمانِمائةٍ. حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ثابتٍ، عن سعيدِ بن المسيبِ، أن عمرَ بنَ الخطابِ قال: فذكَر مثلَه (٢). [حدَّثنا ابن المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو الوليدِ، قال: حدَّثنا حمَّادُ بنُ سلمةَ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المُسَيَّبِ، وحُمَيْدٍ، عن الحسنِ، عن عمرَ مثلَه] (٣). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن سعيدٍ، عن قَتادةَ، عن أبي المليح، أن رجلًا مِن قومِه رَمَى يهوديًّا أو نصرانيًّا بسهمٍ فقتَله، فرُفِع ذلك إلى عمرَ بن الخطابِ، فأْغْرَمه ديتَه أربعةَ آلافٍ. [حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن سعيدٍ] (٤)، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيبِ، قال: قال عمرُ: ديةُ اليهوديِّ والنصرانيِّ أربعةُ آلافٍ أربعةُ آلافٍ (٥). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أَخْبَرَنا بعضُ أصحابِنا، عن سعيدِ بن المسيبِ، عن عمرَ مثلَه.

стр. 4899

[أخبرَنا يعقوبُ] (١)، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن ابن أبي ليلى، عن عطاءٍ، عن عمرَ مثلَه. [حدَّثني يعقوبُ] (١)، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال أخْبرَنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن سليمانَ بن يَسارٍ أنه قال: ديةُ اليهوديِّ والنصرانيِّ أربعةُ آلافٍ، والمجوسيِّ ثمانِمائةٍ (٢). حدَّثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا خالدُ بنُ الحارثِ، قال: ثنا عبدُ الملكِ، عن عَطاءٍ مثلَه (٣). حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ في قولِه: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾: الصيامُ لمن لا يَجِدُ رقبةً، وأما الديةُ فواجبةٌ لا يُبْطِلُها شيءٌ (٤). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾: فمَن لم يَجِدْ رقبةً مؤمنةً يُحَرِّرُها كفارةً لخطئِه في قتلِه مَن قتَل مِن مؤمنٍ أو معاهَدٍ؛ لعُشرتِه بثمنِها، ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾. يقولُ: فعليه صيامُ شهرَيْن متتابِعَين. واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم فيه بنحوِ ما قْلنا فيه.

стр. 4900

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ في قولِ اللهِ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾. قال: مَن لم يَجِدْ عِتْقًا، أو عَتاقةً - شك أبو عاصمٍ - في قتلِ مؤمنٍ خطأً. قال: وأُنْزِلَت في عيَّاشٍ بن أبي ربيعةَ، قتَل مؤمنًا خطأً (١). وقال آخرون: صومُ الشهرين عن الديةِ والرقبةِ. قالوا: وتأويلُ الآيةِ: فمن لم يَجِدْ رقبةً مؤمنةً، ولا دِيةٌ يُسَلَّمُها إلى أهلِها، فعليه صومُ شهرين متتابعين. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرنا ابن المباركِ، عن زكريا، عن الشعبيِّ، عن مسروقٍ، أنه سُئِل عن الآيةِ التي في سورةِ النساءِ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾: صيامُ الشهرين عن الرقبةِ وحدَها، أو عن الديةِ والرقبةِ؟ فقال: مَن لم يَجِدْ فهو عن الديةِ والرقبةِ (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن زكريا، عن عامرٍ، عن مسروقٍ بنحوِه. والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن الصومَ عن الرقبةِ دونَ الديةِ؛ لأن ديةَ الخطأِ على عاقلةِ القاتلِ، والكفارةَ على القاتلِ، بإجماعِ الحُجَّةِ على ذلك، نقلًا عن نبيِّها ﷺ ، ولا يَقْضِى صومُ صائمٍ عما لزِم غيرَه في مالِه.

стр. 4901

والمُتابَعةُ صومُ الشهرين ممَّا (١) لا يَقْطَعُه بإفطارِ بعضِ أيامِه لغيرِ علةٍ حائلةٍ بينَه وبينَ صومِه. ثم قال جل ثناؤُه: ﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾. يعنى: رجعةً (٢) مِن اللهِ لكم إلى التيسيرِ عليكم (٣)، بتخفيفِه عنكم ما خفّف عنكم مِن فرضِ تحريرِ الرقبةِ المؤمنةِ إذا أعْسَرْتُم بها، بإيجابِه عليكم صومَ شهرين مُتتابعين، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. يقولُ: ولم يَزَلِ اللهُ عليمًا بما يُصْلِحُ عبادَه فيما يُكَلِّفُهم مِن فرائضِه، وغير ذلك، حكيمًا بما يَقْضِى فيهم ويُرِيدُ. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾. يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ومَن يَقْتُلْ مؤمنًا عامدًا قتلَه، مُريدًا إتلافَ نفسِه ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾. يقولُ: فثوابُه مِن قتلِه إياه ﴿جَهَنَّمُ﴾، يعنى: عذابَ جهنمَ ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾، يعني: باقيًا فيها، والهاءُ والألفُ في قولِه: ﴿فِيهَا﴾ مِن ذكرِ جهنمَ، ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾. يقولُ: وغضِب اللهُ عليه بقتلِه إياه متعمِّدًا، ﴿وَلَعَنَهُ﴾. يقولُ: وأَبْعَدَه مِن رحمتِه وأخْزاه، ﴿وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾. وذلك ما لا يَعْلَمُ قدْرَ مبلغِه سواه. واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في صفةِ القتلِ الذي يَسْتَحِقُّ صاحبُه أن يُسَمَّى متعمِّدًا، بعدَ إجماعِ جميعِهم على أنه إذا ضرَب رجلٌ رجلًا بحدِّ حَدِيدٍ يَجْرَحُ بحدِّه، أو

стр. 4902

يَبْضَعُ (١) ويَقْطَعُ، فلم يُقلِعْ عنه ضربًا به، حتى أتْلَف نفسَه، وهو في حالِ ضربِه إياه به قاصدٌ ضربَه، أنه عامدٌ قتلَه. ثم اخْتَلَفوا فيما عدا ذلك؛ فقال بعضُهم: لا عمدَ إلا ما كان كذلك على الصفةِ التي وصَفْنا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، قال: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قال: قال عطاءٌ: العَمدُ: السلاحُ، أو قال: الحديدُ. قال: وقال سعيدُ بنُ المسيّبِ: هو السلاحُ (٢). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا هُشَيْمٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: العمدُ ما كان بحَديدةٍ، وما كان بدونِ حَديدةٍ فهو شِبْهُ العمدِ، لا قَوَدَ فيه (٣). حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ، قال: العمدُ ما كان بحَديدةٍ، وشِبْهُ العمدِ ما كان بخَشَبةٍ، وشِبْهُ العمدِ لا يَكونُ إلا في النفسِ (٣). حدَّثني أحمدُ بنُ حمادٍ الدُّولابيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن عمرٍو، عن طاوسٍ،

стр. 4903

قال: مَن قُتِل في عصبيَّةٍ (١) في رِمِّيَّا (٢) يَكونُ بينهم (٣) بحجارةٍ، أو جلدٍ بالسِّياطِ، أو ضرْبٍ بالعصِيِّ فهو خطأٌ، ديتُه ديةُ الخطأِ، ومَن قُتِل عمدًا فهو قَودُ يدِه (٤). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن (٥) مُغيرةَ، عن الحارثِ وأصحابِه في الرجلِ يَضْرِبُ الرجلَ فيَكونُ مريضًا حتى يَموتَ، قال: أَسْأَلُ الشُّهود أنه ضرَبه، فلم يَزَلْ مَرِيضًا مِن ضربتِه حتى مات، فإن كان بسلاحٍ فهو قَوَدٌ، وإن كان بغيرِ ذلك فهو شِبْهُ العمدِ. وقال آخَرون: كلُّ ما عَمَد به (٦) الضاربُ إتلافَ نفسِ المضروبِ فهو عمدٌ، إذا كان الذي ضرَب به (٦) الأَغْلَبُ منه أنه يَقْتُلُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرحمنِ بنُ يحيى، عن حِبَّانَ بن أبي جَبَلةَ، عن عُبَيدِ بن عُميرٍ، أنه قال: وأيُّ عمدٍ هو أعْمدُ مِن أن يَضْرِبَ رجلًا بعضًا، ثم لا يُقْلِعَ عنه حتى يَموتَ (٧)؟

стр. 4904

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي هاشمٍ، عن إبراهيمَ، قال: إذا خنَقَه بحبلٍ حتى يَموتَ، أو ضرَبه بخشبةٍ حتى يموتَ فهو القَوَدُ. وعلةُ مَن قال: كلُّ ما عدا الحديدَ خطأٌ ما حدَّثنا به ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن أبي عازبٍ، عن النعمانِ بن بشيرٍ، قال: قال النبيُّ ﷺ : كلُّ شيءٍ خطأٌ إلا السيفَ، ولكلِّ خطأٍ أَرْشٌ (١) " (٢). وعلةُ مَن قال: حكمُ كلِّ ما قُتِل المضروبُ به مِن شيءٍ حكمُ السيفِ في أن مَن قُتِل به فهو (٣) قَتيلُ عمدٍ، ما حدَّثنا به ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو الوليدِ، قال: ثنا همامٌ، عن قتادةَ، عن أنسِ بن مالكٍ، أن يهوديًّا قتَل جاريةً على أوْضاحٍ (٤) لها بينَ حَجَرَيْن، فأُتِي به النبيُّ ﷺ ، فقتَله بينَ حجرين (٥). قالوا: فأقاد النبيُّ ﷺ مِن قاتلٍ بحجرٍ، وذلك غيرُ حَديدٍ. قالوا: وكذلك حكمُ كلِّ من قتَل رجلًا بشيءٍ الأغْلَبُ منه أنه يَقْتُلُ مثلَ المقتولِ به، نظيرُ حكمِ اليهوديِّ القاتلِ الجاريةَ بينَ حجرين (٦). قال أبو جعفرٍ: والصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا قولُ مَن قال: كلُّ مَن

стр. 4905

ضرَب إنسانًا بشيءٍ، الأغلبُ منه أنه يُتْلِفُه، فلم يُقْلِعْ عنه حتى أتْلَفه (١) نفسَه به، أنه قاتلُ عمدٍ ما كان المضروبُ به مِن شيءٍ؛ لِلذى ذكَرْنا مِن الخبرِ عن رسولِ اللهِ ﷺ . وأما قولُه: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾. فإن أهلَ التأويلِ اخْتَلَفوا في معناه؛ فقال بعضُهم: معناه: فجزاؤُه جهنمُ إن جازاه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن سليمانَ التَّيْميِّ، عن أبي مِجْلَزٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾. قال: هو جزاؤُه، وإن شاء تجاوز عنه (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا أبو النعمانِ الحكمُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا شعبةُ، عن سيَّارٍ (٣)، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾. قال: جزاؤُه (٤) إن جازاه (٥). وقال آخَرون: عُنِى بذلك رجلٌ بعينِه، كان أسْلَم فارْتَدَّ عن إسلامِه وقتَل رجلًا مؤمنًا. قالوا: فمعنى الآيةِ: ومَن يَقْتُلْ مؤمنًا متعمِّدًا مُسْتَحِلًّا قتله، فجزاؤُه جهنمُ
следующие страницы →