← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 4971–5010 · переход к 4976.

стр. 4971

عن عبد اللهِ بن بَابَيْهِ، عن يَعْلَى بن أُمَيَّةَ، عن عمر، عن النبيِّ ﷺ مثلَه. حدَّثنا سعيدٌ بن يحيى الأُمويُّ، قال: ثنا محمد بن أبي عَدِيٍّ، عن ابن جريجٍ، قال: سمعت عبد الرحمن بن عبدِ اللهِ بن أبي عَمَّارٍ، يُحَدِّثُ عن عبدِ اللهِ بن بَابَيْهِ، يُحَدِّثُ عن يعلى بن أُمَيَّةَ، قال: قُلتُ لعمر بن الخطابِ: أَعجَبُ مِن قصْرِ الناسِ الصلاةَ، وقد أَمِنوا، وقد قال الله ﵎: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. فقال عمرُ: عَجِبتُ ممّا عجبت منه، فذَكَرتُ ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: "صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بها عليكم، فاقبلوا صَدَقته". حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا هشام بن عبد الملك، قال: ثنا أبو عوانة، عن قَتادةَ، عن أبي العالية، قال: سافرت إلى مكة، فكنتُ أُصَلِّي ركعتين، فَلَقِينِي قُرَّاءٌ مِنْ أَهْلِ هذه الناحية، فقالوا: كيف تُصَلِّى؟ قلتُ: ركعتين. قالوا: أَسُنَّةٌ أم (١) قرآن؟ قلت: كلُّ ذلك (٢)، سنةٌ وقرآنٌ. قلت: صَلَّى رسول الله ﷺ ركعتين. قالوا: إنه كان في حربٍ. قلت: قال الله: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾ [الفتح: ٢٧]. و (٣) قال: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. فقرَأ حتى بلغ: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ (٤). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبد الله بن هاشمٍ، قال: أخبرنا

стр. 4972

سيفٌ (١)، عن أبي رَوْقٍ، عن أبي (٢) أيوبَ، عن عليٍّ ﵁، قال: سأل قومٌ من التُّجَّار رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله، إنَّا نَضْرِبُ (٣) في الأرض، فكيف نُصَلِّي؟ فأنزل الله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾. ثم انقطع الوَحْىُ، فلما كان بعد ذلك بحَوْلٍ، غَزا (٤) النبيُّ ﵇، فصَلَّى الظُّهْرَ، فقال المشركون: لقد أمكنكم محمدٌ وأصحابه من ظهورهم، هَلَّا (٥) شَدَدتُم عليهم. فقال قائلٌ منهم: إن لهم أخرى مثلها في إثرها. فأنزل اللهُ ﵎ بين الصلاتين: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١) وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾. إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾، فنزَلَت صلاةُ الخوفِ (٦). قال أبو جعفر: [وهذا من تأويل الآية حسنٌ] (٧)، لو لم يكن في الكلام "إذا"، [ولكن قوله: ﴿وَإِذَا﴾] (٨) تؤذِنُ بانقطاع ما بعدَها عن معنى ما قبلها، ولو لم يكن في الكلام "إذا"، كان (٩) معنى الكلام على هذا التأويل الذي رواه سَيْفٌ، عن أبي رَوْقٍ: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾، أيُّها المؤمنون، ﴿أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في صلاتكم، وكنت فيهم يا محمد، ﴿فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ

стр. 4973

مَعَكَ﴾ الآية. وبعدُ (١)، فإن ذلك فيما ذُكر في قراءةِ أُبيِّ بن كعبٍ (٢): (وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناحٌ أن تَقْصُروا من الصلاة (٣) أن يَفْتِنَكم الذين كفروا). حدَّثني بذلك الحارثُ، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا الثوريُّ، عن واصل بن حَيَّانَ (٤)، عن عبدِ اللهِ بن عبدِ الرحمنِ بن أَبْرَى، عن أبيه، عن أُبَيٍّ بن كعبٍ، أَنَّه كان يَقْرَأُ: (فاقْصُروا (٥) من الصلاة أن يَفْتِنَكم الذين كفروا). ولا يقرأُ: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا بكرُ بنُ شَرودٍ (٦)، عن الثوريِّ، عن واصلٍ الأحدبِ، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أُبيٍّ بن كعبٍ أنه قرأ: (أن تَقْصُروا من الصلاةِ أنْ يفتنكم الذين كفروا). قال بكرٌ: وهى في الإمامِ، مصحفِ عثمان بن عفان ﵀: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٧). [وهذه القراءة تُنبِئُ على أن قوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾] (٨).

стр. 4974

مُواصِلٌ (١) قوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾. وأن معنى الكلام: وإذا ضَرَبْتُم في الأرض، فإن خِفْتُم أن يَفْتِنَكم الذين كفروا، فليس عليكم جُناحُ أن تَقْصُروا من الصلاة، وأن قوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ قصةٌ مُبْتَدَأَةٌ غيرُ قصة هذه الآية؛ وذلك أن تأويل قراءةِ (٢) أَبَيِّ بن كعبٍ هذه التي ذكرناها عنه: وإذا ضربتُم في الأرضِ فليس عليكم جناحٌ أن تقصُروا من الصلاةِ أن لا يفتتكم الذين كفروا. فحُذفت "لا" لدَلالة الكلام عليها، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]. بمعنى: أن لا تَضِلُّوا. ففىما وَصَفْنا دَلالةٌ بَيِّنَةٌ على فسادِ التأويل الذي رواه سيفٌ، عن أبي روقٍ. وقال آخرون: بل هو القَصْرُ في السفر، غير أنه إنما أذن جل ثناؤُه به للمسافر، في حالِ خَوْفِهِ مِن عدوٍّ يَخْشَى أَن يَفْتِنَه في صلاته. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني أبو عاصمٍ عمرانُ بنُ محمدٍ الأَنْصَارِيُّ، قال: ثنا [عبدُ الكبير] (٣) بنُ عبد المجيد، قال: حدَّثنا محمدُ (٤) بنُ عبدِ اللهِ بن محمدِ بن (٥) عبدِ الرحمن بن أبى بكر الصديق، قال: سمعتُ أبى، يقولُ: سَمِعتُ عائشة تقولُ في

стр. 4975

السفرِ: أتِمُّوا صلاتكم. فقالوا: إن رسول الله ﷺ كان (١) يُصَلِّي في السفر ركعتين؟ فقالت: إن رسول الله ﷺ كان في حربٍ (٢)، وكان يخافُ، هل تخافون أنتم؟ (٣) حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحَكَم، قال: ثنا ابن أبي فُدَيْكٍ، قال: ثنا ابن أبي ذئبٍ، عن ابن شهابٍ، عن أُمَيَّةَ بن عبدِ اللهِ بن خالد بن أَسِيدٍ، أنه قال لعبد اللهِ بن عمرَ: إِنَّا نَجِدُ في كتابِ اللَّهِ قَصْرَ [صلاة الخوف] (٤)، ولا نَجدُ قَصْرَ صلاةِ المسافر؟ فقال عبد الله: إنَّا وَجَدْنا نَبِيَّنا ﷺ يَعْمَلُ عملًا عَمِلْنا به (٥). حدَّثنا عليُّ بن سهلٍ الرَّمليُّ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، أن عائشةَ كانت تُصَلِّي في السفر أربعًا (٦). حدَّثنا سعيدُ بنُ يحيى، قال: ثنى أبى، قال: ثنا ابن جُريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ:

стр. 4976

أيُّ أصحاب رسولِ اللهِ ﵇ كان يُتِمُّ الصلاة في السفرِ؟ قال: عائشةُ وسعدُ بن أَبِي وَقَّاصٍ (١). وقال آخرون: بل عَنَى بهذه الآيةِ، قَصْرَ صلاةِ الخوفِ في غيرِ حالِ المُسَايَفةِ. قالوا: وفيها أُنْزِلتْ (٢). ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾. قال: يومَ كان النبيُّ ﵇ وأصحابُه بعُسْفانَ (٣)، والمشركون بضَجْنَانَ (٤)، فَتَواقَفوا (٥)، فصَلَّى النبيُّ ﷺ بأصحابِه صلاةَ الظهرِ ركعتَين، أو أربعًا - شَكّ أبو عاصمٍ - ركوعُهم وسجودُهم وقيامُهم معًا جميعًا، فَهَمَّ بهم المشركون أن يُغيروا على أمتعاتِهم (٦) وأثقالِهم، فأنزَل الله عليه: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾. فصَلَّى العصرَ، وصَفَّ أصحابَه صَفَّين، ثم كَبَّر بهم جميعًا، ثم سَجَد الأَوَّلون سَجْدةً (٧)، والآخَرون قيامٌ، ثم سَجَد الآخَرون حينَ قامَ النبيُّ ﷺ ، ثم كَبَّر بهم ورَكَعوا جميعًا، فتَقَدَّم الصَّفُّ الآخَرُ، واستأخَر الصفُّ الأَوَّلُ، فَتَعاقَبوا السُّجودَ،

стр. 4977

كما فَعَلُوا أَوَّلَ مَرَّةٍ، وقَصَر صلاةَ العصرِ إلى الركعتَين (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: حدثني شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾. قال: كان النبيُّ ﷺ وأصحابُه بعُسْفانَ، والمشركون بضَجْنَان، فتَواقَفوا (٢)، فصَلَّى النبيُّ ﷺ بأصحابهِ (٣) صلاةَ الظهرِ ركعتَين؛ ركوعُهم وسجودُهم وقيامُهم معًا (٤) جميعًا، فَهَمَّ بهم المشركون أن يُغِيروا على أمتِعَتِهم (٥) وأثقالِهم، فأنزَل الله ﵎: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾. فصَلَّى صلاةَ العصرِ؛ فصَفَّ أصحابَه صَفَّين، ثم كَبَّر بهم جميعًا، ثم سَجَد الأَوَّلون لسجودِه (٦)، والآخَرون قيامٌ لم يسجُدوا، حتى قامَ النبيُّ ﷺ ثم كَبَّر (٧) وركَعوا جميعًا، فتقدَّمَ الصفُّ الآخَرُ، واستأخَر الصَّفُّ المُقَّدمُ، فتَعاقَبوا السجودَ كما فعَلوا (٨) أَوَّلَ مَرَّةٍ، [وقَصُرَت] (٩) صلاةُ العصرِ إلى ركعتَين. حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: حدَّثني جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن أبى (١٠) عَيَّاشِ الزَّرَقيِّ، كُنَّا مع النبيِّ ﵇ بعُسْفانَ، وعلى المشركين

стр. 4978

خالدُ بنُ الوليدِ، قال: فَصَلَّينا الظهرَ، فقال المشركون: لقد (١) كانوا على حالٍ، لو أرَدْنا لأَصَبْنا غِرَّةً، لأَصَبْنا غَفْلَةً. فَأُنزِلَت آيةُ القَصْرِ بينَ الظهرِ والعصرِ، فأخَذ الناسُ السلاحَ، وصَفَّوا خلفَ رسولِ الله ﷺ مُسْتَقْبِلى القبلةِ والمشركون مُسْتَقْبلُوهم (٢)، فكَبَّر رسولُ اللهِ ﷺ وكَبَّروا جميعًا، ثم ركَع وركَعوا جميعًا، ثم رَفَع رأسَه ورفَعوا جميعًا، ثم سَجَد وسَجَد الصَّفُّ الذي يَلِيه، وقام الآخَرون يَحْرُسونهم، فلما فَرَغ هؤلاء مِن سجودِهم سَجَد هؤلاء، ثم نَكَص الصفُّ الذي يَلِيه، وتَقَدَّم الآخَرون فقاموا في مُقامِهم، فرَكَع رسولُ الله ﷺ فرَكَعوا جميعًا، ثم رَفَع رأسه فرَفَعوا جميعًا، ثم سَجَد وسَجَد الصَّفُّ الذي يَلِيه، وقام الآخَرون يَحْرُسونهم، فلما فَرَغ هؤلاء مِن سجودِهم، سَجَد هؤلاء الآخَرون، ثم استَوَوا معهم (٣) فقَعَدوا جميعًا، ثم سَلَّم عليهم جميعًا، فصلَّاها (٤) بعُسْفانَ، وصلَّاها يومَ بنى (٥) سُلَيمٍ (٦). وحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا عُبَيدُ اللهِ بنُ موسى، عن شَيْبَانَ النَّحْوِيِّ، عن

стр. 4979

منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن أبي عَيَّاشٍ الزُّرَقيِّ، و (١) عن إسرائيلَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن أبي عَيَّاشٍ (٢) قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ بعُسْفَانَ. ثم ذكَر نحوَه (٣). حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا مُعاذُ بنُ هشامٍ، قال: حدَّثني أبى، عن قتادةَ، عن سليمانَ (٤) اليَشْكُرِيِّ، أنه سأل جابرَ بنَ عبدِ اللَّهِ عن إقصارِ الصلاةِ، أيَّ يومٍ أُنْزِل؟ أو في أيِّ يومٍ هو؟ فقال جابرٌ: انطلَقنا نَتَلقَّى عِيرَ قريشٍ آتيةً مِن الشأمِ، حتى إذا كُنَّا بنَخْلٍ، جاء رجلٌ مِن القومِ إلى رسولِ الله ﷺ فقال: يا محمدُ. قال: "نعم". قال: هل تخافُني؟ قال: "لا". قال: فمَن يَمْنَعُك منى؟ قال: "اللَّهُ يَمْنَعُنى مِنْكَ". قال: فَسَلَّ السيفَ، ثم هَدَّده وأوعَده، ثم نادَى بالرحيلِ (٥)، وأخَذ السلاحَ، ثم نُودِيَ بالصلاةِ، فصَلَّى رسولُ الله ﷺ بطائفةٍ مِن القومِ، وطائفةٌ أخرى تَحْرُسُهم، فصَلَّى بالذين يَلُونه ركعتَين، ثم تأخَّر الذين يَلُونه على أعقابِهم، فَقاموا في مَصَافِّ (٦) أصحابِهم، و (٧) جاء الآخرون، فصَلَّى بهم ركعتَين، والآخرون يَحْرُسونهم، ثم سَلَّم. فكانت للنبيِّ ﷺ أربعَ ركعاتٍ، وللقومِ ركعتَين ركعتيَن، فيومَئذٍ أنزَل الله في إقصارِ الصلاةِ، وأمَر المؤمنين بأخْذِ السلاحِ (٨).

стр. 4980

وقال آخرون: بل عَنَى بها قَصْرَ صلاةِ الخوفِ في حالٍ غيرِ شدةِ الخوفِ، إلَّا أنه عَنَى به القَصْرَ من (١) صلاةِ السفرِ، لا من (٢) صلاةِ الإقامةِ، قالوا: وذلك أن صلاةَ السفرِ في غيرِ حالِ الخوفِ ركعتان تمامٌ غيرُ قَصْرٍ، كما أن صلاةَ الإقامةِ أربعُ ركعاتٍ في حالِ الإقامةِ. قالوا: فقَصُرَت في السفرِ في حالِ الأمنِ غيرِ الخوفِ عن صلاةِ المُقِيمِ، فجُعِلَت على (٣) النصفِ، وهى تمامٌ في السفرِ، ثم قَصُرَت في حالِ الخوفِ في السفرِ عن صلاةِ الأمنِ فيه، فجُعِلَت على النصفِ، ركعةً. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطٌ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾. إلى قولِه: ﴿عَدُوًّا مُبِينًا﴾. إن الصلاةَ إذا صُلِّيَتْ ركعتَين في السفرِ فهو (٤) تَمامٌ. والتقصيرُ لا يَحِلُّ، إلا أن تخافَ من الذين كفَروا أن يَفْتِنوك عن الصلاةِ. والتقصيرُ فيه (٥) ركعةٌ، يقومُ الإمامُ، ويقومُ جندُه جندَين؛ طائفةٌ خلفَه، وطائفةٌ يُوازون العدوَّ، فيُّصَلِّي بمَن معه ركعةً، ويمشُون إليهم على أدبارِهم حتى (٦) يَقوموا في مُقامِ

стр. 4981

أصحابهم، وتلك المِشْيَةُ القَهْقَرَى. ثم تأتى الطائفةُ الأخرى، فتُصَلِّى مع الإمامِ ركعةً أخرى، ثم يَجلِسُ الإمامُ فيُسَلِّمُ، فيَقُومون فيُصَلُّون لأنفسِهم ركعةً، ثم يَرْجِعون إلى صَفِّهم، ويقومُ الآخرون فيُضِيفون إلى ركعتِهم ركعةً. والناسُ يقولون: لا، بل هي ركعةٌ واحدةٌ، لا يُصَلِّى أحدٌ منهم إلى ركعتِه شيئًا، تُجزِئُه ركعةُ الإمامِ. فيكونُ للإمامِ ركعتان، ولهم ركعةٌ، فذلك قولُ الله : ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾. إلى قولِه: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ (١). حدَّثنا أحمدُ بنُ الوليدِ القُرَشِيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سِماكٍ الحَنَفيِّ، قال: سألتُ ابنَ عمرَ عن صلاةِ السفرِ؟ فقال: ركعتان تمامٌ غيرُ قَصْرٍ، إنما القصرُ صلاةُ المخافةِ. فقلتُ: وما صلاةُ المخافةِ؟ قال: يُصَلِّي الإمامُ بطائفةٍ ركعةً، ثم يَجِيء هؤلاء مكانَ هؤلاء، ويَجِيءُ (٢) هؤلاء (٣) مكانَ هؤلاء، فيُصَلِّي بهم ركعةً، فيكونُ للإمامِ ركعتان (٤)، ولكلِّ طائفةٍ ركعةٌ ركعةٌ (٥). حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا يحيى (٦)، قال: ثنا سفيانُ، عن سالمٍ الأفْطَسِ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، قال: كيف تكونُ قَصْرًا وهم يُصَلُّون ركعتَين (٢)، إنما هي ركعةٌ (٧). حدَّثني سعيدُ بنُ عمرٍو السَّكُونيُّ، قال: ثنا بَقِيَّةُ، قال: ثنا المسعوديُّ، قال:

стр. 4982

ثنى يزيدُ الفقيرٌ، عن جابرِ بن عبدِ اللهِ، قال: صلاةُ الخوفِ ركعةٌ (١). حدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنى عمى عبدُ اللَّهِ بنُ وَهْبٍ، قال: أخبَرني عمرُو بنُ الحارثِ، قال: ثنى بكرُ بنُ سَوادةَ، أن زيادَ بنَ نافعٍ حدَّثه، عن كعبٍ، وكان مِن أصحابِ رسول الله ﷺ ما قُطِعَت يَدُه يومَ اليمامةِ، أن صلاةَ الخوفِ لكلِّ طائفةٍ ركعةٌ وسجدَتان (٢). واعتَلَّ قائلو هذه المقالة [مِن الآثار] (٣) بما حدَّثنا به محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال (٤): ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنى أشعثُ بنُ أبى الشَّعْثاءِ، عن الأسودِ بن هلالٍ، عن ثَعْلبةَ بن زَهْدَمٍ اليَرْبُوعِيِّ، قال: كُنَّا مع سعيدِ بن العاصِ بطَبَرِسْتانَ، فقال: أيُّكم يَحْفَظُ صلاةَ رسولِ الله ﷺ في الخوفِ؟ فقال حُذَيفةُ: أنا. فأَقامنا خلفَه صَفًّا وصفًّا (٥) موازىَ العدوِّ، فصلَّى بالذين يَلُونه ركعةً، و (٦) ذهَب هؤلاء إلى مَصافِّ أولئك، [وجاء هؤلاءِ فصلَّى بهم ركعةً] (٧).

стр. 4983

حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا [يحيى و] (١) عبد الرحمن، قالا (٢): ثنا سُفيانُ، عن الرُّكينِ بن الربيع، عن القاسم بن حَسَّانَ، قال: سألتُ زيد بن ثابت عنه، فحَدَّثنى بنحوه (٣). [حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن الأشْعَثِ، عن الأسود بن هلالٍ، عن ثعلبةَ بن زَهْدَمٍ اليَرْبُوعِيِّ، عن حُذيفة بنحوه] (٤). حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال حدَّثنا يحيى، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنا أبو بكر بنُ أبى الجهم، عن عُبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباسٍ، أن رسول الله ﷺ صلى بذى قَرَدٍ (٥) نَصَفُ الناس خلفه صفَّين؛ صَفًّا خلفَه، وصفًّا موازى العدوِّ، فصلَّى بالذين خلفه ركعةٌ، ثم انصرف هؤلاء إلى مكان هؤلاء، وجاء أولئك، فصلَّى بهم ركعةً، ولم يقضوا (٦).

стр. 4984

حدَّثنا تميمُ بنُ المُنتَصِرِ، قال: حدَّثنا إسحاقُ الأزرقُ، عن شَرِيكٍ، عن أبي بكر بن صُخَيْرٍ (١)، عن عُبَيدِ اللهِ بن عبدِ اللهِ، عن ابن عباسٍ مثله. حدَّثنا بشرُ بن مُعاذٍ، قال: ثنا أبو عَوَانةَ، عن بُكير بن الأخنس، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: فَرَض الله الصلاة على لسان نبيِّكم ﷺ في الحَضَرِ أربعًا، وفى السفر ركعتين، وفى الخوف ركعةً (٢). حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا أبو عَوَانةَ، عن بُكَيرِ بن الْأَخْنَسِ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباس مثله (٣). حدَّثنا نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأَوْدِيُّ (٤)، قال: ثنا المُحاربيُّ، عن أيوب بن عائذٍ الطائيِّ، عن بُكَيرِ بن الأَخْنَسِ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ مثله. حدَّثنا يعقوبُ بن ماهان، قال: ثنا القاسمُ بن مالكٍ، عن أيوب بن عائذٍ الطَّائيِّ، عن بُكَيرِ بن الأَخْنَسِ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ مثله (٥). حدَّثنا محمد بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن يزيد الفقير، عن جابرِ بن عبدِ اللهِ، أن رسول الله ﷺ صَلَّى بهم (٦)

стр. 4985

صلاة الخوف، فقامَ صَفٌّ بينَ يَدَيه وصَفٌّ خلفَه بينَ يَدَيه وصَفٌّ خلفَه، فصَلَّى بالذين خلفه ركعةً وسجدتين، ثم تقدَّم هؤلاء حتى قاموا مَقامَ أصحابهم، وجاء أولئك حتى قاموا مقام هؤلاء، فصَلَّى بهم رسول الله ﷺ ركعةً وسجدتين ثم سَلَّم، فكانت للنبيِّ ﷺ ركعتين ولهم ركعةً (١). حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن وَهْبٍ، قال: ثنى عمى عبدُ اللَّهِ بنُ وَهْبٍ، قال: أخبرني عمرُو بنُ الحارث أن بكر بن سَوادةَ، حدَّثه عن زياد بن نافعٍ، حدَّثه عن أبى موسى، أن جابر بن عبدِ اللهِ حدثَّهم، أن رسول الله ﷺ صَلَّى الخوفِ يومَ مُحارب وثعلبة، لكلِّ طائفةٍ ركعةً وسجدتين (٢). حدَّثني أحمدُ بنُ محمد الطُّوسِيُّ، قال: ثنا عبدُ الصَّمَدِ، قال: ثنا سعيدُ بنُ عُبَيْدٍ (٣) الهُنَائِيُّ (٤)، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ شَقِيقٍ، قال: ثنا أبو هريرة أن رسول اللهِ ﷺ نَزَل بينَ ضَجْنانَ (٥) وعُسْفانَ، فقال المشركون: إن لهؤلاء صلاةً هي أحبُّ إليهم من أبنائهم وأبكارهم (٦)، وهى العصرُ، فأجمعوا أمركم، فميلوا عليهم مَيْلةً واحدةً، وإن جبريل ﷺ أتى النبي ﵇ فأمره (٧) أن يُقِيمَ (٨) أصحابه

стр. 4986

شَطْرَين (١)، فيُصَلِّي ببعضهم (٢)، وتقوم طائفةٌ أخرى وراءهم، فيأخُذوا جذْرَهم وأسلحتهم، ثم تأتى (٣) الأخرى فيصَلُّوا معه، ويأخُذُ هؤلاء حِذرَهم وأسلحتهم، فتكونُ لهم ركعةٌ ركعةٌ مع رسول الله ﷺ ، ولرسول الله ﷺ ركعتين" (٤). وقال آخرون (٥): بل عَنَى به القَصْرَ في السَّفَرِ، إلا أنه عَنَى به القَصْرَ في شِدَّةِ الخوف (٦)، وعند المُسايفة، فأُبيح عند التحام الحربِ للمُصَلِّي أَن يَرْكَعَ ركعةً إيماءً برأسه حيثُ تَوَجَّه بوجهه. قالوا: فذلك معنى قوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية: [وقَصْرُ] (٧) الصلاة، إن لقيت

стр. 4987

العدوَّ وقد حانت الصلاةُ: أن تُكَبِّرَ اللَّهَ وتَخفِضَ رأسك إيماءً، راكبًا كنتَ أو ماشيًا (١). قال أبو جعفرٍ، ﵀: وأولى هذه الأقوال التي ذكرناها بتأويل الآية، قولُ من قال: عَنى بالقَصْرِ فيها، القَصْرَ مِن حدودها. وذلك تَرْكُ إتمام ركوعها وسجودها، وإباحةُ أدائها كيف أمكن أداؤها، مُسْتقبل القبلة فيها ومُسْتدبرها، وراكبًا وماشيًا، وذلك في حالِ السَّلَّةِ (٢) والمُسايفة والتحام الحرب، وتزاحُف الصُّفوف، وهى الحال التي قال الله جلَّ ثناؤه فيها: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]. وأذن بالصلاة المكتوبة فيها راكبًا، إيماءً بالركوع والسجودِ على نحو ما رُوى عن ابن عباسٍ من تأويله في ذلك. وإنما قُلنا ذلك أولى التأويلات بقوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ لدّلالةِ قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾. على أن ذلك كذلك؛ لأن إقامتها إتمامُ حدودها من الركوع والسجودِ وسائرِ فروضِها، دونَ الزيادة في عددها التي لم تكن واجبةً في حال الخوفِ. فإن ظَنَّ ظانٌّ أن ذلك أمرٌ مِن الله بإتمام عددها الواجب عليه في حال الأمن بعد زوالِ الخوفِ، فقد يجبُ أن يكون المسافرُ في حال قَصْرِه صلاته عن صلاة [المُقِيمِ، غير مُقيمٍ] (٣) صلاته لنَقص عددِ صلاتِه من الأربعِ اللازمةِ

стр. 4988

كانت له في حال إقامته إلى الركعتين. وذلك قولٌ (١) إن قاله قائلٌ، مخالفٌ لما عليه الأمةُ مُجْمِعَةٌ مِن أن المسافر لا يَسْتَحِقُّ أن يقال له - إذا أتى بصلاته بكمال حدودها المفروضة عليه فيها، وقصر عددها عن أربعٍ إلى اثنتين -: إنه غير مُقيمٍ صلاته. وإذا كان ذلك كذلك، وكان الله تعالى ذكره قد أمر الذي أباح له أن يَقْصِر صلاته خوفًا من عدوِّه أن يَفْتِنَه، أن يقيم صلاتَه إذا اطمأنَّ وزال الخوفُ، كان معلومًا أنَّ الذي فَرَض عليه من إقامة ذلك في حال الطمأنينة، عينُ (٢) الذي كان أسقط عنه في حال الخوفِ. وإذ كان الذي فَرَض عليه في حالِ الطُّمأنينة: إقامة صلاته، فالذى أسقط عنه في غير حالِ الطُّمأنينة: تَرْكُ إقامتها. وقد دلَّلنا على أن تَرْكَ إقامتها، إنما هو تَرْكُ حدودِها، على ما بيَّنَّا قبلُ. القولُ في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾. قال أبو جعفر، ﵀: يعنى بذلك جلّ ثناؤُه: وإذا كنتَ في الضاربين في الأرض من أصحابك يا محمدُ، الخائفين عدوُّهم أن يَفْتِتَهم ﴿فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾. يقولُ: فأتممتَ (٣) لهم الصلاة بحدودها وركوعها وسجودها، ولم

стр. 4989

تَقْصُرُها القَصْرَ الذي أبَحْتُ (١) لهم أن يَقْصُروها في حال تلاقيهم وعدوَّهم، وتَزاحُفِ بعضهم إلى بعض، مِن تَرْكِ إقامة حدودها وركوعها وسجودها وسائر فروضها، ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾. يعنى: فلتَقُمْ فِرْقةٌ من أصحابك الذين وتكون أنت فيهم معك في صلاتِك، وليكن سائرُهم في وجوه العدوِّ - وترك ذكر ما ينبغى لسائر الطوائف غير المُصلِّية مع النبيِّ ﷺ أن يفعله لدلالة الكلام المذكور على المراد به، والاستغناء بما ذُكر عما تُرك ذكرُه - ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾. واختلف أهلُ التأويل في الطائفة المأمورة بأخذ السلاح؛ فقال بعضُهم: هي الطائفةُ التي كانت تُصلِّى مع رسول الله ﷺ . قال: ومعنى الكلام: ﴿وَلْيَأْخُذُوا﴾. يقولُ: ولتأخذ الطائفةُ المُصَلِّيةُ معك من طوائفهم ﴿أَسْلِحَتَهُمْ﴾. والسلاحُ الذي أُمروا بأخذِه عندهم في صلاتهم، كالسيف يَتقلَّدُه أحدُهم، والسكين، والخنجرِ يَشُدُّه إلى دِرْعه (٢) وثيابه التي هي عليه، ونحوِ ذلك من سلاحه. وقال آخرون: بل الطائفةُ المأمورةُ بأخذِ السلاح منهم الطائفةُ التي كانت بإزاء العدوِّ، دونَ المُصَلِّية مع رسول الله ﷺ . وذلك قولُ ابن عباس. حدَّثني بذلك المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا﴾ يقولُ: فإذا سجدتِ الطائفةُ التي قامت معك في صلاتك تُصلِّي بصلاتك، فَفَرَغَت من سجودِها، ﴿فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾.

стр. 4990

يقولُ: فليصيروا بعدَ فراغِهم من سجودِهم خلفكم مُصَافِّى (١) العدوِّ في المكان الذي فيه سائرُ الطوائف التي لم تُصَلِّ معك، ولم تَدخُلْ معك في صلاتك (٢). ثم اختلف أهلُ التأويل في تأويل قوله: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: فإذا صَلُّوا فَفَرَغوا من صلاتهم، فليكونوا من ورائكم. ثم اختلف أهلُ هذه المقالة؛ فقال بعضُهم: إذا صَلَّت هذه الطائفةُ مع الإمام ركعةً، سَلَّمَت وانصرفت من صلاتها، حتى تأتى مُقامَ أصحابها بإزاء العدوِّ، ولا قضاء عليها. وهم الذين قالوا: عَنَى الله بقوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾. أن تجعلوها - إذا خفتم الذين كفروا أن يَفْتِنوكم - ركعةً. ورَوَوا (٣) عن النبيِّ ﷺ أنه صلَّى بطائفةٍ صلاةَ الخوفِ ركعةً، ولم يَقْضُوا، وبطائفةٍ أخرى ركعةً (٣) ولم يَقْضُوا. وقد ذكرنا بعض ذلك فيما مَضَى، وفىما ذكرنا كفايةٌ عن استيعابِ ذكرِ جميع ما فيه (٤). وقال آخرون منهم: بل الواجبُ كان على هذه الطائفة التي أمرها الله بالقيام مع نبيِّها، إذا أراد إقامة الصلاةِ بهم في حالِ خوفِ العدو، إذا فَرَغَت من ركعتها التي أمرها الله أن تصلِّى مع النبيِّ ﷺ على ما أمرها به في كتابه - أن تَقُومَ في مُقامِها الذي صَلَّت فيه مع رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فتُصَلِّي لأنفسها بَقِيَّةَ

стр. 4991

صلاتها [وتُسَلِّمَ] (١)، وتأتى مصافَّ أصحابها، وكان على النبيِّ ﷺ أن يثبُت (٢) قائمًا في مُقامِه حتى تَفْرُغَ الطائفةُ التي صَلَّت معه الركعة الأولى من بقيَّة صلاتها - إذا كانت صلاتُها التي صلَّت معه مما يجوزُ قَصْرُ عددِها عن الواجب على المُقيمين في أَمْنٍ - وتَذْهَبَ إلى مصافِّ أصحابها، وتأتي الطائفةُ التي كانت مُصَافَّةً عدوَّها، فيُصَلِّي بها ركعةً أخرى من صلاتها. ثم هم في حكم هذه الطائفة الثانية مُختلفون؛ فقالت فرقةٌ من أهل هذه المقالة: كان على النبيِّ ﷺ إذا فَرَغ من ركعتيه (٣)، ورفَع رأسَه من سجوده من ركعتِه الثانية، أن يَقْعُدَ للتشهُّدِ، وعلى الطائفة التي صَلَّت معه الركعة الثانية، ولم تُدْرِكْ معه الركعة الأولى؛ لاشتغالها بعدوِّها أن تقوم فتقضى ركعتها الفائتةَ مع النبيِّ ﷺ ، وعلى النبيِّ ﷺ انتظارُها قاعدًا في تشهُّده حتى تَفْرُغَ هذه الطائفةُ مِن ركعتها الفائتة وتتشهَّدَ، ثم يُسَلَّم بهم. وقالت فرقةٌ أخرى منهم: بل كان الواجبُ على الطائفة التي لم تُدْرِكْ معه الركعة الأولى إذا قعد النبيُّ ﷺ [للتشهُّد، أن تَقْعُدَ معه للتشهد فتَتَشهَّدَ بتَشهُّدِه، فإذا فرغ النبيُّ ﷺ ] (١) مِن تَشهُدِه سَلَّم، ثم قامتِ الطائفةُ التي صَلَّت معه الركعة الثانية حينئذٍ، فقَضَت ركعتها الفائتة. وكلُّ قائلٍ من الذين ذكرنا قولهم، روى عن رسول الله ﷺ أخبارًا بأنه كما قال فعل.

стр. 4992

ذكرُ مَن قال: انتظر النبيُّ ﷺ الطائفتين حتى قضت صلاتها (١)، ولم يَخْرُجُ مِن صلاته (٢) إلا بعد فراغ الطائفتين (٣) من صلاتهما (٤). حدَّثني يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني مالكٌ، عن يزيد بن رُومان، عن صالح بن خَوَّاتٍ، عمَّن صلَّى مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف، يومَ ذاتِ الرِّقاعِ، أن طائفةٌ صَفّت معه، وطائفةٌ وجاه (٥) العدو، فصلَّى بالذين معه ركعةً، ثم ثَبَت قائمًا، فأتَمُّوا لأنفسهم، ثم جاءت الطائفةُ الأخرى، فصلَّى بهم، ثم ثَبَت جالسًا فأتمُّوا لأنفسهم، ثم سَلَّم بهم (٦). حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنى [عُبَيدُ اللهِ] (٧) بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا شعبةُ، عن عبد الرحمن بن القاسمِ، عن أبيه، عن صالحِ بن خَوَّاتٍ، عن سهلِ بن أبى حثمةً، قال: صلَّى النبيُّ ﷺ بأصحابه [في خوفٍ، فجعلهم خلفه صفَّين] (٨)، فصلَّى بالذين يلُونه ركعةً، ثم قام، فلم يَزَلْ قائمًا حتى صَلَّى الذين خلقه ركعةً، ثم تقدَّموا (٩) وتخلَّف الذين كانوا قُدَّامهم، فصلَّى بهم ركعةً، ثم جلَس حتى صَلَّى الذين تخلَّفوا (١٠)

стр. 4993

ركعةٌ، ثم سلَّم (١). حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا رَوْحٌ، عن شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن صالح بن خَوَّاتٍ، عن سهل بن أبى حَثْمَةَ، عن رسولِ الله ﷺ أنه قال في صلاة الخوف: "تَقُومُ طائفةٌ بينَ يَدَى الإمام وطائفةٌ خَلْفَه، فيُصَلِّى بالذين خلفه ركعةً وسَجْدَتَين، ثم يَقْعُدُ مكانَه حتى يَقْضُوا ركعةً وسجدَتين، ثم يَتَحَوَّلون إلى مكان أصحابهم، ثم يَتَحَوَّلُ أولئك إلى مكان هؤلاء، فيُصَلِّي بهم ركعةً وسجدَتَين، ثم يَقْعُدُ مكانَه حتى يُصَلُّوا ركعةً وسَجْدَتَين، ثم يُسَلِّمُ" (٢). ذكرُ مَن قال: كانت الطائفةُ الثانيةُ تَقعُدُ مع النبيِّ ﷺ حتى يَفْرُعَ النبيُّ ﷺ من صلاته، ثم تَقْضِى ما بَقِيَ عليها (٣) بعدُ. حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الوَهَّابِ، قال: سمعتُ يحيى بن سعيدٍ، قال: سمِعتُ القاسم، قال: ثنى صالحُ بنُ خَوَّاتِ بن جُبَيرٍ، أن سهلَ بن أبى حَثْمَةَ حَدَّثه أن صلاة الخوفِ أن يقوم الإمامُ إلى القبلة يُصلِّى ومعه طائفةُ من أصحابه، وطائفةٌ أخرى مُواجهة العدوِّ، فيُصَلِّي، فيركَعَ الإمامُ بالذين معه، ويَسجُدَ ثم يقوم، فإذا استوى قائمًا ركَع الذين وراءَه لأنفسهم ركعةً وسجدتَين، ثم سَلَّموا فانصرفوا والإمامُ قائمٌ، فقاموا إزاء العدوِّ، وأقبَل الآخرون فكَبَّروا مكان الإمام، فركع بهم الإمام، وسجد ثم سَلَّم، فقاموا فرَكَعوا لأنفسهم ركعةً وسجدتين، ثم سلَّموا (٤). حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا يزيدُ بن هارونَ، قال: أخْبرَنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن

стр. 4994

القاسم بن محمدٍ، أن صالحَ بنَ خَوَّاتٍ أخبره، عن سهلِ بن أبى حَثْمةَ في صلاةِ الخوف. ثم ذكر نحوه (١). حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، [وسألته] (٢)، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ الأنصاريُّ، عن القاسم بن محمدٍ، عن صالحٍ، عن سهلٍ بن أبى حَثْمةَ في صلاةِ الخوفِ، قال: يقومُ الإمامُ مُسْتقبل القبلة، وتقوم طائفةٌ منهم معه، وطائفةٌ مِن قِبَلِ العدوِّ، وجوهُهم إلى العدوِّ، فيرَكَعُ بهم ركعةً، ثم يركَعون لأنفسهم ويسجُدون سجدتين في مكانهم، ويذهبون إلى مُقام أولئك، ويجئُ أولئك، فيركعُ بهم ركعةً ويَسجُدُ سجدتين، فهى له ركعتان ولهم واحدةٌ، ثم يركعون ركعةً، ويسجُدون سجدتين (٣). قال بندَارٌ (٤): سألتُ يحيى بن سعيدٍ عن هذا الحديثِ، فحدَّثنى عن شُعْبَةَ، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن صالح بن خَوَّاتٍ، عن سهلِ بن أبى حَثْمةَ، عن النبيِّ ﷺ بمثل حديث يحيى بن سعيدٍ، وقال لى: اكتُبه إلى جنبه، فلستُ أحفَظُه، ولكنه مثل حديث يحيى بن سعيد (٥).

стр. 4995

حدَّثنا نَصْرُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا عُبَيدُ اللهِ، عن القاسم بن محمدِ بن أبى بكرٍ، عن صالح بن خَوَّاتٍ، أن الإمام يقوم فيصُفُّ صفَّين، طائفةٌ مُواجهة العدوِّ، وطائفةٌ خلفَ الإمام، فيُصَلِّي الإمام بالذين خلفه ركعةً، ثم يقومون فيُصلُّون لأنفسهم ركعةً، ثم يسلِّمون (١)، ثم يَنطلقون فيصُفُّون، ويجئ الآخرون فيصَلِّي بهم ركعةً، ثم يُسلِّم، فيقُومون فيُصَلُّون لأنفسهم ركعةً (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الأعلى، قال: ثنا مُعْتَمِرُ بنُ سليمان، قال: سمعتُ عُبيد الله، عن القاسم بن محمدٍ، عن صالح بن خَوَّاتٍ، عن رجلٍ مِن أصحاب النبيِّ ﷺ ، أنه قال: صلاةُ الخوف أن تقوم طائفةٌ من خلف الإمام، وطائفةٌ يَلُون العدوّ، فيُصَلِّي الإمام بالذين خلفه ركعةً، ويقومُ قائمًا، فيُصَلِّي القومُ إليها ركعةً أخرى، ثم يُسلمون (٣) فينطلقون إلى أصحابهم، ويَجِئُ أصحابُهم والإمامُ قائمٌ، فيُصَلّي بهم ركعةً فيُسلَّمُ، ثم يقومون فيُصَلُّون إليها ركعةً أخرى، ثم يَنْصَرِفون. قال عُبَيدُ اللَّهِ: فما سمِعتُ فيما يُذكر (٤) في صلاة الخوف شيئًا هو أحسنُ عندى من هذا. حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا مُعاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾. فهذا عند الصلاة في الخوفِ، يقومُ الإمامُ وتقومُ معه طائفةٌ منهم، وطائفةٌ يأخُذُون أسلحتهم، ويقفون بإزاء العدوّ، فيُصَلّي الإمامُ بمن معه ركعةً، ثم يجلسُ على

стр. 4996

هيئته، فىقومُ القومُ فيُصَلُّون لأنفسهم الركعة الثانية والإمامُ جالسٌ، ثم يَنْصَرِفون حتى يأتُوا أصحابَهم، فيقفُون مَوْقِفَهم، ثم يُقْبِلُ الآخرون فيُصَلِّي بهم الإمامُ الركعةَ الثانية ثم يُسَلِّمُ، فيقومُ القومُ فيُصَلُّون لأنفسهم الركعة الثانية، فهكذا صلَّى رسولُ الله ﷺ يومَ بَطْنِ نَخلة (١). وقال آخرون: بل تأويلُ قوله: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾: فإذا سَجَدَت الطائفةُ التي قامت مع النبيِّ ﷺ حين دَخَل في صلاته فدَخَلت معه في صلاتِه - السجدة الثانيةَ من ركعتها الأولى ﴿فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ يعنى: من ورائك يا محمدُ، ووراء أصحابك الذين لم يُصَلُّوا بإزاء العدو. قالوا: وكانت هذه الطائفةُ لا تُسَلِّمُ من ركعتِها إِذا هي فَرَغَت مِن سَجْدَتَى ركعتها التي صَلَّت مع النبيِّ ﷺ ، ولكنها تمضى إلى مؤقف أصحابها بإزاء العدوِّ، وعليها بَقِيَّةُ صَلاتِها. قالوا: وكانت تأتى الطائفةُ الأخرى التي كانت بإزاء العدوِّ، حتى تَدخُلَ مع النبيِّ ﷺ في بقيَّة صلاته (٢)، فيُصَلِّي بها النبيُّ ﷺ الركعة التي كانت قد بَقيَت عليه. قالوا: وذلك معنى قول الله جل ثناؤُه: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾. ثم اختلف أهلُ هذه المقالة في صفة قضاء ما كان تَبَقَّى على كلِّ طائفةٍ من هاتين الطائِفَتين من صلاتِها بعد فراغ النبيِّ ﷺ من صلاته وسلامه من صلاته، على قولِ قائلى هذه المقالة ومُتأوِّلى هذا التأويل؛ فقال بعضُهم: كانت الطائفةُ الثانية التي صَلَّت مع النبيِّ ﷺ الركعة الثانية من صلاتِه (٣)، إذا سلَّم النبيُّ ﷺ من

стр. 4997

صلاته، قامت فقَضَت ما فاتَها من صلاتها مع النبيِّ ﷺ في مَقامِها، بعد فراغ النبيِّ ﷺ من صلاته، والطائفةُ التي صَلَّت مع النبيِّ ﷺ الركعة الأُولى بإزاء العدوِّ بعدُ لم تُتِمَّ صلاتها (١)، فإذا هي فَرَغَت مِن بَقِيَّة صلاتها التي فاتتها مع النبيِّ ﷺ مضت إلى مصافِّ أصحابها بإزاءِ العدوِّ، وجاءت الطائفةُ الأُولى التي صَلَّت مع رسول الله ﷺ الركعة الأولى إلى مقامها التي كانت صَلَّت فيه خلفَ رسول الله ﷺ ، فقَضَت بَقِيَّةَ صلاتها. ذكرُ الرواية بذلك حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الملك بنُ أبى الشَّواربِ، قال: ثنا عبدُ الواحد بنُ زيادٍ، قال: ثنا خُصيفٌ، قال: ثنا أبو عُبَيدةَ بنُ عبدِ اللَّهِ، قال: قال عبد الله: صَلَّى بنا رسولُ الله ﷺ صلاة الخوف، فقامت طائفةٌ مِنَّا خلفه، وطائفةٌ بإزاء - أو مُسْتقبلى - العدوِّ، فصلَّى النبيُّ ﷺ بالذين خلفه ركعةً، ثم نكصوا، فذهبوا إلى مقام أصحابهم، وجاء الآخرون فقاموا خلف النبيِّ ﷺ ، فصلَّى بهم رسول الله ﷺ ركعةً، ثم سلَّم رسول الله ﷺ ، ثم قام هؤلاء فصَّلوا لأنفسهم ركعةً، ثم ذَهَبوا فقاموا مَقامَ أصحابِهم مُسْتَقبلى العدوِّ، ورَجَع الآخرون إلى مقامهم، فصلَّوا لأنفسهم ركعةً (٢). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ، قال: ثنا خُصيفٌ، عن أبي عُبَيدةَ، عن عبد الله، قال: صلَّى بنا رسول الله ﷺ صلاة الخوف، فذكر نحوه (٣).

стр. 4998

حدَّثنا تميمُ بن المُنتصِرِ، قال: أخْبرَنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا شَرِيكٌ، عن خُصيفٍ، عن أبي عُبَيدةَ، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ نحوه (١). وقال آخرون: بل كانت الطائفةُ الثانيةُ التي صَلَّت مع رسول الله ﷺ [الركعة الثانية، لا تَقضى بقيَّةَ صلاتِها بعدما يُسَلِّمُ رسولُ الله ﷺ ] (٢) مِن صلاته، ولكنها كانت تَمضى قبلَ (٣) أن تَقْضِىَ بَقِيَّةَ صلاتِها، فتَقِفُ مَوْقِفَ أصحابها الذين صَلُّوا مع رسولِ الله ﷺ الركعة الأولى، [بإزاء العدوِّ وترجعُ الطائفةُ التي صلَّت مع رسول الله ﷺ الركعة الأولى] (٤) إلى مَوْقِفها الذي صَلَّت فيه ركعتها الأولى مع رسولِ اللهِ، فتَقْضِى ركعتَها التي كانت بَقيَت عليها من صَلاتِها. فقال بعضُهم: كانت تَقضِى تلك الركعةَ بغير قراءةٍ. وقال آخرون: بل كانت تَقضى بقراءةٍ، فإذا قضَت ركعتها الباقية عليها هنالك وسَلَّمَت، مَضَت إلى مصافِّ أصحابها بإزاءِ العدوِّ، وأقبَلَت الطائفةُ التي صَلَّت مع رسول الله ﷺ الركعةَ الثانيةَ إلى مَقامِها الذي صَلَّت فيه مع رسول الله ﷺ [الركعة الثانية من صلاة رسول الله ﷺ ] (٥)، فقَضَت الركعةَ الثانية من صلاتِها بقراءةٍ، فإذا فَرَغَت وسَلَّمَت، انصرَفَت إلى أصحابها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيز، قال: ثنا سُفيانُ، عن حَمَّادٍ، عن إبراهيم في صلاة الخوفِ، قال: يَصُفُّ صَفًّا خلفَه، وصفًّا بإزاء العدوِّ في غيرِ

стр. 4999

صلاةٍ (١)، فيُصَلِّي بالصَّفِّ الذي خلفه ركعةً، ثم يذهبون إلى مصافِّ أولئك، وجاء أولئك الذين بإزاء العدوِّ، فصلَّى (٢) بهم ركعةً، ثم سلَّم (٣) عليهم، وقد صَلَّى هو ركعتين، وصلَّى كلُّ صَفٍّ ركعةً، ثم قام هؤلاء الذين سَلَّم عليهم إلى مصافِّ أولئك الذين بإزاءِ العدوِّ، فقاموا مقامَهم، وجاءوا فقَضَوا الركعة، ثم ذهبوا فقاموا مُقامَ أولئك الذين بإزاء العدوِّ، وجاء أولئك فصلَّوا ركعةً. قال سُفيانُ: فيكون لكلِّ إنسانٍ [ركعتين ركعتين] (٤). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ. وحدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا زيدٌ (٥) جميعًا، عن سُفيانَ، قال: كان إبراهيمُ يقولُ في صلاةِ الخوفِ، فذكَر نحوَه. حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيز، قال: ثنا سُفيانُ، عن منصورٍ، عن عمرَ بن الخطابِ مثل ذلك. وقال آخرون: بل (٦) كلُّ طائفةٍ من الطائفتَين تَقْضِى صلاتَها، على ما أمكَنها، مِن غير تضييعٍ [منهم بعضها] (٧).

стр. 5000

ذكرُ من قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بن إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن يونسَ بن عُبَيدٍ، عن الحسن، أن أبا موسى الأشعريَّ صَلَّى بأصحابه صلاة الخوف بأَصْبَهانَ إذ غَزاها. قال: فصلَّى بطائفةٍ من القوم ركعةً، وطائفةٌ تَحرُسُ (١)، فنَكَص هؤلاء الذين صلَّى بهم ركعة، [وخلفهم الآخرون، فقاموا مقامهم، فصلَّى بهم ركعة] (٢)، ثم سلَّم، فقامت كلُّ طائفة فصلَّت ركعةً (٣). حدَّثنا عمرانُ بنُ موسى القَزَّازُ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا يونسُ، عن الحسن، عن أبي موسى بنحوه (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا مُعاذُ بن هشامٍ (٤)، قال: ثنى أبى، عن قتادة، عن أبي العالية ويونس بن جُبيرٍ، قالا: صَلَّى أبو موسى الأشعريُّ [بأصحابه من الذين بأصبهان] (٥)، وما بهم يومئذٍ خوفٌ، ولكنه أحبَّ أن يُعَلِّمَهم صلاتهم، فصفَّهم صفَّين، صفًّا خلفَه، وصفًّا مُواجهة العدوِّ، مُقبلين على عدوِّهم، فصلى بالذين يلُونه

стр. 5001

ركعةً، ثم ذهبوا إلى مصافِّ أصحابهم، وجاء أولئك فصَفَّهم خلفَه، فصَلَّى بهم ركعةً ثم سلَّم، فقَضَى هؤلاء ركعةً وهؤلاء ركعةً، ثم سلَّم بعضُهم على بعضٍ، فكانت للإمام ركعتين (١) في جماعةٍ، ولهم ركعةً ركعةً (٢). حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن أبي العالية، عن أبي موسى مثله (٣). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، [عن أيوب] (٤)، عن نافعٍ، عن ابن عمر، أنه قال في صلاة الخوف: يُصَلِّي بطائفةٍ (٥) من القومِ ركعةً، وطائفةٌ تَحرُسُ، ثم ينطلقُ هؤلاء الذين صَلَّى بهم ركعةٌ حتى يَقُوموا مَقامَ أصحابهم، ثم يَجِئُ أولئك فيُصَلِّي بهم ركعةً، ثم يُسَلِّمُ فتقومُ كلُّ طائفةٍ فتُصَلِّى (٦) ركعةً. حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا عُبَيدُ اللهِ، عن نافعٍ، عن ابن عمر بنحوه. حدَّثني عِمْرانُ بنُ بَكَّارٍ الكَلاعِيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ صالحٍ، قال: ثنا ابن عَيَّاشٍ، قال: ثنا عُبَيدُ (٧) اللَّهِ، عن نافعٍ، عن ابن عمر، عن رسول الله ﷺ أنه صلَّى صلاة الخوفِ، فذكر نحوه (٨).

стр. 5002

حدَّثنا سعيدٌ بنُ يحيى الأُمويُّ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا ابن جريجٍ، قال: أخبرني الزُّهْرِيُّ، عن سالمٍ، عن ابن عمر، أنه كان يُحدِّثُ أَنه صَلَّى مع رسولِ الله ﷺ ، ثم ذكر نحوه (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدَّثنا [ابن عبد الأعلى] (٢)، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهريِّ، عن سالمٍ، عن ابن عمر، عن النبيِّ ﷺ بنحوه (٣). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عبدِ اللهِ بن نافعٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمر، قال: قال النبيُّ ﷺ في صلاة الخوف: "يَقُومُ الأميرُ وطائفةٌ مِن الناسِ، فيسْجُدُون سَجْدةً واحدةً، وتَكُونُ طائفةٌ منهم بينهم وبين العدوِّ". ثم ذكر نحوه. حدَّثنا محمدُ بنُ هارون الحربيُّ، قال: ثنا أبو المُغيرةِ الحِمْصِيُّ، قال: ثنا الأَوْزاعِيُّ، عن أيوب بن موسى، عن نافعٍ، عن ابن عمر، أن النبيَّ ﷺ صلَّى صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعةً، ثم ذكر نحوه (٤). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن

стр. 5003

أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾. إلى قوله: ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾. فإنه كانت تأخُذُ طائفةٌ منهم السلاح، فيُقبِلون على العدوِّ، والطائفةُ الأخرى يُصَلُّون (١) مع الإمام ركعةً، ثم يأخُذُون أسلحتهم، فىستقبلون العدوَّ، ويَرْجِعُ أصحابُهم فيُصَلُّون مع الإمام ركعةً، فيكونُ للإمام ركعتان ولسائرِ الناس ركعةٌ واحدةً، ثم يَقْضُون ركعةً أخرى، وهذا تَمامُ (٢) الصلاةِ (٣). وقال آخرون: بل نَزَلَت هذه الآيةُ في صلاة الخوف، والعدوُّ يومَئِذٍ في ظَهْرِ القبلة بين المسلمين وبينَ القبلةِ، فكانت الصلاةُ التي صَلَّى بهم يومئذٍ النبيُّ ﷺ صلاة الخوف، إذ كان العدوُّ بين الإمامِ وبينَ القبلةِ. ذكرُ الآثار المنقولة بذلك حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنى يونسُ بنُ بُكَيرٍ، عن النَّضْرِ (٤) أبى عمر، عن عِكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: خَرج رسولُ اللهِ ﷺ في غَزاةٍ، فَلَقِى المشركين بِعُسْفانَ، فلما صَلَّى الظهر فرأوه يَركَعُ ويَسجُدُ هو وأصحابهُ، قال بعضُهم لبعضٍ يومئذٍ: كان فُرصةً لكم، لو أغَرْتُم عليهم ما علموا بكم حتى تُواقِعوهم. قال قائلٌ منهم: فإن لهم صلاةً أخرى هي أحبُّ إليهم من أهليهم وأموالهم، فاستعدُّوا حتى تُغيروا عليهم فيها. فأنزل الله على نبيِّه، ﵊: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾. إلى آخرِ الآية، وأعْلَمَه ما ائتَمَر به المشركون. فلمَّا صَلَّى رسولُ الله ﷺ العصر، وكانوا قُبالَتَه في القبلة، فجَعَل المسلمين خلفه صفَّين، فكَبَّر

стр. 5004

رسولُ اللهِ ﷺ ، وكَبَّروا جميعًا، ثم ركَع وركَعوا معه جميعًا، فلما سَجَد سَجَد معه الصَّفُّ الذين يَلُونه، وقام الصَّفُّ الذين خلفَهم مُقبِلِين على العدوٍّ، فلمَّا فَرَغ رسولُ اللهِ ﷺ مِن سجودِه وقام، سَجَد الصَّفُّ الثاني ثم قاموا، وتأخَّر الذين يَلُون رسولَ اللهِ ﷺ وتقدَّم الآخرون، فكانوا يَلُون رسولَ اللهِ ﷺ ، فلما ركَع ركَعوا معه جميعًا، ثم رفَع فرفَعوا معه، ثم سجَد فسجَد معه الذين يَلُونه، وقام الصَّفُّ الثاني مُقْبِلِين على العدوِّ، فلما فَرَغ رسولُ اللهِ ﷺ مِن سجودِه، وقعَد الذين يَلُونه سجَد الصَّفُّ المُؤخَّرُ، ثم قعَدوا، فتَشَهِّدوا مع رسولِ اللهِ ﷺ جميعًا، فلما سَلَّم رسولُ اللهِ ﷺ سلّم عليهم جميعًا، فلما نَظَر إليهم المشركون يَسجُدُ بعضُهم ويقومُ بعضٌ ينظُرُ إليهم، قالوا: لقد أُخْبِروا بما أرَدْنا (١). حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا الحَكَمُ بنُ بَشيرٍ، قال: ثنا عمرُ بنُ ذَرٍّ، قال: ثنى مجاهدٌ، قال: كان النبيُّ ﷺ بعُسْفانَ والمشركون بضَجْنانَ (٢) بالماءِ الذي يَلى مكةَ، فلما صلَّى النبيُّ ﷺ الظهرَ، فرَأَوه سَجَد وسجَد الناسُ، قالوا: إذا صَلَّى صلاةً بعد هذه أَغَرْنا عليه. فحَذَّره الُله ذلك، فقام النبيُّ ﷺ في الصلاةِ، فكبَّر وكبَّر الناسُ معه، فذكَر نحوَه (٣). حدثني عِمْرانُ بنُ بَكَّارٍ الكَلاعيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ صالحٍ، قال: ثنا ابن عَيَّاشٍ، قال: أخبرَني عُبَيدُ (٤) اللهِ بنُ عمرَ، عن أبي الزُّبَيرِ، عن جابرِ بن عبدِ اللهِ،

стр. 5005

قال: كنتُ مع رسولِ اللهِ ﷺ ، فَلَقِينا المشركين بنَخْلٍ (١)، فكانوا بينَنا وبينَ القبلةِ، فلما حَضَرَت صلاةُ الظهرِ، صلَّى بنا رسولُ اللهِ ﷺ ونحن جميعٌ، فلما فَرَغنا تَذامَر (٢) المشركون، فقالوا: لو كُنَّا حمَلنا عليهم وهم يُصَلُّون! فقال بعضُهم: فإن لهم صلاةً ينتَظرُونها تأتى الآنَ، هي أحبُّ إليهم مِن أبنائِهم، فإذا صَلوا فمِيلوا عليهم. قال: فجاء جبريلُ إلى رسولِ اللهِ ﷺ بالخبرِ، وعَلَّمه كيف يُصَلِّي، فلما حَضَرَت العصرُ، قام نبيُّ اللهِ ﷺ مما يَلى العدوَّ، وقُمْنا خلفَه صَفَّين، فكَبَّر رسولُ اللهِ ﷺ وكبَّرنا جميعًا، ثم ذكَر نحوَه (٣). حدَّثني محمدُ بنُ مَعْمَرٍ، قال: ثنا حَمَّادُ بنُ مَسْعَدةَ، عن هشامِ بن أبى عبدِ اللهِ، عن أبي الزُّبَيرِ، عن جابرِ بن عبدِ اللهِ، عن رسولِ اللهِ ﷺ بنحوِه (٤). حدَّثنا مُؤَمَّلُ (٥) بنُ هشامٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، عن هشامٍ، عن أبي الزُّبَيرِ، عن جابرٍ، قال: كُنَّا مع رسولِ اللهِ ﷺ ، فذكَر نحوَه (٤). [حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الصَّمَدِ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن أبي عَيَّاشٍ الزُّرَقِيِّ، قال: كُنَّا مع رسولِ اللهِ ﷺ بعُسْفانَ، فصلَّى بنا رسولُ اللهِ ﷺ صلاةَ الظهرِ، وعلى المشركين خالدُ بنُ الوليدِ. فقال المشركون: لقد أصَبْنا منهم غرَّةً، ولقد أصَبْنا منهم غَفْلَةً. فأنزَل] (٦)

стр. 5006

[اللهُ صلاةَ الخوفِ بينَ الظهرِ والعصرِ، فصَلَّى بنا رسولُ اللهِ ﷺ صلاةَ العصرِ؛ صَفَّنا (١) فرقتَين؛ فرقةً تُصَلِّى مع النبيِّ ﷺ ، وفرقةً تصلِّى خلفَهم يحرسونهم، ثم كبَّر فكبَّروا جميعًا وركَعوا جميعًا، ثم سجَد الذين (٢) يَلُون رسولَ اللهِ ﷺ ، ثم قام، فتقدَّم الآخرون فسجَدوا، ثم قامَ فركَع بهم جميعًا، ثم سجَد الذين (٣) يَلُونه ثم (٤) تأخَّر هؤلاء، فقاموا في مَصافِّ أصحابِهم، ثم تَقَدَّم الآخرون فسجَدوا، ثم سلَّم عليهم. فكانت لكلَّهم ركعتَين مع إمامِهم. وصَلَّى مرةً أخرى في أرضِ بنى سُلَيمٍ] (٥). قال أبو جعفرٍ: فتأويلُ الآيةِ، على قولِ هؤلاء الذين قالوا هذه المقالةَ، ورَوَوا هذه الروايةَ: ﴿وَإِذَا كُنْتَ﴾ يا محمدُ ﴿فِيهِمْ﴾ يعني: في أصحابِك خائفًا ﴿فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ يعنى: ممن دخَل معك في صلاتِك. ﴿فَإِذَا سَجَدُوا﴾ يقولُ: فإذا سجَدَت هذه الطائفةُ بسُجُودِك، ورَفَعَت رءوسَها مِن سجودِها ﴿فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾. يقولُ: فليَصِرْ مَن خلفَك خلفَ (٦) الطائفةِ التي حرَسَتْك وإياهم إذا سَجَدتَ بهم وسَجَدوا معك ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا﴾ يعنى الطائفةَ الحارسةَ التي صَلَّت معه، غيرَ أنها لم تَسجُدْ بسُجُودِه. فمعنى قولِه: ﴿لَمْ يُصَلُّوا﴾ - على مَذْهبِ هؤلاء -: لم

стр. 5007

يسجُدوا بسُجُودِك. ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾. يقولُ: فليسجُدُوا بسُجُودِك إذا سَجَدْتَ، ويَحرُسُك وإياهم الذين سَجَدوا بسُجُودِك في الركعةِ الأُولى ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾. يعنى الحارسةَ. وأَوْلى الأقوالِ التي ذكَرناها بتأويلِ الآية قولُ مَن قال: معنى ذلك فإذا سَجَدَت الطائفةُ التي قامَت معك في صلاتِها ﴿فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾. يعني: مِن خلفِك وخلف مَن يَدخُلُ في صلاتك ممن لم يُصَلِّ معك الركعة الأُولى [بإزاء العدوِّ، بعد (١) فَراغِها مِن بَقِيَّةِ صلاتِها. ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى﴾ وهى الطائفةُ التي كانت بإزاءِ العدوِّ ﴿لَمْ يُصَلُّوا﴾. يقولُ: لم يُصَلُّوا معك الركعةَ الأولى] (٢). ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾. يقولُ: فليصَلُّوا معك الركعةَ التي بَقِيَت عليك، ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ﴾ [من عدوِّهم] (٣) ﴿وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ لقتالِ عدوِّهم، بعدَ ما يفرَغون مِن صلاتِهم. وذلك نظيرُ الخبرِ الذي رُوِى عن رسولِ اللهِ ﷺ ، أنه فعله يومَ ذاتِ الرِّقاعِ، والخبرِ الذي رَوَى سهلُ بن أبي حَثْمةَ (٤). وإنما قُلنا ذلك أولى بتأويلِ الآيةِ؛ لأن الله جل ثناؤُه قال: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾. وقد دلَّلنا على أن إقامتَها إتمامُها بركوعِها وسجودِها، ودلَّلنا مع ذلك على أن قولَه: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. إنما هو إذنٌ بالقَصْرِ مِن ركوعِها وسجودِها في حالِ شدةِ الخوفِ.

стр. 5008

فإذ صَحَّ ذلك، كان (١) بَيِّنًا أن لا وجهَ لتأويلِ مَن تأوَّل ذلك: أن الطائفةَ الأولى إذا سَجَدَت مع الإمامِ، فقد انقَضَتْ (٢) صلاتُها؛ لقولِه: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ لاحتمالِ ذلك مِن المعانى ما ذكرتُ قبلُ، ولأنه لا دلالةَ في الآيةِ على أن القَصْرَ الذي ذُكِر في الآيةِ التي قبلَها، عُنِى به القَصْرُ مِن عددِ الركعاتِ. وإذ كان لا وجهَ لذلك، فقولُ مَن قال: أُريدَ بذلك [التقدمُ والتأخُّرُ] (٣) في الصلاةِ على نحوِ صلاةِ النبيِّ ﷺ بعُسْفانَ، أبعدُ؛ وذلك أن الله جلّ ثناؤُه يقولُ: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾. وكلتا الطائفتَين قد كانت صَلَّت مع النبيِّ ﷺ ركعتَه الأُولى في صلاتِه بعُسْفانَ. ومُحالٌ أن تكونَ التي صَلَّت معه هي التي لم تُصَلِّ معه. فإن ظَنَّ ظَانٌّ أنه أُرِيدَ بقولِه: ﴿لَمْ يُصَلُّوا﴾. لم يَسْجُدُوا؛ فإن ذلك غيرُ الظاهرِ المفهومِ مِن معاني الصلاةِ، [وإنما تُوَجَّهُ معاني كلامِ اللهِ جلّ ثناؤُه إلى الأظْهرِ والأشْهرِ مِن وجوهِها (٤)] (٥)، ما لم يَمنَعْ من ذلك ما يجبُ التسليمُ له. وإذ كان ذلك كذلك، ولم يكنْ في الآيةِ أمرٌ مِن اللهِ جل ثناؤُه الطائفةَ الأُولى بتَأْخيرِ قَضاءِ ما بَقِى عليها مِن صلاتِها إلى فراغِ الإمامِ مِن بَقِيَّةِ صلاتِه، ولا على المسلمين الذين بإزاءِ العدوِّ في اشتغالِها (٦) بقَضاءِ ذلك ضَرَرٌ، لم يكنْ لأمرِها بتَأْخيرِ ذلك وانصرافِها قبلَ قضاءِ باقي صلاتِها عن مَوْضِعِها معنًى.

стр. 5009

غيرَ أن الأمرَ وإن كان كذلك، فإنَّا نَرى أن مَن [صلّاها مِن الأئمةِ] (١)، فوافَقَت صلاتُه بعضَ الوجوهِ التي ذكَرناها عن رسولِ اللهِ ﷺ أَنه صَلَّاها، فصَلاتُه مُجْزِئَةٌ عنه تامةٌ؛ لصحةِ الأخبارِ بكلِّ ذلك عن رسولِ اللهِ ﷺ ، وأنه مِن الأمورِ التي عَلَّم رسولُ اللهِ ﷺ أمتَه، ثم أباح لهم العملَ بأيِّ ذلك شاءوا. وأما قولُه جل ثناؤه: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ﴾. فإنه يعنى: تَمَنَّى الذين كفَروا باللَّهِ ﴿لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ﴾. يقولُ: لو تَشْتَغِلون بصَلاتِكم عن أسلحتِكم التي تُقاتِلونهم بها، وعن أمتعتكم التي بها بلاغُكم في أسْفارِكم، فتَسْهَون عنها ﴿فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾. يقولُ: فيَحْمِلون عليكم وأنتم مَشاغِيلُ بصلاتِكم عن أسلحتِكم [وأَمتعتِكم حملةً (٢) واحدةً، فيُصِيبون منكم غِرَّةً بذلك، فيَقْتُلونكم ويَسْتَبِيحون عَسْكرَكم] (٣). يقولُ جل ثناؤُه: فلا تَفْعَلوا ذلك بعدَ هذا، فتَشْتَغِلوا جميعُكم بصَلاتِكم إذا حَضَرَتكم صلاتُكم وأنتم مُواقفو (٤) العدوَّ، فتُمَكِّنوا عدوَّكم مِن أنفسِكم وأسلحتِكم وأمتعتِكم، ولكن أَقِيموا الصلاةَ على ما بَيَّنتُ لكم، وخُذُوا مِن عدوِّكم حِذْرَكم وأسلحتَكم. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٠٢)﴾.

стр. 5010

قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ ولا حَرَج عليكم ولا إثمَ ﴿إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ﴾. يقولُ: إن نالَكم أذىً (١) مِن مطرٍ تُمطَرُونه وأنتم مُواقِفو (٢) عدوِّكم ﴿أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾. يقولُ: أو كنتم جَرْحَى أو أَعِلَّاءَ ﴿أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾. إن ضَعُفْتُم عن حَمْلِها، ولكن إن وضَعْتم أسلحتَكم (٣) مِن أَذَى مطرٍ أو مرضٍ، فخُذوا مِن عدوِّكم ﴿حِذْرَكُمْ﴾. يقولُ: احتَرِسوا منهم أن يَمِيلوا عليكم وأنتم عنهم غافِلون غارُّون. ﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾، يعنى بذلك: أعدَّ لهم عذابًا مُذِلًّا يَبْقَون فيه أبدًا، لا يَخرُجون منه، وذلك هو عذابُ جهنمَ. وقد ذُكِر أن قولَه: ﴿أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾. نزَل في عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ، وكان جريحًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عباسُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا حَجَّاجٌ، قال: قال ابن جُرَيجٍ: أَخبَرَني يَعْلَى بن مسلمٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾: عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ، كان جريحًا (٤). القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾.
следующие страницы →