← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 4936–4975 · переход к 4941.

стр. 4936

إنَّا (١) أعميان، فهل لنا رخصةٌ؟ فنزَلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ فسمع بذلك عبدُ اللهِ بنُ أُمِّ مكتومٍ الأعمى، فأتى رسول اللهِ ﷺ ، فقال: يا رسولَ اللهِ، قد أمرك (٣) اللهُ في الجهادِ ما قد علِمْتَ وأنا رجلٌ ضريرُ البصرِ لا أستطيعُ الجهادَ، فهل لى مِن رُخصةٍ عندَ اللهِ إِن قعَدْتُ؟ فقال له رسولُ اللهِ ﷺ : "ما أُمِرْتُ في شأنِك بشيءٍ ولا (٤) أَدْرِى هل يَكُونُ لك ولأصحابِك من رُخصةٍ؟ ". فقال ابن أُمٍّ مكتومٍ: اللهمَّ إنى أَنْشُدُكَ بَصَرِى! فَأَنْزَل الله بعد ذلك على رسوله ﷺ ، فقال: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. إلى قولِه: ﴿عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ (٥). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن سعيدٍ، قال: نزَلت: (لا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ) فقال رجلٌ أعمى: يا نبيَّ اللهِ، فأنا أُحِبُّ الجهادَ ولا أَسْتَطِيعُ أَن أُجَاهِدَ، فنزَلَت: ﴿غَيْرُ أُولِي

стр. 4937

الضَّرَرِ﴾ (١). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمِ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: حدَّثنا حُصينٌ، عن عبدِ اللهِ بن شدَّادٍ، قال: لمَّا نزَلت هذه الآيةُ في الجهادِ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال عبدُ اللهِ بنُ أُمِّ مكتومٍ: يا رسولَ اللهِ، إنى ضريرٌ كما تَرَى، فنزَلت: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ (٢). حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ثم (٣) عذَر اللهُ أهلَ العُذْرِ مِن الناسِ، فقال: (غَيْرَ أُوْلِي الضَّرَرِ). كان منهم ابن أُمِّ مكتومٍ، ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ (٤). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرَ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) إلى قولِه: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾: لمَّا ذُكِر فضلُ المجاهدين (٥)، قال ابن أُمِّ مكتومٍ: يا رسولَ اللهِ، إنى أعمى ما (٦) أُطِيقُ الجهادَ. فأنْزَل اللهُ فيه: (غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ) (٧).

стр. 4938

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا [محمدُ بنُ عبدِ اللهِ] (١) النُّفَيْليُّ، قال: ثنا زهيرُ بنُ معاويةَ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، عن البراءِ، قال: كنتُ عندَ رسولِ اللهِ ﷺ ، فقال لي: "ادْعُ لى زيدًا وقُلْ له: ائْتِ (٢) ". أو: "يَجِيءُ بالكَتِفِ والدواةِ". أو "اللوحِ والدواةِ". الشكُّ من زُهيرٍ "اكْتُبْ: (لَا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ". فقال ابن أمِّ مكتومٍ: يا رسولَ اللهِ، إن بعينيَّ ضررًا. فنزَلت قبلَ أن يَبْرَحَ: (غَيْرَ أُوْلِي الضَّرَرِ) (٣). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ رجاءٍ البصريُّ (٤)، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ بنحوهِ، إلا أنه قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "ادعُ لى زيدًا، وَلْيَجِئْ (٥) معه بكَتِفٍ ودَوَاةٍ، أو لوحٍ ودَوَاةٍ" (٦). حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا [عُبيدُ اللهِ] (٧) بنُ موسى، عن إسرائيلَ، عن زِيادِ بن فيَّاضٍ، عن أبي عبدِ الرحمنِ، قال: لمَّا نزَلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ﴾، قال عمرُو بن أمِّ مكتومٍ: يا ربِّ ابْتَليتنى فكيف أَصْنَعُ؟ قال: فنزَلت: (غيرَ أُولى الضَّرَرِ) (٨).

стр. 4939

[حدَّثنا سعيدُ بن الربيعِ المرائيُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، قال: قال زيدُ بن ثابتٍ، كنتُ عندَ النبيِّ ﷺ أكْتُبُ ما يُمْلى عليَّ - قال سعيدٌ: قال سفيانُ: وكان أهلُ المدينةِ يُسَمُّونه كاتب الوحي - قال: وفَخِذه على فخذى، قال: فنزلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. اعترض ابن أُمِّ مكتومٍ، فقال النبيُّ ﷺ : " (غيرَ أولى الضررِ) ". فثقُلت فخذُه على فخذى حتى كادت أن تُحْطَمَ] (١). وكان ابن عباسٍ يقولُ في معنى: (غيرَ أُولى الضَّرَرِ) نحوًا مما قلنا. حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ عن ابن عباسٍ قولَه: (غَيْرَ أُوْلِي الضَّرَرِ). قال: أهلُ الضررِ (٢). [حدَّثنا ابن سنانٍ البزارُ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن إدريسَ، قال: حدَّثنا عبدُ الواحد بنُ زيادٍ، قال: حدَّثنا عاصمُ بن كليبٍ الجَرْميُّ، حدَّثني أبي، أن خالي الفَلَتانَ بنَ عاصمٍ حدَّثه، قال: كُنَّا قعودًا عندَ النبيِّ ﷺ فأنزل اللهُ، وكان إذا أُنْزِل عليه دام بصرُه مفتوحةً عيناه وفرَّغ سمعَه وبصرَه لمَا يأتيه من اللهِ. قال: وكُنَّا نَعْرِفُ ذلك في وجهِه. قال: فلمَّا فرَغ قال للكاتب: "اكْتُبْ: (لا يَسْتَوِى القَاعِدُونَ مِنَ المُؤمِنِينَ والمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ) ". إلى آخرِ الآيةِ. قال: فقام الأعمى فقال: يا رسولَ اللهِ، ما ذنبُنا؟ فأنزل اللهُ على رسولِه ﵇، فقلتُ للأعمى: إنه يُنْزَلُ عليه. قال: فخاف أن يكون فيه شيءٌ. قال:] (٣)

стр. 4940

[فبقِى قائمًا مكانَه يقولُ: أتوبُ إلى اللهِ! حتى فرَغ رسولُ اللهِ ﷺ فقال للكاتبِ: "اكتُبْ: (غَيْرَ أُولى الضَّرَرِ) "] (١). القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾. قال أبو جعفرٍ، ﵀: يعنى بقولِه جلّ ثناؤُه: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾: فضَّل اللهُ المجاهدين بأموالِهم وأنفسِهم على القاعدين من أُولى الضررِ درجةً واحدةً، يعنى فضيلةً واحدةً، وذلك بفضلِ جهادِه بنفسه، فأمَّا فيما سوى ذلك فهما مستويان. كما حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا سُوَيْدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرَنا ابن المُباركِ، أنه سمِع ابن جُريجٍ يقولُ: في: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾. قال: على أهلِ الضررِ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥)﴾. قال أبو جعفرٍ، ﵀: يعنى جلّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾: وعَد (٣) اللهُ الكلَّ من المجاهدين بأموالِهم وأنفسِهم، والقاعدين مِن أُولى الضررِ

стр. 4941

الحسنى. ويعنى جل ثناؤُه بالحسنى: الجنةَ. كما حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾. وهى الجنةُ، واللَّهُ يُؤْتى كلَّ ذى فضلٍ فضلَه (١). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: الحسنى الجنةُ. وأمَّا قولُه: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. فإنه يعنى: وفضَّل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسِهم على القاعدين مِن غيرِ أولى الضررِ أجرًا عظيمًا. كما حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾. قال: على القاعدين مِن المؤمنين غيرِ أولى الضررِ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)﴾. قال أبو جعفر، ﵀: يعنى جل ثناؤه بقوله: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾: فضائل منه ومنازل من منازلِ الكرامةِ. واختلف أهل التأويلِ في معنى الدرجات التي قال اللهُ : ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنا به بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾: كان يقالُ: الإسلام درجةٌ،

стр. 4942

[والهجرةُ في الإسلامِ] (١) درجةٌ، والجهادُ في الهجرة درجةٌ، والقتلُ في الجهادِ درجةٌ (٢). وقال آخَرون بما حدَّثني به يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: سألتُ ابن زيدٍ، عن قولِ اللهِ جل ثناؤُه: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾. قال: الدرجاتُ: هي السبع التي ذكَرها الله في سورةِ "براءة": ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ﴾ [التوبة: ١٢٠] فقرَأَ حتى بلغ: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٢١]. قال: هذه السبعُ الدرجاتِ. قال: وكان أوَّلَ شيءٍ، فكانت درجةُ الجهادِ مجملَةً، فكان الذي جاهد بمالِه له اسمٌ في هذه، فلمَّا جاءت هذه الدرجاتُ [والتفضيلُ] (٣) أُخْرِج منها، ولم يكن له منها إلا النفقةُ. ثم قرَأ: ﴿لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ﴾. وقال: ليس هذا لصاحبِ النفقةِ. ثم قرَأ: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً﴾. قال: وهذه نفقةُ القاعدِ (٤). وقال آخَرون: عُنى بذلك درجاتُ الجنةِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا على بن الحسنِ الأَزْديُّ، قال: ثنا الأَشْجَعيُّ، عن سفيانَ، عن هشامِ بن

стр. 4943

حسَّانَ، عن جَبَلَةَ بن سُحَيمٍ (١)، عن ابن مُحَيْرِيزٍ في قولِه: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾. إلى قولِه: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ قال: الدرجاتُ سبعون درجةً، ما بينَ الدرجتين حُضُرُ (٢) الفرسِ الجوادِ المُضَمَّر (٣) سبعين سنةً (٤). وأَوْلَى التأويلاتِ بتأويلِ قولِه: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾. أن يكون معنيًّا به درجاتُ الجنةِ، كما قال ابن مُحَيْرِيزٍ؛ لأن قولَه تعالى ذكرُه: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾. ترجمةٌ وبيانٌ عن قولِه: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾. ومعلومٌ أن الأجرَ إنما هو الثوابُ والجزاءُ، وإذا كان ذلك كذلك، و (٥) كانت الدرجاتُ والمغفرةُ والرحمةُ ترجمةً عنه، كان (٦) معلومًا أن (٥) لا وجهَ لقولِ مَن وجَّه معنى قولِه: ﴿دَرَجَاتٍ﴾. إلى الأعمالِ وزيادتِها على أعمالِ القاعدين عن الجهادِ كما قال قتادةُ أو (٧) ابن زيدٍ. وإذا كان ذلك كذلك، وكان الصحيحَ من تأويل ذلك ما ذكَرْنا، فبيِّنٌ أن معنى الكلامِ: وفضَّل اللهُ المجاهدين في سبيلِ اللهِ على القاعدين من غيرِ أُولى الضَّرَرِ أجرًا عظيمًا، وثوابًا جزيلًا، وهو درجاتٌ أعطاهموها في الآخرةِ من درجاتِ الجنةِ،

стр. 4944

رفَعهم بها على القاعدين بما أَبْلَوْا في ذاتِ اللهِ، ﴿وَمَغْفِرَةً﴾، يقولُ: وصفَح لهم عن ذنوبهم، فتفضَّل عليهم بتركِ عقوبتِهم عليها، ﴿وَرَحْمَةً﴾. يقولُ: ورأفةً بهم، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. يقولُ: ولم يزل الله غفورًا لذنوب عباده المؤمنين، يصفحُ لهم عن العقوبة عليها، رحيمًا بهم، بتفضُّله عليهم بنعمه، مع خلافِهم أمرَه ونهيه، وركوبِهم معاصيَه. القولُ في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)﴾. قال أبو جعفرٍ، ﵀: يعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾: إن الذين تَقْبِضُ أرواحَهم الملائكةُ، ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾. يعني: مُكْسِبِي أنفسِهم غضبَ الله وسخطَه. وقد بيَّنَّا معنى الظلمِ فيما مضَى قبلُ (١)، ﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾. يقولُ: قالت الملائكةُ لهم: فيمَ كنتم؟ في أيِّ شيءٍ كنتم من دينكم؟ ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾. يعنى: قال الذين توفَّاهم الملائكةُ ظالمى أنفسِهم: كنَّا مستضعَفين في الأرض، يَسْتَضْعِفُنا أهلُ الشرك بالله في أرضِنا وبلادِنا، بكثرة عَددِهم وقوَّتِهم فيَمْنَعونا من الإيمان بالله، واتباع نبيِّه ﵇. معذرةٌ ضعيفةٌ، وحُجَّةٌ واهيةٌ، ﴿قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾. [يعنى قالت لهم الملائكةُ الذين يتوفَّوْنهم: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾] (٢). يقولُ: فتَخْرُجوا من أرضِكم ودُورِكم، وتُفارِقوا من يَمْنَعُكم بها مِن الإيمان بالله، واتباعِ

стр. 4945

رسوله ﷺ إلى الأرض التي يَمْنَعُكم أهلُها من سلطانِ أهلِ الشركِ بالله، فتُوَحِّدوا الله فيها فتَعْبُدُوه، وتَتَّبِعُوا نبيَّه ﷺ ، يقولُ الله جل ثناؤُه: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾: أي فهؤلاء الذين وصَفتُ لكم صفتَهم، الذين تَوفَّاهُم الملائكةُ ظالمي أنفسِهم، ﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾. يقولُ: مصيرُهم في الآخرة جهنمُ، وهى مسكنُهم، ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. يعنى: وساءت جهنمُ لأهلِها الذين صاروا إليها مصيرًا ومسكنًا ومأوًى. ثم اسْتَثْنى جل ثناؤُه المستضعَفين الذين اسْتَضعفهم المشركون من الرجال والنساء والولدان؛ وهم العَجَزةُ عن الهجرة بالعُسْرَةِ وقلَّة الحيلة وسوءِ البصرِ والمعرفةِ بالطريق من أرضِهم، أرض الشركِ إلى أرض الإسلام من القوم الذين أخْبَر جل ثناؤُه أن مأواهم جهنمُ، أن تكونَ جهنمُ مأواهم، للعذرِ الذي هم فيه، على ما بيَّنه تعالى ذكرُه. ونصَب (المستضعَفِينَ) على الاستثناءِ مِن الهاء والميم اللتين في قوله: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾. يقولُ الله جل ثناؤُه: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾. يعني: هؤلاء المستضعَفينَ، يقولُ: لعلَّ الله أن يَعْفُو عنهم للعذر الذي هم فيه وهم مؤمنون، فَيَتَفَضَّلَ عليهم بالصفح عنهم في تركهم الهجرة؛ إذ لم يَتْرُكوها اختيارًا، ولا إيثارًا منهم لدار الكفر على دار الإسلام، ولكن للعجز الذي هم فيه عن النُّقْلَةِ عنها، ﴿وَكَانَ اللَّهُ [عَفُوًّا غَفُورًا] (١)﴾. يقولُ: ولم يَزَلِ اللهُ ﴿عَفُوًّا﴾. يعني: ذا صفحٍ بفضلِه عن ذنوبِ عباده، بتركه العقوبةَ عليها، ﴿غَفُورًا﴾: ساترًا عليهم ذنوبَهم بعفوِه لهم عنها.

стр. 4946

وذُكِر أن هاتينِ الآيتينِ والتي بعدَهما نزَلت في أقوامٍ من أهلِ مكة كانوا قد أسْلَموا وآمنوا بالله وبرسولِه، وتخلَّفوا عن الهجرة مع رسول الله ﷺ حين هاجر، وعُرِض بعضُهم على الفتنة فافْتَتن، وشهِد معَ المشركين حربَ المسلمين، فأبى الله قبولَ معذرتهم التي اعْتَذروا بها، التي بيَّنها في قوله خبرًا عنهم: ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾. ذكرُ الأخبار الواردة بصحةِ ما ذكَرْنا مِن نزولِ الآيةِ في الذين ذكَرْنا أنها نزَلت فيهم حدَّثنا أبو هشامٍ الرِّفاعيُّ، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ، قال: ثنا أَشْعَثُ، عن عكرمةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾. قال: كان ناسٌ مِن أهل مكة أسْلَموا، فمَن مات منهم بها هلك، قال الله: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ﴾. إلى قوله: ﴿عَفُوًّا غَفُورًا﴾. قال ابن عباسٍ: فأنا منهم وأُمِّى منهم. قال عكرمةُ: وكان العباسُ منهم (١). حدَّثنا أحمدُ بنُ منصورٍ الرَّماديُّ، قال: ثنا أبو أحمد الزُّبَيْريُّ، قال: ثنا محمدُ (٢) بنُ شَريكٍ، عن عَمْرِو بن دينارٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، قال: كان قومٌ مِن أهل مكةَ أسْلَموا، وكانوا يَسْتَخْفُونَ بالإسلام، فأَخْرَجهم المشركون يوم بدر معهم، فأُصيب بعضُهم، فقال المسلمون: كان أصحابُنا هؤلاء مسلمين وأُكرِهوا. فاسْتَغْفَروا لهم، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ

стр. 4947

الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ إلى آخرِ الآية، قال: فكُتب إلى مَن بقى بمكة من المسلمين بهذه الآيةِ (١)، لا عذرَ لهم. قال: فخرَجوا، فلحِقهم المشركون، فأَعْطَوهم الفتنة، فنزلت فيهم هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ﴾. [العنكبوت: ١٠] إلى آخر الآية، فكتَب المسلمون إليهم بذلك، فخرجوا (٢) وأيِسوا من كلِّ خيرٍ، ثم نزلت فيهم: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠]. فكتَبوا إليهم بذلك: إن الله قد جعل لكم مخرجًا، فخرَجوا، فأدْرَكهم المشركون، فقاتَلوهم حتى نجا مَن نجا، وقُتِل مَن قُتِل (٣). حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني حَيْوَةُ أو ابن لهيعةَ - الشكُّ مِن يونسَ - عن أبي الأسود، أنه سمِع مولى ابن عباسٍ يقولُ عن ابن عباسٍ: إن ناسًا مسلمين كانوا مع المشركين يُكثِّرون سوادَ المشركين على النبيِّ ﷺ ، فيأتى السهمُ يُرْمَى (٤)، فيُصِيبُ أحدهم فيَقْتُلُه، أو يُضْرَبُ فيُقْتَلُ، فأنزل اللهُ فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾. حتى بلغ: ﴿فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ (٥).

стр. 4948

حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكمِ [ومحمدُ بنُ سنانٍ القزَّاز] (١)، قالا (٢): ثنا أبو عبدِ الرحمنِ المُقْرِئُ، قال: حدَّثنا حَيْوَةُ، قال: أخبرنا محمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن نوفلٍ الأسديُّ، قال: قُطع على أهل المدينة بعثٌ (٣)، فاكتُتِبْتُ فيه، فلقِيتُ عكرمة مولى ابن عباسٍ، فنهانى عن ذلك أشدَّ النهي، ثم قال: أخبرني ابن عباسٍ، أن ناسًا مسلمين كانوا مع المشركين. ثم ذكر مثل حديثِ يونس، عن ابن وهبٍ (٤). حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾: فهم قومٌ تخلَّفوا بعد النبيِّ ﵇ وتركوا أن يَخْرُجوا معه، فمن مات منهم قبل أن يَلْحَقَ بالنبيِّ ﵇ ضرَبت الملائكةُ وجهَه ودُبُرَه (٥). حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عكرمة قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. قال: نزلت في قيس (٦) بن الفاكهِ بن المغيرةِ، والحارث بن

стр. 4949

زَمْعَةً (١) بن الأسود بن أسدٍ، وقيس بن الوليد بن المغيرة، [وأبي العاص] (٢) بن منبِّهِ بن الحجَّاج، وعليِّ بن أمية بن خلفٍ. قال: لمَّا خرج المشركون من قريش وأتباعِهم لمنع أبي سفيان بن حربٍ، وعيرِ قريشٍ من رسول اللهِ ﷺ وأصحابه، [وأن يطلبوا] (٣) ما نِيل منهم يوم نخلة، خرجوا معهم بشبابٍ (٤) كارهين، كانوا قد أسلَموا واجتمعوا ببدرٍ على غير موعدٍ، فقُتلوا ببدرٍ كفَّارًا، ورجعوا عن الإسلام، وهم هؤلاء الذين سمَّيناهم (٥). قال ابن جُريجٍ: وقال مجاهدٌ: نزلت هذه الآيةُ فيمَن قُتِل يوم بدرٍ من الضعفاءِ من كفار قريشٍ (٦). قال ابن جُريجٍ: وقال عكرمة: لمَّا نزل القرآنُ في هؤلاء النفر، إلى قوله: ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾. قال: يعنى الشيخَ الكبيرَ، والعجوزَ والجوارىَ والصغارَ والغلمانَ (٧). حدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾. إلى قوله: ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. قال: لمَّا أُسِر العباسُ وعَقِيلٌ ونوفلٌ؛ قال النبيُّ (٨) ﷺ للعباس: "افْدِ

стр. 4950

نفسك وابنَ أخيك". قال: يا رسول اللهِ، ألم نُصَلِّ قبلتَك، وَنَشْهَدْ شهادتَك؟! قال: "يا عبّاسُ، إنكم خاصَمْتُم فَخُصِمْتُم". ثم تلا عليه (١) هذه الآيةَ: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. فيوم نزلت هذه الآيةُ كان من أسْلَم ولم يُهَاجِرْ فهو كافرٌ، حتى يُهاجِرَ، إلا المستضعفين الذين ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ حيلةً في المالِ، والسبيلُ: الطريق [إلى المدينة] (٢)، قال ابن عباسٍ: كنتُ أنا منهم من الولدانِ (٣). حدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: [أخبرنا عبدُ الرزاق، قال] (٤): أخبرنا ابن عُيَيْنَةَ، عن عمرو بن دينارٍ، قال: سمعتُ عكرمة يقولُ: كان ناسٌ بمكة قد شهِدوا أن لا إلهَ إلا الله، فلمَّا خرج المشركون إلى بدرٍ خرجوا (٥) معهم، فقُتلوا، فنزلت فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾. إلى قوله: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ فكتب بها المسلمون الذين بالمدينة إلى المسلمين الذين بمكة، قال: فخرج ناسٌ من المسلمين حتى إذا كانوا ببعضِ الطريقِ طلَبهم المشركون فأدركوهم، فمنهم من أعْطَى الفتنة، فأنزل الله فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠]. فكتَب بها المسلمون الذين بالمدينة إلى المسلمين الذين بمكةَ، وأنْزَل الله في أولئك الذين أعْطَوا الفتنة: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا﴾. إلى: ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٦) [النحل: ١١٠].

стр. 4951

قال ابن عُيَيْنَةَ: أخبرني محمد بن إسحاق في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾. قال: هم خمسةُ فتية من قريشٍ: عليُّ بنُ أُمَيَّةَ، وأبو قيسِ بن الفاكه، وزَمْعَةُ بنُ الأسود، و [أبو العاص] (١) بن مُنَبِّهٍ، ونسيتُ الخامسَ (٢). حدَّثنا بشرٌ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية. حُدِّثنا أن هذه الآية نزلت (٣) في أناسٍ تكلَّموا بالإسلام من أهل مكةَ، فخرجوا مع عدوِّ اللهِ أبي جهلٍ، فقُتِلوا يوم بدرٍ، فاعتذروا بغير عذرٍ، فأتى الله أن يَقْبَلَ ذلك منهم. وقوله: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ أناسٌ مِن أهلِ مكة عذَرهم اللهُ، فاستَثناهم فقال: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾. قال: وكان ابن عباسٍ يقولُ: كنتُ أنا وأمى (٤) من الذين لا يَسْتَطِيعون حيلةٌ ولا يهتدون سبيلًا (٥). حُدِّثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبَيْدُ بنُ سليمان (٦)، قال: سمعتُ الضحَّاك يقولُ في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية. قال: هم أناسٌ من المنافقين تخلَّفوا عن رسول الله ﷺ ، فلم

стр. 4952

يَخْرُجوا معه إلى المدينةِ، وخرجوا مع مشركي قريشٍ إلى بدرٍ، فأصيبوا يومئذٍ فيمن أُصِيب، فأنزَل اللهِ فيهم هذه الآية (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: سألتُه، يعني ابن زيدٍ، عن قولِ الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾. فقرأ حتى بلغ: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾. فقال: لما بُعث النبيُّ ﷺ وظهر، ونبع الإيمانُ نبع النفاقُ معه (٢)، فأتى إلى رسول اللهِ ﷺ رجالٌ، فقالوا: يا رسول الله، لولا أنَّا نخافُ هؤلاء القومَ يُعَذِّبوننا ويفعَلون بنا ويفعلون لأَسْلَمْنا، لكنَّنا نَشْهَدُ أن لا إله إلا اللهُ، وأنك رسولُ اللهِ. فكانوا يقولون ذلك له، فلمَّا كان يومُ بدرٍ قام المشركون، فقالوا: لا يَتَخَلَّفُ عنَّا أحدٌ إلا هدَمْنا دارَه، واسْتَبحنا مالَه. فخرج أولئك الذين كانوا يقولون ذلك القولَ للنبيِّ ﷺ معهم، فقُتلت طائفةٌ منهم وأسرت طائفةٌ، قال: فأمَّا الذين قتلوا فهم الذين قال اللهُ (٣): ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية كلّها ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾. وتَتْرُكوا هؤلاء الذين يَسْتَضْعِفونكم ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. قال: ثم عذَر الله أهل الصدقِ، فقال: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾. يتوجَّهون له ولو خرجوا لهلَكوا، أولئك (٤) عسى الله أن يَعفُوَ عنهم وإقامتِهم بين ظَهْرَانى المشركين، وقال الذين أُسروا: يا رسول الله، إنك تَعْلَمُ أنَّا كُنَّا نَأْتِيك فنَشْهدُ أن لا إله إلا اللهُ، وأنك رسول الله، وأن

стр. 4953

هؤلاء القوم أخرجونا (١) معهم خوفًا، فقال الله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. [الأنفال: ٧٠] صنيعَكم الذي صنعتم؛ خروجكم (٢) مع المشركين على النبيِّ ﷺ ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ (٣) فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ﴾. خرجوا معَ المشركين ﴿فَأَمْكَنَ (٤) مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٥) [الأنفال: ٧١]. حدَّثني محمد بن خالد بن خداشٍ، قال: ثنى أبي، عن حمَّاد بن زيدٍ، عن أيوب، عن عبد الله بن أبي مُلَيْكَةَ، عن ابن عباسٍ، أنه قال: كنتُ أنا وأمى (٦) ممَّن عذَر اللهُ ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ (٧). حدَّثنا أبو كريب، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن شَرِيكٍ، عن عطاء بن السائبِ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾. قال ابن عباسٍ: أنا من المستضعَفين. حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾. قال: مَن [قُتِل من] (٨) ضعفاء كفار قريشٍ يوم بدرٍ (٩).

стр. 4954

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوه (١). حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا ابن عُيَيْنَةَ، عن [عبد الله بن أبي يزيدَ] (٢)، قال: سمعتُ ابن عباسٍ يقولُ: كنتُ أنا وأمى (٣) من المستضعفين من النساء والولدان (٤). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجَّاجُ، قال: ثنا حمَّادٌ، عن عليٍّ بن زيدٍ، عن عُبيدِ اللهِ أو إبراهيم بن عبد الله القرشيِّ، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ كان يَدْعُو في دُبُرِ (٥) صلاة الظهر: "اللهم خلِّصِ الوليد وسلمة بن هشامٍ وعيَّاشَ بن أبي ربيعةَ وضَعَفَةَ المسلمينَ مِن أيْدِى المشركين، الذين لا يستطيعونَ حِيلةً ولا يَهْتَدُونَ سبيلًا" (٦). حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾، قال: مُؤمِنون مستضعَفون بمكة، فقال فيهم (٧) أصحاب محمدٍ ﷺ : هم بمنزلة هؤلاء الذين قُتلوا

стр. 4955

ببدرٍ ضعفاء مع (١) كفَّارِ قريشٍ، فأَنْزَل الله فيهم: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ الآية (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه. وأمَّا قوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾. فإن معناه كما حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن عُيَيْنَةَ، عن عمرٍو، عن عكرمة في قوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾: مخرجًا (٣)، ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾: طريقًا إلى المدينة (٤). حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾: طريقًا إلى المدينة (٥). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله. حدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: الحيلةُ: المالُ، والسبيلُ: الطريقُ إلى المدينةِ (٦).

стр. 4956

[حدَّثني سعيد بن الربيعِ، قال: حدَّثنا سفيان، عن عمرٍو، عن عكرمة: ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾. طريقًا إليها. يعنى إلى المدينة] (١). وأمَّا قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾. ففيه وجهان؛ أحدهما: أن يكون "توفَّاهم" في موضع نصبٍ (٢) بمعنى المضِيِّ؛ لأن "فَعَّلَ" منصوبةٌ في كلِّ حالٍ. والآخرُ: أن يكون في موضع رفعٍ بمعنى الاستقبالِ، يُراد به: إن الذين تتوَفَّاهم الملائكةُ، فتكونَ إحدى التاءين من "تتوفَّاهم" محذوفةً، وهي [مرادةٌ في] (٣) الكلمة؛ لأن العربَ تَفْعَلُ ذلك إذا اجتمعت تاءانِ في أَوَّلِ الكلمة ربما حذَفت إحداهما وأثبتت الأخرى، وربما أثبتتهما جميعًا (٤). القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)﴾. قال أبو جعفر، ﵀: يعنى جل ثناؤه بقوله: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: ومَن يُفارِقْ أَرضَ (٥) الشركِ وأهلَها هربًا بدينِه منها ومنهم إلى أرض الإسلام (٦) وأهلِها المؤمنين، ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، يعنى: في منهاج دينِ اللهِ وطريقه الذي شرعه لخلقه، وذلك الدين القيِّم، ﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾. يقولُ: يجد هذا المهاجرُ في سبيلِ اللهِ مُراغَمًا كثيرًا، وهو المُضْطَرَبُ في البلادِ والمَذْهَبُ،

стр. 4957

يقال منه: راغم فلانٌ قومه مُراغَمًا ومُراغمةً، مصدران (١). ومنه قولُ نابغةِ بنى جَعْدَة (٢): كَطَوْدٍ (٣) يُلاذُ (٤) بأركانِهِ … عزِيزِ الْمُرَاغَمِ والمَهْرَبِ (٥) وقولُه جل ثناؤه: ﴿وَسَعَةٌ﴾. فإنه يحتمل السَّعةَ في [الرزق، ويحتملُ السعةَ ممَّا كان القومُ فيه من تضييق المشركين عليهم في] (٦) أمر دينهم بمكة، وذلك منعُهم إيَّاهم - كان (٧) - من إظهار دينهم، وعبادة ربِّهم علانيةً، ثم أخبر جل ثناؤه [عمّا لمن] (٨) خرج مهاجرًا مِن أرض الشركِ فارًّا بدينه إلى اللهِ وإلى رسوله، إن أدركته منيَّتُه (٩) قبل بلوغه أرض الإسلام ودار الهجرة، فقال: مَن (١٠) كان كذلك فقد وقع أجرُه على الله، وذلك ثوابُ عمله وجزاءُ هجرته وفراق وطنه وعشيرتِه إلى دار الإسلام وأهل دينه. يقولُ جل ثناؤه: و (١١) مَن خرج (١٢) مهاجرًا مِن دارِه إِلى اللهِ وإلى (١٣) رسوله، فقد (١٤) استوجَب ثوابَ هجرته و (١٥) إن لم يَبْلُغْ دار هجرته؛

стр. 4958

باخترام المنيةِ إياه قبل بلوغِه إياها على ربِّه. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. يقولُ: ولم يَزَلِ اللهُ تعالى ذكره ﴿غَفُورًا﴾. يعني: ساترًا ذنوب عباده المؤمنين بالعفو لهم عن العقوبة عليها، ﴿رَحِيمًا﴾. بهم رفيقًا. وذكر أن هذه الآية نزلت بسبب بعض من كان مقيمًا بمكة وهو مسلمٌ، فخرج لمَّا بلغه أن الله أَنْزَل الآيتين قبلها، وذلك قولُه جلَّ وعزَّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾. إلى قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾، فمات في طريقه قبل بلوغه (١) المدينة. ذكرُ الأخبار الواردة بذلك حدَّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدٍ بن جبيرٍ في قوله: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. قال: كان رجلٌ مِن خُزاعةَ يُقالُ له: ضَمْرَةُ بنُ العِيصِ أو العيصُ بِنْ ضَمْرَةَ بن زِنْباعٍ، قال: فلمَّا أُمِرُوا بالهجرة كان مريضًا، فأمر أهلَه أن يَفْرِشوا له على سريرِه ويَحْمِلوه إلى رسول الله ﷺ . قال: ففعلوا، فأتاه الموتُ وهو بالتنعيم، فنزلت هذه الآية (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبيرٍ، أنه قال: نزلت هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. في ضَمْرَةَ بن العِيصِ بن

стр. 4959

الزِّنْباع، أو فلانِ بن ضَمْرَةَ بن العِيصِ بن الزِّنْبَاعِ حين بلغ التنعيم فمات (١) فنزلت فيه. حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا عمرو بن عونٍ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن العوَّامِ بن حوشبٍ، عن إبراهيم التيميِّ بنحو حديث يعقوب، عن هُشَيْمٍ، قال: وكان رجلًا من خزاعة. حدَّثنا بشرٌ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾. الآية، قال: لمَّا أَنْزَل الله هؤلاء الآيات في (٢) رجلٍ مِن المؤمنين يقال له: ضَمْرَةُ. بمكة، قال: والله، إن لى مِن المال ما يبلِّغنى المدينة وأبعد منها، وإني لأَهْتَدِى، أخرجوني. وهو مريضٌ يومئذٍ، فلمَّا جاوز الحرم قبضه الله فمات، فأَنْزَل الله ﵎: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ [وَرَسُولِهِ] (٣)﴾ الآية (٤). حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادة، قال: لما نزلت ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ قال رجلٌ من المسلمين يومئذ وهو مريض: والله ما لي مِن عذرٍ؛ إنى لدليلٌ بالطريق: وإني لموسرٌ، فاحملوني. فحملوه فأدركه الموتُ بالطريق، فنزل فيه: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ﴾ (٤). حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا ابن عُيَيْنَةَ، عن

стр. 4960

عمرو بن دينار، قال: سمعتُ عكرمة يقولُ: لمَّا أَنْزَل الله في الذين كانوا بمكةَ ثم خرجوا مع المشركين إلى بدر ثم قُتِلوا قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾، الآيتين؛ قال رجلٌ مِن بنى ضَمْرَةَ - وكان مريضًا: أخرجوني إلى الروح (١). فأخرجوه، حتى إذا كان بالحَصْحَاص (٢) مات فنزَل فيه: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية (٣). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن المُنْذِرِ بن ثَعْلَبَةَ، [عن عِلْباءَ بن أحمر (٤)] (٥) اليَشكرى (٦) في قوله: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. قال: نزلت في رجُلٍ مِن خُزاعة (٧). [حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا قُرَّةُ، عن الضحَّاكِ في قوله: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. قال: لمَّا سمع رجلٌ مِن أهل مكة أن بني كنانة قد ضربت وجوههم وأدبارَهم الملائكةُ، قال لأهله: أَخْرِجونى. وقد [أدنف للموتِ] (٨)، قال:] (٩)

стр. 4961

[احملوني (١). فاحْتُمِل حتى انتهى إلى عقَبةٍ قد سمَّاها، فتوفِّى، فأنزل الله: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية] (٢). حدَّثنا محمدُ [بنُ الحسينٍ (٣)] (٤)، قال: ثنا أحمدُ [بنُ مُفَضَّلٍ] (٤)، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: لمَّا سمِع هذه - يعنى قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾. إلى قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ [عَفُوًّا غَفُورًا (٥)﴾ - ضَمْرَةُ بنُ جُنْدَبٍ الضمريُّ، قال لأهلِه وكان وَجِعًا: أَرْحِلوا راحلتي، فإن الأَخْشَبَين قد غمَّاني، يعنى جبلَىْ مكةً، لعلى أن أخْرُجَ [قبل التنعيم] (٦) فيُصيبَني رَوْحٌ. فقعد على راحلته ثم توجَّه نحوَ المدينة فمات في الطريقِ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. وأَمَّا حِينَ توجَّه نحو المدينة، فإنه قال: اللهمَّ إنى مهاجرٌ إليك وإلى رسولك (٧). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عكرمة، قال: لمَّا نزَلت هذه الآيةُ، يعنى (٨) قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾. قال [جُنْدُبُ بنُ ضَمْرَةَ] (٩) الخُزاعيُّ (١٠): اللهمَّ أبْلَغَتَ في (١١) المعذرة والحُجَّة،

стр. 4962

و (١) لا معذرةَ لى ولا حُجَّةَ. قال: ثم خرَج وهو شيخٌ كبيرٌ فمات ببعض الطريق، فقال أصحابُ رسول الله ﷺ : مات قبل أن يُهاجِرَ، فلا ندرى (٢) أعلى ولاية هو (٣) أم لا؟ فنزلت: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ (٤). حُدِّثتُ (٥) عن الحسين بن الفرج، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ، يقولُ (٦): أخبرنا عُبيدُ [بنُ سليمان] (٧)، قال: سمِعتُ الضحَّاكَ يقولُ: لمَّا أنْزَل الله في الذين قُتلِوا مع مشركي قريشٍ ببدرٍ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية. سمِع ما أنزل الله فيهم رجلٌ مِن بنى ليثٍ كان على دين النبيِّ ﵇ مقيمًا بمكة، وكان ممن عذَر الله وكان شيخًا كبيرًا وَصِبًا (٨)، فقال لأهله: ما أنا ببائتٍ الليلة بمكة. فخُرج (٩) به مريضًا (١٠) حتى إذا بلَغ التنعيمَ من طريق المدينة أدركه الموتُ، فنزل فيه: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ﴾ الآية (١١).

стр. 4963

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرني ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾. قال: و (١) هاجَر رجلٌ من بنى كنانةَ يُرِيدُ النبيَّ ﷺ ، فمات في الطريق، فسخِر به قومُه واسْتَهزءوا به، وقالوا: لا هو بلَغ الذي يُريدُ، ولا هو أقام في أهله يقومون عليه ويُدْفَنُ. قال: فنزل القرآنُ: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ (٢). حدَّثنا أحمدُ بنُ منصورٍ الرَّماديُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرِيُّ، قال: ثنا [محمدُ بنُ] (٣) شَرِيكٍ، عن عمرو بن دينارٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا (٤) نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾، فكان بمكة رجلٌ يقالُ له: ضَمْرَةُ، من بنى بكرٍ وكان مريضًا، فقال لأهلِه: أَخْرِجوني مِن مكةَ، فإنى أَجِدُ الحرَّ. فقالوا: أين نُخرجُك؟ فأشار بيده نحو المدينة، فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إلى آخر الآية (٥). حدَّثنا الحارثُ [بنُ أبي أسامة (٧)] (٦)، قال: ثنا عبدُ العزيز بنُ أبانٍ، قال: ثنا قيسٌ، عن سالمٍ الأفطسِ، عن سعيد بن جُبيرٍ، قال: لمَّا نزَلت هذه الآية: ﴿لا

стр. 4964

يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ قال: رخَّص فيها قومٌ من المسلمين ممن كان بمكة من أهل الضررِ، حتى نزلت فضيلةُ المجاهدين على القاعدين، [فقالوا: قد بيَّن الله فضيلة المجاهدين على القاعدين] (١)، ورخّص لأهلِ الضَّرَرِ، حتى نزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾، إلى قولِه: ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. قالوا: هذه موجبةٌ. حتى نزلت: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾، فقال ضمرةُ بنُ العيص (٢) الزرقيُّ (٣) - أحدُ بني ليثٍ، وكان مُصابَ البصر -: إني لذو حيلةٍ، لى مالٌ ولى رقيقٌ، فاحملوني. فخَرَج وهو مريضٌ، فأدركه الموتُ عندَ (٤) التَّنْعيم، فدُفِن عندَ مسجد التَّنْعيم، فنزَلَت فيه هذه الآيةُ: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ﴾ الآية (٥). واختَلف أهلُ التأويل في تأويلِ المُراغَمِ (٦)؛ فقال بعضُهم: هو التَّحوُّلُ مِن أَرضِ إلى أرضٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثني أبو صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليِّ بن أبي طلحة، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾. قال: المُرَاغَمُ التَّحَوُّلُ

стр. 4965

من [أرضٍ إلى أرضٍ] (١). حُدِّثتُ (٢) عن الحسين (٣) بن الفرج، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ، قال: أخبرنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سَمِعت الضَّحَّاك، يقولُ في قوله: ﴿مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾، يقولُ: متَحَوَّلًا (٤). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الله بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع في قوله: ﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾. قال: مُتَحَوَّلًا (٥). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، [قال: ثنى حَجَّاجٌ] (٦)، قال: ثنا أبو سُفيانَ، عن مَعْمَرٍ، عن الحسن أو قتادة: ﴿مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾. قال: مُتَحَوَّلًا. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قول الله : ﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا﴾. قال: مَنْدوحَةً عما يَكْرَهُ (٧). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفة، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ [في قولِ اللهِ] (٨): ﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾. قال: مُزَحْزَحًا عما

стр. 4966

يَكْرَهُ. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حَجَّاجُ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾. قال: مُتَزَحْزَحًا عما يَكْرَهُ. وقال آخرون: مُبْتَغَى معيشةٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا﴾. يقولُ (١): مُبْتَغَى المعيشة (٢). وقال آخرون: [المُرَاغمةُ المُهاجرةُ] (٣). ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: المُراغَمُ المُهاجَرُ (٤). قال أبو جعفرٍ: وقد بَيَّنَّا أولى الأقوال بالصوابِ في ذلك فيما مَضَى قبلُ. واختَلفوا أيضًا في معنى السَّعَةِ التي ذكرها الله في هذا الموضعِ، فقال: ﴿وَسَعَةً﴾؛ فقال بعضُهم: هي السَّعَةُ في الرِّزْقِ.

стр. 4967

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾. قال: السَّعَةُ (١) الرزق (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الله بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع في قوله: ﴿مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾. قال: السَّعَةُ في الرزق (٣). حُدِّثتُ عن الحسين بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أَخبَرنا عُبَيدُ [بنُ سليمان (٤)] (٥)، قال: سَمِعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿وَسَعَةً﴾. يقولُ: سَعَةٌ في (٦) الرزق (٧). وقال آخرون في ذلك بما حدَّثناه بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾. قال (٨): إي والله؛ مِن الضلالة إلى الهدى، ومِن العَيْلَةِ إلى الغِنى (٩). قال أبو جعفرٍ ﵀: وأَوْلَى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقال: إن الله

стр. 4968

﵎ أخبر أن مَن هاجَر في سبيله يَجِدْ في الأرضِ مُضْطَرَبًا ومُتَّسَعًا. وقد يَدخُلُ في السَّعَةِ السَّعَةُ في الرزقِ والغِنَى مِن الفَقْرِ، ويَدخُل فيه السَّعَةُ مِن ضِيقِ الهَمِّ والكَرْبِ الذي كان فيه أهلُ الإيمان بالله من المشركين بمكةَ، وغيرُ ذلك من معاني السَّعَةِ، التي هي بمعنى الرَّوْحِ والفَرَجِ مِن مَكْرُوهِ ما كَرِهِ اللهُ للمؤمنين [لمُقامِهم بينَ ظَهْرَانَي] (١) المشركين وفى سُلطانهم. ولم يَضَعِ اللهُ دَلالةً على أنه عَنَى بقوله: ﴿وَسَعَةً﴾. بعضَ معاني السَّعَةِ التي وَصَفنا، فكلُّ مَعاني السَّعَةِ التي هي بمعنى الرَّوْحِ والفَرَج مما كانوا فيه من ضيق العيشِ، وغَمِّ جِوارِ أهلِ الشِّرْكِ، وضِيقِ الصَّدْرِ، بتَعَذُّرِ (٢) إظهار الإيمان بالله، وإخلاص توحيده، وفِراقِ الأندادِ والآلهة - داخلٌ في ذلك. وقد تأوَّل قومٌ من أهل العلم هذه الآيةَ - أعنِى قولَه: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ - أنها [حكمٌ في] (٣) الغازى يَخرُجُ للغزو، فيدْرِكُه الموتُ بعد ما يَخرُجُ مِن (٤) مَنْزله فاصلًا (٥)، فيموتُ، أن له سَهْمَه مِن المَغْنَمِ، وإن لم يكن شَهِد (٦) الوقعة. كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا يوسفُ بنُ عَدِيٍّ، قال: حدَّثنا ابن المبارك، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي (٧) حبيبٍ، أن أهل المدينة يقولون: مَن خَرَج فاصِلًا وَجَب سهمُه. وتأوَّلوا قولَ اللهِ جلّ ثناؤه: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ

стр. 4969

مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى جل ثناؤه بقوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾. وإذا سرتُم أيُّها المؤمنون في الأرضِ، ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾. يقولُ: فليس عليكم حَرَجٌ ولا إثمٌ ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾. يعنى أن تَقْصُروا من عددِها، فتُصَلُّوا ما كان (١) عددُه منها في الحَضَرِ وأنتم مُقيمون أربعًا اثنتين، في قول بعضهم. وقيل: معناه: لا جُناحَ عليكم أن تَقْصُروا من الصلاة التي (٢) عددُها في حالٍ ضَرْبكم في الأرضِ اثنتانِ (٣) إلى واحدة في قول آخرين. وقال آخرون: معنى ذلك: لا جُناحَ عليكم أن تَقْصُروا من حدودِ الصلاة. ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. يعنى: إن خَشِيتُم أَن يَفْتِنَكم الذين كَفَروا في صلاتكم. ويشتهم إياهم فيها (٤): حَمْلُهم عليهم وهم فيها ساجدون، حتى يقتلوهم أو يَأْسِرُوهم، فيَمْنَعُوهم من إقامتِها وأدائِها، ويحُولوا بينهم وبين عبادة الله وإخلاص التوحيد له. ثم أخبرهم جلّ ثناؤه [عما عليه] (٥) أهل الكفر لهم، فقال لهم (٦): ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾. يعني الجاحدين وَحْدانيةَ اللهِ ﴿كَانُوا

стр. 4970

لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾، يقولُ: عَدُوًّا قد أبانوا لكم عَداوتهم، بمُناصبتهم لكم الحربَ على إيمانكم بالله وبرسوله، وتركِكم عبادة ما يعبدون (١) من الأوثان والأصنامِ، ومخالفتِكم ما هم عليه من الضلالةِ. واختلف أهلُ التأويل في معنى القَصْرِ الذي وَضَعَ اللهُ الجُناحَ فيه عن (٢) فاعلِه؛ فقال بعضُهم: [هو القصرُ] (٣) في السَّفَرِ مِن الصلاة التي كان واجبًا إتمامُها (٤) في الحضرِ أربع ركعاتٍ، فأذن في قَصْرِها في السفر إلى اثنتين. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عُبَيدُ بنُ إسماعيلَ الهَبَّارِيُّ (٥)، قال: ثنا عبد الله بن إدريس، عن ابن جُريجٍ، عن ابن (٦) أبي عَمَّارٍ، عن عبدِ اللهِ بن بَابَيْهِ، عَن يَعْلَى بن أُمَيَّةَ (٧)، قال: قلتُ لعمر بن الخطابِ ﵁: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾. وقد أمِن الناسُ؟ فقال: عَجِبتُ مما عجبت منه (٨)، حتى سألت النبيَّ ﷺ عن ذلك، فقال: "صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بها عليكم، فاقبلوا صَدَقته" (٩). حدَّثني أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن إدريس، عن ابن جُريجٍ، عن ابن أبي عَمَّارٍ،

стр. 4971

عن عبد اللهِ بن بَابَيْهِ، عن يَعْلَى بن أُمَيَّةَ، عن عمر، عن النبيِّ ﷺ مثلَه. حدَّثنا سعيدٌ بن يحيى الأُمويُّ، قال: ثنا محمد بن أبي عَدِيٍّ، عن ابن جريجٍ، قال: سمعت عبد الرحمن بن عبدِ اللهِ بن أبي عَمَّارٍ، يُحَدِّثُ عن عبدِ اللهِ بن بَابَيْهِ، يُحَدِّثُ عن يعلى بن أُمَيَّةَ، قال: قُلتُ لعمر بن الخطابِ: أَعجَبُ مِن قصْرِ الناسِ الصلاةَ، وقد أَمِنوا، وقد قال الله ﵎: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. فقال عمرُ: عَجِبتُ ممّا عجبت منه، فذَكَرتُ ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: "صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بها عليكم، فاقبلوا صَدَقته". حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا هشام بن عبد الملك، قال: ثنا أبو عوانة، عن قَتادةَ، عن أبي العالية، قال: سافرت إلى مكة، فكنتُ أُصَلِّي ركعتين، فَلَقِينِي قُرَّاءٌ مِنْ أَهْلِ هذه الناحية، فقالوا: كيف تُصَلِّى؟ قلتُ: ركعتين. قالوا: أَسُنَّةٌ أم (١) قرآن؟ قلت: كلُّ ذلك (٢)، سنةٌ وقرآنٌ. قلت: صَلَّى رسول الله ﷺ ركعتين. قالوا: إنه كان في حربٍ. قلت: قال الله: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾ [الفتح: ٢٧]. و (٣) قال: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. فقرَأ حتى بلغ: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ (٤). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبد الله بن هاشمٍ، قال: أخبرنا

стр. 4972

سيفٌ (١)، عن أبي رَوْقٍ، عن أبي (٢) أيوبَ، عن عليٍّ ﵁، قال: سأل قومٌ من التُّجَّار رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله، إنَّا نَضْرِبُ (٣) في الأرض، فكيف نُصَلِّي؟ فأنزل الله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾. ثم انقطع الوَحْىُ، فلما كان بعد ذلك بحَوْلٍ، غَزا (٤) النبيُّ ﵇، فصَلَّى الظُّهْرَ، فقال المشركون: لقد أمكنكم محمدٌ وأصحابه من ظهورهم، هَلَّا (٥) شَدَدتُم عليهم. فقال قائلٌ منهم: إن لهم أخرى مثلها في إثرها. فأنزل اللهُ ﵎ بين الصلاتين: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١) وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾. إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾، فنزَلَت صلاةُ الخوفِ (٦). قال أبو جعفر: [وهذا من تأويل الآية حسنٌ] (٧)، لو لم يكن في الكلام "إذا"، [ولكن قوله: ﴿وَإِذَا﴾] (٨) تؤذِنُ بانقطاع ما بعدَها عن معنى ما قبلها، ولو لم يكن في الكلام "إذا"، كان (٩) معنى الكلام على هذا التأويل الذي رواه سَيْفٌ، عن أبي رَوْقٍ: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾، أيُّها المؤمنون، ﴿أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في صلاتكم، وكنت فيهم يا محمد، ﴿فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ

стр. 4973

مَعَكَ﴾ الآية. وبعدُ (١)، فإن ذلك فيما ذُكر في قراءةِ أُبيِّ بن كعبٍ (٢): (وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناحٌ أن تَقْصُروا من الصلاة (٣) أن يَفْتِنَكم الذين كفروا). حدَّثني بذلك الحارثُ، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا الثوريُّ، عن واصل بن حَيَّانَ (٤)، عن عبدِ اللهِ بن عبدِ الرحمنِ بن أَبْرَى، عن أبيه، عن أُبَيٍّ بن كعبٍ، أَنَّه كان يَقْرَأُ: (فاقْصُروا (٥) من الصلاة أن يَفْتِنَكم الذين كفروا). ولا يقرأُ: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا بكرُ بنُ شَرودٍ (٦)، عن الثوريِّ، عن واصلٍ الأحدبِ، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أُبيٍّ بن كعبٍ أنه قرأ: (أن تَقْصُروا من الصلاةِ أنْ يفتنكم الذين كفروا). قال بكرٌ: وهى في الإمامِ، مصحفِ عثمان بن عفان ﵀: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٧). [وهذه القراءة تُنبِئُ على أن قوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾] (٨).

стр. 4974

مُواصِلٌ (١) قوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾. وأن معنى الكلام: وإذا ضَرَبْتُم في الأرض، فإن خِفْتُم أن يَفْتِنَكم الذين كفروا، فليس عليكم جُناحُ أن تَقْصُروا من الصلاة، وأن قوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ قصةٌ مُبْتَدَأَةٌ غيرُ قصة هذه الآية؛ وذلك أن تأويل قراءةِ (٢) أَبَيِّ بن كعبٍ هذه التي ذكرناها عنه: وإذا ضربتُم في الأرضِ فليس عليكم جناحٌ أن تقصُروا من الصلاةِ أن لا يفتتكم الذين كفروا. فحُذفت "لا" لدَلالة الكلام عليها، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]. بمعنى: أن لا تَضِلُّوا. ففىما وَصَفْنا دَلالةٌ بَيِّنَةٌ على فسادِ التأويل الذي رواه سيفٌ، عن أبي روقٍ. وقال آخرون: بل هو القَصْرُ في السفر، غير أنه إنما أذن جل ثناؤُه به للمسافر، في حالِ خَوْفِهِ مِن عدوٍّ يَخْشَى أَن يَفْتِنَه في صلاته. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني أبو عاصمٍ عمرانُ بنُ محمدٍ الأَنْصَارِيُّ، قال: ثنا [عبدُ الكبير] (٣) بنُ عبد المجيد، قال: حدَّثنا محمدُ (٤) بنُ عبدِ اللهِ بن محمدِ بن (٥) عبدِ الرحمن بن أبى بكر الصديق، قال: سمعتُ أبى، يقولُ: سَمِعتُ عائشة تقولُ في

стр. 4975

السفرِ: أتِمُّوا صلاتكم. فقالوا: إن رسول الله ﷺ كان (١) يُصَلِّي في السفر ركعتين؟ فقالت: إن رسول الله ﷺ كان في حربٍ (٢)، وكان يخافُ، هل تخافون أنتم؟ (٣) حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحَكَم، قال: ثنا ابن أبي فُدَيْكٍ، قال: ثنا ابن أبي ذئبٍ، عن ابن شهابٍ، عن أُمَيَّةَ بن عبدِ اللهِ بن خالد بن أَسِيدٍ، أنه قال لعبد اللهِ بن عمرَ: إِنَّا نَجِدُ في كتابِ اللَّهِ قَصْرَ [صلاة الخوف] (٤)، ولا نَجدُ قَصْرَ صلاةِ المسافر؟ فقال عبد الله: إنَّا وَجَدْنا نَبِيَّنا ﷺ يَعْمَلُ عملًا عَمِلْنا به (٥). حدَّثنا عليُّ بن سهلٍ الرَّمليُّ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، أن عائشةَ كانت تُصَلِّي في السفر أربعًا (٦). حدَّثنا سعيدُ بنُ يحيى، قال: ثنى أبى، قال: ثنا ابن جُريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ:
следующие страницы →