← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 5076–5115 · переход к 5081.

стр. 5076

جلَس أهلُ التوراة وأهلُ الإنجيل وأهلُ الزَّبورِ (١) فتَفاخَروا، فقال هؤلاء: نحن أفضلُ. وقال هؤلاء: نحن أفضلُ. [وقال هؤلاء: نحن أفضل] (٢) فأنزل الله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾. حدَّثنا يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا جويبرٌ، عن الضحاكِ في قوله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾. قال: افتخر أهلُ الأديان، فقال اليهودُ: كتابُنا خيرُ الكتب وأكرمُها على الله، ونبيُّنا أكرمُ الأنبياء على الله، موسى كلَّمه الله قِبَلًا (٣)، وخلا به نجيًّا، ودينُنا خيرُ الأديانِ. وقالت النصارى: عيسى ابن مريمَ خاتمُ الرسلِ، وآتاه الله التوراة والإنجيلَ، ولو أدركَه موسى (٤) لا تَّبَعَه، ودينُنا خيرُ الأديان. وقالت المجوسُ وكفارُ العرب: دينُنا أقدمُ الأديان وخيرُها. وقال المسلمون: محمدٌ نبيُّنا خاتمُ النبيِّين وسيدُ الأنبياء، والفُرقان آخرُ (٥) ما أُنزِلَ مِن الكتب من عند الله، وهو أمينٌ على كلِّ كتاب، والإسلامُ خيرُ الأديان، فخيَّر الله بينهم، فقال: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ (٦). وقال آخرون: بل عنَى الله بقوله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: أهل الشرك به من عبدة الأوثان.

стр. 5077

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾. قال: قريشٌ قالت: لن نُبْعَثَ ولن نُعذَّب. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾. قال: قالت قريشٌ: لن نُبْعَثَ ولن نُعَذَّبَ، فَأَنْزَل الله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. حدَّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: [ثنا ابن أبي نجيح] (١)، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. قال: قالت العربُ: لن نُبْعَثَ ولن نُعَذَّبَ. وقالت اليهودُ والنصارى: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١]، أو (٢) قالوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [آل عمران: ٢٤] شكَّ أبو بشرٍ (٣). حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾: قريشٌ وكعب بن الأشرف وحدَه (٤): ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ (٥). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرني ابن وهبٍ، قال: سمعت ابن زيدٍ يَقُولُ في قوله:

стр. 5078

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ [النساء: ٥١] إلى آخر الآية. قال: جاء حُيَيُّ بنُ أَخْطَبَ إلى المشركين، فقالوا له: يا حُيَيُّ إنكم أصحابُ كُتُبٍ، فنحن، فنحن خيرٌ أم محمد وأصحابه؟ فقال: [نحن خيرٌ و] (١) أنتم خيرٌ منهم (٢)، فذلك قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٥١، ٥٢]. ثم قال للمشركين: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ فقرأ حتى بَلَغ: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾؛ رسول الله ﷺ وأصحابُه، ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾. قال: ووعَد الله المؤمنين أن يُكَفِّرَ عنهم سيئاتِهم، ولم يَعِدْ أولئك. وقرأ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣) [العنكبوت: ٧]. حدَّثنا [ابن حميدٍ] (٤)، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. قال: قالت قريشٌ: لن نُبْعَثَ ولن نُعَذَّبَ. وقال آخرون: عُنِى به أهلُ الكتاب خاصةً.

стр. 5079

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، [عن أبي سيدانَ] (١)، قال: سمعت الضحاك يَقُولُ: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ الآية. قال: نزلت في أهلِ الكتاب حينَ خالَفوا النبيَّ ﷺ . قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالصواب في ذلك ما قال مجاهدٌ مِن أنه عنَى بقوله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾: مشركي قريشٍ. وإنما قُلنا ذلك أولى بالصواب؛ لأن المسلمين لم يَجرِ لأمانيِّهم ذكرٌ فيما مضى من الآي قبل قوله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾. وإنما جرى ذكرُ أمانيِّ نصيب الشيطان المفروض، وذلك في قوله: ﴿وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾. وقوله: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ﴾. فإلحاقُ معنى قوله جل ثناؤه: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾. بما قد جرى ذكره قبلُ أحقُّ وأولى من ادِّعاء تأويلٍ فيه لا دلالة عليه من ظاهر التنزيل، ولا أثر عن الرسول ﷺ ، ولا إجماع من أهل التأويل. وإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الآية إذن: ليس الأمرُ بأمانيِّكم يا معشر أولياء الشيطانِ وحزبه التي يُمنيِّكمُوها وليُّكم عدوُّ اللهِ مِن إنقاذكم ممن أرادَكم بسوءٍ، ونُصْرتكم عليه، وإظفارِكم به، ولا أمانيِّ أهل الكتاب الذين قالوا اغترارًا بالله وبحلمِه عنهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠]، و ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١]، فإن الله مجازٍ كلَّ عاملٍ منكم جزاء عمله، مَن يَعْمَلْ منكم سوءًا، أو من غيركم يُجْزَ به، ولا يَجِد له

стр. 5080

من دونِ الله وليًّا ولا نصيرًا، ومَن يَعْمَلْ مِن الصالحاتِ مِن ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمنٌ، فأولئك يدخلون الجنة. ومما يَدُلُّ أيضًا على صحة ما قلنا في تأويل ذلك، وأنه عُنى بقوله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾. مشركو العرب كما قال مجاهدٌ: إن الله وصف وَعْدَ الشيطان ما وَعَد أولياءَه، وأخبَر بحالِ وَعْدِه، ثم أتبَع ذلك بصفة وَعْدِه الصادق بقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾. وقد ذكر جلَّ ثناؤُه مع وصفِه وَعْدَ الشيطان أولياءَه، وتمنيتَه إياهم الأمانيَّ بقوله: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ﴾. كما ذكَر وعدَه إياهم، فالذى هو أشبه أن يُتبعَ تَمنيته إياهم من الصفة، بمثل الذي أتبع عِدَته إياهم به من الصفة. وإذ كان ذلك كذلك صحَّ أن قوله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ الآية، إنما هو خبرٌ من الله عن أمانيِّ أولياءِ الشيطان وما إليه صائرةٌ أمانيُّهم مع سيِّئَ أعمالهم من سوء الجزاء، وما إليه صائرةٌ أعمال أولياء الله مِن حُسْنِ الجزاء، وإنما ضَمَّ جلَّ ثناؤه أهل الكتاب إلى المشركين في قوله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾؛ لأن أمانيَّ الفريقين من تمنيةِ الشيطان إياهم التي وعَدهم أن يُمنيِّهموها بقوله: ﴿وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ﴾. القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. اختلف أهلُ التأويل في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: عُنى بالسوء كلُّ معصيةٍ لله. وقالوا: معنى الآية: مَن يَرْتَكِبْ صغيرةً أو كبيرةً من مؤمنٍ أو كافرٍ من معاصى الله، يجازِه اللهُ بها.

стр. 5081

ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرٌ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ أن [الربيع بن زيادٍ] (١) سأل أبيَّ بن كعبٍ عن هذه الآية: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. فقال: ما كُنْتُ أراك إلا أفقة مما أرى: النكبة (٢) والعود والخدْشَ. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا غُندرٌ، عن هشام الدستوائيِّ، قال: ثنا قتادةُ، عن الربيع بن زيادٍ، قال: قلت لأبيِّ بن كعبٍ: قول الله ﵎: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ واللهِ إن كان كلُّ ما عمِلنا جُزينا به هلكنا. قال: واللهِ إن كنتُ لأراك أفقهَ مما أرى، لا يُصِيبُ رجلًا خَدْشٌ ولا عَثْرةٌ إلا بذنبٍ، وما يَعْفُو اللهُ عنه أكثرُ، حتى اللدغة والنفحةُ (٣). حدَّثنا القاسم بن بشرِ بن معروفٍ (٤)، قال: ثنا سليمان بن حربٍ، قال: ثنا حمادُ بن زيدٍ، عن حجاجٍ الصوّاف، عن أيوبَ، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، قال: دخلتُ على عائشة في (٥) هذه الآية: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. قالت: ذاك مما يُصيبُكم في الدنيا (٦).

стр. 5082

حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرني خالدٌ أنه سمع مجاهدًا يَقُولُ في قوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. قال: يُجْزَ به في الدنيا. قال: قلت: وما تَبْلُغُ المصيباتُ؟ قال: ما تَكْرَهُ. وقال آخرون: معنى ذلك: مَن يَعْمَلْ سوءًا مِن أَهلِ الكفرِ يُجْزَ به. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن حميدٍ، عن الحسنِ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قال: الكافرُ، ثم قرأ: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ: ١٧]. قال: من الكفار (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا سهلٌ، عن حميدٍ، عن الحسن مثلَه. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو همام الأهوازيُّ، عن يونس بن عبيدٍ، عن الحسن، أنه كان يَقُولُ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ يَعْنى بذلك الكفار، ولا يَعْنى بذلك أهل الصلاةِ. حدَّثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز بن أبانٍ، قال: ثنا مباركٌ، عن الحسن في قوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. قال: واللهِ ما جازَى اللهُ عبدًا بالخير والشرِّ إلا عذَّبه، قال: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١]. قال: أما واللهِ لقد كانت لهم ذنوبٌ، ولكنه غفَرها لهم، ولم يجازِهم بها، إن الله لا يجازى عبدَه المؤمن بذنبٍ؛ إذن توبِقُه ذنوبُه. حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: سمعت ابن زيدٍ يَقُولُ في قوله:

стр. 5083

﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. قال: وعَد الله المؤمنين أن يُكَفِّرَ عنهم سيئاتِهم، ولم يَعِد أولئك، يَعْنى المشركين. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو معاوية، عن عاصمٍ، عن الحسنِ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. قال: إنما ذلك لمن أراد اللهُ هوانَه، فأما من أراد كرامتَه، فإنه مِن أهل الجنة، وعْدَ الصدق الذي كانوا يُوعدون (١). حدَّثنا يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبرَنا يزيدُ، قال: أخبرَنا جويبرٌ، عن الضحاكِ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. يَعْنى بذلك: اليهود والنصارى والمجوسَ وكفار العرب، ولا يَجِدون لهم من دونِ اللهِ وليًّا ولا نصيرًا (٢). وقال آخرون: معنى السوء في هذا الموضع: الشركُ. قالوا: وتأويلُ قوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾: مَن يُشْرِكْ بِاللهِ يُجْزَ بشركِه، ولا يجد له مِن دونِ الله وليًّا ولا نصيرًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا المثنى، قال: ثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. يَقُولُ: مَن يُشْرِكْ يُجْزَ به، وهو السوءُ، ولا يَجدْ له مِن دونِ الله وليًّا ولا نصيرًا، إلا أن يَتُوبَ قبل موتِه، فيتوب الله عليه (٣).

стр. 5084

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكّامٌ، عن عنبسةَ، عن ابن أبي ليلى، عن المنهالِ بن عمرٍو، عن سعيد بن جبيرٍ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. قال: الشركُ (١). قال أبو جعفرٍ: وأولى التأويلات التي ذكَرناها بتأويل الآية التأويلُ الذي ذكَرناه عن أبيِّ بن كعبٍ وعائشةَ، وهو أن كلَّ مَن عمِل سوءًا؛ صغيرًا أو كبيرًا، من مؤمنٍ أو كافرٍ جُوزِى به. وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الآية؛ لعموم الآية كلَّ عاملِ سوءٍ، من غير أن يُخَصَّ أو يُسْتَثْنَى منهم أحدٌ، فهى على عمومِها إذ لم يكن في الآية دلالةٌ على خُصوصِها، ولا قامَت حجةٌ بذلك من خبرٍ عن الرسول ﷺ . فإن قال قائلٌ: وأين ذلك من قولِ اللهِ: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]. وكيف يَجوزُ أن يُجَازِيَ على ما قد وعد تكفيره؟ قيل: إنه لم يَعِدْ بقوله: ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ تَرْكَ المجازاة عليها، وإنما وعَد التكفيرَ بترك الفضيحةِ منه لأهلِها في معادهم، كما فضَح (٢) أهل الشرك والنفاق، فأما إذا جازاهم في الدنيا عليها بالمصائب ليُكَفِّرَها عنهم بها ليُوافُوه ولا ذنبَ لهم، يَسْتَحِقُون المجازاةَ عليه، فإنما وفَى لهم بما وعَدهم بقوله: ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ﴾. وأنْجَز لهم ما ضمِن لهم بقولِه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [النساء: ١٢٢]. وبنحو الذي قلنا في ذلك، تظاهرَت الأخبارُ عن رسول الله ﷺ .

стр. 5085

ذكرُ الأخبار الواردة بذلك (١) حدَّثنا أبو كريبٍ وسفيانُ بنُ وكيعٍ ونصرُ بنُ على وعبد الله بن أبي زيادٍ القَطَوانيُّ، قالوا: ثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن ابن مُحَيْصِنٍ، عن محمد بن قيس بن (٢) مَخْرَمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: لما نزلت هذه الآيةُ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. شقَّت على المسلمين، وبلغت منهم ما شاء اللهُ أَن تَبْلُغَ، فشَكُوا ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فقال: "قارِبوا وسدِّدوا، ففى كلِّ ما يُصابُ به المسلمُ كفارةٌ، حتى النكبةُ يُنْكَبُها، أو الشوكةُ يُشاكُّها" (٣). [حدَّثني يونسُ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن ابن (٤) محيصنٍ، سمِع محمدَ بن قيسِ بن مَخرمةَ، قال: أظنُّه عن أبي هريرة، قال: لمَّا نزلت هذه الآية، ثم ذكر مثله] (٥). حدَّثني عبدُ الله بنُ أبي زيادٍ وأحمدُ بنُ منصورٍ الرَّمَاديُّ، قالا: ثنا [زيدُ بنُ حُبابٍ، قال] (٦): حدَّثنا عبدُ الملك بنُ الحسن الحارثيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ زيدِ بن قُنْفُذٍ، عن عائشةَ، عن أبي بكرٍ، قال: لما نزَلت: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾.

стр. 5086

قال أبو بكر: يا رسولَ اللهِ، [كلُّ ما نَعْمَلُ نُؤاخَذُ به] (١)؟ فقال: "يا أبا بكرٍ، أليس يصُيبُك كذا وكذا؟ فهو كفارتُه" (٢). حدَّثني إبراهيمُ بنُ سعيدٍ الجوهريُّ، قال: ثنا عبدُ الوهاب بنُ عطاءٍ، عن زيادٍ الجصاصِ، عن عليِّ بن زيدٍ، عن مجاهدٍ، قال: ثنى عبدُ الله بنُ عمرَ، أنه سمِع أبا بكرٍ يَقُولُ: سمعت النبيَّ ﷺ يقولُ: "مَن يَعْمَلُ سوءًا يُجْزَ به في الدنيا" (٣). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكّامٌ، عن إسماعيل، عن أبي بكر بن أبي زُهيرٍ (٤)، عن أبي بكرٍ الصديق أنه قال: يا نبيَّ الله، كيف الصلاحُ بعد هذه الآية؟ فقال النبيُّ ﷺ : "أَيُّةُ آية؟ " قال: يَقُولُ اللهُ: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. فما عمِلناه جُزينا به، فقال النبيُّ ﷺ : "غفَر اللهُ لك يا أبا بكرٍ ألست تَمْرَضُ، ألست تَحْزَنُ، ألست تُصِيبُك اللأَوَاءُ (٥)؟ قال: فهو ما تُجزَون به" (٦).

стр. 5087

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، عن أبي بكر بن أبي زُهَيرٍ، أن أبا بكرٍ قال للنبيِّ ﷺ : كيف الصلاحُ، فذكر نحوَه. حدَّثنا يونسُ، قال: ثنا سفيانُ، عن إسماعيل بن أبي خالدٍ، قال: أظنُّه عن أبي بكرٍ الثقفيِّ (١)، قال: لما نزَلت هذه الآيةُ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. قال أبو بكرٍ: كيف الصلاحُ، ثم ذكَر نحوَه، إلا أنه زاد فيه: "أَلَسْتَ تُنْكَبُ؟ ". حدَّثني محمدُ بنُ عبيدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا أبو مالكٍ الجَنْبيُّ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي بكر بن أبي زهيرٍ الثقفيِّ، قال: قال أبو بكرٍ: يا رسول الله، فذكَر نحوَه، إلا أنه قال: فكلُّ سوءٍ عمِلناه جُزِينا به. وقال أيضًا: "ألست تَمْرَضُ، ألست تَنْصَبُ، ألست تَحْزَنُ، أليس تُصيبُك الأوَاءُ؟ " قال: بلى. قال: "فهو ما تُجْزَون به" (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن [ابن أبي خالدٍ] (٣)، عن أبي بكر بن أبي (٤) زهيرٍ الثقفيِّ، قال: لما نزلت هذه الآيةُ: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. قال: قال أبو بكر: يا رسول الله، وإنا

стр. 5088

لنُجْزَى بكلِّ شيءٍ نَعْمَلُه؟ قال: "يا أبا بكرٍ، ألست تَنْصَبُ، ألست تَحْزَنُ، ألست تُصيبُك اللأواءُ؟ فهذا ما تَجزَون به" (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا [ابن أبي خالدٍ] (٢)، قال: ثنا أبو بكر بن أبي زهيرٍ الثقفيُّ، عن أبي بكرٍ، فذكَر مثلَ ذلك (٣). حدَّثنا أبو السائبِ وسفيانُ، قالا: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ، قال: قال أبو بكرٍ: يا رسول الله، ما أشدَّ هذه الآية: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. فقال: "يا أبا بكرٍ، المُصيبةُ في الدنيا جزاءٌ" (٤). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا رَوْحُ بنُ عُبادة، قال: ثنا أبو عامرٍ الخزازُ (٥)، عن ابن أبي مُلَيكةَ، عن عائشةَ قالت: قلت: إني لأعْلَمُ أيُّ آيةٍ في كتابِ اللهِ أَشدُّ. فقال لى النبيُّ ﷺ : "أيُّ آية؟ " فقلت: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. قال: "إن المؤمن ليُجازَى بأسوأ عمله في الدنيا". ثم ذكَر أشياءَ منهنّ المرضُ والنَّصَبُ، فكان آخرُه أنه ذكَر النكبةَ، فقال: "كلُّ ذى يُجْزَى (٦) به (٧) بعمله يا عائشةُ، إنه ليس أحدٌ يُحَاسَبُ يوم القيامةِ إلا يُعَذَّبُ (٨) ". فقلت: أليس يَقُولُ الله: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ

стр. 5089

حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٨]؟ فقال: "ذاك عندَ العرضِ، إنه مَن نُوقِش الحسابَ عُذِّب". وقال بيدِه على إصبَعه كأنه يَنْكُتُه (١). حدَّثني القاسمُ بنُ بشرِ بن مَعروفٍ، قال: ثنا سليمانُ بنُ حربٍ، قال: ثنا حمادُ بنُ سَلَمةَ، عن عليٍّ بن زيدٍ، عن أُميةَ، قالت (٢): سأَلْتُ عائشةَ عن هذه الآية: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، و ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. قالت: ما سألنى عنها أحدٌ منذ سأَلْتُ رسول الله ﷺ عنها، فقال: "يا عائشةُ، ذلك مثابةُ اللهِ العبد مما يُصيبه من الحمَّى والكبَرِ، والبضاعةِ يَضَعُها في كُمِّه فيَفْقِدُها، فيَفْزَعُ لها فيَجِدُها في كُمِّه، حتى إن المؤمنَ ليَخْرُجُ مِن ذُنوبه كما يَخْرُجُ التِّبْرُ الأحمرُ مِن الكير" (٣). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيم، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: حدَّثنا أبو عامرٍ الخزازُ، قال: ثنا ابن أبي مليكة، عن عائشةَ، قالت: قلت: يا رسولَ اللهِ، إنى أعْلَمُ أَشدَّ آية في القرآنِ. فقال: "ما هي يا عائشةُ؟ " قلت: هي هذه الآيةُ يا رسولَ اللهِ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. فقال: "هو ما يُصِيبُ العبدَ المؤمنَ، حتى النكبةُ يُنْكَبُها" (٤).

стр. 5090

حدَّثني يَعْقُوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن الربيع بن صبيحٍ (١)، عن عطاءٍ، قال: لما نزَلت: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. قال أبو بكرٍ: يا رسول الله، ما أشدَّ هذه الآية. قال: يا أبا بكرٍ، إنك تَمْرَضُ، وإنك تحزنُ، وإنك يُصيبُك الأذى، فذاك بذاك". حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرنا عطاءُ بنُ أبي رباحٍ، قال: لما نزَلت، قال أبو بكرٍ: جاءت قاصمةُ الظهر. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "إنما هي المصيباتُ في الدنيا" (٢). [حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني عمرُو بنُ الحارث، عن بكر بن سوادةَ، عن يزيدَ بن أبي يزيدَ، عن عبيدِ بن عميرٍ، عن عائشةَ، أن رجلًا تلا هذه الآية: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. قال: إنا لنُجْزَى بكلِّ ما عمِلناه، هلكنا إذن، فبلغ ذلك النبيَّ صلى الله عليه، فقال: "نعم، يُجْزَى به المؤمنُ في الدنيا في مصيبةٍ في جسدِه، فيما يؤذيه"] (٣). القولُ في تأويل قولِه جل ثناؤه: ﴿وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾. يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَا يَجِدْ﴾: الذي يَعْمَلُ سوءًا مِن معاصى اللهِ وخلافِ ما أمَره به، ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يَعْنى: مِن بعدِ اللهِ وسِواه، ﴿وَلِيًّا﴾ يلى

стр. 5091

أمرَه، ويَحْمِي عنه ما يَنْزِلُ به من عقوبة الله، ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ يَعْنى: ولا ناصرًا يَنْصُرُه مما يَحِلُّ به مِن عُقُوبَةِ اللهِ وأليمِ نَكالِه. القولُ في تأويل قولِه جل ثناؤه: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤)﴾. قال أبو جعفر ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: الذين قال لهم: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾. يَقُولُ الله لهم: إنما يَدْخُلُ الجنةَ ويَنْعَمُ فيها في الآخرةِ مَنْ يَعْمَلُ مِن الصالحاتِ مِن ذُكوركم وإناثِكم، وذكورِ عبادى وإناثِهم، وهو مؤمنٌ بي وبرسولي محمدٍ، مُصَدِّقٌ بوحدانيتي، ونُبوةِ محمدٍ ﷺ ، وبما جاء به مِن عندى، لا أنتم أيُّها المشركون بى، المكذِّبون رسولي، فلا تَطْمَعُوا أن تَحُلوا وأنتم كفارٌ مَحَلَّ المؤمنين بي، وتَدْخُلُوا مَداخِلَهم في القيامة، وأنتم مكذِّبون رسولي. كما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ قولَه: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾. قال: أبَى أن يَقْبَلَ الإيمان إلا بالعملِ الصالحِ، وأبَى أن يَقْبَلَ الإسلامَ إلا بالإحسانِ (١). وأما قولُه: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾. فإنه يَعْنى: ولا يَظْلِمُ الله هؤلاء الذين يَعْمَلُون الصالحاتِ مِن ثوابِ عملِهم مقدار النُّقْرَةِ (٢) التي تَكُونُ فِي ظَهْرِ النواة في القِلةِ، فكيف بما هو أعْظَمُ مِن ذلك وأكثرُ، وإنما يُخْبِرُ بذلك جلَّ ثناؤُه عبادَه أنه لا

стр. 5092

يَبْخَسُهم من جزاءِ أعمالِهم قليلًا ولا كثيرًا، ولكن يُوفِّيهم ذلك كما وعَدهم. [وبنحوِ الذي قلنا في معنى النقير قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾. قال: النَّقِيرُ: الذي يَكُونُ في ظهرِ النواةِ (١). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا قُرَّةُ، عن عطيةَ، قال: النَّقِيرُ: الذي في وَسَطِ النواة] (٢). فإن قال لنا قائلٌ: وما وجهُ دُخول "من" في قوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾، [ولم يَقُلْ: ومَن يَعْمَلْ الصالحات] (٣)؟ قيل: لدُخولِها وجهان؛ أحدُهما: أن يَكُونَ الله قد عَلِم أَنَّ عبادَه المؤمنين لن يُطِيقوا أن يَعْمَلُوا جميع الأعمال الصالحةِ، فأَوْجَب وَعْدَه لمن عمِل ما أطاق منها، فلم يَحْرِمُه فضلَه، بسبب ما عجَزت عن عملهِ منها قواه (٤). والآخرُ منهما: أن يَكُونَ اللهُ تعالى ذكرُه أوْجَب وَعْدَه لمن اجْتَنَب الكبائرَ وأدَّى الفرائضَ، وإن قصَّر في بعضِ الواجبِ له عليه، تفضلًا منه على عبادِه المؤمنين، إذ كان التفضلُ به أولى، والصَّفْحُ عن أهلِ الإيمانِ به أُحْرَى. وقد تَقَوَّلَ قومٌ مِن أَهلِ العربية أنها أُدْخِلَت في هذا الموضعِ بمعنى الحذفِ، ويَتَأَوَّله: ومَن يَعْمَل (٥) الصالحاتِ

стр. 5093

من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمنٌ، وذلك عندى غير جائزٍ؛ لأن دُخولَها لمعنًى، فغيرُ جائزٍ أن يَكُونَ معناها الحذفَ. القولُ في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾. قال أبو جعفرٍ: وهذا قضاءٌ من الله جلَّ ثناؤه للإسلام وأهلِه بالفضلِ على سائرِ المللِ غيره وأهلِها، يَقُولُ الله جل وعز: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا﴾ أَيُّهَا النَّاسُ، وأصوبُ طريقًا، وأهدى سبيلًا، ﴿مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ يَقُولُ: ممن اسْتَسْلَم وجهه للهِ، فانْقَاد له بالطاعةِ، مصدِّقًا نبيَّه محمدًا ﷺ فيما جاء به من عندِ ربِّه، ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ يَعْنى: وهو عاملٌ بما أمَره به ربُّه، محرِّمٌ حرامَه، ومحلِّلٌ حلالَه، ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ يَعْنى بذلك: واتَّبَع الدينَ الذي كان عليه إبراهيمُ خليلُ الرحمن، وأمَر به بنيه مِن بعدِه وأوصاهم به، ﴿حَنِيفًا﴾ يَعْنى: مستقيمًا على منهاجِه وسبيلِه. وقد بيَّنا اختلافَ المختلفين فيما مضَى قبلُ في معنى "الحنيف"، والدليلَ على الصحيح من القول في ذلك بما أغْنَى عن إعادته (١). وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل. وممن قال ذلك أيضًا الضحاكُ؛ حدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبَرَنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جُوَيبرٌ، عن الضحاكِ، قال: فضَّل الله الإسلامَ على كلِّ دينٍ، فقال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾. إلى قوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ وليس

стр. 5094

يُقْبَلُ فيه (١) عملٌ غيرُ الإسلامِ وهى الحَنيفيةُ. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾. قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: واتخَذ اللهُ إبراهيمَ وليًّا. فإن قال قائلٌ: وما معنى الخُلةِ التي أُعطِيَها إبراهيمُ؟ قيل: ذلك مِن إبراهيمَ ﵇ العداوةُ في اللهِ والبُغْضُ فيه، والوَلايةُ في اللهِ والحبُّ فيه، على ما يُعْرَفُ مِن معاني الخلَّةِ، وأما مِن اللهِ لإبراهيمَ، فنُصْرَتُه على مَن حاوَله بسوءٍ، كالذى فعَل به إذ أراده نُمْروذُ بما أراده به مِن الإحراقِ بالنارِ، فأنقَذَه منها، وأعلى حُجَّتَه عليه إذ حاجَّه، وكما فعَل بمَلكِ مصرَ إذ أراده عن أهلِه، وتمكينُه مما أحبَّ، وتَصْيِيرُه إمامًا لمن بعدَه مِن عبادِه وقدوةً لمن خلفه في طاعتِه وعبادتِه، فذلك معنى خِلالَتِه (٢) إياه. وقد قيل: سمّاه اللهُ خليلًا مِن أجلِ أنه أصاب أهلَ ناحيتِه جَذْبٌ، فارتَحَل إلى خليلٍ له مِن أهل المَوْصِلِ - وقال بعضُهم: مِن أهلِ مصرَ في امتيارِ طعامٍ لأهلِه مِن قبَلِه فلم يُصِبْ عندَه حاجتَه، فلما قرُب مِن أهلِه مرَّ بمفازةٍ ذاتِ رملٍ، فقال: لو ملأتُ غَرائرى مِن هذا الرملِ لئلا أغُمَّ أهلى برُجُوعى إليهم بغيرِ ميرةٍ، وليَظُنُّوا أنى قد أتَيْتُهم بما يُحِبُّون، ففعَل ذلك، فتحوَّل ما في غَرائرِه مِن الرملِ دقيقًا، فلما صار إلى منزلِه نام وقام أهلُه، ففتَحوا الغرائرَ فوجَدوا دقيقًا، فعجَنوا منه وخبَزوا، فاسْتَيْقَظَ فسأَلَهم عن الدقيقِ الذي منه خَبَزُوا، فقالوا: مِن الدقيقِ الذي جئتَ به مِن عندِ خليلِك. فعلِم، فقال: نعم، هو مِن خليلى اللهِ، قالوا: فسمّاه اللهُ بذلك خليلًا.

стр. 5095

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (١٢٦)﴾. يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ لطاعتِه ربَّه، وإخلاصِه العبادةَ له، والمسارعةِ إلى رضاه ومحبتِه، لا مِن حاجةٍ به إليه وإلى خُلَّتِه. [ثم قال: فكيف] (١) يَحْتاجُ إليه وإلى خُلَّتِه، وله ما في السمواتِ وما في الأرضِ مِن قليلٍ وكثيرٍ مِلْكًا، والمالكُ الذي إليه حاجةُ مُلْكِه دونَ حاجتِه إليه. يقولُ: فكذلك حاجةُ إبراهيمَ إليه، لا حاجتُه إليه، فيَتَّخِذُه مِن أجلِ حاجتِه إليه خليلًا، ولكنه اتَّخَذه خليلًا لمسارعتِه إلى رضاه ومحبتَه. فكذلك فسارِعوا إلى رِضاىَ ومحبَّتى لأتَّخِذكم لى أولياءَ، ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ يقولُ: ولم يَزَلِ اللَّهُ مُحْصِيًا لكلِّ ما هو فاعلُه عبادُه مِن خيرٍ وشرٍّ، عالمًا بذلك، لا يَخْفَى عليه شيءٌ منه، ولا يَعْزُبُ عنه مثقالُ ذَرَّةٍ. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾. يَعْنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾: ويَسْأَلُك يا محمدُ أصحابُك أن تُفْتِيَهم في أمرِ النساءِ والواجبِ لهنَّ وعليهنَّ، فاكْتَفَى بذكرِ النساءِ مِن ذكرِ شأنِهنَّ؛ لدِلالةِ ما ظهَر مِن الكلامِ على المرادِ منه: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾: قل يا محمدُ لهم: ﴿اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾. يَعْنى في النساءِ، ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾.

стр. 5096

واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾؛ فقال بعضُهم: يَعْنى بقولِه: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾: قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فيهنَّ، وفيما يُتْلى عليكم. قالوا: والذي يُتْلى عليهم هو آياتُ الفرائضِ التي في أولِ هذه السورةِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامُ بنُ سَلْمٍ (١)، عن عمرِو بن أبى قيسٍ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾. قال: كان أهلُ الجاهليةِ لا يُوَرِّثون المولودَ حتَّى يَكْبَرَ، ولا يُوَرِّثون المرأةَ؛ فلما كان الإسلامُ قال: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ في أوَّلِ السورةِ في الفرائضِ، ﴿اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن هشامِ بن عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾. قالت: هذا في اليتيمةِ تَكُونُ عندَ الرجلِ لعلَّها أن تَكُونَ شَريكتَه في مالِه، وهو أولى بها مِن غيرِه (٣)، فيَرْغَبُ عنها أن يَنْكِحَها، ويَعْضُلُها لمالِها ولا يُنْكِحُها غيرَه؛ كراهيةَ أن يَشْرَكَه أحدٌ في مالِها (٤).

стр. 5097

حدَّثنا ابن حُميدٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: كانوا لا يُوَرِّثون في الجاهليةِ النساءَ والفَتَى (١) حتى يَحْتَلِمَ، فأنزَل الله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ في أولِ سورةٍ النساءِ مِن الفرائضِ (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ (٣)، قال: كانوا في الجاهليةِ لا يُوَرِّثُون اليتيمةَ ولا يَنْكِحونها، ويَعْضُلُونها، فأنزَل اللهُ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: أخبَرنى الحَجَّاجُ، عن ابن جُريجٍ، قال: أخبَرنى (٤) عبدُ اللهِ بنُ كَثيرٍ أنه سَمِع سعيدَ بنَ جبيرٍ يَقُولُ في قولِه: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ الآية. قال: كان لا يَرِثُ إلا الرجلُ الذي قد بلَغ، لا يَرِثُ الرجلُ الصغيرُ ولا المرأةُ، فلما نزَلتِ (٥)

стр. 5098

المواريثُ في سورةِ النساءِ، شقَّ ذلك على الناسِ، وقالوا: يَرِثُ الصغيرُ الذي لا يَعْمَلُ في المالِ [ولا يَقُومُ فيه، والمرأةُ التي (١) هي كذلك، فيَرِثانِ كما يَرِثُ الرجلُ الذي يَعْمَلُ في المالِ] (٢)، فَرَجَوْا أن يَأتىَ في (٣) ذلك حَدَثٌ مِن السماءِ، فانتَظَرُوا، فَلمَّا رأَوْا أنه لا يَأْتِى حَدَثٌ، قالوا: لئن تمَّ هذا إنه لواجبٌ ما منه بدٌّ. ثم قالوا: سَلُوا. فسأَلوا النبيَّ ﷺ ، فأنزَل اللهُ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ في أولِ السورةِ ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾. قال سعيدُ بنُ جبيرٍ: وكان الوليُّ إذا كانت المرأةُ ذاتَ جمالٍ ومالٍ رغِب فيها، ونكَحها واستَأْثَر بها، وإذا لم تَكُنْ ذاتَ جمالٍ ومالٍ أنْكَحَها ولم يَنْكِحْها (٤). حدَّثنا ابن حُميدٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾. قال: كانوا إذا كانَت الجاريةُ يتيمةً دَميمةً (٥) لم يُعْطُوها ميراثَها، وحبَسوها من (٦) التزويجِ حتى تَموتَ، فيَرِثوها، فأنزَل اللهُ هذا (٧). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا مُغيرةُ، عن إبراهيمَ

стр. 5099

في قولِه: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾. قال: كان الرجلُ منهم تَكُونُ له اليتيمةُ بها الدَّمامَةُ (١)، والأمرُ الذي يَرْغَبُ عنها فيها، ولها مال. قال: فلا يَتَزَوَّجُها ولا يُزَوِّجُها حتى تموتَ فيَرِثَها. قال: فنهاهم اللهُ عن ذلك. حدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: ثنا [عُبيدُ اللهِ] (٢)، عن إسرائيلَ، عن السُّدِّيِّ، عن أبي مالكٍ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾. قال: كانت المرأةُ إذا كانت عندَ وليٍّ رَغِب (٣) عنها، حبَسها إن لم يَتَزَوَّجها، ولم يَدْعُ أحدًا يَتَزَوَّجُها (٤). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ قال: كان أهلُ الجاهليةِ لا يُوَرِّثون النساءَ ولا الصبيانَ شيئًا، كانوا يَقُولون: لا يَغْزُون ولا يُغْنُون (٥) خيرًا. ففرَض اللهُ لهم (٦) الميراثَ حقًّا واجبًا (٧)؛ ليَتَنافَسَ أو ليَنْفَسَ الرجلُ في مالِ يَتيمتِه إِن لم (٨) تَكُنْ حَسَنَةً (٩). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.

стр. 5100

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدثني (١) أبى، قال: حدثني (١) عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾: يَعْنى الفرائضَ التي افْتُرِضَتْ (٢) في أمرِ النساءِ، ﴿اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾. قال: كانت اليتيمةُ تَكُونُ (٣) في حِجْرِ الرجلِ، فيَرْغَبُ أن يَنْكِحَها أو يُجَامِعَها، ولا يُعْطِيها مالَها، رجاءَ أن تَمُوتَ فيَرِثَها، وإن مات لها حميمٌ لم تُعْطَ (٤) مِن الميراثِ شيئًا، وكان ذلك في الجاهليةِ، فبَيَّن اللهُ لهم ذلك (٥). حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يَزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ. عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾. حتى بلَغ: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾. فكان الرجلُ تَكُونُ في حِجْرِه اليَتيمةُ بها دَمامةٌ ولها مالٌ، فكان يَرْغَبُ عنها أن يَتَزَوَّجَها، ويَحْبِسُها لمالِها، فأنزَل اللهُ فيه (٦) ما تَسْمَعون. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾. قال: كانت اليتيمةُ تَكُونُ في حِجْرِ الرجلِ فيها دَمامةٌ، فيَرْغَبُ عنها أن يَنْكِحَها، ولا يُنْكِحُها رغبةً في مالِها (٧).

стр. 5101

حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ قولَه: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ إلى قولِه: ﴿بِالْقِسْطِ﴾. قال: كان جابرُ بن عبدِ اللهِ الأنصاريُّ ثم السَّلَمِيُّ له ابنةُ عمٍّ (١) عمياءُ، وكانت دميمةً (٢)، وكانت قد وَرِثتْ عن أبيها مالًا، فكان جابرٌ يَرْغَبُ عن نِكاحِها، ولا يُنْكِحُها رَهْبَةً أن يَذْهبَ الزوجُ بمالِها، فسأل النبيَّ ﷺ عن ذلك، وكان ناسٌ في حُجُورِهم جَوارى (٣) أيضًا مثلَ ذلك، فجعَل جابرٌ يَسألُ النبيَّ ﷺ : أثَرِثُ الجاريةُ إذا كانت قَبِيحةً عَمْياءَ؟ فجعَل النبيُّ ﷺ يقولُ: "نعم". فأنزَل اللهُ فيهم (٤) هذا (٥). وقال آخرون: معنى ذلك: ويَسْتفتونك في النساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فيهن وفيما يُتْلَى عليكم في الكتابِ، في آخرِ سورةِ النساءِ؛ وذلك قولُه: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ إلى آخرِ السورةِ [النساء: ١٧٦]. ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سلَّامُ بنُ سُلَيمٍ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ قال: كان أهلُ الجاهليةِ [لا يُوَرِّثون] (٦) الوِلْدانَ حتى

стр. 5102

يَحْتَلِموا، فأنزَل اللهُ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ إلى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ قال: فنزَلَتْ (١) هذه الآيةُ ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ الآية كلّها [النساء: ١٧٦] (٢). وقال آخرونَ: بل معنى ذلك: ويَسْتفتونك في النساء قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فيهن وفيما يُتْلَى عليكم في الكتابِ؛ يعنى في أوَّلِ هذه السورةِ، وذلك قولُه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]. ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني يونسُ بنُ يَزِيدَ، عن ابن شِهابٍ، قال: أخبرني عُرْوةُ بنُ الزبيرِ، أنه سَأَل عائشةَ زَوْجَ النبيِّ ﷺ عن قولِ اللهِ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾. قالت: يا بنَ أُختى (٣)، هي اليتيمةُ تَكُونُ في حِجْرِ (٤) وَليِّها، تُشارِكُه في مالِه، فيُعْجِبُه مالُها وجمالُها، فيُريدُ وَليُّها أن يَتَزوَّجَها بغيرِ (٥) أَن يُقْسِطَ في صَداقِها فيُعْطِيَها مثلَ ما يُعْطِيها (٦) غيرُه، فنُهوا أن يَنْكِحوهن إلا أن يُقْسِطوا لهن، ويَبْلُغوا بهن أعلى (٧) سُنَّتِهنَّ (٨) مِن الصَّداقِ، وأُمِروا أن يَنْكِحوا ما طاب لهم مِن النساءِ سواهن. قال

стр. 5103

عُروةُ: قالت عائشةُ: ثم إن الناسَ (١) اسْتَفْتَوْا رسولَ ﷺ بعدَ هذه الآيةِ فيهن، فأنزَل اللهُ ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ قالت: والذي ذكَر اللهُ أنه يُتْلَى في الكتابِ، الآيةُ الأولَى التي قال فيها: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٢). حدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى الليثُ، قال: ثنى يونسُ، عن ابن شهابٍ، عن عُروةَ، عن عائشةَ مثلَه. فعلى هذه الأقوالِ الثلاثةِ التي ذكَرناها؛ "ما" التي في قولِه: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ في موضِعِ خَفْضٍ بمعنى العطفِ على الهاءِ والنونِ التي في قولِه: ﴿يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾. فكأنهم وَجَّهوا تأويلَ الآيةِ: قُلِ اللهُ يُفْتِيكم أيُّها الناسُ في النساءِ وفيما (٣) يُتْلَى عليكم في الكتابِ (٤). وقال آخرون (٥): نزَلتْ هذه الآيةُ على رسولِ اللهِ ﷺ في قومٍ مِن أصحابِه سأَلوه عن أشياءَ مِن أمرِ النساءِ، وترَكوا المسألةَ عن أشياءَ أُخَرَ كانوا يَفْعَلُونها، فأَفْتاهم اللهُ فيما سَأَلوا عنه، وفيما ترَكوا المسألةَ عنه.

стр. 5104

ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ المُثنى وسفيانُ بنُ وَكيعٍ؛ قال (١) سفيانُ: ثنا عبدُ الأعلى، وقال ابن المُثنى: ثنى عبد الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن محمدِ بن أبى موسى في هذه الآيةِ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾. قال: اسْتَفْتَوْا نبيَّ اللهِ ﷺ في النساءِ، وسَكَتوا عن شيءٍ كانوا يَفْعَلونه، فأنزَل اللهُ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾. ويُفْتِيكم فيما لم تَسْأَلوا عنه، قال: كانوا (٢) لا يَتَزَوَّجون اليتيمةَ إذا كان بها دَمامةٌ، ولا يَدْفَعون إليها مالَها فتَنْفُقَ (٣)، فنَزَلتْ: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ (٤) وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾. قال: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾ قال: كانوا يُوَرِّثون الأكابرَ ولا يُوَرِّثون الأصاغرَ. ثم أفتاهم فيما سَكَتوا عنه فقال: ﴿وَإِنِ امْرَأَة خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا (٥) بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ (٦)﴾. ولفظُ الحديثِ لابنِ المثنى. قال أبو جعفرِ: فعلى هذا القولِ: الذي يُتْلَى علينا في الكتابِ، الذي قال اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾، ﴿وَإِنِ

стр. 5105

امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ الآية. والذي سأَل القومُ فأُجِيبوا عنه، في (١) يتامَى النساءِ اللاتى كانوا لا يُؤْتونهن ما كتَب اللهُ لهن مِن الميراثِ عمَّن وَرِثْنَه عنه. وأولى هذه الأقوالِ التي ذكَرنا عمن ذكَرناها عنه بالصوابِ، وأشْبَهُها بظاهرِ التنزيلِ، قولُ مَن قال: معنى قولِه: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾: وما يُتْلَى عليكم مِن آياتِ الفرائضِ في أولِ هذه السورةِ وآخرِها. وإنما قلنا ذلك أولى بالصوابِ؛ لأن الصداقَ ليس مما كُتِبَ للنساءِ إلا بالنكاحِ، فما لم تُنْكَحْ فلا صداقَ لها قِبَلَ أَحَدٍ. وإذا لم يكن ذلك لها [قبَلَ أحدٍ، لم يَكُنْ مما كُتِبَ لها. وإذا لم يَكُنْ مما كُتِبَ لها] (٢)، لم يَكُنْ لقولِ قائلٍ - عَنَى بقولِه: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾: الإقساطَ في صَدَقَاتِ يتامى النساءِ - وَجْهٌ (٣)؛ لأن الله قال في سياقِ الآيةِ، مُبيِّنًا عن الفُتْيَا التي وعَدَنا أن يُفْتِيَناها: ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾، فأَخْبَر أن بعضَ الذي يُفْتِينا فيه من أمرِ النساءِ، أَمْرُ اليتيمةِ المَحُولِ (٤) بينَها وبينَ ما كتَب اللهُ لها. والصداقُ قبلَ عَقْدِ النكاحِ، ليس مما كتَب اللهُ لها على أحدٍ. فكان معلومًا بذلك أن التي عَنَى (٥) بهذه الآيةِ، هي التي قد حِيلَ بينَها وبينَ الذي كُتِبَ لها مما يُتْلَى علينا في كتابِ اللَّهِ أمْرُه (٦). فإذا كان

стр. 5106

ذلك كذلك، كان معلومًا أن ذلك هو الميراثُ الذي فَرَضَه (١) اللهُ لهن في كتابِه. فأما الذي ذُكِرَ عن محمدِ بن أبى موسى (٢)، فإنه - مع خروجِه مِن قولِ أهلِ التأويلِ - بعيدٌ مما يَدلُّ عليه ظاهرُ التنزيلِ؛ وذلك أنه زعَم أن الذي عَنَى اللَّهُ بقولِه: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾، هو ﴿وَإِنِ امْرَأَة خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾. وإذا وُجِّهَ الكلامُ إلى المَعْنَى الذي تَأوَّلَه، صار الكلامُ مُبْتَدأً مِن قولِه: ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾، [ترْجَمَةً بذلك عن قولِه: ﴿فِيهِنَّ﴾، ويَصِيرُ معنى الكلامِ: قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فيهن؛ في يَتامى النساءِ اللاتي لا تُؤْتونهن] (٣). ولا دَلالةَ في الآيةِ على ما قالَه، ولا أَثَرَ عمَّن يُعْلَمُ بقولِه صحةُ ذلك، وإذ كان ذلك كذلك، كان وَصْلُ معاني الكلامِ بعضِه ببعضٍ أَوْلَى، ما وُجدَ إليه سَبيلٌ. فإذ كان الأمرُ على ما وَصَفْنا، فقولُه (٤): ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾. بأن يكونَ صلةً لقولِه (٥): ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾. أَوْلَى مِن أن يكونَ ترجمةً عن قولِه: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾؛ لقُرْبِه مِن قولِه: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾، وانقطاعِه عن قولِه: ﴿يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾. وإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الآيةِ: ويَسْتَفتونك في النساءِ، قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فيهن، وفيما يُتْلَى عليكم في كتابِ اللهِ الذي أنْزَلَه [على نبيِّه] (٦) في أمرِ يتامى النساءِ اللاتى لا تُعْطُونهن ما كُتِبَ لهن؛ يعنى: ما فرَض اللهُ لهن مِن الميراثِ عمن وَرِثْنَه.

стр. 5107

كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: ﴿لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾. قال: لا تُوَرِّثونهن (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: أخبرنا هُشَيمٌ، عن مُغِيرة، عن إبراهيمَ قولَه: ﴿لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾. قال: مِن الميراثِ. قال: كانوا لا يُوَرِّثون النساءَ (٢). ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾. [واخْتَلف أهلُ التأْويلِ في معنى قولِه: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾] (٣)؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: وتَرْغَبون عن نكاحِهن. وقد مضَى ذِكْرُ جماعةٍ ممن قال ذلك، وستَذْكُرُ قولَ آخَرين لم نَذْكُرْهم. حدَّثنا حُمَيدُ بنُ مَسْعَدَةَ (٤)، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا [عبدُ اللَّهِ] (٥) بنُ عَوْنٍ، عن الحسنِ: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾. قال: تَرْغَبون عنهن (٦). حدَّثنا يعقوبُ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن ابن عونٍ، عن الحسنِ مثلَه. حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني يونسُ بنُ يزيدَ، عن ابن

стр. 5108

شهابٍ، عن عُرْوةَ، قال: قالت عائشةُ في قولِ اللهِ: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾: رَغْبَةَ أحدِكم عن يتيمتِه التي تكونُ في حِجْرِه، حينَ تكونُ قليلةَ المالِ والجمالِ، فنُهُوا أن يَنْكِحوا مَن رَغِبوا في مالِها وجمالِها مِن يتامى النساءِ إلا بالقسطِ؛ مِن أجلِ رغبتِهم عنهن (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى الليثُ، قال: ثنى يونسُ، عن ابن شهابٍ، قال: قال عُرْوةُ: قالت عائشةُ، فذكَر مثلَه (١). وقال آخرون: معنى ذلك: وتَرْغَبون في نكاحِهن. وقد مضَى ذِكْرُ جماعةٍ ممن قال ذلك قبلُ، ونحن ذاكروُ قولِ مَن لم نَذْكُرْ منهم. حدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا ابن عونٍ، عن محمدٍ، عن عَبِيدَةَ: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾. قال: وتَرْغَبون فيهن (٢). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن ابن عَوْنٍ، عن محمدٍ، قال: قلتُ لعَبِيدةَ ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾. قال: تَرْغَبون فيهن (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليِّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾. فكان الرجلُ في الجاهليةِ تكونُ عندَه اليتيمةُ فيُلْقِى عليها ثوبَه، فإذا فعَل ذلك بها لم يَقْدِرْ أحدٌ أن يَتَزوَّجَها أبدًا. فإن كانت جميلةً وهَوِيَها، تَزوَّجَها وأكَل مالَها، وإن كانت دَمِيمةً (٣)، منَعها الرجلَ أبدًا حتى تَموتَ، فإذا ماتت وَرِثَها.

стр. 5109

فحَرَّم اللهُ ذلك ونهَى عنه (١). قال أبو جعفرٍ: وأولى القولين بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: وتَرْغَبون عن أن تَنْكِحوهن؛ لأن حَبْسَهم (٢) أموالَهن عنهن مع عَضْلِهم (٣) إياهنَّ؛ إنما كان ليَرِثوا أموالَهن دونَ زوجٍ إن تَزَوَّجْنَ، ولو كان الذين حبَسوا عنهنَّ أموالَهن إنما حَبَسوها عنهنَّ رغبةً في نكاحِهنَّ، لم يَكُنْ للحَبْسِ عنهنَّ وجةٌ معروفٌ؛ لأنهم كانوا أولياءَهن، ولم يَكُنْ يَمْنَعُهم مِن نكاحِهنَّ مانعٌ، فيَكُونَ به حاجةٌ إلى حَبْسِ مالِها عنها؛ لِيَتَّخِذَ حَبْسَه (٤) عنها سببًا إلى إنكاحِها نَفْسَها منه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾. يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ويَسْتَفتونك في النساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فيهن، وفيما يُتْلَى عليكم في الكتابِ، وفى المُسْتَضْعَفِين مِن الولدانِ، وفى أن تَقُوموا لليتامى بالقِسْطِ. وقد ذَكَرْنا الرِّوايةَ بذلك عمَّن قاله مِن الصحابةِ والتابعين فيما مضَى. والذي أفتاهم في أمرِ المُسْتَضْعَفِين مِن الوِلْدانِ، أن يُؤْتوهم (٥) حُقوقَهم مِن الميراثِ؛ لأنهم كانوا لا يُوَرِّثون الصِّغارَ مِن أولادِ المَيِّتِ، وأَمَرَهم أن يُقْسِطوا فيهم فيَعْدِلوا ويُعْطوهم فَرائِضَهم على ما قسَم اللهُ لهم في كتابِه.

стр. 5110

كما حدَّثنا محمدُ بنُ الحُسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ قولَه: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾، كانوا لا يُوَرِّثون جاريةً ولا غُلامًا صغيرًا، فأمَرَهم اللهُ أن يَقُوموا لليتامى بالقسطِ. والقِسْطُ: أَن يُعْطِىَ كُلَّ دَى حقٍّ منهم حَقَّه، ذكرًا كان أو أُنْثَى، الصغيرُ منهم بمنزلةِ الكبيرِ (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرني ابن وهبِ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾. قال: لا تُوَرِّثونَهنَّ (٢) قال (٣): ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾. قال: فدخَل النساءُ والصغيرُ والكبيرُ في [المواريثِ، ونَسَخَتِ] (٤) المواريثُ ذلك الأولَ. حدُثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، [قال: حدثني] (٥) عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾: أُمِروا لليتامى بالقِسْطِ: بالعدلِ (٦). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا [عُبَيدُ اللهِ] (٧)، عن إسرائيلَ، عن السُّديِّ، عن أبي

стр. 5111

مالكٍ: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾. قال: كانوا لا يُوَرِّثون إلا الأكبرَ فالأكبرَ (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾: فكانوا في الجاهليةِ لا يُوَرِّثون الصغارَ ولا البناتِ، فذلك قولُه: ﴿لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾. فنهَى اللَّهُ عن ذلك، وبَيَّنَ لكلِّ ذى سَهُمٍ سَهْمَه، فقال: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]. صغيرًا كان أو كبيرًا. (٢). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾، وذلك أنهم كانوا لا يُوَرِّثون الصغيرَ والضعيفَ شيئًا، فأمَر اللهُ أن يُعْطَى (٣) نَصِيبَه مِن الميراثِ (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا مُغِيرةُ عن إبراهيمَ، أن عمرَ بنَ الخطابِ كان إذا جاءه وليُّ اليتيمةِ، فإن كانت حَسَنةً غَنِيَّةً، قال له عمرُ: زَوِّجْها مِن غيرِك، والْتَمِس لها [مَن هو خيرٌ منك] (٥). وإذا كانت بها دَمامةٌ

стр. 5112

ولا مالَ لها، قال: تَزَوَّجْها فأنت أحقُّ بها (١). [حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ] (٢)، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا يونسُ بنُ عُبَيدٍ، عن الحسنِ (٣)، قال جاء رجلٌ إلى عليّ بن أبى طالبٍ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، ما أمْرِى وما أمْرُ يَتِيمتى؟ قال في أيِّ [ذلك ما] (٤) قال. ثم قال عليٌّ: أمُتَزَوِّجُها أنتَ وهى غنيةٌ جميلةٌ؟ قال: نعم والإلهِ. قال: فتَزَوَّجْها دَمِيمةً لا مالَ لها. ثم قال عليٌّ: [خِرْ لها] (٥)، فإن كان غيرُك خيرًا لها فألْحِقْها بالخَيْرِ. قال أبو جعفرٍ: فقِيامُهم لليتامى بالقسطِ، كان العدلَ فيما أمَر اللهُ فيهم. القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧)﴾. يعنى بذلك جل ثناؤه: ومهما يَكُنْ منكم أيُّها المؤمنون، مِن عدلٍ في أَمْرِ (٦)

стр. 5113

اليتامى التي أمرَكم اللهُ أن تقوموا فيهنَّ (١) بالقسطِ، وانتِهاءٍ إلى أمرِ اللهِ في ذلك وفى غيرِه وإلى طاعتِه، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ (٢) كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾، لم يَزَلْ عالمًا بما هو كائنٌ منكم [في ذلك] (٣)، وهو مُحْصٍ ذلك كُلَّه عليكم، حافظٌ له (٤)، حتى يُجازيَكم به جزاءَكم يومَ القيامةِ. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَإِنِ امْرَأَة خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا (٥) بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بذلك جل ثناؤُه: ﴿وَإِنِ [امْرَأَة خَافَتْ] مِنْ بَعْلِهَا﴾ (٦). يقولُ: عَلِمَتْ مِن زوجِها ﴿نُشُوزًا﴾. يعنى: اسْتِعْلاءً بنفسِه عنها إلى غيرِها، أثرَةً عليها، وارْتِفاعًا بها عنها؛ إما لبِغْضةٍ، وإما لكَرَاهَةٍ (٧) منه بعضَ أسْبابِها (٨)؛ إما دَمامَتُها، وإما سِنُّها وكِبَرُها، أو غيرُ ذلك مِن أمورِها، ﴿أَوْ إِعْرَاضًا﴾. يعنى: انْصِرافًا عنها بوجهِه، أو ببعضِ منافعِه التي كانت لها منه، ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ يقولُ: فلا حرجَ عليهما. يعنى: على المرأةِ الخائفةِ نُشُوزَ بَعْلِها أو إعراضَه عنها. ﴿أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ وهو أن تَتْرُكَ

стр. 5114

له يَوْمَها، أو تَضَعَ عنه (١) بعضَ الواجبِ لها مِن حقٌّ عليه، تَسْتَعْطِفُه بذلك وتَسْتَدِيمُ المُقامَ في حبالِه، والتَّمسُّكَ بالعَقْدِ الذي بينَها وبينَه من النكاحِ. يقولُ: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾. يعنى تعالى ذكرُه: والصُّلْحُ بتَرْكِ بعضِ الحقَّ اسْتِدامةً للحُرْمةِ، [وتَمَسُّكًا بعقدِ] (٢) النكاحِ، خيرٌ مِن طَلَبِ الفُرْقةِ والطلاقِ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا أبو الأَحْوَصِ، عن سِماكِ بن حربٍ، عن خالدِ بن عُرْعُرَةَ، أن رجلًا أتى عليًّا ﵁ يَسْتَفْتِيه في امرأةٍ خافت مِن بَعْلِها نُشوزًا أو إعراضًا، فقال: قد تكونُ المرأةُ عندَ الرجلِ، فتَنْبو عيناه عنها مِن دمامتِها، أو كِبَرِها، أو سُوءِ خلقِها، أو فَقْرِها، فتَكْرَهُ فِراقَه، فإن وَضَعتْ له مِن مهرِها شيئًا حلَّ له، وإن جَعَلتْ له مِن أيامِها شيئًا فلا حرجَ (٣). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكِ بن حربٍ، عن خالدِ بن (٤) عُرْعُرةَ، قال: سُئِلَ عليٌّ: ﴿وَإِنِ امْرَأَة خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾. قال: المرأةُ الكبيرةُ، أو الدَّمِيمةُ، أو لا يُحِبُّها زوجُها، فيَصْطَلِحان.

стр. 5115

حدَّثنا ابن المثنى، قال ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شُعْبَةُ وحمادُ بنُ سَلَمَةَ وأبو الأحوصِ، كلُّهم عن سماكِ بن حربٍ، عن خالدِ بن عُرْعُرَةَ (١)، عن عليٍّ، بنحوِه (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن سِماكٍ، عن خالدِ بن عُرْعُرَةَ التَّيْميِّ (٣)، أن رجلًا سأل عليًّا ﵁ عن قولِه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾. قال: تكونُ المرأةُ عندَ الرجلِ دَمِيمةً فتَنْبو عينُه عنها مِن دَمامتِها أو كِبَرِها، فإن جَعَلتْ له مِن أيامِها أو مالِها شيئًا [فليس عليه جناحٌ] (٤). حدَّثنا ابن حُميدٍ وابنُ وَكيعٍ، قالا: ثنا جَريرٌ، عن أشْعَثَ، عن ابن سيرينَ، قال: جاء رجلٌ إلى عمرَ فسَأله عن آيةٍ، فكَرِة ذلك وضرَبه بالدِّرَّةِ، فسأله آخرُ عن هذه الآيةِ: ﴿وَإِنِ امْرَأَة خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾. فقال: عن مِثلِ هذا فسَلُوا. ثم قال: هذه المرأةُ (٥) تكونُ عندَ الرجلِ قد خلا مِن سِنِّها (٦)، فيَتَزوجُ المرأةَ الشابةَ يَلْتَمِسُ ولدَها، فما اصطَلحا عليه مِن شيءٍ فهو جائزٌ (٧). حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا عِمرانُ بنُ عُيَيْنةَ، قال: ثنا عطاءُ بنُ السائبِ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَإِنِ امْرَأَة خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ
следующие страницы →