← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 5181–5220 · переход к 5186.

стр. 5181

حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾. يقولُ: ليسوا بمؤمنين مخلِصين، ولا مشركين مصرِّحين بالشركِ. قال: وذُكر لنا أن نبيَّ الله ﷺ كان يَضْرِبُ مَثَلًا للمؤنِ وللمنافقِ واللكافرِ، كمثلِ رَهْطٍ ثلاثةٍ دَفَعوا إلى نهرٍ، فَوَقَع المؤمنُ فقَطَع، ثم وقَع المنافقُ، حتى إذا كاد يَصِلُ إلى المؤمنِ، نَاداه الكافرُ أَن هَلُمَّ إليَّ، فإني أخشَى عليك. وناداه المؤمنُ: أَن هَلُمَّ إليَّ؛ فإن عندى وعندى. يُحْصِى له ما عندَه، فما زالَ المنافِقُ يَتردَّدُ بينَهما، حتى أتَى عليه آذِيٌّ (١) فَغَرَّقه، وإن المنافِقَ لم يَزَلْ فِي شَكٍّ وشبهةٍ، حتى أتى عليه الموتُ وهو كذلك. قال: وذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ: "مَثَلُ المُنافِقِ كَمَثَل ثاغيَةٍ (٢) بينَ غَنَمَين، رأت غنمًا عَلى نَشَزٍ (٣)، فأتَتْها وشامَّتْها (٤) فلم تَعْرِفُ، ثم رأت غَنَمًا على نَشَزٍ، فأَتَتْها وشامَّتْها فلم تَعْرِفُ" (٥). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿مُذَبْذَبِينَ﴾. قال: المنافقون (٦). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾. يقولُ: لا إلى

стр. 5182

أصحاب محمدٍ ﷺ ، ولا إلى هؤلاء اليهودِ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ قوله: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾. قال: لم يُخلصوا الإيمانَ، فيكونوا مع المؤمنين، وليسوا مع أهلِ الشركِ (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾. بينَ الإسلامِ والكفرِ ﴿لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ (٣). وأمَّا قولُه: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾، فإنه يعنى: مِن يَخْذُلْه اللهُ عن طريقِ الرشادِ، وذلك هو الإسلامُ الذي دَعا اللهُ إليه عباده. يقولُ: مَن خَذَله (٤) اللهُ عنه فلم يُوفِّقْه له ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ﴾. يا محمدُ ﴿سَبِيلًا﴾. يعني طريقًا يَسلُكُه به إلى الحقِّ غيرَه، وأيُّ سبيلٍ يكونُ له إلى الحقِّ غيرُ الإسلامِ؟ وقد أخبرَ اللهُ جل ثناؤُه أنه مَن يَبْتَغِ (٥) غيرَه دِينًا فلن يُقْبَلَ منه، ومَن أضَلَّهُ اللهُ عنه فقد غَوَى، فلا هَادِيَ له غيرُه. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (١٤٤)﴾. وهذا نَهيٌّ مِن اللهِ عباده المؤمنين أن يَتَخَلَّقوا بأخلاقِ المنافقين، الذين يَتَّخِذون الكافرين أولياءَ مِن دونِ المؤمنين، فيكونوا مثلَهم في ركوبِ ما نَهاهم اللهُ عنه مِن

стр. 5183

مُوَالاةِ أعدائِه، يقولُ لهم جلَّ ثناؤُه: يا أيُّها الذين آمَنوا باللهِ ورسولِه، لا تُوالوا الكفار، فتُوازِروهم مِن دونِ أهلِ ملِتكم ودينِكم مِن المؤمنين، فتكونوا كمَن أَوجَب اللهُ له النارَ مِن المنافقين. ثم قال جلّ ثناؤُه متوعِّدًا مَن اتَّخَذ منهم الكافرين أولياءَ مِن دونِ المؤمنين، إن هو لم يَرْتدِع عن موالاتِه، ويَنْزَجر عن مُخالَّتِه، أن يُلْحِقَه بأهل ولايتِهم مِن المنافقين الذين أمَر نبيَّه ﷺ بتبشيرِهم بأن لهم عذابًا أليما: ﴿أَتُرِيدُونَ﴾ أيُّها المتخِذون الكافرين أولياءَ مِن دونِ المؤمنين، ممن قد آمَن بي وبرسولى ﴿أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾. يقولُ: حجةً باتخاذكم الكافرين أولياءَ مِن دونِ المؤمنين، فتَسْتوجِبوا منه ما استَوجَبه أهلُ النفاقِ الذين وَصَف لكم صفتَهم، وأخبرَكم بمَحِلِّهم عندَه ﴿مُبِينًا﴾. يعنى: يُبِينُ (١) عن صحتِها وحَقيقتِها. يقولُ: فلا تَعَرَّضوا لغضبِ اللهِ، بإِيجابِكم الحجةَ على أنفسِكم، في تَقَدُّمكم على ما نَهاكم ربُّكم مِن موالاةِ أعدائِه وأهلِ الكفرِ به. وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾. وإن للهِ السلطانَ على خلقِه، ولكنه يقولُ: عُذرًا مبِينًا (٢).

стр. 5184

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا قَبِيصةُ، قال: ثنا سفيانُ، عن رجلٍ، عن عِكْرمةَ، قال: ما كان في القرآنِ مِن سلطانٍ فهو حُجَّةٌ (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِه: ﴿سُلْطَانًا مُبِينًا﴾. قال: حُجَّةً (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه (٢). القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ (٣) الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)﴾. يعنى جلّ ثناؤُه بقولِه: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ (٣) الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾: إن المنافقين في الطَّبَقِ الأسفلِ من أطباقِ جهنمَ. وكلُّ طَبَقٍ من أطباقِ جهنمَ دَركٌ. وفيه لغتان: دَرَكٌ، بفتحِ الراءِ، ودَرْكٌ، بتسكينِها. فمَن فتَح الراءَ جمَعه: أدْراكٌ في القِلَّةِ [والكثرةِ] (٤)، وإن شاء جمَعه في الكثرةِ: الدُّروكُ. ومَن سَكَّن الراءَ قال: ثلاثةُ أَدْرُكٍ، وللكثيرِ: الدُّروكُ. وقد اختَلَفَت القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقَرَأته عامةُ قَرَأةِ المدينةِ والبصرةِ: (في الدَّرَكِ) بفتح الراءِ. وقَرَأته عامةُ قَرَأةِ الكوفةِ بتسكينِ "الراءِ" (٥). وهما قراءتان معروفتان، فبأيَّتِهما قرَأ القارِئُ فمُصِيبٌ؛ لاتفاقِ معنى ذلك، واستفاضةِ القراءةِ بكلِّ واحدةٍ منهما في قراءةِ الإسلامِ، غير أني رأيتُ أهلَ العلمِ بالعربيةِ يَذْكُرون أن

стр. 5185

فَتْحَ الراءِ منه في العربِ، أشهرُ مِن تَسْكينِها، وحَكَوا سماعًا منهم: أعْطِني دَرَكًا أَصِلُ به حَبْلى. وذلك إذا سأل ما يَصِلُ به حَبْلَه الذي قد عجَز عن بلوغِ الرَّكِيَّةِ (١). وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن سَلَمَةَ بن كُهَيلٍ، عَن خَيْثَمَةَ، عن عبدِ اللهِ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾. قال: في تَوابِيتَ مِن حديدٍ مُبْهَمةٍ عليهم (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا وَهْبُ بنُ جَرِيرٍ، عَن شُعبةَ، عَن سَلَمَةَ، عن خَيْثَمةَ، عن عبدِ اللهِ، قال: إنَّ المنافقين في توابيتَ مِن حديدٍ مُقْفَلةٍ عليهم في النارِ (٢). حدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن ذَكْوانَ، عن أبي هريرةَ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾. قال: في توابيتَ تُرْتَجُ (٣) عليهم (٤). حدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بن صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن

стр. 5186

عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾. يعني: في أسفلِ النارِ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال لى عبدُ اللهِ بنُ كثير قولَه: ﴿فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾. قال: سَمِعنا أن جهنم أَدراكٌ، منازلُ (٢). حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سُفيانُ، عن سَلَمَةَ بن كُهَيلٍ، عن خَيْثَمَةَ، عن عبدِ اللهِ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾. قال: تَوابيتُ مِن نارٍ تُطْبَقُ عليهم. وأما قولُه: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾، فإنه يعنى: ولن تَجِدَ لهؤلاء المنافقين، يا محمدُ، مِن اللهِ إذا جَعَلهم في الدَّرْكِ الأسفلِ مِن النارِ ناصرًا يَنصُرُهم منه، فيُنْقِذُهم من عذابِه، ويَدْفَعُ عنهم أليمَ عقابِه. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)﴾. وهذا استثناءٌ من اللهِ جلّ ثناؤُه، استَثنى التائبِين مِن نفاقِهم إذا أصلَحوا، وأخلَصوا الدينَ للهِ وحدَه، وتَبَرَّءُوا مِن الآلهةِ والأندادِ، وصَدَّقوا رسولَه، أن يكونوا مع المُصِرِّين على نفاقِهم - حتى تُوافَيهم (٣) مَناياهم - في الآخرةِ، وأن يَدْخُلوا

стр. 5187

مَداخِلَهم مِن جهنمَ، بل وَعَدهم جلّ ثناؤه أن يُحِلَّهم مع المؤمنين مَحِلَّ الكرامةِ، ويُسْكِنَهم معهم مساكنَهم في الجنةِ، ووَعَدهم مِن الجزاءِ على توبتِهم الجزيلَ من العطاءِ، فقال: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)﴾. فتأويلُ الآيةِ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾. أي راجَعوا الحقَّ، [وآبُوا إلى] (١) الإقرارِ بوحدانيةِ اللهِ وتَصْديقِ رسولِه وما جاء به من عندِ ربِّه، من نفاقِهم ﴿وَأَصْلَحُوا﴾. يعني: أصلَحوا أعمالَهم، فعَمِلوا بما أمَرهم اللهُ به، وأدَّوا فرائضَه، وانتَهَوا عما نَهاهم عنه، وانزَجَروا عن معاصِيه، ﴿وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ﴾. يقولُ: وتَمَسَّكوا بعهدِ اللهِ. وقد دَلَّلنا فيما مضَى قبلُ، على أن الاعتصامَ التمسكُ والتَّعَلُّقُ (٢). فالاعتصامُ باللهِ: التَّمَسُّكُّ بعهدِه وميثاقِه الذي عَهِد في كتابِه إلى خلقِه، من طاعتِه، وتَرْكِ معصيتِه. ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾. يقولُ: وأخلَصوا طاعتَهم وأعمالَهم التي يعمَلونها للهِ، فأرادوه بها، ولم يَعْمَلوها رئاءَ الناسِ ولا على شكٍّ منهم في دينِهم، وامتراءٍ منهم، في أن الله مُحْصٍ عليهم ما عَمِلوا، فمُجازِى المحسِنِ بإحسانِه، والمُسِيءِ بإساءتِه، ولكنهم عَمِلوها على يقينٍ منهم في ثوابِ المحسِنِ على إحسانِه، وجزاءِ المسيءِ على إساءتِه، أو يَتَفَضَّلُ عليه ربُّه، فيَعْفو، مُتَقرِّبين بها إلى اللهِ، مرِيدين بها وجهَه، فذلك معنى إخلاصِهم للهِ دينَهم. ثم قال جلّ ثناؤه: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: فهؤلاء الذين

стр. 5188

وَصَف صفتَهم مِن المنافقين بعدَ توبتِهم وإصلاحِهم، واعتصامِهم باللهِ، وإخلاصِهم دينَهم (١)، ﴿مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ في الجنةِ، لا مع المنافقين الذين ماتوا على نفاقِهم، الذين أوعَدَهم الدَّرْكَ الأسفلَ مِن النارِ. ثم قال: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. يقولُ: وسوف يُعْطِى اللهُ هؤلاء الذين هذه صفتُهم، على تَوْبتِهم وإصلاحِهم، واعتصامِهم باللهِ، وإخلاصِهم دينَهم له؛ على إيمانِهم، ثوابًا عظيمًا، وذلك درجاتٌ في الجنةِ، كما أعطَى الذين ماتوا على النفاقِ منازلَ في النارِ، وهى السفلَى منها؛ لأن الله جلّ ثناؤه وَعَد عبادَه المؤمنين أن يُؤتِيَهم على إيمانِهم ذلك، كما أوعَد المنافقين على نفاقِهم ما ذكَر في كتابِه. وهذا القولُ هو معنى قولِ حُذَيفةَ بن اليمانِ الذي حدَّثنا به ابن حُميدٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا جَرِيرٌ، عن مُغِيرةَ، عن إبراهيمَ، قال حُذَيفةُ: لَيَدْخُلَنَّ الجنةَ قومٌ كانوا منافقين. فقال عبدُ اللهِ: وما عِلْمُك بذلك؟ فَغَضِب حُذَيْفَةُ، ثم قامَ فَتَنَحَّى، فلما تَفَرَّقوا، مَرَّ به علقمةُ فدَعَاه، فقال: أمَا إن صاحبَك يَعْلَمُ الذي قلتُ. ثم قرَأ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)﴾. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)﴾. يعنى جلّ ثناؤُه بقولِه: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾: ما يَصْنَعُ اللهُ، أيُّها المنافقون، بعذابِكم، إن أنتم تُبْتُم إلى اللهِ،

стр. 5189

وراجَعتم الحقَّ الواجبَ للهِ عليكم، فشَكَرتموه على ما أنعَم عليكم مِن نِعَمِه في أنفسِكم وأهاليكم وأولادِكم بالإنابةِ إلى توحيدِه، والاعتصامِ به، وإخلاصِ أعمالِكم لوجهِه، وتَرْكِ رياءِ الناسِ بها، وآمَنْتم برسولِه محمدٍ ﷺ فصَدَّقْتموه، وأقرَرْتم بما جاءكم به مِن عندِه، فعمِلتم به؟ يقولُ: لا حاجةَ باللهِ إلى أن يَجْعَلَكم في الدَّرْكِ الأَسفلِ مِن النارِ، إن أنتم أَنَبتُم إلى طاعتِه، وراجَعْتم العملَ بما أمَركم به، وتَرْكِ ما نهاكم عنه؛ لأنه لا يَجتلِبُ بعذابِكم إلى نفسِه نفعًا، ولا يَدْفَعُ عنها ضَرًّا، وإنما عقوبتُه من عاقَب من خلقِه جزاءٌ منه له على جُرْأتِه عليه، وعلى خلافِه أمرَه ونَهْيَه، وكُفْرانِه شُكْرَ نِعَمِه عليه، فإن أنتم شَكَرْتم له على نِعَمِه، وأَطَعْتُموه في أمرِه ونَهْيه، فلا حاجةَ به إلى تَعْذيبِكم، بل يَشْكُرُ لكم ما يكونُ منكم مِن طاعةٍ له وشُكْرٍ، بمُجازاتِكم على ذلك بما تَقْصُرُ عنه أَمانِيُّكم، ولم تَبْلُغُه آمالُكم. ﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا﴾ لكم ولعبادِه على طاعتِهم إياه، بإجزالِه لهم الثوابَ عليها، وإعظامِه لهم العِوَضَ منها ﴿عَلِيمًا﴾ بما تَعْمَلُون، أيُّها المُنافِقون، وغيرُكم من خيرٍ وشَرٍّ، وصالحٍ، وطالحٍ، مُحْصٍ ذلك كلَّه عليكم، مُحِيطٌ بجميعِه، حتى يُجازِيَكم جزاءَكم يومَ القيامةِ، المُحسِنَ بإحسانهِ، والمُسِيءَ بإساءتِه. وقد حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾. قال: وإن الله لا يُعَذِّبُ شاكرًا ولا مُؤْمِنًا (١). القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (١٤٨)﴾.

стр. 5190

قال أبو جعفرٍ ﵀: اخْتَلَفَت القرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَتْه عامةُ قرأَةِ أمصارِ الإسلامِ: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ بضمِّ الظاءِ (١)، وقرأه بعضُهم: (إلا مَن ظَلَم) بفتح الظاءِ (٢). ثم اخْتَلَف الذين قرَءوا ذلك بضمِّ الظاءِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك لا يُحِبُّ اللهُ تعالى ذكره أن يَجْهَرَ أحدٌ بالدعاءِ على أحدٍ، وذلك عندَهم هو الجهرُ بالسُّوءِ، ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ يقولُ: إلا مَن ظُلِم فيَدْعُو على ظالمِه، فإن الله لا (٣) يَكْرَهُ ذلك؛ لأنه قد رخَّص له في ذلك. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثني أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ﴾. يقول: لا يُحِبُّ اللهُ سبحانه أن يَدْعُوَ أحدٌ على أحدٍ إلا أن يكونَ مظلومًا، فإنه قد أَرْخَص له أن يَدْعُوَ على مَن ظَلَمَه، وذلك قولُه: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾. وإن صبَر فهو خيرٌ له (٤). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [يعنى مَن ظُلِم] (٥) فإنه يُحِبُّ الجهرَ بالسُّوءِ [إِذَا ظُلِم] (٦).

стр. 5191

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾: عذَر اللهُ المظلومَ كما تَسْمَعون أن يَدْعُو. حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا أبو عُبيدٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن يونُسَ، عن الحسنِ، قال: هو الرجلُ يَظْلِمُ الرجلَ، فلا يَدْعُ عليه، ولكن لِيَقُلْ: اللهم أعِنِّي عليه، اللهم اسْتَخْرِج لى حقِّى، اللهم حُلْ بينى (١) وبينَ ما يُرِيدُ، هذا ونحوُه من الدعاءِ (٢). فـ"مَن" على قولِ ابن عباسٍ هذا في موضعِ رفعٍ؛ لأنه وجَّهه إلى أن الجهرَ بالسوءِ في معنى الدعاءِ، واسْتُثْنِى المظلومُ منه، [فكان معنى الكلامِ - على قوله -: لا يُحِبُّ اللهُ أن يَجْهَرَ بالسوءِ من القولِ إلا المظلومٌ] (٣) فلا حرجَ عليه في الجهرِ به. وهذا مذهبٌ يراه (٤) أهلُ العربيةِ خطأً في العربيةِ، وذلك أن "مَن" لا يَجوزُ أن يَكونَ رفعًا عندَهم بالجهرِ؛ لأنها في صلةِ أنْ، ولم (٥) يَنَلْه الجَحْدُ، فلا يجوزُ العطفُ عليه. [مِن خطأٍ] (٦) عندَهم أن يُقالَ: لا يُعْجِبُنى أن يقومَ إلا زيدٌ. وقد يَحْتَمِلُ أن تكونَ مَن نصبًا على تأويل قولِ ابن عباس، ويكون قولُه: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ﴾. كلامًا تامًّا، ثم قيل: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾. فلا

стр. 5192

حرجَ عليه، فيكونَ "مَن" اسْتثناءً من الفعل، وإن لم يَكُنْ قبل الاستثناءِ شيءٌ ظاهرٌ يُسْتَثْنَى منه، كما قال جل ثناؤُه: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾ [الغاشية: ٢٢، ٢٣]. وكقولِه (١): إنى لأَكْرَهُ الخُصومةَ والمِراءَ، اللهم إلا رجلًا يُرِيدُ الله بذلك. ولم يُذْكَرْ قبله شيءٌ مِن الأسماءِ. و "مَن" (٢) على قولِ الحسنِ هذا نصبٌ على أنه مُسْتَثْنًى مِن (٣) معنى الكلامِ، لا مِن الاسمِ كما ذكَرْنا قبلُ في تأويلِ (٤) ابن عباسٍ إذا وجَّه "مَن" إلى النصبِ، وكقولِ القائلِ: كان مِن الأمرِ كذا وكذا، اللهم إلا أن فلانًا جزاه اللهُ خيرًا فعَل كذا وكذا. وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا يُحِبُّ اللهُ الجهرَ بالسوءِ مِن القولِ إلا مَن ظُلِم، فيُخْبِرُ بما نِيل منه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبو مُعاويةَ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ، قال: هو الرجلُ يَنْزِلُ بالرجلِ، فلا يُحْسِنُ ضِيافتَه، فيَخْرُجُ مِن عندِه، فيقولُ: أساء ضِيافتى ولم يُحْسِنْ (٥). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن

стр. 5193

مُجاهدٍ: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾. قال: إلا مَن أَثَر (١) ما قيل له. حدَّثني المثنى، قال: ثنا حجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن عبدِ اللهِ بن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾. قال: هو الضيفُ (٢) المُحَوَّلُ رحلُه، فإنه يَجْهَرُ لصاحبِه بالسوءِ مِن القولِ. وقال آخَرون: عنى بذلك الرجلَ يَنْزِلُ بالرجلِ فلا يَقْرِيه، فيَنالُ مِن الذي لم يَقْرِه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِه: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾. قال: إلا مَن ظُلِم فانْتَصَر، يَجْهَرُ بِالسُّوءِ (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ مثلَه. حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن إبراهيمَ [ابن أبي بكرٍ] (٤)، عن مُجاهدٍ، وعن حُميدٍ الأعْرجِ، عَن مُجَاهِدٍ: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾. قال: هو الرجلُ يَنْزِلُ بالرجلِ فلا يُحْسِنُ إِليه، فرُخِّص له بأن يقولَ فيه (٥).

стр. 5194

حدَّثني أحمدُ بنُ حمادٍ الدَّوْلابيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن إبراهيمَ بنِ أبي بكرٍ (١)، عن مجاهدٍ: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾. قال: هو فى الضِّيافةِ؛ يَأْتى الرجلُ القومَ، فيَنْزِلُ عليهم فلا يُضَيِّفونه، رُخِّص له أن يَقولَ فيهم. حدَّثنا الحسنُ (٢) بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا المثنى بنُ الصَّبَّاحِ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾. قال: ضاف رجلٌ رجلًا، فلم يُؤَدِّ إليه حقَّ ضِيافتِه، فلمَّا خرَج أَخْبَر الناسَ به، فقال: ضِفْتُ فلانًا، فلم يُؤَدِّ حقَّ ضِيافتي. فذلك جَهْرٌ بالسوءِ، ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾: حين لم يُؤَدِّ إليه ضِيافتَه (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ، قال مُجاهدٌ: إلا مَن ظُلم فانْتَصَر، [بجهرٍ من السوءِ] (٤). قال مجاهدٌ: نزَلت في رجلٍ ضاف رجلًا بفَلاةٍ من الأرضِ فلم يُضِفْه، فنزَلَت: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾. ذكَر أنه لم يُضِفْه، لا يَزِيدُ على ذلك. وقال آخَرون: معنى ذلك: إلا مَن ظُلِم، فانْتَصَر من ظالمِه، فإن اللهَ قد أذِن له في ذلك.

стр. 5195

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ، قال: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾. يقولُ: إِن اللهَ لا يُحِبُّ الجهرَ بالسوءِ مِن أحدٍ من الخلقِ، ولكن يقولُ من ظُلِم فانْتَصَر بمثلِ ما ظُلِم، فليس عليه جناحٌ (١). فـ "مَن" على هذه الأقوالِ التي ذكَرْناها سوى قولِ ابنِ عباسٍ، في موضعِ نصبٍ، على انْقطاعِه من الأولِ، والعربُ مِن شأنِها أن تَنْصِبَ ما بعدَ "إلا" في الاستثناءِ المنقطعِ. فمعنى الكلامِ على هذه الأقوالِ سوى قولِ ابنِ عباسٍ: لا يُحِبُّ اللهُ الجهرَ بالسوءِ مِن القولِ، ولكنْ مَن ظُلِم فلا حَرجَ عليه أن يُخْبِرَ بما نِيل منه أو يَنْتَصِرَ ممَّن ظلَمه. وقرَأ ذلك آخَرون بفتحِ الظاءِ (إلا من ظَلَم)، وتأوَّلوه (٢): لا يُحِبُّ اللهُ الجهرَ بالسوءِ مِن القولِ، إلا مَن ظَلَم، فلا بأسَ أن يُجْهَرَ له بالسوءِ مِن القولِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: حدَّثنى ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: كان أَبي يَقْرَأُ: (لا يُحِبُّ الله الجَهْرَ بالسوءِ مِن القولِ إلا مَن ظَلَم). قال ابنُ زيدٍ: يقولُ (٣): مَن أقام على ذلك النفاقِ يُجْهَرُ له بالسوءِ حتى يَنْزِعَ. قال: وهذه مِثلُ: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ﴾. أن تُسَمِّيَه بالفسقِ ﴿بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾

стр. 5196

بعدَ إذ كان مؤمنًا، ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ﴾ من ذلك العملِ الذي قيل له ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١] قال: هو أشرُّ ممَّن قال ذلك له (١). حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: (لا يُحِبُ اللهُ الجهرَ بالسوءِ مِن القولِ إلَّا مَن ظَلَمَ). فقرَأ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾. حتى بلَغ: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. ثم قال بعدَ ما قال لهم: فى ﴿فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ (لا يُحِبُّ اللهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إِلَّا مَنْ ظَلَمَ). قال: لا يُحِبُّ اللهُ أن يُقالَ (٢) لهذا: ألسْتَ (٣) نافقْتَ؟ ألسْتَ المنافقَ؟ ألست الذى ظلَمْتَ وفعَلْتَ وفعَلْتَ؟ من بعدِ ما تاب (إلا مَن ظَلَم) إلا مَن أقام على النِّفاقِ. قال: وكان أَبي يقول ذلك له ويَقْرَؤُها: (إلا مَن ظلَم). فـ"مَن" على هذا التأويلِ نصْبٌ؛ لتعلُّقِه بالجهرِ. وتأويلُ الكلامِ على قولِ قائلِ هذا القولِ: لا يُحِبُّ اللهُ أن يَجْهَرَ أحدٌ لأحدٍ من المُنافقين بالسُّوءِ من القولِ إلا لَمَن ظَلَم منهم نفسَه (٣) فأقام على نفاقِه، فإنه لا بأسَ بالجهرِ له بالسوءِ مِن القولِ. قال أبو جعفرٍ: وأولى القراءتين بالصوابِ فى ذلك قراءةُ مَن قرَأَ: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ بضمِّ الظاءِ؛ لإجماعِ الحجةِ من القرَأةِ وأهلِ التأويلِ على صحتِها، وشذوذِ قراءةِ مَن قرَأ ذلك بالفتحِ. فإذ كان ذلك أولى القراءتين بالصوابِ، فالصوابُ في تأويلِ ذلك: لا يُحِبُّ

стр. 5197

اللهُ أَيُّها الناسُ أن يَجْهرَ أحدٌ لأحدٍ بالسوءِ من القولِ، ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ بمعنى: إِلَّا مَن ظُلِمَ فلا حرجَ عليه أن يُخْبِرَ بما أُسِيءَ إليه. وإذا كان ذلك معناه دخَل فيه إخبارُ مَن لم يُقْرَ أو أُسِيء قِراه، [أو نيلَ بظلمٍ في نفسِه أو مالِه، غيرَه] (١) من سائرِ الناسِ، وكذلك دعاؤُه على مَن نالَه بظلمٍ أن يَنْصُرَه اللهُ عليه؛ لأن في دعائِه عليه إعلامًا (٢) منه لمَن سمِع دُعاءَه عليه بالسوءِ له. فإذا كان ذلك كذلك، فـ"من" في موضعِ نصبٍ؛ لأنه مُنْقطِعٌ عما قبلَه، وأنه لا أسماءَ قبلَه يُسْتَثْنَى منها، فهو نظيرُ قولِه: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾ [الغاشية: ٢٢، ٢٣]. وأما قولُه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾. فإنه يعنى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا﴾: لما تَجْهَرون (٣) به من سوءِ القولِ لمَن تَجْهَرون له به، وغيرِ ذلك مِن أصواتِكم وكلامِكم، ﴿عَلِيمًا﴾: بما تُخْفون مِن سوءِ قولِكم وكلامِكم لمَن تُخْفُون له به فلا تَجْهَرون به له، مُحْصٍ كلَّ ذلك عليكم حتى يُجازِيَكم على ذلك كلِّه جزاءَكم (٤) المسيءَ بإساءتِه والمحسنَ بإحسانِه. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)﴾. قال أبو جعفرِ محمدُ بنُ جريرٍ، ﵀: ﴿إِنْ تُبْدُوا﴾ أيُّها الناسُ ﴿خَيْرًا﴾. يقولُ: إن تَقولوا جميلًا مِن القولِ لمَن أحْسَن إليكم، فتُظْهِروا ذلك

стр. 5198

شكرًا منكم له على ما كان منه من حَسَنٍ إليكم، ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾. يقولُ: أَو تَتْرُكوا إظهارَ ذلك فلا تُبْدوه، ﴿أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾. يقول: أو تَصْفَحوا لمَن أساء إليكم عن إساءتِه، فلا تَجْهَرُوا له بالسوءِ مِن القولِ الذى قد أَذِنْتُ لكم أن تَجْهَروا له به ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا﴾ يقولُ: لم يَزَلْ ذا عفوٍ عن خلْقِه، يَصْفَحُ لهم (١) عمَّن عَصَاه وخالَف أمرَه، ﴿قَدِيرًا﴾. يقولُ: ذا قُدْرةٍ على الانتقامِ منهم. وإنما يعنى بذلك: أن اللهَ لم يَزَلْ ذَا عَفْوٍ عن عبادِه معَ قدرتِه على عقابِهم على معصيتِهم إياه. يقولُ: فاعفُوا أنتم أيضًا أيُّها الناسُ عمَّن أتَى إليكم ظلمًا، ولا تَجْهروا له بالسوءِ مِن القولِ، وإن قدَرْتُم على الإساءةِ إليه، كما يَعْفُو عنكم ربُّكم، مع قدرتِه على عقابِكم، وأنتم تَعْصُونه وتُخالِفون أمرَه. وفي قولِه جل ثناؤُه: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)﴾. الدلالةُ الواضحةُ على أن تأويلَ قولِه: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾. يخالفُ (٢) التأويلَ الذى تأوَّله زيدُ بنُ أسلمَ في زعمِه أن معناه: لا يُحِبُّ اللهُ الجهرَ بالسوءِ مِن القولِ لأهلِ النفاقِ، إلا لمَن أقام على نفاقِه، فإنه لا بأسَ بالجهرِ له بالسوءِ مِن القولِ، وذلك أنه جل ثناؤُه قال عَقِيب ذلك: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾. ومعقولٌ أن اللهَ جل ثناؤُه لم يَأْمُرِ المؤمنين بالعفوِ [للمنَافقِين عن] (٣) نفاقِهم، ولا نهاهم أن يُسَمُّوا (٤) مَن كان

стр. 5199

منهم مُعْلِنَ النفاقِ [مُنافقًا، بل العفوُ عن ذلك مما] (١) لا وجهَ له معقولٌ؛ لأن العفوَ المفهومَ إنما هو صفْحُ المرءِ عما له قِبَلَ غيرِه مِن حقٍّ، وتسميةُ المنافقِ باسمِه ليس بحقٍّ لأحدٍ قِبَلَه، فيُؤْمَرَ بعفوِه عنه، وإنما هو اسمٌ له، وغيرُ مفهومٍ الأمرُ بالعفوِ عن تسميةِ الشيءِ بما هو اسمُه. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١)﴾. قال أبو جعفرٍ، ﵀: يعنى بذلك جلّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ مِن اليهودِ والنصارى، ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾: بأن يُكَذِّبوا رسلَ اللهِ الذين أَرْسَلَهم إلى خلقِه بوحيِه، ويَزْعُمون أنهم افْتَرَوْا على ربِّهم، وذلك هو معنى إرادتِهم التفريقَ بينَ اللهِ ورسلِه، بنِحْلتِهم (٢) إياهم الكذبَ والفِرْيةَ على اللهِ، وادِّعائِهم عليهم الأباطيلَ، ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ﴾. يعنى أنهم يقولون: نُصَدِّقُ بهذا وتُكذِّبُ بهذا، كما فعَلَت اليهودُ مِن تكذيبِهم عيسى ومحمدًا صلَّى اللهُ عليهما وسلَّم وتصديقِهم بموسى وسائرِ الأنبياءِ قبلَهما (٣) بزعمِهم، وكما فعَلَت النصارى من تكذيبِهم محمدًا ﷺ وتصديقِهم بعيسى وسائرِ الأنبياءِ قبلَه بزعمِهم، ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾. يقولُ: ويُرِيدُ المُفَرِّقون بينَ اللهِ ورسلِه، الزاعِمون أنهم يُؤْمِنون ببعضٍ، ويَكْفُرون

стр. 5200

ببعضٍ، أن يَتَّخِذوا بينَ أَضْعَافِ قولِهم: نُؤْمِنُ ببعضِ الأنبياءِ ونَكْفُرُ ببعضِهم ﴿سَبِيلًا﴾. يعني: طريقًا إلى الضَّلالةِ التي أحْدَثوها، والبدعةِ التي ابْتَدَعوها، يَدْعُون أهلَ الجهلِ (١) مِن الناسِ إليه. فقال اللهُ جل ثناؤُه لعبادِه، مُنَبِّهًا (٢) لهم على (٣) ضلالتِهم وكفرِهم: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾. يقولُ: أَيُّها الناسُ، هؤلاء الذين وصَفْتُ لكم صفتَهم هم أهلُ الكفرِ بي، المُسْتَحِقُون عذابي، والخلودَ في نارى حقًّا، فاسْتَيْقِنوا ذلك، ولا يُشَكِّكَنَّكم (٤) فى أمرِهم انْتحالُهم الكذبَ (٥)، ودَعْواهم أنهم يُقِرُّون بما زعَموا أنهم مُقِرُّون به مِن الكتبِ والرسلِ، فإنهم في دَعْواهم ما ادَّعَوْا من ذلك كَذَبةٌ، وذلك أن المؤمنَ بالكتبِ والرسلِ هو المُصَدِّقُ بجميعِ ما في الكتابِ الذى يَزْعُمُ أنه به مُصَدِّقٌ، وبما جاء به الرسولُ الذي يَزْعُمُ أَنه به مؤمنٌ، فأَما مَن صدَّق ببعضِ ذلك وكذَّب ببعضِ، فهو لنبوةِ مَن كذَّب ببعضِ ما جاء به جاحدٌ، ومَن جحَد نبوةَ نبيٍّ فهو به مكَذِّبٌ، وهؤلاء الذين جحَدوا نبوةَ بعضِ الأنبياءِ، وزعَموا أنهم مُصَدِّقُون ببعضٍ، مُكَذِّبونَ مَن زعَموا أنهم به مؤمنون؛ لتَكْذيبِهم ببعضِ ما جاءهم به من عندِ ربِّهم، فهم باللهِ وبرسلِه، الذين يَزْعُمون أنهم بهم (٦) مُصَدِّقون، والذين يَزْعُمون أنهم (٧) بهم مُكَذِّبون، كافرون، فهم (٨)

стр. 5201

الجاحِدون وحدانيةَ اللهِ ونبوةَ أنبيائِه حقَّ الجحودِ، المكذِّبون بذلك حقَّ التكذيبِ، فاحْذَروا أن تَغْتَرُّوا بهم وببدَعِهم، فإنا قد أعْتَدْنا لهم عذابًا مُهينًا. وأما قولُه: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ فإنه يعنى به: وَأَعتَدنَا لمن جحَد باللهِ (١) ورسولِه جُحودَ هؤلاء الذين وصَفْتُ لكم أيُّها الناسُ أمْرَهم مِن أهلِ الكتابِ، ولغيرِهم مِن سائرِ أجْناسِ الكفارِ (٢) ﴿عَذَابًا﴾ في الآخرةِ ﴿مُهِينًا﴾ يعنى: يُهين (٣) مَن عُذِّب به بخلودِه فيه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾: أولئك أعداءُ اللهِ اليهودُ والنصارى؛ آمَنَت اليهودُ بالتوراةِ وموسى، وكفَروا بالإنجيلِ وعيسى، [وآمَنَت النصارى بالإنجيلِ وعيسى] (٤)، وكفَروا بالفرقانِ (٥) ومحمدٍ ﷺ ، فاتَّخذوا اليهوديةَ والنصرانيةَ، وهما بِدْعتان ليستا مِن اللهِ،

стр. 5202

وترَكوا الإسلامَ وهو دينُ اللهِ الذي بعَث به رسلَه (١). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾: يقولون: محمدٌ ليس برسولِ اللهِ. وتقولُ اليهودُ: عيسى ليس برسولِ اللهِ. فقد فرَّقوا بينَ اللهِ ورسلِه، وَيَقُولُونَ: نُؤْمِنُ بِبَعْضِ، ونَكْفُرُ [بهؤلاء. فهم] (٢) يُؤْمِنون ببعضٍ ويَكْفُرون ببعضٍ (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ إلى قولِه: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾. قال: اليهودُ والنصارى آمَنَت اليهودُ بعُزَيْرٍ وكَفَرَت بعيسى، وآمَنَت النصارى بعيسى وكفَرَت بعُزَيْرٍ، وكانوا يُؤْمِنون بالنبيِّ ويَكْفُرون بالآخرِ، ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ قال: دِينًا يَدِينون به اللهَ. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ (٤) أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢)﴾. قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى بذلك جل ثناؤُه: والذين صدَّقوا بوَحْدانيةِ اللهِ، وأقرُّوا بنبوةِ رسلِه أجمعين، وصدَّقوهم فيما جاءوهم به مِن

стр. 5203

عندِ اللهِ مِن شَرائعِ دينِه، ﴿وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾. يقولُ: ولم يُكَذِّبوا بعضَهم، ويُصَدِّقوا بعضَهم، ولكنهم أقرُّوا أن كلَّ ما جاءوا به من عندِ ربِّهم حقٌّ، ﴿أُولَئِكَ﴾. يقولُ: هؤلاء الذين هذه صفتُهم من المؤمنين باللهِ ورسلِه (سوف نُؤْتيهم (١)). يقولُ: سوف نُعْطِيهم (٢) ﴿أُجُورَهُمْ﴾ يعنى: جزاءَهم وثوابَهم على تصديقِهم الرسلَ في توحيدِ اللهِ وشَرائعِ دينِه، وما جاءت به من عندِ اللهِ، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. يقولُ: يَغْفِرُ لَمَن فعَل ذلك مِن خَلْقِه، ما سلَف له من آثامِه، فيَسْتُرُ عليه بعفوِه له عنه، وبتركِ العقوبةِ عليه، فإنه لم يَزَلْ لذنوبِ المُنيبِين إليه مِن خلقِه غفورًا ﴿رَحِيمًا﴾. يعنى: ولم يَزَلْ بهم رحيمًا بتفضُّلِه عليهم بالهِدايةِ إلى سبيلِ الحقِّ وتوفيقِه إياهم لما فيه خَلاصُ رِقابِهم مِن النارِ. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (١٥٣)﴾. قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ، ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ﴿يَسْأَلُكَ﴾، يا محمدُ ﴿أَهْلُ الْكِتَابِ﴾، يعنى بذلك: أهلَ التوراةِ مِن اليهودِ، ﴿أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾. واخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى الكتابِ الذى سأَل اليهودُ محمدًا ﷺ أن يُنَزِّلَه عليهم مِن السماءِ؛ فقال بعضُهم: سأَلوه أن يُنَزِّل عليهم كتابًا من السماءِ مَكتوبًا، كما جاء

стр. 5204

موسى بني إسرائيلَ بالتوراةِ مكتوبًا (١) من عندِ اللهِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾: كما (٢) قالت اليهودُ: إن كنتَ صادقًا أنك رسولُ اللهِ، فآتِنا كتابًا مكتوبًا مِن السماءِ، كما جاء به موسى (٣). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو مَعْشَرٍ (٤)، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظيِّ، قال: جاء ناسٌ مِن اليهودِ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فقالوا: إن موسى جاء بالألْواحِ مِن عندِ اللهِ، فأْتِنا بالألواحِ مِن عندِ اللهِ حتى نُصَدِّقَكَ. فأنزَل اللهُ: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ إلى قولِه: ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ (٥). وقال آخرون: بل سأَلوه أن يُنَزِّلَ عليهم كتابًا خاصَّةً لهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾: أى كتابًا خاصةً

стр. 5205

﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ (١). وقال آخرون: بل سأَلوه أن يُنَزِّلَ على رجالٍ منهم بأعْيانِهم كتبًا بالأمرِ بتصديقِه واتِّباعِه. ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجّاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيجٍ قولَه: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾: وذلك أن اليهودَ والنصارى أَتَوا النبيَّ ﷺ ، فقالوا: لن نُتابِعَك (٢) على ما تَدْعُونا إليه حتى تَأْتِيَنا بكتابٍ مِن عندِ اللهِ؛ [مِن اللهِ] (٣) إلى فلانٍ أنك رسولُ اللهِ، [وإلى فلانٍ (٤) أنك رسولُ اللهِ] (٥). قال اللهُ جل ثناؤُه: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾. قال أبو جعفرٍ: وأوْلى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يُقالَ: إن أهلَ التوراةِ سَأَلوا رسولَ اللهِ ﷺ أن يَسْأَلَ رَبَّه أن يُنَزِّلَ عليهم كتابًا مِن السماءِ آيةً مُعْجِزةً جميعَ الخلقِ أن يَأْتُوا بمثلِها، شاهدةً لرسولِ اللهِ ﷺ بالصدقِ، آمِرَةً لهم باتِّباعِه. وجائزٌ أن يَكونَ الذي سأَلوه من ذلك كتابًا مكتوبًا يُنَزَّلُ عليهم مِن السماءِ إلى جماعتِهم، وجائزٌ أن [تكونَ مسألتُهم إياه] (٦) ذلك كتبًا إلى أشْخاصٍ بأعيانِهم (٧)،

стр. 5206

بل الذى هو أولى بظاهرِ التلاوةِ أن تكونَ مسألتُهم إياه ذلك كانت مسألةً لتنزيلِ (١) الكتابِ الواحدِ إلى جماعتِهم لذكرِ اللهِ فى خبرِه عنهم الكتابَ بلفظِ الواحدٍ، بقولِه: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾. ولم يَقُلْ: كتبًا. وأما قولُه جلَّ ثناؤه: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾. فإِنه تَوْبِيخٌ مِنَ اللهِ جل ثناؤُه سائلى الكتابِ الذى سأَلوا رسولَ اللهِ ﷺ أن يُنَزِّلَه عليهم مِن السماءِ في مسألتِهم إياه ذلك، وتَقْريعٌ منه لهم. يقولُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ : يا محمدُ، لا يَعْظُمَنَّ عليك مسألتُهم ذلك، فإنهم من جهلِهم باللهِ وجرْأتِهم (٢) عليه واغْتِرارِهم بحلمِه، لو أَنْزَلْتُ عليهم الكتابَ الذى سأَلوك أن تُنَزِّله عليهم، لخَالَفوا أمْرَ اللهِ كما خالَفوه بعدَ إحْياءِ اللهِ أوائلَهم من صَعْقتِهم (٣)، فعبَدوا العجلَ واتَّخَذوه إلهًا يَعْبُدونَه مِن دونِ خالقِهم وبارئِهم الذي أراهم مِن قدرتِه وعظيمِ سلطانِه ما أراهم؛ لأنهم لن يَعْدُوا (٤) أن يَكونوا كأوائِلهم وأسلافِهم. ثم قصَّ اللهُ مِن قصتِهم وقصةِ موسى ما قصَّ، يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾. يعنى: فقد سأَل أسلافُ هؤلاء اليهودِ وأوائلُهم موسى أعظمَ مما سأَلوك مِن تَنزيلِ كتابٍ عليهم مِن السماءِ، فقالوا له: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾. أى عيانًا نُعايِنُه ونَنظُرُ إليه. وقد أتَيْنا على معنى الجَهْرةِ (٥) بما في ذلك من الروايةِ، والشَّواهِدِ

стр. 5207

على صحةِ ما قلنا في معناه فيما مضَى بما أغْنَى عن إعادتِه فى هذا الموضعِ (١). وقد رُوِى (٢) عن ابنِ عباسٍ أنه كان يقولُ في ذلك بما حدَّثني به الحارثُ، قال: ثنا أبو عُبيدٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ بنِ موسى، عن عبدِ الرحمنِ بنِ إسحاقَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ معاويةَ، عن ابنِ عباسٍ في هذه الآيةِ قال: إنهم إذا رأوْه (٣) فقد رأَوْه، إنما قالوا جَهْرةً: ﴿أَرِنَا اللَّهَ﴾. قال: هو مُقَدَّمٌ ومُؤَخَّرٌ (٤). وكان ابنُ عباسٍ يَتَأَوَّلُ ذلك أن سؤالَهم موسى كان جَهْرةً. وأما قولُه: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾. فإنه يقولُ: فصَعِقوا بظلمِهم أنفسَهم، وظلمُهم أنفسَهم كان مسألتَهم موسى أن يُرِيَهم ربَّهم جَهْرَةً؛ لأن ذلك مما لم يَكُنْ لهم مسألتُه. وقد بيَّنَّا معنى الصاعقةِ فيما مضَى، واختلافَ (٥) المُخْتَلِفين في تأويلِها، والدليلَ على أوْلى ما قيل فيها بالصوابِ (٦). وأما قولُه: ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾. فإنه يعنى: ثم اتَّخَذ هؤلاء الذين سأَلوا موسى ما سأَلوه -مِن رُؤْيةِ ربِّهم جهرةً، بعدَ ما أحْياهم اللهُ فبعَثهم مِن صَعْفتِهم- العجلَ الذي كان السامريُّ نبَذ فيه ما نبَذ مِن القَبْضةِ التي قبَضَها مِن أَثَرِ فرسِ جِبريلَ ﵇، إلهًا يَعْبُدونَه مِن دونِ اللهِ.

стр. 5208

وقد أتَيْنا على ذكرِ السببِ الذى مِن أجلِه اتَّخَذوا العجلَ، وكيف كان أمْرُهم وأمْرُه، فيما مضَى بما فيه الكِفايةُ (١). وقولُه: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾. يعنى: مِن بعد ما جاءَت هؤلاء الذين سأَلوا موسى ما سأَلوا البَيِّناتُ مِن اللهِ، والدَّلالاتُ الواضحاتُ بأنهم لن يَرَوُا اللهَ عِيانًا جهارًا. وإنما عُنِى بالبيناتِ: أنها آياتٌ تُبِينُ عن أنهم لن يَرَوُا اللهَ في أيامِ حَياتِهم في الدنيا جَهْرةً، وكانت تلك الآياتُ البيناتُ لهم على أن ذلك كذلك؛ [إصْعاقُ اللهِ إياهم عندَ] (٢) مسألتِهم موسى أن يُرِيَهم ربَّهم جَهْرةً، ثم إحْياؤُه إياهم بعدَ مماتِهم، مع سائرِ الآيات التي أَراهم اللهُ- دلالةً على ذلك. يقولُ اللهُ جلّ ثناؤُه مُقبِّحًا إليهم فعْلَهم ذلك، ومُوَضِّحًا لعبادِه جهلَهم، ونقصَ عقولِهم وأحلامِهم: ثم أقَرُّوا للعجلِ بأنه لهم إلهٌ، وهم يَرَوْنَه عِيانًا، ويَنْظُرون إليه جِهارًا بعدَ ما أراهم ربُّهم مِن الآياتِ البيناتِ ما أراهم، أنهم لا يَرَوْن رَبَّهم جَهْرةً وعِيانًا في حياتِهم الدنيا، فعكَفوا على عبادتِه، مُصَدِّقِين بأُلوهتِه. وقولُه: ﴿فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ﴾. يقولُ: فعفَوْنا لعَبَدةِ العجلِ عن عبادتِهم إياه، وللمُصَدِّقين منهم بأنه إلهُهم، بعدَ الذى أراهم اللهُ، أنهم لا يَرَوْن ربَّهم في حياتِهم، مِن الآياتِ ما أراهم عن تَصْديقِهم بذلك بالتوبةِ التي تابوها إلى ربِّهم، بقتلِهم أنفسَهم، وصبرِهم فى ذلك على أمرِ ربِّهم، ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا﴾. يقولُ: وآتَيْنا موسى حُجَّةً تُبِينُ عن صدقِه وحقيقَةِ نُبُوَّتِه، وتلك الحُجَّةُ هي الآياتُ البَيِّناتُ التي آتاه اللهُ إياها.

стр. 5209

القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (١٥٤)﴾. قال أبو جعفرٍ، ﵀: يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ﴾ يعنى: الجبلَ، وذلك لمَّا امْتَنَعوا من العملِ بما فى التوراةِ، وقبولِ ما جاءهم به موسى فيها، ﴿بِمِيثَاقِهِمْ﴾ يعنى: بما أعْطَوُا اللهَ من الميثاقِ والعهدِ؛ لَتَعْمَلَنَّ بما في التوراةِ، ﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾. يعنى: باب حِطَّةٍ، حينَ أُمِروا أن يدْخُلوا منه سُجَّدًا، فدخلوا يَزْحَفون على أَسْتاهِهم، ﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾. يعنى بقولِه: ﴿لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ (١). لا تُجاوِزوا (٢) في يومِ السبتِ ما أُبِيح لكم إلى ما لم يُبَحْ لكم. كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه ﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾. قال: كنا نُحَدِّثُ أنه بابٌ من أبوابِ بيتِ المقدسِ. ﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ أُمِر القومُ أن لا يأْكُلُوا الحيتانَ يومَ السبتِ، ولا يَعْرِضوا لها، وأُحِلَّ لهم ما خلا ذلك (٣). واخْتَلَفَت القرَأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأه عامَّةُ قرأةِ أمْصارِ الإسلامِ: ﴿لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ بتخفيفِ العينِ (٤)، من قولِ القائلِ: عَدَوْتُ في الأمرِ. إذا تجاوَزْتَ الحقَّ فيه، أعْدُو عَدْوًا وعُدْوانًا وعَداءً.

стр. 5210

وقرَأ ذلك بعضُ قرَأةِ أهلِ المدينةِ: (وقلنا لهم لا تَعْدُّوا) بتسكينِ العينِ وتشديدِ الدالِ والجمعِ بينَ ساكنَيْن (١)، بمعنى تَعْتَدُوا، ثم تُدْغَمُ التاءُ في الدالِ فَتَصِيرُ دالًا مُشَددةً مضمومةً، كما قرَأ مَن قرَأ: (أمْ مَّنْ لَا يَهْدِّى) بتسكينِ الهاءِ (٢). وقولُه: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ يعنى: عهدًا مُؤَكَّدًا شديدًا، بأنهم (٣) يَعْمَلُون بما أمَرَهم اللهُ به، ويَنْتَهون عما نهاهم اللهُ عنه مما ذكَر في هذه الآيةِ، ومما في التوراةِ. وقد بيَّنا فيما مضَى السببَ الذى من أجلِه كانوا أُمِروا أن يدخُلوا البابَ سُجَّدًا، وما كان مِن أمرِهم فى ذلك، وخبرِهم وقصَّتِهم، وقصةِ السبتِ، وما كان اعْتداؤُهم فيه بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٤). القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥)﴾. يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: فبنَقْضِ هؤلاء الذين وصفْتُ صفتهم مِن أهلِ الكتابِ، ﴿مِيثَاقَهُمْ﴾. يعنى: عهودَهم (٥) التي عاهَدوا اللهَ أَن يَعْمَلوا بما (٦) في

стр. 5211

التوراةِ، ﴿وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾. يقولُ: وجُحودِهم، ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾. يعني: بأعلامِ اللهِ وأدلتِه التى احْتَجَّ بها عليهم في صدقِ أنبيائِه ورسلِه، وحقيقةِ ما جاءُوهم به مِن عندِه، ﴿وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾. يقولُ: وبقتلِهم الأنبياءَ بعدَ قيامِ الحُجَّةِ عليهم بنبوَّتِهم، ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾. يعني: بغيرِ استحقاقٍ منهم ذلك لكبيرةٍ أتَوْها، ولا لخَطيئةٍ اسْتَوْجبوا القتلَ عليها، ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ يعنى: وبقولِهم: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ يعنى يقولون: عليها غِشاوةٌ وأغْطِيةُ عما تَدْعُونا إليه، فلا نَفْقَهُ ما تَقولُ، ولا نَعْقِلُه. وقد بيَّنَّا معنى الغُلْفِ، وذكَرْنا ما فى ذلك من الروايةِ فيما مضى قبلُ (١). ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: كذَبوا في قولِهم: قلوبُنا غُلْفٌ. [ما هى] (٢) بغُلْفٍ، ولا عليها، أغْطيةٌ، ولكنَّ اللهَ جل ثناؤُه جعَل عليها طابِعًا بكفرِهم باللهِ. وقد بيَّنَّا صفةَ الطبعِ على القلبِ فيما مضَى بما أغْنَى عن إعادتِه (٣). ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ يقولُ: فلا يُؤْمِنُ هؤلاء الذين وصَف اللهُ صفتَهم [في طبعِه] (٤) على قلوبِهم -فيُصَدِّقوا باللهِ [ورسولِه وما جاءهم] (٥) به مِن عندِ اللهِ- إلا إيمانًا قليلًا، يعنى إلَّا تصديقًا قليلًا. وإنما صار قليلًا؛ لأنهم لم يُصَدِّقوا على ما أمَرَهم اللهُ به، ولكن صدَّقوا ببعضِ الأنبياءِ وبعضِ

стр. 5212

الكتبِ، وكذَّبوا ببعضٍ، فكان تصديقُهم بما صدَّقوا به قليلًا؛ لأنهم وإن صدَّقوا به مِن وجهٍ، فهم به مُكَذِّبون من وجهٍ آخرَ، وذلك مِن وجهِ تكذيبِهم مَن كذَّبوا به مِن الأنبياءِ، وما جاءوا به مِن كتبِ اللهِ، ورسلُ اللهِ يُصَدِّقُ بعضُهم بعضًا، وبذلك أمَر كلُّ نبيٍّ أمتَه، وكذلك كتبُ اللهِ يُصَدِّقُ بعضُها بعضًا، ويُحَقِّقُ بعضٌ بعضًا، فالمُكَذِّبُ ببعضِها مُكَذِّبٌ بجميعِها مِن جهةِ جحودِه ما صدَّقه الكتابُ الذى يُقِرُّ بصحتِه، فلذلك صار إيمانُهم بما آمَنوا مِن ذلك قليلًا. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾. يقولُ: فبنقضِهم ميثاقَهم لعَنَّاهم، ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ أي: لا تفقهُ، ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾، ولعنَهم حينَ فعَلوا ذلك (١). واخْتُلِف فى معنى قولِه: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ الآية، وهل هو مُواصِلٌ لما (٢) قبلَه من الكلامِ، أم هو مُنْفَصِلٌ منه؛ فقال بعضُهم: هو مُنْفَصِلٌ مما قبلَه، ومعناه: فينقضِهم ميثاقَهم وكفرِهم بآياتِ اللهِ وقتلِهم الأنبياءَ بغيرِ حقٍّ، وَقَوْلِهِمْ: قُلُوبُنا غُلْفٌ (٣). طَبَعَ اللهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ ولعَنَهم.

стр. 5213

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾: لما ترَك القومُ أمرَ اللهِ، وقتَلوا رسلَه، وكفَروا بآياتِه، ونقَضوا الميثاقَ الذي أُخِذ عليهم - طَبَعَ اللهُ عَلَيْها بِكُفْرِهم ولعَنَهم. وقال آخَرون: بل هو مُواصِلٌ لما قبلَه. قالوا: ومعنى الكلامِ: فأخذتهم الصاعقةُ بظلمِهم، فبنقضِهم ميثاقَهم، وكفرِهم بآياتِ اللهِ، وبقتلِهم الأنبياءَ بغيرِ حقٍّ، وبكذا وكذا أخَذَتْهم الصاعقةُ. قالوا: فتبِع الكلامُ بعضُه بعضًا، ومعناه مَرْدودٌ إلى أولِه، وتَفْسيرُ ظلمِهم الذى أخَذَتْهم الصاعقةُ مِن أجلِه ما فسَّرَه تعالى ذكرُه من نقضِهم الميثاقَ، وقتلِهم الأنبياءَ، وسائرِ ما بيَّن مِن أمرِهم الذى ظلَموا فيه أنفسَهم. والصوابُ مِن القولِ فى ذلك أن قولَه: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾. وما بعدَه مُنْفَصِلٌ معناه مِن معنى ما قبلَه، وإنما معنى الكلامِ: فيما نقضِهم ميثاقَهم وكفرِهم بآياتِ اللهِ، وبكذا وبكذا، لعَنَّاهم وغضِبْنا عليهم، فترَك ذكرَ "لَعَنَّاهم" لدلالةِ قولِه: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾. على معنى ذلك، إذ كان مَن طُبِع على قلبِه فقد لُعِن وسُخِط عليه. وإنما قلنا ذلك أولى بالصوابِ؛ لأن الذين أخَذَتْهم الصاعقةُ إنما كانوا على عهدِ موسى، والذين قتَلوا الأنبياءَ والذين رمَوْا مَريمَ بالبُهتانِ العظيمِ وقالوا: قتلْنا المسيحَ. كانوا بعدَ موسى بدهْرٍ طويلٍ، ولم يُدْرِكِ الذين رمَوْا مريمَ بِالبُهْتَانِ زمانَ موسى، ولا مَن صَعِقَ مِن قومِه. وإذ كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أن الذين أخَذَتْهم الصاعقةُ، لم تَأْخُذْهم

стр. 5214

عقوبةٌ لرمْيِهم مريمَ بالبهُتانِ العظيمِ، ولا لقولِهم: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾. وإذ كان ذلك كذلك، فبيِّنٌ أن الذين قالوا هذه المقالةَ هم غيرُ الذين عُوقِبوا بالصاعقةِ، وإذا كان ذلك كذلك، كان بيِّنًا انفصال معنى قولِه: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ مِن معنى قولِه: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾. القولُ في تأويلِ قوله جل ثناؤُه: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦)﴾. قال أبو جعفرٍ: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وبكفرِ هؤلاء الذين وصَف صفتَهم، ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ يعني: بفِرْيتِهم عليها، ورمْيِهم إياها (١) بالزنى، وهو البُهتانُ العظيمُ؛ لأنهم رمَوْها بذلك، وهى مما رمَوْها به بغيرِ ثَبَتٍ ولا برهانٍ بَريئةٌ، فبهَتوها بالباطلِ مِن القولِ. وبمثلِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ يعني: أنهم رَمَوْها بالزنى (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾: حينَ قذَفوها بالزنى (٣).

стр. 5215

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا يَعْلَى مِنْ عُبَيدٍ، عَن جُوَيْبرٍ في قولِه: ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾. قال: قالوا: زنَت (١). القولُ في تأويلِ قوله جل ثناؤُه: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾. قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ، ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وبقولِهم: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾. ثم كذَّبهم اللهُ في قِيلِهم، فقال: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾. يعني: وما قتَلوا عيسى، وما صلَبوه، ولكن شُبِّه لهم. واخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى صفةِ التَّشبيهِ الذى شُبِّه لليهودِ في أمرِ عيسى؛ فقال بعضُهم: لمَّا أحاطَت اليهودُ به وبأصحابِه، أحاطوا بهم، لا يَثَّبَّتون معرفةَ عيسى بعينِه، وذلك أنهم جميعًا حُوِّلوا فى صورةِ عيسى، فأشكَل على الذين كانوا يُريدون قتلَ عيسى ابنِ مريمَ، عيسى مِن غيرِه منهم، وخرَج إليهم بعضُ مَن كان فى البيتِ مع عيسى، فقتَلوه وهم يَحْسَبونه عيسى. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن هارونَ بن عَنْتَرةَ، عن وهبِ بنِ مُنَبِّهٍ، قال: أُتِى عيسى، ومعه سبعةَ (٢) عشَرَ مِن الحواريِّين في بيتٍ، وأحاطوا بهم، فلما دخَلوا عليهم، صوَّرهم اللهُ كلَّهم على صورةِ عيسى، فقالوا لهم: سحَرْتُمونا، لَيَبْرُزَنّ لنا عيسى، أو لَنَقْتُلَنَّكم جميعًا. فقال عيسى لأصحابِه: مَن يَشْتَرى نفسَه

стр. 5216

منكم اليومَ بالجنةِ؟ فقال رجلٌ منهم: أنا. فخرَج إليهم فقال: أنا عيسى. وقد صوَّره اللهُ على صورةِ عيسى، فأخَذوه فقتَلوه وصلَبوه، فمن ثَمَّ شُبِّه لهم، وقد ظنُّوا أنهم قد قتَلوا عيسى، وظنَّت النصارى مثلَ ذلك أنه عيسى، ورفَع اللهُ عيسى من يومِه ذلك (١). وقد رُوِى عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ غيرُ هذا القولِ، وهو ما حدَّثني به المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبد الكريمِ، قال: ثنى عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ (٢)، أنه سمِع وهبًا يَقولُ: إن عيسى ابنُ مريمَ لمَّا أعْلَمَه اللهُ جل ثناؤُه أنه خارجٌ من الدنيا جَزِع مِن الموتِ وشقَّ عليه، فدعا الحواريِّين فصنَع لهم طعامًا، فقال: احْضُروني الليلةَ، فإن لى إليكم حاجةً. فلما اجْتَمَعوا إليه [مِن الليلِ] (٣) عَشَّاهم، وقام يَخْدِمُهم، فلمَّا فرَغوا مِن الطعامِ أخَذ يَغْسِلُ أيديَهم، ويُوَضِّئُهم بيدِه، ويَمْسَحُ أيديَهم بثيابِه، فتَعاظَموا ذلك وتَكارَهوه، فقال: ألا مَن ردَّ عليَّ شيئًا الليلةَ مما أَصْنَعُ، فليس مني، ولا أنا منه. فأقرُّوه حتى إذا فرَغ مِن ذلك، قال: أمَّا ما صنَعْتُ بكم الليلةَ مما خدَمْتُكم [على الطعامِ، وغسَلْتُ أيديَكم يبدى، [فَلْيَكُنْ لكم بي] (٤) أُسْوةٌ، فإنكم تَرَوْن أنى خيرُكم] (٥)، فلا يتعاظمْ (٦) بعضُكم على بعضٍ، ولْيَبْذُلْ بعضُكم نفسَه لبعضٍ، كما بذَلْتُ نفسى لكم، وأما حاجتي التي اسْتَعَنْتُكم عليها، فتدْعُون ليَ اللهَ، وتَجْتَهِدون فى الدعاءِ، أن يُؤَخِّرَ أَجَلى. فلما نَصَبوا أنفسَهم

стр. 5217

للدعاءِ، وأرادوا أن يَجْتَهِدوا، أخَذَهم النومُ، حتى لم يَسْتَطِيعوا دُعاءً، فجعَل يُوقِظُهم ويَقولُ: سبحانَ اللهِ، ما تَصْبِرون لى ليلةً واحدةً تُعِينوني فيها؟ قالوا: واللهِ ما نَدْرِى ما لنا، لقد كنا نَسْمُرُ فنُكْثِرُ السَّمَرَ، وما نُطِيقُ الليلةَ سَمَرًا، وما نُرِيدُ دُعاءً إلا حِيلَ بينَنا وبينَه. فقال: يُذْهَبُ بالراعي وتَتَفَرَّقُ الغنمُ. وجعَل يَأْتي بكلامٍ نحوَ هذا يَنْعَى به نفسَه، ثم قال: الحقُّ لِيَكْفُرَنَّ بي أحدُكم قبلَ أن يَصِيحَ الدِّيكُ ثلاثَ مراتٍ، وليبيعَنَّنِي أحدُكم بدراهمَ يَسيرةٍ ولَيَأْكُلَنَّ ثمنى. فخرَجوا وتفَرَّقوا، وكانت اليهودُ تَطْلُبُه، فأخَذُوا شَمْعونَ أحدَ الحواريِّين، فقالوا: هذا مِن أصحابِه فجحَد وقال: ما أنا بصاحبِه. فترَكوه، ثم [اخَذَه آخرون، فجحَد] (١) كذلك، ثم سمع صوتَ دِيكٍ (٢)، فبكَى وأحْزَنه، فلمَّا أَصْبَحَ أَتَى أحدُ الحواريِّين إلى اليهودِ، فقال: ما تَجْعَلون لى إن دَلْلتُكم على المسيحِ؟ فجعَلوا له ثلاثين درهمًا، فأخَذها ودلَّهم (٣) عليه -وكان شُبِّه عليهم قبلَ ذلك- فأَخَذُوه، فاسْتَوْثَقوا منه، وربَطوه بالحبلِ، فجعَلوا يَقُودُونه ويقولون: أنت كنتَ تُحْيِى المَوْتَى، وتَنْتَهِرُ الشيطانَ، [وتُبْرِئُ المجنونَ] (٤)، أفلا تَفْتَحُ (٥) نفسَك مِن هذا الحبلِ؟ ويَبْصُقون عليه، ويُلْقُون عليه الشَّوْكَ، حتى أتَوْا به الخشبةَ التي أرادوا أن يَصْلُبوه عليها، فرفَعه اللهُ إليه، وصلَبوا ما شُبِّه لهم، فمكَث سبعًا. ثم إنَّ أمَّه والمرأةَ التي كان يُداوِيها عيسى، فأَبْرَأَها اللهُ مِن الجنونِ جاءتا تَبْكِيان حيث المصلوبُ، فجاءَهما عيسى، فقال: علامَ تَبْكِيان؟ قالتا: عليك. فقال: إني قد

стр. 5218

رفَعَنى اللهُ إليه، ولم يُصِبْنى إلا خيرٌ، وإن هذا شيءٌ شُبِّه لهم، فأْمُرَا الحواريِّين أن يَلْقَونى إلى مكانِ كذا وكذا. فلقُوه إلى ذلك المكانِ أحدَ عَشَرَ، وفُقِد الذي كان باعه ودلَّ عليه اليهودَ، فسأَل عنه أصحابَه، فقالوا: إنه ندِم على ما صنَع، فاخْتَنَق وقتَل نفسَه. فقال: لو تابَ لتابَ اللهُ عليه. ثم سأَلهم عن غلامٍ يَتْبَعُهم يُقالُ له: يُحَنَّى (١). فقال: هو معكم، فانْطَلِقوا فإنه سيُصْبِحُ كلُّ إنسانٍ منكم يُحَدِّثُ بلغةِ قومٍ (٢)، فَلْيُنْذِرْهم ولْيَدْعُهم (٣). وقال آخرون: بل سأل عيسى من كان معه في البيتِ أن يُلْقَى على بعضِهم شبهُه، فانْتَدَب لذلك منهم رجلٌ، فأُلْقِى عليه شبهُه، فقُتِل ذلك الرجلُ، ورُفِع عيسى. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾. إلى قولِه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾: أولئك أعداءُ اللهِ اليهودُ ابتَهَرُوا (٤) بقتلِ عيسى ابنِ مريمَ رسولِ اللهِ، وزعَموا أنهم قتَلوه وصلَبوه. وذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ عيسى ابنَ مريمَ قال لأصحابِه: أيُّكم يُقْذَفُ عليه شبهى فإنه مقتولٌ. قال رجلٌ من أصحابِه: أنا يا نبيَّ اللهِ. فقُتِل

стр. 5219

ذلك الرجلُ، ومنَع اللهُ نبيَّه (١)، ورفَعه إليه (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾. قال: أُلْقِى شبهُه على رجلٍ من الحواريِّين فقُتِل، وكان عيسى ابنُ مريمَ عرَض ذلك عليهم، فقال: أيُّكم أُلْقِى عليه شبهى وله الجنةُ؟ فقال رجلٌ: عليَّ (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بن المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، أن بنى إسرائيلَ حصَروا (٤) عيسى وتسعةَ عشَرَ رجلًا من الحواريِّين في بيتٍ، فقال عيسى لأصحابِه: مَن يأخُذُ صورتى فيُقْتَلَ وله الجنةُ؟ فأَخَذها رجلٌ منهم، وصُعِد بعيسى إلى السماءِ، فلما (٥) خرَج الحواريُّون أبصروهم تسعةَ عشَرَ، فأخبروهم أن عيسى ﵇ قد صُعِد به إلى السماءِ، فجعَلوا يَعُدُّون القومَ، فيجدونهم ينقُصون رجلًا من العِدَّةِ، ويرون صورةَ عيسى فيهم، فشكُّوا (٦) فيه، وعلى ذلك قتلوا الرجلَ وهم يرون أنه عيسى وصلَبوه، فذلك قولُ اللهِ ﵎: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾. إلى قولِه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (٧).

стр. 5220

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ (١)، عن القاسمِ بنِ أبي بَزَّةَ، أن عيسى ابنَ مريمَ، قال: أيُّكم يُلْقَى عليه شبهِى فيُقْتَل مكاني؟ فقال رجلٌ مِن أصحابِه: أنا يا رسولَ اللهِ. فألقِى عليه شبهُه، فقتَلوه، فذلك قولُه: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: كان اسمُ ملِكِ بني إسرائيلَ الذي بعَث إلى عيسى ليقتُلَه، رجلًا منهم يقالُ له: داودُ (٢)، فلما أَجْمَعوا لذلك منه لم يُقْطَعْ عبدٌ من عبادِ اللهِ بالموتِ -فيما ذُكر لى- فَظَعَه، ولم يجزَعْ منه جزعَه، ولم يدْعُ اللهَ فى صرْفِه عنه دعاءَه، حتى إنه ليقولُ -فيما يزعُمون-: اللهمَّ إن كنتَ صارفًا هذه الكأسَ عن أحدٍ من خلقِك، فاصْرِفْها عنى. وحتى إن جلدَه مِن كَرْبِ ذلك ليتفصَّدُ دمًا، فدخَل المدخَل الذى أجْمَعوا أن يدخلُوا (٣) عليه فيه؛ ليقتُلوه هو وأصحابَه، وهم ثلاثةَ عشرَ بعيسى، فلما أيقن أنهم داخلون عليه، قال لأصحابِه مِن الحواريِّين وكانوا اثنى عشرَ رجلًا؛ فُطْرُسُ (٤)، ويعقوبُ بنُ زَيْدِي، ويُحَنَّسُ (٥)، [أخو يعقوبَ] (٦)، وأَنْدَرا بِيسُ (٧)، وفِيلِبُّسُ (٨)، وأَبَرَثَلْمَا (٩)، ومَتَّى،
следующие страницы →