← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 5216–5255 · переход к 5221.

стр. 5216

منكم اليومَ بالجنةِ؟ فقال رجلٌ منهم: أنا. فخرَج إليهم فقال: أنا عيسى. وقد صوَّره اللهُ على صورةِ عيسى، فأخَذوه فقتَلوه وصلَبوه، فمن ثَمَّ شُبِّه لهم، وقد ظنُّوا أنهم قد قتَلوا عيسى، وظنَّت النصارى مثلَ ذلك أنه عيسى، ورفَع اللهُ عيسى من يومِه ذلك (١). وقد رُوِى عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ غيرُ هذا القولِ، وهو ما حدَّثني به المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبد الكريمِ، قال: ثنى عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ (٢)، أنه سمِع وهبًا يَقولُ: إن عيسى ابنُ مريمَ لمَّا أعْلَمَه اللهُ جل ثناؤُه أنه خارجٌ من الدنيا جَزِع مِن الموتِ وشقَّ عليه، فدعا الحواريِّين فصنَع لهم طعامًا، فقال: احْضُروني الليلةَ، فإن لى إليكم حاجةً. فلما اجْتَمَعوا إليه [مِن الليلِ] (٣) عَشَّاهم، وقام يَخْدِمُهم، فلمَّا فرَغوا مِن الطعامِ أخَذ يَغْسِلُ أيديَهم، ويُوَضِّئُهم بيدِه، ويَمْسَحُ أيديَهم بثيابِه، فتَعاظَموا ذلك وتَكارَهوه، فقال: ألا مَن ردَّ عليَّ شيئًا الليلةَ مما أَصْنَعُ، فليس مني، ولا أنا منه. فأقرُّوه حتى إذا فرَغ مِن ذلك، قال: أمَّا ما صنَعْتُ بكم الليلةَ مما خدَمْتُكم [على الطعامِ، وغسَلْتُ أيديَكم يبدى، [فَلْيَكُنْ لكم بي] (٤) أُسْوةٌ، فإنكم تَرَوْن أنى خيرُكم] (٥)، فلا يتعاظمْ (٦) بعضُكم على بعضٍ، ولْيَبْذُلْ بعضُكم نفسَه لبعضٍ، كما بذَلْتُ نفسى لكم، وأما حاجتي التي اسْتَعَنْتُكم عليها، فتدْعُون ليَ اللهَ، وتَجْتَهِدون فى الدعاءِ، أن يُؤَخِّرَ أَجَلى. فلما نَصَبوا أنفسَهم

стр. 5217

للدعاءِ، وأرادوا أن يَجْتَهِدوا، أخَذَهم النومُ، حتى لم يَسْتَطِيعوا دُعاءً، فجعَل يُوقِظُهم ويَقولُ: سبحانَ اللهِ، ما تَصْبِرون لى ليلةً واحدةً تُعِينوني فيها؟ قالوا: واللهِ ما نَدْرِى ما لنا، لقد كنا نَسْمُرُ فنُكْثِرُ السَّمَرَ، وما نُطِيقُ الليلةَ سَمَرًا، وما نُرِيدُ دُعاءً إلا حِيلَ بينَنا وبينَه. فقال: يُذْهَبُ بالراعي وتَتَفَرَّقُ الغنمُ. وجعَل يَأْتي بكلامٍ نحوَ هذا يَنْعَى به نفسَه، ثم قال: الحقُّ لِيَكْفُرَنَّ بي أحدُكم قبلَ أن يَصِيحَ الدِّيكُ ثلاثَ مراتٍ، وليبيعَنَّنِي أحدُكم بدراهمَ يَسيرةٍ ولَيَأْكُلَنَّ ثمنى. فخرَجوا وتفَرَّقوا، وكانت اليهودُ تَطْلُبُه، فأخَذُوا شَمْعونَ أحدَ الحواريِّين، فقالوا: هذا مِن أصحابِه فجحَد وقال: ما أنا بصاحبِه. فترَكوه، ثم [اخَذَه آخرون، فجحَد] (١) كذلك، ثم سمع صوتَ دِيكٍ (٢)، فبكَى وأحْزَنه، فلمَّا أَصْبَحَ أَتَى أحدُ الحواريِّين إلى اليهودِ، فقال: ما تَجْعَلون لى إن دَلْلتُكم على المسيحِ؟ فجعَلوا له ثلاثين درهمًا، فأخَذها ودلَّهم (٣) عليه -وكان شُبِّه عليهم قبلَ ذلك- فأَخَذُوه، فاسْتَوْثَقوا منه، وربَطوه بالحبلِ، فجعَلوا يَقُودُونه ويقولون: أنت كنتَ تُحْيِى المَوْتَى، وتَنْتَهِرُ الشيطانَ، [وتُبْرِئُ المجنونَ] (٤)، أفلا تَفْتَحُ (٥) نفسَك مِن هذا الحبلِ؟ ويَبْصُقون عليه، ويُلْقُون عليه الشَّوْكَ، حتى أتَوْا به الخشبةَ التي أرادوا أن يَصْلُبوه عليها، فرفَعه اللهُ إليه، وصلَبوا ما شُبِّه لهم، فمكَث سبعًا. ثم إنَّ أمَّه والمرأةَ التي كان يُداوِيها عيسى، فأَبْرَأَها اللهُ مِن الجنونِ جاءتا تَبْكِيان حيث المصلوبُ، فجاءَهما عيسى، فقال: علامَ تَبْكِيان؟ قالتا: عليك. فقال: إني قد

стр. 5218

رفَعَنى اللهُ إليه، ولم يُصِبْنى إلا خيرٌ، وإن هذا شيءٌ شُبِّه لهم، فأْمُرَا الحواريِّين أن يَلْقَونى إلى مكانِ كذا وكذا. فلقُوه إلى ذلك المكانِ أحدَ عَشَرَ، وفُقِد الذي كان باعه ودلَّ عليه اليهودَ، فسأَل عنه أصحابَه، فقالوا: إنه ندِم على ما صنَع، فاخْتَنَق وقتَل نفسَه. فقال: لو تابَ لتابَ اللهُ عليه. ثم سأَلهم عن غلامٍ يَتْبَعُهم يُقالُ له: يُحَنَّى (١). فقال: هو معكم، فانْطَلِقوا فإنه سيُصْبِحُ كلُّ إنسانٍ منكم يُحَدِّثُ بلغةِ قومٍ (٢)، فَلْيُنْذِرْهم ولْيَدْعُهم (٣). وقال آخرون: بل سأل عيسى من كان معه في البيتِ أن يُلْقَى على بعضِهم شبهُه، فانْتَدَب لذلك منهم رجلٌ، فأُلْقِى عليه شبهُه، فقُتِل ذلك الرجلُ، ورُفِع عيسى. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾. إلى قولِه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾: أولئك أعداءُ اللهِ اليهودُ ابتَهَرُوا (٤) بقتلِ عيسى ابنِ مريمَ رسولِ اللهِ، وزعَموا أنهم قتَلوه وصلَبوه. وذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ عيسى ابنَ مريمَ قال لأصحابِه: أيُّكم يُقْذَفُ عليه شبهى فإنه مقتولٌ. قال رجلٌ من أصحابِه: أنا يا نبيَّ اللهِ. فقُتِل

стр. 5219

ذلك الرجلُ، ومنَع اللهُ نبيَّه (١)، ورفَعه إليه (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾. قال: أُلْقِى شبهُه على رجلٍ من الحواريِّين فقُتِل، وكان عيسى ابنُ مريمَ عرَض ذلك عليهم، فقال: أيُّكم أُلْقِى عليه شبهى وله الجنةُ؟ فقال رجلٌ: عليَّ (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بن المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، أن بنى إسرائيلَ حصَروا (٤) عيسى وتسعةَ عشَرَ رجلًا من الحواريِّين في بيتٍ، فقال عيسى لأصحابِه: مَن يأخُذُ صورتى فيُقْتَلَ وله الجنةُ؟ فأَخَذها رجلٌ منهم، وصُعِد بعيسى إلى السماءِ، فلما (٥) خرَج الحواريُّون أبصروهم تسعةَ عشَرَ، فأخبروهم أن عيسى ﵇ قد صُعِد به إلى السماءِ، فجعَلوا يَعُدُّون القومَ، فيجدونهم ينقُصون رجلًا من العِدَّةِ، ويرون صورةَ عيسى فيهم، فشكُّوا (٦) فيه، وعلى ذلك قتلوا الرجلَ وهم يرون أنه عيسى وصلَبوه، فذلك قولُ اللهِ ﵎: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾. إلى قولِه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (٧).

стр. 5220

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ (١)، عن القاسمِ بنِ أبي بَزَّةَ، أن عيسى ابنَ مريمَ، قال: أيُّكم يُلْقَى عليه شبهِى فيُقْتَل مكاني؟ فقال رجلٌ مِن أصحابِه: أنا يا رسولَ اللهِ. فألقِى عليه شبهُه، فقتَلوه، فذلك قولُه: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: كان اسمُ ملِكِ بني إسرائيلَ الذي بعَث إلى عيسى ليقتُلَه، رجلًا منهم يقالُ له: داودُ (٢)، فلما أَجْمَعوا لذلك منه لم يُقْطَعْ عبدٌ من عبادِ اللهِ بالموتِ -فيما ذُكر لى- فَظَعَه، ولم يجزَعْ منه جزعَه، ولم يدْعُ اللهَ فى صرْفِه عنه دعاءَه، حتى إنه ليقولُ -فيما يزعُمون-: اللهمَّ إن كنتَ صارفًا هذه الكأسَ عن أحدٍ من خلقِك، فاصْرِفْها عنى. وحتى إن جلدَه مِن كَرْبِ ذلك ليتفصَّدُ دمًا، فدخَل المدخَل الذى أجْمَعوا أن يدخلُوا (٣) عليه فيه؛ ليقتُلوه هو وأصحابَه، وهم ثلاثةَ عشرَ بعيسى، فلما أيقن أنهم داخلون عليه، قال لأصحابِه مِن الحواريِّين وكانوا اثنى عشرَ رجلًا؛ فُطْرُسُ (٤)، ويعقوبُ بنُ زَيْدِي، ويُحَنَّسُ (٥)، [أخو يعقوبَ] (٦)، وأَنْدَرا بِيسُ (٧)، وفِيلِبُّسُ (٨)، وأَبَرَثَلْمَا (٩)، ومَتَّى،

стр. 5221

وتُوماسُ، ويعقوبُ بنُ حلقايا (١)، وتُدَّاوسيسُ (٢)، وفتاتيا (٣)، ويُودُسُ (٤) زكريا يُوطا (٥). قال ابنُ حُميدٍ: قال سَلَمةُ (٦): قال ابنُ إسحاقَ: وكان فيهم -فيما ذُكر لى- رجلٌ اسمُه سَرْجِسُ، فكانوا ثلاثةَ عشَرَ رجلًا سوى عيسى، جحَدته النصارى، وذلك أنه هو الذي شُبِّه لليهودِ مكانَ عيسى، قال: ولا أَدْرِى أهو (٧) من هؤلاء الاثنى عشَرَ، أم كان (٨) ثالث عشَرَ. فجحَدوه حينَ أقرُّوا لليهودِ بصلبِ عيسى، وكفَروا بما جاء به محمدٌ ﷺ من الخبرِ عنه، فإن كانوا ثلاثةَ عشَرَ فإنهم دخَلوا المَدْخَلَ حينَ دخَلوا، وهم بعيسى أربعةَ عشرَ، وإن كانوا (٩) اثنى عشَرَ فإنهم دخَلوا المدخَلَ حينَ دخَلوا وهم بعيسى ثلاثةَ عشَر (١٠). حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: ثنى رجلٌ كان نصرانيًّا فأَسْلَم، أن عيسى حينَ جاءه من اللهِ: "إنى رافعُك إليَّ". قال: يا معشرَ الحواريِّين، أيُّكم يُحِبُّ أن يكونَ رفيقى فى الجنةِ حتى يُشَبَّه للقومِ في صورتي،

стр. 5222

فيقتُلوه مكانى؟ فقال سَرْجِسُ: أنا يا روحَ اللهِ. قال: فاجلسْ في مجلسي. فجلَس (١) فيه، ورُفِع عيسى صلواتُ اللهِ عليه، فدخلوا عليه فأخَذوه وصلَبوه، فكان هو الذى صلَبوه وشُبِّهَ لهم به، وكانت عِدَّتُهم حينَ دخلوا مع عيسى معلومةً. قد رأوْهم وأَحْصَوا عِدَّتَهم، فلما دخَلوا عليه ليأخُذوه وجدوا عيسى -فيما يُرَوْنَ- وأصحابَه، وفقَدوا رجلًا من العِدَّةِ، فهو الذى اخْتَلفوا فيه، وكانوا لا يعرِفون عيسى، حتى جعَلوا ليُودُسَ زكريا يُوطا ثلاثين دِرْهمًا (٢) على أن يدُلَّهم عليه، ويُعرِّفَهم إيَّاه، فقال لهم: إذا دخَلتم عليه، فإني سأقبِّلُه (٣)، وهو الذى أقبِّلُ (٤)، فخُذوه فلما دخَلوا عليه، وقد رُفِع عيسى، رأى سَرْجِسَ في صورةِ عيسى، فلم يشكَّ أنه هو عيسى، فأكبَّ عليه فقبَّله (٥)، فأخذوه فصلَبوه، ثم إن يُودُسَ زكريا يُوطا ندِم على ما صنَع، فاخْتَنق بحبلٍ حتى قتَل نفسَه، وهو ملعونٌ في النصارى، وقد كان أحدَ المعدودِين من أصحابِه. وبعضُ النصارى يزعُم أن يُودُسَ زكريا يُوطا هو الذى شُبِّه لهم فصلَبوه، وهو يقولُ: إنى لستُ بصاحبِكم، أنا الذى دللتكم عليه. واللهُ أعلمُ أيُّ ذلك كان (٦). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ (٧)، قال: ثني حجَّاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: بلَغنا أن عيسى ابنَ مريمَ قال لأصحابِه: أيُّكم يَنْتَدِبُ فيُلْقَى عليه شبَهى فيُقْتَلَ؟ فقال رجلٌ من أصحابِه: أنا يا نبيَّ اللهِ، فأُلقِى عليه شبهُه فقُتِل، ورفَع اللهُ نبيَّه

стр. 5223

إليه. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو (١)، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿شُبِّهَ لَهُمْ﴾. قال: صلَبوا رجلًا غيرَ عيسى يحسَبونه إيَّاه (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾. فذكَر مثلَه (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: صلَبوا رجلًا شبَّهوه بعيسى، يحسَبونه إيَّاه، ورفَع اللهُ إليه عيسى ﵇ حيًّا (٣). قال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى هذه الأقوالِ بالصوابِ أحدُ القولين اللَّذَين ذكَرناهما عن وهبِ بنِ مُنَبِّهٍ، من أن شبَهَ عيسى أُلقِى على جميعِ مَن كان في البيتِ مع عيسى حينَ أُحِيط به وبهم، من غيرِ مسألةِ عيسى إيَّاهم ذلك، ولكن ليُخْزِيَ اللهُ بذلك اليهودَ، وينقِذَ به نبيَّه ﵇ من مكروهِ ما أرادوا به من القتلِ، ويبتليَ به مَن أراد ابتلاءَه من عبادهِ، في قيلِه في عيسى، وصِدْقِ الخبرِ عن أمرِه - أو (٤) القولُ الذى رواه [عبدُ العزيزِ] (٥) عنه.

стр. 5224

وإنما قلنا: ذلك أَوْلَى القولَين بالصوابِ؛ لأن الذين شهِدوا عيسى من الحواريِّين لو كانوا في حالِ ما رُفِع عيسى، وأُلْقِى شبهُه على مَن أُلْقِى عليه شبهُه، كانوا قد عايَنوا عيسى وهو يُرْفَعُ من بينِهم، وأثبَتوا الذى أُلْقِى عليه شبهُه، وعاينوه متحوِّلًا في صورتِه بعدَ الذي كان به من صورةِ نفسِه بمحضَرٍ منهم - لم يَحْفَ ذلك مِن أمرِ عيسى (١)، وأمرِ مَن أُلْقِى عليه شبهُه عليهم، مع معاينتِهم ذلك كلَّه، ولم يلتبسْ عليهم ولم يُشكل عليهم، وإن أشكل على غيرهم من أعدائهم من اليهود أن المقتولَ والمصلوبَ كان غيرَ عيسى، وأن عيسى رُفِع من بينِهم حيًّا، وكيف يجوزُ أن يكونَ كان أَشْكَل ذلك عليهم، وقد سمِعوا من عيسى مقالتَه: من يُلْقى عليه شبهى، ويكونَ رفيقى فى الجنةِ؟ إن كان قال لهم ذلك، وسمِعوا جوابَ مجيبِه منهم: أنا (٢). وعاينوا تحوُّلَ المجيبِ فى صورةِ عيسى بعَقِبِ جوابِه، ولكنّ ذلك كان إن شاء اللهُ على نحوِ ما وصَف وهبُ بنُ منبهٍ، إما أن يكونَ القومُ الذين كانوا مع عيسى في البيتِ الذى رُفِع منه من حواريِّه، حولَّهم اللهُ جميعًا في صورةِ عيسى حينَ أراد اللهُ رفعَه، فلم يَثَّبّتوا عيسى معرفةً بعينِه من غيرِه؛ لتشابهِ صُوَرٍ جميعِهم، فقتلت اليهودُ منهم مَن قتَلت، وهم يَرَونه بصورةِ عيسى، ويحسَبونه إيَّاه؛ لأنهم كانوا به عارفين قبلَ ذلك، وظنَّ الذين كانوا فى البيتِ مع عيسى، مثلَ الذي ظنَّت اليهودُ؛ لأنهم لم يُميِّزوا شخصَ عيسى من شخصِ غيرِه، لتشابِه شخصِه وشخصِ غيرِه، ممن كان معه فى البيتِ، فاتَّفَق جميعُهم -أعنى اليهودَ والنصارى مِن أجلِ ذلك- على أن المقتولَ كان عيسى، ولم يكنْ، ولكن شُبِّه لهم، كما قال اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾، أو [يكونُ الأمرُ] (٣) في ذلك كان

стр. 5225

على نحوِ ما روى عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ، عن وهبِ بن منبهٍ، أن القومَ الذين كانوا مع عيسى في البيتِ تفرَّقوا عنه قبلَ أن يدخُلَ عليه اليهودُ، وبَقِى عيسى، وأُلْقِى شبهُه على بعضِ أصحابِه الذين كانوا معه فى البيتِ بعدَما تفرَّقَ القومُ [عنه -وبقي عيسى- غيرَ الذي] (١) أُلْقِى عليه شبهُه، ورُفِع عيسى، فقُتِل (٢) الذي تحوَّل في صورةِ عيسى من أصحابِه، وظنَّ أصحابُه واليهودُ أن الذى قُتِل وصُلِب هو عيسى؛ لِمَا رَأَوْا من شبهِه به، وخفاءِ أمرِ عيسى عليهم؛ لأنّ رفعه وتحوُّلَ المقتولِ في صورتِه، كان بعد تفرُّقِ أصحابِه عنه، وقد كانوا سمِعوا عيسى من الليلِ يَنْعَى نفسَه، ويحزَنُ لما قد ظنَّ أنه نازلٌ به من الموتِ، فحكَوا ما كان عندَهم حقًّا، والأمرُ عندَ اللهِ في الحقيقةِ بخلافِ ما حكَوا، فلم يستحقَّ الذين حكوا ذلك مِن حواريِّيه أن يكونوا كَذَبةً؛ إذ (٣) حكَوا ما كان حقًّا عندَهم فى الظاهرِ، وإن كان الأمرُ عندَ اللهِ فيد الحقيقةِ بخلافِ الذى حكَوا (٤). القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧)﴾. قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ، ﵀: يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾. اليهودَ الذين أحاطوا بعيسى وأصحابِه حينَ أرادوا قتلَه. وذلك أنهم كانوا قد عرَفوا عِدَّةَ مَن فى البيتِ قبلَ دخولِهم، فيما ذُكر، فلما دخَلوا عليهم (٥)، فقَدوا واحدًا منهم، فالْتَبس أمرُ عيسى عليهم بفقدِهم واحدًا من العِدَّةِ التي كانوا

стр. 5226

قد أَحْصَوها، وقتلوا من قتلوا على شكٍّ منهم في أمرِ عيسى. وهذا التأويلُ على قولِ مَن قال: لم يفارقِ الحواريُّون عيسى حتى رُفِع ودخَل عليهم اليهودُ. وأما تأويلُه على قولِ مَن قال: تفرَّقوا عنه من الليلِ. فإنه: ﴿وَإِنَّ (١) الَّذِينَ اخْتَلَفُوا﴾ في عيسى، هل هو الذى بَقِى فى البيتِ منهم بعدَ خروجِ مَن خرَج منهم من العِدَّةِ التي كانت فيه أم لا؟ ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾. يعنى: من قتلِه؛ لأنهم كانوا أَحْصَوا من العِدَّةِ حين دخَلوا البيتَ أكثرَ ممن خرَج منه ومَن وُجِد فيه، فشكُّوا في الذي قتَلوه هل هو عيسى أم لا؟ من أجلِ فقدِهم مَن فقَدوا من [العِدَّةِ التى كانوا أحصَوها] (٢)، ولكنهم قالوا: قتلنا عيسى. لمشابهةِ المقتولِ عيسى في الصورةِ. يقولُ اللهُ: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾. يعنى: أنهم قتَلوا مَن قتَلوه على شكٍّ منهم فيه واختلافٍ، هل هو عيسى أم هو غيرُه؟ من غيرِ أن يكونَ لهم بمن قتلوه علمٌ، مَن هو؟ أهو عيسى أم هو غيرُه؟ ﴿إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾. يعنى جلَّ ثناؤُه: ما كان لهم بمَن قتَلوه من علمٍ، ولكنهم اتَّبعوا ظنَّهم، فقتَلوه ظنًّا منهم أنه عيسى، وأنه الذي يريدون قتلَه، ولم يكنْ به. ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾. يقولُ: وما قتَلوا ظنَّهم (٣) الذي اتَّبَعوه في المقتولِ الذى قتَلوه -وهم يحسَبونه عيسى- يقينًا أنه عيسى ولا أنه غيرُه، ولكنهم كانوا منه على ظنٍّ وشبهةٍ. وهذا كقولِ القائلِ (٤) للرجلِ: ما قتلتُ هذا الأمرَ علمًا. وما قتلتُه يقينًا. إذا

стр. 5227

تكلَّم فيه بالظنِّ على غيرِ يقينِ (١) علمٍ. فالهاءُ في قولِه: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ﴾. عائدةٌ على الظنِّ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾. قال: يعنى: ولم يقتُلوا ظنَّهم يقينًا (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا يَعْلَى بْنُ عُبيدٍ، عن جُوَيبرٍ في قولِه: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾. قال: ما قتَلوا ظنَّهم يقينًا (٣). وقال السُّديُّ فى ذلك، ما حدَّثني به محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثني أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾: وما قتلوا أمرَه يقينًا أن الرجلَ هو عيسى، بل رفَعه اللهُ إليه (٣). القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨)﴾. قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ، ﵀: وأما قولُه: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾. فإنه يعنى: بل رفَع اللهُ المسيحَ إليه، يقولُ: لم يقتُلوه ولم يصلِبوه، ولكنَّ اللهُ رفَعه إليه، فطهَّره من الذين كفَروا.

стр. 5228

وقد بيَّنا كيف كان رَفْعُ اللهِ إياه إليه (١) فيما مضى، وذكَرنا اختلافَ المختلِفين في ذلك، والصحيحَ من القولِ فيه، بالأدلةِ الشاهدةِ على صحتِه، بما أغنى عن إعادتِه (٢). وأما قولُه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾. فإنه يعنى: ولم يزلِ اللهُ منتقِمًا من أعدائِه، كانتقامِه من الذين أخَذَتْهم الصاعقةُ بظلمِهم، وكلعنِه الذين قصَّ قصتَهم بقولِه: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾. ﴿حَكِيمًا﴾. يقولُ: ذا حكمةٍ في تدبيرِه وتصريفِه خلقَه في قضائِه، يقولُ: فاحْذَروا -أيُّها السائلون محمدًا أن يُنَزِّلَ عليكم كتابًا من السماءِ- من حلولِ عقوبتي بكم، كما حلَّ بأوائلِكم الذين فعَلوا فعلكم فى تكذيبِهم (٣) رسلي، وافترائِهم على أوليائي. وقد حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ (٤) بنِ أبي سارةَ الرُّؤَاسيُّ، عن الأعمشِ، عن المِنْهالِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه (٥): ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾. قال: معنى ذلك: أنه كذلك (٦). القولُ في تأويلِ قوله جل ثناؤُه: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾.

стр. 5229

قال أبو جعفرٍ: اخْتَلف أهلُ التأويلِ فى معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾. يعني بعيسي، ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾، يعني: قبلَ موتِ عيسى. يُوجِّهُ ذلك إلى أن جميعَهم يصدِّقون به إذا نزَل لقتلِ الدجَّالِ، فتصيرُ المللُ كلُّها واحدةً، وهى ملةُ الإسلامِ الحنيفيةُ، دينُ إبراهيمَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي حَصِينٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. قال: قبل (١) موتِ عيسى ابنِ مريمَ (٢). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن أبي حَصينٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. قال: قبلَ موتِ عيسى (٣). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا حُصينٌ، عن أبى

стр. 5230

مالكٍ في قولِه: ﴿إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. قال: ذلك (١) عندَ نزولِ عيسى ابنِ مريم، لا يَبْقَى أحدٌ من أهلِ الكتابِ إلا [يؤمنُ به] (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجَّاجُ بنُ المنهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن حُميدٍ، عن الحسنِ، قال: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. قال: قبلَ أن يموتَ عيسى (٣). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أبى رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾، قال: قبلَ موت عيسى، واللهِ إنه الآن لحيٌّ عندَ اللهِ، ولكنه إذا نزَل آمَنوا به أجمعون (٤). حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. يقولُ: قبلَ موتِ عيسى (٥). [حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. قال: قبلَ موتِ عيسى، إذا نزَل آمنت به الأديانُ كلُّها] (٦). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ ابن أنسٍ، عن الحسنِ، قال: قبلَ موتِ عيسى.

стр. 5231

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن عوفٍ، عن الحسنِ: ﴿إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. قال: عيسى، ولم يمتْ بعدُ. حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عمرانُ بن عُبينةَ، عن حُصينٍ، عن أبي مالكٍ، قال: لا يَبْقَى أحدٌ منهم عندَ نزولِ عيسى إلا آمن به (١). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن حُصينٍ، عن أبي مالكٍ، قال: قبلَ موتِ عيسى. حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. قال: إذا نزَل عيسى ابنُ مريمَ، فقتَل الدجَّالَ، لم يَبْقَ يهوديٌّ فى الأرضِ إلا آمن به. قال: فذلك حينَ لا ينفَعُهم الإيمانُ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. يعنى: أنه سيُدرِكُ أناسٌ من أهلِ الكتابِ حينَ يُبْعَثُ عيسي، سيؤمنون (٣) به، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ (٤). حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورِ ابنِ زاذانَ، عن الحسنِ، أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ

стр. 5232

بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ (١). أظنُّه أنا (٢) قال: إذا خرَج عيسى آمنت به اليهودُ. وقال آخرون: معنى ذلك: وإن من أهلِ الكتابِ إلا (٣) ليُؤمننَّ بعيسى قبلَ موتِ الكتابيِّ. يُوجِّهُ (٤) ذلك إلى أنه إذا عاين علِمَ الحقَّ من الباطلِ؛ لأن كلَّ مَن نزَل به الموتُ لم تخرُجْ نفسُه حتى يتبيَّنَ له الحقُّ من الباطلِ في دينِه. [ذكرُ من قال ذلك] (٥) حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. قال: لا يموتُ يهوديٌّ حتى يؤمنَ بعيسى. حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال (٦): ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. قال: لا تخرُجُ نفسُه حتى يؤمنَ بعيسى، وإن غرِق أو تردَّى من حائطٍ، أو (٧) أيُّ مِيتةٍ كانت (٨). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. قال: كلُّ صاحبِ كتابٍ

стр. 5233

ليُؤمننَّ ﴿بِهِ﴾: بعيسى، ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾: موتِ (١) صاحبِ الكتابِ (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾: كلُّ صاحبِ كتابٍ يُؤْمِنُ بعيسى، ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. موتِ صاحبِ الكتابِ. قال ابنُ عباسٍ: لو ضُرِبت عنقُه، لم تخرُجْ لم تخرُجْ نفسُه حتى يؤمِنَ بعيسى. حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا أبو تُمَيلةَ يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن يزيدَ النحويِّ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لا يموتُ اليهوديُّ حتى يشهَدَ أن عيسى عبدُ اللهِ ورسولُه، ولو عُجِّل عليه بالسلاحِ (٣). حدَّثني إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بن حَبيبِ بنِ الشهيدِ، قال: ثنا عتَّابُ بنُ بشيرٍ، عن خُصَيفٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. قال: هى فى قراءةِ أُبيٍّ: (قبلَ موتِهم) (٤): ليس يهوديٌّ يموتُ أبدًا حتى يؤمنَ بعيسى. قيل لابنِ عباسٍ: أرأيتَ إن خرَّ من فوقِ بيتٍ؟ قال: يتكلَّمُ به في الهُوِيِّ (٥). فقيل: أرأيت إن ضُرِبت عنقُ أحدٍ منهم؟ قال: يُلجْلِجُ (٦) بها لسانُه (٧). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو نُعيمٍ الفضلُ بنُ دُكينٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن خُصَيفٍ،

стр. 5234

عن عكرمةَ (١)، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. قال: لا يموتُ يهوديٌّ حتى يؤمنَ بعيسى ابنِ مريمَ. [قال: وإن ضُرِب بالسيفِ تكلَّم به. قال: وإِنْ هوَى تكلَّم] (٢) به وهو يَهوِى (٣). [حدَّثنا ابنُ المثنى] (٤)، قال: ثنى محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي هارونَ الغَنَويِّ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. قال: لو أن يهوديًّا وقَع من فوقِ هذا البيتِ لم يمتْ حتى يؤمنَ به. يعني بعيسى (٥). حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنى عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، عن مولًى لقريشٍ (٦)، قال: سمِعتُ عكرمةَ يقولُ: لو وقَع يهوديٌّ من فوقِ القَصْرِ، لم يبلُغْ إلى الأرضِ حتى يؤمنَ بعيسى. حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي هاشمٍ الرُّمَّاتيِّ، عن مجاهدٍ: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. قال: وإن وقَع من فوقِ البيتِ، لا يموتُ حتى يؤمنَ به (٧).

стр. 5235

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عمرِو بنِ أبي قَيْسٍ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. قال: لا يموتُ رجلٌ من أهلِ الكتابِ حتى يؤمنَ به، وإن غرِق أو تردَّى أو مات بشيءٍ (١). حدَّثني يعقوب بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. قال: لا تخرُجُ نفسُه حتى يؤمِنَ به (٢). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن حُصَيفٍ، عن عكرمةَ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. قال: لا يموتُ أحدُهم حتى يؤمنَ به -يعني بعيسى- وإن خرَّ مِن فوقِ بيتٍ، يُؤمِنُ به وهو يَهْوِى. حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن جُويبرٍ، عن الضحَّاكِ، قال: ليس أحدٌ من اليهودِ يخرُجُ من الدنيا حتى يؤمنَ بعيسى. حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن فُراتٍ القزَّازِ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. قال: لا يموتُ أحدٌ منهم حتى يُؤمنَ بعيسى. [يعنى اليهودَ والنصارى (٣). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا إسرائيلُ، عن فُراتٍ القزّازِ، عن الحسنِ فى قولِه: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. قال: لا يموتُ أحدٌ منهم حتى يؤمنَ بعيسى] (٤) قبلَ أن يموتَ (٥).

стр. 5236

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا الحَكَمُ بنُ عطيةَ، عن محمدِ ابنِ سيرينَ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. قال: موت الرجلِ من أهلِ الكتابِ. حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. قال: قال ابنُ عباسٍ: ليس من يهوديٍّ (١) يموتُ حتى يؤمنَ بعيسى ابن مريمَ. فقال له رجلٌ من أصحابِه: كيف والرجلُ يغرَقُ، أو يحترقُ، أو يسقطُ عليه الجدارُ، أو يأكلُه السَّبُعُ؟ فقال: لا تخرُجُ روحُه من جسدِه حتى يُقْذَفَ فيه الإيمانُ بعيسى. حُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفَرَجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. قال: فلا يموتُ أحدٌ من اليهودِ حتى يشهَدَ أن عيسى رسولُ اللهِ. حدَّثني المثنى (٢)، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا يَعْلَى، عن جُويبرٍ في قولِه: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. قال: [في قراءةِ] (٣) أُبيٍّ: (قبلَ موتِهم). وقال آخرون: معنى ذلك: وإنْ من أهلِ الكتابِ إلا ليؤمنَنَّ بمحمدٍ ﷺ قبلَ موتِ الكتابيِّ.

стр. 5237

ذكرُ من قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجَّاجُ بنُ المنهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن حُميدٍ، قال: قال عكرمةُ: لا يموتُ النصرانيُّ واليهوديُّ حتى يؤمنَ بمحمدٍ ﷺ . يعني في قولِه: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. وأَوْلَى هذه الأقوالِ بالصوابِ (١) قولُ من قال: تأويلُ ذلك: وإنْ من أهل الكتابِ إلَّا ليؤمنَنَّ بعيسى قبلَ موتِ عيسى. وإنما قلنا: ذلك أَوْلَى بالصوابِ من غيرِه من الأقوالِ؛ لأنَّ الله حكَم لكلٍّ مؤمنٍ بمحمدٍ ﷺ بحكمِ أهلِ الإيمانِ في الموارثةِ، والصلاةِ عليه، والحاقِ صغارِ أولادِه بحُكْمِه في الملةِ، فلو كان كلُّ كتابيٍّ يُؤْمِنُ بعيسى [قبلَ موتِه] (٢)، لوجب أن لا يرِثَ (٣) الكتابيَّ إذا مات على ملتِه إلا أولادُه الصغارُ، أو (٤) البالغون منهم من أهلِ الإسلامِ، إن (٥) كان له ولدٌ صغيرٌ، أو بالغٌ مسلمٌ، وإن لم يكنْ له ولدٌ صغيرٌ، ولا بالغٌ مسلمٌ، [أن يكونَ] (٦) ميراثُه منصرِفًا (٧) حيثُ [يَنصرِفُ] (٨) إليه مالُ المسلمِ يموتُ ولا وارثَ له، [وأن يكونَ] (٩) حكمه حكمَ المسلمين في الصلاةِ عليه

стр. 5238

وغسلِه وتقبيرِه؛ لأنّ مَن مات مؤمنًا بعيسى، فقد مات مؤمنًا بمحمدٍ [وبجميعِ الرسلِ] (١)، وذلك أن عيسى صلواتُ اللهِ عليه جاء بتصديقِ محمدٍ وجميعِ المرسلين صلى اللهُ عليهم، فالمصدِّقُ فالمصدِّقُ بعيسى والمؤمنُ به مصدِّقٌ وبجميعِ أنبياءِ اللهِ ورسلِه، [كما أن المؤمنَ] (٢) بمحمدٍ مؤمنٌ بعيسى وبجميعِ أنبياءِ اللهِ ورسلِه، فغيرُ جائزٍ أن يكونَ مؤمنًا بعيسى من كان بمحمدٍ مكذِّبًا. فإن ظنَّ ظانٌّ أن معنى إيمانِ اليهوديِّ بعيسى (٣) الذي ذكَره اللهُ في قولِه: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. إنما هو إقرارُه بأنه للهِ نبيٌّ مبعوثٌ، دونَ تصديقِه بجميعِ ما أتَى به من عندِ اللهِ. فقد ظنَّ خطأً، وذلك أنه غيرُ جائزٍ أن يكونَ منسوبًا إلى الإقرارِ بنبوةِ نبيٍّ، من كان له مكذِّبًا في بعضِ ما جاء به من وحي اللهِ وتنزيلِه، بل غيرُ جائزٍ أن يكونَ منسوبًا إلى الإقرارِ بنبوةِ أحدٍ من أنبياءِ اللهِ؛ لأن الأنبياءَ جاءت الأممَ بتصديقِ جميعِ أنبياءِ اللهِ ورسلِه، فالمكذِّبُ بعضَ أنبياءِ اللهِ [في بعضِ ما] (٤) أَتَى به أمتَه من عندِ اللهِ، مكذِّبٌ جميعَ أنبياءِ اللهِ فيما دَعَوْا إليه من دينِ اللهِ (٥) عبادَ اللهِ. وإذ كان ذلك كذلك، و [كان] (٦) الجميعُ من أهلِ الإسلامِ مُجمعين (٥) على أن كلَّ كتابيٍّ مات قبلَ إقرارِه بمحمدٍ صلواتُ اللهِ عليه وما جاء به من عند الله، فمحكوم له بحكم الملة التى كان عليها أيام حياته، غير منقول شيءٌ

стр. 5239

من أحكامِه فى نفسِه ومالِه وولدِه صغارِهم وكبارِهم، بموتِه عما كان عليه في حياتِه - أدلّ الدليلِ على أن معنى قولِ اللهِ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾. إنما معناه: إلا ليؤمنَنَّ بعيسى قبلَ موتِ عيسى. [وأن ذلك] (١) في خاصٍّ من أهلِ الكتابِ، ومعنيٌّ به أهلُ زمانٍ منهم دونَ أهلِ كلِّ الأزمنةِ التي كانت بعدَ عيسى، وأن ذلك كائنٌ عندَ نزولِه. كالذى حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ آدمَ، عن أبي هريرةَ، أن النبيَّ ﷺ ، قال: "الأنبياءُ إخوةٌ لِعَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهم شَتَّى ودينُهم واحدٌ، وإنِّى أَوْلَى الناسِ بعيسى ابنِ مريمَ؛ لأنَّه لم يكنْ بينى وبينَه نبيٌّ، وإنه نازلٌ، فإذا رأيتموه فاعْرِفُوه، فإنه رجلٌ مَرْبوعُ الخَلْقِ، إلى الحُمْرةِ والبياضِ، سَبْطُ الشَّعَرِ، كأنّ رأسَه يقطُرُ وإن لم يُصِبْهُ بِلَلٌ، بينَ مُمَصَّرَتَيْن (٢)، فيدُقُّ الصليب، ويقتُلُ الخِنْزيرَ، ويضعُ الجزيةَ، ويَفِيضُ (٣) المالُ، ويقاتلُ الناسَ على الإسلامِ حتى يُهلِكَ اللهُ فى زَمانِه المِلَلَ كلَّها غيرَ الإسلامِ، ويُهلِكَ اللهُ في زمانِه مسيحَ الضلالةِ الكذَّابَ الدجَّالَ، وتقَعُ الأَمَنةُ في الأرضِ في زمانِه، حتى ترتَعَ الأُسُودُ معَ الإبلِ، والنمورُ مع البَقَرِ، والذئابُ مع الغنمِ، وتلعَبُ الغِلمانُ والصِّبيانُ بالحيَّاتِ، لا يضُرُّ بعضُهم بعضًا، ثم يَلْبَثُ فى الأرضِ ما شاء اللهُ -وربما قال: أربعين سنةً- ثم يُتَوفَّى، ويُصلِّى عليه المسلمون ويَدْفِنونه" (٤). وأما الذي قال (٥): عنَى بقولِه: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾: ليؤمِنَنَّ

стр. 5240

بمحمدٍ ﷺ قبلَ موتِ الكتابيِّ. فما (١) لا وجهَ له مفهومٌ؛ لأنه مع فسادِه من الوجهِ الذى دلَّلنا على فسادِ قولِ من قال: عنى به: ليؤمنَنَّ بعيسى قبل موتِ الكتابيِّ. يَزيدُه (٢) فسادًا أنه لم يَجْرِ لمحمدٍ ﷺ في الآياتِ التي قبلَ ذلك ذكرٌ، فيجوزَ (٣) صرفُ الهاءِ التى فى قولِه: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾. إلى أنها من ذكرِه، وإنما قولُه: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾. في سياقِ ذكرِ عيسى وأمِّه واليهودِ، فغيرُ جائزٍ صرفُ الكلامِ عما هو في سياقِه إلى غيرِه، إلا بحجةٍ يجبُ التسليمُ لها، من دلالةِ ظاهرِ التنزيلِ، أو خبرٍ عن الرسولِ تقومُ به حجَّةٌ. فأما الدعاوَى فلا تتعذَّرُ على أحدٍ. فتأويلُ الآيةِ إذ كان الأمرُ على ما وصَفتُ (٤): وما من أهلِ الكتابِ إِلَّا مَن (٥) ليؤمنَنَّ (٦) بعيسى قبلَ موت عيسى. وحُذِف "مَنْ" بعدَ "إِلَّا" لدلالةِ الكلامِ عليه، فاسْتُغْنى بدلالتِه عن (٧) إظهارِه، كسائرِ ما قد تقدَّم من أمثالِه التي قد أتينا على البيانِ عنها. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾. قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرِ ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ويومَ القيامةِ يكونُ عيسى على أهلِ الكتابِ ﴿شَهِيدًا﴾. يعنى: شاهدًا عليهم بتكذيبِ مَن

стр. 5241

كذَّبه منهم، وتصديقٍ مَن صدَّقه منهم، فيما أتاهم به من عندِ اللهِ، وبإبلاغِه رسالةَ ربِّه. كالذي حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾: أنْ قد أبْلَغهم ما أُرسِل به إليهم. حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾. يقولُ: يكونُ عليهم شهيدًا يومَ القيامةِ، على أنه قد بلَّغ رسالةَ ربِّه، وأقرَّ بالعبوديةِ على نفسِه (١). القولُ في تأويلِ قوله جل ثناؤُه: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦١)﴾. قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: فحرَّمنا على اليهود الذين نقَضوا ميثاقَهم الذى واثقوا ربَّهم، وكفَروا بآياتِ اللهِ، وقتَلوا أنبياءَه (٢)، وقالوا البهتانَ على مريمَ، وفعَلوا ما وصفَهم اللهُ به في كتابِه -طيباتٍ من المآكلِ وغيرِها كانت لهم حلالًا؛ عقوبةً لهم بظلمِهم الذي أَخْبَر اللهُ عنهم في كتابِه. كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ الآية: عُوقب القومُ

стр. 5242

بظلمٍ ظلَموه، وبَغْيٍ بَغَوْه، حُرِّمت عليهم أشياءُ ببغيِهم وبظلمِهم (١). وقولُه: ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾. يعنى: وبصدِّهم عبادَ اللهِ عن دينِه وسبيلِه (٢) التي شرعَها (٣) لعبادِه صدًّا كثيرًا. وكان صدُّهم عن سبيلِ اللهِ بقولِهم على اللهِ الباطلَ، وادِّعائِهم أن ذلك عن اللهِ، وتبديلهم كتابَ اللهِ، وتحريفِ معانيه عن وجُوهِه. وكان من عظيمِ ذلك جحودُهم نبوةَ نبيِّنا محمدٍ ﷺ ، وتركُهم بيانَ ما قد علِموا من أمرِه لمن جهِل أمرَه من الناسِ. وبنحوِ ذلك كان مجاهدٌ يقولُ. حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾. قال: أنفسَهم وغيرَهم عن الحقِّ (٤). وقولُه: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا﴾. وهو أخذُهم ما أَفْضَلوا على رءوسِ أموالِهم؛ لفضلِ تأخيرٍ في الأجَلِ بعدَ مَحِلِّها. وقد بيَّنتُ معنى الرِّبا فيما مضى قبلُ، بما أغنى عن إعادتِه (٥). ﴿وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾. يعنى: عن أخذِ الرِّبا.

стр. 5243

وقولُه: ﴿وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾. يعنى: ما كانوا يأخُذون من الرِّشَا على الحُكْمِ، كما وصَفهم اللهُ به في قولِه: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٦٢]. وكان من أكلِهم أموالَ الناسِ بالباطلِ ما كانوا يأخُذون من أثمانِ الكتبِ التي كانوا يكتُبونها بأيديهم، ثم يقولون: هذا من عندِ اللهِ. وما أَشْبَهَ ذلك من المآكلِ الخسيسةِ (١) الخبيثةِ. فعاقبَهم اللهُ على جميعِ ذلك بتحريمِه ما حرَّم عليهم من الطيباتِ التي كانت لهم حلالًا قبلَ ذلك. وإنما وصَفهم اللهُ بأنهم أكَلوا ما أكَلوا من أموالِ الناسِ كذلك بالباطلِ؛ لأنهم (٢) أكَلوه بغيرِ استحقاقٍ، وأخَذوا أموالَهم منهم بغيرِ استيجابٍ (٣). وقولُه جل ثناؤُه: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. يعنى: وجَعَلنا للكافرين باللهِ ورسولِه محمدٍ ﷺ من هؤلاء اليهود العذابَ الأليمَ، وهو المُوجِعُ من عذابِ جهنمَ، عُدَّةً (٤) يصلَوْنها في الآخرةِ، إذا ورَدوا على ربِّهم، فيعاقبُهم بها. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (١٦٢)﴾. قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ، ﵀: وهذا من اللهِ جلَّ ثناؤُه استثناءٌ، اسْتَثنى من أهلِ الكتابِ من اليهودِ الذين وصَف صفتَهم في هذه الآياتِ التي مضَت من قولِه: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾.

стр. 5244

ثم قال جلَّ ثناؤُه لعبادِه مبيِّنًا لهم حكمَ مَن قد هداه لدينِه منهم منهم، ووفَّقه لرشدِه: ما كُلُّ أهلِ الكتابِ صفتُهم الصفةُ التى وَصفتُ لكم، ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾. وهم الذين قد رسَخوا فى العلمِ بأحكامِ اللهِ التي جاءت بها أنبياؤُه، وأَتْقَنوا (١) ذلك، وعرَفوا حقيقتَه. وقد بيَّنا معنى الرسوخِ فى العلمِ بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٢). ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ يعنى: والمؤمنون باللهِ ورسلِه منهم (٣)، يؤمِنون بالقرآنِ الذى أَنْزَل اللهُ إليك يا محمدُ، وبالكتبِ التى أَنْزَلها على مَن قبلَك من الأنبياءِ والرسلِ، ولا يسألُونك [ما سأَلك] (٤) هؤلاء الجَهَلَةُ منهم، أن تُنزِّلَ عليهم كتابًا من السماءِ؛ لأنهم قد علِموا بما قرَءوا من كتبِ اللهِ، وأتتْهم به أنبياؤُهم، [أنك للهِ] (٥) رسولٌ، واجبٌ عليهم اتباعُك، لا يَسعُهم غيرُ ذلك، فلا حاجةَ بهم إلى أن يسألُوك آيةً معجِزةً ولا دلالةً، غيَر الذى قد علِموه من أمرِك بالعلمِ الراسخِ في قلوبِهم، من إخبارِ أنبيائِهم إيَّاهم بذلك، وبما أعطيتُك من الأدلةِ على نبوّتِك، فهم لذلك من علمِهم ورسوخِهم فيه يُؤْمنون [بك و] (٦) بما أُنزِل إليك من الكتابِ، وبما أُنزل من قبلِك من سائرِ الكتبِ. كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾: اسْتَثنى اللهُ ثَنِيَّةً (٧) من أهلِ الكتابِ، وكان منهم من يؤمِنُ باللَّهِ وما أُنْزِل

стр. 5245

عليهم، وما أُنزِل على نبيٍ اللهِ، يؤمنون به، ويصدِّقون به، ويعلَمون أنه الحقُّ من ربَّهم (١). ثم اختلَفوا فى المقيمين الصلاةَ، أهم الراسخون في العلمِ أم (٢) غيرهم؟ فقال بعضُهم: هم هم، ثم اخْتَلف قائلو ذلك في سببِ مخالفةِ إعرابِهم إعرابَ الراسخين في العلمِ، وهما من صفةِ نوعٍ من الناسِ؛ فقال بعضُهم: ذلك غَلَطٌ من الكاتبِ، وإنما هو: لكنِ الراسخون في العلمِ منهم والمقيمون الصلاةَ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنى المثنى، قال: ثنا الحجَّاجُ بنُ المنهالِ، قال: ثنا حمادُ بنُ سَلَمَةَ، عن الزُّبيرِ، قال: قلت لأبانِ بنِ عثمانَ: بنِ عفانَ ما شأنها كُتِبت: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾. قال: إن الكاتبَ لما كتَب: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾. حتى إذا بلَغ، قال: ما أكتبُ؟ قيل له: اكتبْ: والمقيمن الصلاةَ. فكتَب ما قيل له (٣). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ (٤)، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، أنه سأل عائشةَ عن قولِه: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾. وعن قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾ [المائدة: ٦٩]. وعن قولِه: هذن ﴿إِنْ هَذَانِ

стр. 5246

لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣]. فقالت: يا بنَ أختى (١)، هذا عملُ الكُتَّابِ (٢) أَخْطئوا فى الكِتَابِ (٣). وذُكِر أن ذلك في قراءةِ ابنِ مسعودٍ: (والمقيمون الصلاةَ) (٤). وقال آخرون -وهو قولُ بعضِ (٥) بعض نحويِّى الكوفةِ والبصرةِ-: والمقيمون من صفةِ الراسخين في العلمِ. ولكنّ الكلامَ لما تطاوَل، واعْتَرَض بينَ الراسخين في العلمِ والمقيمين الصلاةَ ما اعْتَرَض من الكلامِ، فطال، نصَب المقيمين الصلاةَ على وجهِ المدحِ. قالوا: والعربُ تفعَلُ ذلك فى صفةِ الشيءِ الواحدِ ونعتِه، إذا تطاولت بمدحٍ أو ذمٍّ، خالفوا بينَ إعرابِ أوَّلِه وأوسطِه أحيانًا، ثم رجَعوا بآخرِه إلى إعرابِ أوَّلِه، وربما أَجْرَوا إعرابَ آخرِه على إعرابِ أوسطِه، وربما أَجْرَوا ذلك على نوعٍ واحدٍ من الإعرابِ. واسْتَشْهَدوا لقولِهم ذلك بالأبياتِ (٦) التي قد ذكرتُها فى

стр. 5247

قولِه: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ (١) [البقرة: ١٧٧]. وقال آخرون: بل المقيمون الصلاةَ من صفةِ غيرِ الراسخين فى العلمِ فى هذا الموضعِ، وإن كان الراسخون فى العلمِ من المقيمين الصلاةَ. وقال قائلو هذه المقالةِ جميعًا: موضعُ المقيمين فى الإعرابِ خفضٌ؛ فقال بعضُهم: موضعُه خفضٌ على العطفِ على "ما" التي فى قولِه: ﴿يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾: ويؤمنون بالمقيمين الصلاةَ. ثم اخْتَلَف متأوِّلو ذلك (٢) هذا التأويلَ فى معنى الكلامِ؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: والمؤمنون يؤمنون بما أُنزِل إليك وما أُنْزِل من قبلِك وبإقامِ الصلاةِ، قالوا: ثم ارْتَفع قولُه: ﴿وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾. عطفاً على ما فى ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ من ذكرِ المؤمنين. كأنه قيل: والمؤمنون يؤمنون بما أُنْزِل إليك هم (٣) والمؤتون الزكاةَ. وقال آخرون: بل المقيمون الصلاةَ الملائكةُ. قالوا: وإقامتُهم الصلاةَ تسبيحُهم ربَّهم، واستغفارُهم لمن فى الأرضِ. قالوا: ومعنى الكلامِ: والمؤمنون يؤمنون بما أُنْزِل إليك وما أُنْزِل من قبلِك وبالملائكةِ. وقال آخرون منهم: بل معنى ذلك: والمؤمنون يؤمنون بما أُنْزِلَ إليك وما أُنْزِل من قبلك، ويؤمنون بالمقيمين الصلاةَ، هم والمؤتون الزكاةَ. كما قال جلَّ ثناؤُه: ؤمن ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦١]. وأَنْكَر قائلو هذه المقالةِ أن يكونَ

стр. 5248

﴿وَالْمُقِيمِينَ﴾ منصوبًا على المدح. وقالوا: إنما تنصِبُ العربُ على المدح [من نعتِ] (١) مَن ذكَرتْه بعدَ تمامِ خبرِه. قالوا: وخبرُ الراسخين في العلمِ قولُه: ﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. قالوا: فغيرُ جائزٍ نصبُ ﴿وَالْمُقِيمِينَ﴾ على المدحِ وهم (٢) في وسَطِ الكلامِ، ولمّا يَتِمَّ خبرُ الابتداءِ. وقال آخرون: معنى ذلك: لكن الراسخون في العلمِ منهم ومن المقيمين الصلاةَ. وقالوا: موضع ﴿وَالْمُقِيمِينَ﴾ خفضٌ. وقال آخرون: معناه: والمؤمنون يؤمنون بما أُنْزِل إليك وإلى المقيمين الصلاةَ. وهذا الوجهُ و (٣) الذى قبلَه متكرَّةٌ (٤) عندَ العربِ، ولا تكادُ العربُ تعطِفُ بظاهرٍ (٥) على مكنىٍّ في حالِ الخفضِ، وإن كان ذلك قد جاء في بعضِ أشعارِها. وأولى الأقوالِ عندى بالصوابِ أن يكونَ ﴿وَالْمُقِيمِينَ﴾ في موضعِ خفضٍ، نَسَفًا على ﴿وَمَا﴾ التى فى قولِه (٦): ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾. وأن يُوجَّهَ معنى المقيمين الصلاةَ إلى الملائكةِ. فيكون تأويلُ الكلامِ: والمؤمنون منهم يؤمنون بما أُنزِل إليك يا محمدُ من الكتابِ، وبما أُنْزِل مِن قبلِك من كُتُبِي، وبالملائكةِ الذين يقيمون الصلاةَ. ثم يرجِعُ إلى صفةِ الراسخين في العلمِ فيقولُ: لكنِ الراسخون في العلمِ منهم والمؤمنون بالكتبِ والمؤتون الزكاةَ والمؤمنون باللهِ واليومِ الآخرِ.

стр. 5249

وإنما اخْتَرنا هذا القولَ على غيرِه؛ لأنه قد ذُكِر أن ذلك فى قراءةِ أُبىِّ بنِ كعبٍ: (والمقيمين) (١). وكذلك هو في مصحفِه [فيما ذكَروا] (٢)، فلو كان ذلك خطأً من الكاتبِ لكان الواجبُ أن يكونَ فى كل المصاحفِ غيرِ مصحفِنا الذى كتبَه لنا الكاتبُ الذى أَخْطَأ في كتابتِه (٣)، بخلافِ ما هو في مصحفِنا، وفي اتفاقِ مصحفِنا ومصحفِ أُبىٍّ فى ذلك، ما يدلُّ على أن الذى في مصحفِنا من ذلك صوابٌ غيرُ خطأٌ. مع أن ذلك لو كان خطأً مَن جهةِ الخطِّ، لم يكنِ الذين أُخِذ عنهم القرآنُ من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ يعلِّمون مَن علَّموا ذلك من المسلمين على وجهِ اللحنِ، ولأصلَحُوه بألسنَتِهم، ولقَّنوه الأُمَّةَ تعليمًا على وجهِ الصوابِ. وفى نقلِ المسلمين جميعًا ذلك قراءةً على ما هو به في الخطِّ مرسومًا، أدلُّ الدليلِ على صحةِ ذلك وصوابِه، وأن لا صُنْعَ في ذلك للكاتبِ. وأما مَن وجَّه ذلك إلى النصبِ على وجهِ المدحِ للراسخين في العلمِ، وإن كان ذلك قد يَحْتَمِلُ على بُعْدٍ من كلامِ العربِ؛ لما قد ذكرْتُ قبلُ من العلةِ، وهو أن العربَ لا تعدِلُ عن إعرابِ الاسمِ المنعوتِ بنعتٍ فى نعتِه إلا بعدَ تمامِ خبرِه، وكلامُ اللهِ أفصحُ الكلامِ، فغيرُ جائزٍ توجيهُه إلا (٤) إلى الذي هو به من الفصاحةِ. وأما توجيهُ مَن وجَّه ذلك إلى العطفِ به على (٥) الهاءِ والميم في قولِه: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾. أو إلى العطفِ على الكافِ من قولِه: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾. أو إلى الكافِ من قولِه: ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾. فإنه أبعدُ من الفصاحةِ

стр. 5250

من نصبِه على المدح؛ لما قد ذكَرتُ قبلُ من قُبْحِ ردِّ الظاهرِ على المكنىِّ في الخفضِ. وأما توجيهُ من وجَّةَ المقيمين إلى الإقامةِ، فإنه دَعْوَى لا برهانَ (١) عليها من دلالةِ ظاهرِ التنزيلِ، ولا خبرٍ تثبُتُ حجَّتُه، وغيرُ جائزٍ نقلُ ظاهرِ التنزيلِ إلى باطنٍ بغيرِ برهانٍ. وأما قوله: ﴿وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾. فإنه معطوفٌ على قولِه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ﴾. وهو من صفتِهم، وتأويلُه: والذين يعطُون زكاةَ أموالِهم مَن جعَلها اللهُ له، وصرَفها إليه، ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. يعنى: والمصدِّقون بوحدانيةِ اللهِ وألوهتِه (٢)، وبالبعثِ بعدَ المماتِ، والثوابِ والعقابِ، ﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. يقولُ: هؤلاء الذين هذه صفتُهم ﴿سَنُؤْتِيهِمْ﴾. يقولُ: سَنُعطيهم ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾. يعنى: جزاءً على ما كان منهم من طاعةِ اللهِ، واتِّباعِ أمرِه، وثوابًا عظيمًا وذلك الجنةُ. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣)﴾. قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ، ﵀: يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾: إنا أَرْسَلنا إليك يا محمدُ بالنبوَّةِ كما أَرْسَلَنا إلى نوحٍ وإلى سائرِ الأنبياءِ الذين سمَّيتُهم لك مِن بعدِه، والذين لم أُسمّهم لك. كما حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن الأعمشِ، عن مُنْذِرٍ الثورىِّ، عن

стр. 5251

الرَّبيع بن خُثَيم (١) فى قولِه: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾. قال: أَوْحَى اللهُ إليه كما أَوْحَى إلى جميعِ النبيِّين مِن قبلِه (٢). وذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت على رسولِ اللهِ ﷺ ؛ لأن بعضَ اليهودِ لما فضَحهم اللهُ بالآياتِ التى أَنْزَلها على رسولِه ﷺ ، وذلك من قولِه: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾. فتلا ذلك عليهم رسولُ اللهِ ﷺ قالوا (٣): ما أَنْزَل اللهُ على بشرٍ من شيءٍ من بعدِ موسى. فأَنْزَل اللهُ هذه الآياتِ تكذيبًا لهم، وأَخْبَر نبيَّه والمؤمنين به أنه قد أَنْزَل عليه بعدَ موسى، وعلى من سمَّاهم فى هذه الآيةِ، وعلى آخرِين لم يسمِّهم. كما حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بكيرٍ، وحدثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: ثني سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو عكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال سُكَينٌ [وعدىُّ بنُ زيدٍ] (٤): يا محمدُ، ما نعلَمُ اللَّهَ أَنْزَل على بشرٍ من شيءٍ بعدَ موسى. فَأَنْزَلَ اللَّهُ فى ذلك من قولِهما: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾. إلى آخرِ الآياتِ (٥).

стр. 5252

وقال آخرون: بل قالوا لما أنزل اللهُ جل ثناؤُه الآياتِ التي قبلَ هذه فى ذكرِهم: ما أنزل اللهُ على بشرٍ من شيءٍ، ولا على موسى، ولا على عيسى. فَأَنْزَل اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ (١) [الأنعام: ٩١]. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو مَعشرٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرْظىِّ، قال: أَنْزَل اللهُ: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾. إلى قولِه: ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾. فلما تلاها عليهم، يعنى على اليهودِ، وأَخْبَرهم بأعمالِهم الخبيثةِ، جحَدوا كلَّ ما أَنْزَلَ اللَّهُ، وقالوا: ما أنزل اللهُ على بشرٍ من شيءٍ، ولا على موسى، ولا على عيسى، وما أنزل اللهُ على نبىٍّ من شيءٍ. قال: فحلَّ حُبْوتَه (٢)، وقال: ولا على أحدٍ! فَأَنْزَل اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٣). وأما قولُه: اوود ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾. فإن القرَأةَ اخْتَلفت فى قراءتِه؛ فقرَأته عامةُ قرأَةِ أمصارِ الإسلامِ غيرَ نفرٍ من قرأَةِ الكوفِة: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾. بفتحِ الزاىِ على التوحيدِ، بمعنى: وآتينا داودَ الكتابَ المسمَّى زبورًا. وقرأ ذلك بعضُ قرأَةِ الكوفيين: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾. بضمِّ الزاىِ (٤)، جمعُ

стр. 5253

زَبْرٍ. كأنهم وجَّهوا تأويلَه: وآتينا داودَ كتبًا وصحفًا مَزبورةً. من قولِهم: زَبَرْتُ الكتابَ أَزْبُرُه زَبُرًا، وزَبَرْتُه أَزْبِرُه زَبْرًا: إذا كتبتَه. وأَوْلَى القراءتين فى ذلك بالصوابِ عندَنا قراءةُ مَن قرأ: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾. بفتح الزاىِ على أنه اسمُ الكتابِ الذى أُوتيَه داودُ، كما سُمِّى الكتابُ الذى أُوتيَه موسى التوراةَ، والذى أُوتيَه عيسى الإنجيلَ، والذي أُوتيَه محمدٌ الفرقانَ؛ لأن ذلك هو الاسمُ المعروفُ به ما أُوتىَ داودُ. إنما تقولُ العربُ: زَبورُ داودَ. بذلك يعرِفُ كتابَه سائرُ الأممِ. القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾. قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ، ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: إنا أَوْحَينا إليك كما أوحينا إلى نوحٍ وإلى رسلٍ قد قصَصناهم عليك، ورسلٍ (١) لم نقصُصْهم عليك. فلعل قائلاً أن يقولَ: فإذا كان ذلك معناه، فما بالُ قولِه: ﴿وَرُسُلًا﴾. منصوبًا غيرَ (٢) مخفوضٍ؟ قيل: نُصِب ذلك إذ لم يَعُدْ عليه "إلى" التى خفَضت الأسماءَ قبلَه، وكانت الأسماءُ قبلَه (٣) وإن كانت مخفوضةً، فإنها فى معنى النصبِ؛ لأن معنى الكلامِ: إنا أرسلناك رسولاً كما أرسلنا نوحًا والنبيِّين من بعدِه. فعُطِفت الرسلُ على معنى الأسماءِ قبلَها فى الإعرابِ؛ لانقطاعِها عنها دونَ

стр. 5254

ألفاظِها، إذ لم يعُدْ (١) عليها ما خفَضها، كما قال الشاعرُ (٢): لو جِئْتَ بالخُبْزِ (٣) له مُنَشَّرَا (٤) … والبَيْضَ مَطْبُوحًا معا (٥) والشكَّرَا لم يُرْضِهِ ذلك حتى يَسْكَرَا (٦) وقد يَحتمِلُ أن يكونَ نصَب الرسلَ لتَعَلُّقِ الواوِ بالفعلِ، بمعنى: وقصَصنا رسلاً عليك من قبلُ. كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإنسان: ٣١]. وقد ذُكِر أن ذلك فى قراءةِ أُبَىٍّ: (ورسلٌ قد قصَصناهم عليك من قبلُ ورسلٌ لم نَقصُصْهم عليك) (٧). فرفْعُ ذلك إذا قُرِئ كذلك بعائدِ الذِّكْرِ فى قولِه: ﴿قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ﴾. وأما قولُه: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾. فإنه يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وخاطَب اللهُ موسى بكلامِه خطابًا. وقد حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا نوحُ بنُ أبى مريمَ (٨) وسُئل: كيف كلَّم اللهُ موسى تكليمًا؟ فقال: مشافهةً (٩). وقد حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن ابنِ مبارَكٍ، عن معمرٍ ويونسَ،

стр. 5255

عن الزهرىِّ، عن أبي بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشامٍ، قال: أخبرنى جُزَىُّ (١) بنُ جابرٍ الخَثْعَمىُّ، قال: سمِعتُ كعباً يقولُ: إن اللهَ لما كلَّم موسى، كلّمه بالألسنةِ كلِّها قبلَ كلامِه -يعنى كلامَ موسى- فجعَل موسى يقولُ: يا ربِّ، لا أفهَمُ. حتى كلَّمه بلسانِه آخرَ الألسنةِ، فقال: يا ربِّ، هكذا كلامُك؟ قال: لا، ولو سمِعتَ كلامي -أى على وجهِهِ- لم تكُ (٢) شيئًا (٣). قال ابنُ وكيعٍ (٤)، قال أبو أسامةَ: وزادني أبو بكرٍ الصَّغَانىُّ (٥) فى هذا الحديثِ: أن موسى قال: يا ربِّ، هل فى خلقِك شيءٌ يُشْبِهُ كلامَك؟ قال: لا، وأقربُ خلقِى (٦) شبهًا بكلامى، أشدُّ ما يسمَعُ الناسُ من الصواعقِ. حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن عمرَ (٧) بن حمزةَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ (٨)، قال: سمِعتُ محمدَ بنَ كعبٍ القُرَظىَّ يقولُ: سئِل موسى: ما شبَّهتَ كلامَ ربِّك مما خلَق؟ فقال موسى: الرعدُ الساكنُ (٩).
следующие страницы →