سُبَاطةَ قومٍ، فتوَضَّأ ومسَح على قدميه (١).
وما أشْبَهَ ذلك مِن الأخبارِ الدالةِ على أن المسحَ ببعضِ الرجلين في الوُضوءِ مُجْزِئٌ؟
قيل له: أما حديثُ أوسِ بن أبى أوسٍ فإنه لا دَلالة فيه على صحةِ ذلك، إذ لم يَكُن في الخبرِ الذي رُوِى عنه ذكر أنه رأَى النبيَّ ﷺ يتوَضَّأ بعد حدَثٍ يُوجِبُ عليه الوُضوءَ لصلاتِه، فمسَح على نعْلَيْه أو على قدميِه، وجائزٌ أن يَكونَ مَسْحُه على قدميه الذي ذكَره أوسٌ كان في وضوءٍ توَضَّأه مِن غيرِ حدثٍ كان منه وجَب عليه مِن أجلِه تَجْديدُ وُضوئه؛ لأن الروايةَ عنه ﷺ أنه كان إذا توَضَّأ لغيرِ حَدَثٍ كذلك يَفْعَلُ.
يَدُلُّ على ذلك ما حدَّثني محمدُ بنُ عُبيد المُحاربيُّ، قال: ثنا أبو مالكٍ الجَنْبيُّ، عن مسلمٍ، عن حَبَّةَ العُرَنيِّ، قال: رأيْتُ عليَّ بنَ أبي طالبٍ ﵁ شرِب في الرَّحَبةِ قائمًا، ثم توَضَّأ ومسَح على نعْلَيه، وقال: هذا وضوءُ مَن لم يُحْدِثُ، هكذا رأَيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ صنَع (٢).
فقد أنْبَأ هذا الخبرُ عن صحةِ ما قلْنا في معنى حديثِ أَوْسٍ.
فإن قال: فإن حديثَ أوْسٍ وإن كان مُحْتَمِلًا مِن المعنى ما قلت، فإنه مُحْتَمِلٌ أيضًا ما قاله مَن قال: إنه معنيٌّ به المسحُ على النعلين أو القدمين في وضوءٍ توَضَّأه رسولُ اللهِ ﷺ مِن حدثٍ.
قيل: أحسنُ حالاتِ الخبرِ ما حُمِّل (٣) ما قلتَ، إِن سُلِّم له ما ادَّعَى مِن احتمالِه
стр. 5497
ما ذكَر مِن المسحِ على القدمِ أو النعلِ بعد الحدَثِ، وإن كان ذلك غيرَ مُحْتَمِله عندَنا، إذ كان غيرَ جائزٍ أن تكونَ فرائضُ اللهِ وسننُ رسولِه ﷺ مُتَنافيةً مُتَعارضةً، وقد صحَّ عنه ﷺ الأمرُ بعمومِ غسلِ القدمين في الوُضوءِ بالماءِ بالنقلِ المُسْتَفِيضِ القاطعِ عذْرَ مَن انِتهى إليه وبلَغه. وإذا كان ذلك عنه صحيحًا، فغيرَ جائزٍ أن يكونَ صحيحًا عنه إباحةُ تركِ غسلِ بعضِ ما قد أوْجَب فرضًا غَسْلَه في حالٍ واحدةٍ ووقتٍ واحدٍ؛ لأن ذلك إيجابُ فرضٍ وإبْطالُه في حالِ واحدةٍ، وذلك عن أحكامِ اللهِ وأحكامِ رسولِه ﷺ مُنْتَفٍ.
غير أنا إذا سلَّمنا لمن ادَّعَى في حديثِ أوسٍ ما ادَّعَى - مِن احتمالِه مَسْحَ النبيِّ ﷺ على قدمِه في حالِ وضُوءٍ مِن حَدَثٍ، ففيه نبأٌ بالفَلَجِ عليه، فإنه لا حُجةَ له في ذلك - قلنا: فإذا كان مُحْتَمِلًا ما ادَّعَيْتَ، أَفَمُحْتَمِل هو ما قلْناه: إن ذلك كان مِن النبيِّ ﷺ في حالِ وُضوئه لا مِن حدثٍ؟
فإن قال: لا. ثبَتَت مُكابَرتُه؛ لأنه لا بيانَ في خبرِ أوسٍ أن النبيَّ ﷺ ما فعَل ذلك في وُضوءِ مِن حدَثٍ.
وإن قال: بل هو مُحْتَمِلٌ ما قلتَ، ومُحْتَمِلٌ ما قلْنا.
قيل له: فما البُرْهانُ على أن تأويلَك الذي ادَّعَيْتَ فيه أولى به مِن تأويلِنا؟ فلن يَدَّعِيَ برهانًا على صحة دَعْواه في ذلك إلا عُورِض بمثلِه في خلافِ دَعواه.
وأما حديثُ حُذيفةَ، فإن الثِّقاتِ الحُفَّاظَ مِن أصحابِ الأعمشِ حدَّثوا به عن الأعمشِ، عن أبي وائلٍ، عن حُذيفةَ، أن النبيَّ ﷺ أتى سُبَاطةَ قومٍ، فبال قائما، ثم توَضّأ ومسَح على خُفَّيْه.
حدَّثنا بذلك أحمدُ بنُ عَبْدةَ الضَّبِّيُّ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن الأعمشِ، عن أبي وائلٍ، عن حُذيفةَ، ح وحدَّثني المثنى، قال: ثنا ابنَ أبي عَدِيٍّ، عن شعبةَ، عن
стр. 5498
سُلَيمانَ، عن أبي وائلٍ، عن حُذيفةَ، ح وحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابن إدْريسَ، عن الأعمشِ، عن أبي وائلٍ، عن حُذيفةَ، ح وحدَّثني أبو السائبِ. قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن شَقيقٍ، عن حُذيفةَ، ح وحدَّثني عيسى بنُ عثمانَ بن عيسى الرَّمْلَيُّ، قال: ثنا [عمى يحيى بنُ عيسى] (١)، عن الأعمشِ، عن شَقيقٍ، عن حُذيفةَ، ح وحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن الأعمشِ، عن أبي وائلٍ، عن حُذيفةَ. وكلُّ هؤلاء يُحَدِّثُ ذلك عن الأعمشِ، بالإسنادِ الذي ذكَرْنا عن حُذيفةَ، أن النبيَّ ﷺ مسَح على خفَّيْه (٢)، وهم أصحابُ الأعمشِ، ولم يَنْقُلْ هذا الحديثَ عن الأعمشِ غيرُ جَريرِ بن حازمٍ، ولو لم يُخالِفْه في ذلك مخالفٌ لوجَب التثبُّتُ فيه؛ لشُذوذه، فكيف والثِّقاتُ مِن أصحابِ الأعمشِ يُخالفونه في روايتِه ما روَى مِن ذلك، ولو صحَّ ذلك عن النبيِّ ﷺ كان جائزًا أن يَكونَ مسَح على نعليه وهما ملْبُوسَتان فوقَ الجَوْرَبَيْن، وإذا جاز ذلك لم يَكُنْ لأحدٍ صرفُ الخبرِ إلى أحدِ المعانى المحتمِلها الخبرُ إلا بحجةٍ يَجِبُ التسليمُ لها.
القولُ في تأويلِ قوله: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾.
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في "الكعبِ"؛ فقال بعضُهم بما حدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ الغِفاريُّ، قال: ثنا أبو نُعَيْم، قال: ثنا القاسمُ بنُ الفضلِ الحُدَّانيُّ، قال: قال أبو جعفرٍ: أين "الكعبين" (٣) فقال القومُ: ههنا. فقال: هذا رأسُ الساقِ، ولكنَّ
стр. 5499
الكعبين هما عندَ المَفْصِلِ.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرنا أَشْهَبُ، قال: قال مالكٍ: الكعبُ الذي يَجِبُ الوُضوءَ إليه هو الكعبُ المُلْتَصِقُ بالساقِ المُحاذِى العَقِبَ، وليس بالظاهرِ في ظاهرِ القدمِ.
وقال آخَرون بما حدَّثنا الربيعُ، قال: قال الشافعيُّ: لم أَعْلَمْ مُخالِفًا في أن الكعبَيْن اللذين ذكَرَهما اللهُ في كتابِه في الوُضوءَ هما الناتئان، وهما مَجْمَعُ مَفْصِلِ الساقِ والقدمِ (١).
والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن الكعبَيْن هما العظمان اللذان في مَفْصِلِ الساقِ والقدمِ، تُسَمِّيهما العربُ المِنْجَمَيْن. وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ يقولُ: هما عظما الساقِ في طرفِها.
واخْتَلَف أهلُ العلمِ في وجوبِ غسلِهما في الوُضوءَ، وفي الحدِّ الذي يَنْبَغِي أن يَبْلُغَ بالغَسْلِ إليه مِن الرَّجْلين، نحوَ اختلافِهم في وجوبِ غسلِ المرفقَيْن، وفي الحدِّ الذي يَنْبَغِي أن يَبْلُغَ بالغَسْل إليه مِن اليدين. وقد ذكَرْنا ذلك ودلَّلنا على الصحيحِ مِن القولِ فيه بعِللِه فيما مضَى قبلُ بما أغْنَى عن إعادتِه (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾.
يعنى بقوله جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا﴾: وإن كنتم أصابَتْكم جَنابةٌ قبلَ أن تَقوموا إلى صلاتِكم فقمتُم إليها، ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾. يقولُ: فتَطَهَّرُوا بالاغْتسالِ منها قبلَ دخولِكم في صلاتِكم التي قمْتُم إليها.
стр. 5500
ووحَّد "الجنبَ" وهو خبرٌ عن الجميعِ؛ لأنه اسمٌ حَرَج مَخْرَجَ الفعلِ (١)، كما قيل: رجلٌ عَدْلٌ وقومٌ عَدْلٌ، ورجلٌ زَوْرٌ وقومٌ زَوْرٌ (٢). وما أشْبَهَ ذلك، لفظُ الواحدِ والجميعِ والاثنين والذكرِ والأُنثى فيه واحدٍ
يقالُ منه: أَجْنَب الرجلُ وجَنُب واجتَنَب، والفعلُ الجنابةُ والإجْنابُ.
وقد سُمِع في جمعِه أجنابٌ، وليس ذلك بالمُسْتَفِيضِ الفاشِي في كلامِ العربِ، بل الفصيحُ مِن كلامهمِ ما جاء به القرآنُ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾.
يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: وإن كنتم جَرْحَى أو مُجَدَّرِين (٣) وأنتم جنبٌ.
وقد بيَّنا أن ذلك كذلك فيما مضَى بما أغْنَى عن إعادتِه (٤).
وأما قولُه: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾. فإنه يقولُ: وإن كنتم مُسافِرِين وأنتم جنبٌ. ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾. يقولُ: أو جاء أحدُكم مِن الغائطِ بعدَ قضاءَ حاجتِه فيه وهو مسافرٌ. وإنما عنَى بذكرِ مَجيئِه منه قضاءَ حاجتِه فيه. ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾. يقولُ: أو جامَعْتُم النساءَ وأنتم مُسافِرون.
وقد ذكَرْنا اخْتِلافَ المختلفين فيما مضَى قبلُ في "اللمسِ"، وبيَّنا أوْلَى الأقْوالِ في ذلك بالصوابِ فيما مضَى بما أغْنَى عن إعادتِه (٥).
стр. 5501
فإن قال قائلٌ: وما وجهُ تَكْريرِ قولِه: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ (١) النِّسَاءَ﴾. إن كان معنى اللمسِ الجماعَ، وقد مضَى ذكرُ الواجبِ عليه بقولِه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾.
قيل: وجهُ تَكْريرِ ذلك أن المعنى الذي [ذكَرَه تعالى] (٢) مِن فرضِه بقولِه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾. غيرُ المعنى الذي ألْزَمه بقولِه: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ (١) النِّسَاءَ﴾. وذلك أنه بيَّن حكمَه في قولِه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾. إذا كان له السبيلُ إلى الماءِ الذي يُطَهِّرُه، ففَرَض (٣) عليه الاغْتِسالَ به، ثم بيَّن حكمه إذا أعْوَزه الماءُ فلم يَجْدْ إليه السبيلَ، وهو مُسافرٌ غيرُ مريضٍ مُقيمٍ، فأَعْلَمه أن التيممَ بالصعيدِ له حينَئذٍ الطَّهورُ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾: فإن لم تَجِدوا أيُّها المؤمنون إذا قمْتُم إلى الصلاةِ وأنتم مَرْضَى مُقيمون، أو على سفرٍ أصحَّاءُ، أو قد جاء أحدٌ منكم مِن قضاءِ حاجتِه، أو جامعَ أهلَه في سفرِه - ماءً، ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. يقولُ: فتعَمَّدوا واقْصِدوا وجهَ الأرضِ، ﴿طَيِّبًا﴾. يعنى: طاهرًا نظيفًا غير قَذِرٍ ولا نَجِسٍ، جائزًا لكم حلالًا. ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾. يقولُ: فاضْرِبوا بأيديكم الصَّعيدَ الذي تَيَمَّمْتُموه وتعَمَّدْتُموه بأيديكم، فامْسَحوا بوجوهِكم وأيديكم مما عَلِق بأيديكم ﴿مِنْهُ﴾. يعنى: مِن الصعيدِ
стр. 5502
الذي ضرَبْتُموه بأيديكم، مِن تُرابِه وغُبارِه.
وقد بيَّنا فيما مضى كيفيةَ "المسحِ بالوجوهِ والأيْدِى منه"، واخْتلافَ المختلفين "في ذلك، والقولَ في معنى "الصعيدِ" و "التيممِ"، ودلَّلْنا على الصحيحِ مِن القولِ في كلِّ ذلك بما أغْنَى عن تكريرِه في هذا الموضعِ (١).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾: ما يُرِيدُ اللهُ بما فرَض عليكم مِن الوُضوءَ إذا قمْتُم إلى صلاتِكم، والغُسْلِ مِنْ جَنابتِكم، والتيمُّم صعيدًا طيبًا عندَ عدمِكم الماءَ، ﴿لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾: ليُلْزِمَكم في دينِكم مِن ضِيقٍ، ولا لِيُعْنِتَكم فيه.
وبما قلْنا في معنى "الحرجِ" قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن خالدِ بن دينارٍ، عن أبي العاليةِ، وعن أبي مكينٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿مِنْ حَرَجٍ﴾. قالا: مِن ضيقٍ.
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿مِنْ حَرَجٍ﴾: مِن ضِيقٍ (٢).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه.
стр. 5503
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾: ولكنَّ اللَّهَ يُرِيدُ أن يُطَهِّرَكم بما فرَض عليكم مِن الوُضوءَ مِن الإحْداثِ، والغُسْلِ مِن الجنَابةِ، والتيممِ عنَد عدمِ الماءِ، فتُنظِّفوا وتُطَهِّروا بذلك أجْسامَكم مِن الذنوبِ.
كما حدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعدةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، قال: ثنا قَتادةُ، عن شهرِ بن حَوْشَبٍ، عن أبي أُمامةَ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "إن الوُضوءَ يُكَفِّرُ ما قبلَه، ثم تَصِيرُ الصلاةُ نافلةً". قال: قلتُ: أنت سمِعْتَ [ذلك مِن] (١) رسولِ اللهِ ﷺ ؟ قال: نعم، لا مرةً، ولا مرتين، ولا [ثلاثَ، ولا أربعَ، ولا خمسَ] (٢)(٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنى أبي، عن قتادةَ، عن شهرِ بن حوشبٍ، عن أبي أُمامةَ صُدَيِّ بن عَجْلانَ، عن رسولِ اللهِ ﷺ نحوَه (٤).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ ومحمدُ بنُ المثنى ويحيى بنَ داودَ الواسطيُّ، قالوا: ثنا إبراهيمُ بن يزيدَ [بن مَرْدانْبَه] (٥) القرشيُّ، قال: أَخْبَرَنَا رَقَبَةُ بنُ مَصْقَلَةَ العبديُّ (٦)، عن شِمْرِ بن عَطِيةَ، عن شهرِ بن حَوْشَب، عن أبي أُمامةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "مَن تَوَضَّأ فأَحْسَن الوُضوءَ، ثم قام إلى الصلاةِ، خرَجَت ذُنوبه مِن سمعِه وبصرِه ويديه
стр. 5504
ورحليه" (١).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا معاويةُ بنُ هشامٍ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن سالمِ بن أبي الجَعْدِ، عن كعبِ بن مُرَّةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "ما مِن رجلٍ يَتَوَضَّأُ فيَغْسِلُ [يَدَيْه، أو ذِرَاعيه، إلا خرَجت خطاياه منهما، فإذا غسَل وجْهَه خرَجَت خطاياه مِن وَجْهِه] (٢)، فإذا مسَح رأسَه خَرَجَت خَطاياه مِن رأسِه، وإذا غسَل رجليه خرَجَت خَطاياه مِن رجليه" (٣).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا حاتمٌ، عن محمدِ بن عَجْلانَ، عن أبي عُبيد مولى سليمانَ بن عبدِ الملكِ، عن عمرِو بن عَبَسةَ (٤)، أنه قال: سمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "إذا غسَل المؤمنُ كَفَّيه انْتَثَرت الخطايا مِن كفَّيه، وإذا تَمَضْمَض واسْتَنْشَق خَرَجَت خَطاياه مِن فيه ومَنْخَرَيْه، وإذا غسَل وجهه خَرَجَت مِن وجهِه حتى تَخْرُجَ مِن أشْفاِر عينيه، فإذا غسَل يديه خرَجَت مِن يديه، فإذا مسَح رأسَه وأُذنيه خرَجَت مِن رأسِه وأذنيه، فإذا غسَل رجليه خرَجَت حتى تَخْرُجَ مِن أظفارِ قدميه، فإذا انْتَهَى إلى ذلك مِن وُضوئِه كان ذلك حظَّه منه، فإن قام فصلَّى
стр. 5505
ركعتين مُقْبلًا فيهما بوجهه وقلبه على ربِّه، كان مِن خطاياه كيوم ولدته أمُّه" (١).
حدَّثنا أبو الوليد الدمشقيِّ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: أَخْبَرنى مالكُ بنُ أنسٍ، عن سُهَيْلِ بن أبي صالحٍ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "إذا توَضَّأ العبدُ المسلمُ، أو المؤمنُ، فغسَل وجَهه، خرَجَت مِن وجهِه كلُّ خَطيئةٍ نظرَ إليها بعينَيِه مع الماءِ، أو مع آخرِ قطرةٍ مِن الماءِ - أو نحوَ هذا - وإذا غسَل يديه خرَجَت مِن يديه كلُّ خَطيئةٍ بطَشَت بها يداه مع الماءِ، أو مع آخرِ قطرةٍ مِن الماءِ حتى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِن الذنوبِ" (٢).
حدَّثنا عِمْرانُ بنُ بَكَّارٍ الكَلَاعيُّ، قال: ثنا عليُّ بنُ عَيَّاشٍ، قال: ثنا أبو غَسَّانَ، قال: ثنا زيدُ بنُ أَسْلَمَ، عن حُمْرانَ مولى عثمانَ، قال: أَتَيْتُ عثمان بنَ عفانَ بوَضوءٍ وهو قاعدٌ، فتوَضَّأ ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: رَأَيْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ وُضوئى هذا، ثم قال: "مَن توضأ وضوئى هذا كان مِن ذنوبِه كيومِ ولدَتْه أمُّه، وكانت خُطاه إلى المساجدِ نافلةً" (٣).
وقولُه: ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾. فإنه يقولُ: ويُرِيدُ ربُّكم مع تطهيرِكم مِن ذنوبكم بطاعِتكم إياه فيما فرَض عليكم مِن الوُضوءَ والغُسْلِ إذا قمْتُم إلى الصلاةِ بالماءِ إن وجَدْتُموه، وتيممِكم إذا لم تَجِدوه - أن يُتِمَّ نعمتَه عليكم بإباحتِه لكم التيممَ، وتَصْييرِه لكم الصَّعيدِ الطيبَ طَهورًا، رُخْصةً منه لكم في ذلك، مع سائرِ
стр. 5506
نِعمه التي أنْعَم بها عليكم أيُّها المؤمنون، ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. يقولُ: تَشْكرون (١) الله على نعمِه التي أنْعَمَها عليكم بطاعتِكم إياه فيما أمَرَكم ونهاكم.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧)﴾.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ أَيُّها المؤمنون، بالعُقودِ التي عقَدتُموها للهِ على أنفسِكم، واذْكُروا نعمته عليكم في ذلكم، بأن هداكم مِن العقودِ لما فيه الرضا، ووفَّقكم لما فيه نَجاتُكم مِن الضَّلالةِ والرَّدَى، في نِعَمٍ غيرها جَمَّةٍ.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. قال: النِّعمُ آلاء الله (٢).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ مُجاهدٍ مثلَه.
وأما قولُه: ﴿وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ﴾. فإنه يعنى: واذْكُروا أيضًا أيُّها المؤمنون في نعمِ اللهِ التي أنعم عليكم مَيثاقَه الذي واثَقَكم به، وهو عهدُه الذي عاهَدَكم به.
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في "الميثاق" الذي ذكَره اللهُ في هذه الآيةِ، أيَّ مَواثيقِه عنَى؟ فقال بعضُهم: عنَى به ميثاقَ اللهِ الذي واثَق به المؤمنين مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ حين بايَعوا رسولَ اللهِ ﷺ على السمعِ والطاعةِ له فيما أحبُّوا وكرِهوا، والعملِ بكلِّ ما أمرَهم اللهُ به ورسولِه.
стр. 5507
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بن صالحٍ، قال: ثني مُعاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَ﴾ الآية. يعنى: حيثُ بعَث اللهُ النبيَّ ﷺ ، وأَنْزَل عليه الكتابَ، فقالوا: آمنَّا بالنبيِّ وبالكتابِ، وأقْرَرْنا بما في التوراةِ. فذكَّرَهم اللهُ ميثاقَه الذي أقَرُّوا به على أنفسِهم، وأمرَهم بالوفاءِ به (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾: فإنه أخذ ميثاقنا، فقلنا: سَمِعْنا وأطَعْنا. على الإيمانِ والإقْرارِ به وبرسوله (٢).
وقال آخَرون: بل عنَى به جلَّ ثناؤُه ميثاقَه الذي أخَذ على عبادِه حينَ أَخْرَجَهم مِن صُلْبِ آدمَ ﷺ ، وأشْهَدهم على أنفسِهم: ألسْتُ بربِّكم؟ فقالوا: بلى شهِدْنا.
ذكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ في قولِه: ﴿وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ﴾. قال: الذي واثَق به بني آدمَ في ظهرِ آدمَ (٣).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ نحوَه.
стр. 5508
وأولى الأقْوالِ بالصوابِ في تأويلِ ذلك قولُ ابن عباسٍ، وهو أن معناه: ﴿وَاذْكُرُوا﴾ أَيُّها المؤمنون ﴿نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ لتي أنعَمها عليكم بهدايتِه إياكم للإسلامِ، ﴿وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ﴾. يعنى: وعهدَه الذي عاهَدَكم به حين بايَعْتُم رسولَه محمدًا ﷺ على السمعِ والطاعةِ له في المَنِشَطِ والمَكْرَه، والعُسْرِ واليُسْرِ، ﴿إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا (١)﴾ ما قلْتَ لنا، وأخَذْتَ علينا مِن المَواثيقِ، وأطَعْناك فيما أمَرْتَنا به ونهَيْتَنا عنه. وأنْعَم عليكم أيضًا بتوفيقكم لقَبولِ ذلك منه بقولِكم له: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾. يقولُ: ففُوا لِلَّهِ أَيُّها المؤمنون بميثاقِه الذي واثَقَكم به، ونعمتِه التي أنْعَم عليكم في ذلك بإقرارِكم على أنفسِكم بالسمعِ له والطاعةِ فيما أمَرَكم به، وفيما نهاكم عنه، يَفِ لكم بما ضمِن لكم الوفاءَ به - إذا أنتم وفَيْتُم له بميثاقه - مِن إتمام نعمته عليكم، وبإدْخالِكم جنته وبإنعامكم بالخلود في دارِ كرامتِه، وإنقاذِكم مِن عقابِه وأليمِ عذابِه.
وإنما قلْنا: ذلك أولى بالصوابِ مِن قولِ مَن قال: عنَى به الميثاق الذي أخَذ عليهم في صُلْبِ آدمَ صلواتُ اللهِ عليه. لأن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه ذكَر بعَقِبِ تذكرةِ المؤمنين [ميثاقه الذي واثَقَهم به] (٢)، ميثاقَه الذي واثَق به أهلَ التَّوراةِ بعد ما أَنْزَل كتابَه على نبيِّه موسى ﷺ فيما أمرَهَم به ونهاهم فيها، فقال: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ الآيات بعدها [المائدة: ١٢، ١٣]. مُنَبِّهًا بذلك أصحاب رسولِ اللهِ ﷺ محمدٍ على مَواضعِ حُظوظِهم مِن الوَفاءِ للَّهِ بما عاهَدَهم عليه، ومُعَرِّفَهم سُوءَ عاقبةِ أهلِ الكتابِ في تَضْييعهم ما ضيَّعوا مِن ميثاقه الذي واثَقَهم به في أمرِه ونهيِه، وتَعْزيرِ أنبيائِه ورسلِه، زاجِرًا لهم عن نَكْثِ عُهودِهم، فيُحِلُّ بهم ما أحَلَّ بالناكِثين عهودَه مِن أهلِ الكتابِ قبلَهم.
стр. 5509
فكان - إذ كان الذي ذكَّرَهم فوَعَظهم به، ونهاهم عن أن يَرْكَبُوا مِن الفعلِ مثلَه، ميثاقَ قومِ أخَذ مَيثاقَهم بعدَ إرْسالِ الرسولِ إليهم، وإنْزالِ الكتابِ عليهم - واجبًا أن يَكونَ الحالُ التي أخَذ فيها الميثاقَ، والموعوظين، نظيرَ حالِ الذين وُعِظوا بهم. وإذا كان ذلك كذلك، كان بيِّنًا صحةُ ما قلْنا في ذلك وفسادُ خلافِه.
وأما قولُه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. فإنه وعيدٌ مِن اللهِ جلَّ اسمُه للمؤمنين كانوا (١) برسولِه ﷺ مِن أصحابِه، وتَهَدُّدٌ (٢) لهم أن يَنْقُضوا ميثاقَ اللهِ الذي واثَقَهم به في رسولِه، وعهدَهم الذي عاهَدوه فيه، بأن يُضْمروا له خلاف ما أبْدَوا له بألسنتهم.
يقولُ لهم جلَّ ثناؤُه: واتقوا الله أيُّها المؤمنون، فخافُوه أن تُبدِّلوا عهدَه، وتَنْقُضوا ميثاقَه الذي واثَقَكم به، أو تُخالِفوا ما ضمِنْتُم له بقولِكم: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾. بأن تُضْمِروا له غير الوَفاءِ بذلك في أنفسِكم، فإن اللَّهَ مُطَّلِعٌ على ضَمائرِ صُدورِكم، وعالمٌ بما تُخْفِيه نفوسكم، لا يَخْفَى عليه شيءٌ مِن ذلك، فيُحِلَّ بكم مِن عقوبته ما لا قِبَلَ لكم به، كالذى حلَّ بمَن قبلكم مِن اليهودِ مِن المَسْخِ وصُنوفِ النِّقَمِ، وتَصِيروا في مَعادِكم إلى سَخَطِ اللهِ وأليم عقابه.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: يا أَيُّها الذين آمَنوا باللهِ وبرسولِه محمدٍ، لِيَكُنْ مِن أخْلاقِكم وصِفاتِكم القيامُ اللهِ شُهداءَ بالعدلِ في أوليائِكم وأعدائِكم، ولا تَجُورُوا في أحْكامِكم وأفعالِكم، فتُجاوزوا ما حدَّدْتُ لكم في أعدائِكم لعَداوتهم لكم، ولا تُقَصِّروا فيما حدَّدْتُ لكم مِن أحكامي وحُدودى في أوليائِكم لولايتِهم لكم، ولكن
стр. 5510
انْتَهُوا في جميعِهم إلى حَدِّي، واعْمَلُوا فيه بأمْرِى.
وأما قوله: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾. فإنه يقولُ: ولا يَحْمِلَنَّكُم عَداوة قومٍ على ألا تَعْدِلُوا في حُكْمِكم فيهم، وسِيرتِكم بينَهم، فتَجُورُوا عليهم مِن أجلِ ما بينَكم وبينَهم مِن العَداوة.
وقد ذكَرْنا الرواية عن أهلِ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٣٥]. وفى قولِه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ [المائدة: ٢]. واختلافَ المختلفين في قراءةِ ذلك، والذي هو أولى بالصوابِ مِن القولِ فيه والقراءةِ بالأدلةِ الدالة على صحتِه بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (١).
وقد قيل: إن هذه الآيةَ نزَلَت على رسولِ اللهِ ﷺ حين همَّت اليهودُ بقتلِه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن عبدِ اللهِ بن كثيرٍ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾: نزَلَت في يهودَ حين (٢) أرادوا قتلَ النبيِّ ﷺ
وقال ابن جُريج: قال عبد الله بن كثير: ذهَب رسولُ اللَّهِ ﷺ إلى يهودَ يَسْتَعِينُهم (٣) في دية، فهمُّوا أن يَقْتُلوه، فذلك قولُه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ
стр. 5511
عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ الآية (١).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨)﴾.
يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿اعْدِلُوا﴾ أيُّها المؤمنون على كلِّ أحدٍ مِن الناسِ، وليًّا لكم كان أو عدوًّا، فاحْمِلوهم على ما أمَرْتُكم أن تَحْمِلوهم عليه مِن أحْكامي، ولا تَجُورُوا بأحدٍ منهم عنه.
وأما قولُه: ﴿هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ فإنه يعنى بقولِه: ﴿هُوَ﴾: العدلُ عليهم أقربُ لكم أيُّها المؤمنون إلى التقوى يعنى: إلى أن تكونوا عندَ اللَّهِ باسْتِعمالِكم إياه مِن أهلِ التقوى، وهم أهلُ الخوفِ والحذَرِ مِن اللهِ أن يُخالفوه في شيءٍ مِن أمره، أو يَأتوا شيئًا مِن مَعاصِيه.
وإنما وصَف جلَّ ثناؤه العَدْلَ بما وصَف به مِن أَنه ﴿أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ مِن الجَوْرِ؛ لأن مَن كان عادلًا، كان للهِ بعدلِه مُطيعًا، ومَن كان للَّهِ مُطيعًا، كان لا شكَّ مِن أهلِ التقوى، ومَن كان جائزًا، كان للهِ عاصيًا، ومَن كان للهِ عاصِيًا كان بعيدًا مِن تَقواه.
وإنما كنى بقولِه: ﴿هُوَ أَقْرَبُ﴾. عن الفعل (٢)، والعربُ تَكْنى عن الأفعالِ إذا كَنَتْ عنها بـ "هو" وبـ "ذلك"، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النحل: ٥٩]، و ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ (٣)﴾ ولو لم يَكُنْ في الكلامِ ﴿هُوَ﴾، لكان ﴿أَقْرَبُ﴾ نصبًا،
стр. 5512
ولقيل: اعْدِلوا أقْربَ للتقوى. كما قيل: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النساء: ١٧١].
وأما قولُه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. فإنه يعنى: واحْذَروا أيُّها المؤمنون أن تَجُورُوا في عباده، فتُجاوِزوا فيهم حكمه وقضاءه الذي بيَّن لكم، فيُحِلَّ بكم عقوبتَه، وتَسْتَوْجِبوا منه أليمَ نَكَالِه، ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: إن الله ذو خبرةٍ وعلمٍ بما تَعْمَلُون أَيُّها المؤمنون فيما أمَرَكم به، وفيما نهاكم عنه مِن عملٍ به أو خلافٍ له، مُخصٍ ذلكم عليكم كلَّه، حتى يُجازيكم به جزاءَكم؛ المحسنَ منكم بإحسانِه، والمُسيءَ بإساءته، فاتقوا الله (١) أن تُسِيئوا.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩)﴾.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: وعد اللهُ أيُّها الناسُ الذين صدَّقوا الله ورسولَه، وأقَرُّوا بما جاءَهم به مِن عند ربِّهم، وعمِلوا بما واثَقَهم اللهُ به، وأوْفَوْا بالعقود التي عاقَدَهم عليها بقولهم: لنَسْمَعَنَّ ولَنُطِيعَنَّ اللَّهَ ورسولَه. فسمِعوا أمرَ اللهِ ونهيَه، وأطاعوه فعمِلوا بما أَمَرَهم الله به، وانْتَهَوْا عما نهاهم عنه.
ويعنى بقولِه: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ لهؤلاء الذين وفَّوْا بالعقودِ والميثاقِ الذي واثَقَهم به ربُّهم، ﴿مَغْفِرَةٌ﴾، وهى سترُ ذنوبهمِ السالفةِ منهم عليهم، عليهم، وتَغْطيتَها بعفوِه لهم عنها، وتركِه عقوبتَهم عليها، وفضيحتَهم بها، ﴿وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. يقولُ: ولهم مع عفوه لهم عن ذنوبهم السالفة منهم جزاءً على أعمالِهم التي
стр. 5513
عمِلوها، ووفائِهم بالعقودِ التي عاقَدوا ربَّهم عليها أجرٌ عظيمٌ. والعظيمُ مِن خيرٍ غيرُ محدودٍ مبلغُه ولا يَعْرِفُ مُنتهاه غيرُه تعالى ذكره.
فإن قال قائلٌ: إن الله جلَّ ثناؤُه أخْبَر في هذه الآيةِ أنه وعَد الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ، ولم يُخْبِرْ بما وعَدَهم، فأين الخبر عن الموعودِ؟
قيل: بلى، إنه قد أخْبَر عن الموعودِ، والموعود هو قولُه: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
فإن قال (١): فإن قولَه: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ خبرٌ مبتدأٌ، ولو كان هو الموعودَ لَقيل: وعَد اللهُ الذين آمَنوا وعملوا الصالحاتِ مغفرةً وأجْرًا عظيمًا. ولم يَدْخُلْ في ذلك ﴿لَهُمْ﴾. وفى دخولِ ذلك فيه دلالةٌ على ابتداءِ الكلامِ وانقضاءِ الخبرِ عن الوعدِ.
قيل: إن ذلك وإن كان ظاهره ما ذكَرْتَ، فإنه مما اكتُفِى بدلالةِ ما ظهَر مِن الكلامِ على ما بطَن مِن معناه، مِن ذكر بعض قد تُرِك ذكره فيه. وذلك أن معنى الكلامِ: وعَد اللهُ الذين آمَنوا وعملوا الصالحاتِ أَن يَغْفِرَ لهم ويَأْجُرَهم أَجْرًا عَظِيمًا. لأن مِن شأن العربِ أن يُصْحِبوا الوعد "أن" (٢)؛ يُعْمِلوه فيها، فتُرِكَت "أن" إذ كان الوعدُ قولًا، ومن شأنِ القولِ (٣) أن يَكونَ ما بعده مِن جملِ الأخبارِ مبتدأً وذُكر بعدَه جملةُ الخبرِ اجْتزاءً بدلالةِ ظاهرِ الكلامِ على معناه، وصرفًا للوعدِ الموافقِ للقولِ في معناه - وإن كان للفظِه مُخالِفًا - إلى معناه، فكأنه قيل: قال اللهُ: للذين آمُنوا وعمِلوا الصالحاتِ مغفرةً وأجرٌ عظيم.
وكان بعضُ نحويى البصرةِ يقولُ: إنما قيل: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا
стр. 5514
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ في (١) الوعدِ الذي وُعِدوا. فكان معنى الكلامِ على تأويلِ قائلِ هذا القولِ: وعد اللَّهِ الذين آمنوا وعمِلوا الصالحاتِ لهم مغفرةٌ وأجرٌ عظيمٌ (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه عزّ ذكرُه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٠)﴾.
يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾: والذين جحَدوا وحْدانيةَ اللَّهِ، ونقَضوا ميثاقَه وعقودَه التي عاقَدوها إياه، ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾. يقولُ: وكذَّبوا بأدلةِ اللَّهِ وحُجَجِه الدالةِ على وحدانيتِه التي جاءَت بها الرسلُ وغيرُها، ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾. يقولُ: هؤلاء الذين هذه صفتُهم أهلُ الجحيمِ. يعنى: أهلُ النارِ الذين يَخْلُدون فيها، ولا يَخْرُجون منها أبدًا.
القولُ في تأويلِ قوله عز ذكرُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أَقَرُّوا بتوحيدِ اللَّهِ ورسالةِ رسولِه ﷺ وما جاءَهم به مِن عندِ ربِّهم، ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾: اذكُروا النعمةَ التي أنْعَم اللَّهُ بها عليكم، فاشْكُروه عليها بالوفاء له بميثاقِه الذي واثَقَكم به، والعقودِ التي عاقَدْتُم نبيَّكم ﷺ عليها. ثم وصَف نعمتَه التي أمَرَهم جلَّ ثناؤُه بالشكرِ عليها مع سائرِ نعمِه، فقال: هي كفُّه عنكم أيدىَ القومِ الذين همُّوا بالبطْشِ بكم، فصرَفَهم عنكم، وحال بينَهم وبينَ ما أرادوه بكم.
ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في صفةِ هذه النعمةِ التي ذكَّر اللَّهُ جلَّ ثناؤُه أصحابَ
стр. 5515
نبيِّه ﷺ بها، وأمَرَهم بالشكرِ له عليها؛ فقال بعضُهم: هو استنْقاذُ اللَّهِ نبيَّه محمدًا ﷺ وأصحابَه مما كانت اليهودُ مِن بنى النَّضيرِ همُّوا به يومَ أَتَوْهم يَسْتَحْمِلونهم ديةَ العامريَّيْن اللذين قتَلهما عمرُو بنُ أميةَ الضَّمْريُّ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن عاصمِ بن عمرَ بن قتادةَ وعبدِ اللَّهِ بن أبى بكرٍ، قالا: خرَج رسولُ اللَّهِ ﷺ إلى بنى النَّضيرِ ليَسْتَعِينَهم على ديةِ العامريَّين اللذين قتَلَهما عمرُو بنُ أميةَ الضَّمْرِيُّ، فلمَّا جَاءَهم خلا بعضُهم ببعضٍ، فقالوا: إنكم لن تَجِدوا محمدًا أقربَ منه الآنَ، فمُروا رجلًا يَظْهَرُ (١) على هذا البيتِ، فيَطْرَحُ عليه صخْرةً، فيُرِيحُنا منه. فقال (٢) عمرُو بنُ جِحَاشِ كعبٍ: أنا (٣). فأتَى رسولَ اللَّهِ ﷺ الخبرُ، وانْصَرَف عنهم، فأَنْزَلَ اللَّهُ عز ذكرُه فيهم، وفيما أراد هو وقومُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ الآية (٤).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾. قال: اليهودُ، دخَل عليهم النبيُّ ﷺ حائطًا لهم، وأصحابُه مِن وراءِ جِدارِه، فاسْتَعانهم في مَغْرَمِ ديةٍ غرِمها، ثم قام مِن عندِهم، فائْتَمَروا بينَهم بقتِله، فخرَج يَمْشِي القَهْقَرَى يَنْظُرُ إليهم، ثم دعا أصحابه رجلًا رجلًا حتى تَتَامُّوا إليه (٥).
стр. 5516
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾: يهودُ، حينَ دخَل النبيُّ ﷺ حائطًا لهم، وأصحابُه مِن وراءِ جِدارٍ لهم، فاسْتَعانهم في مَغْرَمٍ، في ديةٍ (١) غرِمها، ثم قام مِن عندِهم، فائْتَمَروا بينَهم بقتلِه، فخرَج يَمْشِى مُعْتَرِضًا يَنْظُرُ إليهم خِيفتَهم، ثم دعا أصحابَه رجلًا رجلًا حتى تَتَامُّوا إليه، قال اللَّهُ جل وعز: ﴿فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.
حدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا يونُسُ بنُ بُكيرٍ، قال: ثنى أبو مَعْشَرٍ، عن يزيدَ بن أبي زيادٍ، قال: جاء رسولُ اللَّهِ ﷺ بنى النَّضيرِ يَسْتَعِينُهم في عَقْلٍ أصابه، ومعه أبو بكرٍ وعمرُ وعليٌّ، فقال: "أَعِينونى في عَقْلٍ أصابنى". فقالوا: نعم يا أبا القاسمِ، قد آنَ لك أن تَأْتِيَنا وتَسْأَلَنا حاجةً، اجْلِسْ حتى نُطْعِمَك ونُعْطِيَك الذي تَسْأَلُنا. فجلس رسولُ اللَّهِ ﷺ وأصحابُه يَنْتَظِرونه، وجاء حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، وهو رأسُ القومِ، وهو الذي قال الرسولِ اللَّهِ ﷺ ما قال، فقال حُيَيٌّ لأصحابِه: لا تَرَوْنَه أقربَ منه الآنَ، اطْرَحوا عليه حِجارةً فاقْتُلوه، ولا تَرَوْن شرًّا أبدًا. فجاءوا إلى رحًى لهم عظيمةٍ ليَطْرَحوها عليه، فأَمْسَك اللَّهُ عنها أيْديَهم، حتى جاءه جبريلُ ﷺ ، فأقامه مِن ثَمَّ، فأَنْزَل اللَّهُ جلَّ وعزَّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)﴾. فَأَخْبَرَ اللَّهُ عزَّ ذكرُه نبيَّه ﷺ ما أرادوا به (٢).
حدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن كثيرٍ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ
стр. 5517
قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ الآية. قال: يهودُ، دخَل عليهم النبيُّ ﷺ حائطًا، فاسْتَعانهم في مَغْرَمٍ غرِمه، فائْتَمَروا بينَهم بقتلِه، فقام مِن عندِهم، فخرَج مُعْتَرِضًا يَنْظُرُ إليهم خِيفتَهم، ثم دعا أصحابَه رجلًا رجلًا حتى تَتَامُّوا إليه (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن عكرمةَ، قال: بعَث رسولُ اللَّهِ ﷺ المنذرَ بنَ عمرٍو الأنصاريَّ أحدَ بنى النجارِ، وهو أحدُ النُّقباءِ ليلةَ العقبةِ - فبَعَثه في ثلاثين راكبًا مِن المهاجرين والأنصارِ، فخرَجوا، فلقُوا عامرَ بنَ الطُّفَيلِ بن مالكِ بن جعفرٍ على بئرِ مَعُونةَ، وهى مِن مياهِ بنى عامرٍ، فاقْتَتَلوا، فقُتِل المنذرُ وأصحابُه إلا ثلاثةَ نَفَرٍ كانوا في طلبِ ضالَّةٍ لهم فلم يَرُعْهم إلا والطيرُ تَحُومُ في السماءِ، يَسْقُطُ مِن بين خَراطيمِها عَلَقُ الدمِ (٢)، فقال أحدُ النفرِ: قُتِل أصحابُنا والرحمنِ. ثم تَوَلَّى يَشْتَدُّ حتى لقِى رجلًا، فاخْتَلَفا ضربَتْين، فلمَّا خالَطَتْه الضربةُ، رفَع رأسَه إلى السماءِ ففتَح عينيه، ثم قال: اللَّهُ أكبرُ، الجنةُ وربِّ العالمين. فكان يُدْعَى أَعْنَقَ لِيَمُوتَ (٣)، ورجَع صاحباه، فلقِيا رجلين مِن بنى سُلَيمٍ، وبينَ النبيِّ ﷺ وبينَ قومِهما مُوَادعةٌ، فانْتَسَبا لهما إلى بنى عامرٍ، فقتَلاهما، وقدِم قومُهما إلى النبيِّ ﷺ يَطْلُبون الديةَ، فخرَج ومعه أبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ وعليٌّ وطلحةُ وعبد الرحمنِ بنُ عوفٍ، حتى دخَلوا على كعبِ بن الأشرفِ ويهودِ بنى النَّضيرِ، فاسْتَعانهم في عَقْلِهما، قال: فاجْتَمَعَت (٤) اليهودُ لقتلِ رسولِ اللَّهِ ﷺ وأصحابِه، واعْتَلُّوا بصَنيعةِ الطعامِ، فأتاه جبريلُ ﷺ بالذي أجمعت (٥) عليه يهودُ مِن الغَدْرِ، فخرَج ثم دعا عليًّا، فقال: "لا تَبْرَحْ مَقامَك، فمَن خرَج عليك
стр. 5518
مِن أصحابى فسأَلك عنى، فقلْ: وَجَّه إلى (١) المدينةِ فأدْرِكوه". قال: فجعَلوا يَمُرُّون على عليٍّ، فيَأْمُرُهم بالذي أمَرَه، حتى أتَى عليه آخِرُهم، ثم تبِعَهم، فذلك قولُه: ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ (٢) [المائدة: ١٣].
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن السديِّ، عن أبي مالكٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾. قال: نزَلَت في كعبِ بن الأشْرفِ وأصحابِه، حينَ أرادوا أن يَغْدِروا برسولِ اللَّهِ ﷺ (٣).
وقال آخَرون: بل النعمةُ التي ذكَرها اللَّهُ في هذه الآيةِ، فأمَر المؤمنين مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ بالشُّكرِ له عليها، أن اليهودَ كانت هَمَّت بقتلِ النبيِّ ﷺ في طعامٍ دعَوْه إليه، فأعْلَم اللَّهُ نبيَّه ﷺ ما همُّوا به، فانْتَهى هو وأصحابُه عن إجابتِهم إليه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾: وذلك أن قومًا مِن اليهودِ صنَعوا الرسولِ اللَّهِ ﷺ وأصحابِه طعامًا ليَقْتُلوه إذا أتَى الطعامَ، فأَوْحَى اللَّهُ إليه بشأنِهم فلم يأتِ الطعامَ، وأمَر أصحابَه فأتَوْه (٤).
стр. 5519
وقال آخَرون: عنَى اللَّهُ جلَّ ثناؤُه بذلك النعمةَ التي أَنْعَمَها على المؤمنين بإطْلاعِ نبيِّه ﷺ على ما همَّ به عدوُّه وعدوُّهم مِن المشركين يومَ بَطْنِ نَخْلٍ مِن اغْترارِهم إياهم والإيقاعِ بهم إذا هم اشْتَغَلوا عنهم بصلاتِهم، فسجَدوا فيها، وتعريفِه نبيَّه ﷺ الحِذارَ مِن عدوِّه في صلاتِه بتعليمِه إياه صلاةَ الخوفِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ الآية: ذُكِر لنا أنها نزَلَت على رسولِ اللَّهِ ﷺ وهو ببَطْنِ نخلٍ في الغَزْوةِ السابعةِ (١)، فأراد بنو ثعلبةَ وبنو مُحاربٍ أن يَفْتِكوا به، فأَطْلَعَه اللَّهُ على ذلك. ذُكِر لنا أن رجلًا انْتَدَب لقتلِه، فأتَى نبيَّ اللَّهِ ﷺ وسيفُه موضوعٌ، فقال: آخُذُه يا نبيَّ اللَّهِ؟ قال: "خُذْه". قال: أَسْتَلُّه؟ قال: "نعم". فسلَّه، فقال: مَن يَمْنَعُك منى؟ قال: "اللَّهُ يَمْنَعُنى منك". فهدَّده أصحابُ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، وأغْلَظوا له القولَ، فشام (٢) السيفَ، وأمَر نبيُّ اللَّهِ ﷺ أصحابَه بالرحيلِ، فأُنْزِلَت عليه صلاةُ الخوفِ عندَ ذلك (٣).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن الزهريِّ، ذكَره عن أبي سلمةَ، عن جابرٍ، أن النبيَّ ﷺ نزَل منزلًا، وتفَرَّق الناسُ في العِضاهِ (٤) يَسْتَظِلُّون تحتَها، فعلَّق النبيُّ ﷺ سلاحَه بشجرةٍ، فجاء أعرابيٌّ إلى سيفِ
стр. 5520
رسولِ اللَّهِ ﷺ ، وأخَذَه فسلَّه، ثم أقْبَل على النبيِّ ﷺ ، فقال: مَن يَمْنَعُك منى؟ والنبيُّ ﷺ يقولُ: "اللَّهُ". فشامَ الأعْرابيُّ السيفَ، فدعا النبيُّ ﷺ أصحابَه، فأَخْبَرَهم خبرَ الأعرابيِّ، وهو جالسٌ إلى جنبِه لم يُعاقِبْه.
قال مَعْمَرٌ: وكان قَتادة يَذْكُرُ نحوَ هذا، وذكَر أن قومًا مِن العربِ أرادوا أن يَفْتِكُوا برسولِ اللَّهِ ﷺ ، فأرْسَلوا هذا الأعرابيَّ. وتأَوَّل: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ الآية (١).
وأولى الأقوالِ بالصحةِ في تأويلِ ذلك قولُ مَن قال: عنَى اللَّهُ بالنعمةِ التي ذكَر في هذه الآيةِ نعمتَه على المؤمنين به وبرسولِه التي أنْعَم بها عليهم في استْنِقاذِه نبيَّهم محمدًا ﷺ ، مما كانت يهودُ بنى النَّضِيرِ همَّت به مِن قتلِه وقتْلِ مَن معه، يومَ سار إليهم نبيُّ اللَّهِ ﷺ في الديةِ التي كان تَحَمَّلَها عن قتيلَىْ عمرِو بنِ أُميةَ.
وإنما قلْنا: ذلك أولى بالصحةِ في تأويلِ ذلك؛ لأن اللَّهَ عقَّب ذكْرَ ذلك برمْى اليهودِ بصَنائعِها، وقَبيحِ أفعالِها، وخِيانتِها ربَّها وأنْبياءَها، ثم أمَر نبيَّه ﷺ بالعفوِ عنهم والصَّفْحِ عن عظيمِ جهلِهم، فكان معلومًا بذلك أنه ﷺ لم يُؤْمَرُ بالعفوِ عنهم والصَّفْحَ عَقِيبَ قولِه ﴿إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾. ومَن (٢) غيرُهم كان يَبْسُطُ الأيْدىَ إليهم. لأنه لو كان الذين همُّوا بيبسطِ الأيدى إليهم غيرَهم، لكان حَرِيًّا أن يَكونَ الأمرُ بالعفوِ والصفحِ عنهم، لا عمَّن لم يَجْرِ لهم بذلك ذكرٌ، ولَكان الوصفُ بالخيانةِ في وصفِهم في هذا الموضعِ، لا في وصفِ مَن لم يَجْرِ لخيانتِه ذكرٌ، ففى ذلك ما يُنْبِئُ عن صحةِ ما قضَيْنا له بالصحةِ مِن التأويلاتِ في ذلك دونَ ما خالَفه.
стр. 5521
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)﴾.
يعنى جلَّ ثناؤُه: واحْذَرُوا اللَّهَ أَيُّها المؤمنون أن تُخالِفوه فيما أمَرَكم ونهاكم أن تَنْقُضوا المِيثاقَ الذي واثَقَكم به، فتَسْتَوْجِبوا منه العقابَ الذي لا قِبَلَ لكم به، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ: وإلى اللَّهِ فَلْيُلْقِ أَزِمَّةَ أُمورِهم، ويَسْتَسْلِمْ لقَضائِه، ويَثِقْ بنصرتِه وعونِه، المُقِرُّون بوَحدانيّةِ اللَّهِ ورسالةِ رسولِه، العامِلون بأمرِه ونهيِه، فإن ذلك مِن كمالِ دينِهم وتَمامِ إيمانِهم، وأنهم إذا فعَلوا ذلك كَلأهم ورعاهم، وحفِظهم ممَّن أرادهم بسوءٍ، كما حفِظكم ودافَع عنكم أيُّها المؤمنون اليهودَ الذين همُّوا بما همُّوا به مِن بسْطِ أيديهم إليكم؛ كَلاءَةً منه لكم، إذ كنتم مِن أهلِ الإيمانِ به وبرسولِه دونَ غيرِه، فإن غيرَه لا يُطِيقُ دَفعَ سوءٍ أراد بكم ربُّكم، ولا اجتلابَ نفعٍ لكم لم يَقْضِه لكم.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾.
وهذه الآيةُ أُنْزِلَتْ إعلامًا مِن اللَّهِ جَلَّ ثناؤُه نبيَّه محمدًا ﷺ والمؤمنين به، أخلاقَ الذين همُّوا ببسطِ أيديهم إليهم مِن اليهودِ.
كالذى حدَّثنا الحارثُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا مُبَارَكٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. قال: اليهودُ مِن أهلِ الكتابِ.
وأن الذي همُّوا به مِن الغدرِ ونقْضِ العهدِ الذي بينَهم وبينَه مِن صفاتِهم وصفاتِ أوائلِهم، وأخْلاقِهم وأخلاقِ أسلافِهم قديمًا، واحْتِجاجًا لنبيِّه ﷺ على اليهودِ بإطلاعِه إياه على ما كان علمُه عندَهم دونَ العربِ، مِن خَفِيِّ أمورِهم، ومَكْنونِ علومِهم، وتَوْبيخًا لليهودِ في تَمادِيهم في الغَيِّ، وإصْرارِهم على الكفرِ مع
стр. 5522
عليهم بخطأَ ما هم عليه مُقِيمون.
يقولُ اللَّهُ عز ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : لا تَسْتَعْظِموا أمرَ الذين همُّوا ببسطِ أيديهم إليكم مِن هؤلاء اليهودِ بما همُّوا به لكم، ولا أمْرَ الغدرِ الذي حاوَلوه وأرادوه بكم، فإن ذلك مِن أخلاقِ أوائلِهم وأسلافِهم، لا يَعْدُون أن يكونوا على مِنهاجِ أوَّلِهم وطريقِ فَرَطهم (١).
ثم ابْتَدَأَ الخبرَ عزَّ ذكرُه عن بعضِ غَدَراتِهم وخياناتِهم، وجراءَتِهم على ربِّهم، ونقضِهم ميثاقَهم الذي واثقَهم عليه بارئُهم (٢)، مع نعمِه التي خصَّهم بها، وكَراماتِه التي طوَّقهم شكرَها، فقال: ولقد أخَذ اللَّهُ ميثاقَ سَلَفِ مَن همَّ بيسْطِ يدِه إليكم مِن يهودِ بنى إسرائيلَ يا معشرَ المؤمنين، بالوفاءِ له بعهودِه وطاعتِه، فيما أمَرَهم ونهاهم.
كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا آدمُ العَسْقَلانيُّ، قال: ثنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. قال: أخَذ اللَّهُ مَواثيقَهم أن يُخْلِصوا له ولا يَعْبُدُوا غيرَه (٣).
﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾. يعنى بذلك: وبعَثْنا منهم اثنَىْ عشَرَ كَفيلًا، كُفِّلوا عليهم بالوفاءِ للَّهِ بما واثَقُوه عليه مِن العهودِ فيما أمَرَهم به، وفيما نهاهم عنه.
والنقيبُ في كلامِ العربِ كالعَرِيفِ على القومِ، غيرَ أنه فوقَ العَريفِ، يقالُ منه: نقَب فلانٌ على بنى فلانٍ، فهو يَنْقُبُ نَقْبًا. فإذا أُرِيد أنه لم يَكُنْ نَقيبًا فصار نقيبًا، قيل: قد نَقُب فهو يَنْقُبُ نَقَابةً. ومِن العَريفِ: عَرُف عليهم يَعْرُفُ عَرَافةً.
стр. 5523
فأما المناكبُ فإنهم كالأعوانِ يكونون مع العُرَفاءِ، واحدُهم مَنْكِبٌ.
وكان بعضُ أهلِ العلمِ بالعربيةِ (١) يقولُ: هو الأميُن الضامنُ على القومِ.
فأما أهلُ التأويلِ فإنهم قد اخْتَلَفوا بينَهم في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: هو الشاهدُ على قومِه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾: مِن كُلِّ سِبْطٍ رجلٌ شاهدٌ على قومِه (٢).
وقال آخرون: النقيبُ الأمينُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حُدِّثْتُ عن عمارِ بن الحسنِ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: النُّقباءُ الأُمناءُ (٣).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه.
وإنما كان اللَّهُ عزّ ذكرُه أمَر موسى نبيَّه ﷺ ببعثِه النُّقباءَ الاثنَىْ عشَرَ مِن قومِه بنى إسرائيلَ إلى أرضِ الجَبابرةِ بالشامِ ليتحسَّسوا (٤) لموسى أخبارَهم إذ أراد هلاكَهم، وأن يُوَرِّثَ أرضَهم وديارَهم موسى وقومَه، وأن يَجْعَلَها مَساكنَ لبنى إسرائيلَ بعدَ ما أنجاهم مِن فرعونَ وقومِه، وأخْرَجَهم مِن أرضِ مصرَ، فبعَث موسى الذين أمَرَه اللَّهُ
стр. 5524
يبعثِهم إليها مِن النقباءِ.
كما حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، قال: أمَر اللَّهُ بنى إسرائيلَ بالسيرِ إلى أَرِيحَا، وهى أرضُ بيتِ المقدسِ، فساروا حتى إذا كانوا قريبًا منهم بعَث موسى اثنَىْ عشَرَ نَقيبًا مِن جميعِ أَسْباطِ بنى إسرائيلَ، فساروا يُريدون أن يَأْتوه بخبرِ الجَبابرةِ، فلقِيهم رجلٌ مِن الجَبَّارِين، يُقالُ له: عاجٌ. فأخَذ الاثنَىْ عشَرَ، فجعَلهم في حُجْزَتِه، وعلى رأسِه حَمْلَةُ (١) حطبٍ، فانْطلَقَ بهم إلى امرأتِه، فقال: انْظُرى إلى هؤلاء القومِ الذين يَزْعُمون أنهم يُرِيدون أن يُقاتِلونا. فطرَحَهم بينَ يديها، فقال: ألا أطْحَنُهم برجلى؟ فقالت امرأتُه: بل خلِّ عنهم حتى يُخْبِروا قومَهم بما رأَوْا. ففعَل ذلك، فلمَّا خرَج القومُ قال بعضُهم لبعضٍ: يا قومِ، إنكم إن أخْبَرْتُم بنى إسرائيلَ خبرَ القومِ ارْتَدُّوا عن نبيِّ اللَّهِ ﵇، لكن اكْتُموه وأخْبِروا نبيَّى اللَّهِ فيَكونان هما (٢) يَرَيان رأيَهما. فأخَذ بعضُهم على بعضٍ الميثاقَ بذلك لِيَكْتُموه، ثم رجَعوا فانْطَلَق عشرةٌ منهم فنكَثوا العهدَ، فجعَل الرجلُ يُخْبِرُ أخاه وأباه بما رأى مِن (٣) عاجٍ، وكتَم رجلان منهم فأتَوْا موسى وهارونَ فأَخْبَرُوهما الخبرَ، فذلك حيَن يقولُ اللَّهُ: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ (٤).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللَّهِ : ﴿اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾: مِن كُلِّ سِبْطٍ مِن بني إسرائيلَ رجلٌ، أَرْسَلَهم موسى إلى الجبَّارِين، فوجَدُوهم (٥) يَدْخُلُ في كُمِّ
стр. 5525
أحدِهم اثنان منهم يُلقيهما إلقاءً (١)، ولا يَحْمِلُ عُنقودَ عنبِهم إلا خمسةُ أنفسٍ (٢) بينَهم في خشبةٍ، ويَدْخُلُ في شَطْرِ الرُّمَّانةِ إِذا نُزِع حبُّها خمسةُ أنفسٍ أو أربعٌ، فرجَع النُّقباءُ كلُّهم (٣) يَنْهَى سِبْطَه عن قِتالِهم إلا يُوشَعَ بنَ نُونٍ [وكلابُ بن يافنةَ] (٤) يَأْمُران الأسْباطَ بقتالِ الجبَابرةِ وبجِهادِهم، فعصَوْا هذين (٥) وأطاعوا الآخَرِين (٦).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ بنحوِه، إلا أنه قال: مِن بنى إسرائيلَ رجالٌ. وقال أيضًا: يلقونهما (٧).
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: أمَر موسى أن يَسِيرَ بينى إسرائيلَ إلى الأرضِ المقدَّسةِ، وقال: إنى قد كتَبْتُها لكم دارًا وقرارًا (٨) ومَنْزلًا، فاخْرُجْ (٩) إليها وجاهِدْ مَن فيها مِن العدوِّ، فإنى ناصرُكم عليهم، وخُذْ مِن قومِك اثنَىْ عشَرَ نَقيبًا، مِن كلِّ سِبْطٍ نَقيبًا يَكونُ على قومِه بالوَفاءِ منهم على ما أُمِروا به، وقلْ لهم: إن اللَّهَ يقولُ لكم: ﴿إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ﴾ إلى قولِه: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. وأخَذ موسى منهم اثنَىْ عشَرَ نَقيبًا اخْتارهم مِن الأَسْباطِ كُفَلاءَ على قومِهم بما هم فيه على الوفاءِ بعهدِه وميثاقِه، وأخَذ مِن كلِّ سَبْطٍ منهم خيرَهم، وأوْفاهم رجلًا، يقولُ اللَّهُ : ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾. فسار بهم موسى إلى الأرضِ
стр. 5526
المقدسةِ بأمرِ اللَّهِ، حتى إذا نزَل التِّيهَ بينَ مصرَ والشامِ، وهى بلادٌ ليس فيها خَمَرٌ (١) ولا ظلٌّ، دعا موسى ربَّه حيَن آذاهم الحرُّ، فظلَّل عليهم بالغَمامِ، ودعا لهم بالرزقِ، فأَنْزَل اللَّهُ عليهم المنَّ والسَّلْوَى، وأمَر اللَّهُ موسى، فقال: أرْسِلْ رجالًا يَتَحَسَّسون إلى أرضِ كَنْعانَ التي وهَبْتُ (٢) لبنى إسرائيلَ، مِن كُلِّ سِبْطٍ رجلًا، فأرْسَل موسى الرءوسَ كلَّهم الذين فيهم، [فبعَث اللَّهُ جلّ وعزّ من بَرِّيَّةِ فارانَ، بكلامِ اللَّهِ، وهم رءوسُ بنى إسرائيلَ] (٣)، وهذه أسماءُ الرَّهْطِ الذين بعَث اللَّهُ مِن بنى إسرائيلَ إلى أرضِ الشامِ، فيما يَذْكُرُ أهلُ التوراةِ، ليَجُوسُوها لبنى إسرائيلَ: مِن سِبْطِ [روبيلَ، شامونُ بنُ ركونَ] (٤)، ومِن سبط شمعونَ، [سافاطُ بنُ حُرى] (٥)، ومِن سبطِ يهوذا، كالِبُ بنُ يوفنا، ومِن سبطِ [أبينَ يجائلُ] (٦) بنُ يُوسُفَ، ومِن سِبطِ يوسُفَ، وهو سِبْطُ أفراييمَ (٧)، يُوشَعُ بنُ نُونٍ، ومِن سبطِ بنيا مينَ، فَلْطُ بنُ دَفُونَ (٨)،
стр. 5527
ومِن سِبطِ [زَبالونَ، حدى بن سُودى] (١)، ومِن سِبطِ [يوسفَ، وهو منشّا بنُ يُوسُفَ، حدِّى بنُ سُوسا] (٢)، ومِن سبطِ دانٍ، [حملائلُ بنُ حملٍ] (٣)، ومِن سبطِ [أشرَ، سابورُ بنُ ملكيلَ] (٤)، ومِن سبطِ نفتالى (٥)، بحرُ (٦) بنُ وَفْسِى (٧)، ومِن سبطِ دارٍ (٨) حولايلُ بنُ منكدَ.
فهذه أسماءُ الذين بعَثهم موسى يَتحسَّسون له الأرضَ، ويومَئِذٍ سَمَّى هوشعَ (٩) بنَ نونٍ يوشعَ (١٠) بنَ نونٍ. فأَرْسَلَهم وقال لهم: ارْتَفِعوا قِبَلَ الشمسِ، فارْقَوا الجبلَ، وانْظُروا ما في الأرضِ، وما الشَّعْبُ الذي يَسْكنونه، أقوياءُ (١١) هم أم ضُعفاءُ، أقليلٌ هم أم كثيرٌ؟ وانْظُروا أرضَهم التي يَسْكُنون [أسمينةٌ هي أم هزيلةٌ] (١٢)، ذاتُ شجرٍ أم لا؟ اجتازوا (١٣) واحْمِلوا إلينا مِن ثمرةِ تلك الأرضِ، وكان ذلك في أوّلِ
стр. 5528
ما سَمَّى بِكرُ (١) ثمرة العنب (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾: فهم مِن بنى إسرائيلَ، بعثَهم موسى ليَنْظُروا له إلى المدينةِ، فانْطَلَقوا فنَظَروا إلى المدينةِ، فجاءوا بحبَّةٍ مِن فاكهتِهم، وقرَ رَجُلٍ، فقالوا: اقدُروا (٣) قوةَ قومٍ وبأسَهم هذه فاكهتُهم. فعندَ ذلك فُتِنوا، فقالوا: لا نَسْتطيعُ الققالَ: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ (٤) [المائدة: ٢٤].
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ المَرْوَزيِّ، قال: سَمِعْتُ أبا مُعاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ يقولُ في قولِه: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾: أمَر اللَّهُ بنى إسرائيلَ أن يَسيروا إلى الأرضِ المقدَّسةِ مع نبيِّهم موسى ﷺ ، فلمَّا كانوا قريبًا مِن المدينةِ قال لهم موسى: ادْخُلوها. فأبَوْا وجَبُنوا، وبعَثوا اثنَىْ عشَرَ نَقيبًا ليَنْظُروا إليهم، فانْطَلَقوا فنظَروا، فجاءوا بحبةٍ مِن فاكهتهِم بوقْرِ الرَّجُل، فقالوا: [اقدُروا قُدرةَ] (٥) قومٍ وبأسَهم هذه فاكهتُهم. فعندَ ذلك قالوا لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾.
стр. 5529
يقولُ اللَّهُ تعالى ذكرُه: وقال اللهُ لبنى إسرائيلَ: ﴿إِنِّي مَعَكُمْ﴾. يقولُ: إني ناصرُكم على عدوِّكم وعدوى الذين أمَرْتُكم بقتالِهم إن قاتَلْتُموهم، ووفَّيْتُم بعهدى ومِيثاقى الذي أخَذْتُه عليكم.
وفى الكلامِ محذوفٌ اسْتُغْنى بما ظهَر مِن الكلامِ عما حُذِف منه، وذلك أن معنى الكلامِ: وقال اللَّهُ لهم: إنى معكم. فترَك ذكرَ "لهم"؛ اسْتغناءً بقولِه: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. وإذ كان مُتَقَدِّمُ الخبرِ عن قومٍ مُسَمَّيْن بأعيانِهم، كان معلومًا أن سياقَ ما في الكلامِ مِن الخبرِ عنهم، إذ لم يَكُنِ الكلامُ مصروفًا عنهم إلى غيرِهم.
ثم ابتدأ ربُّنا جلَّ ثناؤُه القسمَ، فقال: قسمًا (١) لئن أَقَمْتُم معشرَ بنى إسرائيلَ الصلاةَ، ﴿وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ﴾. أي (٢): أعْطَيْتُموها مَن أمَرْتُكم بإعطائِها، ﴿وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي﴾. يقول: وصدَّقتُم بما أتاكم به رسلى مِن شرائعِ دينى.
وكان الربيعُ بنُ أنسٍ يقولُ: هذا خطابٌ مِنَ اللَّهِ للنُّقباءِ الاثنَىْ عشَرَ.
حُدِّثْتُ عن عمارِ بن الحسنِ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بن أنسٍ، أن موسى ﷺ قال للنُّقباءِ الاثنَىْ عشَرَ: سِيروا إليهم - يعنى إلى الجبَّارِين - فحدِّثونى حديثَهم، وما أمْرُهم، ولا تَخافوا، إن اللَّهَ معكم ما أقَمْتُم الصلاةَ وآتيتُم الزكاةَ وآمنتُم برُسُلى وعزّرْتُموهم وأَقْرَضْتُم الله قرضًا حسنًا (٣).
стр. 5530
وليس الذي قاله الربيعُ في ذلك ببعيدٍ مِن الصوابِ، غيرَ أن مِن قضاءِ اللَّهِ في جميعِ خلقِه أنه ناصرُ مَن أطاعَه، ووليُّ مَن اتَّبَع أمرَه، وتجنَّب معصيتَه، وعافَى (١) ذنوبَه. فإذ كان ذلك كذلك، وكان مِن طاعتِه إقامُ الصلاةِ، وإيتاءُ الزكاةِ، والإيمانُ بالرسلِ، وسائرُ ما نُدِب القومُ إليه، كان معلومًا أن تكفيرَ السيئاتِ بذلك، وإدْخالَ الجناتِ به، لم يَخْصُصْ به النُّقباء دونَ سائرِ بنى إسرائيلَ غيرِهم، فكان ذلك بأن يكونَ ندبًا للقومِ جميعًا، وحضًّا لهم على ما حضَّهم عليه - أحقَّ وأولى مِن أن يكونَ ندبًا لبعضٍ، وحضًّا الخاصٍّ دونَ عامٍّ.
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: تأويلُ ذلك: ونَصَرْتُموهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾. قال: نَصَرْتُموهم (٢).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾. قال: نصَرتُموهم بالسيفِ.
وقال آخرون: هو الطاعةُ والنُّصْرةُ.
стр. 5531
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: سمِعْتُ عبدَ الرحمنِ بنَ زيدٍ يقولُ في قولِه: ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾. قال: التَّعزيزُ والتوقيرُ الطاعةُ والنُّصرةُ (١).
واخْتَلَف أهلُ العربيةِ في تأويلِه؛ فذُكِر عن يونُسَ النحويِّ (٢) أنه كان يقولُ: تأويلُ ذلك: أثْنَيْتُم عليهم.
حُدِّثْتُ بذلك عن أبي عُبيدةَ مَعْمَرِ بن المُثْنَّى عنه (٣).
وكان أبو عُبيدةَ يقولُ: معنى ذلك: نصَرْتُموهم وأعَنْتُموهم ووقَّرْتُموهم وعظَّمْتُموهم وأيَّدتُموهم. وأنْشَد في ذلك (٤):
وكم مِن (٥) ماجدٍ لَهُمُ كَريمٍ … ومِن لَيْثٍ يُعَزَّرُ في النَّدِيِّ
وكان الفَرَّاءُ يقولُ: العَزْرُ: الردُّ. عَزَرْتُه: ردَدْتُه. إذا رأيْتَه يَظْلِمُ، فقلتَ: اتَّقِ اللَّهَ. أو نهَيْتَه، فذلك العَزْرُ.
وأولى هذه الأقوالِ عندى في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: نصَرْتُموهم. وذلك أن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه قال في سورةِ الفتحِ: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا
стр. 5532
وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٨، ٩]. فالتوقيرُ هو التعظيمُ. وإذا كان ذلك كذلك، كان القولُ في ذلك إنما هو بعضُ ما ذكَرْنا مِن الأقوالِ التي حكَيْناها عمَّن حكَيْنا عنه، وإذا فسَد أن يكونَ معناه التعظيمَ، وكان (١) النصرُ قد يكونُ باليدِ واللسانِ، فأما باليدِ فالذَّبُّ بها عنه بالسيفِ وغيرِه، وأما باللسانِ، فحُسْنُ الثناءِ والذَّبُّ عن العِرْضِ - صحَّ أنه النصرُ، إذ كان النصرُ يَحْوِى معنى كلِّ قائلٍ قال فيه قولًا مما حكَيْنا عنه.
وأما قولُه: ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾. فإنه يقولُ: وأَنْفَقْتُم في سبيل اللَّهِ. وذلك في جهادِ عدوِّه وعدوِّكم، ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾. يقولُ: وأَنْفَقْتُم ما أنْفَقْتُم في سبيلِه، فأصَبْتُم الحقَّ في إنفاقِكم ما أنْفَقْتُم في ذلك، ولم تَتَعَدَّوْا فيه حدودَ اللَّهِ، وما ندَبكم إليه وحثَّكم عليه، إلى غيرِه.
فإن قال لنا قائلٌ: وكيف قال: ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾. ولم يَقُلْ: إقراضًا حسنًا. وقد علِمْتَ أن مصدرَ "أَقْرَضْتَ" "الإقراضُ"؟
قيل: لو قيل ذلك كان صوابًا، ولكنَّ قولَه: ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾. أُخْرِج مصدرًا مِن معناه لا مِن لفظِه، وذلك أن في قولِه: أقْرَضَ. معنى "قرَض"، كما في معنى "أَعْطَى" "أَخَذَ"، فكان معنى الكلامِ: وقرَضْتُم (٢) اللَّهَ قرضًا حسنًا. ونظيرُ ذلك: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧)﴾ [نوح: ١٧]. إذ كان في ﴿أَنْبَتَكُمْ﴾ معنى "فنبَتُّم". وكما قال امرؤُ القيسِ (٣):
стр. 5533
* ورُضْتُ فَذَلَّتْ صَعْبَةً أَيَّ إِذْلالِ *
إذ كان في "رُضْتُ" معنى "أذْلَلْتُ"، فخرَج الإذلالُ مصدرًا مِن معناه لا مِن لفظِه.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾.
يعنى جلَّ ثناؤُه بذلك بنى إسرائيلَ، يقولُ لهم جلَّ ثناؤُه: لئن أقَمْتُم الصلاةَ أيُّها القومُ الذين أعْطَوْنى ميثاقَهم بالوفاءِ بطاعتى، واتِّباع أمرى، وآتَيْتُم الزكاةَ، وفعَلْتُم سائرَ ما وعَدْتُكم عليه جنتى، ﴿لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾. يقولُ: لأُعَطِّيَنَّ بعفوى عنكم، وصَفْحى عن عقوبتِكم، على سالفِ أجْرامِكم التي أجْرَمْتُموها فيما بينى وبينَكم، على ذنوبِكم التي سلَفَت منكم مِن عبادةِ العِجْلِ وغيرِها مِن مُوبِقاتِ ذنوبِكم، ﴿وَلأُدْخِلَنَّكُمْ﴾ - مع تغطيتى على ذلك منكم بفضلى يومَ القيامةِ ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. فالجناتُ البساتيُن.
إنما قلتُ: معنى قولِه: ﴿لأُكَفِّرَنَّ﴾: لأُعَطِّيَنَ؛ لأن الكفرَ معناه الجحودُ والتغطيةُ والسترُ، كما قال لَبيدٌ (١):
* في ليلةٍ كفَر النُّجُومَ غَمامُها *
يعني: غطَّاها. فالتكفيرُ التفعيلُ مِن الكَفْرِ.
واخْتَلَف أهلُ العربيةِ في معنى اللامِ التي في قولِه: ﴿لأُكَفِّرَنَّ﴾. فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: اللامُ الأُولى على معنى القسَمِ. يعنى اللامَ التي في قولِه: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ﴾. قال: والثانيةُ معنى قسَمٍ آخرَ.
стр. 5534
وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: بل اللامُ الأُولى وقَعَت موقعَ اليمينِ، فاكْتُفِى بها عن اليمينِ، يعنى باللامِ الأولى: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ﴾. قال: واللامُ الثانيةُ، يعنى قولَه: ﴿لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾. جوابٌ لها، يعنى اللامَ التي في قولِه: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ﴾. واعتلَّ لقيلِه ذلك بأن قولَه: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ﴾. غيرُ تامٍّ ولا مُسْتَغْنٍ عن قولِه ﴿لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾. وإذ كان ذلك كذلك، فغيرُ جائزٍ أن يكونَ قولُه: ﴿لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾. قسمًا مبتدأً، بل الواجبُ أن يكونَ جوابًا لليمينِ، إذ كانت غيرَ مُسْتَغْنيةٍ عنه.
وقولُه: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. يقولُ: تَجْرِى مِن تحتِ أشجارِ هذه البساتيِن التي أُدْخِلُكُموها، الأنهارُ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٢)﴾.
يقولُ عزَّ ذكرُه: فمَن جحَد منكم يا معشرَ بنى إسرائيلَ شيئًا مما أَمَرْتُه به فترَكه، أو ركِب ما نهَيْتُه عنه فعمِله، بعدَ أخْذِى الميثاقَ عليه بالوفاءِ لى بطاعتى واجْتنابِ معصيتى، ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. يقولُ: فقد أخْطَأ قصْدَ الطريقِ الواضحِ، وزلَّ عن منهجِ السبيلِ القاصدِ.
والضلالُ الركوبُ على غيرِ هُدًى، وقد بيَّنَّا ذلك بشَواهدِه في غيرِ هذا الموضع (١).
وقولُه: ﴿سَوَاءَ﴾. يعني به: وسطَ. [والسبيلُ الطريقُ] (٢). وقد بيَّنا تأويلَ
стр. 5535
ذلك كلِّه في غيرِ هذا الموضعِ، فأغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (١).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾.
يقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : يا محمدُ، لا تَعْجَبَنَّ مِن هؤلاء اليهودِ الذين همُّوا أن يَبْسُطوا أيديَهم إليك وإلى أصحابِك، ونكَثوا العهدَ الذي بينَك وبينَهم؛ غَدْرًا منهم بك وبأصحابِك، فإن ذلك مِن عاداتِهم، وعاداتِ سلَفِهم، ومِن ذلك أنى أخَذْتُ ميثاقَ سلفِهم على عهدِ موسى ﷺ على طاعتى، وبعَثْتُ منهم اثنى عشَرَ نَقيبًا، قد تُخُيِّروا مِن جميعِهم لِيتحسَّسوا (٢) أخبارَ الجَبابرةِ، ووعَدْتُهم النصرَ عليهم، وأن أُورِثَهم أرضَهم وديارَهم وأموالَهم، بعدَ ما أَرَيْتُهم مِن العِبَرِ والآياتِ - بإهلاكِ فرعونَ وقومِه في البحرِ، وفلْقِ البحرِ لهم، وسائرِ العبرِ - ما أرَيْتُهم، فنقَضوا ميثاقَهم الذي واثَقونى، ونكَثوا عهدى، فلعَنْتُهم بنقضِهم ميثاقَهم، فإذا كان ذلك مِن فعلِ خيارِهم مع أياديَّ عندَهم، فلا تَسْتَنْكِرُ (٣) مثلَه مِن فعلِ أراذلِهم.
وفى الكلامِ محذوفٌ اكْتُفِى بدَلالةِ الظاهرِ عليه، وذلك أن معنى الكلامِ: فمَن كفَر بعدَ ذلك منكم فقد ضلَّ سواءَ السبيلِ، فنقَضوا الميثاقَ، فلعَنْتُهم، فبما نَقْضِهم ميثاقَهم لعنَّاهم. فاكْتُفِى بقولِه: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾. مِن ذكرِ: فنقَضوا.
ويعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾: فبنقضِهم ميثاقَهم. كما قال قتادةُ.