← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 5461–5500 · переход к 5466.

стр. 5461

عبدُ اللَّهِ بنُ عُبِيدِ بن عُميرٍ، أن أباه عُبيدَ بنَ عُميرٍ كان إذا تَوَضَّأَ غَلْعَل أصابعَه في أصولِ شعرِ الوجهِ؛ يُغَلْغِلُها بينَ الشعرِ في أصولِه، يَدْلُكُ بأصابعِه البَشَرةَ، فأشار لى عبدُ اللَّهِ كما أخْبَرَه الرجلُ، كما وصَف عنه. حدَّثنا أبو الوليدِ، قال: ثنا الوليدُ، قال: ثنا أبو عمرٍو، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، أنه كان إذا توَضَّأ عرَك عارضَيْه بعضَ العَرْكِ، وشبَّك لحيتَه بأصابعِه أحيانًا، ويَتْرُكُ أحيانًا. حدَّثنا أبو الوليدِ وعليُّ بنُ سهلٍ، قالا: ثنا الوليدُ، قال: قال أبو عمرٍو، وأخْبَرَني عَبْدةُ (١)، عن أبي موسى الأشْعَريِّ نحوَ ذلك. حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن مسلمٍ، قال: رأيْتُ ابنَ أبي ليلى توَضَّأَ، فغسَل لحيتَه، وقال: مِن اسْتَطاع منكم أن يُبْلِغَ الماءَ أصولَ الشعرِ (٢) فلْيَفْعَلْ (٣). حدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا سفيانُ بنُ حَبيبٍ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ، قال: حقٌّ عليه أن يَبُلَّ أصولَ الشعرِ (٤). حدَّثنا ابن أبي الشَّواربِ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، قال: كان مُجاهدٌ يُخَلِّلُ لحيتَه (٥). حدَّثنا حميدٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن شعبةَ، عن الحكمِ، عن مُجاهدٍ أنه كان

стр. 5462

يُخَلِّلُ لحيتَه إذا توَضَّأ. حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، عن مُجاهِدٍ مثلَه. حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن شعبةَ، عن الحكمِ، عن مُجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا أبو داودَ الحَفَريُّ، عن سفيانَ، عن ابن شُبْرُمةَ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: ما بالُ اللحيةِ تُغْسَلُ قبلَ أن تَنْبُتَ، فإذا نبَتَت لم تُغْسَلْ (١)؟ حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهَّابِ، قال: ثنا عُبيدُ اللَّهِ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ أنه كان يُخَلِّلُ لحيتَه إذا توَضَّأ (٢). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عَنْبَسةَ، عن ليثٍ، عن طاوسٍ، أنه كان يُخَلِّلُ لحيتَه. حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن إسماعيلَ، عن ابن سِيرينَ، أنه كان يُخلِّلُ لحيتَه (٣). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن هشامٍ، عن ابن سِيرينَ مثلَه. حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، قال: سأَلْتُ شعبةَ عن تَخْليلِ اللحيةِ في

стр. 5463

الوضوءِ، فذكَر عن الحكمِ بن عُتَيْبةَ، أن مجاهدًا كان يُخَلِّلُ لحيتَه. حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عمرٍو، عن معروفٍ، قال: رأيْتُ ابنَ سِيرينَ توَضَّأ فخلَّل لحيتَه. حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابن إدْريسَ، قال: ثنا هشامٌ، عن ابن سِيرينَ مثلَه (١). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، عن سفيانَ، عن الزبيرِ بن عَدِيٍّ، عن الضحاكِ قال: رأيْتُه يُخَلِّلُ لحيتَه (٢). حدَّثنا تَميمُ بنُ المُنْتَصِرِ، قال: أخْبرَنا محمدُ بنُ يَزيدَ، عن أبي الأشْهَبِ، عن موسى بن أبى عائشةَ، عن زيدٍ الجزريِّ (٣)، عن يَزيدَ الرَّقاشيِّ، عن أنسٍ بن مالكٍ، قال: رأيْتُ النبيَّ ﷺ ، توَضَّأ، فخلَّل لحيتَه، فقلتُ: لِمَ تَفْعَلُ هذا يا نبيَّ اللَّهِ؟ قال: "أَمَرَني بذلك ربي" (٤). حدَّثنا تَميمٌ، قال: أخْبَرَنا محمدُ بنُ يزيدَ، عن سَلَّامِ بن سَلْمٍ، عن زيدٍ العَمِّيِّ، عن معاويةَ بن قُرَّةَ، أو يزيدَ الرَّقاشيِّ، عن أنسٍ، قال: وضَّأْتُ النبيَّ ﷺ ، فأدْخَل أصابعَه مِن تحتِ حَنَكِه، فخلَّل لحيتَه، وقال: "بهذا أَمَرَني ربي جلَّ وعزَّ".

стр. 5464

حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الأَحْمَسيُّ، قال: ثنا المُحارِبيُّ، عن سَلَّامِ بن سَلْمٍ المَدِينيِّ، قال: ثنا زيدٌ العَمِّيُّ، عن مُعاويةَ بن قُرَّةَ، عن أنسِ بن مالكٍ، عن النبيِّ ﷺ نحوَه (١). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا أبو عُبيدةَ الحدَّادُ، قال: ثنا موسى بنُ ثَرْوانَ (٢)، عن يزيدَ الرَّقاشيِّ، عن أنسٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "هكذا أمَرَني ربي". وأدْخَل أصابعَه في لحيتِه، فخلَّلها (٣). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا معاويةُ بنُ هشامٍ وعُبَيدُ اللَّهِ بنُ موسى، عن خالدِ بن إلْياسَ، عن عبدِ اللَّهِ بن رافعٍ، عن أمِّ سلمةَ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ توَضَّأ فخلَّل لحيتَه (٤). حدَّثنا عليُّ بنُ الحسينِ بن الحُرِّ، قال: ثنا محمدُ بنُ ربيعةَ، عن واصلِ بن السائبِ، عن أبي سَوْرةَ، عن أبي أيوبَ، قال: رأَيْنا النبيَّ ﷺ توَضَّأ وخلَّل لحيتَه (٥). حدَّثنا أبو هشامٍ الرِّفاعيُّ، قال: ثنا زيدُ بنُ حُبابٍ (٦)، قال: ثنا عمرُ بنُ

стр. 5465

سليمٍ (١)، عن أبي غالبٍ، عن أبي أُمامةَ، أن النبيَّ ﷺ خلَّل لحيتَه (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ عيسى الدَّامَغَانيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ الكريمِ أبي أُميةَ، أن حسانَ بنَ بلالٍ (٣) المُزَنيَّ رأَى عمارَ بنَ ياسرٍ توَضَّأ وخلَّل لحيتَه، فقيل له: أتَفْعَلُ هذا؟ فقال: إنى رأَيْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُه (٤). حدَّثنا أبو الوليدِ، قال: ثنا الوليدُ، قال: ثنا أبو عمرٍو، قال: أخبرَني عبدُ الواحدِ بنُ قيسٍ، عن يزيدَ الرَّقاشيِّ وقتادةَ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ كان إذا توَضَّأ عرَك عارِضَيْه، وشبَّك لحيتَه بأصابعِه (٥). حدَّثنا أبو الوليدِ، قال: ثنا الوليدُ، قال: أخْبرَني أبو مَهْديٍّ سعيدُ بنُ سِنانٍ، عن أبى الزاهريةِ، عن جُبَيرِ بن نُفيرٍ، عن النبيِّ ﷺ نحوَه (٦). حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الأَحْمَسيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ عُبيدٍ الطَّنَافِسيُّ أبو عبدِ اللَّهِ، قال: ثنى واصلٌ الرَّقاشيُّ، عن أبي سَوْدَةَ (٧) - هكذا قال الأَحْمَسيُّ - عن أبي أيوبَ، قال: كان رسولُ اللَّهِ ﷺ إذا توَضَّأ تَمَضْمَض ومسَح لحيتَه مِن تحتِها

стр. 5466

بالماءِ (١). ذكرُ مَن قال ما حكَيْنا عنه مِن أهلِ هذه المَقالةِ في غسلِ ما بطَن مِن الأنفِ والفمِ حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، قال: سمِعْتُ مُجاهِدًا يقولُ: الاسْتِنْشاقُ شَطْرُ الوُضوءِ (٢). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُليةَ، عن شعبةَ، قال: سأَلْتُ حمادًا عن رجلٍ ذكَر وهو في الصلاةِ أنه لم يَتَمَضْمَضُ ولم يَسْتَنْشِقُ، قال حمادٌ: يَنْصَرِفُ فيَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ (٣). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا الصَّبَّاحُ، عن أبي سِنانٍ، قال: قدِمْتُ الكوفةَ، فأتَيْتُ حمادًا فسأَلْتُه عن ذلك، يعنى عمَّن ترَك المضمضةَ والاسْتنشاقَ وصلَّى، فقال: أَرَى عليه إعادةَ الصلاةِ. حدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: كان قتادةُ يقولُ: إذا ترَك المضمضةَ أو الاستنشاقَ أو أذنَه أو طائفةً مِن رجلِه حتى يَدْخُلَ في صلاتِه، فإنه يَنْفَتِلُ (٤) ويَتَوَضَّأُ، ويُعِيدُ صلاتَه.

стр. 5467

ذِكْرُ مَن قال ما حكَيْنا عنه مِن أهلِ هذه المَقالةِ مِن أن ما أقْبَل مِن الأذنَيْن فمِن الوجهِ، وما أدْبَر فمِن الرأسِ حدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِياثٍ، قال: ثنا أشْعَثُ، عن الشعبيِّ، قال: ما أقْبَل مِن الأذنَيْن فمِن الوجهِ، وما أدْبَر فمِن الرأسِ (١). حدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعدةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنى شعبةُ، عن الحكمِ وحمادٍ، عن الشعبيِّ في الأذنين: باطنُهما مِن الوجهِ، وظاهرُهما مِن الرأسِ. حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحَكَمِ، عن الشعبيِّ، قال: مُقَدَّمُ الأُذُنَين مِن الوجهِ، ومُؤخَّرُهما مِن الرأسِ (٢). حدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا ابن أَبِي عَدِيٍّ، عن شُعبةَ، عن الحَكَمِ وحَمَّادٍ، عن الشَّعْبيِّ بمثلِه، إلا أنه قال: باطِنُ الأُذُنَينِ. حدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شُعبةُ، عن حَمَّادٍ، عن الشعبيِّ بمثلِه (٣). حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مُغِيرةَ، عن الشعبيِّ، قال: باطنُ الأُذُنَينِ مِن الوجهِ، وظاهِرُهما مِن الرأسِ. حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا أبو تُمَيْلةَ، ح وحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا

стр. 5468

ابن عُلَيَّةَ، قالا جميعًا: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ طَلْحَةَ بن يَزِيدَ بن رُكانةً، عن عُبَيدِ اللَّهِ الخَولانيِّ، عن ابن عباسٍ، قال: قال عليُّ بنُ أبي طالبٍ: ألَا أَتَوَضَّأُ لكم وضوءَ رسولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قال: قُلنا: نعم. فتَوَضَّأَ، فلمَّا غَسَل وجهَه، ألْقَمَ إبهامَيْه ما أقبَل مِن أُذُنَيْه. قال: ثم لمَّا مَسَح برأسِه، مَسَح أُذُنَيه مِن ظُهورِهما (١). وأَوْلى الأقوالِ بالصوابِ في ذلك عندَنا قولُ مَن قال: الوجهُ الذي أمَر اللَّهُ جل ذكرُه بغَسْلِه القائمَ إلى صلاتِه، كلُّ ما انحدَر عن مَنابتِ شَعَرِ الرأسِ إِلى مُنْقطَعِ الذَّقَنِ طُولًا، وما بينَ الأُذُنَينِ عَرْضًا، مما هو ظاهرٌ لعينِ الناظرِ، دونَ ما بَطَن مِن الفَمِ والأنفِ والعينِ، ودونَ ما غَطَّاه شَعَرُ اللِّحْيةِ والعارِضَين والشَّارِبَين، فسَتَره عن أبصارِ الناظِرين، ودونَ الأُذُنَين. وإنما قُلنا: ذلك أَولى بالصوابِ - وإن كان ما تحتَ شَعَرِ اللحيةِ والشَّارِبَين قد كان وَجْهًا يَجِبُ غَسْلُه قبلَ نباتِ الشَّعَرِ الساترِ عن أَعْيُنِ الناظِرِين، على القائمِ إلى صلاتِه - الإجماعِ جميعِهم على أن العينَين مِن الوجهِ، ثم هُمْ مع إجماعِهم على ذلك - مُجْمِعون على أن غَسْلَ ما عَلَاهما مِن أجفانِهما دونَ إيصالِ الماءِ إلى ما تحتَ الأجفانِ منهما، مُجْزِئٌ. فإذا كان ذلك منهم إجماعًا بتَوقِيفِ (٢) الرسولِ ﷺ أمتَه على ذلك، فنظيرُ ذلك كلُّ ما عَلاه شيءٌ مِن مواضعِ الوضوءِ مِن جسدِ ابن آدمَ مِن نفسِ خلقِه ساتِرُه، لا يَصِلُ الماءُ إليه إلا بكُلْفةٍ ومَئونةٍ وعلاجٍ، قياسًا لِما ذكَرنا مِن حُكْمِ العَيْنَين في ذلك.

стр. 5469

فإذا كان ذلك كذلك، فلا شكَّ أن مثلَ العينَين في مؤنةِ إيصالِ الماءِ إليهما عندَ الوضوءِ، ما بَطَن مِن الأنفِ والفَمِ وشَعَرِ اللحيةِ والصُّدْغَيْن والشارِبَين؛ لأن كلَّ ذلك لا يَصِلُ الماءُ إليه إلا بعلاجٍ لإيصالِ الماءِ إليه، نحوَ كلفةِ علاج الحَدَقَتين لإيصالِ الماءِ إليهما أو أشدَّ. وإذا كان ذلك كذلك، كان بيِّنًا أن غَسْلَ مَن غسَل مِن الصحابةِ والتابعينَ ما تحتَ مَنابِتِ شعرِ اللحيةِ والعارِضَيْن والشارِبَيْن، وما بَطَن مِن الأنفِ والفمِ، إنما كان إيثارًا منه لأشقِّ الأمرَيْن عليه، مِن غسلِ ذلك، وتركِ غسلِه، كما أثَر ابن عمرَ غسْلَ ما تحتَ أجْفانِ العينَيْن بالماءِ، بصبِّه الماءَ في ذلك، لا على أن ذلك كان عليه عندَه فرضًا واجبًا. فأما مِن ظنَّ أن ذلك مِن فعلِهم كان على وجهِ الإيجابِ والفرضِ، فإنه خالَف في ذلك بقولِه مِنهاجَهم، وأغْفَل سبيلَ القياسِ؛ لأن القياسَ هو ما وصَفْنا مِن تمثيلِ المُخْتَلَفِ فيه مِن ذلك بالأصلِ المُجْمَع عليه مِن حكمِ العينَيْن، وألا خبرَ عن واحدٍ مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ أوْجَب على تاركِ إيصالِ الماءِ في وُضوئِه إلى أصولِ شعرِ لحيتِه وعارِضيْه، وتاركِ المضمضةِ والاستنشاقِ، إعادةَ صلاتِه إذا صلَّى بطُهْرِه ذلك، ففى ذلك أوضحُ الدليلِ على صحةِ ما قلْنا مِن أن فعلَهم ما فعَلوا مِن ذلك كان إيثارًا منهم لأفضلِ الفعلين مِن التركِ والغسلِ. فإِن ظَنَّ ظانٌّ أن في الأخبارِ التي رُوِيَت عن رسولِ اللَّهِ ﷺ أنه قال: "إِذا تَوَضَّأَ أحَدُكم فَلْيَسْتَنْثِرُ" (١). دليلًا على وجوبِ الاستنثارِ، فإن في إجماعِ الحجةِ على أن ذلك غيرُ فَرْضٍ واجبٍ يَجِبُ على مَن تَرَكه إعادةُ الصلاةِ التي صلَّاها قبلَ غَسْلِه، ما يُغْنِى عن إكثارِ القولِ فيه.

стр. 5470

وأما الأُذُنان، فإن في إجماعِ جميعِهم على أن ترْكَ غسلِهما، أو غسلِ ما أقْبَل منهما مع الوجهِ، غيرُ مُفْسِدٍ صلاةَ مَن صلَّى بطهرِه الذي ترَك فيه غسلَهما، مع إجماعِهم جميعًا على أنه لو ترَك غسلَ شيءٍ مما يَجِبُ عليه غسلُه مِن وجهِه في وُضوئِه، أن صلاتَه لا تُجْزِئُه بطُهورِه ذلك - ما يُنْبِئُ عن أن (١) القولَ في ذلك ما (٢) قاله أصحابُ رسولِ اللَّهِ ﷺ ما الذي ذكَرْنا قولَهم: إنهما ليسا مِن الوجهِ. دونَ ما قاله الشعبيُّ. القولُ في تأويلِ قولِه عزّ ذكرُه: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾. اختَلَف أهلُ التأويلِ في "المرَافقِ"، هل هي مِن اليَدِ الواجبِ غسلُها أم لا؟ بعدَ إجماعِ جميعِهم على أن غسلَ اليدِ إليها واجبٌ. فقال مالكُ بنُ أنسٍ، وسُئِل عن قولِ اللَّهِ: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾: أتَرَى أَن يُخْلِفَ المرفقين في الوضوءِ؟ قال: الذي أُمِر به أن يَبْلُغَ المرفقين، قال ﵎: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾. يذْهَبُ (٣) هذا يَغْسِلُ خلفَه! فقيل له: فإنما يَغْسِلُ إلى المرفقين والكعبين لا يُجاوِزُهما؟ فقال: لا أدْرِى ما "لا يُجاوِزُهما"، أما الذي أُمِر به أن يَبْلُغَ به فهذا؛ إلى المرفقين والكعبين. حدَّثنا يونسُ، عن أشْهَبَ عنه (٤). وقال الشافعيُّ: لم أَعْلَمْ مُخالفًا في أن المرافقَ فيما يُغْسَلُ. كأنه يَذْهَبُ إلى أن معناها: فاغسلُوا وجوهَكم وأيديَكم إلى أن تُغْسَلَ المرافقُ.

стр. 5471

حدَّثنا بذلك عنه الربيعُ (١). وقال آخَرون: إنما أوْجَب اللَّهُ بقولِه: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾. غسلَ اليدين إلى المرفقين، فالمرفقان غايةٌ لِما أَوْجَب اللَّهُ غسلَه مِن آخرِ اليدِ، والغايةُ غيرُ داخلةٍ في الحدِّ، كما غيرُ داخلٍ الليلُ فيما أوْجَب اللَّهُ تعالى على عبادِه مِن الصومِ بقولِه: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. لأن الليلَ غايةٌ لصومِ الصائمِ، إذا بلَغه فقد قضَى ما عليه. قالوا: فكذلك المرافقُ في قولِه: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾. غايةٌ لِما أَوْجَب اللَّهُ غسلَه مِن اليدِ. وهذا قولُ زُفَرَ بن الهُذَيْلِ. والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن غسلَ اليدين إلى المرفقين مِن الفرضِ، الذي إن ترَكه أو شيئًا منه تاركٌ، لم تُجْزِئْه الصلاةُ مع تركِه غسلَه. فأما المرفقان وما وراءَهما، فإن غَسْلَ ذلك مِن الندبِ الذي ندَب إليه ﷺ أمتَه بقولِه: "أُمَّتي الغُرُّ المُحَجَّلون (٢) مِن آثارِ الوضوءِ، فمَن اسْتَطاع منكم أن يُطِيلَ غُرَّتَه فَلْيَفْعَلْ" (٣). فلا تَفْسُدُ صلاةُ تاركِ غسلِهما وغسلِ ما وراءَهما؛ لما قد بيَّنا قبلُ فيما مضَى، مِن أن كلَّ غايةٍ حُدَّتْ بـ "إلى" فقد تَحْتَمِلُ في كلامِ العربِ دخولَ الغايةِ في الحدِّ وخروجَها منه. وإذا احْتَمل الكلامُ ذلك لم يَجُزْ لأحدٍ القَضاءُ بأنها داخلةٌ فيه، إلا لَمن لا يَجوزُ خلافُه فيما بَيَّن وحكَم، ولا حُكمَ بأن المرافقَ داخلةٌ فيما يَجِبُ غسلُه عندَنا ممَّن يَجِبُ التسليمُ بحكمِه.

стр. 5472

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في صفةِ المسحِ الذي أمَر اللَّهُ به بقولِه: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: وامْسَحوا بما بدا لكم أن تَمْسَحوا به مِن رءوسِكم بالماءِ إذا قمْتُم إلى الصلاةِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ الجَهْضميُّ، قال: ثنا حمادُ بنُ مَسْعدةَ، عن عيسى بن حفصٍ، قال: ذُكِر عندَ القاسمِ بن محمدٍ مسحُ الرأسِ، فقال: يا نافعُ، كيف كان ابن عمرَ يَمْسَحُ؟ فقال: مَسْحةً واحدةً. ووصَف أنه مسَح مُقَدَّمَ رأسِه إلى وجهِه، فقال القاسمُ: ابن عمرَ أفقهُنا وأعلَمُنا (١). حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهَّابِ، قال: سمِعْتُ يحيى بنَ سعيدٍ يقولُ: أخْبرَني نافعٌ، أن ابنَ عمرَ كان إذا توَضَّأ ردَّ كفيه إلى الماءِ، ووضَعَهما فيه، ثم مَسَح بيديه مُقَدَّمَ رأسِه. حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بُكَيْرٍ، قال: أخبرَنا ابن جُرَيجٍ، قال: أخْبرَني نافعٌ، أن ابنَ عمرَ كان يَضَعُ بطْنَ كفَّيه (٢) على الماءِ، ثم لا يَنْفُضُهما، ثم يَمْسَحُ بهما ما بينَ قَرْنيه إلى الجبينِ واحدةً، ثم لا يَزِيدُ عليها، في كلِّ ذلك مَسْحةٌ واحدةٌ، مُقْبِلةً مِن الجبينِ إلى القرنِ (٣). حدَّثنا تَميمُ بنُ المنتصرِ، قال: ثنا إسحاقُ، قال: أخبرَنا شَريكٌ، عن يحيى بن

стр. 5473

سعيدٍ الأنْصاريِّ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، أنه كان إذا توضَّأ مسح مُقَدَّمَ رأسِه (١). حدَّثنا تَميمُ بنُ المنتصرِ، قال: أخْبرَنا إسحاقُ، قال: أخْبرَنا شَريكٌ، عن عبدِ الأعلى الثَّعْلبيِّ، عن عبدِ الرحمنِ بن أبي ليلى، قال: يُجْزِئُكَ أَن تَمْسَحَ مُقَدَّمَ رأسِك إذا كنتَ مُعْتَمِرًا (٢)، وكذلك تَفْعَلُ المرأةُ (٣). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عبيدُ (٤) اللَّهِ الأَشْجعيُّ، عن سفيانَ، عن ابن عَجْلانَ، عن نافعٍ، قال: رأيتُ ابنَ عمرَ مَسَح بيَأْفوخِه مسحةً. وقال سفيانُ: إن مسَح شعَرةً أجْزَأه. يعنى واحدةً. حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا عبدُ السلامِ بنُ حربٍ، قال: أخْبرَنا مغيرةُ، عن إبراهيمَ، قال: أيَّ جَوانب رأسِك أَمْسَسْتَ (٥) الماءَ أجْزَاك (٦). حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا عليُّ بنُ ظَبْيان، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، عن الشعبيِّ: [أيَّ جوانبِ رأسِك أمْسَسْتَ الماءَ أجزأك] (٧). حدَّثنا الرِّفاعيُّ، قال: ثنا وَكِيعٌ، عن إسماعيلَ الأزرقِ، عن الشَّعْبيِّ مثلَه. حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليةَ، قال: أخْبرَنا أيوبُ، عن نافعٍ، قال: كان ابن عمرَ يَمْسَحُ رأسَه هكذا. فوضَع أيوبُ كفَّه وسطَ رأسِه، ثم أمَرَّها على مُقَدَّمِ رأسِه (٨).

стр. 5474

حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا زيدُ (١) بنُ الحُبابِ، عن سُفيانَ، قال: إِن مَسَح رأسَه بإصبَعٍ واحدةٍ أجْزَأَه. حدَّثنا أبو الوليدِ الدِّمشقيُّ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: قلتُ لأبي عمرٍو: ما يُجْزِئُ مِن مسحِ الرأسِ؟ قال: أن تَمْسَحَ مُقَدَّمَ رأسِك إِلى القَفَا أحبُّ إليَّ (٢). حدثني العباسُ بنُ الوليدِ، عن أبيه، عنه نحوَه. وقال آخَرون: معنى ذلك: فامْسَحوا بجميعِ رءوسِكم. قالوا: إن لم يَمْسَحْ بجميعِ رأسِه بالماءِ، لم تُجْزِئْه الصلاةُ بوضوئِه ذلك. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا أشْهَبُ، قال: قال مالكٌ: مَن مسَح بعضَ رأسِه ولم يَعُمَّ أعاد الصلاةَ، بمنزلةِ مِن غسَل بعضَ وجهِه أو بعضَ ذراعِه. قال: وسُئِل مالكٌ عن مسحِ الرأسِ، قال: يَبْدَأُ مِن مُقَدَّمِ وجهِه، فيُدِيرُ يديه إلى قَفاه، ثم يَرُدُّهما إلى حيثُ بدَأ منه (٣). وقال آخَرون: لا يُجْزِئُ مسحُ الرأسِ بأقلَّ مِن ثلاثِ أصابعَ. وهذا قولُ أبي حنيفةَ وأبي يوسُفَ ومحمدٍ. والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه أمَر بالمسحِ برأْسِه القائمَ إلى صلاتِه مع سائرِ ما أمَره بغَسْلِه معه أو مَسْحِه، ولم يَحُدَّ ذلك بحدٍّ لا يَجوزُ التَّقْصيرُ منه ولا يُجاوِزُه. وإذ كان ذلك كذلك، فما مسَح به المتوضئُ مِن رأسِه فاسْتَحَقَّ

стр. 5475

بمسحِه ذلك أن يُقالَ: مسَح برأسِه. فقد أدَّى ما فرَض اللَّهُ عليه مِن مسحِ ذلك، لدخولِه فيما لزِمه اسمُ "مَاسحٍ (١) برأسِه" إذا قام إلى صلاتِه. فإن قال لنا قائلٌ: فإن اللَّهَ قد قال في التيممِ: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦]. أفيُجْزِئُ المسحُ ببعضِ الوجهِ واليدين في التيممِ؟ قيل له: كلُّ ما مُسِحَ مِن ذلك بالترابِ فيما تنازَعَت فيه العلماءُ - فقال بعضُهم: يُجْزِئُه ذلك مِن التيممِ. وقال بعضُهم: لا يُجْزِئُه - فهو مُجْزِئُه؛ لدخولِه في اسمِ "الماسحين به". وما كان مِن ذلك مُجْمَعًا على أنه غيرُ مُجْزئِه، فمُسَلَّمٌ لما جاءَت به الحجةُ نقلًا عن نبيِّها ﷺ ، ولا حجةَ لأحدٍ علينا في ذلك، إذ كان مِن قولِنا: إن ما جاء في آيِ الكتاب عامًّا في معنًى، فالواجبُ (٢) الحكمُ به على عمومِه حتى يَخُصَّه ما يَجِبُ التسليمُ له، فإذا خُصَّ منه شيءٌ، كان ما خُصَّ منه خارجًا مِن ظاهرِه، وحكمُ سائرِه على العمومِ. وقد بيَّنا العلةَ الموجبةَ صحةَ القولِ بذلك في غيرِ هذا الموضعِ، بما أَغْنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٣). والرأسُ الذي أمَر اللَّهُ جلَّ وعزَّ بالمسحِ به بقولِه: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾. هو منابتُ شعَرِ الرأسِ دونَ ما جاوز ذلك إلى القفا مما اسْتُدبِر، ودونَ ما انْحَدر عن ذلك مما اسْتُقْبِل مِن قِبَل وجهِه إلى الجبهةِ. القولُ في تأويلِ قولِه عزَّ ذكرُه: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾. اختلَفتِ القرَأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأه جماعةٌ مِن قرأَةِ الحجازِ والعراقِ

стр. 5476

﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ نصبًا (١). فتأويلُه: إذا قمتم إلى الصلاةِ فاغسِلوا وجوهَكم وأيديَكم إلى المرافقِ وأرجلَكم إلى الكعبين، وامسَحوا برءوسِكم. وإذا قُرِئ كذلك كان من المؤخَّرِ الذي معناه التقديمُ، وتكونُ "الأرجلُ" منصوبةً عطفًا على "الأيدي". وتأوَّل قارئو ذلك كذلك، أن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه إنما أمَر عبادَه بغسلِ الأرجلِ دونَ المسحِ بها. ذكر مِن قال: عنى اللَّهُ بقولِه: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾. الغسلَ حدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعدةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا خالدٌ الحذَّاءُ، عن أبي قِلابةَ، أن رجلًا صلَّى وعلى ظهرِ قدمِه موضعُ ظُفْرٍ، فلما قضَى صلاتَه، قال له عمرُ: أعِدْ وضوءَك وصلاتَك (٢). حدَّثنا حُميدٌ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا إسرائيلُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ حسنٍ، قال: ثنا هُزَيلُ بنُ شُرَحْبيلٍ، عن ابن مسعودٍ، قال: خلِّلوا الأصابعَ بالماءِ لا تَخلّلَها النارُ (٣). حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ الصبَّاحِ العطَّارُ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ الحَوْضِيُّ، قال: ثنا مُرَجَّى، يعني ابنَ رجاءٍ اليَشْكُريَّ، قال: ثنا أبو رَوْحٍ عُمارَةُ بنُ أبي حَفْصَةَ، عن المغيرةِ بن حُنينٍ، أن النبيَّ ﷺ رأى رجلًا يتوضَّأُ وهو يغسِلُ رجليه، فقال: "بهذا

стр. 5477

أُمِرتُ". حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن واقدٍ مولى زيدِ بن خُلَيدةَ، قال: سمِعتُ مُصعبَ بنَ سعدٍ (١)، يقولُ: رأى عمرُ بنُ الخطابِ قومًا يتوضَّئون، فقال: خلِّلوا (٢). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: سمِعتُ يحيى، قال: سمِعتُ القاسمَ، قال: كان ابن عمرَ يخلَعُ خُفَّيه، ثم يتوضَّأُ فيغسِلُ رجليه، ثم يخلِّلُ أصابعَه (٣). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الزُّبيرِ بن عَدِيٍّ، عن إبراهيمَ، قال: قلتُ للأسودِ: رأيتَ عمرَ يغسِلُ قدميه غَسْلًا؟ قال: نَعَمْ (٤). حدَّثني محمدُ بنُ خَلَفٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ، قال: ثنا محمدُ بن مسلمٍ، عن إبراهيمَ بن مَيْسرةَ، عن عمرَ بن عبدِ العزيزِ، أنه قال لابنِ أبى سُويدٍ: بلَغَنا عن ثلاثةٍ كلُّهم رأَوُا النبيَّ ﷺ يغسِلُ قدميه غَسْلًا، أَدْنَاهم ابن عمِّك المغيرةُ (٥). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا الصبَّاحُ، عن محمدٍ، وهو ابن أَبانٍ، عن

стр. 5478

أبي إسحاقَ، عن الحارثِ، عن عليٍّ، قال: اغسِلوا الأقدامَ إلى الكعبين. حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن خالدٍ، عن أبي قِلابةَ، أن عمرَ بنَ الخطابِ رأى رجلًا قد ترَك على ظهرِ قدمِه مثلَ الظُّفْرِ، فأمَره أن يُعيدَ وضوءَه وصلاتَه (١). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليةَ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن شَيْبَةَ بن نِصاحٍ، قال: صحِبتُ القاسمَ بنَ محمدٍ إلى مكةَ، فرأيتُه إذا توضَّأ للصلاةِ يُدْخِلُ أصابعَ رجليه يَصُبُّ عليها الماءَ. قلتُ: يا أبا محمدٍ: لمَ تصنَعُ هذا؟ قال: رأيتُ ابنَ عمرَ يصنَعُه (٢). حدَّثنا أبو كُريبٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمِعتُ أبي، عن حمَّادٍ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾. قال: عاد الأمرُ إلى الغَسْل (٣). حدَّثني الحسينُ بنُ عليٍّ الصُّدَائيُّ، قال: ثنا أبي، عن حفصٍ الغاضريِّ، عن عامرِ بن كُلَيبٍ، عن أبي عبدِ الرحمنِ، قال: قرَأ عليَّ الحسنُ والحسينُ رِضوانُ اللَّهِ عليهما، فقرأا: (وأَرْجُلِكم إلى الكَعْبَيْنِ) فسمِع عليٌّ ﵁ ذلك، وكان يقضى بينَ الناسِ، فقال: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾. هذا مِن المقدَّمِ والمؤخَّرِ مِن الكلامِ (٤).

стр. 5479

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ و (١) ابن عبدِ الأعلى، عن خالدٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ أنه قرَأها: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصبِ، وقال: عاد الأمرُ إلى الغَسْلِ (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عَبْدةُ وأبو معاويةَ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، أنه قرَأها: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾. وقال: عاد الأمرُ إلى الغَسْلِ (٣). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن قيسٍ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ، عن عبدِ اللَّهِ أنه كان يقرأُ: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾. بالنصبِ (٤). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ قوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾: أما ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾. فيقولُ: اغْسِلوا وجوهَكم، واغْسِلوا أرجلَكم، وامْسحوا برءوسِكم، فهذا من التقديمِ والتأخيرِ.

стр. 5480

[حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حسينُ بنُ عليٍّ، عن شيبانَ، قال: أُثْبِت لي عن عليٍّ أنه قرَأ: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾] (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾. رجَع الأمرُ إِلى الغَسْلِ (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن خالدٍ، عن عكرمةَ مثلَه. حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شريكٌ، عن الأعمشِ، قال: كان أصحابُ عبدِ اللَّهِ يقرءُونها: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾. فيغسِلون. حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ، عن عليٍّ، قال: اغْسِلِ القدمَيْن إلى الكعبَيْن (٣). حدَّثني عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ الزهري (٤)، قال: ثنا سفيانُ بنُ عُيينةَ، عن أبي السَّوداءِ، عن ابن عبدِ خيرٍ، عن أبيه، قال: رأيْتُ عليًّا توَضَّأ، فغسَل ظاهرَ قدميه، وقال: لولا أنى رأيْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ فعَل ذلك، ظنَنْتُ أن بَطْنَ القدمِ أحقُّ مِن ظاهرِها (٥).

стр. 5481

حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، قال: ثنا عبدُ الملكِ، عن عطاءٍ، قال: لم أَرَ أحدًا يَمْسَحُ على القدمين (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنى الحجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن قيسِ بن سعدٍ، عن مُجاهدٍ أنه قرَأ: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ فنصَبها، وقال: رجَع إلى الغَسلِ (٢). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال: سمِعْتُ الأعمشَ يَقْرَأُ: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصبِ. حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا أشْهَبُ، قال: سُئِل مالكٌ عن قولِ اللَّهِ: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾: أهى ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ أو (أرجلِكم)؟ فقال: إنما هو الغسلُ، وليس بالمسحِ، لا تُمْسَحُ الأرجلُ، إنما تُغْسَلُ. قيل له: أفرأيْتَ مَن مسَح أيُجْزِئُه ذلك؟ قال: لا (٣). حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن الضحاكِ: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾. قال: اغْسِلوها غَسْلًا. وقرَأ ذلك آخرون مِن قرَأةِ الحجازِ والعراقِ: (وامسَحوا برُءُوسِكم وأرْجُلِكم). بخفضِ "الأرجلِ" (٤). وتأوَّل قارِئو ذلك كذلك أن اللَّهَ إنما أمَر عبادَه بمسحِ الأرجلِ فى الوضوءِ دونَ غسلِها، وجعَلوا "الأرجلَ" عطفًا على "الرأسِ"، فخفَضوها لذلك.

стр. 5482

ذكرُ مَن قال ذلك مِن أهلِ التأويلِ حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ قيسٍ الخُراسانيُّ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: الوضوءُ غَسْلتان ومَسْحتان (١). حدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضَّلِ، عن حميدٍ، ح وحدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، [قال: ثنا حميدٌ، قال: قال موسى بنُ أنسٍ لأنسٍ ونحن عندَه: يا أبا حمزةَ، إن الحجاجَ خطَبَنا بالأَهْوازِ ونحن معه، فذكَر الطَّهورَ، فقال: اغْسِلوا وجوهَكم وأيديَكم، وامْسَحوا برءوسِكم وأرجلَكم، وإنه ليس شيءٌ مِن ابن آدمَ أقربَ إلى خَبَثِه مِن قدميه، فاغْسِلُوا بُطونَهما وظُهورَهما وعَراقِيبَهما. فقال أنسٌ: صدَق اللَّهُ وكذَب الحجاجُ، قال اللَّهُ: (وامْسَحوا برُءوسِكُم وأَرْجُلِكم). قال: وكان أنسٌ إذا مسَح قدميه بلَّهما (٢). حدَّثنا ابن سهلٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا حمادٌ، قال: ثنا عاصمٌ الأحْوَلُ، عن أنسٍ، قال: نزَل القرآنُ بالمسحِ، والسنةُ الغَسْلُ (٣). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن حميدٍ، عن موسى بن أنسٍ، قال: خطَب الحجاجُ، فقال: اغْسِلوا وجوهَكم وأيديَكم وأرجلَكم، ظُهُورَهما وبطونَهما وعَراقِيبَهما، فإن ذلك أدنى إلى خَبَثِكم. قال أنسٌ: صدَق اللَّهُ وكذَب الحجاجُ، قال اللَّهُ: (وامْسَحوا برُءُوسِكم وأَرْجُلِكم إلى الكعبين) (٢)] (٤).

стр. 5483

[حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، قال: ثنا عبيدُ (١) اللَّهِ العَتَكيُّ، عن عكرمةَ، قال: ليس على الرِّجْلين غسلٌ، إنما نزَل فيهما المسحُ (٢) . حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عَنْبَسةَ، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ، قال: امْسَحُ على رأسِك وقدمَيْك. حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن داودَ بن أبي هندٍ، عن الشعبيِّ، قال: نزَل جبريلُ بالمسحِ. قال: ثم قال الشعبيُّ: ألا تَرَى أن التيممَ أن يَمْسَحَ ما كان غسلًا، ويُلْغِىَ ما كان مسحًا؟ (٣) حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مُغيرةَ، عن الشعبيِّ، قال: أُمِر بالتيممِ فيما أُمِر به بالغَسلِ (٤) . حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، عن داودَ، عن الشعبيِّ أنه قال: إنما هو المسحُ على الرجلين، ألا تَرَى أنه ما كان عليه الغسلُ جُعِل عليه المسحُ، وما كان عليه المسحُ أُهْمِل (٥) ؟ حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهَّابِ، قال] (٦) : ثنا داودُ، عن عامرٍ أنه قال: أُمِر أن يُمْسَحَ في التيممِ ما أُمِر أن يُغْسَلَ في الوضوءِ، وأُبْطِل ما أُمِر أَن يُمْسَحَ في الوضوءِ؛ الرأسُ والرجلان (٣) . حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن داودَ، عن الشعبيِّ، قال: أُمِر أن يُمْسَحَ بالصَّعِيدِ في التيممِ ما أُمِر أَن يُغْسَلَ بالماءِ، وأُهْمِل ما أُمِر أَن يُمْسَحَ بالماءِ (٥) .

стр. 5484

حدَّثنا ابن أبي زيادٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا إسماعيلُ، قال: قلتُ لعامرٍ: إن ناسًا يقولون: إن جبريلَ ﵇ نزَل بغسلِ الرِّجْليْن. فقال: نزَل جبريلُ بالمسحِ (١). حدَّثنا أبو بشرٍ الواسطيُّ إسحاقُ بنُ شاهينٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللهِ، عن يونُسَ، قال: حدثني مَن صحِب عكرمةَ إلى واسطٍ، قال: فما رأيْتُه غسَل رجليه، إنما يَمْسَحُ عليهما حتى خرَج منها. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: (يا أيها الذين آمَنوا إذا قُمْتم إلى الصلاةِ فَاغْسِلُوا وُجوهَكم وأيديَكم إلى المرافِقِ وامْسحُوا برءُوسكم وأرجلِكم إلى الكَعْبين): افْتَرَض اللهُ غَسْلتيْن ومَسْحَتين (٢). حدَّثنا ابن حميدٍ وابنُ وكيعٍ قالا: ثنا جَريرٌ، عن الأعمشِ، عن يحيى بن وَثَّابٍ، عن علقمةَ أنه قرَأ: (وأَرْجُلِكم) مخفوضةَ اللامِ (٣). حدَّثنا ابن حُميدٍ وابنُ وَكيعٍ، قالا: ثنا جَرِيرٌ، عن الأعمشِ مثلَه. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو الحسينِ (٤) العُكْليُّ، عن عبدِ الوارثِ، عن حُميدٍ، عن مجاهدٍ أَنه كان يَقْرَأُ: (وأرجُلِكم) (٥). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ،

стр. 5485

قال: كان الشعبيُّ يَقْرَأُ: (وأرجلِكم) بالخفضِ (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن الحسنِ بن صالحٍ، عن غالبٍ، عن أبي جعفرٍ أنه قرَأ: (وأرجلِكم) بالخفضِ. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سلمةَ، عن الضحاكِ أنه قرَأ: (وأرجلِكم) بالكسر. والصوابُ مِن القولِ عندَنا في ذلك أن الله عزَّ ذكرُه أمرَ بعمومِ مسحِ الرِّجليْن بالماءِ في الوضوءِ، كما أمَر بعمومِ مسحِ الوجهِ بالترابِ في التيممِ، وإذا فعَل ذلك بهما المتوضئُ كان مُسْتَحِقًّا اسمَ "ماسحٍ غاسلٍ"؛ لأن غسلَهما إمْرارُ الماءِ عليْهما أو إصابتُهما بالماءِ، ومسحَهما إمرارُ اليدِ أو ما قام مَقامَ اليد عليهما، فإذا فعَل ذلك بهما فاعلٌ فهو غاسلٌ ماسحٌ. ولذلك مِن احتمالِ "المسحِ" المعْنَيَيْن اللذين وصَفْتُ مِن العمومِ والخصوصِ، اللذيْن أحدُهما مسحٌ ببعضٍ، والآخرُ مسحٌ بالجميعِ - اخْتَلَفت قراءةُ القرَأةِ في قولِه: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ فنصَبها بعضُهم توجيهًا منه ذلك إلى أن الفرضَ فيهما الغسلُ، وإنكارًا منه المسحَ عليهما، مع تَظاهُرِ الأخْبارِ عن رسولِ اللهِ ﷺ بعمومِ مسحِهما بالماءِ، وخفَضها بعضُهم توجيهًا منه ذلك إلى أن الفرضَ فيهما المسحُ. ولمَّا قلنا في تأويلِ ذلك: إنه معنيٌّ به عمومُ مسحِ الرِّجْلين بالماءِ. كرِه مَن كرِه للمُتوضِّيءُ الاجتزاءَ بإدخالِ رجليْه في الماءِ دون مسحِهما بيدِه، أو بما قام مَقامَ اليدِ، توجيهًا منه قولَه: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ إلى مسحِ

стр. 5486

جميعِهما عامًّا باليدِ، أو بما قامَ مَقامَ اليدِ دونَ بعضِهما مع غسلِهما بالماءِ. كما حدَّثنا ابن بَشار، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، قال: [ثنا ابن جُريجٍ، قال] (١): ثنا نافعٌ، عن ابن عمرَ، وعن الأحولِ، عن طاوسٍ، أنه سُئِل عن الرجلِ يَتَوَضَّأُ و (٢) يُدْخِلُ رجليه في الماءِ، قال: ما أَعُدُّ ذلك طائلًا (٣). وأجاز ذلك مَن أجاز توجيهًا (٤) منه إلى أنه معنيٌّ به الغَسْلُ. كما حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمِعْتُ هشامًا يَذْكُرُ عن الحسنِ في الرجلِ يَتَوَضَّأُ في السفينةِ، قال: لا بأسَ أن يَغْمِسَ رجليه غَمْسًا. حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أَخْبَرَنى أبو حرَّةَ (٥)، عن الحسنِ في الرجلِ إذا توَضَّأ على حرفِ السفينةِ، قال: يُخَضْخِضُ (٦) قدميْه في الماءِ (٧). فإذا كان في المسح المعنيان اللذان وصَفْنا مِن عمومِ الرِّجْلين بالماءِ، وخصوصِ بعضِهما به، وكان صحيحًا بالأدلةِ الدالَّة التي سنَذْكُرُها بعدُ، أن مرادَ اللهِ مِن مسحِهما العمومُ، وكان لعمومهما بذلك معنى الغسلِ والمسحِ، فبيِّنٌ صوابُ

стр. 5487

القراءتين جميعًا، أعْنى النصبَ في "الأرجلِ" والخفضَ؛ لأن في عمومِ الرِّجْلين بمَسحِهما بالماءِ غسلَهما، وفى إمرارِ اليدِ وما قام مَقامَ اليد عليهما مسَحهما. فوجهُ صوابِ قراءةِ مَن قرَأ ذلك نصبًا؛ لما في ذلك مِن معنى عمومِهما بإمرارِ الماءِ عليهما. ووجهُ صوابِ قراءةِ مَن قرَأه خفضًا؛ لما في ذلك مِن إمرارِ اليدِ عليهما، أو ما قام مَقامَ اليدِ مسحًا بهما، غيرَ أن ذلك وإن كان كذلك، وكانت القراءتان كِلْتَاهما حسنًا صوابًا، فأعْجَبُ القراءتَيْن إليَّ أن أَقْرَأَها قراءةُ مَن قرَأ ذلك خفضًا؛ لما وصَفْتُ مِن جمعِ المسحِ المعنَيَيْن اللذين وصَفْتُ، ولأنه بعدَ قولِه: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾. فالعطفُ به على "الرءوسِ" مع قربِه منه أولى مِن العطفِ به على "الأيدى"، وقد حيلَ بينَه وبينَها بقوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾. فإن قال قائلٌ: وما الدليلُ على أن المرادَ بالمسحِ في الرِّجْلَين العمومُ دون أن يكونَ خصوصًا، نظيرَ قولِك في المسحِ بالرأسِ؟ قيل: الدليلُ على ذلك تظاهرُ الأخبارِ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: "ويلٌ للأعْقابِ وبُطونِ الأقْدامِ مِن النارِ". ولو كان مسحُ بعضِ القدمِ مُجْزِئًا مِن عمومِها بذلك، لمَا كان لها الويلُ بتركِ ما تُرك مسحُه منها بالماءِ، بعدَ أن يُمسَحَ بعضُها؛ لأن مَن أدَّى فرضَ اللَّهِ عليه فيما لزِمه غسلُه منها لم يَسْتَحِقَّ الويلَ، بل يَجِبُ أن يَكونَ له الثوابُ الجزِيلُ، [وفى وُجوبِ] (١) الويلِ لعَقِبِ تاركِ غسلِ عَقِبِه في وضوئه، أوضحُ الدليلِ على وجوبِ فرضِ العمومِ بمسحِ جميعِ القدمِ بالماءِ، وصحةِ ما قلنا في ذلك وفسادِ ما خالَفَه.

стр. 5488

ذكرُ بعضِ الأخبارِ المَرْويةِ عن رسولِ اللهِ ﷺ بما ذكَرْنا حدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعدةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن محمدِ بن زيادٍ، قال: كان أبو هريرةَ يَمُرُّ ونحن نَتَوَضَّأُ مِن المِطْهَرةِ، فيقولُ: أَسْبِغوا الوضوءَ، أَسْبِغوا الوضوءَ، قال أبو القاسمِ: "ويلٌ للعَراقيبِ مِن النارِ" (١). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن شعبةَ، عن محمدِ بن زيادٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ ، نحوَه، إلا أنه قال: "ويلٌ للأعْقابِ مِن النارِ" (٢). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أَبي عَدِيٍّ، عن شعبةَ، عن محمدِ بن زيادٍ، قال: كان أبو هريرةَ يَمُرُّ بأناسٍ يَتَوَضَّئُون يُسوُون (٣) الطَّهور، فيقولُ: أسْبِغوا الوضوءَ، فإني سمِعْتُ أبا القاسمِ ﷺ يقولُ: "ويلٌ للعَقِبِ مِن النارِ". حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن شعبةَ، عن محمدِ بن زيادٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ بنحوِه. حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن حمادِ بن سلمةَ، عن محمدِ بن زيادٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال النبيُّ ﷺ بنحوِه (٤). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن حمادِ بن سلمةَ، عن محمدِ بن زيادٍ،

стр. 5489

عن أبي هريرةَ، قال: قال النبيُّ ﷺ : "ويلٌ للأعْقابِ مِن النارِ". حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ مَخْلَدٍ، قال: ثني سليمانُ بنُ بلالٍ، قال: ثنى سُهَيْلٌ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "ويلٌ للأعْقابِ مِن النارِ يومَ القيامةِ" (١). حدَّثني إسحاقُ بنُ شاهينٍ وإسماعيلُ بنُ موسى، قالا: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللَّهِ، عن سُهَيْل بن أبي صالحٍ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "ويلٌ للأعقابِ مِن النارِ". وقال إسماعيلُ في حديثِه: "ويلٌ للعَراقيبِ مِن النارِ". حدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعدةَ، قال: ثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا حسينٌ المُعَلِّمُ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن سالمٍ الدَّوْسيِّ، قال: دخَلْتُ مع عبدِ الرحمنِ بن أبي بكرٍ على عائشةَ، فدعا بوَضوءٍ، فقالت عائشةُ: يا عبدَ الرحمنِ، أسْبِغِ الوُضوءَ، فإنى سمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ ما يقولُ: "ويلٌ للأعْقابِ مِن النارِ" (٢). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عمرُ بنُ يُونُسَ الحَنَفيُّ، قال: ثنا عكرمةُ بنُ عمارٍ، قال: ثنا يحيى بن أبي كثيرٍ، قال: ثنى أبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثني أبو سالمٍ مولى المَهْرِيِّ (٣) - هكذا قال عمرُ بنُ يُونُسَ - قال: خرَجْتُ أنا وعبدُ الرحمن بنُ أبي بكرٍ في جِنازةِ سعدِ بن أبي وقاصٍ. قال: فمررْتُ أنا وعبدُ الرحمنِ على حُجرةِ

стр. 5490

عائشةَ أختِ عبدِ الرحمنِ، فدعا عبدُ الرحمنِ بوَضوء، فسمِعْتُ عائشةَ تُنادِيه: يا عبدَ الرحمنِ، أَسْبِغِ الوُضوءَ، فإنى سمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "ويلٌ للأعْقابِ مِن النارِ" (١). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا عليُّ بنُ المباركِ، عن يحيى بن أبى كثيرٍ، عن سالمٍ مولى دَوْسٍ، قال: سمعْتُ عائشةَ تقول لأخيها عبدِ الرحمنِ: يا عبدَ الرحمنِ، أَسْبِغِ الوُضوءَ، فإنى سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "ويلٌ للأعْقابِ مِن النارِ" (٢). حدَّثني يعقوبُ وسَوَّارُ بنُ عبدِ اللَّهِ، قالا: ثنا يحيى القَطَّانُ، عن ابن عَجْلانَ، عن سعيدِ بن أبي سعيدٍ، عن أبي سلمةَ، أن عائشةَ رأَت عبدَ الرحمنِ يَتَوَضَّأُ، فقالت: أَسْبِغِ الوُضوءَ، فإنى سمِعْتُ رسولَ ﷺ يقولُ: "ويلٌ للأعْقابِ من النارِ". حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابْنُ عُيينةَ ويحيى بنُ سعيدٍ القطَّانُ، عن ابن عَجْلانَ، عن سعيدِ بن أبي سعيدٍ، عن أبي سلمةَ، قال: رأَت عائشةُ عبدَ الرحمنِ يَتَوَضَّأُ، فقالت: أَسْبِغِ الوُضوءَ؛ فإنى سمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "ويلٌ للعَراقِيبِ مِن النارِ" (٣).

стр. 5491

حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكَمِ، قال: أخْبرَنا [أبو زرعةَ وهَبُ اللَّهِ بنُ راشدٍ، قال] (١): أَخْبَرَنَا حَيْوَةُ بنُ شُرَيْحٍ، قال: أخْبرَنا أبو الأسودِ، أخْبَرنا أبو (٢) عبدِ اللهِ مولي شَدَّادِ بن الهادِ، حدَّثه أنه دخَل على عائشةَ زوجِ النبيِّ ﷺ وعندَها عبدُ الرحمنِ، فتوَضَّأ عبدُ الرحمنِ، ثم قام فأدْبَر، فنادَتْه عائشةُ فقالت: يا عبدَ الرحمنِ. فأقْبَل عليها، فقالت له: إنى سمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "ويلٌ للأعْقابِ مِن النارِ" (٣). حدَّثني محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن شعبةَ، قال: ثني أبو إسحاقَ، عن [سعيدٍ، أو شُعَيْبٍ] (٤) أو سعيدِ بن أبى كَرِبٍ (٥)، قال: سمِعْتُ جابرَ بنَ عبدَ اللهِ يقولُ: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "ويلٌ للعَراقيبِ مِن النارِ" (٦). حدَّثنا خَلَّادُ بنُ أَسْلَمَ، قال: ثنا النَّضْرُ، قال: أخبرنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، قال: سمِعْتُ ابنَ أبى كَرِبٍ، قال: سمِعْتُ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ، قال: سمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "ويلٌ للعَقِبَ، أو العَراقِيبِ، مِن النارِ".

стр. 5492

حدَّثني إسماعيلُ بنُ [مسعودٍ الجَحْدريُّ] (١)، قال: ثنا خالدُ بنُ الحارث، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، قال: سمعْتُ سعيدًا يقولُ: سَمِعْتُ جابرًا يقولُ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "ويلٌ للأعْقابِ مِن النارِ". حدَّثنا ابن بشارٍ وابنُ المثنى، قالا: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بن أبي كَرِبٍ (٢)، عن جابرِ بن عبدِ اللَّهِ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "ويلٌ للعراقِيبِ مِن النارِ" (٣). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا الصَّبَّاحُ بنُ مُحارِبٍ، عن محمدِ بن أبانٍ، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بن أبي كَرِبٍ (٢)، عن جابرِ بن عبدِ اللهِ، قال: سمِع أُذُنى مِن النبيِّ ﷺ : "ويلٌ للعَراقِيبِ مِن النارِ". حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا الصَّبَّاحُ بنُ مُحارِبٍ، عن محمدِ بن أبانٍ، عن أبى إسحاقَ، عن سعيدِ بن أبى كَرِبٍ، عن جابرِ بن عبدِ اللَّهِ، قال: سمع أُذُنى مِن النبيِّ ﷺ : "ويلٌ للعراقِيبِ مِن النارِ، أَسْبِغوا الوُضوءَ" حدَّثني الحسينُ بنُ عليٍّ الصُّدَائيُّ، قال: ثنا الوليدُ بنُ القاسمِ، عن الأعمشِ عن أبي سفيانَ، عن جابرِ بن عبدِ اللهِ، قال: أبْصَر النبيُّ ﷺ رجلًا يَتَوَضَّأُ وبقِي مِن عَقِبِه شيءٌ، فقال: "ويلٌ للعَراقِيبِ مِن النارِ" (٤).

стр. 5493

حدَّثني عليُّ بنُ مسلمٍ، قال ثنا عبدُ الصمدِ بنُ عبدِ الوارثِ، قال: ثنا حفصٌ، عن الأعمشِ، عن أبي سفيانَ، عن جابرٍ، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ رأَى قومًا يتَوَضَّئُون، لم يُصِبْ أعقابَهم الماءُ، فقال: "ويلٌ للعَراقيبِ مِن النارِ". حدَّثنا أبو سفيانَ الغَنَويُّ يزيدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا خلفُ بنُ الوليدِ، قال: ثنى أيوبُ بنُ عُتْبَةَ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن أبي سلمةَ، عن مُعَيْقِيبٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "ويلٌ للعَراقِيبِ مِن النارِ" (١). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن هلالِ بن يِسَافٍ، عن أبي يحيى، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو، قال: رأَى رسولُ اللهِ ﷺ قومًا يَتَوَضَّئُون، فرأَى أعقابَهم تَلوحُ، فقال: "ويلٌ للأعْقابِ مِن النارِ، أسْبِغوا الوُضوءَ" (٢). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن هلالِ بن يِسَافٍ، عن أبي يحيى الأعْرجِ، عن عبدِ اللَّهِ بن عمرٍو، قال: أبْصَر رسولُ اللهِ ﷺ قومًا يَتَوَضَّئون لم يُتِمُّوا الوُضوءَ، فقال: "أَسْبِغوا الوُضوءَ، ويلٌ للعَراقيبِ، أو الأعْقابِ، مِن النارِ" (٣). [حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ] (٤)،

стр. 5494

[عن رجلٍ مِن أهلِ مكةَ، عن عبدِ اللهِ (١) بن عمرو، أن النبيَّ ﷺ رأَى قومًا يَتَوَضَّئون، فلم يُتِمُّوا الوضوءَ، فقال: "ويلٌ للأعْقابِ مِن النارِ" (٢). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيان، عن منصورٍ، عن هلالِ بن يِسَافٍ، عن أبي يحيى، عن عبدِ الله بن عمرٍو، أن رسول الله ﷺ رَأَى قومًا يَتَوَضَّئون وأعقابُهم تَلوحُ، فقال: "ويلٌ للأعْقابِ مِن النارِ، أَسْبِغوا الوُضوءَ" (٣). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ، عن إسرائيل، عن منصورٍ، عن هلالٍ، عن أبي يحيى مولى عبدِ اللهِ بن عمرٍو] (٤)، [عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو] (٥)، قال: كنَّا مع رسولِ اللهِ ﷺ بينَ مكةَ والمدينةِ، فسبَقَنا ناسٌ فتَوَضَّئوا، فجاء رسولُ اللهِ ﷺ ، فرأَى أقدامَهم بيضًا مِن أثرِ الوُضوءِ، فقال: "ويلٌ للعَراقيبِ مِن النارِ، أَسْبِغوا الوُضوءَ". حدَّثني عليُّ بنُ عبدِ الأعلى المحاربيُّ (٦)، قال: ثنا المُحاربيُّ، عن مُطَّرِح بن يَزِيدَ، عن عُبيدِ اللَّهِ بن زَحْرٍ، عن عليٍّ بن يزيدَ، عن القاسمِ، عن أبي أُمامةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "ويلٌ للأعْقابِ مِن النارِ". قال: فما بقى في المسجدِ شَريفٌ ولا وَضيعٌ

стр. 5495

إلا نظَرْتُ إليه يُقَلِّبُ عُرْقُوبَيْه يَنْظُرُ إليهما (١). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا حسينٌ، عن زائدةَ، عن ليثٍ، قال: ثنى عبدُ الرحمنِ بنُ سابِطٍ، عن أبي أُمامةَ، أو أخى أبي أُمامةَ، أن رسولَ اللهِ ﷺ أبْصَر أقوامًا يَتَوَضَّئون، وفى عَقِبِ أحدِهم - أو كعبِ أحدِهم - مثلُ موضعِ الدرهمَ - أو موضعِ الظُّفُرِ - لم يَمَسَّه الماءُ، فقال: "ويلٌ للأعْقابِ مِن النارِ". قال: فجعَل الرجلُ إذا رأَى في عقبِه شيئًا لم يُصِبْه الماء أعاد وُضوءَهُ (٢). فإن قال قائلٌ: فما أنتَ قائلٌ فيما حدَّثكم به محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن شعبةَ، عن يَعْلَى بن عَطاءٍ، عن أبيه، عن أَوْسِ بن أبى أَوْسٍ، قال: رأَيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ توَضَّأ ومسَح على نعْلَيْه، ثم قام فصلَّى (٣). وما حدَّثك به عبيدُ اللهِ (٤) بنُ الحجاجِ بن المِنْهالِ، قال: ثنى أبي، قال: ثنا جَريرُ بنُ حازمٍ، قال: سَمِعْتُ الأعْمشَ، عن أبي وائلٍ، عن حُذيفةَ، قال: أتَى رسولُ اللهِ ﷺ سُبَاطةَ (٥)، قومٍ، فبال عليها قائمًا، ثم دعا بماءٍ فتوَضَّأ ومسَح على نعليه (٦). وما حدَّثك به الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ بنُ سَلَّامٍ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: ثنا يَعْلَى بنُ عَطاءٍ، عن أبيه، عن أوْسِ بن أبى أوْسٍ، قال: رأَيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ أَتى

стр. 5496

سُبَاطةَ قومٍ، فتوَضَّأ ومسَح على قدميه (١). وما أشْبَهَ ذلك مِن الأخبارِ الدالةِ على أن المسحَ ببعضِ الرجلين في الوُضوءِ مُجْزِئٌ؟ قيل له: أما حديثُ أوسِ بن أبى أوسٍ فإنه لا دَلالة فيه على صحةِ ذلك، إذ لم يَكُن في الخبرِ الذي رُوِى عنه ذكر أنه رأَى النبيَّ ﷺ يتوَضَّأ بعد حدَثٍ يُوجِبُ عليه الوُضوءَ لصلاتِه، فمسَح على نعْلَيْه أو على قدميِه، وجائزٌ أن يَكونَ مَسْحُه على قدميه الذي ذكَره أوسٌ كان في وضوءٍ توَضَّأه مِن غيرِ حدثٍ كان منه وجَب عليه مِن أجلِه تَجْديدُ وُضوئه؛ لأن الروايةَ عنه ﷺ أنه كان إذا توَضَّأ لغيرِ حَدَثٍ كذلك يَفْعَلُ. يَدُلُّ على ذلك ما حدَّثني محمدُ بنُ عُبيد المُحاربيُّ، قال: ثنا أبو مالكٍ الجَنْبيُّ، عن مسلمٍ، عن حَبَّةَ العُرَنيِّ، قال: رأيْتُ عليَّ بنَ أبي طالبٍ ﵁ شرِب في الرَّحَبةِ قائمًا، ثم توَضَّأ ومسَح على نعْلَيه، وقال: هذا وضوءُ مَن لم يُحْدِثُ، هكذا رأَيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ صنَع (٢). فقد أنْبَأ هذا الخبرُ عن صحةِ ما قلْنا في معنى حديثِ أَوْسٍ. فإن قال: فإن حديثَ أوْسٍ وإن كان مُحْتَمِلًا مِن المعنى ما قلت، فإنه مُحْتَمِلٌ أيضًا ما قاله مَن قال: إنه معنيٌّ به المسحُ على النعلين أو القدمين في وضوءٍ توَضَّأه رسولُ اللهِ ﷺ مِن حدثٍ. قيل: أحسنُ حالاتِ الخبرِ ما حُمِّل (٣) ما قلتَ، إِن سُلِّم له ما ادَّعَى مِن احتمالِه

стр. 5497

ما ذكَر مِن المسحِ على القدمِ أو النعلِ بعد الحدَثِ، وإن كان ذلك غيرَ مُحْتَمِله عندَنا، إذ كان غيرَ جائزٍ أن تكونَ فرائضُ اللهِ وسننُ رسولِه ﷺ مُتَنافيةً مُتَعارضةً، وقد صحَّ عنه ﷺ الأمرُ بعمومِ غسلِ القدمين في الوُضوءِ بالماءِ بالنقلِ المُسْتَفِيضِ القاطعِ عذْرَ مَن انِتهى إليه وبلَغه. وإذا كان ذلك عنه صحيحًا، فغيرَ جائزٍ أن يكونَ صحيحًا عنه إباحةُ تركِ غسلِ بعضِ ما قد أوْجَب فرضًا غَسْلَه في حالٍ واحدةٍ ووقتٍ واحدٍ؛ لأن ذلك إيجابُ فرضٍ وإبْطالُه في حالِ واحدةٍ، وذلك عن أحكامِ اللهِ وأحكامِ رسولِه ﷺ مُنْتَفٍ. غير أنا إذا سلَّمنا لمن ادَّعَى في حديثِ أوسٍ ما ادَّعَى - مِن احتمالِه مَسْحَ النبيِّ ﷺ على قدمِه في حالِ وضُوءٍ مِن حَدَثٍ، ففيه نبأٌ بالفَلَجِ عليه، فإنه لا حُجةَ له في ذلك - قلنا: فإذا كان مُحْتَمِلًا ما ادَّعَيْتَ، أَفَمُحْتَمِل هو ما قلْناه: إن ذلك كان مِن النبيِّ ﷺ في حالِ وُضوئه لا مِن حدثٍ؟ فإن قال: لا. ثبَتَت مُكابَرتُه؛ لأنه لا بيانَ في خبرِ أوسٍ أن النبيَّ ﷺ ما فعَل ذلك في وُضوءِ مِن حدَثٍ. وإن قال: بل هو مُحْتَمِلٌ ما قلتَ، ومُحْتَمِلٌ ما قلْنا. قيل له: فما البُرْهانُ على أن تأويلَك الذي ادَّعَيْتَ فيه أولى به مِن تأويلِنا؟ فلن يَدَّعِيَ برهانًا على صحة دَعْواه في ذلك إلا عُورِض بمثلِه في خلافِ دَعواه. وأما حديثُ حُذيفةَ، فإن الثِّقاتِ الحُفَّاظَ مِن أصحابِ الأعمشِ حدَّثوا به عن الأعمشِ، عن أبي وائلٍ، عن حُذيفةَ، أن النبيَّ ﷺ أتى سُبَاطةَ قومٍ، فبال قائما، ثم توَضّأ ومسَح على خُفَّيْه. حدَّثنا بذلك أحمدُ بنُ عَبْدةَ الضَّبِّيُّ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن الأعمشِ، عن أبي وائلٍ، عن حُذيفةَ، ح وحدَّثني المثنى، قال: ثنا ابنَ أبي عَدِيٍّ، عن شعبةَ، عن

стр. 5498

سُلَيمانَ، عن أبي وائلٍ، عن حُذيفةَ، ح وحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابن إدْريسَ، عن الأعمشِ، عن أبي وائلٍ، عن حُذيفةَ، ح وحدَّثني أبو السائبِ. قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن شَقيقٍ، عن حُذيفةَ، ح وحدَّثني عيسى بنُ عثمانَ بن عيسى الرَّمْلَيُّ، قال: ثنا [عمى يحيى بنُ عيسى] (١)، عن الأعمشِ، عن شَقيقٍ، عن حُذيفةَ، ح وحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن الأعمشِ، عن أبي وائلٍ، عن حُذيفةَ. وكلُّ هؤلاء يُحَدِّثُ ذلك عن الأعمشِ، بالإسنادِ الذي ذكَرْنا عن حُذيفةَ، أن النبيَّ ﷺ مسَح على خفَّيْه (٢)، وهم أصحابُ الأعمشِ، ولم يَنْقُلْ هذا الحديثَ عن الأعمشِ غيرُ جَريرِ بن حازمٍ، ولو لم يُخالِفْه في ذلك مخالفٌ لوجَب التثبُّتُ فيه؛ لشُذوذه، فكيف والثِّقاتُ مِن أصحابِ الأعمشِ يُخالفونه في روايتِه ما روَى مِن ذلك، ولو صحَّ ذلك عن النبيِّ ﷺ كان جائزًا أن يَكونَ مسَح على نعليه وهما ملْبُوسَتان فوقَ الجَوْرَبَيْن، وإذا جاز ذلك لم يَكُنْ لأحدٍ صرفُ الخبرِ إلى أحدِ المعانى المحتمِلها الخبرُ إلا بحجةٍ يَجِبُ التسليمُ لها. القولُ في تأويلِ قوله: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾. واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في "الكعبِ"؛ فقال بعضُهم بما حدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ الغِفاريُّ، قال: ثنا أبو نُعَيْم، قال: ثنا القاسمُ بنُ الفضلِ الحُدَّانيُّ، قال: قال أبو جعفرٍ: أين "الكعبين" (٣) فقال القومُ: ههنا. فقال: هذا رأسُ الساقِ، ولكنَّ

стр. 5499

الكعبين هما عندَ المَفْصِلِ. حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرنا أَشْهَبُ، قال: قال مالكٍ: الكعبُ الذي يَجِبُ الوُضوءَ إليه هو الكعبُ المُلْتَصِقُ بالساقِ المُحاذِى العَقِبَ، وليس بالظاهرِ في ظاهرِ القدمِ. وقال آخَرون بما حدَّثنا الربيعُ، قال: قال الشافعيُّ: لم أَعْلَمْ مُخالِفًا في أن الكعبَيْن اللذين ذكَرَهما اللهُ في كتابِه في الوُضوءَ هما الناتئان، وهما مَجْمَعُ مَفْصِلِ الساقِ والقدمِ (١). والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن الكعبَيْن هما العظمان اللذان في مَفْصِلِ الساقِ والقدمِ، تُسَمِّيهما العربُ المِنْجَمَيْن. وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ يقولُ: هما عظما الساقِ في طرفِها. واخْتَلَف أهلُ العلمِ في وجوبِ غسلِهما في الوُضوءَ، وفي الحدِّ الذي يَنْبَغِي أن يَبْلُغَ بالغَسْلِ إليه مِن الرَّجْلين، نحوَ اختلافِهم في وجوبِ غسلِ المرفقَيْن، وفي الحدِّ الذي يَنْبَغِي أن يَبْلُغَ بالغَسْل إليه مِن اليدين. وقد ذكَرْنا ذلك ودلَّلنا على الصحيحِ مِن القولِ فيه بعِللِه فيما مضَى قبلُ بما أغْنَى عن إعادتِه (٢). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾. يعنى بقوله جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا﴾: وإن كنتم أصابَتْكم جَنابةٌ قبلَ أن تَقوموا إلى صلاتِكم فقمتُم إليها، ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾. يقولُ: فتَطَهَّرُوا بالاغْتسالِ منها قبلَ دخولِكم في صلاتِكم التي قمْتُم إليها.

стр. 5500

ووحَّد "الجنبَ" وهو خبرٌ عن الجميعِ؛ لأنه اسمٌ حَرَج مَخْرَجَ الفعلِ (١)، كما قيل: رجلٌ عَدْلٌ وقومٌ عَدْلٌ، ورجلٌ زَوْرٌ وقومٌ زَوْرٌ (٢). وما أشْبَهَ ذلك، لفظُ الواحدِ والجميعِ والاثنين والذكرِ والأُنثى فيه واحدٍ يقالُ منه: أَجْنَب الرجلُ وجَنُب واجتَنَب، والفعلُ الجنابةُ والإجْنابُ. وقد سُمِع في جمعِه أجنابٌ، وليس ذلك بالمُسْتَفِيضِ الفاشِي في كلامِ العربِ، بل الفصيحُ مِن كلامهمِ ما جاء به القرآنُ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾. يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: وإن كنتم جَرْحَى أو مُجَدَّرِين (٣) وأنتم جنبٌ. وقد بيَّنا أن ذلك كذلك فيما مضَى بما أغْنَى عن إعادتِه (٤). وأما قولُه: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾. فإنه يقولُ: وإن كنتم مُسافِرِين وأنتم جنبٌ. ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾. يقولُ: أو جاء أحدُكم مِن الغائطِ بعدَ قضاءَ حاجتِه فيه وهو مسافرٌ. وإنما عنَى بذكرِ مَجيئِه منه قضاءَ حاجتِه فيه. ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾. يقولُ: أو جامَعْتُم النساءَ وأنتم مُسافِرون. وقد ذكَرْنا اخْتِلافَ المختلفين فيما مضَى قبلُ في "اللمسِ"، وبيَّنا أوْلَى الأقْوالِ في ذلك بالصوابِ فيما مضَى بما أغْنَى عن إعادتِه (٥).
следующие страницы →