← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 5566–5605 · переход к 5571.

стр. 5566

حدثنا الزُّبيرُ بن بكَّارٍ، قال: ثنا أبو ضَمْرَةَ أَنسُ بنُ عِياضٍ، قال: سمعتُ زِيدَ بنَ أسلم يقولُ: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾. فلا أعلمُ إلا أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "من كان له بيتٌ وخادمٌ فهو مَلِكٌ" (١). حدثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا العلاءُ بنُ عبدِ الجبارِ، عن حمادِ بن سَلَمَةَ، عن حُميدٍ، عن الحسنِ أنه تلا هذه الآيةَ: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾. . فقال: وهل المُلْكُ إلا مَرْكَبٌ وخادمٌ ودارٌ (٢)؟ فقال قائلو هذه المقالةِ: إنما قال لهم موسى ذلك لأنهم كانوا يملكون الدور والخدمَ، ولهم نساءٌ وأزواجٌ. ذكرُ من قال ذلك حدثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ وابنُ حُميدٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، قال: أُرَاه عن الحكمِ: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾. قال: كانت بنو إسرائيلَ إذا كان للرجلِ منهم بيتٌ وامرأةٌ وخادمٌ عُدَّ مَلِكًا (٣). حدثنا هنَّادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، ح وحدثنا سفيانُ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن الحكمِ: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾. قال: الدارُ والمرأةُ والخادمُ. قال سفيان: أو (٤) اثنتين من الثلاثةِ. حدثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ،

стр. 5567

عن رجلٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾. قال: البيتُ والخادُم (١). حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن منصورٍ، عن الحكمِ أو غيرِه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾. قال: الزوجةُ والخادمُ والبيتُ (٢). حدثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾. قال: جعل لكم أزواجًا وخدَمًا وبيوتًا (٣). حدثنا المثنى، قال: ثنا عليُّ بن محمدٍ الطَّنَافِسيُّ (٤)، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن حجَّاجِ بن تَميمٍ (٥)، عن ميمونِ بن مِهْرانَ، عن ابن عباسٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾. قال: كان الرجلُ من بني إسرائيلَ إذا كانت له الزوجةُ والخادمُ والدارُ يُسَمَّى مَلِكًا (٦). حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾. قال: ملَّكهم الخدَمَ. قال قتادةُ: كانوا أوَّلَ

стр. 5568

من ملَك الخدَمَ (١). حدثني الحارثُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ بنُ أبانٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾. قال: جعل لكم أزواجًا وخدَمًا وبيوتًا. وقال آخرون: إنما عنَى بقولِه: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾. أنهم يملكون أنفسَهم وأهليهم وأموالَهم. ذكرُ من قال ذلك حدثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بن حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾: يملِكُ الرجلُ منكم نفسَه وأهلَه ومالَه (٢). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٠)﴾. [اخْتَلَف أهلُ التأويل في الذين] (٣) عُنُوا بهذا الخطابِ؛ فقال بعضُهم: عُنِى به أمةُ محمدٍ ﷺ . ذكرُ من قال ذلك حدثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن السُّديِّ، عن أبي مالكٍ وسعيدِ بن جبيرٍ: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾. قالا: أمةُ محمدٍ ﷺ (٤).

стр. 5569

وقال آخرون: عُني به قومُ موسى ﷺ . ذكرُ من قال ذلك حدثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: هم قومُ موسى. حدثني الحارثُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ بنُ أبانٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾. قال: هم بينَ ظهرانَيْه يومَئذٍ (١). ثم اخْتَلفوا في الذي (٢) آتاهم اللهُ ما لم يُؤْتِ أحدًا من العالمينِ؛ فقال بعضُهم: هو المنُّ والسَّلْوَى والحَجَرُ والغَمامُ. ذكرُ من قال ذلك حدثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾. قال: المنُّ والسَّلْوَى والحَجَرُ والغَمامُ (٣). حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهدٍ: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾: يعنى أهل ذلك الزمانِ؛ المنُّ والسلوَى والحجرُ والغمامُ (٤). وقال آخرون: هو الدارُ والخادمُ والزوجةُ.

стр. 5570

ذكرُ من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا بشرُ بنُ السَّرِيِّ، عن طلحةَ بن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾. قال: الرجلُ يكونُ له الدارُ والخادمُ والزوجةُ (١). حدثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيز، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾: المنُّ والسَّلْوَى والحجرُ والغمامُ (٢). وأولى التأويلين في ذلك عندى بالصوابِ قولُ من قال: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾: [[خطابٌ لبنى إسرائيل؛ حيث جاء] (٣) في سياقِ قولِه: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. ومعطوفًا (٤) عليه، ولا دَلالةَ في الكلامِ تدلُّ على أن قولَه: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾] (٥). مصروفٌ عن خطاب الذين ابْتُدِئ بخطابِهم في أولِ الآيةِ. فإذ كان ذلك كذلك، فأن يكونَ خطابًا لهم أولى من أن يقالَ: هو مصروفٌ عنهم إلى غيرِهم. فإن ظنَّ ظانٌّ أن قولَه: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾. لا يجوزُ أن يكونَ [خطابًا لبنى إسرائيلَ] (٦)، إذ كانت أمهُ محمدٍ قد أُوتِيَت من كرامةِ اللهِ بنَبيِّها (٧)

стр. 5571

﵊ محمدٍ (١)، ما لم يُؤْتِ أحدًا غيرَهم، وهم من العالمين - فقد ظنَّ غيرَ الصوابِ، وذلك أن قولَه: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾. خطابٌ من موسى ﷺ لقومه يومئَذٍ، وعنَى بذلك عالمَى زمانِه، لا عالمَى كلِّ زمانٍ، ولم يكنْ أُوتِيَ في ذلك الزمانِ من نعمِ اللهِ وكرامتِه ما أُوتِيَ قومُه ﷺ أحدٌ من العالمين، فخرَج الكلامُ منه ﷺ على الله على ذلك، لا على جميعِ كلِّ زمانٍ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. وهذا خبرٌ من الله عزَّ ذكرُه عن قولِ موسى ﷺ لقومه من بني إسرائيلَ، وأمرِه إيَّاهم عن أمرِ اللهِ إِيَّاه، يأمُرُهم بدخولِ الأرضِ المقدَّسةِ. ثم اخْتَلف أهلُ التأويلِ في الأرضِ التي عناها بالأرضِ المقدَّسةِ؛ فقال بعضُهم: عنَى بذلك الطورَ وما حولَه. ذكرُ من قال ذلك حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾: الطورَ وما حولَه (٢). حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدثني الحارثُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾. قال:

стр. 5572

الطورَ وما حولَه (١). وقال آخرون: هو الشَّامُ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾. قال: هي الشامُ (٢). وقال آخرون: هي أرضُ أرِيحا. ذكرُ من قال ذلك حدثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِه: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. قال: أريحا (٣). حدثني موسى (٤) بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، قال: هي أريحا (٥). حدثني عبدُ الكريمِ بنُ الهيثمِ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي سعيدٍ (٦)، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: هي أريحا (٧).

стр. 5573

وقيل: إن الأرض المقدَّسةَ دمَشقُ وفِلَسطينُ وبعضُ الأُرْدنِّ. وعنى بقولِه: ﴿الْمُقَدَّسَةَ﴾. المطهرةَ المباركةَ. كما حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾. قال: المباركةَ (١). حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: هي الأرضُ المقدَّسةُ. كما قال نبيُّ اللهِ موسى ﷺ ، لأن القولَ في ذلك بأنها أرض دونَ أرضٍ، لا تُدرَكُ حقيقةُ صحتِه إلا بالخبرِ، ولا خبرَ بذلك يجوزُ قطع الشهادةِ به، غيرَ أنها لن تخرُجَ من أن تكونَ من الأرضِ التي ما بينَ الفراتِ وعريشِ مصرَ؛ لإجماعِ جميعِ أهلِ التأويلِ والسيرِ والعلماءِ بالأخبارِ على ذلك. ويعنى بقولِه: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾: التي أَثْبَت في اللوحِ المحفوظِ أنها لكم مساكنُ ومنازلُ، دونَ الجبابرةِ التي فيها. فإن قال قائلٌ: فكيف قال: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. وقد عِلمتَ أنهم لم يدخُلوها بقولِه: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾. فكيف يكونُ مُثْبَتًا في اللوحِ المحفوظِ أنها مساكنُ لهم (٢)، ومحرَّمًا عليهم سُكْنَاها؟ قيل: إنها كُتِبت لبنى إسرائيلَ دارًا ومساكنَ، وقد سكَنوها ونزَلوها،

стр. 5574

وصارت لهم كما قال اللهُ جلَّ وعزّ، وإنما قال لهم موسى: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. يعنى بها: كتَبها اللهُ لبنى إسرائيلَ، وكان الذين أمَرهم موسى بدخولِها من بنى إسرائيلَ، ولم يعنِ ﷺ أن الله تعالى ذكرُه كتَبها للذين أمرَهم بدخولِها بأعيانِهم. ولو قال قائلُ: قد كانت مكتوبةً لبعضِهم ولخاصٍّ منهم، فأُخْرِج الكلامُ على العمومِ والمرادُ منه الخاصُّ، إذ كان يُوشَعُ وكالبُ (١) قد دخَلاها، وكانا ممن خُوطِب بهذا القولِ - كان أيضا وجهًا صحيحًا. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال ابن إسحاقَ. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾: التي وهَبَ اللهُ لكم (٢). وكان السُّديُّ يقولُ: معنى ﴿كَتَبَ﴾ في هذا الموضعِ بمعنى "أمَر". حدَّثنا بذلك موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾: التي أمَركم اللهُ بها (٣). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١)﴾. وهذا خبرٌ من اللهِ عزَّ ذكرُه عن قيلِ موسى ﵇ لقومِه من بنى إسرائيلَ، إذ أمَرهم عن أمرِ اللهِ عزَّ ذكرُه إِيَّاه بدخولِ الأرضِ المقدَّسةِ، أنه قال لهم: امْضُوا أيها القومُ لأمرِ اللهِ الذي أمَركم به من دخولِ الأرضِ المقدَّسةِ، ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا﴾. يقولُ:

стр. 5575

لا ترجِعوا القَهْقَرَى مرتدِّين ﴿عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾. يعنى: إلى ورائِكم، ولكن امْضُوا قُدُمًا لأمرِ اللهِ الذي أمَركم به من الدخولِ على القومِ الذين أمَركم اللهُ بقتالِهم، والهجومِ عليهم في أرضِهم، وأن الله عزَّ ذكرُه قد كتَبها لكم مسكنًا وقرارًا. ويعنى بقولِه: ﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾. أي (١): تنصرِفوا خائبين هُلِّكًا (٢). وقد بيَّنا معنى الخَسَارةِ في غيرِ هذا الموضعِ بشواهدِه المُغْنيةِ عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٣). فإن قال قائلٌ: وما كان وجهُ قيلِ موسى لقومِه إذ أمَرهم بدخولِ الأرضِ المقدَّسةِ: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾. أَوْ يَستوجبُ الخسارةَ من لم يدخُلْ أرضًا جُعِلت له؟ قيل: إن الله عزَّ ذكرُه كان أمَرهم (٤) بقتالِ مَن فيها من أهلِ الكفرِ به، وفرَض عليهم دخولَها، فاسْتَوْجَب القومُ الخسارةَ بتركِهم إذن فرضَ اللهِ عليهم من وجهين؛ أحدُهما، تضييعُ فرضِ الجهادِ الذي كان اللهُ عَزَّ ذِكرُه فرَضه عليهم. والثاني، خلافُهم أمَر اللهِ في تركِهم دخولَ الأرضِ، وقولِهم لنبيِّهم موسى ﷺ إذ قال لهم: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ -: ﴿وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾. وكان قتادةُ يقولُ في ذلك بما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾: أُمِروا بها

стр. 5576

كما أُمِروا بالصلاةِ والزكاةِ والحجِّ والعمرةِ (١). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾. وهذا خبرٌ من اللهِ جلَّ ثناؤُه عن جوابِ قومِ موسى لموسى (٢) ﵇، إذ أمَرهم بدخولِ الأرضِ المقدَّسةِ، أنهم أَبَوْا عليه إجابةً إلى ما أمَرهم به من ذلك. واعتلُّوا عليه في ذلك بأن قالوا: إن في الأرضِ المقدسةِ التي تأمُرُنا بدخولِها قومًا جبَّارين، لا طاقةَ لنا بحربِهم، ولا قوةَ لنا بهم. وسمَّوهم جبَّارين لأنهم كانوا بشدةِ بطشِهم، وعظيمِ (٣) خَلْقِهم، فيما ذُكِر لنا، قد قهَروا سائرَ الأممِ غيرِهم. وأصلُ الجبَّارِ المصلحُ أمرَ نفسِه و (٤) أمرَ غيرِه، ثم اسْتُعْمِل فِي كُلِّ مَنِ اجْتَرَّ نفعًا إلى نفسِه بحقٍّ أو باطلٍ، طلَبِ الإصلاحِ لها (٥)، حتى قيل للمتعدِّى إلى ما ليس له، بغيًا على الناسِ، وقهرًا لهم، وعتوًّا على ربِّه: جبَّارٌ. وإنما هو فعَّالٌ، من قولِهم: جبرَ فلانٌ هذا الكسرَ، إِذا أَصْلَحه ولأَمَه. ومنه قولُ الراجزِ (٦): قد جَبَرَ الدِّينَ الإِلهُ فَجَبَرْ وعوَّرَ الرحمنُ مَن ولَّى العَوَرْ (٧) يريدُ: قد أَصْلَح الدينَ الإلهُ فصلَح. ومن أسماءِ اللهِ تعالى ذكرُه الجبَّارُ؛ لأنه المصلحُ أمرَ عبادِه، القاهرُ لهم بقدرتِه.

стр. 5577

ومما ذُكِّرْتُه من عِظَمِ خَلْقِهم ما حدَّثني به موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في قصةٍ ذكَرها من أمرِ موسى وبنى إسرائيلَ، قال: ثم أمَرهم بالسيرِ إلى أَرِيحا، وهى أرضُ بيتِ المقدسِ، فساروا حتى إذا كانوا قريبًا منهم بعَث موسى اثنى عشر نقيبًا من جميعِ أسباطِ بني إسرائيلَ، فساروا يَريدون أن يأتوه بخبرِ الجبَّارين، فلَقِيهم رجلٌ من الجبارين يقالُ له: عاجٌ (١). فأخذ الاثنى عشَرَ فجعَلهم في حُجْزتِه، وعلى رأسِه حَمْلةُ حَطَبٍ، وانطَلَق بهم إلى امرأتِه، فقال: انظُرى إلى هؤلاء القوم الذين يزعُمون أنهم يريدون أن يقاتِلونا! فطرَحهم بين يديها، فقال: ألا أطحَنُهم برجلي؟ فقالت امرأتُه: لا، بل خلِّ عنهم حتى يُخْبِروا قومَهم بما رأَوا. ففعَل ذلك (٢). حدَّثني عبدُ الكريمِ بنُ الهيثمِ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا سفيانُ، قال: قال أبو سعدٍ (٣): قال عكرمةُ، عن ابن عباسٍ، قال: أُمِر موسى أن يدخُلَ مدينةَ الجبَّارين. قال: فسار موسى بمن معه حتى نزَل قريبًا من المدينةِ، وهى أريحا، فبعَث إليهم اثنى عشَرَ عَيْنًا (٤)، من كلِّ سِبْطٍ منهم عينًا؛ ليأتوه بخبرِ القومِ. قال: فدخَلوا المدينةَ فرأَوْا أمرًا عظيمًا من هيئتِهم وجثثِهم وعِظَمِهم، فدخَلوا حائطًا لبعضِهم، فجاء صاحبُ الحائطِ ليجتنىَ الثمارَ من حائطِه، فجعَل يجتنى الثمارَ وينظرُ إلى آثارِهم، فتَتَبَّعَهم، فكلما أصاب واحدًا منهم أخَذه فجعَله في كُمِّه مع الفاكهةِ (٥)، وذهَب إلى ملكِهم فنثَرهم بين يديه، فقال الملكُ: قد رأيتم شأنَنا وأمرَنا، اذهبوا

стр. 5578

فأخبِروا صاحبَكم. قال: فرجَعوا إلى موسى فأخبَروه بما عاينوا من أمرِهم (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾: ذُكِر لنا أنهم كانت لهم أجسامٌ وخِلَقٌ ليست لغيرِهم (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ، قال: إن موسى ﵇ قال لقومِه: إنى سأبعَثُ رجالًا يأتونني بخبرِهم. وإنه أخَذ من كلِّ سِبْطٍ رجلًا، فكانوا اثنى عشَرَ نقيبًا، فقال: سيروا إليهم، وحدِّثوني حديثَهم، وما أمرُهم، ولا تخافوا إن الله معكم، ما أَقَمْتم الصلاةَ، وآتيتم الزكاةَ، وآمنتم برسلِه، وعزَّرتموهم، وأقرضتم الله قرضًا حسنًا. و (٣) إن القومَ ساروا حتى هجَموا عليهم، فرأوا أقوامًا لهم أجسامٌ عَجَبٌ، عِظَمًا وقوةً، وإنه - فيما ذُكِر - أَبْصَرهم أحدُ الجبَّارين، وهم لا يألون أن يُخْفُوا أَنفسَهم حينَ رأَوا العَجَبَ، فأَخَذ ذلك الجبارُ منهم رجالًا، فأتى رئيسَهم فألقاهم قُدَّامَه، فعجِبوا وضحِكوا منهم، فقال قائلٌ منهم: إن هؤلاء زعَموا أنهم أرادوا غزوَكم. وأنه لولا ما دفَع اللهُ عنهم لقُتِلوا، وأنهم رجَعوا إلى موسى ﵇ فحدَّثوه العَجَبَ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾: من كلِّ سِبْطٍ من بنى إسرائيلَ رجلٌ، أَرْسَلهم موسى إلى الجبَّارين، فوجَدوهم يدخُلُ في كمِّ أحدِهم اثنان منهم، يُلْقونهم إلقاءً، ولا يحمِلُ عنقودَ عِنبِهم إلا خمسةُ أنفسٍ بينَهم في خَشبةٍ،

стр. 5579

ويدخُلُ في شَطْرِ الرُّمَّانَةِ إذا نُزِع حبُّها خمسةُ أنفسٍ أو أربعةٌ (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهد نحوه (٢). حدَّثني محمدُ بنُ وزيرِ بن قيسٍ، عن أبيه، عن جُويبرٍ، عن الضَّحاكِ: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾. قال: سِفْلةٌ لا خَلاقَ لهم. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢)﴾. وهذا خبرٌ من اللهِ عزَّ ذكرُه عن قولِ قومِ موسى لموسى جوابًا (٣) لقولِه لهم: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. فقالوا: ﴿وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾. يعنون: من الأرضِ المقدَّسةِ - الجبَّارون الذين فيها. جبنًا منهم، وجزَعًا من قتالِهم. وقالوا له: إن يخرُجْ منها هؤلاء الجبَّارون دخَلناها، وإلا فإنا لا نُطيقُ دخولَها وهم فيها؛ لأنه لا طاقةَ لنا بهم ولا يدان (٤). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلمةُ، عن ابن إسحاقَ، أن كالِبَ بنَ يوفنا (٥) أَسْكَت الشَّعبَ عن موسى ﷺ ، فقال لهم: إنا سنعلو الأرضَ ونرثُها، وإن لنا بهم

стр. 5580

قوةً. وأما الذين كانوا معه فقالوا: لا نستطيعُ أن نصِلَ (١) إلى ذلك الشعبِ، من أجلِ أنهم أجرأُ منا. ثم إن أولئك الجواسيسَ أَخْبَروا بنى إسرائيلَ الخبرَ، وقالوا: إنا مررنا في أرضِ وأحسَسناها، فإذا هي تأكُلُ ساكنَها، ورأينا رجالَها جِسامًا، ورأينا الجبابرةَ بنى الجبابرةِ، وكنا في أعينِهم مثلَ الجرادِ. فأُرْجِفت الجماعةُ من بنى إسرائيلَ، فرفَعوا أصواتَهم بالبكاءِ، فبكَى الشعبُ تلك الليلةَ، ووَسْوسوا (٢) على موسى وهارونَ، فقالوا لهما: يا ليتنا متنا في أرضِ مصرَ، وليتنا نموتُ في هذه البرِّيَّةِ، ولم يُدْخِلْنا اللهُ هذه الأرضَ لنقعَ في الحربِ، فتكونَ نساؤُنا وأبناؤُنا وأثقالُنا غنيمةً، ولو كنا قعودًا في أرضِ مصرَ كان خيرًا لنا. وجعَل الرجلُ يقولُ لأصحابهِ: تعالوْا نجعَلْ علينا رأسًا وننصرِفْ إلى مصرَ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾. وهذا خبرٌ من اللهِ عزَّ ذكرُه عن الرجلين الصالحين من قومِ موسى؛ يُوشَعُ بنُ نون، وكالِبُ بنُ يوفنا (٣)، أنهما وفَّيَا لموسى بما عهِد إليهما من تركِ إعلامِ قومِه بنى إسرائيلَ، الذين أمَرهم بدخولِ الأرضِ المقدَّسةِ على الجبابرةِ من الكَنْعَانِيِّين، بما رأيَا و (٤) عاينا من شدةِ بطشِ الجبابرةِ، وعِظَمِ خَلْقِهم، ووصَفهما اللهُ بأنهما ممن يَخافُ الله ويُراقبُه في أمرِه ونهيِه. كما حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، وحدثنا هنَّادٌ، قال: ثنا

стр. 5581

وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾. قال: كلاب بنُ يوقنا (١)، ويُوشَعُ بنُ نونٍ (٢). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عمرِو بن أبي قَيسٍ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾. قال: يُوشعُ بْنُ نونٍ، وكلابُ (٣) بنُ يوقنا (٤)، وهما من النقباءِ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قصةٍ ذكَرها، قال: فرجَع النقباءُ كلُّهم يَنْهَى سبطَه عن قتالِهم، إلا يوشعَ بنَ نونٍ [وكلابَ بنَ يوقنا] (٤)، يأمُران الأسباطَ بقتالِ الجبَّارين ومجاهدتِهم، فعصَوْهما وأطاعوا الآخرين، فهما الرجلان اللذان أَنْعَم اللهُ عليهما (٥). حدَّثنا ابن حميدٍ وسفيانُ بنُ وكيعٍ قالا: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَ حديثِ ابن بشارٍ، عن ابن مَهْديِّ، إلا أن ابنَ حميدٍ قال في حديثِه: هما من الاثنَىْ عشَر نقيبًا (٦). حدَّثني عبدُ الكريمِ بنُ الهيثمِ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا سفيانُ،

стр. 5582

قال: قال أبو سعدٍ (١): قال عكرمةُ، عن ابن عباسٍ في قصةٍ ذكَرها، قال: فرجَعوا - يعني النقباءَ الاثنى عشَرَ - إلى موسى، فأَخْبَروه بما عايَنُوا من أمرِهم، فقال لهم موسى: اكتُموا شأنَهم، ولا تُخْبِروا به أحدًا من أهلِ العَسْكَرِ؛ فإنكم إن أخبرَتموهم بهذا الخبرِ فشِلوا، ولم يدخُلوا المدينةَ. قال: فذهَب كلُّ رجلٍ منهم فأَخْبَر قريبَه وابنَ عمَّه، [إلا هذين الرجلين] (٢) يوشعَ بنَ نونٍ، وكلاب بنَ يوقنا (٣)، فإنهما كتَما، ولم يُخْبِرا به أحدًا، وهما اللذان قال اللهُ: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾. إلى قولِه: ﴿وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ (٤). حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾: وهما اللذان كتَماهم (٥)؛ يوشعُ بنُ نونٍ فتى موسى، وكالوبُ (٦) بنُ يوفَنَّةَ (٧)، خَتَنُ (٨) موسى (٩). حدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، عن فُضيلِ بن مرزوقٍ، عن عطيةَ: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾: كالبُ (١٠)، ويوشَعُ بنُ النونِ

стр. 5583

فتى موسى (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾: والرجلان اللذان أَنْعَم اللهُ عليهما من بني إسرائيلَ؛ يوشعُ بنُ نونٍ، وكالِبُ (٢) بنُ يوقنا (٣) حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾: ذُكِر لنا أن الرجلين يوشعُ بنُ نونٍ وكالبُ (٤). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ، أن موسى قال للنقباءِ لما رجَعوا فحدَّثوه العجبَ: لا تحدِّثوا أحدًا بما رأيتُم، إن الله سيفتَحُها لكم، ويُظهرُكم عليها من بعدِ ما رأيتُم. وإن القومَ أَفْشَوا الحديثَ في بني إسرائيلَ، فقام رجلان من الذين يَخافون أَنْعَم اللهُ عليهما - كان أحدُهما فيما سمِعنا يوشعَ بنَ نونٍ، وهو فتى موسى، والآخرُ يُسَمَّى (٥) كالبَ - فقالا: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾. إلى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. واخْتَلف القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾. قرَأ ذلك قرأَةُ الحجاز والعراقِ والشامِ: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾. بفتحِ الياءِ من: ﴿يَخَافُونَ﴾. على التأويلِ الذي ذكَرنا عمن ذكَرنا عنه آنفًا أنهما يوشعُ

стр. 5584

ابن نونٍ وكالبُ (١)، من قومِ موسى، ممن يخافُ الله وأَنْعَم (٢) عليهما بالتوفيقِ. وكان قتادةُ يقولُ: في بعضِ القراءةِ: (قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ اللَّهَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾: في بعضِ الحروفِ: (يَخَافُونَ اللَّهَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا) (٣). وهذا أيضًا مما يدلُّ على صحةِ تأويل من تأوَّل ذلك على ما ذكَرنا عنه أنه قال: يوشعُ وكالبُ. ورُوِى عن سعيدِ بن جبيرٍ أنه كان يقرأُ ذلك: (قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يُخافُونَ) - بضمِّ الياءِ - ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾. حدَّثني بذلك أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ بنُ سلامٍ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن القاسمِ بن أبي أيوبَ - ولا نعلَمُه أنه سمِع منه - عن سعيدِ بن جبيرٍ أنه كان يقرؤُها بضمِّ الياءِ من: (يُخافُون) (٤). وكأنَّ سعيدًا ذهَب في قراءتِه هذه إلى أن الرجلين اللذين أَخْبَرَ اللهُ عنهما أنهما

стр. 5585

قالا لبني إسرائيلَ: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾. كانا من رهطِ الجبابرةِ، وكانا أَسْلَما واتَّبعا موسى، فهما (١) من أولادِ الجبابرةِ الذين يَخافُهم بنو إسرائيلَ، وإن كانا (٢) لهم في الدينِ (٣) مخالِفِين. وقد حُكِى نحوُ هذا التأويلِ عن ابن عباسٍ. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾. قال: هي مدينةُ الجبَّارين، لما نزَل بها موسى وقومُه، بعَث منهم اثنَىْ عشَرَ رجلًا - وهم النقباءُ الذين ذكَر - بعَثَهم (٤) ليأتوه (٥) بخبرِهم، فساروا، فلَقِيهم رجلٌ من الجبَّارين، فجعَلهم في كِسائِه، فحمَلهم حتى أتى بهم المدينةَ، ونادى في قومِه، فاجْتَمعوا إليه، فقالوا (٦): مَن أنتم؟ فقالوا: نحن قومُ موسى، بعَثَنا إليكم [لنأتيَه بخبرِكم] (٧). فأَعْطَوهم حبةً من عنبٍ بوِقْرِ الرَّجُلِ، فقالوا لهم: اذهبوا إلى موسى وقومِه، فقولوا لهم: اقْدُروا قَدْرَ فاكهتِهم. فلما أتَوهم قالوا لموسى: اذْهَبْ أنت وربُّك فقاتِلا إنا ههنا قاعدون. (قال رجلان من الذين يُخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عليهما). وكانا من أهل المدينةِ، أَسْلَما واتَّبَعا موسى وهارونَ، فقالا لموسى: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ

стр. 5586

فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١). فعلى هذه القراءةِ وهذا التأويلِ، لم يكتُمْ من الاثنَىْ عشَرَ نقيبًا أحدٌ ما أمَرهم موسى بكتمانِه بنى إسرائيلَ، مما رأَوا وعايَنوا من عِظَم أجسامِ الجبابرةِ، وشدةِ بطشِهم، وعجيبِ أمورِهم، بل أَفْشَوا ذلك كلَّه. وإنما القائلُ للقومِ ولموسى: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾. رجلان من أولادِ الذين [كان بنو] (٢) إسرائيلَ يخافونَهم، ويرهَبون الدخولَ عليهم من الجبابرةِ، كانا أَسْلَما واتَّبَعا نبيَّ اللهِ ﷺ . وأَوْلى القراءتين بالصوابِ عندَنا قراءةُ من قرَأ: ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾. لإجماعِ قرأةِ الأمصارِ عليها، وأن ما اسْتَفاضت به القراءةُ [عنهم فحجةٌ] (٣) لا يجوزُ خَلافُها، وما انفرد به الواحدُ، فجائزٌ فيه الخطأُ والسهوُ. ثم في إجماع الحجةِ في تأويلِها على أنهما رجلان من أصحابِ موسى من بني إسرائيلَ، وأنهما يوشعُ وكالبُ (٤)، ما أغنَى عن الاستشهادِ على صحةِ القراءةِ بفتحِ الياءِ في ذلك، وفسادِ غيرِه، وهو التأويلُ الصحيحُ عندنا؛ لما ذكَرنا من إجماعِها عليه. وأما قولُه: ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾. فإنه يعنى: أَنْعَمَ اللهُ عليهما بطاعةِ اللهِ في طاعةِ نبيِّه موسى ﷺ ، وانتهائِهم إلى أمرِه، والانزجارِ عما زجَرهما عنه ﷺ ، من إفشاء ما عاينا من عجيب أمرِ الجبَّارين إلى بنى إسرائيلَ، الذي حذَّر (٥) عنه أصحابُهما الآخرون (٦) الذين كانوا معهما من النقباءِ.

стр. 5587

وقد قيل: إن معنى ذلك: أَنْعَم اللهُ عليهما بالخوفِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا خلفُ بنُ تميمٍ، قال: ثنا (١) إسحاقُ بن القاسمِ، عن سهلِ بن عليٍّ قولَه: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾. قال: أَنْعَم اللهُ عليهما بالخوفِ (٢) وبنحو الذي قلنا في ذلك كان الضحَّاكُ يقولُ وجماعةٌ غيرُه. حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمعت أبا معاذٍ، قال: ثني عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِهِ: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾: بالهُدَى، فَهَدَاهما فكانا على دينِ موسى، وكانا في مدينةِ الجبارين (٣). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾. وهذا خبرٌ من اللهِ عزَّ ذكرُه عن قولِ الرجلين اللذين يخافانِ الله لبني إسرائيلَ، إذ جبُنوا وخافوا من (٤) الدخول على الجبَّارين لما سمِعوا خبرَهم، وأَخْبَرهم النقباءُ الذين أفْشَوا ما عاينوا من أمرِهم فيهم، وقالوا: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾. فقالا لهم: ادْخُلوا عليهم أيها القومُ بابَ مدينتِهم، فإن الله معكم، وهو ناصرُكم، وإنكم إذا دخَلتم البابَ غلَبتموهم.

стр. 5588

كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن بعضِ أهلِ العلمِ بالكتابِ الأولِ، قال: لما همَّ بنو إسرائيلَ بالانصرافِ إلى مصرَ حينَ أَخْبَرهم النقباءُ بما أَخْبَروهم (١) من أمرِ الجبابرةِ، خرَّ موسى وهارونُ على وجوهِهما سجودًا قُدَّامَ جماعةِ بني إسرائيلَ، وخرَّق يوشعُ بنُ نونٍ وكالبُ بنُ يوفنا (٢) ثيابَهما، وكانا من جواسيسِ الأرضِ، وقالا لجماعةِ بني إسرائيلَ: إن الأرضَ مرَرنا بها وجسَسْناها (٣) صالحةً، رَضِيَها ربُّنا لنا، فوهَبها لنا، وإنَّها [لم تكنْ تفيضُ لبنًا وعسلا] (٤) ولكن افعلوا (٥) واحدةً لا تَعْصُوا الله، ولا تَخْشَوُا الشعبَ الذين (٦) بها، فإنهم [خُبْزُنا، و] (٧) مدفوعون في أيدينا، إن حاربناهم (٨) ذهَبت منهم، وإن الله معنا فلا تَخْشَوهم. فأراد (٩) الجماعةُ من بني إسرائيلَ أن (١٠) يرجُموهما بالحجارةِ (١١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أنهم بعَثوا اثنى عشَرَ رجلًا، من كلِّ سبطٍ رجلًا، عيونًا لهم، وليأتوهم بأخبارِ القومِ؛ فأما

стр. 5589

عشَرةً فجبَّنوا قومَهم، وكرَّهوا إليهم الدخولَ عليهم، وأما الرجلان فأمَر (١) قومَهما أن يدخُلوها، وأن يتَّبِعوا أمرَ اللهِ، ورغَّبا في ذلك، وأَخْبَرا قوَمهما أنهم غالبون إذا فعَلوا ذلك (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾: قريةُ الجبارين (٣). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣)﴾. وهذا أيضًا خبرٌ من اللهِ جلَّ وعزَّ عن قولِ الرجلين اللذين يخافانِ الله أنهما قالا لقومِ موسى - يشجِّعانهم بذلك، ويرغِّبانهم في المضيِّ لأمرِ اللهِ بالدخولِ على الجبَّارين في (٤) مدينتِهم -: توكَّلوا أيها القومُ على اللهِ في دخولِكم عليهم. فيقولان لهم: ثِقُوا باللهِ، فإنه معكم إن أطعتُموه فيما أمَركم من جهادِ عدوِّكم. وعَنَيا بقولِهما: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: إن كنتم مصدِّقي نبيِّكم ﷺ ما فيما أنْبَأكم عن ربِّكم من النصرةِ والظَّفَرِ عليهم، وفى غيرِ ذلك من إخبارِه عن ربِّه، ومؤمنين بأن ربَّكم قادرٌ على الوفاءِ لكم بما وعَدكم من تمكينِكم في بلادِ عدوِّه وعدوِّكم. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤)﴾. وهذا خبرٌ من اللهِ جلَّ ذكرُه عن قولِ الملإِ من قومِ موسى لموسى، إذ رُغِّبوا في جهادِ عدوِّهم، ووُعِدوا نصرَ اللهِ إِيَّاهم، إن هم ناهضُوهم ودخَلوا عليهم بابَ

стр. 5590

مدينتِهم، أنهم (١) قالوا له: ﴿إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا﴾. يعُنون: إنا لن ندخُلَ مدينتَهم أبدًا. والهاءُ والألفُ في قولِه: ﴿إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا﴾. من ذكرِ المدينةِ. ويعنون بقولِهم: ﴿أَبَدًا﴾: أيامَ حياتِنا، ﴿مَا دَامُوا فِيهَا﴾. يَعنُون (٢): ما كان الجبّارون مقيمين في تلك المدينةِ التي كتَبها اللهُ لهم، وأُمِروا بدخولِها، ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾: لا نجيءُ معك يا موسى إن ذهَبتَ إليهم لقتالِهم، ولكن نتركُك تذهبُ أنت وحدَك وربُّك، فتُقاتلانهم. وكان بعضُهم يقولُ في ذلك (٣): ليس معنى الكلامِ: اذهبْ أنت ولْيَذْهَبْ معك ربُّك فقاتلا. ولكن معناه: اذهبْ أنت يا موسى ولْيُعِنْكَ ربُّك؛ وذلك أن الله لا يجوزُ عليه الذهابُ. وهذا إنما كان يحتاجُ إلى طلب المَخْرَجِ له لو كان الخبرُ عن قومٍ مؤمنين، فأما قومٌ أهلُ خلافٍ على اللهِ عزَّ ذكرُه ورسولِه، فلا وجهَ لطلبِ المخرجِ لكلامِهم فيما قالوا في اللهِ ، وافْتَرْوا عليه، إلا بما يشبهُ كفرَهم وضلالتَهم. وقد ذُكر عن المقدادِ أنه قال لرسولِ الله ﷺ خلافَ ما قال قومُ موسى لموسى. حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، وحدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن مُخارِقٍ، عن طارقٍ، أن المقدادَ بنَ الأسودِ قال للنبي ﷺ : إنا لا نقولُ كما قالت بنو إسرائيلَ: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾. ولكن نقولُ: اذهبْ أنت وربُّك فقاتلا، إنا معكم مقاتلون (٤).

стр. 5591

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أن رسولَ اللهِ ﷺ قال لأصحابِه يومَ الحديبيةِ حينَ صدَّ المشركون الهَدْيَ، وحِيل بينَهم وبينَ مناسكِهم: "إني ذاهبٌ بالهديِ فناحرُه عندَ البيتِ". فقال له المقدادُ بنُ الأسودِ: أمَا واللهِ لا نكونُ كالملإِ من بنى إسرائيلَ، إذ قالوا لنبيِّهم: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾. ولكن نقولُ (١): اذهبْ أنت وربُّك فقاتِلا إنا معكم مقاتِلون. فلما سمِعها أصحابُ النبيِّ ﷺ تتابعوا على ذلك (٢). وكان ابن عباسٍ والضحَّاكُ بنُ مُزاحِمٍ وجماعةٌ غيرُهما يقولون: إنما قالوا هذا القولَ لموسى ﵇ حينَ تبيَّن لهم أمرُ الجبَّارين وشدةُ بطشِهم. حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحَّاكَ يقولُ: أمَر اللهُ جلَّ وعزَّ بني إسرائيلَ أن يسيرُوا إلى الأرضِ المقدَّسةِ مع نبيِّهم موسى ﷺ ، فلما كانوا قريبًا من المدينةِ قال لهم موسى: ادْخُلوها. فَأَبَوْا، وجبُنُوا، وبعَثُوا اثنى عشَرَ نقيبًا لينظُروا إليهم، فانطلَقوا فنظَروا، فجاءوا بحبةِ فاكهةٍ من فاكهتِهم بوِقرِ الرَّجُلِ، فقالوا: قدِّروا قوةَ قومٍ وبأسَهم هذه فاكهتُهم. فعندَ ذلك قالوا لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ نحوَه.

стр. 5592

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥)﴾. وهذا خبرٌ من اللهِ جلَّ وعزَّ عن قيلِ (١) موسى حينَ قال له قومُه ما قالوا من قولِهم: ﴿إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾. أنه قال عندَ ذلك، وغضِب من قيلِهم، لهم داعيًا: يا ربِّ: ﴿إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾. يعنى بذلك: لا أقدِرُ على أحدٍ أن أَحْمِلَه على ما أُحبُّ وأُريدُ من طاعتِك، واتباعِ أمرِك ونهيِك، إلا على نفسى، وعلى أخى. من قولِ القائلِ: ما أملِكُ من الأمرِ شيئًا إلا كذا وكذا. بمعنى: لا أقدِرُ على شيءٍ غيرِه. ويعنى بقولِه: ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾: افْصِلْ بينَنا وبينَهم بقضاءٍ منك تقضيه فينا وفيهم، فتُبْعِدَهم منا. من قولِ القائلِ: فرَقْتُ بينَ هَذين الشيئين. بمعنى: فصَلتُ بينَهما. من قول الراجزِ (٢): يا ربِّ فافْرُقْ (٣) بينَهُ وبَيْني أشدَّ ما فرَقْتَ بين اثنينِ وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن

стр. 5593

أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾. يقولُ: اقضِ بيني وبينَهم (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾. يقولُ: اقضِ بينَنا وبينَهم (٢). حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بن حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، قال: غضِب موسى ﷺ حينَ قال له القومُ: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾. فدعا عليهم فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾. وكانت عَجْلةً من موسى عجِلها (٣). حُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعت الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾. يقولُ: اقضِ بينَنا وبينَهم، وافتحْ بينَنا وبينَهم. كلّ هذا يقولُ (٤) الرجلُ: اقضِ بينَنا. فقضَى اللهُ جَلَّ ثناؤُه بينَه وبينَهم أن سمَّاهم فاسقين (٥). وعنَى بقولِه: ﴿الْفَاسِقِينَ﴾. الخارجين عن الإيمانِ باللهِ وبه إلى الكفرِ باللهِ وبه. وقد دلَّلنا على أن معنى "الفسقِ" الخروجُ من شيءٍ إلى شيءٍ فيما مضَى، بما

стр. 5594

أَغْنى عن إعادتِه (١). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾. اخْتَلف أهلُ التأويلِ في الناصبِ لـ "الأربعين"؛ فقال بعضُهم: الناصبُ لها قولُه: ﴿مُحَرَّمَةٌ﴾. وإنما حرَّم اللهُ جلَّ وعزَّ على (٢) القوم الذين عصَوه وخالفوا أمرَه من قومِ موسى، وأبَوا حربَ الجبَّارين - دخولَ (٣) مدينتِهم أربعين سنةً، ثم فتَحها عليهم وأسكَنَهموها (٤)، وأَهْلَك الجبَّارين بعدَ حربٍ منهم لهم، بعد أن انقَضَتِ (٥) الأربعون سنةً، وخرَجوا من التِّيهِ. حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ، قال: لما قال لهم القومُ ما قالوا، ودعا موسى عليهم، أوحى اللهُ إلى موسى: إنَّها محرَّمةٌ عليهم أربعين سنةً يتيهون في الأرضِ، فلا تأسَ على القومِ الفاسقين. وهم يومَئذٍ فيما ذُكر ستُّمِائةِ ألفِ مقاتلٍ، فجعَلهم فاسقين بما عصَوا، فلبِثوا أربعين سنةً في فراسخَ ستةٍ، أو دونَ ذلك، يَسِيرون كلَّ يومٍ جادِّين لكي يَخْرُجوا منها، حتى [سئِموا ونزَلُوا] (٦)، فإذا هم في الدارِ التي منها ارْتَحلوا، وإنهم اشتكُوْا إلى موسى ما فُعِل بهم، فأُنْزِل عليهم المنُّ والسَّلْوَى، وأُعْطوا من الكِسْوةِ ما هي قائمةٌ لهم، ينشأُ الناشئُ فتكونُ معه على هيئتِه، وسأل موسى ربَّه أن يَسْقِيَهم، فأُتِيَ بحجرِ الطُّورِ، وهو

стр. 5595

حجرٌ أبيضُ، إذا ما نزَل القومُ ضرَبه بعصاه، فيخرُجُ منه اثنتا عشرَةَ عينًا، لكل سِبطٍ منهم عينٌ، قد علِم كلُّ أناسٍ مَشْرَبَهم، حتى إذا خلَت أربعون سنةً، وكانت عذابًا بما اعتدَوا وعصَوا، وأنه أوْحَى إلى موسى أن يَأْمُرَهم (١) أن يسيروا إلى الأرضِ المقدسةِ، فإن الله قد كفاهم عدوَّهم، وقلْ لهم إذا أَتَوا المسجدَ أن يأتوا البابَ ويسجُدوا إذا دخَلوا، ويقولوا: حِطَّةٌ - وإنما قولُهم: حِطَّةٌ. أن يَحُطَّ عنهم خطاياهم - فأبى عامَّةُ القومِ وعصوا، وسجَدوا على خدِّهم، وقالوا: حِنْطَةٌ. فقال اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ إلى: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: ٥٩]. وقال آخرون: بل الناصبُ لـ "الأربعين"، ﴿يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾. قالوا: ومعنى الكلامِ: قال: فإنها محرَّمةٌ عليهم أبدًا يتيهون في الأرضِ أربعين سنةً. قالوا: ولم يدخُلْ مدينةَ الجبَّارين أحدٌ ممن قال: ﴿إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾. وذلك أن الله عزّ ذكرُه حرَّمها عليهم. قالوا: وإنما دخَلها من أولئك القومِ يوشعُ، وكلابُ اللذان قالا لهم: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾. وأولادُ الذين حرَّم اللهُ عليهم دخولَها، فتيَّهَهم اللهُ فلم يدخُلْها منهم أحدٌ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ بنُ حربٍ، قال: ثنا أبو هلالٍ، عن قتادةَ في قولِ اللهِ: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾. قال: أبدًا (٢). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ حربٍ، قال: ثنا أبو هلالٍ، عن قتادةَ في قولِ اللهِ: ﴿يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾. قال: أربعين سنةً.

стр. 5596

حدَّثنا المثنى، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هارونُ النحْويُّ، قال: ثنى الزبيرُ بنُ الخِرِّيتِ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾. قال: التحريمُ التِّيهُ (١). حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، قال: غضِب موسى على قومِه فدعا عليهم، فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾ الآية. فقال اللهُ جلَّ وعزَّ: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾. فلما ضرَب عليهم التيةَ، ندِم موسى، وأتاه قومُه الذين كانوا يُطِيعونه، فقالوا له: ما صنَعتَ بنا يا موسى؟ فمكَثوا في التيهِ، فلما خرَجوا من التيهِ، رُفِع المنُّ والسَّلْوَى، وأكَلوا من البقولِ، والتقى موسى وعاجٌ (٢)، فنزَا (٣) موسى في السماءِ عشَرةَ أذرعٍ، وكانت عصاه عشَرَةَ أذرعٍ، وكان طولُه عشَرةَ أذرعٍ، فأصاب كعبَ عاجٍ (٢) فقتَله، ولم يبقَ أحدٌ (٤) ممن أبَى أن يدخُلَ قريةَ الجبَّارين مع موسى إلا مات ولم يشهَدِ الفتحَ، ثم إن الله لما انقضت الأربعون سنةً، بعَث يوشعَ بنَ النونِ نبيًّا، فَأَخْبَرهم أنه نبيٌّ، وأن الله قد أمَره أن يقاتلَ الجبَّارين، فبايعوه وصدَّقوه، فهزَم الجبَّارين، واقْتَحموا عليهم يَقْتُلونهم (٥)، فكانت العِصابةُ من بني إسرائيلَ يَجْتَمِعون على عنقِ الرجلِ يضرِبونها لا يقطَعونها (٦). حدَّثني عبدُ الكريمِ بنُ الهيثمِ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا سفيانُ،

стр. 5597

قال: قال أبو سعدٍ (١)، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: قال اللهُ جل وعزّ، لما دَعا موسى: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾. قال: فدخَلوا التيهَ، فكلُّ من دخَل التيهَ ممن جاوز (٢) العشرين سنةً مات في التيهِ. قال: فمات موسى في التيهِ، ومات هارونُ قبلَه. قال: فلبِثوا في تيهِهم أربعين سنةً، فناهَض يوشعُ بمن بقِى معه مدينةَ الجبَّارين، فافْتَتح يوشعُ المدينةَ (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: قال اللهُ: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾: حُرِّمت عليهم القُرَى (٤)، وكانوا لا يهبِطون قريةً، ولا يقدِرون على ذلك، إنما يتَّبعون الأطواءَ (٥) أربعين سنةً. وذُكِر لنا أن موسى ﷺ مات في الأربعين سنةً، وأنه لم يدخُلْ بيتَ المقدسِ منهم إلا أبناؤُهم والرجلان اللذان قالا ما قالا (٦). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثنى بعضُ أهلِ العلمِ بالكتابِ الأولِ، قال: لما فعَلت بنو إسرائيلَ ما فعَلت، من معصيتِهم نبيَّهم، وهمِّهم بكالبَ ويوشعَ، إذ أمَراهم بدخولِ (٧) مدينةِ الجبَّارين، وقالا لهم ما قالا، ظهَرت عظمةُ اللهِ بالغمامِ على [بابِ قُبّةِ الزُّمَرِ] (٨) على كلِّ بني إسرائيل، فقال جلَّ ثناؤُه

стр. 5598

لموسى: إلى متى يعصينى هذا الشعبُ؟ وإلى متى لا يصدِّقون بالآياتِ كلِّها التي وضَعتُ بينَهم، أضرِبُهم بالموتِ فأُهْلِكُهم، وأجعَلُ لك شعبًا أشدَّ وأكثرَ منهم. فقال موسى للهِ: يسمَعُ أهلُ المِصْرِ الذين أَخْرَجت هذا الشعبَ بقوتِك من بينِهم، ويقولُ ساكنُ (١) هذه البلادِ الذين قد سمِعوا أنك أنت اللهُ في هذا الشعبِ، فلو أنك قتَلت هذا الشعبَ كلَّهم كرجلٍ واحدٍ، لقالت الأممُ الذين سمِعوا باسمِك: إنما قتَل هذا الشعبَ من أجل (٢) لا يستطيعُ أن يُدْخِلَهم الأرضَ التي خلَق لهم، فقتَلهم في البرِّيَّةِ، ولكن لِتَرْتَفِعْ أياديك، ويَعْظُم جزاؤُك يا ربِّ، كما كنت تكلَّمتَ وقلتَ لهم، فإنه طويلٌ صبرُك، كثيرةٌ نعمُك، وأنت تغفِرُ الذنوبَ فلا تُوبِقُ، وإنك تحفَظُ ذنبَ (٣) الآباءِ على الأبناءِ وأبناءِ الأبناءِ إلى ثلاثةِ أَحْقابٍ (٤) وأربعةٍ، فاغفِرْ أَيْ رَبِّ آثامَ هذا الشعبِ، بكثرةِ نعمِك، وكما غفَرت لهم منذ أَخرْجَتُهم من أرضِ مصرَ إلى الآنَ. فقال اللهُ جلَّ ثناؤُه لموسى ﷺ : قد غفَرتُ لهم بكلمتِك، ولكن حَيٌّ (٥) أنا - وقد ملأتِ الأرضَ مَحمَدَتى كلَّها - لا (٦) يَرى القومُ الذين قد رأَوا محمدتى وآياتي التي فعَلت في أرضِ مصرَ وفى القِفارِ، [وابتلونى] (٧) عشْر مراتٍ ولم يُطِيعونى، لا يَرَوْن الأرضَ التي

стр. 5599

حلَفْتُ لآبائِهم، ولا يراها من أَغْضَبني، فأما عبدى كالبُ الذي كان روحُه معى، واتَّبع هواىَ، فإنى مُدْخِلُه الأرضَ التي دخَلها، ويراها خَلَفُه. وكان العماليقُ والكنعانيون جلوسًا في الجبالِ، ثم غدَوا فارتحلوا إلى القِفارِ في طريق [بحرِ سُوفٍ] (١)، وكلَّم اللهُ موسى وهارونَ، وقال لهما: إلى متى توسوسُ على هذه الجماعةُ جماعةُ السوءِ، قد سمِعتُ وسوسةَ بني إسرائيلَ. وقال: لأفعَلَنَّ بكم كما قلت لكم، ولَتُلْقَيَنَّ جِيَفُكم في هذه القفارِ كحسابِكم (٢) من بنى عشرين سنةً فما فوقَ ذلك، من أجلِ أنكم وسوستم عليَّ، فلا تدخُلوا الأرضَ التي [رفَعتُ يدى] (٣) إليها، ولا ينزلُ فيها أحدٌ منكم غيرُ كالبَ بن يوفنا، ويوشعَ بن نونٍ، وتكونُ أثقالُكم كما كنتم الغنيمةَ، وأما بنوكم اليومَ الذين لم يعلَموا ما بينَ الخيرِ والشرِّ، فإنهم يدخُلون الأرضَ، وإنى بهم عارفٌ، لهم الأرضُ التي أَرُدُّ (٤) لهم، وتسقُطُ جيفُكم في هذه القفارِ، وتَتيهون في هذه القفارِ على حسابِ الأيامِ التي حسَسْتم (٥) الأرضَ أربعين يومًا، مكانَ كلِّ يومٍ سنةً، وتُقْتَلون بخطاياكم أربعين سنةً، وتعلَمون أنكم وسوستم [قُدّامى، إِنِّي] (٦) أنا اللهُ فاعلٌ بهذه الجماعةِ، جماعةِ بني إسرائيلَ الذين وُعِدوا قُدَّامي (٧)، بأن يَتِيهوا في القفارِ، فيها يموتون.

стр. 5600

فأما الرهطُ الذين كان موسى بعَثهم لِيَتَحَسَّسوا (١) الأرضَ، ثم حرَّشوا الجماعة، فأَفْشَوا فيهم خبرَ الشرِّ، فماتوا كلُّهم بغتةً، وعاش يوشعُ وكالبُ بنُ يوفنا من الرهطِ الذين انطلقوا يتحسَّسون الأرضَ. فلما قال موسى ﵇ هذا الكلامَ كلَّه لبنى إسرائيلَ، حزِن الشعبُ حزنًا شديدًا، وغدَوْا [فارتقَوا إلى] (٢) رأسِ الجبلِ، وقالوا: نَرْتَقِى الأرضَ التي قال جلَّ ثناؤُه؛ من أجلِ أنّا قد أخطأنا. فقال لهم موسى: لِمَ تَعْتَدون في كلامِ اللهِ؟ من أجلِ ذلك لا يصلُحُ لكم عملٌ، ولا تصعَدوا من أجلِ أن الله ليس معكم، فالآنَ تنكِسرون من قُدَّامِ أعدائِكم، من أجلِ العمالقةِ والكنعانيين أمامَكم، فلا تقعوا في الحربِ من أجلِ أنكم انقلبتم على اللهِ، فلم يكنِ اللهُ معكم. فأخَذوا يَرْقُون في الجبلِ، ولم يبرَحِ التابوتُ الذي فيه مواثيقُ اللهِ جلَّ ذكرُه وموسى من المحِلَّةِ - يعنى من الخيمة (٣) - حتى هبَط العماليقُ والكنعانيون في ذلك الحائطِ، فحرَقوهم وطرَدوهم وقتَلوهم. فتيَّههم اللهُ عزَّ ذكرُه في التيهِ أربعين سنةً بالمعصيةِ، حتى هلَك من كان اسْتَوْجب المعصيةَ من اللهِ في ذلك. قال: فلما شبَّ النواشئُ من ذراريِّهم، وهلَك آباؤهم، وانقضت الأربعون سنةً التي تُيِّهوا فيها، سار بهم موسى، ومعه يوشعُ بنُ نونٍ وكالبُ بنُ يوفنا - وكان فيما يزعُمون على مريمَ ابنةِ عِمْرانَ أختِ موسى وهارونَ، وكان لهما صهرًا - قدَّم يوشعَ بنَ نونٍ إلى أريحا في بني إسرائيلَ، فدخَلها بهم، وقتَل بها الجبابرةَ الذين كانوا فيها ثم دخَلها موسى ببنى إسرائيلَ، فأقام فيها ما شاء اللهُ أن يُقِيمَ، ثم قبَضه اللهُ إليه لا يعلَمُ بقبرِه أحدٌ من

стр. 5601

الخلائقِ (١). وأولى القولين في ذلك عندى بالصوابِ قولُ من قال: إن "الأربعين" منصوبةٌ بـ"التحريم"، وإن قولَه: ﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾. معنيٌّ به جميعُ قومِ موسى، لا بعضٌ دونَ بعضٍ منهم؛ لأن الله عزَّ ذكرُه عمَّ بذلك القومَ، ولم يَخصُصْ منهم بعضًا دونَ بعضٍ، وقد وفَّى الله جل ثناؤه بما وعَدهم به من العقوبةِ، فتيَّههم أربعين سنةً، وحرَّم على جميعِهم - في الأربعين سنةً التي مكَثوا فيها تائهين - دخولَ الأرضِ المقدَّسةِ، فلم يدخُلْها منهم أحدٌ؛ لا صغيرٌ ولا كبيرٌ، ولا صالحٌ ولا طالحٌ، حتى انقضت السِّنون التي حرَّم اللهُ عليهم فيها دخولَها، ثم أذِن لمن بقى منهم وذراريِّهم بدخولِها مع نبيِّ اللهِ موسى والرجلين اللذين أَنْعَمَ اللهُ عليهما، وافتتح قريةَ الجبَّارين إن شاء اللهُ نبيُّ الله موسى ﷺ وعلى مقدِّمَتِه يوشعُ، وذلك لإجماعِ أهلِ العلم بأخبارِ الأولين، أنّ عوجَ بنَ عناقَ قتَله موسى ﷺ ، فلو كان قتلُه إيَّاه قبلَ مصيرِه في التيهِ، وهو من أعظمِ الجبارين خَلْقًا لم تكنْ بنو إسرائيلَ تجزَعُ من الجبارين الجزعَ الذي ظهَر منها، ولكن ذلك كان إن شاء اللهُ بعدَ فناءِ الأمةِ التي جزَعت، وعصَت ربَّها، وأَبَت الدخولَ على الجبَّارين مدينتَهم. وبعدُ، فإن أهلَ العلمِ بأخبارِ الأولين مجمعون أن بلعمَ بنَ باعورَ (٢) كان ممن أعان الجبَّارين بالدعاءِ على موسى، ومحالٌ أن يكونَ ذلك كان وقومُ موسى ممتنِعون من حربِهم وجهادِهم؛ لأن المعونةَ إنما يَحتاجُ إليها من كان مطلوبًا، فأما ولا طالبَ فلا وجهَ للحاجةِ إليها.

стр. 5602

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مؤملٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن نَوْفٍ، قال: كان سريرُ (١) عُوجٍ ثمانِمِائةِ ذراعٍ، وكان طولُ موسى عشَرةَ أذرعٍ، وعصاه عشرةَ أذرعٍ، ووثَب في السماءِ عشَرةَ أذرعٍ، فضرَب عوجًا فأصاب كعبَه، فسقَط ميِّتًا، فكان جسرًا للناسِ يمرُّون عليه (٢). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن عطيةَ، قال: ثنا قيسٌ، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كانت عصا موسى عشَرة أذرعٍ، ووثبتُه عشَرةَ أذرعٍ، وطولُه عشَرةَ أذرعٍ، فوثَب فأصاب كعبَ عوجٍ فقتَله، فكان جسرًا لأهلِ النيلِ سنةً (٢). ومعنى قولِه: ﴿يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾: يَحارون فيها ويَضِلُّون. ومن ذلك قيل للرجلِ الضالِّ عن سبيلِ الحقِّ: تائهٌ. وكان تيهُهم ذلك أنهم كانوا يُصْبِحون أربعين سنةً كلَّ يومٍ جادّين في قَدْرِ ستةِ فراسخَ للخروجِ منه، فيُمْسون (٣) في الموضعِ الذي ابتدءوا السيرَ منه. حدَّثني بذلك المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ (٤). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: تاهت بنو إسرائيلَ أربعين سنةً، يُصْبحون حيث أَمْسَوا، ويُمْسون حيث أَصْبَحوا في تِيهِهم (٥).

стр. 5603

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾. يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿فَلَا تَأْسَ﴾: فلا تحزَنْ. يقالُ منه: أَسِيَ فلانٌ على كذا يَأْسَى أَسًى، وقد أَسِيتُ من كذا، أي: حزِنتُ. ومنه قولُ امرئِ القيسِ (١): وقوفًا بها صَحْبى عليَّ مَطِيَّهُمْ (٢) … يقولون لا تَهْلِكُ أَسًى وتَجَمَّلِ يعني: لا تَهْلِكُ حزنًا. وبالذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذُكر من قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: حدثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَلَا تَأْسَ﴾ يقولُ: فلا تحزَنْ (٣). حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾. قال: لما ضُرِب عليهم التيهُ، ندِم موسى ﷺ ، فلما ندِم أَوْحَى اللهُ إليه: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾: لا تحزنْ على القومِ الذين سمَّيتُهم فاسقين [فلم يَحْزَنْ] (٤). القولُ في تأويلِ قولهِ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)﴾.

стр. 5604

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : واتْلُ على هؤلاء اليهود الذين هَمُّوا أن يَبْسُطوا أيديَهم إليكم (١)، وعلى أصحابِك معهم (٢) - وعرَّفْهم مكروهَ عاقبةِ الظلمِ والمكرِ، وسوءَ مَغَبَّةِ (٣) الخَتْرِ (٤) ونقضِ العهدِ، وما جزاءُ الناكثِ، وثوابُ الوافي - خبرَ ابْنَيْ آدمَ هابيلَ وقابيلَ، وما آل إليه أمرُ المطيعِ منهما ربَّه، الوافي بعهدِه، وما إليه صار أمرُ العاصى منهما ربَّه، الخاتِرِ (٥) الناقضِ عهدَه، فَلْتُعَرِّفْ بذلك اليهودَ وَخَامَةَ غِبِّ غَدْرِهم (٦)، ونقضِهم ميثاقَهم بينَك وبينَهم، وهمِّهم بما همُّوا به مِن بَسْطِ أيديهم إليك وإلى أصحابك، فإن لك ولهم في حسنِ ثوابي، وعِظَمِ جزائي على الوفاءِ بالعهدِ الذي جازَيْتُ المقتولَ، الوافي بعهدِه من ابْنَيْ آدمَ، وعاقَبْتُ به القاتلَ الناكثَ عهدَه، عَزاءً جميلًا. واخْتَلف أهلُ العلمِ في سببِ تقريبِ ابْنَىْ آدمَ القُرْبانَ، وسببِ قَبُولِ اللَّهِ ما تَقَبَّلَ منه، ومَن اللذان قَرَّبا؟ فقال بعضُهم: كان ذلك عن أمرِ اللهِ جلَّ وعزَّ إياهما بتقريبِه، وكان سببَ القَبولِ أن المتُقَبَّلَ منه قَرَّب خيرَ مالِه، وقرَّب الآخرُ شرَّ مالِه، وكان المُقَرِّبانِ ابْنى آدمَ لصُلْبِه، أحدُهما هابيلُ، والآخرُ قابيلُ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني المثنى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ،

стр. 5605

عن هشامِ بن سعدٍ (١)، عن إسماعيلَ بن رافعٍ، قال: بَلَغَنى أن ابْنَيْ آدَمَ لما أُمِرا بِالقُرْبانِ، كان أحدُهما صاحبَ غنمٍ، وكان أُنْتِج له حَمَلٌ في غنمِهِ، فَأَحَبَّه حتى كان يُؤْثِرُه بالليلِ، وكان يَحْمِلُه على ظهرِه مِن حبِّه، حتى لم يكنْ له مالٌ أحبَّ إليه منه، فلمّا أُمِر بالقُرْبانِ قرَّبه للهِ فقبِلَه اللهُ منه، فما زال يرتَعُ في الجنةِ حتى فُدِى به ابن إبراهيمَ صَلَّى اللهُ عليهما (٢). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا عوفٌ، عن أبي المغيرةِ، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو، قال: إن ابنى آدمَ اللذين قَرَّبَا قُرْبانًا فَتُقُبِّل من أحدِهما ولم يُتَقَبَّلُ مِن الآخر، كان أحدُهما صاحبَ حَرْثٍ، والآخرُ صاحبَ غنمٍ، وإنهما أُمِرا أن يُقرِّبا قربانًا، وإن صاحبَ الغنمِ قرَّب أكرمَ غنمِه وأَسْمَنَها وأَحْسَنها، طيِّبةً بها نفسُه، وإن صاحبِ الحرثِ قرَّب شرَّ حرثِه الكَوْزَنَ (٣) والزُّوَانَ (٤)، غيرَ طيبةٍ بها نفسُه، وإن الله تَقَبَّل قربانَ صاحبِ الغنمِ، ولم يَتَقَبَّلْ قربانَ صاحبِ الحرثِ، وكان من قصتِهما ما قصَّ اللهُ في كتابِه، وقال: ايْمُ اللهِ، إن كان المقتولُ لأَشَدَّ الرجلين، ولكنْ مَنَعَه التحرُّجَ أن يبسُطَ (٥) إلى أخيه (٦). وقال آخرون: لم يكنْ ذلك مِن أمرِهما عن أمرِ اللَّهِ إيَّاهما به.
следующие страницы →