← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 5601–5640 · переход к 5606.

стр. 5601

الخلائقِ (١). وأولى القولين في ذلك عندى بالصوابِ قولُ من قال: إن "الأربعين" منصوبةٌ بـ"التحريم"، وإن قولَه: ﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾. معنيٌّ به جميعُ قومِ موسى، لا بعضٌ دونَ بعضٍ منهم؛ لأن الله عزَّ ذكرُه عمَّ بذلك القومَ، ولم يَخصُصْ منهم بعضًا دونَ بعضٍ، وقد وفَّى الله جل ثناؤه بما وعَدهم به من العقوبةِ، فتيَّههم أربعين سنةً، وحرَّم على جميعِهم - في الأربعين سنةً التي مكَثوا فيها تائهين - دخولَ الأرضِ المقدَّسةِ، فلم يدخُلْها منهم أحدٌ؛ لا صغيرٌ ولا كبيرٌ، ولا صالحٌ ولا طالحٌ، حتى انقضت السِّنون التي حرَّم اللهُ عليهم فيها دخولَها، ثم أذِن لمن بقى منهم وذراريِّهم بدخولِها مع نبيِّ اللهِ موسى والرجلين اللذين أَنْعَمَ اللهُ عليهما، وافتتح قريةَ الجبَّارين إن شاء اللهُ نبيُّ الله موسى ﷺ وعلى مقدِّمَتِه يوشعُ، وذلك لإجماعِ أهلِ العلم بأخبارِ الأولين، أنّ عوجَ بنَ عناقَ قتَله موسى ﷺ ، فلو كان قتلُه إيَّاه قبلَ مصيرِه في التيهِ، وهو من أعظمِ الجبارين خَلْقًا لم تكنْ بنو إسرائيلَ تجزَعُ من الجبارين الجزعَ الذي ظهَر منها، ولكن ذلك كان إن شاء اللهُ بعدَ فناءِ الأمةِ التي جزَعت، وعصَت ربَّها، وأَبَت الدخولَ على الجبَّارين مدينتَهم. وبعدُ، فإن أهلَ العلمِ بأخبارِ الأولين مجمعون أن بلعمَ بنَ باعورَ (٢) كان ممن أعان الجبَّارين بالدعاءِ على موسى، ومحالٌ أن يكونَ ذلك كان وقومُ موسى ممتنِعون من حربِهم وجهادِهم؛ لأن المعونةَ إنما يَحتاجُ إليها من كان مطلوبًا، فأما ولا طالبَ فلا وجهَ للحاجةِ إليها.

стр. 5602

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مؤملٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن نَوْفٍ، قال: كان سريرُ (١) عُوجٍ ثمانِمِائةِ ذراعٍ، وكان طولُ موسى عشَرةَ أذرعٍ، وعصاه عشرةَ أذرعٍ، ووثَب في السماءِ عشَرةَ أذرعٍ، فضرَب عوجًا فأصاب كعبَه، فسقَط ميِّتًا، فكان جسرًا للناسِ يمرُّون عليه (٢). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن عطيةَ، قال: ثنا قيسٌ، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كانت عصا موسى عشَرة أذرعٍ، ووثبتُه عشَرةَ أذرعٍ، وطولُه عشَرةَ أذرعٍ، فوثَب فأصاب كعبَ عوجٍ فقتَله، فكان جسرًا لأهلِ النيلِ سنةً (٢). ومعنى قولِه: ﴿يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾: يَحارون فيها ويَضِلُّون. ومن ذلك قيل للرجلِ الضالِّ عن سبيلِ الحقِّ: تائهٌ. وكان تيهُهم ذلك أنهم كانوا يُصْبِحون أربعين سنةً كلَّ يومٍ جادّين في قَدْرِ ستةِ فراسخَ للخروجِ منه، فيُمْسون (٣) في الموضعِ الذي ابتدءوا السيرَ منه. حدَّثني بذلك المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ (٤). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: تاهت بنو إسرائيلَ أربعين سنةً، يُصْبحون حيث أَمْسَوا، ويُمْسون حيث أَصْبَحوا في تِيهِهم (٥).

стр. 5603

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾. يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿فَلَا تَأْسَ﴾: فلا تحزَنْ. يقالُ منه: أَسِيَ فلانٌ على كذا يَأْسَى أَسًى، وقد أَسِيتُ من كذا، أي: حزِنتُ. ومنه قولُ امرئِ القيسِ (١): وقوفًا بها صَحْبى عليَّ مَطِيَّهُمْ (٢) … يقولون لا تَهْلِكُ أَسًى وتَجَمَّلِ يعني: لا تَهْلِكُ حزنًا. وبالذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذُكر من قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: حدثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَلَا تَأْسَ﴾ يقولُ: فلا تحزَنْ (٣). حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾. قال: لما ضُرِب عليهم التيهُ، ندِم موسى ﷺ ، فلما ندِم أَوْحَى اللهُ إليه: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾: لا تحزنْ على القومِ الذين سمَّيتُهم فاسقين [فلم يَحْزَنْ] (٤). القولُ في تأويلِ قولهِ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)﴾.

стр. 5604

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : واتْلُ على هؤلاء اليهود الذين هَمُّوا أن يَبْسُطوا أيديَهم إليكم (١)، وعلى أصحابِك معهم (٢) - وعرَّفْهم مكروهَ عاقبةِ الظلمِ والمكرِ، وسوءَ مَغَبَّةِ (٣) الخَتْرِ (٤) ونقضِ العهدِ، وما جزاءُ الناكثِ، وثوابُ الوافي - خبرَ ابْنَيْ آدمَ هابيلَ وقابيلَ، وما آل إليه أمرُ المطيعِ منهما ربَّه، الوافي بعهدِه، وما إليه صار أمرُ العاصى منهما ربَّه، الخاتِرِ (٥) الناقضِ عهدَه، فَلْتُعَرِّفْ بذلك اليهودَ وَخَامَةَ غِبِّ غَدْرِهم (٦)، ونقضِهم ميثاقَهم بينَك وبينَهم، وهمِّهم بما همُّوا به مِن بَسْطِ أيديهم إليك وإلى أصحابك، فإن لك ولهم في حسنِ ثوابي، وعِظَمِ جزائي على الوفاءِ بالعهدِ الذي جازَيْتُ المقتولَ، الوافي بعهدِه من ابْنَيْ آدمَ، وعاقَبْتُ به القاتلَ الناكثَ عهدَه، عَزاءً جميلًا. واخْتَلف أهلُ العلمِ في سببِ تقريبِ ابْنَىْ آدمَ القُرْبانَ، وسببِ قَبُولِ اللَّهِ ما تَقَبَّلَ منه، ومَن اللذان قَرَّبا؟ فقال بعضُهم: كان ذلك عن أمرِ اللهِ جلَّ وعزَّ إياهما بتقريبِه، وكان سببَ القَبولِ أن المتُقَبَّلَ منه قَرَّب خيرَ مالِه، وقرَّب الآخرُ شرَّ مالِه، وكان المُقَرِّبانِ ابْنى آدمَ لصُلْبِه، أحدُهما هابيلُ، والآخرُ قابيلُ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني المثنى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ،

стр. 5605

عن هشامِ بن سعدٍ (١)، عن إسماعيلَ بن رافعٍ، قال: بَلَغَنى أن ابْنَيْ آدَمَ لما أُمِرا بِالقُرْبانِ، كان أحدُهما صاحبَ غنمٍ، وكان أُنْتِج له حَمَلٌ في غنمِهِ، فَأَحَبَّه حتى كان يُؤْثِرُه بالليلِ، وكان يَحْمِلُه على ظهرِه مِن حبِّه، حتى لم يكنْ له مالٌ أحبَّ إليه منه، فلمّا أُمِر بالقُرْبانِ قرَّبه للهِ فقبِلَه اللهُ منه، فما زال يرتَعُ في الجنةِ حتى فُدِى به ابن إبراهيمَ صَلَّى اللهُ عليهما (٢). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا عوفٌ، عن أبي المغيرةِ، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو، قال: إن ابنى آدمَ اللذين قَرَّبَا قُرْبانًا فَتُقُبِّل من أحدِهما ولم يُتَقَبَّلُ مِن الآخر، كان أحدُهما صاحبَ حَرْثٍ، والآخرُ صاحبَ غنمٍ، وإنهما أُمِرا أن يُقرِّبا قربانًا، وإن صاحبَ الغنمِ قرَّب أكرمَ غنمِه وأَسْمَنَها وأَحْسَنها، طيِّبةً بها نفسُه، وإن صاحبِ الحرثِ قرَّب شرَّ حرثِه الكَوْزَنَ (٣) والزُّوَانَ (٤)، غيرَ طيبةٍ بها نفسُه، وإن الله تَقَبَّل قربانَ صاحبِ الغنمِ، ولم يَتَقَبَّلْ قربانَ صاحبِ الحرثِ، وكان من قصتِهما ما قصَّ اللهُ في كتابِه، وقال: ايْمُ اللهِ، إن كان المقتولُ لأَشَدَّ الرجلين، ولكنْ مَنَعَه التحرُّجَ أن يبسُطَ (٥) إلى أخيه (٦). وقال آخرون: لم يكنْ ذلك مِن أمرِهما عن أمرِ اللَّهِ إيَّاهما به.

стр. 5606

ذكرُ مِن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: حدثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: كان مِن شأنهما أنه لم يكنْ مسكينٌ يُتَصَدَّقُ (١) عليه، وإنما كان القُرْبانُ يُقَرِّبُه الرجلُ، فبَيْنا ابنا آدمَ قاعدان، إذ قالا: لو قَرَّبْنا قُرْبانًا - وكان الرجلُ إذا قَرَّب قُربانًا فَرَضِيَه اللهُ، أَرْسَل إليه نارًا فَأَكَلَتْه، وإن لم يكنْ رَضِيَه اللهُ، خَبَتِ النارُ - فقرَّبا قُربانًا، وكان أحدُهما راعيًا، وكان الآخرُ حَرَّاثًا، وإن صاحبَ الغنمِ قرَّب خيرَ غنمِه وأسمنَها، وقرَّب الآخرُ بَعْضَ (٢) زرعِه، فجاءتِ النارُ فَنَزَلَتْ بينَهما، فأَكَلَتِ الشاةَ وتَرَكَتِ الزرعَ، وإن ابنَ آدمَ قال لأخيه: أَتَمْشى في الناسِ وقد علمِوا أنك قَرَّبتَ قُربانًا فَتُقُبِّل منك ورُدَّ عليَّ؟ فلا واللهِ لا ينظُرُ (٣) الناسُ إليَّ وإليك وأنت خيرٌ منِّي. فقال: لأَقْتُلَنَّك. فقال له أخوه: ما ذنبي؟ إنما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِن المتقين (٤). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، قال: ثنا ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿إِذْ قَرَّبَا﴾. قال: ابنا آدمَ هابيلُ وقابيلُ لصُلْبِ آدمَ، فَقَرَّب أحدُهما شاةً، وقرَّب الآخرُ بَقْلًا، فقَبِل مِن صاحبِ الشاةِ، فقَتَلَه صاحبُه (٥). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

стр. 5607

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيان، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾. قال: هابيلُ وقابيلُ، فقرَّب هابيلُ عَنَاقًا (١) مِن أحسنِ غنمه، وقرَّب قابيلُ زرعًا مِن زرعِه. قال: فأَكَلَتِ النارُ العَنَاقَ، ولم تَأْكُل الزرع، فقال: لأَقْتُلَنَّك. قال: إِنما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِن المتَّقِين. حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا رجلٌ سمِع مجاهدًا، في قولِه: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾. قال: هو هابيلُ وقابيلُ لصُلْبِ آدمَ، قرَّبا قربانًا؛ قرَّب (٢) أحدُهما شاةً مِن غنمِه، وقرَّب الآخرُ بَقْلًا، فتُقُبِّل من صاحبِ الشاةِ، فقال لصاحبِه: لأقتُلَنَّك. فقَتَلَه، فعَقَلَ اللَّهُ إحدى رِجْلَيْه بساقِها إلى فَخِذِها إلى يومِ القيامةِ، وجعَل وجهَه إلى الشمسِ حيثما دارتْ، عليه حَظِيرَةٌ مِن ثَلْجٍ في الشتاءِ، وعليه في الصيفِ حظيرةٌ مِن نار، ومعه سبعةُ أملاكٍ، كلَّما ذهب مَلَكٌ جاء الآخرُ (٣). حدثنا سفيانُ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، ح وحدثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن عبدِ اللَّهِ بن عثمانَ بن خُثيمٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ﴾. قال: قرَّب هذا كبشًا، وقرَّب هذا صُبرَةً (٤) مِن طعامٍ، فتُقُبِّل من أحدِهما. قال: تُقبِّل مِن صاحبِ الشاةِ، ولم يُتَقَبَّلْ مِن الآخرِ (٥).

стр. 5608

حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ﴾: كان رَجُلانِ مِن بني آدَم، فُقُبِّل من حدِهما ولم يُتَقَبَّلْ من الآخر. حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عُبَيدُ اللَّهِ، عن فُضَيل بن مرزوقٍ، عن عطيةَ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾. قال: كان أحدُهما اسمُه قابيلُ، والآخَرُ هابيلُ؛ أحدُهما صاحبُ غنمٍ، والآخرُ صاحبُ زرعٍ، فقَرَّب هذا مِن أَمْثَلِ غنمِه حَمِلًا، وقرَّب هذا مِن أَرْذَلِ (١) زرعِه. قال: فنزَلتِ النارُ فأكلَت الحَمَلَ، فقال لأخيه: لأَقْتُلَنَّك. حدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن بعضِ أهلِ العلمِ [عن الكتابِ] (٢) الأولِ، أن آدمَ أمرَ ابنَه قابيلَ (٣) أن يُنْكِحَ أختَه تُؤْمَه (٤) هابيلَ، وأمرَ هابيلَ أن يُنْكِحَ أَختَه تُؤْمَه (٤) قابيلَ، فسَلَّم لذلك هابيلُ ورَضِى، وأبي قابيلُ ذلك وكَرِهَ؛ تكرُّمًا عن أختِ هابيلَ، ورَغِبَ بأخيِه عن هابيلَ، وقال: نحن وِلادةُ الجنةِ وهما مِن ولادةِ الأرضِ، وأنا أَحَقُّ بأختى. ويقولُ بعضُ أهلِ العلمِ بالكتابِ (٥) الأولِ: كانت أختُ قابيلَ مِن أحسنِ الناسِ، فضنَّ بها على أخيه، وأرادها لنفسه. فاللهُ أعلمُ أيُّ ذلك

стр. 5609

كان. فقال له أبوه: يا بُنَيَّ، إنها لا تَحِلُّ لك. فأبى قابيلُ أن يَقْبَلَ ذلك من قولِ أبيه، فقال له أبوه: يا بُنَيَّ، فقَرِّبْ قربانًا، ويُقَرِّب أخوك هابيلُ قربانًا، فأيُّكما قَبِل اللهُ قُرْبانَه فهو أحقُّ بها. وكان قابيلُ على بَذْرِ الأَرضِ، وكان هابيلُ على رعايةِ الماشيةِ، فقرَّب قابيلُ قمحًا، وقرَّب هابيلُ أبكارًا مِن أبكارِ غنمِه، وبعضُهم يقولُ: قرَّب بقرة. فأَرْسَل الله نارًا بيضاءَ فأَكَلَتْ قربانَ هابيلَ، وتَرَكتْ قربانَ قابيلَ، وبذلك كان يَقْبَلُ القربانَ إذا قَبِلَه (١). حدَّثني موسى بنَ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ فيما ذَكَر عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ : و (٢) كان لا يُولَدُ لآدمَ مولودٌ إِلَّا وُلِد معه جاريةٌ، فكان يُزوِّجُ غلامَ هذا البطنِ جاريةَ هذا البطنِ الآخرِ، ويُزوِّجُ جارية هذا البطنِ غلامَ البطنِ الآخرِ، حتى وُلدِ له ابنان يقالُ لهما: قابيلُ وهابيلُ. وكان قابيلُ صاحبَ زرعٍ، وكان هابيلُ صاحبَ ضَرْعٍ، وكان قابيلُ أكبرَهما، وكان له أختٌ أَحْسَنُ مِن أختِ هابيلَ، وإن هابيلَ طلَب أن ينكِحَ أختَ قابيلَ، فأبى عليه وقال: هي أختى وُلِدتْ معى، وهى أحسنُ مِن أختكِ، وأنا أحقُّ أن أتزوَّجَها. فأمَره أبوه أن يُزوِّجَها هابيلَ، فأبى، وإنهما قرَّبا قربانًا إلى اللهِ، أيُّهما أحقُّ بالجاريةِ، وكان آدمُ يومَئذٍ قد غاب عنهما إلى مكة ينظُرُ إليها، قال اللهُ لآدمَ: يا آدمُ، هل تَعْلَمُ أن لي بيتًا في الأرضِ؟ قال: اللهمَّ لا. قال: فإن لى بيتًا بمكةَ فَأْتِهِ. فقال آدمُ للسماءِ: احْفَظى وَلَدِى بالأمانةِ. فأَبَت، وقال للأرضِ، فأَبَت، وقال للجبالِ، فَأَبَت، وقال لقابيلَ، فقال: نعم، تذهَبُ وترجِعُ، وتجدُ أهْلَك كما يَسُرُّك. فلما انطلَق آدمُ قرَّبا قربانًا،

стр. 5610

وكان قابيلُ يَفْخَرُ عليه، فقال: أنا أحقُّ بها منك (١)، هي أختى، وأنا أكبرُ منك، وأنا وَصِيُّ والدى. فلما قرَّبا، قرَّب هابيلُ جَذَعَةً سمينةً، وقرَّب قابيلَ حزمةً (٢) سُنْبُلٍ، فوجدَ فيها سنبلةً عظيمةً، ففَرَكَها فأكَلَها، فنَزَلَتِ النارُ فأكَلَتْ قربانَ هابيلَ، وتَرَكتْ قربانَ قابيلَ، فغضِب وقال: لأَقتُلَنَّك حتى لا تَنْكِحَ أختى. فقال هابيلُ: إِنما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِن المُتَّقِين (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾: ذُكِر لنا أنهما هابيلُ وقابيلُ، فأما هابيلُ فكان صاحبَ ماشيةٍ، فعَمَد إلى خيرِ ماشيتِه فتَقَرَّب بها، فنَزَلَتْ عليه نارٌ فأَكَلَتْه، وكان القُرْبانُ إذا تُقُبِّل منهم نَزَلتْ عليه نارٌ فأَكَلَتْه، وإذا رُدَّ عليهم أكَلَتْه الطيرُ والسَّباعُ، وأما قابيلُ فكان صاحبَ زرعٍ، فعَمَد إلى أَرْدَأ زرعِه فتَقَرَّب به، فلم تَنْزِلُ عليه النارُ، فحسَد أخاه عندَ ذلك فقال: لأَقْتُلَنَّك. قال: إنما يتَقَبَّلُ اللَّهُ مِن المُتَّقِين. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾. قال: هما قابيلُ وهابيلُ. قال: كان أحدُهما صاحبَ زرعٍ، والآخرُ صاحبَ ماشيةٍ، فجاء أحدُهما بخيرِ مالِه، وجاء الآخرُ بشرِّ مالِه، فجاءتِ النارُ فأَكَلَتْ قُرْبانَ أحدُهما - وهو هابيلُ - وترَكت قربانَ الآخرِ، فحسَده، فقال: لأَقْتُلَنَّك (٤). حدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:

стр. 5611

﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾. قال: قَرَّب هذا زرعًا، وذا عَناقًا، فتَرَكَتِ النارُ الزرعَ، وأَكَلَتِ العَنَاقَ (١). وقال آخرون: اللذان قرَّبا قربانًا، وقصَّ اللهُ عزَّ ذكرُه قَصَصَهما في هذه الآيةِ، رجلان من بني إسرائيلَ، لا مِن وَلَدِ آدمَ لصُلْبِه. ذكرُ مِن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا سهلُ بنُ يوسفَ، عن عمرٍو، عن الحسنِ، قال: كان الرجلان اللذان في القرآنِ، اللذان قال اللهُ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾. من بنى إسرائيلَ، ولم يكونا ابْنَىْ آدمَ لصُلْبِه، وإنما كان القربانُ في بنى إسرائيلَ، وكان آدمُ أوّلَ مَنْ مات (٢). وأَوْلَى القولين في ذلك عندى بالصوابِ أن اللذَيْن قرَّبا القربان كانا ابْنَيْ آدمَ لصُلْبِه، لا مِن ذُرِّيَّتِه مِن بنى إسرائيلَ، وذلك أن الله يَتَعَالَى عن أن يُخاطِبَ عبادَه بما لا يُفيدُهم به فائدةً، والمُخاطَبون بهذه الآيةِ كانوا عالمين أن تقريبَ القربانِ اللَّهِ لم يكنْ إلا في ولدِ آدمَ، دونَ الملائكةِ والشياطينِ وسائرِ الخَلْقِ غيرِهم. فإذ كان معلومًا ذلك عندَهم، فمعقولٌ أنه لو (٣) لم يكنْ مَعْنيًّا بِابْنَى (٤) آدمَ اللذَّيْن ذَكَرَهما اللَّهُ في كتابِه ابناه لصُلْبِه، لم (٥) يُفدهم بذكره ﷻ إيَّاهما فائدةً لم تكنْ

стр. 5612

عندَهم، وإذ كان غيرَ جائزٍ أن يُخاطِبَهم خطابًا لا يُفيدُهم به معنًى، فمعلومٌ أنه عنَى ابْنَىْ (١) آدمَ لصُلْبِه، لا (٢) ابْنَىْ بَنِيه الذين بَعْدَ منه نَسَبُهم، مع إجماعِ أهلِ الأَخبارِ والسِّيَرِ والعِلْمِ بالتأويلِ على أنهما كانا ابْنَىْ آدمَ لصُلْبِه، وفى عهدِ آدمَ وزمانِه، وكفَى بذلك شاهدًا. وقد ذَكَرْنا كثيرًا ممن نُصَّ عنه القولُ بذلك، وسنَذْكُرُ كثيرًا ممن (٣) لم يُذْكَرْ إن شاء الله. حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيد بنَ هارونَ، قال: ثنا حسامُ بنُ مِصَكٍّ، عن عَمَّارٍ الدُّهْنيِّ، عن سالمِ بن أبي الجَعْدِ، قال: لما قتَل ابنَ آدمَ أخاه، مكَث آدمُ مائةَ سنةٍ حزينًا لا يَضْحَكُ، ثم أُتِىَ فقيل له: حيَّاك اللهُ وبيَّاك. فقال: بيَّاك: أَضْحَكك (٤). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، [عن غِياثِ بن إبراهيمَ] (٥)، عن أبي إسحاقَ الهَمْدانيِّ، قال: قال عليُّ بنُ أبى طالبٍ رضوانُ اللهِ عليه: لَمَّا قتَل ابن آدمَ أخاه، بكَى آدمُ، فقال: تَغَيَّرتِ البلادُ ومَن عَلَيْها … فلَوْنُ (٦) الأرضِ مُغْبَرٌّ قبيحُ تغيَّر كلُّ ذى لَوْنٍ وطَعْمٍ … وقلَّ بشاشةُ الوجهِ المليحِ فأُجِيب آدمُ ﵇:

стр. 5613

أبا هابيلُ قد قُتِلا جميعًا … وصار الحيُّ كالمَيِتِ (١) الذَّبِيح وجاء بشرَّةٍ قد كان منها … على خَوْفٍ فجاء بها يَصيحُ (٢) وأما القولُ في تقريبهما ما قرَّبا، فإن الصوابَ فيه من القولِ أن يقالَ: إن الله عزَّ ذكرُه أَخْبَر عبادَه عنهما أنهما قد قرَّبا، ولم يُخْبِرُ أن تَقْريبَهما ما قرَّبا كان عن أمرِ اللهِ إياهما به، ولا عن غيِر أمرِه، وجائزٌ أن يكونَ كان عن أمرِ اللهِ إياهما بذلك، وجائزٌ أن يكونَ عن غيرِ أمرِه، غيرَ أنه أيُّ ذلك كان، فلم يُقَرِّبا ذلك إِلا طَلَبَ قُرْبةٍ إِلى اللَّهِ عز ذكرُه إن شاء اللهُ وأما تأويلُ قولِه: ﴿قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ﴾. فإن معناه: قال الذي لم يُتَقَبَّلْ منه قُرْبانُه للذى تُقُبِّلَ منه قربانُه: لأَقْتُلَنَّك. فتَرَك ذِكْرَ المُتَقَبَّل قربانُه، والمردودِ عليه قربانُه؛ استغناءً بما قد جرَى مِن ذكرِهما عن إعادتِه. وكذلك ترَك ذكرُ المتقبَّلِ قربانُه مع قولِه: ﴿قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾. وبنَحوِ ما قلنا في ذلك رُوِى الخبرُ عن ابن عباسٍ. حدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ﴾: فقال له أخوه: ما ذَنْبي؟ إنما يتقبَّلُ اللَّهُ مِن المُتَّقِين (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّمَا

стр. 5614

يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾. قال: يقولُ: إنك لو اتَّقَيْتَ الله في قُرْبانِكَ تَقَبَّل منك؛ جئت بقربانٍ مغشوشٍ بأشَرِّ ما عندَك، وجئتُ أنا بقربانٍ طيِّبٍ بخيرِ ما عندى. قال: وكان قال: يَتَقَبَّلُ اللهُ منك ولا يَتَقَبَّلُ منى؟ ويَعْنى بقولِه: ﴿مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾: مِن الذين اتَّقَوُا اللَّهَ وخافوه بأداءِ ما كَلَّفهم مِن فرائضِه، واجتنابِ ما نهاهم عنه مِن مَعَاصِيه (١). وقد قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ: المتقون في هذا الموضعِ الذين اتقَوُا الشركَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، عن الضَّحَّاكِ قولَه: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾: الذين يتقون الشركَ (٢). وقد بيَّنا معنى "القُرْبانِ" فيما مضَى (٣)، وأنه الفُعْلانُ مِن قولِ القائلِ: قرَّب. كما "الفرقانُ" "الفُعْلانُ" من: فرَق. و "العُدْوانُ" من: عدَا. وكانت قرابينُ الأممِ الماضية قبلَ أُمَّتِنا كالصَّدَقَاتِ والزَّكَواتِ فينا، غيرَ أَنَّ قرابينَهم كان يُعْلَمُ المُتَقَبَّلُ منها وغيرُ المتقبَّلِ، فيما ذُكر، بأَكْلِ النارِ ما تُقُبِّل منها، وتَرْكِ النارِ ما لم يُتَقَبَّلْ منها. والقربانُ في أُمتِنا الأعمالُ الصالحةُ؛ مِن الصلاةِ، والصيامِ، والصدقةِ على أهلِ المَسْكنَةِ، وأداءِ الزكاةِ المفروضةِ. ولا سبيلَ لها إلى العلمِ في عاجلٍ بالمُتَقَبَّلِ منها والمَرْدودِ. وقد ذُكر عن عامرِ بن عبدِ اللَّهِ العَنْبَرِيِّ أنه حينَ حَضَرَتْه الوفاةُ بكَى، فقيل له:

стр. 5615

ما يُبكيك، فقد كنتَ وكنتَ؟ فقال: يُبْكيِنى أنى أسمعُ الله يقولُ: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾. حدَّثني بذلك محمدُ بنُ عمر المُقدَّميُّ، قال: ثني سعيدُ بنُ عامرٍ، عن همَّامٍ، عمن ذكَره، عن عامرٍ (١). وقد قال بعضُهم: قربانُ المتقين الصلاةُ. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حفصُ بن غِياثٍ، عن عِمْرانَ بن سُلَيمانَ (٢)، عن عَدِيٍّ بن ثابتٍ، قال: كان قُرْبانُ المتقين الصلاةَ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (٢٨)﴾. وهذا خبرٌ من اللهِ تعالى ذكرُه عن المقتولِ مِن ابْنَىْ آدمَ، أنه قال لأخيه حين (٤) قال له أخوه القاتلُ: لأقتُلَنَّك: واللَّهِ ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ﴾. يقولُ: مَدَدْتَ إِلَيَّ يدَك ﴿لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾. يقول: ما أنا بمادٍّ يدىَ إليك لأقْتُلَك. وقد اخْتُلِف في السببِ الذي مِن أجلهِ قال المقتولُ ذلك لأخيه، ولم يُمَانِعه ما فعَل به؛ فقال بعضُهم: قال ذلك إعلامًا منه لأخيه القاتلِ أنه لا يَسْتَحِلُّ قَتْلَه، ولا بَسْطَ يَدِهِ إِليه، بما لم يأذنِ اللَّهُ له به.

стр. 5616

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا عوفٌ، عن أبي المغيرةِ، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو، أنه قال: وايْمُ اللهِ، إن كان المقتولُ لأَشدَّ الرَّجُلَين، ولكنْ مَنَعَه التَّحَرُّجُ أَن يَبْسُطُ إلى أخيه (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ﴾: لا أنا بمنتصرٍ، وَلأُمْسِكَنَّ يدىَ عنك (٢). وقال آخرون: لم يَمْنَعْه مما أراد مِن قَتْلِه، وقال ما قال له مما قصَّ اللهُ في كتابِه، أن الله عزَّ ذكرُه فرَض عليهم ألّا يَمْتَنِعَ مَن أُرِيد قتلُه ممن أراد ذلك منه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا رجلٌ سمِع مجاهدًا يقولُ في قولِه: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾. قال مجاهدٌ: كان كُتِب (٣) عليهم: إذا أراد الرجلُ أن يقتُلَ رجلًا ترَكه ولا يَمْتَنِعُ منه (٤). وأولى القولين في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن الله عَزَّ ذكرُه قد كان حرَّم عليهم قَتْلَ نفسٍ بغيرِ نفسٍ ظلمًا، وأن المقتولَ قال لأخيه: ما أنا بباسطٍ يدىَ إليك إن

стр. 5617

بَسَطْتَ إليَّ يدك. لأنه كان حرامًا عليه مِن قَتْلِ أخيه مثلُ الذي كان حرامًا على أخيه القاتل مِن قتلِه، فأما الامتناعُ مِن قَتْلِه حينَ أراد قَتْلَه، فلا دَلالة على أن القاتلَ حينَ أراد قتلَه وعزَم عليه، كان المقتولُ عالمًا بما هو عليه عازِمٌ منه ومُحاوِلٌ من قتلِه، فتَرَك دَفْعَه عن نفسِه. بل قد ذكرُ جماعةٌ مِن أهلِ العلمِ أنه قتَله غِيلَةٌ؛ اغتاله وهو نائمٌ، فشَدَخ (١) رَأْسَه بصَخْرةٍ. فإذ كان ذلك ممكنًا، ولم يكنْ في الآيةِ دَلالةٌ على أنه كان مأمورًا بتَرْكِ مَنْعِ أخيه مِن قتلِه، لم يكنْ جائزا ادِّعاءُ ما ليس في الآيةِ إلَّا ببرهانٍ يجِبُ تَسْليمه. وأما تأويلُ قولِه: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾. [فَإِنَّه: إنى] (٢) أَخافُ في بَسْطِ يدى إليك إن بَسَطْتُها لقَتْلِك، ﴿رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾. يعني: مالكَ الخلائقِ كلِّها أن يُعاقِبَني على بسطِ يدىَ إليك. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾. اخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: إني أُريدُ أن تَبُوءَ بإثمى مِن قتلِك إِيَّايَ، وإثْمِك في معصيتِك الله، [وغيرِ] (٣) ذلك مِن معاصيك. ذكرُ مِن قال ذلك حدَّثني موسى (٤) بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ في حديثِه، عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ، وعن مُرَّةَ. عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ : ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ

стр. 5618

بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾. يقولُ: إثمِ قتلى، إلى إثمِك الذي في عنقِك، ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾. يقولُ: بقتلِك إيايَ، وإثمِك قبلَ ذلك. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾. قال: بإثمِ قتلى وإثمِك (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾. يقولُ: إني أُرِيدُ أن يكونَ عليك خطيئتُك ودمى، تبوءُ بهما جميعًا (٣). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾. يقولُ: إني أُريدُ أن تبوءَ بقتلك إِيَّايَ، ﴿وَإِثْمِكَ﴾. قال: بما كان منك (٤) قبلَ ذلك (٥). حُدِّثت عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سَمِعتُ أبا معاذٍ الفضلَ بن خالدٍ، قال: ثنى عبيدُ بنُ سُلَيمانَ (٦)، عن الضحَّاكِ قوله: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾. قال: أما إثمُك، فهو الإثمُ الذي عمِل قبلَ قَتْلِ النفسِ - يعنى أخاه - وأما إثمُه:

стр. 5619

فقتلُه أخاه (١) وكأنَّ قائلى هذه المقالةِ وَجَّهوا تأويلُ قولِه: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾. أَي: إنى أريدُ أن تبوءَ بإثمِ قتلى. فحَذَف و "القتلَ"، واكتفى بذِكْرِ "الإثم"، إذ كان مفهومًا معناه عندَ المُخاطَبين به. وقال آخرون: معنى ذلك: إني أريدُ أن تبوءَ بخطيئتي، فتَتَحَمَّلَ وِزْرَها، وإثمِك في قتلِك إيَّاى. وهذا قولٌ وَجَدتُه عن مجاهدٍ، وأخشَى أن يكونَ غلطًا؛ لأن الصحيحَ مِن الروايةِ عنه ما قد ذَكَرْنا قبلُ. ذكرُ مِن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾. يقولُ: إني أريدُ أن تكون عليك خطيئتي ودمى، فتَبُوءَ بهما جميعًا (٢). والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إن تأويلَه: إني أريدُ أن تَنْصَرِفَ بخطيئتِك في قتلِك إيَّايَ. وذلك هو معنى قولِه: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي﴾. وأما معنى ﴿وَإِثْمِكَ﴾. فهو إثمُه بغيرِ قتلِه، وذلك معصيةُ اللهِ جلَّ ثناؤُه في أعمالٍ سواه. وإنما قلنا: ذلك هو الصوابُ؛ لإجماعِ أهلِ التأويلِ عليه، لأن الله عزَّ ذكرُه قد أَخْبَرَنا أن كلَّ عاملٍ فجزاءُ عملِه له أو عليه، وإذا كان ذلك حكمه في خَلْقِه، فغيرُ

стр. 5620

جائزٍ أن يكونَ آثامُ المقتولِ مأخوذًا بها القاتلُ، وإنما يُؤْخَذُ القاتلُ بإثمِه بالقتلِ المحرَّمِ، وسائرِ آثامِ معاصِيه التي ارْتَكَبَها بنفسِه دونَ ما رَكِبه قتيلُه. فإن قال قائلٌ: أوَ ليس قتلُ المقتولِ مِن بنى آدمَ كان معصيةً للَّهِ مِن القاتلِ؟ قيل: بلى، وأَعْظم بها معصيةً. فإن قال: فإذا كان للَّهِ جلَّ وعزَّ، معصيةً، فكيف جاز أن يريدَ ذلك منه المقتولُ، ويقولُ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي﴾. وقد ذكَرتَ أن تأويلَ ذلك: إني أُريد أن تبوءَ بإثم قتلى؟ فمعناه (١): إنى أُريدُ أن تبوءَ بإثمِ قتلى إن قتَلتني؛ لأنى لا أقتُلُك، فإن أنت قَتَلْتَني فإني مُريدٌ أن تبوءَ ياثمِ معصيتِك الله في قتِلك إيَّايَ. وهو إذا قتَله فهو لا محالةَ بَاءَ به في حُكْمِ اللَّهِ، فإرادتُه ذلك غيرُ موجبةٍ له الدخولَ في الخطأ. ويَعْنى بقولِه: ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾. يقولُ: فتكونَ بقتلَك إِيَّايَ مِن سُكَّان الجحيمِ، ووَقود النارِ المخلَّدين فيها، ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾. يقولُ: والنارُ ثوابُ التاركين طريق الحقِّ، الزائلين عن قَصْدِ السبيلِ، المتعدِّين ما جُعِل لهم إلى ما لم يُجْعَل لهم. وهذا يدلُّ على أن اللَّهَ عزَّ ذكرُه قد كان أمَرَ ونَهَى آدمَ بعدَ أن أهْبَطه إلى الأرضِ، ووَعَدَ وأَوْعَدَ، ولولا ذلك ما قال المقتولُ للقاتلِ: فتكونَ مِن أصحابِ النارِ بقتلِك إِيَّايَ. ولا أَخْبَرَه أَن ذلك جزاءُ الظالمين. فكان مجاهدٌ يقولُ: عُلِّقَتْ إحدى رِجْلَى القاتلِ بساقِها إلى فَخِذِها مِن يومِئذٍ إلى يومِ القيامةِ، ووجهه في الشمسِ حيثما دارت دار (٢)، عليه في الصيف حَظيرةٌ

стр. 5621

مِن نارٍ، وعليه في الشتاءِ حظيرةٌ مِن ثلجٍ. حدَّثنا بذلك القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: قال مجاهدٌ ذلك. قال: وقال عبدُ اللهِ بنُ عمرٍو: إِنَّا لَنَجِدُ ابْنَ آدَمَ القاتلَ يُقاسمُ أهلَ النارِ قسمةً صحيحةً العذابَ، عليه شَطْرُ عذابهم (١). وقد رُوِى عن رسولِ اللهِ ﷺ بنحوِ ما رُوِي عن عبدِ اللَّهِ بن عمرٍو خبرٌ. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، و (٢) حدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا جريرٌ وأبو معاويةَ [ح، وحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو معاويةَ] (٣) ووكيعٌ، جميعًا عن الأعمشِ، عن عبدِ اللهِ بن مرَّةَ، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: قال النبيُّ ﷺ : "ما مِنْ نفسٍ تُقتَلُ ظلمًا إِلَّا كان على ابن آدمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ (٤) منها؛ ذلك بأنه أَوَّلُ مَنْ سَنَّ القتلَ" (٥). حدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا أبى ح، وحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، جميعًا عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللهِ بن مرةً، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ عن النبيِّ ﷺ نحوَه (٦).

стр. 5622

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن حسنِ بن صالحٍ، عن إبراهيم بن مُهاجِرٍ، عن إبراهيمَ النَّخَعيِّ، قال: ما مِن مقتولٍ يُقْتَلُ ظلمًا، إلا كان على ابن آدمَ الأُولِ والشيطانِ كِفْلٌ منه (١). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن حكيمِ بن حكيمٍ، أنه حُدِّث عن عبدِ اللَّهِ بن عمرٍو أنه كان يقولُ: إن أشقى الناسِ رجلًا لَابْنُ آدمَ الذي قتَل أخاه؛ ما سُفِك دمٌ في الأرضِ منذ قتَل أخاه إلى يومِ القيامةِ، إلا لَحَق به منه شيءٌ، وذلك أنه أولُ مِنْ سنَّ القتل (٢). وهذا (٣) الخبرُ الذي ذَكَرْنا عن رسولِ اللهِ ﷺ يُبين (٤) أنَّ (٥) القولَ الذي قاله الحسنُ في ابْنَىْ آدمَ اللذَيْن ذَكَرهما الله في هذا الموضعِ أنهما ليسا بابنيْ آدمَ لصُلْبِه، ولكنهما رجلان مِن بنى إسرائيلَ، و (٦) أنَّ القول الذي حُكى عنه أنَّ أول مَنْ مات آدمُ، وأن القربانَ الذي كانت النارُ تأكُلُه لم يَكُنْ إلا في بني إسرائيلَ - خطأٌ، لأنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قد أَخْبَر عن هذا القاتلِ الذي قتَل أخاه، أنه أوَّلُ مِن سنَّ

стр. 5623

القتلَ، وقد كان لا شكَّ القتلُ قبلَ بنى (١) إسرائيلَ، فكيف قبلَ ذُرِّيَّتِه؟ وخطأَ مِن القولِ أن يقال: أولُ مَن سنَّ القتل رجلٌ مِن بني إسرائيلَ. وإذ كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أن الصحيحَ مِن القولِ هو قولُ مَنْ قال: هو ابن آدمَ لصلبِه. لأنه (٢) أولُ مَن سنَّ القتلَ، فَأَوْجَب اللهُ له مِن العقوبةِ ما رَوَيْنا عن رسولِ اللَّهِ ﷺ . القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣٠)﴾. يَعْنِى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿فَطَوَّعَتْ﴾: فآتَتْه (٣) وساعَدَته عليه. وهو "فَعَلَتْ" مِن الطَّوْع، مِن قولِ القائلِ: طَاعَنى هذا الأمرُ. إذا انْقادَ له. وقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معناه: فشَجَّعَتْ له نفسُه قتلَ أخيه. ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأَوْدِيُّ ومحمدُ بنُ حميدٍ، قالا: ثنا حكَّامُ بنُ سَلْمٍ، عن عَنْبسةَ، عن (٤) ابن أبي ليلى، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ﴾. قال: شَجَّعَتْ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي

стр. 5624

نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ﴾. قال: فشَجَّعَتْه (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾. قال: شَجَّعَته على قتلِ أخيه. وقال آخرون: معنى ذلك: زَيَّنَتْ له. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾. [قال: زَيَّنَتْ له نفسُه] (٢) قتل أخيه فقَتَلَه (٣). ثم اخْتَلَفوا في صفةِ قَتْلِهِ إيَّاه، كيف كانت، والسببِ الذي مِن أجلِه قَتَلَه؛ فقال بعضُهم: وجَدَه نائمًا فشدَخ رأسه بصَخْرَةٍ. ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، فيما ذكرُ عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ، وعن مرَّةَ، عن عبدِ اللهِ، وعن ناس مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ : ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾: فطَلَبَه ليقتُلَه، فراغ الغلامُ منه في رءوسِ الجبالِ، وأتاه يومًا مِن الأيام وهو يرعى غنمًا له في جبلٍ وهو نائمٌ، فرفَع صخرةً فشدَخ بها رأسَه، فمات، فترَكه بالعراءِ (٤).

стр. 5625

وقال بعضهم ما حدَّثنى محمدُ بنُ عمرَ بن عليٍّ، قال: سَمِعتُ أَشْعَثَ السِّجِسْتانيَّ، يقولُ: سَمِعتُ ابنَ جُرَيجٍ قال: ابن آدمَ الذي قتل صاحبَه لم يَدْرِ كيف يَقْتُلُه، فتَمَثَّل إبليسُ له في هيئةِ طيرٍ، فأخَذ طيرًا فقطَع (١) رأسَه، ثم وضَعه بينَ حَجَرَيْن، فشدَخ رأسَه، فعَلَّمَه القتلَ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قتَله حيثُ يرعى الغنمَ، فأتاه (٣) فجعَل لا يدرى كيف يَقْتُلُه، فلَوَى برقبتِه وأخَذ برأسِه، فنزَل إبليسُ، وأخَذ دابَّةً أو طيرًا، فوضَع رأسَه على حجرٍ، ثم أخذ حجرًا آخرَ فَرَضَحْ به رأسَه، وابنُ آدمَ القاتلُ يَنْظُرُ، فأخَذ أخاه، فوضَع رأسَه على حجرٍ، وأخذ حجرًا آخرَ فرضَخ به رأسَه. حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا رجلٌ سمِع مجاهدًا يقولُ. فذكَر نحوَه (٤). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: لَمَّا أَكَلَتِ النارُ قُرْبانَ ابن آدمَ الذي تُقُبِّل قربانُه، قال الآخَرُ لأخيه: أتَمْشى في الناسِ وقد علِموا أنك قَرَّبتَ قربانًا فتُقُبِّل منك ورُدَّ عليَّ! واللهِ لا يَنْظُرُ الناسُ إلى وإليك وأنت خيرٌ منى. فقال: لأَقْتُلَنَّك. فقال له أخوه: ما ذنبي؟ إنما يتقبَّلُ اللهُ مِن المتَّقِين. فخوَّفه بالنارِ، فلم يَنْتَهِ ولم يَنْزَجِرْ، ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ

стр. 5626

قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١). حدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: أخبرني عبدُ اللهِ بن عثمانَ بن خُثَيمٍ، قال: أقبلتُ مع سعيدِ بن جبيرٍ أرمى الجَمْرَةَ وهو مُتَقَنِّعٌ مُتَوَكِّئٌ على يدى، حتى إذا وازَيْنا بمنزلِ سَمُرَةَ الصرَّافِ (٢)، وقَف فحَدَّثني (٣) عن ابن عباسٍ، قال: نهى أن يَنْكِحَ المرأةَ أخوها تُؤْمُها (٤)، ويَنْكِحُها غيرُه مِن إخوتها، وكان يُولَدُ في كلِّ بطن رجلٌ وامرأةٌ، فوُلِدَت امرأةٌ وَسيمةٌ، ووُلِدت امرأةٌ دَميمةٌ قَبيحةً، فقال أخو الدَّميمةِ: أَنكِحْنى أُخْتَك وأُنْكِحَك أختى. قال: لا، أنا أحقُّ بأختى. فقرَّبا قربانًا، فتُقُبِّل مِن صاحبِ الكبشِ، ولم يُتَقَبَّلْ من صاحبِ الزرعِ، فقَتَلَه، فلم يَزَلْ ذلك الكبشُ محبوسًا عندَ اللهِ حتى أَخْرَجه في فداءِ إسحاقَ (٥)، فذبَحه على هذا الصفا في ثَبِيرٍ (٦) عندَ منزلِ سَمُرَةَ الصرَّافِ، وهو على يمينك حينَ تَرْمى الجمار. قال ابن جُريجٍ: وقال آخرون بمثلِ هذه القصةِ. قال: فلم يَزَلْ بنو آدمَ على ذلك حتى مضَى أربعةُ آباءِ، فنكَح ابنةَ عمِّه، وذهَب نكاحُ الأخواتِ (٧). وأَوْلَى الأقوال في ذلك بالصوابِ أن يُقالَ: إِن اللَّهَ عَزَّ ذكرُه قد أَخْبَر عن القاتلِ أنه قتَل أخاه، ولا خبرَ عندَنا يَقْطَعُ العذرَ بصِفَةِ (٨) قَتْله إيَّاه، وجائزٌ أن يكونَ على نحوِ

стр. 5627

ما قد ذكَر السُّديُّ في خبرِه، وجائزٌ أن يكونَ كان على ما ذكَره مجاهدٌ، واللهُ أعلمُ أيُّ ذلك كان، غيرَ أن القتلَ قد كان، لا شَكّ فيه. وأما قوله: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. فإن تأويلَه: فَأَصْبَح القاتلُ أخاه مِن ابْنَيْ آدمَ، مِن حزبِ الخاسرين، وهم الذين باعوا آخرتَهم بدنياهم، بإيثارِهم إيَّاها عليها، فوُكِسوا في بَيْعِهم (١) وعُبِنوا فيه، وخابوا في صَفْقَتِهم. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (٣١)﴾. قال أبو جعفرٍ: وهذا أيضًا أحدُ الأدلةِ على أن القولَ في أمر ابْنَىْ آدمَ بخلافِ ما رواه عمرٌو، عن الحسنِ؛ لأن الرجلَين اللذين وصَف اللَّهُ صِفَتَهما في هذه الآيةِ لو كانا من بنى إسرائيلَ، لم يَجْهَل القاتلُ دَفْنَ أخيه، ومواراةَ سوأةِ أخيه، ولكنهما كانا مِن ولدِ آدمَ لصُلْبِه، ولم يكنْ القاتلُ منهما أخاه علِم سُنَّةَ اللهِ في عادةِ (٢) الموتى، ولم يَدْرِ ما يَصْنَعُ بأخيه المقتولِ، فذُكِر أنه كان يَحْمِلُه على عاتقِه حينًا حتى أَراحَتْ (٣) جِيفتُه، فأحبَّ اللَّهُ تعريفَه السنةَ في موتى خَلْقِه، فقَيَّضَ له الغُرَابَين اللذَيْن وصَف صفتَهما في كتابه. ذكرُ الأخبار عن أهلِ التأويلِ بالذي كان مِن فِعْلِ القاتل مِن ابْنَىْ آدمَ بأخيه المقتولِ بعد قتلِه إياه حدَّثنا سفيانُ بن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بن أبي رَوْقٍ الهَمْدانيُّ، عن أبيه، عن

стр. 5628

الضحَّاكِ، عن ابن عباسٍ، قال: مكَث يَحْمِلُ أخاه في جرابٍ على رقبتِه سَنَةً، حتى بعَث اللهُ جلَّ وعزَّ الغُرابين، فرآهما يَبْحثان، فقال: أَعَجَزْتُ أن أكونَ مثلَ هذا الغرابِ؟ فدفَن أخاه (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾: بعَث اللهُ جلَّ وعزَّ غرابًا حيًّا إلى غرابٍ ميِّتٍ، فجعَل الغرابُ الحيُّ يُوارى سَوْأَةَ الغرابِ الميِّتِ، فقال ابن آدمَ الذي قتَل أخاه: ﴿يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ﴾ الآية. حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، فيما ذكرُ عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ : لمَّا مات الغلامُ ترَكه بالعراءِ، ولا يعلَمُ كيف يَدْفِنُ، فبعَث اللهُ غرابين أخوين فاقْتَتَلا، فقتَل أحدُهما صاحبَه، فحفر له، ثم حثا عليه، فلما رآه قال: ﴿يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي﴾. فهو قولُ اللَّهِ: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثني عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَبْحَثُ﴾ قال: بعَث الله غرابًا حتى حفَر لآخرَ إلى جنبِه ميِّتٍ، وابنُ آدمَ القاتلُ ينظُرُ إليه، ثم بحَث عليه حتى غيَّبه (٣).

стр. 5629

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾: حتى حفَر الآخرَ ميِّتٍ إلى جَنْبِه، فغَيَّبه وابنُ آدمَ القاتلُ ينظُرُ إليه حيثُ يبحَثُ عليه، حتى غيَّبه، فقال: ﴿يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ﴾ الآية. حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيان، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾. قال: بعث اللهُ غرابًا إلى غرابٍ فاقْتَتَلا، فقَتل أحدُهما صاحبَه، فجعَل يَحْثِى عليه الترابَ، فقال: ﴿يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾. حدَّثني المثنى، قال: ثنى عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾. قال: جاء غرابٌ إلى غرابٍ ميِّتٍ، فبَحَث (١) عليه مِن الترابِ حتى واراه، فقال الذي قتَل أخاه: ﴿يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ﴾ الآية (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، عن فُضيلِ بن مرزوقٍ، عن عطيةَ، قال: لما قتَله ندِم، فضَمَّه إليه حتى أَرْوَح (٣)، وعَكَفَتْ عليه الطيرُ والسباعُ تنتظرُ متى يَرْمِي به فتَأْكُلُه (٤).

стр. 5630

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ﴾ أنه بعثَه اللهُ عزَّ ذكرُه يَبْحَثُ في الأرضِ. ذُكِر لنا أنهما غُرابان اقْتَتَلا، فقتل أحدُهما صاحبَه، وذلك [بعَيْنَي ابن آدمَ] (١)، وجعَل الحَيُّ يَحْثِى على الميِّتِ الترابَ، فعندَ ذلك قال ما قال: ﴿يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ﴾ الآية إلى قولِه: ﴿مِنَ النَّادِمِينَ﴾. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: أما قولُه: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا﴾. قال: قتَل غرابٌ غرابًا، فجعَل يَحْثو عليه، فقال ابن آدمَ الذي قتَل أخاه حين رآه: ﴿يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ (٢). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾. قال: وارَى الغرابُ الغرابَ. قال: كان يَحْمِلُه على عاتِقِه مائةَ سنةٍ، لا يَدْرِى ما يَصْنَعُ به، يَحْمِلُه ويَضَعُه إلى الأرضِ حتى رأى الغرابَ يَدْفِنُ الغرابَ، فقال: ﴿يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا مُعَلَّى بنُ أسدٍ، قال: ثنا خالدٍ، عن حُصينٍ، عن أبي مالكٍ في قولِ اللهِ: ﴿يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ﴾. قال: بعَث اللهُ غرابًا، فجعَل يَبْحَثُ على غرابٍ ميِّتٍ الترابَ. قال: فقال عندَ ذلك:

стр. 5631

﴿أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾. حُدِّثت عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سَمِعتُ أبا معاذٍ، قال: أخبرنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سَمِعتُ الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾: بعَث اللهُ غرابًا حيًّا إلى غرابٍ ميِّتٍ، فجعل الغرابُ الحيُّ يُوارى سَوْأَةَ الغرابِ الميِّتِ، فقال ابن آدمَ الذي قتَل أخاه: ﴿يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ﴾ الآية. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ فيما يذكُرُ عن بعضِ أهلِ العلمِ بالكتابِ الأولِ قال: لمَّا قتَله سُقِط في يديه، ولم يدرِ كيف يُواريه، وذلك أنه كان - فيما يزعُمون - أَوَّلَ قَتيلٍ مِن بنى آدمَ وأَوَّلَ ميِّتٍ؛ [﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ (١) يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي﴾ الآية (٢). قال (٣): ويَزْعُمُ أَهلُ التوراة أن قابيلَ حينَ قتَل أخاه هابيلَ قال له جلَّ ثناؤُه: يا قابيلُ، أين أخوك هابيلُ؟ قال: ما أدرى، ما كنتُ عليه رقيبًا. فقال اللهُ جلَّ وعزَّ له: إن صوتَ دمِ أخيك لَيُناديني (٤) مِن الأرضِ، الآنَ أنت ملعونٌ مِن الأرضِ التي فَتَحَتْ فاها فتلقَّتْ (٥) فبَلَعَتْ دَمَ أخيك مِن يدِك، فإذا أنتَ عَمِلت في الأرضِ، فإنها لا تَعُودُ تُعْطيك حَرْثَها حتى تكونَ فزِعًا تائهًا في

стр. 5632

الأرضِ. قال قابيلُ: عَظُمَتْ خَطِيئَتى مِنْ (١) أن تغفِرَها، قد أَخْرَجْتَنى اليومَ عن وجهِ الأرضِ، وأَتَوَارَى مِن قُدَّامِك، وأكونُ فرعًا تائهًا في الأرضِ، وكلُّ مَنْ لَقِيَني قتَلني. فقال اللهُ جلَّ وعزَّ: ليس ذلك كذلك. ولا يكونُ كلُّ [مَنْ قَتَل قَتِيلًا يُجْزَى بواحدٍ سبعةً] (٢)، ولكنْ [مَنْ قَتَل قابيلَ] (٣) يُجْزَى سبعةً. وجعَل اللَّهُ في قابِيلَ آيَةً لِئَلَّا يَقْتُلَه كُلُّ مَن وَجَدَه. وخرَج قابيلُ مِن قُدَّام اللَّهِ مِن شَرْقِيِّ عَدْنِ الجَنَّةِ (٤). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال: ثنا الأعمشُ، عن خَيْثَمَةَ، قال: لمَّا قتَل ابن آدمَ أخاه نَشِفَتِ (٥) الأرضُ دمَه، فلُعِنَتْ، فلم تَنْشِفِ الأرضُ دمًا بعدُ (٦). فتأويلُ الكلامِ: فأثار اللهُ للقاتلِ إذ لم يَدْرِ ما يَصْنَعُ بأخيه المقتول ﴿غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ: يَحْفِرُ في الأرض فيثيرُ ترابَها ﴿لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾. يقولُ: ليُرِيَه كيف يُوارى جِيفةَ أخيه. وقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ عَنَى بالسَّوْءَةِ الفَرْجَ. غيرَ أن الأغْلَبَ مِن معناه ما ذكَرتُ مِن الجيفةِ، وبذلك جاء تأويلُ أهلِ التأويلِ. وفى ذلك محذوفٌ تُرِك ذكرُه اسْتِغْناءً بدَلالةِ ما ذُكِر منه، وهو: فَأَرَاه بأن بحَث في الأرضِ لغرابٍ آخرَ ميِّتٍ، فواراه فيها. فقال القاتلُ أخاه حينَئذٍ: ﴿يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ﴾ الذي وَارَى الغُرَابَ الآخَرَ

стр. 5633

الميِّتَ، ﴿فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي﴾. فواراه حينَئذٍ، ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾، على ما فرَط منه مِن معصيةِ اللهِ عزَّ ذكرُه في قَتْلِه أخاه. وكلُّ ما ذكرُ اللهُ في هذه الآياتِ مَثَلٌ ضَرَبهِ اللَّهُ لبنى آدمَ، وحَرَّضَ به المؤمنين مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، على استعمالِ العفوِ والصفحِ عن اليهودِ الذين كانوا هَمُّوا بقتلِ النبيِّ ﷺ وقَتْلِهِم مِن بنى النَّضِيرِ، إِذ أَتَوْهُم يَسْتَعينونهم في دِيَةِ قَتِيلى عمرِو بن أُميةَ الضَّمْريِّ، وعرَّفَهم جلَّ وعَزَّ رَداءَةَ سَجِيَّةِ أوائِلِهم، وسوءَ استقامتِهم على منهجِ الحقِّ (١)، مع كثرةِ أياديه وآلائه عندَهم، وضرَب مثلَهم في غَدْرِهم (٢) ومثلَ المؤمنين في الوفاءِ لهم والعفوِ عنهم، بابْنَيْ آدَمَ المُقَرِّبَيْنِ قرابينَهما اللذَيْن ذَكَرَهما اللهُ في هذه الآياتِ. ثم ذلك مثَلُ لهم على التَّأسِّى بالفاضلِ منهما دونَ الطالحِ (٣). وبذلك جاء الخبرُ عن رسولِ اللهِ ﷺ . حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، قال: قلتُ لبكرِ بن عبدِ اللَّهِ: أَمَا بَلَغَك أن نبيَّ اللهِ ﷺ قال: "إن اللهُ جلَّ وعزَّ ضَرَبَ لكم ابْنَى آدمَ مثَلًا، فخُذوا خيرَهما، ودَعُوا شرَّهما"؟ قال (٤): بلى (٥). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن الحسنِ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إن ابْنَىْ آدمَ ضُرِبا مثلًا لهذه الأمةِ، فخُذوا

стр. 5634

بالخير منهما" (١). حدَّثنا المثنى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرنا ابن المباركِ، عن عاصمٍ الأحولِ، عن الحسنِ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إِن اللَّهَ ضَرَب لَكُمُ ابْنَيْ آدمَ مثَلًا، فخُذوا مِن خيرِهم، ودَعُوا الشرَّ" (٢). القولُ في تأويلِ قوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ﴾: مِنْ جَرِّ ذلك وجَرِيرَتِه وجنايته. يقولُ: مِن جَرَّ القاتلِ أخاه من ابْنَيْ آدمَ اللذَيْنِ اقْتَصَصْنا قصتَهما - الجريرةَ التي جَرَّها، وجنايتِه التي جَناها، ﴿كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. يقالُ منه: أَجَلْتُ هذا الأمرَ. أي: جَرَرْتُه إليه، وكسَبْتُه. أجلُه له أَجْلًا، كقولِك: أخَذْتُه أخْذًا. ومن ذلك قولُ الشاعر (٣): وأهل خباءٍ صالحٍ ذاتُ بينِهمْ … قد احْتَرَبوا في عاجلٍ أنا آجِلُه يعنى بقولِه: أنا آجِلُه: أنا الجارُّ ذلك عليهم والجاني. فمعنى الكلام: من جنايةِ ابن آدمَ القاتلِ أخاه ظلمًا، حَكَمْنا على بني إسرائيلَ أنه من قتَل منهم نفسًا ظلمًا بغيرِ نفسٍ قُتِلَتْ، فقتَل بها قِصاصًا، ﴿أَوْ فَسَادٍ فِي

стр. 5635

الْأَرْضِ﴾. يقولُ: أو قتَل منهم نفسًا بغيرِ فسادٍ كان منها في الأرضِ، فاسْتَحَقَّتْ بذلك قَتْلَها، وفسادُها في الأرض إنما يكونُ بالحربِ الله ولرسولِه وإخافةِ السبيلِ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل. ذكرُ من قال ذلك حُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سَمِعتُ أبا معاذٍ، قال: ثني عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سَمِعتُ الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. يقولُ: من أجلِ ابن آدمَ الذي قتَل أخاه ظلمًا (١). ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ومن قتَل نبيًّا، أو إمامَ عَدْلٍ، فكأنما قتَل الناسَ جميعًا، ومن شدَّ على عَضُدِ نبيٍّ، أو إمامِ عَدْلٍ، فكأنما أحيا الناسَ جميعًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو عمارٍ حسينُ بنُ حُرَيثٍ المَرْوَزيُّ، قال: ثنا الفضلُ بنُ موسى، عن الحسينِ بن واقدٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: مَن شَدَّ على عَضُدِ نبيٍّ، أو

стр. 5636

إمامِ عَدْلٍ، فكأنما أحيَا الناسَ جميعًا، ومن قتَل نبيًّا، أو إمامَ عَدْلٍ، فكأنما قتل الناسَ جميعًا (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. يقولُ: مَن قتَل نفسًا واحدةً حرَّمْتُها، فهو مِثْلُ مَن قتَل الناسَ جميعًا، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾. يقولُ: مَن ترَك قَتْل نفسٍ واحدةٍ حرَّمْتُها مخافتى، واسْتَحْيَا (٢) أَن يَقْتُلَها، فهو مثلُ استحياء الناس جميعًا. يعنى بذلك الأنبياءَ (٣). وقال آخرون: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ عند المقتولِ في الإثم، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ فَاسْتَنْقَذَها مِن هَلَكَةٍ، ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ عندَ المُسْتَنْقَذِ. حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، فيما ذكَر عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ، وعن مرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن عبدِ اللَّهِ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ رسول الله ﷺ قوله: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾: عند المقتول، يقولُ: في الإثم، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ فَاسْتَنْقَذَها (٤) من هَلَكَةٍ، ﴿فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ

стр. 5637

جَمِيعًا﴾ عندَ المُسْتَنْقَذِ (١). وقال آخرون: معنى ذلك أن قاتلَ النفسِ المحرَّمِ قَتْلُهَا، يَصْلَى النار كما يَصْلاها لو قتَل الناسَ جميعًا، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾: من سلِم من قَتْلِها فقد سلِمَ مِن قتلِ الناسِ جميعًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، [عن سفيانَ] (٢)، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: من كفَّ عن قتلِها فقد أحياها. و ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: مَن (٣) أَوْبَقَها (٤). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيز، قال: ثنا سفيانُ، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ، قال: من أَوْبَق [نفسًا فكما] (٥) لو قتَل الناسَ جميعًا، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ ومَنْ سلِم مِن ظُلْمِها (٦) فلم يَقْتُلُها، فقد سلِم من قتلِ الناسِ جميعًا (٧). حدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرنا ابن المباركِ، عن

стр. 5638

شريكٍ، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾. [قال: أَوْبَقَ نفسَه حتى كأنما قتل الناسَ جميعًا] (١)، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾: لم يقتُلْها، وقد سلِم من الناسِ جميعًا لم يقتُلْ أحدًا. حدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابن المباركِ، عن الأَوْزَاعيِّ، قال: أخبرنا عَبْدةُ بنُ أبي لُبابةَ، قال: سألتُ مجاهدًا - أو سمِعتُه يُسْأَلُ - عن قوله: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: لو قتَل الناسَ جميعًا كان جزاؤُه جهنَّم خالدًا فيها، وغضب الله عليه ولعَنه وأعدَّ له عذابًا عظيمًا. حدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابن المباركِ، عن ابن جريجٍ قراءةً، على (٢) الأعْرَجِ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: الذي يَقْتُلُ النفسَ المؤمنةَ متعمِّدًا، جعَل اللَّهُ جزاءه (٣) جهنَّمَ، [وغضب الله عليه] (٤) ولعَنه وأعدَّ له عذابًا عظيمًا. يقولُ: لو قتَل الناسَ جميعًا لم يَزِدْ على مثل ذلك مِن العذاب. قال ابن جريجٍ، قال مجاهدٌ: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: من لم يقتُلْ أحدًا فقد استراح (٥) الناسُ منه (٦).

стр. 5639

حدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ، قال: أَوْبَق نفسَه (١). حدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: في الإثم. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾. وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣]. قال: يصيرُ إلى جهنمَ بقتلِ المؤمنِ، كما أنه لو قتل الناس جميعًا لصار إلى جهنمَ. حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: هو كما قال. وقال: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾: فإحياؤُها لا يَقْتُلُ نفسًا حرَّمها الله، فذلك الذي أحيا الناسَ جميعًا. يعنى أنه مَنْ حَرَّم قَتْلَها إلا بحقّ حَيِى الناسُ منه جميعًا (٢). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسَةَ، عن العلاءِ بن عبد الكريمِ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾. قال: ومَنْ حَرَّمها فلم يَقْتُلُها. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن العلاءِ، قال: سمِعت مجاهدًا يقولُ: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: من كفَّ عن قتلها فقد

стр. 5640

أحياها (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ : ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: هي كالتي في "النساءِ": ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾. في جزائِه (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾: كالتي في سورة "النساء": ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾. في جزائِه، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾: ولم يقتُلْ أحدًا فقد حَيِيَ الناسُ منه (٢). حدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن العلاء بن عبد الكريم، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: الْتَفَت إلى جلسائِه، فقال: هو هذا وهذا. وقال آخرون: معنى ذلك: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾؛ لأنه يجبُ عليه من القِصاصِ به والقَوَدِ بقتلِه، مثلُ الذي يجبُ عليه مِن القَوَدِ والقصاصِ لو قتَل الناسَ جميعًا. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي
следующие страницы →