← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 5636–5675 · переход к 5641.

стр. 5636

إمامِ عَدْلٍ، فكأنما أحيَا الناسَ جميعًا، ومن قتَل نبيًّا، أو إمامَ عَدْلٍ، فكأنما قتل الناسَ جميعًا (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. يقولُ: مَن قتَل نفسًا واحدةً حرَّمْتُها، فهو مِثْلُ مَن قتَل الناسَ جميعًا، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾. يقولُ: مَن ترَك قَتْل نفسٍ واحدةٍ حرَّمْتُها مخافتى، واسْتَحْيَا (٢) أَن يَقْتُلَها، فهو مثلُ استحياء الناس جميعًا. يعنى بذلك الأنبياءَ (٣). وقال آخرون: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ عند المقتولِ في الإثم، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ فَاسْتَنْقَذَها مِن هَلَكَةٍ، ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ عندَ المُسْتَنْقَذِ. حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، فيما ذكَر عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ، وعن مرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن عبدِ اللَّهِ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ رسول الله ﷺ قوله: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾: عند المقتول، يقولُ: في الإثم، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ فَاسْتَنْقَذَها (٤) من هَلَكَةٍ، ﴿فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ

стр. 5637

جَمِيعًا﴾ عندَ المُسْتَنْقَذِ (١). وقال آخرون: معنى ذلك أن قاتلَ النفسِ المحرَّمِ قَتْلُهَا، يَصْلَى النار كما يَصْلاها لو قتَل الناسَ جميعًا، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾: من سلِم من قَتْلِها فقد سلِمَ مِن قتلِ الناسِ جميعًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، [عن سفيانَ] (٢)، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: من كفَّ عن قتلِها فقد أحياها. و ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: مَن (٣) أَوْبَقَها (٤). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيز، قال: ثنا سفيانُ، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ، قال: من أَوْبَق [نفسًا فكما] (٥) لو قتَل الناسَ جميعًا، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ ومَنْ سلِم مِن ظُلْمِها (٦) فلم يَقْتُلُها، فقد سلِم من قتلِ الناسِ جميعًا (٧). حدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرنا ابن المباركِ، عن

стр. 5638

شريكٍ، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾. [قال: أَوْبَقَ نفسَه حتى كأنما قتل الناسَ جميعًا] (١)، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾: لم يقتُلْها، وقد سلِم من الناسِ جميعًا لم يقتُلْ أحدًا. حدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابن المباركِ، عن الأَوْزَاعيِّ، قال: أخبرنا عَبْدةُ بنُ أبي لُبابةَ، قال: سألتُ مجاهدًا - أو سمِعتُه يُسْأَلُ - عن قوله: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: لو قتَل الناسَ جميعًا كان جزاؤُه جهنَّم خالدًا فيها، وغضب الله عليه ولعَنه وأعدَّ له عذابًا عظيمًا. حدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابن المباركِ، عن ابن جريجٍ قراءةً، على (٢) الأعْرَجِ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: الذي يَقْتُلُ النفسَ المؤمنةَ متعمِّدًا، جعَل اللَّهُ جزاءه (٣) جهنَّمَ، [وغضب الله عليه] (٤) ولعَنه وأعدَّ له عذابًا عظيمًا. يقولُ: لو قتَل الناسَ جميعًا لم يَزِدْ على مثل ذلك مِن العذاب. قال ابن جريجٍ، قال مجاهدٌ: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: من لم يقتُلْ أحدًا فقد استراح (٥) الناسُ منه (٦).

стр. 5639

حدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ، قال: أَوْبَق نفسَه (١). حدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: في الإثم. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾. وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣]. قال: يصيرُ إلى جهنمَ بقتلِ المؤمنِ، كما أنه لو قتل الناس جميعًا لصار إلى جهنمَ. حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: هو كما قال. وقال: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾: فإحياؤُها لا يَقْتُلُ نفسًا حرَّمها الله، فذلك الذي أحيا الناسَ جميعًا. يعنى أنه مَنْ حَرَّم قَتْلَها إلا بحقّ حَيِى الناسُ منه جميعًا (٢). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسَةَ، عن العلاءِ بن عبد الكريمِ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾. قال: ومَنْ حَرَّمها فلم يَقْتُلُها. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن العلاءِ، قال: سمِعت مجاهدًا يقولُ: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: من كفَّ عن قتلها فقد

стр. 5640

أحياها (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ : ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: هي كالتي في "النساءِ": ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾. في جزائِه (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾: كالتي في سورة "النساء": ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾. في جزائِه، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾: ولم يقتُلْ أحدًا فقد حَيِيَ الناسُ منه (٢). حدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن العلاء بن عبد الكريم، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: الْتَفَت إلى جلسائِه، فقال: هو هذا وهذا. وقال آخرون: معنى ذلك: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾؛ لأنه يجبُ عليه من القِصاصِ به والقَوَدِ بقتلِه، مثلُ الذي يجبُ عليه مِن القَوَدِ والقصاصِ لو قتَل الناسَ جميعًا. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي

стр. 5641

الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: يجبُ عليه من القتل مثلُ لو أنه قتَل الناسَ جميعًا. قال: كان أبي يقولُ ذلك. وقال آخرون: معنى قوله: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾: من عفا عمَّن وجب له القِصاصُ منه فلم يقتُلْه. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. يقولُ: من أحياها أعطاه الله جلَّ وعزَّ من الأجر مثل ما (١) لو أنه أحيا الناسَ جميعًا، إذا (١) أحياها فلم يَقْتُلْها وعفا عنها. قال: وذلك وليُّ القتيل، والقتيلُ نفسُه يعفو عنه قبلَ أن يموتَ. قال: كان أبي يقولُ ذلك (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن يونسَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: مَنْ عفا. حدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، عن يونسَ، عن الحسنِ: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: من قُتِل حميمٌ له فعفا عن دمِه (٣). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يَمَانٍ، عن سفيانَ، عن يونسَ، عن الحسنِ: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: العفوُ بعدَ

стр. 5642

القدرةِ (١). وقال آخرون: معنى قولِه: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾: ومن أنجاها من غَرَقٍ أو حَرَقٍ (٢). ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: من أنجاها من غرقٍ أو حرَقٍ أو هَلَكةٍ (٣). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، وحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: مِن غرقٍ أو حَرَقٍ أو هَدَمٍ (٤). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيز، قال: ثنا إسرائيلُ، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾. قال: أنجاها. وقال الضحَّاكُ بما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن سفيانَ، عن أبي عامرٍ، عن الضحَّاكِ، قال: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾. قال: مَن تَوَرَّع أو لم يَتَوَرَّع. حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سَمِعتُ أبا معاذٍ، قال: ثني عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال:

стр. 5643

سمِعتُ الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾. يقولُ: لو لم يَقْتُله لكان قد أحيا الناسَ فلم يَسْتَحلَّ محرَّمًا. وقال قتادةُ والحسنُ في ذلك بما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، عن يونسَ، عن الحسنِ: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ﴾. قال: عَظَّم ذلك (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ الآية: مَن قَتَلَها على غير نفسٍ ولا فسادٍ أَفْسَدَتْه، ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. عَظَم واللَّهِ أَجرَها، وعَظَّم وزرَها، فَأَحْيِها يا بنَ آدمَ بمالِك، وأَحْيِها بعفوِك إن استطعتَ، ولا قوةَ إلا باللَّهِ، وإنا لا نَعْلَمُه يحلُّ دمُ رجلٍ مسلمٍ من أهلِ هذه القبلةِ إلا بإحدى ثلاثٍ؛ رجلٌ كفَر بعد إسلامِه فعليه القتلُ، أو زنَى بعد إحصانِه فعليه الرجمُ، أو قتَل متعمِّدًا فعليه القَوَدُ. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، قال: تلا قتادةُ: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ - ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: عظم واللهِ أجرَها، وعظَّم واللَّهِ وزرَها (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرنا ابن المباركِ، عن سَلامِ بن مِسْكينٍ، قال: ثني سليمانُ بنُ عليٍّ الرَّبَعيُّ، قال: قلتُ للحسن: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ الآية: أهى لنا

стр. 5644

يا أبا سعيدٍ كما كانت لبنى إسرائيل؟ فقال: إى والذي لا إلهَ غيرُه، كما كانت لبني إسرائيلَ، وما جعَل دماءَ بني إسرائيلَ أكْرَمَ على اللهِ مِنْ دمائِنا (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سعيدِ بن زيدٍ، قال: سَمِعتُ خالدًا أبا الفضلِ، قال: سَمِعتُ الحسنَ تلا هذه الآية: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾. إلى قوله: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. ثم قال: عظَّم واللهِ في الوزرِ كما تَسْمَعون، ورغَّب واللهِ في الأجر كما تَسْمَعون، إذا (٢) ظننتَ يا بنَ آدم أنك لو قَتَلْتَ الناسَ جميعًا، فإن لك من عملِك ما تفوزُ به من النارِ، كَذَبَتْك والله نفسُك، وكذَبك الشيطانُ (٣). حدَّثنا هنَّادُ، قال: ثنا ابن فُضيلٍ، عن عاصمٍ، عن الحسنِ في قوله: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: وزرًا، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾، قال: أجرًا (٤). وأولى هذه الأقوال عندى بالصوابِ قولُ من قال: تأويلُ ذلك أنه مَن قتَل نفسًا مؤمنةً بغير نفسٍ قَتَلَتْها، فاسْتَحَقَّتِ القوَدَ بها والقتلَ قِصاصًا، أو بغيرِ فسادٍ في الأرض بحربِ اللهِ ورسولِه وحربِ المؤمنين فيها، فكأنما قتَل الناسَ جميعًا فيما اسْتَوْجَبَ مِن عظيم العقوبةِ مِن الله جلَّ ثناؤُه، كما أَوْعَدَه ذلك مِن فِعْلِه رَبُّه بقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ

стр. 5645

اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣]. وأما قولُه: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. فأولى التأويلاتِ به قولُ مَن قال: مَن حرَّم قَتْلَ مَن حرَّم اللهُ عزَّ ذكرُه قتلَه على نفسِه، فلم يَتَقَدَّم على قتلِه، فقد حَيِىَ الناسُ منه بسلامتِهم منه، وذلك إحياؤه إيَّاها. وذلك نظيرُ خبرِ الله عزَّ ذكرُه عمَّن حاجَّ إبراهيمَ في ربِّه إذ قال له إبراهيمُ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾. قال: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨]. فكان معنى الكافر (١) في قيله: ﴿أَنَا أُحْيِي (٢)﴾: أنا أتركُ مَنْ قَدَرتُ على قتله. وفي قوله: ﴿وَأُمِيتُ﴾: قَتْلُه مَن قَتَلَه. فكذلك معنى الإحياء في قولِه: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾: مَن سلِم الناسُ مِن قَتْلِهِ إيَّاهم، إلا فيما أذن اللهُ جَلَّ وعَزَّ له في قتلِه منهم، ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾. وإنما قلنا: ذلك أولى التأويلاتِ بتأويل الآية؛ لأنه لا نَفْسَ يقومُ قتلُها في عاجلِ الضُّرِّ مَقامَ قتل جميعِ النفوسِ، ولا إحياؤُها مقامَ إحياءِ جميعِ النفوس في عاجلِ النفعِ. فكان معلومًا بذلك أن معنى الإحياءِ سَلامةُ جميعِ النفوس منه (٢)؛ لأنه مَن لم يَتَقَدَّمْ على نفسٍ واحدةٍ فقد سلِم منه (٣) جميعُ النفوسِ، وأنَّ الواحدةَ منها التي يقومُ قتلُها مقامَ جميعها إنما هو في الوزْر؛ لأنه لا نفسَ مِن نُفوس بنى آدمَ يَقومُ فَقْدُها مَقامَ فقد جميعِها، وإن كان فقدُ بعضِها أعمَّ ضررًا مِن فقدِ بعضٍ. القولُ في تأويلِ قوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢)﴾.

стр. 5646

وهذا قَسَمٌ من الله جلَّ ثناؤُه، أقسم به أن رسلَه صلواتُ اللهِ عليهم قد أتَت بنى إسرائيلَ الذين قصَّ الله قَصصَهم، وذكَر نبأَهم في الآيات التي تقدَّمَت مِن قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ [المائدة: ١١]. إلى هذا الموضع - ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾؛ يعني: بالآياتِ الواضحةِ، والحُججِ البينةِ على حقيقة (١) ما أُرسِلوا به إليهم، وصحةِ ما دعَوْهم إليهِ من الإيمانِ بهم، وأداءِ فرائضِ اللَّهِ عليهم. يقولُ اللَّه عزَّ ذِكرُه: ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾. يعنى أن كثيرًا من بني إسرائيلَ. والهاءُ والميمُ في قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾. مِن ذِكْرِ بنِى إسرائيلَ. وكذلك ذلك في قولِه: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ﴾. ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾. يعني: بعدَ مَجيء رسلِ الله بالبيناتِ ﴿فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾. يعنى أنهم في الأرض لعامِلون بمعاصِي الله، ومُخالفون أَمْرَ اللَّهِ ونَهْتِه، ومُحادُّو الله ورسلِه، باتِّباعهم أهواءَهم، وخلافِهم على أنبيائِهم، وذلك كان إسرافَهم في الأرض. القولُ في تأويل قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾. وهذا بَيانٌ مِن اللَّهِ عزَّ ذِكْرُه عن حكمِ الفسادِ في الأرضِ الذي ذكَره في قوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ﴾. أَعْلَمَ عِبادَه ما الذي يَسْتَحِقُّ المُفسدُ في الأرضِ مِن العُقوبةِ والنَّكَالِ، فقال ﵎: لا جزاءَ له في الدنيا إلا القتلُ والصَّلْبُ، وقطعُ اليد والرِّجلِ مِن خِلافٍ، أو النَّفْى من الأرض؛ خِزيًا لهم، وأما في الآخرة إن لم يَتُبْ في

стр. 5647

الدنيا، فعَذابٌ عظيمٌ. ثم اختَلَف أهلُ التأويلِ في من نَزَلَتْ هذه الآيةُ؛ فقالَ بعضُهم: نَزَلَتْ في قومٍ من أهل الكِتابِ، كانوا أهلَ مُوادَعةٍ لرسول الله ﷺ ، فنَقَضوا العهدَ وأفْسَدوا في الأرض، فعرَّف الله نبيَّه ﷺ الحكمَ فيهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: ثنى مُعاوِيةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾. قال: كان قومٌ مِن أهلِ الكتابِ بينَهم وبينَ النبيِّ ﷺ عهدٌ وميثاقٌ، فنَقَضُوا العهدَ، وأفسَدوا في الأرضِ، فخيَّر الله رسولَه؛ إِن شاءَ أَن يَقْتُلَ (١)، وإِن شاءَ أن يُقَطِّعَ (٢) أيديَهم وأرجلَهم مِن خِلافٍ (٣). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: أخبرَنا هُشَيمٌ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضَّحَّاكِ، قال: كان قومٌ بينَهم وبيَن رسول الله ﷺ ميثاقٌ، فنقَضوا العهدَ، وقطَعُوا السَّبيلَ، وأفسَدوا في الأرض، فخيَّر الله جلَّ وعزَّ نبيَّه ﷺ فيهم؛ فإن شاء قتَل، وإن شاء صلَب، وإن شاءَ قطَّع أيديَهم وأرجلَهم مِن خِلافٍ (٤). حُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سَمِعْتُ أبا معاذٍ، قال: ثنى عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْت الضَّحاكَ يقولُ. فذكَر نحوَه. وقال آخرون: نَزَلتُ في قومٍ مِن المُشركين.

стр. 5648

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن يزيدَ (١)، عن عِكرمةَ والحسنِ البَصريِّ، قالا: قال: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. إلى ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. نَزَلتْ هذه الآيةُ في المشركين، فمَن تاب منهم مِن قبلِ أن تَقْدِروا عليه، لم يَكُنْ عليه سبيلٌ، وليست تُحرِزُ هذه الآيةُ الرَّجلَ المُسلمَ مِن الحَدِّ إن قتَل، أو أفسَد في الأرض، أو حارَب الله ورسوله (٢)، ثم لحِق بالكفارِ قبلَ أن يُقْدَرَ عليه، لم يَمْنَعْه ذلك أن يُقَامَ فيه الحدُّ الذي أصاب (٣). حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن أَشْعَثَ، عن الحسنِ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. قال: نَزَلَتْ في أَهلِ الشِّركِ. وقال آخرون: بل نزَلَت في قومٍ مِن عُرَيْنَةَ وعُكُلٍ ارْتَدُّوا عن الإسلامِ، وحارَبوا الله ورسولَه. حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا رَوْحُ بنُ عُبادةَ، قال: ثنا سعيدُ بنُ أَبي عَرُوبةَ، عن قَتادَةً، عن أنسٍ، أن رَهطًا من عُكْلٍ وعُرَينة أتَوُا النبيَّ ﷺ ، فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ إِنا أهلُ ضَرْعٍ، ولم نَكنْ أهلَ رِيفٍ (٤)، وإنا اسْتَوْخَمْنا (٥) المدينةَ. فَأَمَرَ لهم النبيُّ ﷺ بذَوْدٍ (٦) ورَاعٍ، وأمَرهم أن يَخرُجُوا فيها فيشرَبُوا من أَلْبانِها وأَبْوالِها. فقَتَلُوا رَاعِيَ

стр. 5649

رسول الله ﷺ ، واستاقُوا الذَّوْدَ، وكَفَروا بعد إسلامِهم، فأُتِىَ بهم النبيُّ ﷺ ، فقَطَّعَ أيديَهم وأرجلَهم، وسمَل (١) أعينَهم، وترَكهم في الحَرَّةِ (٢) حتى ماتُوا. فذُكِرَ لنا أن هذه الآيةَ نزلَت فيهم: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٣). حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثَنَا رَوْحٌ، قال: ثنا هِشَامُ بنُ أَبي عبدِ اللَّهِ، عَن قَتَادَةَ، عن أنسٍ بن مالكٍ، عن النبيِّ ﷺ بمثلِ هذه القِصةِ (٤). حدَّثنا محمدُ بنُ عَليِّ بن الحسنِ بن شَقِيقٍ، قال: سمِعتُ أبي يقولُ: أَخبَرنا أبو حَمْزَةَ، عن عبد الكريمِ، وسُئِلَ عن أبوالِ الإبلِ، فقال: حدَّثني سعيدُ بنُ جُبَيرٍ عن المُحاربين، فقال: كان ناسٌ أَتَوُا النبيَّ ﷺ فقالوا: نُبَايِعُك على الإسلام. فبايَعوه، وهم كَذَبَةٌ، وليسَ الإسلامَ (٥) يُريدون. ثم قالوا: إنا نَجتَوِى (٦) المدينة. فقال النبيُّ ﷺ : "هَذِهِ اللِّقاحُ (٧) تَغْدُو عليكم وتَرُوحُ، فاشْرَبُوا مِن أبْوالِهَا وأَلْبانِها". قال: فبَيْنا وهم كذلك إذ جَاء الصَّرِيخُ (٨)، فصرَخ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فقال: قتَلوا الرَّاعِيَ،

стр. 5650

وسَاقوا النَّعَمَ. فأمر نبيُّ اللَّهِ فَنُودِيَ في الناسِ، أن: يا خيلَ اللَّهِ ارْكَبي (١). قال: فركِبوا لا يَنتَظِرُ فارسٌ فارسًا. قال: فركِب رسولُ اللهِ ﷺ على أَثَرِهم، فلم يَزالُوا يَطلُبُونهم حتى أدخَلوهم مَأْمَنَهم، فرجَع صحابةُ رسول الله ﷺ وقد أسَرُوا منهم، فأتوا بهم النبيَّ ﷺ ، فأنزَل الله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية. قال: فكان نَفْيُهم أن نَفَوْهم حتى أدخَلوهم مَأمَنَهم وأرضَهم، ونَفَوْهم من أرضِ المسلمين، وقتَل نبيُّ الله منهم، وصلَب، وقطَّع، وسمَل الأعينَ. قال: فما مثَّل رسولُ الله ﷺ قبلُ ولا بعدُ. قال: ونهَى عن المُثلَة، وقال: "لا تُمثِّلوا بشَيْءٍ". قال: فكان أنسُ بنُ مالكٍ يقولُ ذلك، غيرَ أنه قال: أَحْرَقَهم بالنارِ بعدَما قَتَلَهم. قال: و (٢) بَعْضُهم يقولُ: هم ناسٌ مِن بنِي سُلَيمٍ، ومنهم مِن عُرَيْنَةَ (٣) ناسٌ مِن بَجيلَةَ (٤). حدَّثني محمدُ بنُ خَلَفٍ، قال: ثنا الحسنُ بنُ حَمَّادٍ (٥)، عن عمرِو بن هاشمٍ، عن موسَى بن عُبَيدةَ (٦)، عن محمدٍ بن إبراهيمَ، عن جَرِيرٍ، قال: قدم على النبيِّ ﷺ قومٌ مِن عُرَيْنَةَ حُفاةً مَضْرُورِينَ (٧)، فأمَر بهم رسول الله ﷺ ،

стр. 5651

فلمَّا صَحُوا واشْتَدُّوا، قتَلوا رِعاءَ اللِّقاحِ، ثم خرَجوا باللِّقاحِ عَامِدِين بها إلى أرضِ قومِهم. قال جريرٌ: فبَعَثَنى رسول الله ﷺ في نفرٍ مِن المسلمين حتى أدْرَكْناهم بعدَما أشرَفوا على بلادِ قومِهم، فقَدِمْنا بهم على رسول الله ﷺ ، فقطَّع أيديَهم وأرْجُلَهُم مِن خِلافٍ، وسمَل أعينَهم، وجعَلوا يقولون: الماءَ. ورسولُ الله ﷺ يقولُ: "النارَ". حتى هَلَكوا قال: وكَرِهِ اللَّهُ سَمْلَ الأَعْيُنِ، فأنزَل الله هذه الآيةَ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. إلى آخرِ الآية (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني ابن لهِيعَةَ، عن أبي الأسودِ محمدِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن عروةَ بن الزُّبيرِ، وحدَّثني يُونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: أخبَرني يحيى بنُ عبدِ اللهِ بن سالمٍ وسعيدُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ وابنُ سَمْعانَ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، قال: أَغارَ نَاسٌ مِن عُرَيْنَةَ على لِقاح رسولِ الله ﷺ فاستاقُوها، وقتَلوا غُلامًا له فيها، فبعَث في آثارِهم فأُخِذوا، فقطَّعَ أيديَهم وأرْجُلَهم، وسمَل أعينَهم (٢).

стр. 5652

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني عمرُو بنُ الحَارِثِ، عن سعيدِ بن أبي هلالٍ، عن أبي الزِّنادِ، عن عبدِ اللَّهِ بن عبيد (١) الله، عن عبدِ اللَّهِ بن عمرَ، أو عمرٍو - شكَّ يونسُ - عن رسول الله ﷺ بذلك، ونَزَلَتْ فيهم آيةُ المُحارَبة (٢). حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: ثنا الأوزاعيُّ، عن يحيى بن أبي كَثِيرٍ، عن أبي قلابةَ، عن أنسٍ، قال: قَدِم ثمانيةُ نَفَرٍ مِن عُكْلٍ على رسولِ اللَّهِ ﷺ فأَسلَموا، ثم اجْتَوَوا المدينةَ، فأمَرهم رسولُ اللهِ ﷺ أَن يَأْتُوا إِبلَ الصَّدقة فيشرَبوا من أبوالِها وألبانِها، ففعَلوا، فقتَلوا رُعاتَها، واسْتاقوا الإبلَ، فأرسل رسولُ الله ﷺ في أثَرهم قافةً (٣)، فأتِىَ بهم، فقطَّعَ أيديَهم وأرْجُلَهم، وترَكهم فلم يَحْسِمُهم (٤)

стр. 5653

حتى ماتوا (١). حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا الوَلِيدُ، قال: ثني سعيدٌ، عن قتادة، عن أنسٍ، قال: كانوا أربعةً نَفَرٍ مِن عُرَيْنَةَ، وثلاثةٌ مِن عُكْلٍ، فلمَّا أُتى بهم قطَّع أيديهم وأرجلهم، وسمَل أعينهم، ولم يَحْسِمُهم، وتركهم يَتَلَقَّمون (٢) الحجارة بالحَرَّةِ، فأنزل الله جلَّ وعزَّ في ذلك: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية (٣). حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا الوليد، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيبٍ، أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس يَسْأَله عن هذه الآية، فكتب إليه أنسٌ يُخبره أن هذه الآية نزلت في أولئك النفر العُرْنيِّين، وهم من بَحِيلَةَ. قال أَنَسٌ: فارْتَدُّوا عن الإسلام، وقتلوا الراعي، واشتاقوا الإبل، وأخافوا السَّبيل، وأصابوا الفرج الحرام (٤). حدَّثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرُو بنُ حَمَّادٍ، قال: ثنا أَسْباط، عن السُّدِّيِّ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾. قال: أُنزِلَتْ في سُودَانِ عُرَيْنَةً. قال: أَتُوا رسول الله ﷺ وبهم الماء الأصفرُ (٥)، فشكوا ذلك إليه، فأمَرهم فخرجوا إلى إبلِ رسولِ الله ﷺ من الصدقة، فقال: "اشْرَبُوا مِن ألْبانِها وأبوالها". فشرِبوا من ألبانها وأبوالها، حتى إذا صَحُّوا وبَرَءُوا،

стр. 5654

قتلوا الرُّعاةَ واسْتاقوا الإبلَ (١). وأولى الأقوال في ذلك عِندِى أن يُقالَ: أَنزَلَ اللهُ هذه الآيةَ على نبيِّه ﷺ [مُعَرِّفَهُ (٢) حُكْمَه على من حارب الله ورسوله، وسعى في الأرض فسادًا، [بعد الذي] (٣) كان من فِعْلِ رسول الله ﷺ ] (٤) بالعُرَنيِّين ما فَعَل. وإنما قلنا: ذلك أولى الأقوال بالصواب في ذلك؛ لأن القصص التي قصَّها الله جلَّ وعزَّ قبل هذه الآية وبعدها، من قصص بني إسرائيل وأنبائهم، فأنْ يكونَ ذلك مُتَوَسطًا مِنْ تَعَرُّفِ الحكم فيهم وفي نُظَرائهم، أَوْلَى وأحقُّ. وقلنا: كان نُزُولُ ذلك بعد الذي كان من فعل رسول الله ﷺ بالعُرنيِّين ما فعل؛ لتظاهرِ الأخبار عن أصحاب رسول الله ﷺ بذلك. وإذ كان ذلك أَوْلَى بالآية لِمَا وَصَفْنا، فتأويلُها: من أجل ذلك كَتَبْنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسًا بغيرِ نفسٍ، أو سعَى بفسادٍ في الأرضِ، فكأنما قتل الناس جميعًا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾. يقولُ: لساعون في الأرض بالفساد، وقاتلُو النفوس بغير نفسٍ وغيرِ سَعْيٍ في الأرضِ بالفسادِ، حربًا للهِ ولرسوله. فمَن فعَلَ ذلك منهم يا مُحمَّدُ، فإنما جزاؤه أن يُقتَّلوا، أو يُصَلَّبوا، أو تُقَطَّعَ أيديهم وأرجلُهم من خِلافٍ، أَو يُنْفَوْا مِن الأَرضِ. فإن قال لنا قائلٌ: وكيف يجوزُ أن تكونَ الآيةُ نَزَلَتْ في الحال التي ذكرتَ مِن حالِ نَقْضِ كافرٍ من بنى إسرائيل عهده، ومن قولك: إن حكم هذه الآية حكمٌ

стр. 5655

من الله في أهل الإسلام دونَ أهل الحرب من المشركين؟ قيل: جاز أن يكون ذلك كذلك؛ لأن حُكم من حارب الله ورسولَه، وسعى في الأرض فسادًا من أهل ذمَّتِنا وملَّتِنا، واحدٌ، والذين عُنُوا بالآية كانوا أهلَ عَهْدِ وذمَّةٍ، وإن كان داخلًا في حكمها كلُّ ذمِّيٍّ وملِّيٍّ، وليسَ يَبْطُلُ بدُخُول من دخل في حكم الآية من الناس أن يكون صحيحًا نُزُولُها فِي مَن نَزَلَتْ فيه. وقد اخْتَلَف أهل العلم في نَسْخِ حكم النبيِّ ﷺ في العُرَنيِّين؛ فقال بعضُهم: ذلك حكمٌ منسوخٌ، نَسَخَه نَهْيُه عن المثلة بهذه الآية. أعنى بقوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ الآية. وقالوا: أُنزِلَتْ هذه الآية عتابًا لرسول الله ﷺ فيما فعل بالعُرَنيِّين. وقال بعضُهم: بل فِعْلُ النبيِّ ﷺ بالعُرنيِّين حُكمٌ ثابتٌ في نُظَرائهم أبدًا، لم يُنْسَخُ ولم يُبَدَّلْ. وقوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية. حُكمٌ من الله في من حارب وسعَى في الأرض فسادًا بالحرابة. قالوا: والعُرنيُّون ارتَدُّوا وقتلوا وسرقوا، وحاربوا الله ورسولَه، فحكمُهم غيرُ حكم المحارب الساعي في الأرضِ بالفسادِ مِن أهل الإسلام أو (١) الذمَّةِ. وقال آخرون: لم يَسْمُلِ النبيُّ ﷺ أَعْيُنَ العُرَنيِّين، ولكنَّه كان أراد أن يَسْمُلَ، فأنزل الله جلَّ وعزَّ هذه الآية على نبيِّه يُعرِّفه الحكم فيهم، ونهاه عن سَمْلِ أعينِهم. ذِكْرُ القائلين ما وَصَفْنا حدَّثني عليُّ بن سهلٍ، قال: ثنا الوليد بن مسلمٍ، قال: ذاكَرْتُ الليث بن سعدٍ

стр. 5656

ما كان مِن سَمْل رسول الله ﷺ أعينهم، وتركه حَسْمَهم حتى ماتوا، فقال: سَمِعتُ محمد بن عجلان يقولُ: أُنزِلَتْ هذه الآيةُ على رسولِ اللهِ ﷺ مُعاتَبَةً في ذلك، وعلَّمه عقوبة مثلهم من القطعِ والقتل والنَّفْي، ولم يَسْمُل بعدهم غيرَهم. قال: وكان هذا القولُ ذُكِرَ لأبي عمرٍو، فأنكر أن تكون نَزَلتُ مُعاتَبَةً، وقال: بلى، كانت عقوبة أولئك النفر بأعيانهم، ثم نزلت هذه الآية في عقوبة غيرهم ممن حارب بعدهم، فرُفِعَ عنهم السَّمْلُ (١). حدَّثني محمد بن الحسين، قال: ثنى أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّي، قال: فبعث رسول اللهِ ﷺ ، فأُتِى بهم - يعنى العُرنيِّين - فأرَادَ أن يَسْمُلَ أعينهم، فنَهاه الله عن ذلك، وأمره أن يُقِيمَ فيهم الحُدُودَ كما أَنْزَلَها اللهُ عليه (٢). واختلف أهل العلم في المُستحِقِّ اسم المحارب لله ورسوله، الذي يلزمُه حكمُ هذه؛ فقال بعضُهم: هو اللصُّ الذي يقطعُ الطَّرِيقَ. ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذلك حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرَّزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ و (٣) عطاءٍ الخراسانيِّ في قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ الآية. قالا: هذا (٤) اللصُّ الذي يقطعُ الطريق، فهو

стр. 5657

مُحاربٌ (١). وقال آخرون: هو اللصُّ المجاهِرُ بلُصُوصِيَّتِه، المُكابرُ (٢) في المِصر وغيره. وممن قال ذلك الأَوْزَاعِيُّ. حدَّثنا بذلك العباسُ، عن أبيه (٣)، عنه (٤). و (٥) عن مالكٍ، والليث بن سعدٍ، وابن لهيعَةَ: حدَّثني عليُّ بن سهلٍ، قال: ثنا الوليد بن مسلمٍ، قال: قلتُ لمالك بن أنسٍ: تكونُ مُحارَبةٌ في المِصْرِ؟ قال: نعم، والمحاربُ عندنا من حمل السلاح على المسلمين في مصرٍ أو خَلاءٍ، فكان ذلك منه على غير نائرةٍ (٦) كانت بينَهم، ولا ذَحْلٍ (٧) ولا عداوةٍ، قاطعًا للسبيل والطريق والديار، مخيفًا لهم بسلاحه، فقَتَل أحدًا منهم، قَتَلَه الإمامُ كقِتْلَةِ (٨) المحارب، ليس لوليِّ المقتول فيه عفوٌ ولا قَوَدٌ (٩). حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا الوليدُ، قال: وسألتُ عن ذلك الليث بن سعدٍ وابن لهيعة، قلتُ: تكونُ المحاربة في دُور المِصْرِ والمدائنِ والقُرى؟ فقال (١٠): نعم، إذا هم

стр. 5658

دخلوا عليهم بالسيوف علانِيَةً، أو ليلًا بالنيران. قلتُ (١): فقتلوا أو أخذوا المال ولم يَقتُلُوا؟ فقال: نعم: نعم، هم المحارِبُون، فإن قتلوا قُتِلوا، وإن لم يقْتُلُوا وأخَذوا المالَ قُطِعوا من خلافٍ إذا هم خرَجوا به من الدارِ، و (٢) ليس من حارب المسلمين في الخلاء والسبيل بأعظم (٣) محاربة ممّن (٤) حارَبهم في حريمِهم ودُورهم (٥). حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا الوليد، قال: قال أبو عمرٍو: وتكون المحاربة في المصْرِ، شهر على أهلِه بسلاحِه ليلًا أو نهارًا. قال عليٌّ: قال الوليد: وأخبرني مالكٌ أن قتلَ الغِيلَةِ عندَه بمنزلة المحاربة. قلتُ: وما قتل الغيلة؟ قال: هو الرجلُ يَخْدَعُ الرجلَ والصَّبِيَّ، فيُدخِلُه بيتًا أو يخلو به، فيقتلُه ويأخذُ ماله، فالإمامُ وليُّ قتل هذا، وليس لوليِّ الدمِ والجرح قودٌ ولا قصاصٌ (٥). وهو قولُ الشافعيِّ، حدَّثنا بذلك عنه الربيع (٦). وقال آخرون: المحارِبُ: هو قاطعُ الطريقِ؛ فأما المكابر (٧) في الأمصار فليس بالمحارب الذي له حكمُ المحاربين. وممن قال ذلك أبو حنيفة وأصحابُه (٨). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّل، عن داودَ بن أبي هندٍ، قال: تَذاكَرْنا المحارب ونحن عندَ ابن هُبَيرَةَ في أُناسٍ من أهل البصرةِ، فاجْتَمَع رأيُهم أن المحارب ما كان خارجًا من المصرِ.

стр. 5659

وقال مجاهدٌ بما حدَّثنى القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾. قال: الزِّنى، والسرقة، وقتل الناس، وإهلاكُ الحرثِ والنسل (١). حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسَةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن القاسم بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ قال: الفسادُ: القتلُ والزِّنى والسرقة. وأولى هذه الأقوالِ عِندِى بالصواب قولُ مَن قال: المحاربُ للهِ ورسولِه مَن حارب في سابلَةِ المسلمين وذمَّتِهم، والمغيرُ عليهم في أمصارهم وقُراهم حرابةً. وإنما قلنا: ذلك أولى الأقوال بالصواب؛ لأنه لا خلافَ بينَ الحُجَّةِ أَن مَن نصب حربًا للمسلمين على الظلم منه لهم، أنه لهم محاربٌ. ولا خلاف فيه. فالذى وصفنا صفته، لا شكَّ فيه أنه لهم مُناصِبٌ حربًا ظُلمًا. وإذ كان ذلك كذلك، فسواءٌ كان نَصْبُه الحرب لهم في مِصْرِهم وقُراهم، أو في سُبُلِهم وطُرُقِهم - في أنه لله ولرسوله محاربٌ، بحربِه من نهاه اللهُ ورسولُه عن حربه. وأمَّا قولُه: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾. فإنه يعنى: ويعملون في أرضِ الله بالمعاصى؛ من إخافة سُبُل عباده المؤمنين به، أو سبلِ ذِمَّتِهم وقطع طُرُقِهم، وأخذ أموالهم ظلمًا وعدوانًا، والتَّوَثُّب على حُرمهم فجورًا وفسوقًا. القول في تأويل قوله: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾. يقول تعالى ذكرُه: ما للذي حارب الله ورسولَه، وسعَى في الأرض فسادًا،

стр. 5660

من أهل ملةِ الإسلامِ أو ذمَّتِهم، إلا بعضُ هذه الخلال التي ذكرها جلَّ ثناؤُه. ثم اخْتَلَف أهلُ التأويل في هذه الخلال؛ أَتَلْزَمُ المحارب باستحقاقِه اسم المحاربة؟ أم يَلْزَمُه ما لزمه من ذلك على قدرِ جُرْمِه، مختلفًا باختلاف إجرامه؟ ذكرُ مَن قال ذلك (١) حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. إلى قوله: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾. قال: إذا حارب فقتل، فعليه القتل إذا ظُهِر عليه قبلَ توبته، وإذا حارب وأخَذ المالَ وقتل، فعليه الصَّلْبُ إن ظُهر عليه قبل توبته، وإذا حارب وأخذ ولم يَقْتُلْ، فعليه قطعُ اليد والرِّجل من خلافٍ إن ظُهر عليه قبل توبته، وإذا حارب وأخاف السبيلَ، فإنما عليه النَّفْىُ (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ وأبو السَّائب، قالا: ثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. قال: إذا خرج فأخاف السبيل وأخذ المالَ، قُطِعَتْ يدُه ورجلُه مِن خِلافٍ، وإذا أخاف السبيلَ ولم يَأْخُذِ المالَ [نُفِى، وإذا قتَل قُتِل، وإذا أخاف السبيل وأخذ المالَ] (٣) وقتل صُلِب (٤). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن حمادٍ، عن إبراهيم، فيما

стр. 5661

أَرَى، في الرَّجُلِ يَخْرُجُ محاربًا، قال: إن قطع الطريق وأخذ المالَ قُطِعَتْ يدُه ورجلُه، وإن أخذ المالَ، وقُتل، قُتِل، وإن أخذ المالَ وقتل ومَثَّل صُلِب. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن عِمران بن حُدَيْرٍ، عن أبي مِجْلَزٍ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية. قال: إذا قتَل وأخذ المال وأخاف السبيل صُلِب، وإذا قتَل لم يَعْدُ ذلك، قُتِل، وإذا أخذ المال لم يعدُ ذلك، قُطع، وإذا كان يُفْسِدُ نُفِى (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحمانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن سماكٍ، عن الحسن: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. إلى قوله: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾. قال: إذا أخاف الطريق ولم يَقْتُلْ ولم يَأْخُذِ المالَ، نُفِى (٢). حدَّثنا المُثنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: أخبرنا هشيمٌ، عن حصينٍ، قال: كان يقالُ: مَن حارب فأخافَ السبيل وأخَذَ المالَ ولم يَقْتُلْ، قُطِعَتْ يدُه ورجلُه من خلافٍ، وإذا أخذ المالَ وقتل صُلب. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ أنه كان يقول في قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. إلى قوله: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾: حدودٌ أربعةٌ أنزلها الله؛ فأما من أصاب الدَّمَ والمال جميعًا، صُلب، وأما من أصاب الدمَ وكَفَّ عن المالِ، قُتِل، ومَن أصابَ المال وكفَّ عن الدَّم، قُطع، ومَن لم يُصِبْ شيئًا مِن هذا، نُفِى (٣).

стр. 5662

حدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: [فنَهَى اللهُ عن ذلك] (١) نبيَّه ﵊، عن أن يَسْمُلَ أَعِينَ العُرَنيِّين الذين أغاروا على لقاحِه، وأمره أن يُقِيمَ فيهم الحدودَ كما أنْزَلها اللهُ عليه، فنَظَر إلى مَن أَخَذ المالَ ولم يَقْتُلْ، فقطع يده ورجلَه مِن خِلافٍ؛ يده اليُمنى ورجله اليُسرى، ونظر إلى مَن قتَل ولم يَأْخُذْ مالًا فقتله، ونظر إلى مَن أخَذ المالَ وقتَل، فصَلَبه. وكذلك يَنْبَغِى لكلِّ مَن أخاف طريق المسلمين وقطع أن يُصنَعَ به؛ إن أُخِذ وقد أخذ مالًا، قُطِعَتْ يدُه بِأَخْذِه المالَ، ورجلُه بإخافةِ الطريق، وإن قتل ولم يَأخُذ مالًا، قُتِل، وإن قتل وأَخَذ المالَ، صُلب (٢). حدَّثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيزِ، قال: ثنا فُضَيلُ بن مرزوقٍ، قال: سَمِعْتُ السُّدِّيِّ يسألُ عطية العَوْفِيَّ عن رجلٍ محاربٍ خرج، فأُخذ ولم يُصِبْ مالًا ولم يُهرق دمًا. قال: النَّفْىُ بالسيف، وإن أخذ مالًا، فيدُه بالمال ورجلُه بما أخاف المسلمين، وإن هو قتَل ولم يَأخُذ مالًا، قُتِل، وإن هو قتَل وأخذ المالَ، صُلب. وأكبرُ ظَنِّى أنه قال: تُقطَعُ يدُه ورجلُه (٣). حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرَّزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ وقتادة في قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية. قال: هذا اللِّصُّ الذي يَقْطَعُ الطريق، فهو محاربٌ، فإن قتل وأَخَذ مالًا، صُلِب، وإن قتَل ولم يَأْخُذ مالًا، [قُتِل، وإن أخذ مالًا] (٤) ولم يَقْتُلْ، قُطِعَتْ يدُه ورجلُه، وإن أُخِذ قبل أن يفعل شيئًا من ذلك، نُفِى (٥).

стр. 5663

حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن قيس بن سعدٍ، عن سعيد بن جُبَيرٍ، قال: مَن خرج في الإسلام محاربًا للهِ ورسولِه، فقتل وأصاب مالًا، فإنه يُقْتَلُ ويُصلَبُ، ومَن قتل ولم يُصِبْ مالًا، فإنه يُقْتَلُ كما قتل، ومَن أصاب مالًا ولم يَقْتُلْ، فإنه يُقْطَعُ مِن خِلافٍ، وإن أخاف سبيلَ المسلمين نُفِيَ مِن بلده إلى غيره؛ لقولِ اللهِ جَلَّ وعَزَّ: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. قال: كان ناسٌ يَسْعَون في الأرض فسادًا وقتلوا وقطعوا السبيلَ، فَصُلِبَ أولئك، وكان آخرون حارَبوا واسْتَحَلُّوا المالَ ولم يَعْدُوا ذلك، فقُطِعَتْ أيديهم وأرجلُهم، وآخرُون حاربوا واعْتَزلوا ولم يَعْدُوا ذلك، فأولئك أُخرجوا من الأرض. حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا أبو أسامة، عن أبي هلالٍ، قال: ثنا قتادةُ، عن مُوَرِّقٍ العِجْليِّ في المحارب، قال: إن كان خرَج فقتل وأخذ المالَ، صُلب، وإن كان قتَل ولم يَأْخُذِ المال، قُتِل، وإن كان أخذ المالَ ولم يَقْتُلْ، قُطِع، وإن كان خرج مُشاقًّا للمسلمين، نُفِى (٢). حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو معاوية، عن حَجَّاجٍ، عن عطيةَ العَوْفيِّ، عن ابن عباسٍ، قال: إذا خرج المحاربُ وأخاف الطريق وأخذ المال، قُطِعَتْ يدُه ورجلُه من خلافٍ، فإن هو خرج فقتَل وأخذ المالَ، قُطِعَتْ يدُه ورجلُه مِن خِلافٍ ثم صُلِب،

стр. 5664

وإن خرَج فقتَل ولم يَأْخُذ المالَ، قُتِل، وإن أخاف السبيلَ ولم يَقْتُلْ ولم يأْخُذِ المالَ، نُفِى (١). حدَّثنا ابن البَرْقِيِّ، قال: ثنا ابن أبي مريمَ، قال: أخبرنا نافعُ بنُ يزيدَ، قال: ثنى أبو صَخْرٍ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرَظِيِّ، وعن أبِى معاويةَ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ في هذه الآية: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾. قالا: إن أخاف المسلمين فاقْتَطَع (٢) المال ولم يَسْفِكُ، قُطِع، وإذا سفك دمًا، قُتِل وصُلِب، وإن جَمَعَهما فاقْتَطَع مالًا وسفَك دمًا، قُطِع ثم قُتِل ثم صُلِب، كأَنَّ الصَّلْبَ مُثلَةٌ، وكأنَّ القَطعَ (٣): ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]. وكأنَّ القَتْلَ: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]. وإن امْتَنَع، فإن مِن الحقِّ على الإمامِ وعلى المسلمين أن يَطْلُبوه حتى يَأخُذوه فيُقِيموا عليه حُكمَ كتابِ اللَّهِ: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾؛ مِن أرضِ الإسلامِ إلى أرضِ الكفرِ. واعتَلَّ قائِلو هذه المقالةِ لقولِهم هذا بأن قالوا: إن الله أوْجَب على القاتلِ القَوَدَ، وعلى السارقِ القطعَ. وقالوا: قال النبيُّ ﷺ : "لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئُ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلاثِ خِلالٍ، رَجُلٌ قَتَل فقُتِل، ورجلٌ زَنَى بَعْدَ إحْصَان فرُجِم، ورجلٌ كَفَر بعدَ إسلامه" (٤).

стр. 5665

قالوا: فحَظَر النبيُّ ﷺ قتلَ رجلٍ مسلمٍ إلا بإحدَى هذه الخِلالِ الثلاثِ، فأما أن يُقْتَلَ مِن أجلِ إخافتِه السبيلَ مِن غيرِ أن يَقْتُلَ أو يَأخُذ مالًا، فذلك تَقَدُّمٌ على اللهِ ورسولِه بالخلافِ عليهما في الحكمِ. قالوا: ومعنى قولِ مَن قال: الإمامُ فيه بالخِيارِ إذا قَتَل، وأخافُ السبيلَ، وأخَذَ المال. فهنالك خِيارُ الإمامِ في قولِهم بينَ القتلِ، أو القتلِ والصَّلْبِ، أو قطعِ اليدِ والرِّجلِ مِن خِلافٍ. وأما (١) صلبُه (٢) باسمِ المحاربةِ مِن غيرِ أن يفعلَ شيئًا من قتلٍ أو أخذِ مالٍ، فذلك ما لم يَقُلْه عالمٌ. وقال آخرون: الإمامُ فيه بالخيارِ أن يفعلَ أيَّ هذه الأشياءِ التي ذَكَرَها اللَّهُ في كتابِه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا جُوَيبرٌ، عن عطاءٍ، وعن القاسمِ بنُ أبى بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في المحاربِ، أن الإمامَ مُخَيَّرٌ فيه؛ أَيَّ ذلك شاء فعل (٣). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن عُبيدةَ، عن إبراهيم (٤): الإمامُ

стр. 5666

مُخيَّرٌ في المحاربِ، أيَّ ذلك شاء فعل؛ إن شاء قتلَ، وإن شاء قَطع، وإن شاء نَفَى، وإن شاء صلَب (١). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عاصِمٍ، عن الحسنِ في قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. إلى قولِه: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾. قال: يَأْخُذُ الإمام بأيِّها (٢) أَحَبَّ (٣). حدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن عاصِمٍ، عن الحسنِ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. قال: الإمامُ مُخيَّرٌ فيها (٤). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبِي، عن سفيانَ، عن ابن جُريجٍ، عن عطاءٍ مِثلَه (٥). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن قيسِ بن سعدٍ، قال: قال عطاءٌ: يَصْنَعُ الإمامُ في ذلك ما شاء؛ إن شاء قتَل أو قطَع أو نَفَى؛ لقولِ اللَّهِ: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ فذلك إلى الإمامِ الحاكمِ يَصْنَعُ فيه ما شَاء. حدَّثني المُثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية. قال: مَن شَهَر السلاحَ

стр. 5667

في قُبَّةِ (١) الإسلامِ، وأخاف السبيلَ، ثم ظُفِر به وقدِر عليه، فإمامُ المسلمين فيه بالخيارِ؛ إن شاء قتَله، وإن شاءَ صلَبه، وإن شاء قطَع يدَه ورِجلَه (٢). حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا أبو أسامةَ، قال: أخبرنا أبو هلالٍ، قال: أخبرنا قتادةُ، عن سعيد بنُ المُسَيَّبِ أنه قال في المحارب: ذلك إلى الإمامِ، إذا أَخَذه يَصْنَعُ به ما شاء (٣). حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن أبي هلالٍ، قال: ثنا هارونُ، عن الحسنِ في المحاربِ، قال: ذاك إلى الإمامِ يصنعُ به ما شاء. حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا حفصُ بنُ غياثٍ، عن عاصمٍ، عن الحسنِ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. قال: ذلك إلى الإمامِ (٤). واعْتَلَّ قائِلو هذه المقالةِ بأن قالوا: وَجَدْنا العُطُوفَ التي بـ "أَوْ" في القرآنِ بمعنى التَّخْيِيرِ في كلِّ ما أَوْجَب اللهُ به فرضًا منها، وذلك كقولِه في كفارةِ اليمينِ: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]. وكقولِه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وكقولِه: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥]. قالوا: فإذا كانت العُطوفُ التي بـ "أَوْ" في

стр. 5668

القرآنِ، في كلِّ ما أَوجَبَ اللهُ به فرضًا منها في سائرِ القرآنِ بمعنى التخييرِ، فكذلك ذلك في آيةِ المحاربين، الإمامُ مُخيَّرٌ فيما رَأَى الحكمَ به على المحاربِ إذا قدَر عليه قبلَ التوبةِ. وأوْلَى التأويلَيْنِ بالصوابِ في ذلك عندَنا تأويلُ مَنْ أَوْجَب على المحاربِ مِن العقوبةِ على قَدْرِ استحقاقِه، وجعَل الحكمَ على المحاربين مختلفًا باختلافِ أفعالِهم؛ فأَوْجَب على مُخِيفِ السبيلِ منهم إذا قُدِر عليه قبلَ التوبةِ وقبلَ أَخْذِ مالٍ أو قَتْلَ النَّفْيَ مِن الأرضِ، وإذا قُدرِ عليه بعدَ أخذِ المالِ وقتلِ النفسِ المحرَّمِ قتلُها الصَّلبَ؛ لِمَا ذَكَرْتُ مِن العِلةِ قبلُ لقائِلى هذه المقالةِ. فأما ما اعْتَلَّ به القائلون: إن الإمامَ فيه بالخِيارِ. مِن أن "أو" في العطفِ تَأْتِى بمعنى التخييرِ في الفرضِ. فقولٌ (١) لا معنى له؛ لأن "أو" في كلامِ العربِ قد تأتى بضُرُوبٍ من المعاني، لولا كَرَاهةُ إطالةِ الكتابِ بذكرِها لذَكَرْتُها، وقد بَيَّنتُ كثيرًا من معانيها فيما مَضَى، وسنأتى على باقِيها فيما يُسْتَقْبَلُ في أماكنِها إن شاءَ اللهُ. فأما في هذا الموضعِ، فإن معناها التعقيبُ، وذلك نظيرُ قولِ القائلِ: إن جزاءَ المؤمنين عِندَ الله يومَ القيامةِ أن يُدْخِلَهم الجنةَ، أو يَرْفَعَ منازلَهم في عِلِّيَّينَ، أو يُسْكِنَهم معَ الأنبياءِ والصَّدَّيقِينَ. فمعلومٌ أن قائلَ ذلك غيرُ قاصدٍ بقيلِه إلى أن جزاءَ كلِّ مؤمنٍ آمنَ باللهِ ورسولِه فهو في مرتبةٍ واحدةٍ من هذه المراتبِ، ومنزلةٍ واحدةٍ من هذه المنازلِ بإيمانِه، بل المعقولُ عنه أن معناه أن جزاءَ المؤمنِ لن (٢) يَخْلُوَ عِندَ اللَّهِ مِن بعضِ هذه المنازلِ، فالمُقْتَصِدُ منزلتُه دونَ منزلةِ السابقِ بالخيراتِ، والسابقُ بالخيراتِ أعلى منه منزلةً، والظالمُ لنفسهِ دونَهما، وكلٌّ في الجنةِ، كما قال جلَّ ثناؤُه:

стр. 5669

﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر: ٣٣]. فكذلك معنى المعطوفِ بـ "أو" في قولِه: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية. إنما هو التعقيبُ. فتأويلُه: إن الذي يحاربُ الله ورسولَه، ويسعى في الأرضِ فسادًا، لن يَخْلُوَ مِن أَن يَستَحِقَّ الجزاءَ بإحدى هذه الخلالِ الأربعِ التي ذكَرها الله عزّ ذكرُه. لا أن الإمام محكَّمٌ ومخيَّرٌ في أمرِه، كائنةً ما كانت حالته (١)، عَظُمَتْ جَرِيرَتُه أو خَفَّتْ؛ لأن ذلك لو كان كذلك، لكان للإمامِ قتلُ مَن شَهَر السلاحَ مخيفًا السبيلَ وصَلْبُه وإن لم يَأْخُذْ مالًا ولا قتَل أحدًا، وكان له نَفْى مَن قتَل وأَخَذ المالَ وأخاف السبيلَ. وذلك قولٌ إن قالَه قائلٌ، خِلافُ ما صَحَّتْ به الآثارُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ مِن قولِه: "لا يحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مسلمٍ إلا بإحْدَى ثلاث؛ رَجُلٍ قَتَل رَجُلًا فقُتِل، أَوْ زَنى بعدَ إحصان فرُجِم، أو ارْتَدَّ عن دينِه" (٢). وخِلافُ قوله: "القَطْعُ في رُبْعِ دينارٍ فصاعِدًا" (٣). وغيرُ المعروفِ من أحكامِه. فإن قال قائلٌ: فإن هذه الأحكامَ التي ذكَرتَ كانتْ عن رسولِ اللهِ ﷺ في غيرِ المحاربِ، وللمحاربِ حكمٌ غيرُ ذلك مُنفَردٌ به؟ قِيل له: فما الحكمُ الذي انفَرَد به المحاربُ في سننِه؟ فإن ادَّعَى عنه ﷺ حكمًا خلافَ الذي ذَكَرْنا، أكْذَبَه جميعُ أهلِ العلمِ؛ لأن ذلك غيرُ موجودٍ بنقل واحدٍ ولا جماعةٍ، وإن زَعَم أن ذلك الحكم هو ما في ظاهرِ الكتابِ، قيل له: فإن أَحْسَنَ حالاتِك - إن سُلِّم لك (٤) - أن ظاهرَ الآية قد يَحْتَمِلُ ما قلتَ وما قاله مَن خالَفَك، فما برهانُك على أن تأويلَك أولَى بتأويلِ الآية مِن تأويلِه؟

стр. 5670

وبعدُ، فإذ كان الإمامُ مخيَّرًا في الحكمِ على المحاربِ، من أجل أنَّ "أو" بمعنى التخييرِ في هذا الموضعِ عندَك، أفله أن يَصْلِبَه حيًّا ويَترُكَه على الخشبةِ مصلوبًا حتى يموتَ مِن غيرِ قتلِه؟ فإن قال: ذلك له. خالَفَ في ذلك الأمَّةَ. وإن زعَم أن ذلك ليسَ له، وإنما له قتلُه ثم صلبُه، أو صلبُه ثم قتلُه، ترَك عِلَّتَه مِن أن الإمامَ إنما كان له الخيارُ في الحكمِ على المحاربِ مِن أجلِ أن "أو" تأتى بمعنى التخييرِ. وقيل له: فكيف كان له الخيارُ في القتلِ أو النفْى أو القطعِ، ولم يكنْ له الخيارُ في الصلبِ وحدَه، حتى تُجمَعَ إليه عقوبةٌ أُخرَى؟ وقيل له: هل بينَك وبينَ من جعَل الخيارَ حيثُ أَبَيْتَ، وأبَى ذلك حيثُ جَعَلْتَه له، فَرقٌ مِن أصلٌ أو قياسٍ؟ فلن يقولَ في أحدهما قولًا إلا أُلْزِم في الآخرِ مثلَه. وقد رُوى عن رسولِ اللهِ ﷺ بتصحيحِ ما قلنا في ذلك خبرٌ (١) في إسنادِه نَظَرٌ، وذلك ما حدَّثنا به عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليد بنُ مسلمٍ، عن ابن لَهيعةَ، عن يزيدَ بن أبي حَبيبٍ، أن عبدَ الملكِ بنَ مَرْوانَ كتَب إلى أنس بن مالكٍ يسألُه عن هذه الآيةِ، فكتَب إليه أنسٌ يُخبرُه أن هذه الآية نَزَلتْ في أولئك النَّفَر العُرَنِيِّين، وهم من بَجِيلَةَ. قال أنسٌ: فارْتدُّوا عن الإسلامِ، وقتَلوا الراعِيَ، وساقوا الإبلَ، وأَخافوا السبيلَ، وأصابوا الفَرْجَ الحرامَ. قال أنسٌ: فسأل رسولُ اللهِ ﷺ جبريلَ ﵇ عن القضاءِ في مَن حارب، فقال: مَن سرَق وأخاف السبيلَ، فاقْطَعْ يدَه بسرقتِه، ورِجْلَه بإخافتِه، ومن قتَل فاقْتُلْه، ومَن قتَل وأخاف السبيلَ واسْتَحَلَّ الفَرْجَ الحرامَ، فاصْلِبْه (٢). وأما قولُه: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾. فإنه يعنى به

стр. 5671

جلَّ ثناؤُه أنه تُقْطَعُ أيديهم مُخالفًا في قَطْعِها قطعُ أَرْجُلِهم، وذلك أن تُقطَعَ أَيْمُنُ أيدِيهم وأَشْمُلُ أرجلِهم، فذلك الخِلافُ بينَهما في القطعِ، ولو كان مَكان "مِنْ" في هذا الموضعِ "على" أو "الباءِ"، فقيل: أو تقطَّعَ أيديهم وأرجلُهم على خلافٍ، أو بخلافٍ. لأَدَيَّا عما أَدَّت عنه "مِن" من المعنى. واختلفَ أهلُ التأويلِ في معنى النفى الذي ذَكَرَه اللهُ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: هو أن يُطلَبَ حتى يُقدَرَ عليه أو يهرُبَ مِن دارِ الإسلامِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾. قال: يَطْلُبُهم الإمامُ بالخيلِ والرَّجالِ حتى يَأْخُذَهم فيُقيمَ فيهم الحكمَ، أو يُنْفَوا من أرض المسلمين (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قال: نَفْيُه أن يُطْلَبَ (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليِّ بنُ أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾. يقولُ: أَو يُهرَّبُوا حتى يُخرَجوا من دارِ الإسلامِ إلى دارِ الحربِ (٣). حدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: أخبرني عبدُ اللَّهِ بنُ لَهِيعةَ، عن يزيدَ بن أبى حَبيبٍ، عن كتابِ أنسِ بنُ مالكٍ إلى عبدِ الملكِ بنُ مَرْوانَ،

стр. 5672

أنه كتَب إليه: ونَفْيُه أن يَطْلُبَه الإمامُ حتى يَأْخُذَه، فإذا أَخَذه أقام عليه إحدَى هذه المنازلِ التي ذكَر اللهُ جلَّ وعزَّ بما اسْتَحَلَّ (١). حدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ، قال: فذَكَرْتُ ذلك لِلَّيْثِ بن سعدٍ، فقال: نفيُه طَلَبُه مِن بلدٍ إلى بلدٍ حتى يُؤْخَذَ (٢)، أو يُخْرِجَه طلبُه مِن دارِ الإسلامِ إلى دارِ الشركِ والحربِ، إذا كان محاربًا مُرتدًّا عن الإسلامِ. قال الوليدُ: وسألتُ مالكَ ابنَ أنسٍ فقال مثلَه (٣). حدثني عليٌّ، قال: ثنا الوليدُ، قال: قلتُ لمالِك بنُ أنَسٍ والليثِ بنُ سعدٍ: وكذلك يُطْلَبُ المحاربُ المقيمُ على إسلامِه، يَضْطَرُّه بطَلَبِه من بلدٍ إلى بلدٍ حتى (٤) يصيرَ إلى ثَغْرِ مِن ثغورِ المسلمين، أو أقصَى حَوْزِ (٥) المسلمين، فإن هم طَلَبوه دخَل دارَ الشركِ؟ قالا: لا يُضطَرُّ مسلمٌ إلى ذلك (٣). حدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن جُويبرٍ، عن الضَّحَّاك: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾. قال: أن يُطْلَبوا حتى يُعْجِزُوا (٦). حُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفَرَجِ، قال: سَمِعتُ أَبا معاذٍ يقولُ: ثنى عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضَّحَّاكَ يقولُ. فذكَر نحوَه. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حفصُ بنُ غياثٍ، عن عاصمٍ، عن الحَسَنِ: ﴿أَوْ

стр. 5673

يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾. قال: يُنفَى حتى لا يُقدَرَ عليه (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن أبيه، عن الربيعِ بن أنسٍ في قولِه: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾. قال: أُخْرِجوا مِن الأَرضِ، أَينما أُدْرِكوا أُخْرِجوا، حتى يَلْحَقُوا بأرضِ العدوِّ (١). حدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا عبدُ الرَّزَّاقِ، قال: ثنا معمرٌ، عن الزُّهْريِّ في قولِه: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾. قال: نَفْيُه أن يُطْلَبَ فلا يُقدَرَ عليه، كلما سُمِع به في أرضٍ طُلِب (٢). حدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليد بنُ مسلمٍ، قال: أخبرني سعيدٌ، عن قتادة: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾. قال: إذا لم يَقْتُلْ ولم يَأْخُذُ مالًا، طُلب حتى يُعجِزَ (٣). حدَّثني ابن البَرْقِيِّ، قال: ثنا ابن أبى مريمَ، قال: أخبرني نافعُ بنُ يزيدَ، قال: ثنى أبو صَخْرٍ، عن محمدِ بنُ كعبٍ القُرَظيِّ، وعن أبي معاوية، عن سعيدِ بنُ جُبيرٍ: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾: من أرضِ الإسلامِ إلى أرضِ الكفرِ (٤). وقال آخرون: معنى النفي في هذا الموضعِ أن الإمامَ إذا قَدَر عليه نفاه من بلدتِه إلى بلدةٍ أُخرى غيرِها.

стр. 5674

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن قيسِ بنِ سعدٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾. قال: مَن أخاف سبيلَ المسلمين، نُفِى مِن بلدِه إلى غيرِه؛ لقولِ الله : ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني الليثُ، قال: ثني يزيدُ بنُ أَبي حَبِيبٍ وغيرُه، عن حَيَّانَ (٢) بن سُرَيجٍ (٣)، أنه كتَب إلى عُمرَ بن عبدِ العزيزِ في اللصوص، ووصَف له لُصُوصِيَّتهم وحَبْسَهم في السجون. قال: قال اللهُ في كتابِه: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾. وترَك: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾. فكتَب إليه عمرُ بنُ عبدِ العزيز: أما بعدُ، فإنك كَتَبْتَ إِلَيَّ تَذكُرُ قولَ اللَّهِ جَلَّ وعزَّ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾. وتَرَكتَ قولَ اللَّهِ: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾. فنَبيٌّ أنت يا حَيَّانَ ابْنَ أَمِّ حَيَّانَ، لَا تُحَرِّكِ الأشياءَ عن مواضعها، أتَجَرَّدَتَ للقتلِ والصلبِ، كأنك عبدُ بني عَقيلٍ، مِن غير ما أُشَبِّهُكَ به؟ إذا أتاك كتابي هذا فانْفِهِم إلى شَغْبٍ (٤).

стр. 5675

حدَّثنا يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: ثنى الليثُ، عن يزيدَ وغيرِه بنحوِ هذا الحديثِ، غيرَ أن يونسَ قال في حديثِه: كأنك عبدُ بنى أبي عِقالٍ، مِن غيرِ أن أُشبِّهَك به. حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: أخبرَنى ابن لَهِيعَةَ، عن يزيدَ بن أبي حَبيبٍ، أن الصَّلْتَ كاتبَ حَيَّانَ (١) بن سُريجٍ، أخبرَهم أن حَيَّانَ كتبَ إلى عمرَ بن عبدِ العزيز أن ناسًا من القِبْطِ قامَتْ عليهم البينةُ بأنهم حارَبوا اللَّهَ ورسولَه، وسَعَوْا في الأرض فسادًا، وأن الله يقولُ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾. فَقَرَأ حتى بَلَغ: ﴿وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾. وسكَت عن النفي، وكتَب إليه: فإن رَأى أميرُ المؤمنينَ أن يُمضِىَ قضاءَ اللَّهِ فيهم، فلْيَكْتُبْ بذلك. فلما قَرَأ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ كتابَه، قال: لقد اجْتَرَأَ حَيَّانُ. ثم كتَب إليه: إنه قد بَلَغني كتابُك وفهِمْتُه، ولقد اجْتَزَأْتَ، كأنما كَتبتَ بكتابِ يزيدَ بنُ أبي مسلمٍ، أو عِلْجِ صاحبِ العراقِ، من غير أن أُشَبِّهَك بهما، فكتبتَ بِأَوَّلِ الآية ثم سَكَّتَ عَن آخرِها، وإن الله يقولُ: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ فإن كانتْ قامَتْ عليهم البينةُ بما كَتبتَ به، فاعْقد في أعناقِهم حديدًا، ثم غَيَّبهم إلى شَغْبٍ وبَدَا (٢). قال أبو جعفر: شَغْبٌ وبَدَا موضعان. وقال آخرون: معنى النفيِ مِن الأرضِ في هذا الموضِعِ الحَبْسُ (٣). وهو قول أبي حنيفةَ وأصحابِه.
следующие страницы →