← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 5706–5745 · переход к 5711.

стр. 5706

قُلُوبُهُمْ﴾ قومٌ مِن المنافقين، وجائزٌ أن يكونَ كان ممَّن دخَل في هذه الآيةِ ابن صُورِيَا، وجائزٌ أن يَكونَ أبو لُبابةَ، وجائزٌ أن يَكونَ غيرُهما، غيرَ أنَّ أَثْبَتَ شيءٍ رُوى في ذلك ما ذكَرْناه مِن الروايةِ قبلُ عن أبي هريرةَ والبَرَاءِ بن عازبٍ؛ لأن ذلك عن رجلين من أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ . وإذا كان ذلك كذلك، كان الصحيحُ مِن القولِ فيه أن يُقالَ: عُنِى به عبدُ اللَّهِ بنُ صُورِيَا. وإذا صحَّ ذلك كان تأويلُ الآيةِ: يا أيُّها الرسولُ لا يَحْزُنْك الذين يُسارِعون في جُحودِ نبوتِك، والتكذيبِ بك أنك لى نبيٌّ، من الذين قالوا: صدَّقْنا بك يا محمدُ أنك للَّهِ رسولٌ مبعوثٌ، وعلِمْنا بذلك يقينًا، بوجودِنا صفتَك في كتابِنا. وذلك أن في حديثِ أبى هريرةَ الذي رواه ابن إسحاقَ، عن الزهريِّ، أن ابنَ صُورِيَا قال لرسولِ اللَّهِ ﷺ : أمَا واللَّهِ يا أبا القاسمِ إنهم لَيَعْلَمون أنك نبيٌّ مُرسَلٌ، ولكنهم يَحْسُدونك. فذلك كان على هذا الخبرِ، كان (١) مِن ابن صُورِيا إيمانًا برسولِ اللَّهِ ﷺ بفِيه، ولم يكنْ مُصَدِّقًا لذلك بقلبِه، فقال اللَّهُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ ، مُطْلِعَه على ضميرِ ابن صُورِيَا، وأنه لم يُؤْمِنْ بقلبِه، يقولُ: ولم يُصَدِّقْ قلبُه بأنك للَّهِ رسولٌ مُرسَلٌ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : يا أيُّها الرسولُ لا يَحْزُنْك تَسَرُّعُ مَن تسَرَّع مِن هؤلاء المنافقين الذين يُظْهِرون بألسنتِهم تَصْديقَك وهم مُعْتَقِدون تكْذيبَك، إلى الكفرِ بك، ولا تَسَرُّعُ اليهودِ إلى جحودِ نبوتِك. ثم وصَف جلَّ وعزَّ له صفتَهم، ونعَتَهم له بتُعوتِهم الذُّميمةِ، وأفْعالِهم الرديئةِ، وأخْبَرَه مُعَزِّيًا له على ما يَنالُه مِن الحزنِ بتَكْذيبِهم إياه مع علمهم بصدْقِه، أنهم أهلُ استحلالٍ للحرامِ، والمآكلِ

стр. 5707

الرديئةِ، والمطاعمِ الدَّنِيئةِ مِن الرِّشَا والسُّحْتِ، وأنهم أهلُ إفْكِ وكذبٍ على اللَّهِ وتحريفٍ كتابَه. ثم أعْلَمه أنه مُحِلٌّ بهم خِزْيَه في عاجلِ الدنيا، وعقابَه في آجِلِ الآخِرةِ، فقال: هم ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾. يعنى هؤلاء المنافقين مِن اليهودِ. يقولُ: هم يَسْمَعون الكذبَ. وسمعُهم الكذبَ سمعُهم قولَ أحْبارِهم أن حكمَ الزانى المُحْصَنِ في التوراةِ التحميمُ والجَلْدُ، ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾. يقولُ: يَسْمَعون لأهلِ الزانى الذين أرادوا الاحتكامَ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ ، وهم القومُ الآخَرون الذين لم يَكُونوا أتَوْا رسولَ اللَّهِ ﷺ ، وكانوا مُصِرِّين (١) على أن يَأْتُوه، كما قال مجاهدٌ. حدَّثنا القاسمُ، قال ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾: [مع مَن] (٢) أتَوك. واختَلَف أهلُ التأويلِ في السَّمّاعين للكذبِ السمَّاعين لقومٍ آخَرِين؛ فقال بعضُهم: ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾: يهودُ فَدَكَ، والقومُ الآخَرون الذين لم يَأْتُوا رسولَ اللَّهِ ﷺ يهودُ المدينةِ (٣). ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ الزبيرِ، عن ابن عُيَيْنةَ، قال: ثنا زكريا ومُجالِدٌ، عن الشَّعْبيِّ، عن جابرٍ في قولِه: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ قال: يهودُ المدينةِ، ﴿لَمْ

стр. 5708

يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾. قال: يهودُ فَدَكَ يقولون ليهودِ المدينةِ: إن أُوتِيتُم هذا فخُذُوه (١). وقال آخَرون: المعنيُّ بذلك قومٌ مِن اليهودِ، كان أهلُ المرأةِ التي بغَتْ (٢) بعَثوا بهم يَسْأَلون رسولَ اللَّهِ ﷺ عن الحكمِ فيها، والباعِثون بهم هم القومُ الآخَرون، وهم أهلُ المرأةِ الفاجرةِ، لم يَكُونوا أتَوْا رسولَ اللَّهِ ﷺ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾: [فإن بنى] (٣) إسرائيلَ أنْزَل اللَّهُ عليهم: إذا زنَى منكم أحدٌ فارْجُمُوه. فلم يَزالوا بذلك حتى زنَى رجلٌ مِن خِيارِهم، فلمَّا اجتَمَعَت بنو إسرائيلَ يَرْجُمونه، قام الخيارُ والأشرافُ فمنَعوه، ثم زنَى رجلٌ مِن الضعفاءِ، فاجتَمَعوا ليَرْجُموه، فاجْتَمَعَت الضُّعفاءُ فقالوا: لا تَرْجُموه حتى تَأْتُوا بصاحبِكم فتَرْجُمونهما جميعًا. فقالت بنو إسرائيلَ: إن هذا الأمرَ قد اشْتَدَّ علينا، فتَعَالَوْا فلْنُصْلِحْه. فترَكوا الرجمَ، وجعَلوا مكانَه أربعين جَلْدةً بحبلٍ مُقَيَّرٍ (٤)، ويَحْمِلونه على حمارٍ، ووجْهُه إلى ذَنَبِه، ويُسَوِّدون وجهَه، ويَطُوفون به، فكانوا يَفْعَلون ذلك حتى بُعِث النبيُّ ﷺ وقدِم المدينةَ، فزنَت امرأةٌ مِن أشرافِ اليهودِ، يقالُ لها: بُسْرةُ. فبَعث أبوها ناسًا مِن أصحابِه إلى النبيِّ ﷺ ، فقال: سَلُوه عن

стр. 5709

الزِّنى وما نزَل إليه فيه، فإنا نَخافُ أن يَفْضَحَنا ويُخْبِرَنا بما صنَعْنا، فإن أعْطاكم الجلدَ فخُذُوه، وإن أمَرَكم بالرجْمِ فاحْذَروه. فأتَوْا رسولَ اللَّهِ ﷺ فسأَلوه، فقال: "الرجْمُ". فأنْزَل اللَّهُ : ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾: حينَ حرَّفوا الرجْمَ فجعَلوه جلدًا (١). وأوْلى الأقوالِ في ذلك عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: إن السمَّاعِين للكذبِ هم السمَّاعون لقومٍ آخَرِين، وقد يجوزُ أن يكونَ أولئك كانوا مِن يهودِ المدينةِ، والمسموعُ لهم مِن يهودِ فَدَكَ، ويَجوزُ أن يكونَ كانوا مِن غيرِهم غيرَ أنه أيُّ ذلك كان، فهو مِن صفةِ قومٍ مِن يهودَ سمِعوا الكذبَ على اللَّهِ في حكمِ المرأةِ التي كانت بَغَتْ فيهم وهى مُحْصَنَةٌ، وأن حكمَها في التوراةِ التَّحْميمُ والجلدُ، وسأَلوا رسولَ اللَّهِ ﷺ عن الحكمِ اللازمِ لها، وسمِعوا ما يَقولُ فيها قومُ المرأةِ الفاجرةِ قبلَ أن يَأْتُوا رسولَ اللَّهِ ﷺ مُحْتَكِمين إليه فيها. وإنما سأَلوا رسولَ اللَّهِ ﷺ عن ذلك لهم ليُعْلِموا أهلَ المرأةِ الفاجرةِ ما يكونُ مِن جوابِه لهم، فإن (٢) لم يَكُنْ مِن حُكْمِه الرجمُ، رضُوا به حَكَمًا فيهم، وإن كان مِن حكمِه الرجمُ، حَذِروه وترَكوا الرضا به وبحكمِه. وبنحوِ الذي قلنا كان ابن زيدٍ يقولُ. حدَّثني يونسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾. قال: لقومٍ آخَرِين لم يَأْتُوك (٣) مِن أهلِ الكتابِ، هؤلاء سمَّاعون لأولئك القومِ الآخَرِين الذين لم يَأْتُوه، يقولون لهم

стр. 5710

الكذبَ: محمدٌ كاذبٌ، وليس هذا في التوراةِ فلا تُؤْمِنوا به (١). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يُحَرِّفُ هؤلاء السمَّاعون للكذبِ السمَّاعون لقومٍ آخرين منهم ولم يَأْتُوك بعدُ مِن اليهودِ - الكَلِمَ. وكان تحريفُهم ذلك تَغْييرَهم حكمَ اللَّهِ تعالى ذكرُه الذي أنْزَله في التوراةِ في المُحْصَناتِ والمُحْصَنِين مِن الزُّناةِ، بالرجمِ إلى الجلدِ والتَّحميمِ، فقال تعالى ذكرُه: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾. يعنى: هؤلاء اليهودُ. والمعنِيُّ حكمُ الكلمِ. فاكْتُفِى بذكرِ الخبرِ مِن (٢) تحريفِ الكلمِ عن (٢) ذكرِ الحكمِ؛ لمعرفةِ السامعين لمعناه. وكذلك قولُه: ﴿مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾. والمعنى: مِن بعدِ وضْعِ اللَّهِ ذلك مَواضِعَه. فاكتُفِى بالخبرِ مِن (٢) ذكرِ مواضعِه عن (٣) ذكرِ وضْعِ اللهِ (٤) ذلك، كما قال تعالى ذكرُه: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ١٧٧]. والمعنى: ولكنَّ البِرَّ برُّ مَن آمَن باللَّهِ واليومِ الآخِرِ. وقد يَحْتَمِلُ أن يَكونَ معناه: يُحَرِّفون الكلمَ عن (٥) مواضعِه. فتَكونُ "بعد" وُضِعَت موضعَ "عن"، كما يقالُ: جئتُك عن فَراغى مِن الشُّغلِ. يريدُ (٦): بعدَ فَراغى مِن الشُّغلِ. ويعنى بقولِه: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾. يقولُ

стр. 5711

قولُ هؤلاء الباغون السمَّاعون للكذبِ: إن أفْتاكم محمدٌ بالجلدِ والتَّحْميمِ في صاحبِنا، ﴿فَخُذُوهُ﴾. يقولُ: فاقْبَلوه منه. وإن لم يُفْتِكم بذلك وأفْتاكم بالرَّجْمِ ﴿فَاحْذَرُوا﴾. وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا يونُسُ بنُ بُكيرٍ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثنى الزُّهريُّ، قال: سمِعْتُ رجلًا مِن مُزَيْنةَ يُحَدِّثُ سعيدَ بنَ المسيبِ، أن أبا هريرةَ حدَّثهم في قصةٍ ذكَرَها: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾. قال: بعَثوا وتخَلَّفوا، وأمَروهم بما أمَروهم به مِن تحريفِ الكلمِ عن مواضعِه، فقال: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ للتجْبِيهِ (١) ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ أي الرجمَ (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا﴾: إن وافَقكم هذا، ﴿فَخُذُوهُ﴾. يهودُ تَقولُه للمنافِقِين. حدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾: إن وافَقَكم هذا فخُذُوه، وإن لم يُوافِقْكم فاحْذَروه. يهودُ تَقولُه للمُنافِقِين (٣).

стр. 5712

حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾: حينَ حرَّفوا الرجمَ فجعَلوه جلدًا، يقولون: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ الزبيرِ، عن ابن عُيَيْنَةَ، قال: ثنا زكريا ومُجالِدٌ، عن الشَّعْبيِّ، عن جابرٍ: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾: يهودُ فَدَكَ يقولون ليهودِ المدينةِ: إن أُوتِيتُم هذا الجلدَ فخُذُوه، وإن لم تُؤْتَوْه فاحْذَروا الرجمَ (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾: هم اليهودُ، زنَت منهم امرأةٌ، وكان اللَّهُ قد حكَم في التوراةِ في الزِّنى بالرجمِ، فنفِسوا (٣) أن يَرْجُموها، وقالوا: انْطَلِقوا إلى محمدٍ، فعسَى أن يَكونَ عندَه رُخْصةٌ، فإن كانت عندَه رُخْصةٌ فاقْبَلوها. فأتَوْه فقالوا: يا أبا القاسمِ، إن امرأةً منا زنَت، فما تقولُ فيها؟ فقال لهم النبيُّ ﷺ : "كيف حكمُ اللَّهِ في التوراةِ في الزانى (٤)؟ ". فقالوا: دَعْنا مِن التوراةِ، ولكن ما عندَك في ذلك؟ فقال: "ائْتُونى بأعْلِمكم بالتوراةِ التي أُنْزِلَت على موسى". فقال لهم: "بالذي نجَّاكم مِن آلِ فرعونَ، وبالذى فلَق البحرَ فأنْجاكم وأغْرَق آلَ فِرْعونَ، إلا أخْبَرْتُمونى ما حُكْمُ اللَّهِ في التَّوراةِ في

стр. 5713

الزانى (١)؟ ". قالوا: حكمُه الرجمُ (٢). حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾: ذُكِر لنا أن هذا كان في قَتيلٍ مِن بنى قُرَيظةَ قتَلَتْه النَّضِيرُ، فكانت النَّضيرُ إذا قتَلَت مِن بنى قُريظةَ لم يَقِيدوهم، إنما يُعْطُونهم الدِّيَةَ؛ لفضلِهم عليهم، وكانت قُريظةُ إذا قتَلَت مِن النَّضيرِ قتيلًا لم يَرْضَوْا إلا بالقَوَدِ؛ لفضلِهم عليهم في أنفسِهم تعَزُّزًا، فقدِم نبيُّ اللهِ ﷺ المدينةَ على تَفِئَةِ (٣) فعلِهم (٤) هذا، فأرادوا أن يَرْفَعوا ذلك إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فقال لهم رجلٌ مِن المنافقين: إن قَتيلَكم هذا قَتيلُ عَمْدٍ، متى ما تَرْفَعوه إلى محمدٍ أَخْشَى عليكم القَوَدَ، فإن قَبِل منكم الديةَ فخُذُوه، وإلا فكونوا منه على حَذَرٍ (٥). حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾. يقولُ: يُحَرِّفُ هؤلاء الذين لم يَأْتُوك الكلمَ عن مَواضعهِ، لا يَضَعونه على ما أنْزَله اللَّهُ. قال: وهؤلاء كلُّهم يهودُ، بعضُهم مِن بعضٍ (٦).

стр. 5714

حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا أبو مُعاويةَ وعَبيدةُ بنُ حُميدٍ، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللَّهِ بن مُرَّةَ، عن البَراءِ بن عازبٍ: ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾. يقولون: ائْتُوا محمدًا، فإن أفْتاكم بالتَّحْميمِ والجَلْدِ فخُذُوه، وإن أفْتاكم بالرجْمِ فاحْذَروا (١). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾. وهذا تَسْلِيةٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه نبيَّه محمدًا ﷺ مِن حزنِه على مُسارَعةِ الذين قصَّ قصتَهم مِن اليهودِ والمنافقين في هذه الآيةِ، يقولُ له تعالى ذكرُه: لا يَحْزُنُك تَسَرُّعُهم إلى جُحودِ نبوتِك، فإنى قد حتَمْتُ عليهم أنهم لا يَتُوبون مِن ضَلالتِهم، ولا يَرْجِعون عن كفرِهم، للسابقِ مِن غضَبى عليهم، وغيرُ نافعِهم حُزْنُك على ما تَرَى مِن تسرُّعِهم إلى ما جعَلْتُه سببًا (٢) لهلاكِهم، واستحقاقِهم وَعِيدى. ومعنى "الفتنةِ" في هذا الموضعِ الضلالةُ عن قَصْدِ السبيلِ، يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن يُرِدِ اللهُ يا محمدُ مَرْجِعَه بضَلالتِه عن سبيلِ الهُدَى، فلن تَمْلِكَ له مِن اللهِ استِنْقاذًا ممّا أراد اللَّهُ به مِن الحِيرةِ والضَّلالةِ، فلا تُشْعِرْ نفسَك الحزْنَ على ما فاتك مِن اهتدائِه للحقِّ. كما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ (٣).

стр. 5715

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : لا يَحْزُنْك الذين يُسارِعون في الكفرِ مِن اليهودِ الذين وصَفْتُ لك صفتَهم، فإن مُسارَعتَهم إلى ذلك أن اللَّهَ قد أراد فتنتَهم، وطبَع على قلوبِهم، فلا يَهْتَدون أبدًا، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾. يقولُ: هؤلاء الذين لم يُرِدِ اللَّهُ أن يُطَهِّرَ مِن دَنَسِ الكفرِ ووَسَخِ الشركِ قلوبَهم، بطهارةِ الإسلامِ ونظافةِ الإيمان فيَتوبُوا، بل أراد بهم الخزْىَ في الدنيا، وذلك الذلُّ والهَوانُ، وفى الآخرةِ عذابُ جَهنمَ خالدين فيها أبدًا. وبنحوِ الذي قلنا في معنى "الخزْى" رُوِى القولُ عن عكرمةَ. حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عليِّ بن الأَقْمَرِ (١) وغيرِه، عن عكرمةَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾. قال: مدينةٌ في الرومِ تُفْتَحُ فيُسْبَوْنَ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هؤلاء اليهودُ الذين وصَفْتُ لك يا محمدُ صفتَهم، سمَّاعون لِقيلِ الباطلِ والكذبِ، مِن قيلِ بعضِهم لبعضٍ: محمدٌ كاذبٌ ليس بنبيٍّ. وقِيلِ بعضِهم: إن حكمَ الزانى المُحْصَنِ في التوراةِ الجلدُ والتحميمُ. وغيرِ ذلك مِن الأباطيلِ والإفْكِ، ويَقْبَلون الرِّشَا، فيأْكُلونها على كَذِبِهم على اللَّهِ وفِرْيَتِهم عليه. كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا أبو عَقِيلٍ، قال:

стр. 5716

سمِعْتُ الحسنَ يقولُ في قولِه: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾. قال: تلك الحُكَّامُ، سَمِعوا كِذْبَةً، وأكَلوا رِشْوةً (١). حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾. قال: كان هذا في حُكَّامِ اليهودِ بينَ أيديكم، كانوا يَسْمَعون الكذِبَ ويَقْبَلون الرِّشَا (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مُجاهِدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾. قال: الرِّشْوةُ في الحكمِ، وهم يهودُ (٣). حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وَكيعٌ، وحدثنا سُفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبى وإسحاقُ الأزْرقُ، وحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾. قال: السُّحْتُ الرِّشْوةُ (٤). حدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ وواصلُ بنُ عبدِ الأعلى، قالا: ثنا ابن فُضَيْلٍ، عن الأعمشِ، عن سلمةَ بن كُهَيْلٍ، عن سالمِ بن أبى الجَعْدِ، قال: قيل لعبدِ اللَّهِ: ما السُّحْتُ؟ قال: الرِّشْوةُ. قالوا: في الحكمِ؟ قال: ذاك الكفرُ.

стр. 5717

حدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا غُنْدَرٌ ووَهْبُ بنُ جَريرٍ، عن شعبةَ، عن منصورٍ، عن سالمِ بن أبى الجَعْدِ، عن مَسْروقٍ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: السُّحْتُ الرِّشْوةُ (١). حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وَكِيعٌ، وحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن حُرَيْثٍ، عن عامرٍ، عن مسروقٍ، قال: قلنا لعبدِ اللَّهِ: ما كنَّا نُرَى السُّحْتَ إلا الرِّشْوةَ في الحكمِ. قال عبدُ اللَّهِ: ذاك الكفرُ (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن سالمِ بن أبى الجَعْدِ، عن مَسْروقٍ، عن عبدِ اللَّهِ، قال (٣): السُّحْتُ الرِّشَا؟ قال: نعم. حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عمارٍ الدُّهْنيِّ، عن سالمِ بن أبى الجَعْدِ، عن مَسْروقٍ، قال: سأَلْتُ عبدَ اللَّهِ عن السُّحْتِ، فقال: الرجلُ يَطْلُبُ الحاجةَ للرجلِ فيَقْضِيها، فيُهْدِى إليه فيَقْبَلُها (٤). حدَّثنا سَوَّارٌ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّلِ، قال ثنا شعبةُ، عن منصورٍ وسليمانَ الأعْمشِ، عن سالمِ بن أبى الجعدِ، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللَّهِ أنه قال: السُّحْتُ الرِّشَا. حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا المُحاربيُّ، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ، عن

стр. 5718

عبدِ اللَّهِ: السُّحْتُ، قال: الرِّشْوةُ في الدينِ (١). حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو مُعاويةَ، عن الأعمشِ، عن خَيْثَمةَ، قال: قال عمرُ: بابان (٢) مِن السُّحْتِ، الرِّشَا ومَهْرُ الزانيةِ (٣). حدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا أبى، عن سُفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: السُّحْتُ الرِّشْوةُ. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ قولَه: [﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾] (٤). قال: الرِّشَا (٥). حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وَكيعٌ، وحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنى أبى، عن طلحةَ، عن أبي هريرةَ، قال: مَهْرُ البَغِيِّ سُحْتٌ، وعَسْبُ الفَحْلِ (٦) سُحْتٌ، وكَسْبُ الحَجَّامِ سُحْتٌ، وثمنُ الكلبِ سُحْتٌ (٧).

стр. 5719

حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضَّحَّاكِ، قال: السُّحْتُ الرِّشْوةُ في الحكمِ (١). حدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو غَسَّانَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن حَكيمِ بن جُبيرٍ، عن سالمِ بن أبى الجَعْدِ، عن مسروقٍ، قال: سأَلْتُ ابنَ مسعودٍ عن السُّحْتِ، قال: الرِّشَا. فقلتُ: في الحكمِ؟ قال: ذاك الكفرُ (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾. يقولُ: للرِّشَا. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخْبَرَنا عبدُ الملكِ بنُ أبى سليمانَ، عن سلمةَ بن كُهَيْلٍ، عن مَسْروقٍ و (٣) علقمةَ، أنهما سأَلا ابنَ مسعودٍ عن الرِّشْوةِ، فقال: هي السُّحْتُ. قالا: في الحكمِ؟ قال: ذاك الكفرُ. ثم تلا هذه الآيةَ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن المَسْعوديِّ، عن بُكَيْرِ (٥) بن أبى بُكَيْرٍ (٦)، عن مسلمِ (٧) بنِ صُبَيْحٍ، قال: شفَع مَسْروقٌ لرجلٍ في حاجةٍ،

стр. 5720

فأهْدَى له جاريةً، فغضِب غضبًا شديدًا، وقال: لو علِمْتُ أنك تَفْعَلُ هذا ما كلَّمْتُ في حاجتِك، ولا أُكَلِّمُ فيما بقِى مِن حاجتِك، سمِعْتُ ابنَ مسعودٍ يقولُ: مَن شفَع شَفاعةً لِيَرُدَّ بها حقًّا، أو يَرْفَعَ بها ظلمًا، فأُهْدِى له فقبِل، فهو سُحْتٌ. فقيل له: يا أبا عبدِ الرحمنِ، ما كنا نُرَى ذلك إلا الأخذَ على الحكمِ. قال: الأخْذُ على الحكمِ كفرٌ. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾: وذلك أنهم أخَذوا الرِّشُوةَ في الحكمِ، وقضَوْا بالكذبِ (١). حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا عَبِيدةُ، عن عمارٍ، عن مسلمٍ بن صُبَيْحٍ، عن مسروقٍ، قال: سأَلْتُ ابنَ مسعودٍ عن السُّحْتِ، أهو الرِّشَا في الحكمِ؟ فقال: لا، مَن لم يَحْكُمْ بما أنْزَل اللَّهُ فهو كافرٌ، ومَن لم يَحْكُمْ بما أنْزَل اللَّهُ فهو ظالمٌ، ومَن لم يَحْكُمْ بما أنْزَل اللَّهُ فهو فاسقٌ، ولكنَّ السُّحْتَ؛ يَسْتَعِينُك الرجلُ على المَظْلِمةِ فتُعِينُه عليها، فيُهْدِى لك الهديةَ فتَقْبَلُها (٢). حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا ابن فُضَيْلٍ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن عبدِ (٣) اللَّهِ بن هبَيْرةَ السَّبَئيِّ، قال: مِن السُّحْتِ ثلاثةٌ؛ مَهْرُ البَغِيِّ، والرِّشْوةُ في الحكمِ، وما كان يُعْطَى الكُهَّانُ في الجاهليةِ (٤). حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا ابن مُطِيعٍ، عن حمادِ بن سلمةَ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ضَمْرةَ، عن عليِّ بن أبى طالبٍ أنه قال في كسبِ الحَجَّامِ، ومَهْرِ البَغِيِّ، وثمنِ

стр. 5721

الكلبِ، والاسْتِجْعالِ (١) في القضيةِ، وحُلْوانِ الكاهنِ (٢)، وعَسْبِ (٣) الفحلِ، والرِّشْوةِ في الحكمِ، وثمنِ الخمرِ، وثمنِ المَيْتةِ: مِن السُّحْتِ (٤). حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾. قال: الرِّشْوةُ في الحكمِ. حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: أخْبرَنى عبدُ الرحمنِ بنُ أبى المَوَالِ، عن عمرَ بن حمزةَ بن عبدِ اللَّهِ بن عمرَ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "كُلُّ لحمٍ أنْبَتَه السُّحْتُ فالنارُ أولى به". قيل: يا رسولَ اللَّهِ، وما السُّحْتُ؟ قال: "الرِّشْوةُ في الحكمِ" (٥). حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: أخْبرَنى عبدُ الجبارِ بنُ عمرَ، عن الحكمِ بن عبدِ اللَّهِ، قال: قال لى أنسُ بنُ مالكٍ: إذا انْقَلَبْتَ إلى أبيك فقُلْ له: إياك والرِّشْوةَ، فإنها سُحْتٌ. وكان أبوه على شُرَطِ المدينةِ. حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن منصورٍ، عن سالمٍ، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: الرِّشْوةُ سُحْتٌ. قال مَسْروقٌ: فقلْنا لعبدِ اللَّهِ: أفى الحكمِ؟ قال:

стр. 5722

لا. ثم قرَأ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، [المائدة: ٤٤، ٤٥، ٤٧]. وأصلُ السُّحْتِ كَلَبُ الجوعِ، يُقالُ منه: فلانٌ مَسْحوتُ المَعِدةِ. إذا كان أَكولًا لا يُلْقَى أبدًا إلا جائعًا. وإنما قيل للرِّشْوةِ: السُّحْتُ. تَشْبيهًا بذلك، كأنّ بالمُسْتَرْشِى مِن الشَّرَةِ إلى (١) أخْذِ ما يُعْطاه مِن ذلك، مثْلَ الذي بالمَسْحوتِ المَعِدةِ مِن الشَّرَهِ إلى الطعامِ. يقالُ منه: سَحَتَه وأَسْحَتَه. لغتان مَحْكِيَّتان عن العربِ، ومنه قولُ الفرزدقِ بن غالبٍ (٢): وعَضُّ زمانٍ يابنَ مَرْوانَ لم يَدَعْ … مِن المالِ إلا مُسْحَتًا أو مُجَلَّفُ (٣) يعنى بالمسحَتِ الذي قد اسْتَأْصَله هَلاكًا بأكْلِه إياه وإفْسادِه. ومنه قولُه تعالى: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ [طه: ٦١]. وتقولُ العربُ للحالقِ: أسْحِتِ الشعرَ. أي: اسْتَأْصِلْه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢)﴾. يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾: إن جاء هؤلاء القومُ الآخَرون الذين لم يَأْتُوك بعدُ، وهم قومُ المرأةِ البَغِيَّةِ، مُحْتَكِمين

стр. 5723

إليك، فاحْكُمْ بينَهم إن شئْتَ، بالحقِّ الذي جعَله اللَّهُ حُكْمًا له في مَن فعَل فِعْلَ (١) المرأةِ البَغِيةِ منهم، أو أعْرِضْ عنهم فدَعِ الحُكْمَ بينَهم إن شئْتَ، والخيارُ إليك في ذلك. وبمثلِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾: يهودُ، زنَى رجلٌ منهم له نَسَبٌ حَقيرٌ فرجَموه، ثم زنَى منهم شَريفٌ فحمَّموه ثم طافوا به، ثم استَفْتَوْا رسولَ اللَّهِ ﷺ ليُوافِقَهم. قال: فأفْتاهم فيه بالرجْمِ، فأنْكَروه، فأمَرهم أن يَدْعوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم، فناشَدَهم باللَّهِ: "أتَجِدونه في التوراةِ؟ " فكتَموه إلا رجلًا مِن أصغرِهم أعْورَ، فقال: كذَبوك يا رسولَ اللَّهِ، إنه لَفى التوراةِ (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى الليثُ، عن ابن شِهابٍ، أن الآيةَ التي في سورةِ "المائدةِ": ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾. كانت في شأنِ الرجْمِ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: إنهم أتَوْه - يعنى اليهودَ - في امرأةٍ منهم زنَت يَسْأَلونه عن عُقوبتِها، فقال لهم رسولُ اللَّهِ ﷺ : "كيف تَجِدونه مَكْتوبًا عندَكم في التَّوْراةِ؟ ". فقالوا: نُؤْمَرُ برجْمِ الزانيةِ. فأمَر بها رسولُ اللَّهِ ﷺ فرُجِمَت، وقد

стр. 5724

قال اللهُ ﵎: ﴿وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ عن عبدِ اللهِ بن كَثيرٍ قولِه: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾. قال: كانوا يَحُدُّون في الزنى، إلى أن زنَى شابٌّ منهم ذو شَرفٍ، فقال بعضُهم لبعضٍ: لا يَدَعُكم قومُه تَرْجُمونه، ولكن اجْلِدوه ومَثِّلوا به. فجلَدوه وحمَلوه على [إكافِ حمارٍ] (١)، وجعَلوا وجهَه مُسْتَقْبِلَ ذَنَبِ الحَمارِ، إلى أن زنَى آخرُ وَضيعٍ ليس له شرفٌ، فقالوا: ارْجُموه. ثم قالوا: فكيف لم تَرْجُموا الذي قبلَه؟ ولكن مثل ما صنَعْتُم به فاصْنَعوا بهذا. فلما كان النبيُّ ﷺ قالوا: سَلُوه، لعلكم تَجِدون عندَه رُخصةً. فنزَلَت: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾. إلى قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾. وقال آخَرون: بل نزَلَت هذه الآيةُ في قَتيلٍ قُتِل في يهودَ منهم، قتَله بعضُهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ وأبو كُرَيْبٍ، قالا: ثنا يونُسُ بنُ بُكَيْرٍ، عن محمدِ بن إسحاقَ، قال: ثنى داودُ بنُ الحُصينِ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: إن الآياتِ في "المائدة" قولَه: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿الْمُقْسِطِينَ﴾. إنما نزَلَت في الديةِ في بنى النَّضيرِ وبنى قُريظةَ، وذلك أن قَتْلى بني النَّضيرِ - و (٢) كان لهم شَرَفٌ - تُودَى الدية كاملةً، وإن قريظة كانوا يُودَوْنَ نصف الدية، فتَحاكَموا في ذلك إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فأنْزَل اللهُ ذلك فيهم، فحمَلهم رسولُ اللهِ ﷺ على الحقِّ

стр. 5725

في ذلك، فجعَل الديةَ في ذلك سواءً. واللهُ أعلمُ أيُّ ذلك كان (١). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عُبَيْدُ (٢) اللهِ بنُ موسى، عن عليِّ بن صالحٍ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: كانت قريظةُ والنَّضيرُ، وكان النَّضيرُ أشْرفَ مِن قُريظةَ، فكان إذا قتل رجلٌ مِن قُريظة رجلًا مِن النَّضِيرِ قُتِل به، وإذا قتل رجلٌ مِن النَّضيرِ رجلًا مِن قُريظةَ وَدَى (٣) مائةَ وَسْقِ تمرٍ، فلمَّا بُعِث رسولُ اللهِ ﷺ قتَل رجلٌ مِن النَّضيرِ رجلًا من قريظةً، فقالوا: ادْفَعوه إلينا (٤) فقالوا: بينَنا وبينَكم رسولُ اللهِ ﷺ . فنزَلت: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ (٥). حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: كان في حكمِ حُيَيِّ بن أَخْطَبَ: للنَّضَريِّ دِيَتان، والقُرَظيِّ دِيَةٌ؛ لأنه كان مِن النَّضيرِ. قال: وأَخْبَر الله نبيَّه ﷺ بما في التوراةِ، قال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ إلى آخرِ الآية. قال: فلمَّا رأَت ذلك قُرَيْظةُ، لم يَرْضَوا بحكمِ ابن أَخْطَبَ، فقالوا: نَتَحاكَمُ إلى محمدٍ. فقال اللهُ ﵎: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ فخيَّره، ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ الآية كلها.

стр. 5726

وكان الشريفُ إذا زنَى بالدَّنيئةِ رجَموها هي، وحمَّمُوا وجهَ الشريفِ، وحمَلوه على البعيرِ، و (١) جعَلوا وجْهَه مِن قِبَلِ ذَنَبِ البعيرِ، وإذا زنَى الدَّنيءُ بالشريفةِ رجَموه، وفعَلوا بها هي ذلك، فتَحاكَموا إلى النبيِّ ﷺ فرجَمَها. قال: وكان النبيُّ ﷺ قال لهم: "مَن أَعْلَمُكم بالتوراةِ؟ " قالوا: فلانٌ الأعْورُ (٢). فأَرْسَل إليه فأتاه، فقال: "أنت أعْلَمُهم بالتوراةِ؟ ". قال: كذاك تَزْعُمُ يَهودُ. فقال له النبيُّ ﷺ : "أَنْشُدُك باللهِ وبالتوراةِ التي أنْزَلَها على موسى يومَ طُورِ سَيْناءَ، ما تَجِدُ في التوراةِ في الزانِيَيْنِ؟ ". فقال: يا أبا القاسمِ، يَرْجُمون الدَّنِيئةَ، ويَحْمِلون الشريفَ على بعيرٍ، ويُحَمِّمون وجهَه، ويَجْعَلون وجهَه مِن قِبَلِ ذَنَبِ البعيرِ، ويَرْجُمون الدَّنيءَ إذا زنَى بالشريفةِ، ويَفْعَلون بها هي ذلك. فقال له النبيُّ ﷺ : "أَنْشُدُك باللهِ وبالتَّوراة التي أنْزَلَها على موسى يومَ طُورِ سَيْناءَ، ما تَجِدُ في التَّوراة؟ ". فجعَل يَروغُ والنبيُّ ﷺ يَنْشُدُه باللَّهِ وبالتَّوراةِ التي أنْزَلها على موسى يومَ طُورِ سَيْناءَ، حتى قال: يا أبا القاسمُ، الشيخُ والشيخةُ إذا زنَيا فارْجُموهما الْبَتَّةَ. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "فهو ذاك، اذْهَبوا بهما فارْجُمُوهما". قال عبدُ اللَّهِ: فكنتُ في مَن رجَمهما، فما زال يُحْنى عليها (٣) ويَقِيها الحجارةَ بنفسِه حتى مات (٤) ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في حكمِ هذه الآيةِ، هل هو ثابتٌ اليومَ؟ وهل للحُكَّامِ مِن الخيارِ في الحكمِ والنظَرِ بينَ أهلِ الذمةِ والعهدِ إذا احتَكموا إليهم مثلُ الذي جعَل لنبيِّه ﷺ في هذه الآيةِ، أم ذلك مَنْسوخٌ؟ فقال بعضُهم: ذلك ثابتٌ اليومَ لم يَنْسَخه شيءٌ، وللحُكَّامِ مِن الخياِر في كلِّ دهرٍ بهذه الآيةِ مثلُ ما جعلَه اللهُ

стр. 5727

لرسولِه ﷺ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، عن عمرِو بن أبي قيسٍ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ والشعبيِّ: إن رُفِع إليك أحدٌ من المشركين في قَضاءٍ، فإن شئتَ فاحْكُمْ بينهم بما أنْزَل اللهُ، وإن شئتَ أَعْرَضْتَ (١) عنهم. حدَّثنا ابن حُميد، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مُغيرةَ، عن الشعبيِّ وإبراهيمَ، قالا: إذا أتاك المشركون فحكَّموك، فاحْكُمْ بينهم أو أَعْرِضْ عنهم، وإن حكمْتَ فاحكُمْ بحكمِ المسلمين، ولا تَعْدُه إلى غيره. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، وحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وَكِيعٌ، عن سفيانَ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ والشعبيِّ: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾. قالا (٢): إن شاء حكم، وإن شاء لم يَحْكُمْ (٣). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن عَطاءٍ، قال: إن شاء حكَم، وإن شاء لم يَحْكُمْ (٤). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن محمدِ بن سالمٍ، عن الشعبيِّ، قال: إذا أتاك أهلُ الكتابِ بينَهم أمرٌ، فاحْكُمْ بينهم بحكمِ المسلمين، أو خلِّ عنهم وأهلَ دينِهم يَحْكُمون فيهم، إلا في سَرقِةٍ أو قتلٍ.

стр. 5728

حدَّثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال لى عطاءٌ: نحن مُخَيَّرون؛ إن شئْنا حكَمْنا بينَ أهلِ الكتابِ، وإن شئْنا أَعْرَضْنا فلم نَحْكُمْ بينَهم، وإن حكَمْنا بينَهم حكَمْنا بحكمِنا بينَنا، أو نَتْرُكُهم وحُكْمَهم بينَهم. قال ابن جُريج: وقال مثلَ ذلك عمرُو بنُ شُعَيْبٍ. وذلك قولُه: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ (١). حدَّثنا يعقوب، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أَخْبَرنا مُغيرةُ، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أَخْبَرنا هُشَيْمٌ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ والشعبِّي في قولِه: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾. قالا: إذا جاءوا إلى حاكمِ المسلمين، فإن شاء حكَم بينَهم وإن شاء أعْرَض عنهم، وإن حكَم بينَهم حكَم بينَهم بما في كتابِ اللهِ (٢). حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾. يقولُ: إن جاءوك فاحْكُمْ بينَهم بما أنْزَل اللهُ أو أعْرِضْ عنهم، فجعَل اللهُ له في ذلك رُخصةً، إن شاء حكَم بينَهم وإن شاء أعْرَض عنهم. حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ والشعبيِّ، قالا: إذا أتاك المشركون فحكَّموك فيما بينَهم، فاحْكُم بينَهم بحكمِ المسلمين ولا تَعْدُه إلى غيرِه، أو أعْرِضْ عنهم وخَلهم وأهلَ دينِهم (٣).

стр. 5729

وقال آخَرون: بل التَّخْيِيرُ مَنْسوخٌ، وعلى الحاكمِ إذا احْتَكم إليه أهلُ الذمةِ أن يَحْكُمَ بينَهم بالحقِّ، وليس له تركُ النظرِ بينَهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن يزيدَ النَّحْويِّ، عن عكرمةَ والحسنِ البصريِّ: فإن ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾: نُسِخَت بقولِه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (١) [المائدة: ٤٩]. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن السديِّ، عن عكرمةَ، قال: نسَخَتْها: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ ومحمدُ بنُ بشارٍ، قالا: ثنا ابن مَهْديٍّ، عن سفيانَ، عن السديِّ، قال: سمِعْتُ عكرمة يقولُ: نسَخَتْها: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٣). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن سفيانَ بن حسينٍ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ: لم يُنْسَخْ مِن "المائدة" إلا هاتان الآيتان: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ نسَخَتها: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾. وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ [المائدة: ٢]. نسختها: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٤) [التوبة: ٥].

стр. 5730

حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هُشَيْمٌ، عن منصورٍ، عن الحكمِ، عن مُجاهدٍ، قال: نسَخَتْها: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا حجاجُ بنُ مِنْهالٍ، قال: ثنا همامٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾: يعنى اليهودَ، فأمر اللهُ نبيَّه ﷺ أن يَحْكُم بينَهم، ورخَّص له أن يُعْرِضَ عنهم إن شاء، ثم أنْزَل اللهُ تعالى ذكرُه الآيةَ التي بعدها: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾. إلى قولِه: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [والمائدة: ٤٨]. فأمَر اللهُ نبيَّه ﷺ أن يَحْكُم بينَهم بما أَنْزَلَ اللهُ، بعدَ ما رخَّص له إن شاء أن يُعْرِضَ عنهم (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن عبد الكريمِ الجَزَريِّ، أن عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ كتب إلى عديِّ بن عديِّ: إذا جاءَك أهلُ الكتابِ فاحْكُمْ بينَهم (٣). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبرَنا الثَّورِيُّ، عن السديِّ، عن عكرمةَ، قال: نُسِخَت بقولِه: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ قولَه: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾. قال: مضَت السنةُ أن يُرَدُّوا

стр. 5731

في حقوقهم ومَواريثِهم إلى أهلِ دينِهم، إلا أن يَأْتوا راغبِيِن في حدٍّ يُحْكُمُ بينَهم فيه بكتابِ اللهِ (١). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ، قال: لمَّا نزَلَت: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾. كان النبي ﷺ إن شاء حكَم بينَهم وإن شاء أعْرَض عنهم، ثم نسَخَها فقال: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾. وكان مَجْبورًا على أن يَحْكُمَ بَينَهم (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ عمارٍ، قال: ثنا سعيدٌ بن سليمانَ، قال: ثنا عَبَّادُ بنُ العَوَّامِ، عن سفيانَ بن حسينٍ، عن الحكمِ عن مُجاهِدٍ، قال: آيتان نُسِخَتا مِن هذه السورة - يعنى "المائدة" - آيةُ القَلائدِ، وقولُه: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾. فكان النبيُّ ﷺ مُخَيَّرًا، إن شاء حكَم، وإن شاء أعْرَض عنهم، فردَّهم إلى (٣) أَن يَحْكُمَ بينَهم بما في كتابِنا (٤). وأولى القولين في ذلك عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: إن حكْمَ هذه الآيةِ ثابتٌ لم يُنسَخُ، وإن للحُكَّام - مِن الخيارِ في الحكمِ بينَ أهلِ العهدِ إذا ارْتَفَعوا إليهم فاحْتَكموا، وتَرْكِ الحكمِ بينَهم والنظر - مثلَ الذي جعَله اللهُ لرسولِه ﷺ مِن ذلك

стр. 5732

في هذه الآيةِ. وإنما قلنا: ذلك أَوْلاهما بالصوابِ؛ لأن القائلين: إن حكَم هذه الآيةِ مَنْسوخٌ. زعَموا أنه نُسِخ بقوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾. وقد دلَّلْنا في كتابِنا "كتابِ البيانِ عن أصولِ الأحكامِ" أن النسخُ لا يكونُ نَسْخًا إلا ما كان نفْيًا لحكمٍ غيرِه بكلِّ مَعانِيه، حتى لا يَجوزَ اجْتماعُ الحكمِ بالأمرَيْن جميعًا على صحتِه بوجهٍ مِن الوجوهِ، بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ. وإذ كان ذلك كذلك، وكان غيرَ مُستحيلٍ في الكلامِ أن يُقالَ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾. ومعناه: وأنِ احْكُم بينَهم بما أنْزَل اللهُ إذا حكَمْتَ بينَهم باختيارِك الحكمَ بينَهم، إذا اخْتَرْتَ ذلك، ولم تَخْتَرِ الإعراضَ عنهم. إذ كان قد تقَدَّم إعْلامُ المَقولِ له ذلك مِن قائلِه: إن له الخيارَ في الحكمِ وتَرْكِ الحكمِ - كان معلومًا بذلك ألّا دلالةَ في قوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾. أنه ناسخٌ قولَه: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾؛ لما وصَفْنا مِن احتمالِ ذلك ما بيَّنَّا، بل هو دليلٌ على مثلِ الذي دلَّ عليه قولُه: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾. وإذا لم يَكُنْ في ظاهر التنزيلِ دليل على نسخِ إحدى الآيتين الأخرى، ولا نفيِ أحدِ الأمرين حكَم الآخرِ، ولم يَكُنْ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ خبرٌ يَصِحُّ بأن أحدَهما ناسخٌ صاحبَه، ولا مِن المسلمين على ذلك إجماعٌ - صحَّ ما قلنا مِن أن كِلَا الأمْرَيْن يُؤَيِّدُ أحدُهما صاحبه، ويُوافِقُ حكمه حكمَه، ولا نسخَ في أحدِهما للآخَرِ. وأما قوله: ﴿وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾. فإن معناه: وإن تُعْرضُ يا محمدُ عن المحْتَكِمين إليك مِن أهلِ الكتابِ، فتَدَعَ النظر بينَهم فيما

стр. 5733

احْتَكَموا فيه إليك، فلا تَحْكُمَ فيه بينَهم، ﴿فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾. يقولُ: فلن يَقِدِروا لك على ضُرٍّ في دينٍ ولا دنيا، فدَعِ النظر بينَهم إذا اختَرْتَ تركَ النظرِ بينَهم. وأما قولُه: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾. فإن معناه: وإن اختَرْتَ الحكمَ والنظرَ يا محمدُ بين أهل العهدِ إِذا أَتَوْك، ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ وهو العَدْلُ، وذلك هو الحكمُ بما جعَله اللهُ حُكْمًا في مثلِه على جميعِ خلقهِ مِن أمة نبيِّنا ﷺ . وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال جماعةُ أهلِ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبَرنا مُغيرةَ، عن إبراهيمَ والشعبيِّ: ﴿إِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾. قالا: إن حكَم بينَهم حكَم بما في كتابِ اللهِ (١). حدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن العَوَّامِ بن حَوْشَبٍ، عن إبراهيمَ: ﴿إِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾. قال: أُمِر أن يَحْكُم فيهم بالرجمِ. حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هُشَيْمٌ، عن العوَّامِ، عن إبراهيمَ التِّيْميِّ في قوله: ﴿إِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾. قال: بالرجمِ (٢). حدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن

стр. 5734

مُجاهدٍ: ﴿بِالْقِسْطِ﴾: بالعدلِ. حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن العَوَّامِ بن حَوْشَبٍ، عن إبراهيمَ التَّيْمِيِّ في قولِه: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إ﴾. قال: أُمِر أن يَحْكُمَ بينَهم بالرجْمِ. وأما قولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾. فإن معناه: إن الله يُحِبُّ العادلين (١) في حكمِه بينَ الناسِ، القاضِين بينَهم بحكمِ اللهِ الذي أنْزَله في كتابِه وأمرِه (٢) أنبياءَه صلواتُ اللهِ عليهم. يقالُ منه: أقْسَط الحاكمُ في حكمِه، إذا عدَل وقضَى بالحقِّ، يُقْسِطُ إقْساطًا (٣). [وأما "قسَط" فمعناه الجَوْرُ] (٤)، ومنه قولُ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥]. يعني بذلك الجائرين عن الحقِّ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٣)﴾. يعني تعالى ذكرُه: وكيف يُحَكِّمُك هؤلاء اليهودُ يا محمدُ بينَهم، فيَرْضَوْن بك حَكَمًا بينَهم، وعندَهم التوراةُ التي أنْزَلْتُها على موسى، التي يُقِرُّون بها أنها حقٌّ، وأنها كتابي الذي أنزلتُه إلى نبيِّى، وأن ما فيه من حكمٍ فمن حكمى، يَعْلَمون ذلك لا يَتناكرونه ولا يَتَدافعونه، ويَعْلَمون أن حكمى فيها على الزاني المُحْصَنِ الرجمُ، وهم مع علمِهم بذلك ﴿يَتَوَلَّوْنَ﴾. يقولُ: يَتْرُكون الحكمَ به بعدَ العلمِ بحكمى فيه جراءةً عليَّ وعِصْيانًا لى.

стр. 5735

وهذا وإن كان مِن اللهِ تعالى ذكرُه خطابًا لنبيِّه ﷺ ، فإنه تَقْريعٌ منه لليهود الذين نزَلَت فيهم هذه الآيةُ، يَقولُ لهم تعالى ذكرُه: كيف تُقِرُّون أيُّها اليهودَ بحكمِ نبيِّى محمدٍ ﷺ مع جُحودِكم نُبُوَّته وتَكْذيبِكم إياه، وأنتم تَتْرُكون حُكْمى الذي تُقِرُّون به أنه حقٌّ عليكم واجبٌ جاءَكم به موسى مِن عِندِ اللَّهِ. يقولُ: فإذا كنتم تَتْرُكون حُكْمى الذي جاءَكم به موسى الذي تُقِرُّون بنبوتِه في كتابي، فأنتم بتركِ حكمى الذي يُخْبِرُكم به نبيِّى محمدٌ أنه حكمي، أحْرَى مع جُحودِكم نبوتَه. ثم قال تعالى ذكرُه مُخْبِرًا عن حالِ هؤلاء اليهودِ الذين وصَف صفتَهم في هذه الآيةِ عندَه، وحالِ نُظرائهم مِن الجائِرِين عن حكمِه، الزائلين عن مَحَجَّةِ الحقِّ، ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: ليس مَن فعَل هذا الفعلَ - أيْ: مَن تَوَلَّى عن حُكمِ اللهِ الذي حكَم به في كتابِه الذي أنْزَله على نبيِّه في خلقه - بالذي صدَّق الله ورسولَه، فأقَرَّ بتوحيده ونبوةِ نبيِّه ﷺ ؛ لأن ذلك ليس مِن فعلِ أهلِ الإيمانِ. وأصلُ التَّوَلِّي عن الشيءِ الانصرافُ عنه. كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن عبدِ اللهِ بن كَثِيرٍ: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾. قال: تَولِّيهم: ما تركوا مِن كتابِ اللهِ. حدَّثنا المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني مُعاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾. يعني حدودَ اللهِ، فأخْبَر اللهِ بحكمِه في التوراةِ (١). حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَعِنْدَهُمُ

стр. 5736

التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ أَي: بيانُ (١) ما تَشاجَروا فيه مِن شأنِ قَتيلِهم، ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ الآية (٢). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ، قال: قال - يعنى الربَّ تعالى ذكرُه - يُعَيِّرُهم: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾. يقولُ: الرجمُ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إنا أنْزَلنا التوراةَ فيها بيانُ ما سأَلَك هؤلاء اليهودُ عنه مِن حكمِ الزانَييْن المُحْصَنَيْن، ﴿وَنُورٌ﴾. يقولُ: وفيها جَلاءُ ما أَظْلَم عليهم، وضِياءُ ما الْتَبَس مِن الحُكْمِ، ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾. يقولُ: يَحْكُمُ بحكمِ التوراةِ في ذلك - أيْ: فيما احْتَكَموا إلى النبيِّ ﷺ فيه مِن أمرِ الزانيين ﴿النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾. وهم الذين أذْعَنوا لحكمِ اللهِ وأَقَرُّوا به. وإنما عنَى اللهُ تعالى ذكرُه بذلك نبيَّنا محمدًا ﷺ في حكمِه على الزانيين المُحْصَنين مِن اليهودِ بالرجمِ، وفى تَسْويتِه بينَ دمِ قَتْلَى النَّضِيرِ وقُرَيْظَةَ في القِصاصِ والديةِ، ومَن قَبْلَ محمدٍ مِن الأنبياءِ يَحْكُم بما فيها مِن حكمِ اللهِ. كما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾: يعنى النبيِّ ﷺ (٣).

стр. 5737

حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ ما كان يقولُ لما أُنْزِلَت هذه الآيةِ: "نحن نَحْكُمُ على اليهودِ وعلى مَن سِواهم مِن أهلِ الأديانِ" (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن الزهريِّ، قال: حدَّثنا رجلٌ مِن مُزَيْنةً ونحن عندَ سعيدِ بن المسيَّبِ، عن أبي هريرةَ، قال: زنَى رجلٌ مِن اليهودِ وامرأةٌ (٢)، فقال بعضُهم لبعضٍ: اذْهَبوا بنا إلى هذا النبيِّ، فإنه نبيٌّ بُعِث بتَخْفيفٍ، فإن أفْتانا بفُتْيا دونَ الرجمِ قبِلْناها، واحْتَجَجْنا بها عندَ اللَّهِ، وقلْنا: فُتْيا نبيٍّ مِن أنبيائِك. قال: فأتَوُا النبيَّ ﷺ وهو جالسٌ في المسجدِ في أصحابِه، فقالوا: يا أبا القاسمِ، ما تَقولُ في رجلٍ وامرأةٍ منهم زنَيا؟ فلم يُكلِّمْهم كلمةً، حتى أتَى بيتَ المِدْراسِ (٣)، فقام على البابِ فقال: "أَنْشُدُكم باللهِ الذي أَنزَل التوراةَ على موسى، ما تَجدون في التَّوْرَاةِ على مَن زنَى إِذا أَحْصَن؟ ". قالوا: يُحَمَّمُ ويُجَبَّهُ ويُجْلَدُ. والتَّجْبِيه أن يُحْمَلَ الزانيان على حمارٍ تُقابَلُ أَقْفِيتُهما، ويُطافَ بهما. وسكَت شابٌّ، فلما رآه سكَت ألَظَّ به النِّشْدةَ، فقال: اللهم إذ نشَدْتَنا، فإنا نَجِدُ في التَّوراةِ الرجمَ. فقال النبي ﷺ : "فما أولُ ما ارْتَخَصتم (٤) أَمْرَ اللَّهِ؟ ". قال: زنَى رجلٌ ذو قَرابةٍ مِن ملك مِن مُلوكِنا، فأخَّر عنه الرجم، ثم زنَى رجلٌ في

стр. 5738

أُسْرةٍ (١) مِن الناس، فأراد رجمَه، فحال قومُه دونَه، وقالوا: لا تَرْجُمْ صاحبَنا حتى تَجيءَ بصاحبِك فتَرْجُمَه. فاصْطَلحوا على هذه العقوبةِ بينَهم، قال النبيُّ ﷺ : "فإنى أَحْكُمُ بما في التوراةِ". فأمَر بهما فرُجِما. قال الزهريُّ: فبلَغَنا أن هذه الآيةَ نزَلَت فيهم: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾. فكان النبيُّ منهم (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾: النبيُّ ﷺ ومَن قَبلَه مِن الأنبياءِ يَحْكُمون بما فيها مِن الحقِّ. حدَّثنا المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هُشَيْمٌ، عن عوفٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾: يعنى النبيَّ ﷺ ، ﴿لِلَّذِينَ هَادُوا﴾: يعنى اليهودَ، فاحْكُمْ بينَهم ولا تَخْشَهم (٣). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ويَحْكُمُ بالتوراةِ وأحكامِها التي أنْزَل اللهُ فيها في كلِّ زمانٍ على ما أمَر بالحكمِ به فيها مع النبيين الذين أسلَموا - الربانيُّون والأحبارُ. والرَّبانيون جمعُ رَبَّانيٍّ، وهم العلماءُ الحكماءُ البُصَراءُ بسياسةِ الناسِ، وتَدْبيرِ

стр. 5739

أمورِهم، والقِيامِ بمصالحِهم. والأخْبارِ هم العلماءُ. وقد بيَّنا معنى "الربانيين" فيما مضَى بشَواهدِه، وأقوالَ أهلِ التأويلِ فيه (١). وأما الأحْبارُ، فإنهم جمعُ حَبْرٍ، وهو العالِمُ المُحْكِمُ للشيءِ، ومنه قيل لكعبٍ: كعبُ الأخبارِ. وكان الفَرَّاءُ يقولُ (٢): أكثرُ ما سمِعْتُ العربَ تقول في واحدِ الأخبارِ: حِبْرٌ. بكسرِ الحاءِ. وكان بعضُ أهلِ التأويلِ يقولُ: عُنِى بالربانيين والأحبارِ في هذا الموضعِ ابنا صُورِيَا اللذان أقَرَّا لرسولِ الله ﷺ بحكمِ اللهِ تعالى في التوراةِ على الزانيَيْن المُحْصَنَين. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ، قال: كان رجلان مِن اليهودِ أخوان يقالُ لهما: ابنا صُورِيَا. وقد اتَّبَعا النبيَّ ﷺ ولم يُسْلِما، وأعْطَياه عهدًا ألا يَسْأَلهما عن شيءٍ في التوراةِ إلا أَخْبَراه به، وكان أحدُهما رِبِّيًّا، والآخرُ حَبْرًا. وإنما اتَّبَعا النبيَّ ﷺ يَتَعَلَّمان منه، فدَعاهما فسأَلَهما، فأَخْبَراه الأمرَ كيف كان حينَ زنَى الشريفُ وزنَى المِسْكينُ، وكيف غيَّروه، فأنْزَل اللهُ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ يعنى النبيَّ ﷺ ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ هما ابنا صُورِيَا، للذين هادوا. ثم ذكر ابنَى صُوريَا، فقال: ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا

стр. 5740

مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ (١). والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أن يقالَ: إن الله تعالى ذكرُه أَخْبَر أَنَّ التوراةَ يَحْكُمُ بها مسلمو الأنبياءِ لليهودِ، والربانيون مِن خلقِه والأحْبارُ، وقد يَجوزُ أن يكونَ عُنِى بذلك ابنا صُورِيا وغيرُهما، غيرَ أنه قد دخَل في ظاهرِ التنزيلِ مسلمو الأنْبياءِ وكلُّ رَبانيٍّ وحَبْرٍ، ولا دَلالةَ في ظاهرِ التنزيلِ على أنه معنيٌّ به خاصٌّ مِن الربانيين والأحبارِ، ولا قامَت بذلك حجةٌ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لها، فكلُّ رَبَّانيٍّ وحَبْرٍ داخلٌ في الآيةِ بظاهرِ التنزيلِ. وبمثل الذي قلْنا في تأويلِ "الأحْبارِ" قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبي سلَمةَ، عن الضحاكِ. ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾: قُرَّاؤُهم وفُقهاؤُهم (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حفصٌ، عن أشْعَثَ، عن الحسن: ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾: الفقهاءُ والعلماءُ (٣). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيَيْنَةَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ: الرَّبّانيون العلماءُ الفُقهاءُ، وهم فوقَ الأحْبارِ (٤).

стр. 5741

حدَّثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: الرَّبّانيون فقهاءُ اليهودِ، والأحْبارُ علماؤُهم (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا سُنَيْدُ بن داودَ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن عكرمةَ: ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾: كلُّهم يَحْكُمُ بما فيها مِن الحقِّ. حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: الربانيون الوُلاةُ، والأحْبارُ العلماءُ. وأما قولُه: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾. فإن معناه: يَحْكُمُ النبيون الذين أسْلَموا بحكمِ التوراةِ، والرَّبّانيُّون والأحبارُ - يعنى العلماءَ - بما اسْتُودِعوا علمَه من كتابِ اللهِ الذي هو التوراةُ. والباءُ في قولِه: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا﴾ مِن صلِة ﴿الْأَحْبَارُ﴾. وأما قولُه: ﴿وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾. فإنه يعنى أن الربانيين والأحبارَ بما استُودِعوا مِن كتابِ اللهِ يَحْكُمون بالتوراةِ مع النبيين الذين أسْلَموا للذين هادوا، وكانوا على حكمِ النبيين الذين أسْلمَوا للذين هادوا شهداءَ أنهم قَضَوْا عليهم بكتابِ اللهِ الذي أَنْزَله على نبيِّه موسى وقَضائِه عليهم. كما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾: يعنى الربانيين والأحبار هم الشُّهداءُ لمحمدٍ ﷺ بما قال أنه حقٌّ جاء مِن عندِ اللهِ، فهو نبيُّ اللهِ محمدٌ، أتَتْه اليهودُ فقضَى بينَهم بالحقِّ (٢).

стр. 5742

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لعلماءِ اليهودِ وأحْبارِهم: لا تَخْشَوُا النَّاسَ فِي تَنْفِيدِ حُكْمى الذي حكَمْتُ به على عبادى وإمضائِه عليهم على ما أَمَرْتُ، فإنهم لا يَقْدِرون لكم على ضُرٍّ ولا نفعٍ إلا بإذنى، ولا تكْتُموا الرجمَ الذي جَعَلْتُه حكمًا في التوراةِ على الزانيَيْن المُحْصَنَيْن، ولكن اخْشَوْنى دونَ كلِّ أحدٍ مِن خلْقى؛ فإن النفعَ والضُّرَّ بيدى، وخافوا عقابي في كِتْمانِكم ما اسْتُحْفِظْتُم مِن كتابي. كما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضِّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾. يقولُ: لا تَخْشَوا الناسَ فتَكتُموا ما أَنْزَلْتُ (١). وأما قولُه: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. يقولُ: ولا تَأْخُذوا بتَرْكِ الحكمِ بآياتِ كتابي الذي أَنْزَلْتُه على موسى أيُّها الأحْبارُ عِوَضًا خَسيسًا، وذلك هو الثمنُ القليلُ. وإنما أراد تعالى ذكرُه نهيَهم عن أكل السُّحْتِ على تَحْريفِهم كتابَ اللهِ، وتَغْييرِهم حكمَه عما حكَم به في الزانيَيْن المُحْصَنَين، وغيرِ ذلك مِن الأحكامِ التي بدَّلوها طلبًا منهم للرِّشَا. كما حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. قال: لا تأْكُلوا السُّحْتَ على كتابي (٢).

стр. 5743

وقال مرَّةً أخرى، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. قال: لا تَأْخُذوا به رشوةً. حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾: [ولا تَأْخُذُوا طَمَعًا (١) قليلًا] (٢) على أن تَكْتُموا ما أَنْزَلْتُ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن كتم حُكْمَ اللهِ الذي أَنْزَله في كتابِه وجعَله حكمًا بينَ عبادِه، فأخْفاه وحكَم بغيرِه، كحكمِ اليهود في الزانِيَيْنِ المُحْصَنَيْن بِالتَّجْبِيهِ والتَّحْمِيمِ وكِتْمانِهم الرجمَ، وكقَضائهم في بعضِ قَتْلاهم بدِيَةٍ كاملةٍ وفى بعضٍ بنصفِ الديةِ، وفى الأشرافِ بالقصاصِ وفي الأدْنِياءِ بالديةِ، وقد سوَّى اللهُ بينَ جميعِهم في الحكمِ عليهم في التوراةِ - ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. يقولُ: هؤلاء الذين لم يَحْكُموا بما أَنْزَل الله في كتابه، ولكن بدَّلوا وغيَّروا حكمَه، وكتَموا الحقَّ الذي أنْزَله في كتابِه، ﴿هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. يقولُ: هم الذين ستَروا الحقَّ الذي كان عليهم كشْفُه وتبيينُه، وغَطَّوْه عن الناسِ، وأَظْهَروا لهم غيرَه، وقضَوْا به لسُّحْتٍ أَخَذُوه منهم عليه. وقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ "الكفرِ" في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم بنحوِ ما قلنا في ذلك، مِن أنه عَنَى به اليهود الذين حرَّفوا كتابَ اللَّهِ وبدَّلوا حكمه.

стр. 5744

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو مُعاويةَ، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللهِ بن مُرَّةَ، عن البَرَاءِ بن عارب، عن النبيِّ ﷺ في قولِه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]: "في الكافرين كلُّها" (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا محمد بن القاسمُ، قال: ثنا أبو حَيَّانَ، عن أبي صالح، قال: الثلاثُ الآياتُ التي في "المائدة": ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، ليس في أهل الإسلام منها شيءٌ، هي في الكفارِ (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أبي حَيَّانَ، عن الضَّحَّاكِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿الظَّالِمُونَ﴾، و ﴿الْفَاسِقُونَ﴾. قال: نزَلَت هؤلاء الآياتُ في أهلِ الكتابِ (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المُعْتَمِرُ بن سليمانَ، قال: سَمِعْتُ عِمْرانَ بنَ حُدَيْرٍ، قال: أتَى أبا مِجْلَزٍ ناسٌ مِن بنى عمرِو بن سَدُوسٍ، فقالوا: يا أبا مجْلَزٍ، أرأَيْتَ قولَ اللَّهِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ أحقٌّ هو؟ قال: نعم. قالوا: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ

стр. 5745

الظَّالِمُونَ﴾ أحقٌّ هو؟ قال: نعم. قالوا: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أحقٌّ هو؟ قال: نعم. قال: فقالوا: يا أبا مِجْلَزٍ، فيَحْكُمُ هؤلاء بما أنْزَل اللهُ؟ قال: هو دينُهم الذي يَدينون به، وبه يَقُولون، وإليه يَدْعُون، فإن هم تركوا شيئًا منه عرَفوا أنهم قد أصابوا ذَنْبًا. فقالوا: لا واللهِ، ولكنك تَفْرَقُ (١). قال: أنتم أولى بهذا منى، لا أَرَى [رأيَكم، وأنتم] (٢) تَرَوْن هذا ولا تَحَرَّجون، ولكنها أُنْزِلَت في اليهودِ والنصارى وأهلِ الشركِ. أو نحوًا مِن هذا (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا حمادٌ، عن عِمْرانَ بن حُدَيْرٍ، قال: قعد إلى أبي مِجْلَزٌ نفر مِن الإباضيَّةِ. قال: فقالوا له: يقولُ اللهُ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. قال أبو مِجْلَزٍ: إنهم يَعْمَلُون بما يَعْمَلُون - يعنى الأمراءَ - ويَعْلَمون أنه ذنْبٌ. قال: وإنما أُنزِلَت هذه الآيةُ في اليهودِ والنصارى. قالوا: أما واللهِ إنك لَتَعْلَمُ مثل ما نَعْلَمُ، ولكنك تَخْشاهم. قال: أنتم أحقُّ بذلك منا، أمّا نحن فلا نَعْرِفُ ما تَعْرِفون، ولكنكم تَعْرِفونه، ولكن يَمْنَعُكم أن تُقْضُوا أمرَكم مِن خشيتِهم. حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ قال: ثنا أبيِ، عن سفيانَ، عن حَبيبِ بن أبى ثابتٍ، عن أبي البَخْتَريِّ، عن حُذيفةَ في قولِه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. قال: نِعْمَ الإخْوةُ لكم بنو إسرائيلَ؛ إن كانت لكم كلُّ حُلوةٍ، ولهم كلُّ مُرَّةٍ، ولَتَسْلُكُنَّ
следующие страницы →