← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 5741–5780 · переход к 5746.

стр. 5741

حدَّثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: الرَّبّانيون فقهاءُ اليهودِ، والأحْبارُ علماؤُهم (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا سُنَيْدُ بن داودَ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن عكرمةَ: ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾: كلُّهم يَحْكُمُ بما فيها مِن الحقِّ. حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: الربانيون الوُلاةُ، والأحْبارُ العلماءُ. وأما قولُه: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾. فإن معناه: يَحْكُمُ النبيون الذين أسْلَموا بحكمِ التوراةِ، والرَّبّانيُّون والأحبارُ - يعنى العلماءَ - بما اسْتُودِعوا علمَه من كتابِ اللهِ الذي هو التوراةُ. والباءُ في قولِه: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا﴾ مِن صلِة ﴿الْأَحْبَارُ﴾. وأما قولُه: ﴿وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾. فإنه يعنى أن الربانيين والأحبارَ بما استُودِعوا مِن كتابِ اللهِ يَحْكُمون بالتوراةِ مع النبيين الذين أسْلَموا للذين هادوا، وكانوا على حكمِ النبيين الذين أسْلمَوا للذين هادوا شهداءَ أنهم قَضَوْا عليهم بكتابِ اللهِ الذي أَنْزَله على نبيِّه موسى وقَضائِه عليهم. كما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾: يعنى الربانيين والأحبار هم الشُّهداءُ لمحمدٍ ﷺ بما قال أنه حقٌّ جاء مِن عندِ اللهِ، فهو نبيُّ اللهِ محمدٌ، أتَتْه اليهودُ فقضَى بينَهم بالحقِّ (٢).

стр. 5742

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لعلماءِ اليهودِ وأحْبارِهم: لا تَخْشَوُا النَّاسَ فِي تَنْفِيدِ حُكْمى الذي حكَمْتُ به على عبادى وإمضائِه عليهم على ما أَمَرْتُ، فإنهم لا يَقْدِرون لكم على ضُرٍّ ولا نفعٍ إلا بإذنى، ولا تكْتُموا الرجمَ الذي جَعَلْتُه حكمًا في التوراةِ على الزانيَيْن المُحْصَنَيْن، ولكن اخْشَوْنى دونَ كلِّ أحدٍ مِن خلْقى؛ فإن النفعَ والضُّرَّ بيدى، وخافوا عقابي في كِتْمانِكم ما اسْتُحْفِظْتُم مِن كتابي. كما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضِّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾. يقولُ: لا تَخْشَوا الناسَ فتَكتُموا ما أَنْزَلْتُ (١). وأما قولُه: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. يقولُ: ولا تَأْخُذوا بتَرْكِ الحكمِ بآياتِ كتابي الذي أَنْزَلْتُه على موسى أيُّها الأحْبارُ عِوَضًا خَسيسًا، وذلك هو الثمنُ القليلُ. وإنما أراد تعالى ذكرُه نهيَهم عن أكل السُّحْتِ على تَحْريفِهم كتابَ اللهِ، وتَغْييرِهم حكمَه عما حكَم به في الزانيَيْن المُحْصَنَين، وغيرِ ذلك مِن الأحكامِ التي بدَّلوها طلبًا منهم للرِّشَا. كما حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. قال: لا تأْكُلوا السُّحْتَ على كتابي (٢).

стр. 5743

وقال مرَّةً أخرى، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. قال: لا تَأْخُذوا به رشوةً. حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾: [ولا تَأْخُذُوا طَمَعًا (١) قليلًا] (٢) على أن تَكْتُموا ما أَنْزَلْتُ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن كتم حُكْمَ اللهِ الذي أَنْزَله في كتابِه وجعَله حكمًا بينَ عبادِه، فأخْفاه وحكَم بغيرِه، كحكمِ اليهود في الزانِيَيْنِ المُحْصَنَيْن بِالتَّجْبِيهِ والتَّحْمِيمِ وكِتْمانِهم الرجمَ، وكقَضائهم في بعضِ قَتْلاهم بدِيَةٍ كاملةٍ وفى بعضٍ بنصفِ الديةِ، وفى الأشرافِ بالقصاصِ وفي الأدْنِياءِ بالديةِ، وقد سوَّى اللهُ بينَ جميعِهم في الحكمِ عليهم في التوراةِ - ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. يقولُ: هؤلاء الذين لم يَحْكُموا بما أَنْزَل الله في كتابه، ولكن بدَّلوا وغيَّروا حكمَه، وكتَموا الحقَّ الذي أنْزَله في كتابِه، ﴿هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. يقولُ: هم الذين ستَروا الحقَّ الذي كان عليهم كشْفُه وتبيينُه، وغَطَّوْه عن الناسِ، وأَظْهَروا لهم غيرَه، وقضَوْا به لسُّحْتٍ أَخَذُوه منهم عليه. وقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ "الكفرِ" في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم بنحوِ ما قلنا في ذلك، مِن أنه عَنَى به اليهود الذين حرَّفوا كتابَ اللَّهِ وبدَّلوا حكمه.

стр. 5744

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو مُعاويةَ، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللهِ بن مُرَّةَ، عن البَرَاءِ بن عارب، عن النبيِّ ﷺ في قولِه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]: "في الكافرين كلُّها" (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا محمد بن القاسمُ، قال: ثنا أبو حَيَّانَ، عن أبي صالح، قال: الثلاثُ الآياتُ التي في "المائدة": ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، ليس في أهل الإسلام منها شيءٌ، هي في الكفارِ (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أبي حَيَّانَ، عن الضَّحَّاكِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿الظَّالِمُونَ﴾، و ﴿الْفَاسِقُونَ﴾. قال: نزَلَت هؤلاء الآياتُ في أهلِ الكتابِ (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المُعْتَمِرُ بن سليمانَ، قال: سَمِعْتُ عِمْرانَ بنَ حُدَيْرٍ، قال: أتَى أبا مِجْلَزٍ ناسٌ مِن بنى عمرِو بن سَدُوسٍ، فقالوا: يا أبا مجْلَزٍ، أرأَيْتَ قولَ اللَّهِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ أحقٌّ هو؟ قال: نعم. قالوا: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ

стр. 5745

الظَّالِمُونَ﴾ أحقٌّ هو؟ قال: نعم. قالوا: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أحقٌّ هو؟ قال: نعم. قال: فقالوا: يا أبا مِجْلَزٍ، فيَحْكُمُ هؤلاء بما أنْزَل اللهُ؟ قال: هو دينُهم الذي يَدينون به، وبه يَقُولون، وإليه يَدْعُون، فإن هم تركوا شيئًا منه عرَفوا أنهم قد أصابوا ذَنْبًا. فقالوا: لا واللهِ، ولكنك تَفْرَقُ (١). قال: أنتم أولى بهذا منى، لا أَرَى [رأيَكم، وأنتم] (٢) تَرَوْن هذا ولا تَحَرَّجون، ولكنها أُنْزِلَت في اليهودِ والنصارى وأهلِ الشركِ. أو نحوًا مِن هذا (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا حمادٌ، عن عِمْرانَ بن حُدَيْرٍ، قال: قعد إلى أبي مِجْلَزٌ نفر مِن الإباضيَّةِ. قال: فقالوا له: يقولُ اللهُ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. قال أبو مِجْلَزٍ: إنهم يَعْمَلُون بما يَعْمَلُون - يعنى الأمراءَ - ويَعْلَمون أنه ذنْبٌ. قال: وإنما أُنزِلَت هذه الآيةُ في اليهودِ والنصارى. قالوا: أما واللهِ إنك لَتَعْلَمُ مثل ما نَعْلَمُ، ولكنك تَخْشاهم. قال: أنتم أحقُّ بذلك منا، أمّا نحن فلا نَعْرِفُ ما تَعْرِفون، ولكنكم تَعْرِفونه، ولكن يَمْنَعُكم أن تُقْضُوا أمرَكم مِن خشيتِهم. حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ قال: ثنا أبيِ، عن سفيانَ، عن حَبيبِ بن أبى ثابتٍ، عن أبي البَخْتَريِّ، عن حُذيفةَ في قولِه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. قال: نِعْمَ الإخْوةُ لكم بنو إسرائيلَ؛ إن كانت لكم كلُّ حُلوةٍ، ولهم كلُّ مُرَّةٍ، ولَتَسْلُكُنَّ

стр. 5746

طريقَهم قِدَى (١) الشِّراكِ (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أبي حَيَّانَ، عن الضحاكِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿الظَّالِمُونَ﴾، و ﴿الْفَاسِقُونَ﴾. قال: نزَلَت هؤلاء الآياتُ في أهلِ الكتابِ (٣). حدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا وَكِيعٌ، عن سفيانَ، عن حَبيبِ بن أبي ثابتٍ، عن أبي البَخْتَريِّ، قال: قيل لحذيفةَ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. ثم ذكَر نحوَ حديثِ ابن بشارٍ، عن عبدِ الرحمنِ. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن حَبيبِ بن أبي ثابتٍ، عن أبي البَخْتَريِّ، قال: سأل رجلٌ حُذيفةَ عن هؤلاء الآياتِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. قال: فقيل: ذلك في بني إسرائيلَ؟ قال: نِعْمَ الإخْوةُ لكم بنو إسرائيلَ، إن كانت لهم كلُّ مُرَّةٍ، ولكم كلُّ حُلوةٍ، كلا واللهِ، لتَسْلُكُنَّ طريقَهم قِدَى (١) الشِّراكِ (٤) حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنا الثوريُّ، عن رجلٍ، عن عكرمةَ، قال: هؤلاء الآياتُ في أهلِ الكتابِ (٥).

стр. 5747

حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾: ذُكِر لنا أن هؤلاء الآياتِ أُنْزِلَت في قتيلِ (١) اليهودِ الذي كان منهم. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن عكرمةَ قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿الظَّالِمُونَ﴾ و ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ لأهلِ الكتابِ كلِّهم؛ لما تركوا مِن كتابِ اللهِ. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللهِ بن مُرَّةَ، عن البَرَاءِ بن عازبٍ، قال: مُرَّ على النبيِّ ﷺ يَهوديٍّ مُحَمَّمٍ مَخْلودٍ، فدعاهم فقال: "هكذا تَجدون حَدَّ مَن زنَى؟ " قالوا: نعم. فدعا رجلًا مِن علمائهم، فقال: "أَنْشُدُك الله الذي أنْزَل التوراةَ على موسى، هكذا تَجِدون حدَّ الزانى في كتابِكم؟ " قال: لا، ولولا أنك نَشَدْتَني (٢) بهذا لم أُخْبِرْك، نجدُه في كتابِنا الرجمَ، ولكنَّه كثُر في أشْرافِنا، فكنا إذا أَخَذْنا الشريف ترَكْناه، وإذا أخَذْنا الوَضيعِ أقَمْنا عليه الحدَّ، فقلْنا: تَعالَوْا فَلْتَجْتَمِعْ جَمِيعًا على التَّحْمِيمِ والجَلْدِ مكانَ الرجمٍ. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "اللهم إنى أولُ مَن أَحْيَا أَمْرَك إِذ أَمَاتُوه". فَأَمَر به فرُجِم، فأَنْزَل اللَّهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [المائدة: ٤١]. إلى قولِه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ يعنى اليهودَ، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ يعنى اليهودَ، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ للكفار كلُّها (٣).

стр. 5748

حدَّثني يونُسُ بن عبد الأعلى، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. قال: مَن حكَم بكتابِه الذي كتَب بيدِه، وترَك كتابَ اللهِ، وزعَم أن كتابه هذا مِن عندِ اللهِ فقد كفَر (١). حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا أبو مُعاويةَ، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللَّهِ بن مُرَّةَ، عن البَرَاءِ بن عازبٍ، عن النبيِّ ﷺ ، نحوَ حديثِ القاسمِ، عن الحسينِ (٢)، غيرَ أن هَنَّادًا قال في حديثِه: فقلنا: تَعالَوْا فَلْنَجْتَمِعْ في شيءٍ نُقِيمُه على الشريفِ والضعيفِ. فاجْتَمَعْنا على التَّحْمِيمِ والجَلْدِ مكانَ الرجمِ. وسائرُ الحديثِ نحوَ حديثِ القاسمِ. حدَّثنا الربيعُ، قال: ثنا ابن وهبٍ، قال: ثنا ابن أبى الزِّنادِ، عن أبيه، قال: كنا عندَ عبيدِ اللهِ بن عبدِ اللَّهِ بن عُتْبَةَ بن مسعودٍ، فذكَر رجلٌ عِندَه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. فقال عبيدُ اللهِ: أمَا واللهِ إن كثيرًا مِن الناس يَتَأَوَّلون هؤلاء الآياتِ على ما لم يَنْزِلْنَ عليه، وما أُنْزِلْنَ إلا في حيَّيْن مِن يهودَ. ثم قال: هم قُريظةُ والنَّضيرُ، وذلك أن إحدى الطائفتَيْن كانت قد غزَت الأُخرى وقهَرَتْها قبلَ قُدومِ النبيِّ ﷺ المدينةَ، حتى ارْتَضَوْا واصْطَلحوا على أن كلَّ قتيل قتَلَتْه العَزيزةُ مِن الذَّليلةِ، فدِيَتُه خمسون وَسْقًا، وكلَّ قَتيلٍ قتَلَته الذَّليلةُ مِن العزيزة، فدِيتُه مائةُ وَسْقٍ، فأَعْطَوْهِم فَرَقًا وضَيْمًا، فقدم النبيُّ ﷺ وهم على ذلك، فذلَّت الطائفتان بمقْدَمِ النبيِّ ﷺ ، والنبيَّ ﷺ لم يَظْهَرُ عليهما، فبَيْنا هما على ذلك، أصابَت الذَّليلةُ مِن العَزيزةِ قتيلًا، فقالت العزيزةُ: أعْطُونا مائةَ وَسْقٍ. فقالت الذَّليلةُ: وهل كان هذا قطُّ

стр. 5749

في [حيَّيْن دينُهما واحدٌ، وبلدُهما] (١) واحدٌ، ديةُ بعضِهم ضعفُ ديةِ بعضٍ! إنما أعْطَيْناكم هذا فَرَقًا منكم وضَيْمًا، فاجْعَلوا بينَنا وبينَكم محمدًا (٢). فتراضَيَا على أن يَجْعَلُوا النبيَّ ﷺ بينَهم، ثم إن العزيزة تذاكرتْ (٣) بينَها، فخشِيَت ألا يُعْطِيَها النبيُّ ﷺ مِن أصحابها ضِعفَ ما تُعْطى أصحابَها منها، فدَسُّوا إلى النبيِّ ﷺ إخْوانَهم مِن المنافقين، فقالوا لهم: اخْبُرُوا لنا رأْىَ محمدٍ (٢)، فإن أعطانا ما نُرِيدُ حكَّمناه، وإن لم يُعْطِنَا حَذِرْناه ولم نُحَكِّمُه. فذهَب المنافِقُ إلى النبيِّ ﷺ ، فأَعْلَم اللهُ تعالى ذكرُه النبيَّ ﷺ ما أرادوا مِن ذلك الأمرِ كلِّه. قال عبيدُ اللهِ: فأنْزَل اللهُ تعالى ذكرُه فيهم: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ هؤلاء الآياتِ كلَّهن، حتى بلَغ: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ إلى: ﴿لَفَاسِقُونَ﴾. قرَأ عبيدُ اللَّهِ ذلك آيةً آيةً، وفَسَّرها على ما أُنْزِل، حتى فرَغ مِن (٤) تفسيرِ ذلك لهم في الآياتِ، ثم قال: إنما عُنِى بذلك يهودُ، وفيهم أُنْزِلَت هذه الصفةُ (٥). وقال بعضُهم: عُنِى بالكافرين أهلُ الإسلامِ، وبالظالمين اليهودُ، وبالفاسقين النصارَى. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ قال: ثنا أبي، عن زكريا، عن عامرٍ، قال: نزَلَت:

стр. 5750

﴿الْكَافِرُونَ﴾ في المسلمين، ﴿الظَّالِمُونَ﴾ في اليهود، و ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ في النصارَى. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، عن سفيانَ، عن ابن أبي السَّفَرِ، عن الشعبيِّ، قال: ﴿الْكَافِرُونَ﴾ في المسلمين، ﴿الظَّالِمُونَ﴾ في اليهودِ، و ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ في النصارى. حدَّثنا ابن وكيعٍ وأبو السائبِ وواصلُ بنُ عبدِ الأعلى، قالوا: ثنا ابن فُضَيْلٍ، عن ابن شُبْرُمةَ، عن الشعبيِّ، قال: آيةٌ فينا، وآيتان في أهلِ الكتابِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، فينا، وفيهم: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ و ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ في أهلِ الكتابِ (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، مثلَ حديثِ زكريا عنه (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الصمدِ بنُ عبدِ الوارثِ، قال: ثنا شعبةُ، عن ابن أبي السَّفَرِ، عن الشعبيِّ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. قال: هذا في المسلمين، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. قال: النَّصارى (٣). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبَرنا زكريا بنُ أبي زائدةَ، عن الشعبيِّ، قال في هؤلاء الآياتِ التي في "المائدةِ": ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. قال: فينا أهل الإسلام، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا

стр. 5751

أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. قال: في اليهودِ، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ قال: في النصارَى (١). حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن زكريا بن أبي زائدةَ، عن الشعبيِّ في قولِه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. قال: نزَلَت الأولى في المسلمين، والثانيةُ في اليهودِ، والثالثةُ في النصارى. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن زكريا، عن الشعبيِّ بنحوِه (٢). حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا يَعْلَى، عن زكريا، عن عامرٍ بنحوِه. وقال آخرون: بل عُنِىَ بذلك كفرٌ دونَ كفرٍ، وظلمٌ دونَ ظلمٍ، وفسقٌ دون فسقٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ قولَه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. قال: كفرٌ دونَ كفرٍ، وفسقٌ دونَ فسقٍ، وظلمٌ دونَ ظلمٍ (٣).

стр. 5752

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن أيوبَ، عن عطاءٍ مثلَه. حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا حمادٌ، عن أيوبَ بن أبي تَمِيمةَ، عن عطاءِ بن أبي رباحٍ بنحوِه (١). حدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا وَكِيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ بنحوِه. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ بنحوِه. حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وكيع، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن سعيدٍ المَكيِّ، عن طاوسٍ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. قال: ليس بكفرٍ يَنْقُلُ عن الملِة. حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وَكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن مَعْمَرٍ بن راشدٍ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. قال: هي به كفرٌ، وليس كفرًا باللهِ وملائكتِه وكتبِه ورسلِه (٢). حدَّثني الحسنُ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن سفيانَ، عن مَعْمَرٍ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه، قال: قال رجلٌ لابنِ عباسٍ في هذه الآياتِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾: فمَن فعَل هذا فقد كفَر؟ قال ابن عباسٍ: إذا فعَل ذلك فهو به كفرٌ، وليس كمَن كفَر باللهِ واليومِ الآخرِ وبكذا وكذا.

стр. 5753

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه، قال: سُئِل ابن عباسٍ عن قولِه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. قال: هي به كفرٌ. قال ابن طاوسٍ: وليس كمن كفَر باللهِ وملائكتِه وكتبِه ورسلِه (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا الثوريُّ، عن رجلٍ، عن طاوسٍ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. قال: كفرٌ لا يَنْقُلُ عن الملِة. قال: وقال عطاءٌ: كفر دونَ كفرٍ، وظلمٌ دونَ ظلمٍ، وفسقٌ دونَ فسقٍ (٢). وقال آخَرون: بل نزَلَت هذه الآياتُ في أهلِ الكتابِ، وهى مرادٌ بها جميعُ الناسِ مسلموهم وكفارُهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا الثوريُّ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: نزَلَت هذه الآياتُ في بني إسرائيلَ، ورَضِي لهذه الأُمَّةِ بها (٣). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. قال: نزَلَت في بني إسرائيلَ، ورضى لكم بها.

стр. 5754

حدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ في هذه الآيةِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. قال: نزَلَت في بني إسرائيلَ، ثم رَضِى بها لهؤلاء. حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرنا هُشَيْمٌ، عن عوفٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. قال: نزَلَت في اليهودِ، وهى علينا واجبةٌ (١). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخْبرَنا عبدُ الملكِ بنُ أبي سُلَيمانَ (٢)، عن سلَمةَ بن كُهَيْلٍ، عن علقمةً ومسروقٍ، أنهما سأَلا ابنَ مسعودٍ عن الرِّشْوةِ، فقال: مِن السُّحْتِ. قال: فقالا: أفي الحكم؟ قال: ذاك الكفرُ. ثم تلا هذه الآيةَ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾. يقولُ: ومَن لم يَحْكُمْ بما أَنْزَلْتُ، فترَكَه عمدًا، وجار وهو يَعْلَمُ، فهو مِن الكافرِين (٤). وقال آخَرون: معنى ذلك: ومَن لم يَحْكُم بما أنزل اللَّهُ جاحدًا به، فأما الظلمُ والفسقُ فهو للمُقِرِّ به. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن

стр. 5755

عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. قال: مَن جحَد ما أنزل الله فقد كفر، ومَن أَقرَّ به ولم يَحْكُمْ فهو ظالمٌ فاسقٌ (١). وأولى هذه الأقوالِ عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: نزَلَت هذه الآياتُ في كفارِ أهلِ الكتابِ. لأن ما قبلَها وما بعدَها مِن الآياتِ فيهم (٢) نزَلَت، وهم المَعْنِيُّون بها، وهذه الآيات سياقُ الخبر عنهم، فكونها خبرًا عنهم أولى. فإن قال قائلٌ: فإن اللَّهَ تعالى ذكرُه قد عمَّ بالخبرِ بذلك عن جميعِ مَن لم يَحْكُمْ بما أَنْزَل الله، فكيف جَعَلْتَه خاصًّا؟ قيل: إن الله تعالى عمَّ بالخبرِ بذلك عن قومٍ كانوا بحكمِ اللَّهِ الذي حكَم به في كتابِه جاحِدِين، فأخْبَر عنهم أنهم بتركِهم الحكمَ على سبيلِ ما ترَكوه كافرون، وكذلك القولُ في كلِّ مَن لم يَحْكُمْ بما أَنْزَلَ اللَّهُ جاحدًا به، هو باللَّهِ كافرٌ، كما قال ابن عباسٍ؛ لأنه بجُحودِه حُكْمَ اللَّهِ بعدَ علمِه أنه أنْزَله في كتابِه نظيرُ جحودِه نبوةَ نبيِّه بعدَ علمِه أنه نبيٌّ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكتَبْنا على هؤلاء اليهود الذين يُحَكِّمونك يا محمدُ وعندَهم التوراةُ فيها حكمُ اللَّهِ. ويعنى بقوله: ﴿وَكَتَبْنَا﴾: وفرَضْنا عليهم فيها أن يَحْكُموا في النفسِ إذا

стр. 5756

قتَلَتْ نفسًا بغير حقٍّ، ﴿بِالنَّفْسِ﴾ يعنى: أن تُقْتَلَ النفسُ القاتلةُ بالنفسِ المَقْتولةِ. ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ يقولُ: وفرَضْنا عليهم فيها أن يَفْقَئوا العينَ التي فقَأ صاحبُها مثلَها مِن نفسٍ أُخرى بالعينِ المفقوءةِ، ويُجْدَعَ الأَنفُ بالأنفِ، وتُقْطَعَ الأذنُ بالأذنِ، وتُقلَعَ السنُّ بالسنِّ، ويُقْتَصَّ مِن الجارحِ غيرَه ظُلْمًا للمَجْروحِ. وهذا إخبارٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ عن اليهودِ، وتَعْزيةٌ منه له عن كفرِ مَن كفَر منهم به بعد إقْرارِه بنبوتِه، وإدْبارِه عنه بعدَ إقبالِه، وتعريفٌ منه له جَراءتَهم قديمًا وحديثًا على ربِّهم وعلى رسلِ ربِّهم، وتَقَدُّمَهم على كتابِ اللَّهِ بالتحريفِ والتَّبْديلِ. يقولُ تعالى ذكرُه له: وكيف يَرْضَى هؤلاء اليهودُ يا محمدُ بحكمِك إذ جاءوا يُحَكِّمونك وعندَهم التوراةُ التي يُقِرُّون بها أنها كتابي ووحْيِى إلى رسولى موسى، فيها حُكْمى بالرجمِ على الزُّناةِ المُحْصَنِين، وقَضائي بينَهم أن مَن قتَل نفسًا ظلمًا فهو بها قَوَدٌ، ومَن فقَأ عينًا بغيرِ حقٍّ فعينُه بها مَفْقوءةٌ قِصاصًا، ومَن جدَع أَنْفًا فأنفُه به مَجْدوعٌ، ومَن قلع سِنًّا فسِنُّه بها مَقْلوعةٌ، ومَن جرَح غيرَه جُرْحًا فهو مُقْتَصٌّ منه مثلُ الجُرْحِ الذي جرَحه؟ ثم هم مع الحكم الذي عندَهم في التوراةِ مِن أحكامى يَتَوَلَّوْن عنه، ويَتْرُكون العملَ به. يقولُ: فهم بتركِ حكمِك، وبسُخْطِ قَضائِك بينَهم أخرَى وأَوْلَى. وبنحوِ ما قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: لمَّا رأَتْ قُرَيْظة النبيَّ ﷺ قد حكَم بالرجمِ، وكانوا يُخْفُونه في كتابِهم، نهَضَت قُرَيظةُ فقالوا: يا محمدُ، اقْضِ بينَنا وبينَ إخْوانِنا بنى النَّضيرِ. وكان بينهم دمٌ قبلَ قُدومِ

стр. 5757

النبيِّ ﷺ ، وكانت النَّضيرُ يَتَعَزَّزُون على بنى قُرَيظةَ، ودِيَاتُهم على أنصافِ دياتِ النضيرِ، وكانت الديةُ مِن وُسُوقِ التمرِ أربعين ومائةً وَسْقٍ لبنى النضيرِ، وسبعين وَسْقًا لبنى قُرَيظةَ، فقال: "دمُ القُرَظيِّ وَفاءٌ مِن دمِ النَّضِيريِّ". فغضِب بنو النضيرِ، وقالوا: لا نُطيعُك في الرجمِ، ولكن تأْخُذُ بحُدودِنا التي كنا عليها. فنزَلَت: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [المائدة: ٥٠]. ونزل: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني مُعاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾. قال: فما بالُهم يُخالِفون، يَقْتُلون النفسَيْن (٢) بالنفسِ، ويَفْقَئون العينَيْن (٣) بالعينِ؟ حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا خَلَّادٌ الكوفيُّ، قال: ثنا الثوريُّ، عن السديِّ، عن أبي مالكٍ، قال: كان بينَ حَيَّين مِن الأنصارِ قِتالٌ، فكان بينَهم، قَتْلَى، وكان لأحدِ الحَيَّين على الآخَرِ طَوْلٌ، فجاء النبيُّ ﷺ ، فجعَل يَجْعَلُ الحرَّ بالحرِّ، والعبدَ بالعبدِ، والمرأةَ بالمرأةِ، فنزَلَت: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨]. قال سفيانُ: وبلَغَنى عن ابن عباسٍ أنه قال: نسَخَتها: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾. حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ - ﴿فِيهَا﴾: في التوراةِ -

стр. 5758

﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ حتى (١): ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾. قال مجاهدٌ، عن ابن عباسٍ، قال: كان على بنى إسرائيلَ القِصاصُ في القَتْلَى، ليس بينَهم ديةٌ في نفسٍ ولا جُرْحٍ. قال: وذلك قولُ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾؛ في التوراةِ، فخفَّف اللَّهُ عن أمة محمدٍ ﷺ ، فجعَل عليهم الديةَ في النفسِ والجراحِ، وذلك تخفيفٌ مِن ربِّكم ورحمةٌ ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾. قال: إن بني إسرائيلَ لم يُجْعَلْ لهم ديةٌ فيما كتَب اللَّهُ لموسى في التوراةِ مِن نفسٍ قُتِلَت، أو جُرْحٍ، أو سِنٍّ، أو عينٍ، أو أنفٍ، إنما هو القِصاصُ أو العَفْوُ. حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾. أي: في التوراةِ، ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (٣). حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾. أي: في التوراةِ، ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾. حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾. حتى بلَغ: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾: بعضُها ببعضٍ (٤).

стр. 5759

حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثني مُعاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾. قال: يقولُ: تُقْتَلُ النفسُ بالنفسِ، وتُفْقَأُ العينُ بالعينِ، ويُقْطَعُ الأَنفُ بالأنفِ، وتُنْزَعُ السِّنُّ بالسنِّ، وتُقْتَصُّ الجِراحُ بالجِراحِ. فهذا يَسْتَوِى فيه أحْرارُ المسلمين فيما بينَهم، رجالُهم ونساؤُهم، إذا كان في النفسِ وما دون النفسِ، ويَسْتَوِى فيه العَبيدُ؛ رجالُهم ونساؤُهم، فيما بينَهم، إذا كان عمدًا في النفسِ وما دونَ النفسِ (١). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنى بذلك المجروحُ ووليُّ القَتيلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن قيسِ بن مسلمٍ، عن طارقِ بن شهابٍ، عن الهَيْثمِ بن الأسودِ، عن عبدِ اللَّهِ بن عمرٍو: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾. قال: يُهْدَمُ عنه - يعنى المجروحَ - مثلُ ذلك مِن ذنوبِه (٢). حدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن قيسِ بن مسلم، عن طارقِ بن شِهابٍ، عن الهيثمِ بن الأسودِ، عن عبدِ اللَّهِ بن عمرٍو بنحوِه (٣).

стр. 5760

حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن قيسٍ بن مسلمٍ، عن طارقِ بن شهابٍ، عن الهيثمِ بن الأسودِ أبي العُرْيانِ، قال: رأيْتُ مُعاويةَ قاعدًا على السريرِ، وإلى جنبِه رجلٌ أحمرُ (١) كأنه مَوْلًى، وهو عبدُ الله بنُ عمرٍو، فقال في هذه الآيةِ: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾. قال: يُهْدَمُ عنه مِن ذنوبِه مثلُ ما تصَدَّق به (٢). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْم، قال: أَخْبَرَنَا مُغيرةُ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾. قال: للمجروحِ (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الصمدِ بنُ عبدِ الوارثِ، قال: ثنا شعبةُ، عن عُمارة بن أبى حَفْصةَ، عن أبي عُقْبةً، عن جابرِ بن زيدٍ: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾. قال: للمجروحِ. حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنى حَرَمِيُّ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا شعبةُ، قال: أَخْبَرَنى عُمارةُ، عن رجلٍ - قال حَرَميٌّ: نسيتُ اسمَه - عن جابرِ بن زيدٍ بمثلِه (٤). حدَّثنا ابن وَكيع، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مُغيرةَ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾. قال: للمَجْروحِ.

стр. 5761

حدَّثنا زكريا بنُ يحيى بن أبي زائدةَ، قال: ثنا ابْنُ فُضَيْلٍ، عن يونُسَ بن أبي إسحاقَ، عن أبي السَّفَرِ، قال: دفَع رجلٌ مِن قريشٍ رجلًا مِن الأنصارِ، فانْدَقَّت ثَنِيَّتُه، فرفَعَه الأنصاريُّ إلى مُعاويةَ، فلمَّا أَلَحَّ عليه الرجلُ قال مُعاويةُ: شأنَك وصاحبَك. قال: وأبو الدرداءِ عندَ معاويةَ، فقال أبو الدرداءِ: سمِعْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: "ما مِن مسلمٍ يُصابُ بشيءٍ من جسدِه فيَهَبُه، إلا رفَعَه اللَّهُ به درجةً، وحَطَّ عنه به خَطيئَةً". فقال له الأنصاريُّ: أنت سمِعْتَه مِن رسولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قال: سمِعَتْه أُذُنايَ، ووعاه قبلى. فخلَّى سبيلَ القُرشيِّ، فقال معاويةُ: مُرُوا له بمالٍ (١). حدَّثنا محمودُ بنُ خِداشٍ، قال: ثنا هُشَيْمُ بنُ بَشِيرٍ، قال: أَخْبَرَنَا مُغيرةُ، عن الشعبيِّ، قال: قال ابن الصامتِ: سمِعْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: "مَن جُرِح في جسدِه جراحةً فتصَدَّق بها، كُفَّر عنه ذنوبُه بمثلِ ما تصَدَّق به" (٢). حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن سفيانَ بن حسينٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾. قال: كفارةٌ للمَجْروحِ (٣). حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن زكريا، قال: سمِعْتُ عامرًا يقولُ: كفارةٌ لمَن تصدَّق به (٤).

стр. 5762

حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾. يقولُ: لوليِّ القتيلِ الذي عفا. حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: أَخْبرَني شَبِيبُ بنُ سعيدٍ، عن شعبةَ بن الحَجَّاجِ، عن قيسِ بن مسلمٍ، عن الهيثمِ [أبي العُرْيانِ] (١)، قال: كنتُ بالشام، وإذا برجلٍ مع معاويةَ قاعدٍ على السريرِ، كأنه مَوْلًى، قال: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾. قال: فمَن تَصَدَّق به هدَم اللَّهُ عنه مثلَه مِن ذنوبِه. فإذا هو عبدُ اللَّهِ بنُ عمرٍو. وقال آخَرون: عنَى بذلك الجارحَ. وقالوا: معنى الآيةِ: فمَن تَصَدَّق بما وجَب له مِن قَودٍ أو قِصاصٍ على مَن وجَب ذلك له عليه، فعفا عنه، فعفْوُه ذلك عن الجاني كفَّارةٌ لذنبِ الجاني المجرمِ، كما القِصاصُ منه كفَّارةٌ له. قالوا: فأما أجْرُ العافي المتُصَدِّقِ فعلى اللَّهِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن سفيانَ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدٍ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾. قال: كفَّارةٌ للجارحِ، وأجْرُ الذي أُصِيب على اللَّهِ (٢). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا يونُسُ بنُ (٣) أبي

стр. 5763

إسحاقَ، قال: سمعْتُ مُجاهدًا يقولُ لأبي إسحاقَ: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ يا أبا إسحاقَ؟ قال أبو إسحاقَ: للمُتَصَدِّقِ. فقال مجاهدٌ: للمُذْنِبِ الجارحِ (١). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: قال مُغيرةُ، قال مجاهدٌ: للجارحِ (٢). حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن مُغيرةَ، عن مُجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا هَنَّادٌ وسفيانُ بنُ وَكيعٍ، قالا: ثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ ومجاهدٍ: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾. قالا: للذي (٣) تُصُدِّق عليه، وأجْرُ الذي أُصِيب على اللَّهِ. قال هَنَّادٌ في حديثِه: قالا: كَفَّارةٌ للذى تُصُدِّق به عليه (٤). حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا عَبِيدَةُ بنُ حُميدٍ، عن منصورٍ، عن مُجاهِدٍ بنحوِه. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ، عن زكريا، عن عامرٍ، قال: كفارةٌ لَمَن تُصُدِّق به عليه (٥). حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مُجاهدٍ وإبراهيمَ، قالا: كفارةٌ للجارحِ، وأجرُ الذي أُصِيب على اللَّهِ (٦).

стр. 5764

حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيان، قال: سَمِعْتُ زيدَ بنَ أسلمَ يقولُ: إن عفَا عنه أو اقْتَصَّ منه، أو قبِل منه الديةَ، فهو كفَّارةٌ له (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مُجاهِدٍ، قال: كفارةٌ للجارحِ، وأجرٌ للعافى؛ لقوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]. حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾. قال: كفارةٌ للمُتَصَدَّقِ عليه (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا مُعَلَّى بنُ أَسَدٍ، قال: ثنا خالدٌ، قال: ثنا حُصَيْنٌ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾. قال: هي كفَّارةٌ للجارحِ (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن عَطاءِ بن السائبِ، عن سعيدٍ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾: فالكفَّارة للجارحِ، وأَجْرُ المتُصَدِّقِ على الله (٤).

стр. 5765

حدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال ثنا شِبْلٌ، عن عبدِ اللَّهِ بن كَثِيرٍ، عن مُجاهدٍ أنه كان يقولُ: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾. يقولُ: للقاتلِ، وأجرٌ للعافى. حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عِمْرانُ بنُ ظَبْيانَ، عن عديِّ بن ثابتٍ، قال: هُتِم (١) رجلٌ على عهدِ مُعاويةَ، فأُعْطِى ديةٌ فلم يَقْبَلْ، ثم أُعْطِى ديتَيْن فلم يَقْبَلْ، ثم أُعْطِى ثلاثًا فلم يَقْبَلْ، فحدَّث رجلٌ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "فمَن تصَدَّق بدمٍ فما دونه كان كفَّارةً له من يومِ تصَدَّق إلى يومِ وُلِد" (٢). قال: فتصَدَّق الرجلُ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾. يقولُ: مَن جُرِح فتصَدَّق بالذي جُرح به على الجارحِ، فليس على الجارحِ سَبيلٌ ولا قَوَدٌ ولا عَقْلٌ، ولا حَرجَ (٤) عليه مِن أجلِ أنه تصَدَّق عليه الذي

стр. 5766

جُرِح، فكان كفَّارةً له مِن ظُلْمِه الذي ظلَم (١). وأولى القولين في ذلك عندى بالصواب قولُ مَن قال: عنَى به ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ المجروحَ، فلأن تكونَ الهاءُ في قولِه: ﴿لَهُ﴾. عائدةٌ على "مَن" أَوْلَى مِن أن تكونَ مِن ذكرِ مَن لم يَجْرِ له ذكرٌ إلا بالمعنى دونَ التصريحِ، وأحْرَى، إذ الصدقةُ هي المُكَفِّرةُ ذنبَ صاحبِها دونَ المُتَصَدَّقِ عليه في سائرِ الصدَقاتِ غيرِ هذه، فالواجبُ أن يَكونَ سبيلُ هذه سبيلَ غيرِها مِن الصدَقاتِ. فإن ظنَّ ظانٌّ أن القِصاصَ إذ كان يُكَفَّرُ ذنبَ صاحبِه المُقْتَصِّ منه الذي أتاه في قتل من قتله ظلمًا - كقول النبيِّ ﷺ إذ أخذ البَيْعةَ على أصحابِه: "ألا تَقْتُلوا، ولا تَزْنوا، ولا تَسْرِقوا". ثم قال: "فمَن فعَل مِن ذلك شيئًا، فأُقِيم عليه حَدُّه، فهو كفَّارتُه" (٢) - فالواجبُ أن يَكونَ عفْوُ العافى المَجْنيِّ عليه أو وليِّ المقتولِ عنه نظيرَه في أن ذلك له كفارةٌ، فإن ذلك لو وجَب أن يكونَ كذلك، لَوجَب أن يَكونَ عفوُ المقْذوفِ عن قاذفِه بالزِّنى، وتركُه أخْذَه بالواجبِ له مِن الحدِّ - وقد قذَفه قاذفُه، وهو عَفيفٌ مسلمٌ مُحْصَنٌ - كفَّارةً للقاذفِ مِن ذنبِه الذي ركِبه، ومعصيتِه التي أتاها، وذلك ما لا نَعْلَمُ قائلًا مِن أهلِ العلمِ يَقولُه. فإذ كان غيرَ جائزٍ أن يكونَ تركُ المقذوفِ، الذي وصَفْنا أمرَه، أَخْذَ قاذفه بالواجب له من الحدِّ كفَّارةً للقاذفِ مِن ذنبِه الذي ركِبه، كان كذلك غيرَ جائزٍ أن يكونَ تركُ المجروحِ أخْذَ الجارحِ بحقِّه مِن القِصاصِ كفَّارةً للجارحِ

стр. 5767

مِن ذنبِه الذي ركِبه. فإن قال قائلٌ: أو ليس للمَجْروحِ عندك آخُذُ جارحِه بدية جُرْحِه مكانَ القِصاصِ؟ قيل له: بلى. فإن قال: أفَرَأَيْتَ لو اختار الدية ثم عفا عنها، لكانت (١) له قِبَلَه في الآخرةِ تَبِعةٌ؟ قيل له: هذا كلامٌ عندَنا مُحالٌ؛ وذلك أنه لا يَكونُ عندنا مُختارًا (٢) الديةَ إلا وهو لها آخِدٌ، فأما العفوُ فإنما هو عفوٌ عن الدمِ - وقد دلَّلْنا على صحةِ ذلك في موضعٍ غيرِ هذا بما أغْنَى عن تكريره في هذا الموضعِ (٣) - إلا أن يَكون مُرادًا بذلك هِبتُها لمَن أُخِذَت منه بعد الأخْذِ، مع أن عفوَه عن الديةِ بعدَ اختيارِه إياها لو صحَّ لم يَكُنْ في صحةِ ذلك ما يُوجِبُ أن يَكونَ المَعْفُوُّ له عنها بريئًا مِن عقوبةِ ذنبِه عندَ اللَّهِ؛ لأن اللَّهَ تعالى ذكرُه أوْعَد قاتلَ المؤمنِ بما أوْ عَدَه به إن لم يَتُبْ مِن ذنبِه، والديةُ مأخوذةٌ، منه، أحَبَّ أم سَخِط، والتوبةُ مِن التائبِ إنما تكونُ توبةً إِذا اخْتارَها وأرادَها وآثَرَها على الإصْرارِ. فإن ظنَّ ظانٌّ أن ذلك وإن كان كذلك، فقد يَجِبُ أن يكونَ له كفارةً، كما كان (٤) القِصاصُ له (٥) كفَّارةً، فإنَّا إنما جعَلْنَا القِصاص له كفَّارةً مع ندمه وبَذْلِه نفسَه لأخْذِ الحقِّ منها، تَنَصُّلًا مِن ذنبِه، بخبرِ النبيِّ ﷺ ، فأما الديةُ إذا اختارَها المَجْروحُ ثم عفا عنها، فلم يُقْضَ عليه بحدِّ ذنبِه فيكونَ ممَّن دخَل في حكمِ النبيِّ ﷺ وقولِه:

стр. 5768

"فمَن أُقِيم عليه الحدُّ فهو كفَّارتُه". ثم مما يُؤَكِّدُ صحةَ ما قلْنا في ذلك الأخبارُ التي ذكَرْناها عن رسولِ اللَّهِ ﷺ مِن قولِه: "فمَن تصدَّق بدمٍ (١) ". وما أشْبَه ذلك مِن الأخبارِ التي قد ذكَرْناها قبلُ. وقد يجوزُ أن يَكونَ القائلون: إنه عنَى بذلك الجارحَ. أرادوا المعنى الذي ذُكِر عن عروةَ بن الزبيرِ، الذي حدَّثني به الحارثُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا ابن سَلَّامٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: أَخْبَرَنى عبدُ اللَّهِ بنُ كثيرٍ، عن مُجاهِدٍ، قال: إذا أصاب رجلٌ رجلًا، ولا يَعْلَمُ المُصابُ مَن أصابه، فاعْتَرَف له المُصيبُ، فهو كفارةٌ للمُصيبِ. قال: وكان مجاهدٌ يقولُ عندَ هذا: أصاب عُروةُ بنُ الزبيرِ عينَ إنسانٍ عندَ الرُّكْنِ فيما يَسْتَلِمون، فقال له: يا هذا، أنا عروةُ بنُ الزبيرِ، فإن كان بعينِك بأسٌ فأنا بها. وإذا كان الأمرُ مِن الجارحِ على نحوِ ما كان من عروةً مِن خطأِ فعلٍ على غيرِ عمْدٍ، ثم اعْتَرَف للذى أصابه بما أصابه، فعفا له المصابُ بذلك عن حقِّه قِبَلَه، فلا تَبِعةَ له حينئذٍ قِبَلَ المُصيبِ في الدنيا ولا في الآخِرةِ؛ لأن الذي كان وجب له قِبَلَه مالٌ لا قِصاصٌ، وقد أبْرَأه منه، فإبْراؤه منه كفَّارةٌ [له مِن] (٢) حقِّه الذي كان له أخْذُه به، فلا طَلِبَةَ له بسببِ ذلك قِبَلَه في الدنيا ولا في الآخرةِ، ولا عقوبةَ تُلْزِمه بها بما كان منه إلى مَن أصابه؛ لأنه لم يَتَعَمَّدْ إصابتَه بما أصابه به فيَكونَ بفعلِه آثمًا (٣) يَسْتَحِقُّ به العقوبةَ مِن ربِّه؛ لأن اللَّهَ قد وضَع الجُناحَ عن عباده فيما أخْطَئوا فيه ولم

стр. 5769

يَتَعَمَّدُوه من أفعالهم، فقال في كتابِه: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]. [والتصدقُ في هذا الموضعِ] (١) بالدمِ العفوُ عنه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن لم يَحْكُم بما أنْزَل اللَّهُ في التوراةِ مِن قَوْدِ النفسِ القاتلةِ قصاصًا بالنفسِ المقتولةِ ظلمًا، ولم يَفْقَأ عين الفاقئِ بعينِ المَفْقوءِ ظلمًا، قِصاصًا ممَّن أمَرَه اللَّهُ به بذلك في كتابِه، ولكن أقاد من بعضٍ، ولم يُقِدْ مِن بعضٍ، أو قتَل في بعضٍ اثنين بواحدٍ، وإِنَّ مَن يَفْعَلُ ذلك، مِن الظالمين. يعنى: ممَّن جار عن (٢) حكمِ اللَّهِ، ووضَع فعلَه ما فعَل مِن ذلك في غيرِ موضعِه الذي جعَله اللَّهُ له موضعًا. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦)﴾. يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ﴾: أَتْبَعْنا. يقولُ: أَتْبَعْنا عيسى ابنَ مريمَ على آثارِ النبيِّين الذين أسْلَموا مِن قبلِك يا محمدُ، فبعَثْناه نبيًّا مصدِّقًا لكتابِنا الذي أنْزَلْناه إلى موسى مِن قبلِه أنه حقٌّ، وأن العملَ بما لم يَنْسَخُه الإنجيلُ منه فرضٌ واجبٌ. ﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ﴾. يقولُ: وأَنْزَلْنا إليه كتابَنا الذي اسمُه الإنجيلُ. ﴿فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾. يقولُ: في الإنجيلِ ﴿هُدًى﴾، وهو بَيانُ ما جهِله الناسُ مِن حكمِ اللَّهِ في زمانِه، ﴿وَنُورٌ﴾. يقولُ: وضياءٌ مِن عَمَى الجَهالَةِ، ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا

стр. 5770

بَيْنَ يَدَيْهِ﴾. يقولُ: أَوْحَيْنَا إليه ذلك وأَنْزَلْناه إليه بتَصْديقِ ما كان قبلَه مِن كتبِ اللَّهِ التي كان أَنْزَلَها على كلِّ أُمَّةٍ أُنْزِل إلى نبيِّها كتابٌ للعملِ بما أُنْزِل إلى نبيِّهم في ذلك الكتابِ، مِن تَحْليلِ ما حلَّل، وتحريمِ ما حرَّم. ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةً﴾. يقولُ: أَنْزَلْنا الإنجيلَ إلى عيسى مُصَدِّقًا للكتبِ التي قبلَه، وبيانًا لحكمِ اللَّهِ الذي ارْتَضاه لعباِده المتَّقِين في زمانِ عيسى وعِظةً (١) لهم. يقولُ: وزَجْرًا لهم عما يَكْرَهُه اللَّهُ إلى ما يُحِبُّه مِن الأعمالِ، وتَنْبيهًا لهم عليه. والمتقون هم الذين خافوا اللَّهُ وحَذِروا عقابَه، فاتقَوه بطاعتِه فيما أمَرَهم، وحَذِروه بترْكِ ما نهاهم عن فعلِه. وقد مضَى البيانُ عن ذلك بشواهدِه قبلُ، فأَغْنَى ذلك عن إعادتِه (٢). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾. اخْتَلَفَت القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾؛ فقرَأته قَرَأةُ الحجازِ والبَصْرةِ وبعضُ الكوفيين: ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ بتسكينِ اللامِ (٣) على وجهِ الأمرِ مِن اللَّهِ لأهلِ الإنجيلِ، أن يَحْكُموا بما أنْزَل اللَّهُ فيه مِن أحكامِه. وكأن مَن قرَأ ذلك كذلك أراد: وآتَيْناه الإنجيلَ فيه هُدًى ونورٌ ومُصَدِّقًا لِمَا بين يديه مِن التَّوراة، وأمَرْنا أهلَه أن يَحْكموا بما أنْزَل الله فيه. فيَكونُ في الكلامِ مَحْذوفٌ تُرِكَ اسْتِغْناءً بما ذُكِر عمَّا حُذِف. وقرَأ ذلك جَماعةٌ مِن أهلِ الكوفةِ: (ولِيَحْكُمَ أهلُ الإنجيلِ) بكسرِ اللامِ مِن (لِيَحْكُمَ) (٤)، بمعنى: كى يَحْكُمَ أهلُ الإنْجيلِ. وكأن معنى مَن قرَأ ذلك كذلك:

стр. 5771

وآتَيْناه الإنجيلَ فيه هُدًى ونورٌ ومُصَدِّقًا لِمَا بين يديه مِنَ التَّوْرَاةِ، وكَى يَحْكُمَ أهلُه بما فيه مِن حكمِ اللَّهِ. والذي يَتَراءَى في ذلك أنهما قِراءتانِ مَشْهورتان مُتَقارِبَتا المعنى، فبأيِّ ذلك قرَأ قارئٌ فمُصِيبٌ فيه الصوابَ. وذلك أن اللَّهَ تعالى ذكرُه لم يُنْزِلْ كتابًا على نبيٍّ مِن أنبيائِه إلا ليَعْمَلَ بما فيه أهلُه الذين أُمِروا بالعملِ بما فيه، ولم يُنْزِله عليهم إلا وقد أمَرَهم بالعملِ بما فيه، فللعملِ بما فيه أنْزَله، وأمَر بالعملِ بما فيه أهلَه، فكذلك الإنجيلُ، إذ كان مِن كتبِ اللَّهِ التي أنْزَلها على أنبيائِه، فللعملِ بما فيه أنْزَله على عيسى، وأمَر بالعملِ به أهلَه، فسَواءٌ قُرِئ ذلك على وجهِ الأمرِ بتسكينِ اللامِ، أو قُرِئ على وجهِ الخبرِ بكسرِها؛ لاتفاقِ معنيَيْهما. وأما ما ذُكر عن أبيِّ بن كعبٍ مِن قِراءتِه ذلك: (وأنْ ليَحْكُمَ (١)). على وجهِ الأمْرِ، فذلك مما لم يَصِحَّ به النقلُ عنه، ولو صحَّ أيضًا لم يَكُنْ في ذلك ما يُوجِبُ أن تكونَ القِراءةُ بخلافِه مَحْظورةً، إذ كان معناها صحيحًا، وكان المُتَقَدِّمون مِن أئمةِ القرأةِ قد قرَءوا بها. وإذ كان الأمرُ في ذلك على ما بيَّنَّا، فتأويلُ الكلامِ إِذا قُرِئَ بكسرِ اللامِ مِن (لِيَحْكُمَ): وآتَيْنا عيسى ابنَ مريمَ الإنجيلَ فيه هُدًى ونُورٌ، ومُصَدِّقًا لما بينَ يديه مِن التوراةِ، وهُدًى وموعظةً للمتقين، وكى يَحْكُمَ أهل الإنجيلِ بما أَنْزَلْنا فيه، فبدَّلوا حكمَه، وخالَفُوه، فضلُّوا بخلافِهم إياه، إذ لم يَحْكُموا بما أَنْزَلَ اللَّهُ فيه وخالَفوه ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. يعنى الخارِجِين عن أَمْرِ اللَّهِ فيه، المُخالِفين له فيما أمَرَهم ونهاهم في كتابِه.

стр. 5772

فأما إذا قُرِئ بتسكينِ اللامِ، فتأويلُه: وآتَيْنا عيسى ابنَ مريمَ الإنجيلَ فيه هُدًى ونُورٌ، ومُصَدِّقًا لما بينَ يديه مِن التوراةِ، وأمَرْنا أهلَه أن يَحْكُموا بما أَنْزَلنا فيه، فلم يُطِيعونا في أمْرِنا إياهم بما أمَرْناهم به فيه، ولكنهم خالَفوا أَمْرَنا، فالذين خالَفوا أَمْرَنا الذي أمَرْناهم به فيه هم الفاسقون. وكان ابن زيدٍ يقولُ: الفاسقون في هذا الموضعِ وفي غيرِه هم الكاذبون. حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. قال: ومَن لم يَحْكُمْ مِن أَهلِ الإنجيلِ أيضًا بذلك ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. قال: الكاذبون هنا (١). قال: وقال ابن زيدٍ: كلُّ شيءٍ في القرآنِ، إلا قليلًا، "فاسقٌ" فهو كاذبٌ وقرَأ قولَ اللَّهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات: ٦]. قال: الفاسِقُ ههنا كاذبٌ (٢). وقد بيَّنا معنى "الفسقِ" بشَواهِده فيما مضَى بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. وهذا خطابٌ مِن الله تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ ، يقولُ تعالى ذكرُه:

стр. 5773

وأنزَلْنا إليك يا محمدُ ﴿الْكِتَابَ﴾، وهو القرآنُ الذي أنْزَلَه عليه. ويعنى بقولِه: ﴿بِالْحَقِّ﴾: بالصدقِ، ولا كذبَ فيه، ولا شكَّ أنه مِن عندِ اللَّهِ. ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾. يقولُ: أَنْزَلْناه بتَصْديقِ ما قبلَه مِن كتبِ اللَّهِ التي أنْزَلها إلى أنبيائِه. ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. يقولُ: أَنْزَلْنَا الكتابَ الذي أَنْزَلْناه إليك يا محمدُ مُصَدِّقًا للكتبِ قبلَه، وشَهيدًا عليها أنها حقٌّ مِن عندِ اللَّهِ، أمينًا عليها، حافظًا لها. وأصلُ الهَيْمنةِ الحفظُ والارْتِقابُ، يقالُ إذا رَقَب الرجلُ الشيءَ وحفِظه وشهِده: قد هَيْمَن فلانٌ عليه، فهو يُهَيْمِنُ هَيْمَنَةً، وهو عليهِ مُهَيْمِنٌ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، إلا أنهم اخْتَلَفَت عباراتُهم عنه، فقال بعضُهم: معناه: شَهيدًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. يقولُ: شهيدًا (١). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. قال: شهيدًا عليه (٢). حدَّثني بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾. يقولُ: الكتبُ

стр. 5774

التي خَلَت قبلَه، ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾: أمينًا وشاهدًا على الكتبِ التي خلَت قبلَه (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾: مؤتمَنًا على القرآنِ وشاهدًا ومصدِّقًا. قال ابن جُرَيْجٍ: وقال (٢) آخرون: القرآنُ أمينٌ على الكتبِ فيما إذا أَخْبَرَنا أهلُ الكتابِ في كتابِهم بأمرٍ، إن كان في القرآنِ فصدَقوا، وإلا فكذَبوا (٣). وقال بعضُهم: معناه: أمينٌ عليه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، وحدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا وكيعٌ، جَميعًا عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن التَّميميِّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. قال: مُؤْتَمنًا عليه (٤). حدَّثنا محمدُ بنُ عُبيد المحاربيُّ، قال: ثنا أبو الأحْوصِ، عن أبي إسحاقَ، عن التَّميميِّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. قال: مُؤْتَمنًا عليه. حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا سُفيانُ وإسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن التَّميميِّ، عن ابن عباسٍ مثلَه (٤).

стр. 5775

حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن سفيانَ وإسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ بإسنادِه، عن ابن عباسٍ مثلَه. حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابن عَطِيةَ، قال: ثنا إسْرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن التَّميميِّ، عن ابن عباسٍ مثلَه. حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حَكَامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن أبي إسحاقَ، عن التَّمِيميِّ، عن ابن عباسٍ مثلَه. حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرٍو، عن مُطَرِّفٍ، عن أبي إسحاقَ، عن رجلٍ مِن تَمِيمٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه. حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. قال: والمُهَيْمِنُ الأمينُ. قال: القرآنُ أمينٌ على كلِّ كتابٍ قبلَه (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾: وهو القرآنُ شاهدٌ على التوراةِ والإنْجيلِ، مُصَدِّقًا لهما، ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. يعنى: أمينًا عليه، يَحْكُمُ على ما كان قبلَه مِن الكتبِ (٢).

стр. 5776

حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا حُميدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن قيسٍ، عن أبي إسحاقَ، عن التَّميميِّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. قال: مُؤْتَمَنًا عليه. حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن زُهيْرٍ، عن أبي إسحاقَ، عن رجلٍ مِن بنى تَمِيمٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. قال: مُؤْتَمَنًا عليه. حدَّثني المثنى، قال: ثنا يحيى الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن التَّميميِّ، عن ابن عباسٍ مثلَه. حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وَكِيعٌ، وحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سُفيانَ وإسرائيلَ، عن عليِّ بن بَذِيمةَ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. قال: مُؤْتَمَنًا على ما قبلَه مِن الكتبِ (١). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سأَلْتُ الحسنَ (٢) عن قولِه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. قال: مُصَدِّقًا لهذه الكتبِ وأمينًا عليها. وسُئِل عنها عكرمةُ وأنا أَسْمَعُ، فقال: مُؤْتَمَنًا عليه (٣). وقال آخَرون: معنى المُهَيْمِنِ المُصَدِّقُ.

стр. 5777

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. قال: مُصدِّقًا عليه؛ كلُّ شيءٍ أَنْزَلَهُ اللَّهُ مِن تَوْرَاةٍ أَو إنْجيلٍ أو زَبُورٍ، فالقرآنُ مُصَدِّقٌ على ذلك، وكلُّ شيءٍ ذكَر اللَّهُ في القرآنِ، فهو مُصَدِّقٌ عليها، وعلى ما حُدِّث عنها أنه حقٌّ (١). وقال آخَرون: عُنِى بقولِه: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. نبي اللَّهِ ﷺ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾: محمدٌ ﷺ مُؤْتَمَنٌ على القرآنِ (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. قال: محمدٌ ﷺ مُؤْتَمَنٌ على القرآنِ. فتأويلُ الكلامِ على ما تأوَّله مُجاهدٌ: وأنْزَلْنا الكتابَ مُصَدِّقًا الكتبَ قبلَه إليك، مُهَيْمِنًا عليه. فيكونُ قولُه: ﴿مُصَدِّقًا﴾. حالًا مِن "الكتابِ" وبعضًا منه، ويَكونُ التصديقُ مِن صفةِ "الكتابِ"، و "المهيمنُ" حالًا مِن الكافِ التي في ﴿إِلَيْكَ﴾، وهي كِنايةٌ عن ذِكْرِ اسمِ النبيِّ ﷺ ، والهاءُ في قولِه: ﴿عَلَيْهِ﴾ عائدةٌ على "الكتابِ".

стр. 5778

وهذا التأويلُ بعيدٌ مِن المفهومِ في كلامِ العربِ، بل هو خطأٌ؛ وذلك أن "المهيمنَ" عطفٌ على "المصدِّقِ"، فلا يَكونُ إلا مِن صفةِ ما كان "المُصَدِّقُ" صفةً له، ولو كان معنى الكلامِ ما رُوِى عن مُجاهِدٍ، لقيلَ: وأَنْزَلْنا إليك الكتابَ مُصَدِّقًا لما بينَ يديه مِن الكتابِ (١) مُهَيمنًا عليه. لأنه [لم يَتَقَدَّمْ] (٢) مِن صفةِ الكافِ التي في ﴿إِلَيْكَ﴾ (٣) بعدَها شيءٌ يكونُ ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ عطفًا عليه، وإنما عُطِف به على "المصدِّقِ"؛ لأنه مِن صفةِ "الكتابِ" الذي مِن صفتِه "المصدِّقُ". فإن ظنَّ ظانٌّ أن "المصدِّقَ" على قول مُجاهِدٍ وتأويلِه هذا مِن صفةِ الكافِ التي في ﴿إِلَيْكَ﴾، فإن قولَه: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ يُبْطِلُ أَن يَكُونَ تأويلُ ذلك كذلك، وأن يَكونَ "المُصَدِّقُ" مِن صفة الكافِ (٤) التي في ﴿إِلَيْكَ﴾؛ لأن الهاءَ في قولِه: ﴿بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ كنايةُ اسمِ غيرِ المُخاطَبِ، وهو النبيُّ ﷺ في قولِه: ﴿إِلَيْكَ﴾ ولو كان "المصدِّقُ" مِن صفةِ الكافِ لَكان الكلامُ: وأَنْزَلْنا إليك الكتاب مُصَدَّقًا لما بينَ يديك مِن الكتابِ ومُهَيْمِنًا عليه. فيكون معنى الكلامِ حينَئذٍ يكونُ كذلك. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾. وهذا أمْرٌ مِن الله تعالى ذكرُه نبيِّه محمدًا ﷺ أَن يَحْكُمَ بين المُحْتَكِمين إليه مِن أهلِ الكتابِ وسائرِ أهلِ المللِ بكتابِه الذي أنْزَله إليه، وهو القرآنُ الذي خصَّه

стр. 5779

بشَريعتِه، يقولُ له تعالى ذكرُه: احْكُمْ يا محمدُ بينَ أهلِ الكتابِ والمشركين بما أُنزِل إليك مِن كتابي وأحكامي، في كلِّ ما احتَكَموا فيه إليك مِن الحدودِ والجُرُوحِ، والقَوَدِ والنفوسِ، فارْجُم الزانيَ المُحْصَنَ، واقْتُل النفسَ القاتلةَ بالنفسِ المقتولةِ ظلمًا وافْقَأَ العينَ بالعينِ، واجْدَعِ الأنفَ بالأنفِ، فإنى أنْزَلْتُ إِليك القرآنَ مُصَدِّقًا في ذلك ما بينَ يديه مِن الكُتُبِ، ومُهَيْمِنًا عليه، رَقِيبًا يَقْضِى على ما قبلَه مِن سائرِ الكتبِ قبلَه، ولا تَتَّبِعْ أهواءَ هؤلاء اليهودِ الذين يقولون: إن أُوتِيتُم الجلدَ في الزاني المُحْصَنِ دونَ الرجْمِ، وقتلَ الوَضيعِ بالشَّريفِ إذا قتَله، وتركَ قتلِ الشريفِ بالوَضيعِ إذا قتَله فخُذُوه، وإن لم تُؤْتَؤه فاحْذَروا - عن الذي جاءَك مِن عندِ اللَّهِ مِن الحقِّ، وهو كتابُ اللَّهِ الذي أَنْزَلَه إليك. يقولُ له: اعْمَلْ بكتابى الذي أَنْزَلْتُه إليك إذا احْتَكَموا إليك فاخْتَرتَ (١) الحكمَ عليهم، ولا تَتْرُكَنَّ العملَ بذلك اتِّباعًا منك أهواءَهم، وإيثارًا لها على الحقِّ الذي أنْزَلْتُه إليك في كتابى. كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾. يقولُ: بحدودِ اللَّهِ، ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (٢). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عَنْبَسةَ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، عن مَسْروقٍ أنه كان يُحلِّفُ اليهوديَّ والنصرانيَّ باللَّهِ. ثم قرَأ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، وأَنْزَل اللَّهُ أَلَّا يُشْرِكُوا به شيئًا (٣).

стр. 5780

القولُ في تأويلِ قوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لكلِّ قومٍ منكم جعَلْنا شِرْعةً. والشِّرْعةُ هي الشَّرِيعةُ بعينِها، تُجْمَعُ الشِّرعةُ شِراعًا، والشريعةُ شَرائعَ، ولو جُمِعَت الشرعةُ شَرائع كان صَوابًا؛ لأن معناها ومعنى الشريعةُ واحدٌ، فيَرُدُّها عندَ الجمعِ إلى لفظِ نظيرِها. وكلُّ ما شرَعْتَ فيه مِن شيءٍ فهو شَريعةٌ، ومن ذلك قيل لشَريعةِ الماءِ: شَريعةٌ. لأنه يُشْرَعُ منها إلى الماءِ، ومنه سُمِّيَت شَرائعُ الإسلامِ شَرائعَ؛ لشُروعِ أهله فيه، ومنه قيل للقومِ إذا تَساوَوْا في الشيءِ: هم شَرَعٌ سَواءٌ. وأما المِنْهاجُ، فإن أصلَه الطريقُ البيِّنُ الواضحُ، يقالُ منه: هو طريقٌ نَهْجٌ ومَنْهجٌ. بيِّنٌ، كما قال الراجزُ (١): مَن يَكُ في شَكٍّ فهذا فَلْجُ ماءٌ رَوَاءٌ وطَريقٌ نَهْجُ ثم يُسْتَعْمَلُ في كلِّ شيءٍ كان بيِّنًا واضحًا سهلًا. فمعنى الكلامِ: لكلِّ قومٍ منكم جعَلْنا طريقًا إلى الحقِّ يَؤُمُّه، وسبيلًا واضحًا يَعْمَلُ به. ثم اختَلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بقولِه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: عَنى بذلك أهلَ المللِ المختلفةِ. أيْ أن اللَّهَ جعَل لكلِّ مِلَّةٍ شريعةً ومِنْهاجًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يَزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لِكُلٍّ
следующие страницы →