← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 5776–5815 · переход к 5781.

стр. 5776

حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا حُميدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن قيسٍ، عن أبي إسحاقَ، عن التَّميميِّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. قال: مُؤْتَمَنًا عليه. حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن زُهيْرٍ، عن أبي إسحاقَ، عن رجلٍ مِن بنى تَمِيمٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. قال: مُؤْتَمَنًا عليه. حدَّثني المثنى، قال: ثنا يحيى الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن التَّميميِّ، عن ابن عباسٍ مثلَه. حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وَكِيعٌ، وحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سُفيانَ وإسرائيلَ، عن عليِّ بن بَذِيمةَ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. قال: مُؤْتَمَنًا على ما قبلَه مِن الكتبِ (١). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سأَلْتُ الحسنَ (٢) عن قولِه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. قال: مُصَدِّقًا لهذه الكتبِ وأمينًا عليها. وسُئِل عنها عكرمةُ وأنا أَسْمَعُ، فقال: مُؤْتَمَنًا عليه (٣). وقال آخَرون: معنى المُهَيْمِنِ المُصَدِّقُ.

стр. 5777

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. قال: مُصدِّقًا عليه؛ كلُّ شيءٍ أَنْزَلَهُ اللَّهُ مِن تَوْرَاةٍ أَو إنْجيلٍ أو زَبُورٍ، فالقرآنُ مُصَدِّقٌ على ذلك، وكلُّ شيءٍ ذكَر اللَّهُ في القرآنِ، فهو مُصَدِّقٌ عليها، وعلى ما حُدِّث عنها أنه حقٌّ (١). وقال آخَرون: عُنِى بقولِه: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. نبي اللَّهِ ﷺ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾: محمدٌ ﷺ مُؤْتَمَنٌ على القرآنِ (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. قال: محمدٌ ﷺ مُؤْتَمَنٌ على القرآنِ. فتأويلُ الكلامِ على ما تأوَّله مُجاهدٌ: وأنْزَلْنا الكتابَ مُصَدِّقًا الكتبَ قبلَه إليك، مُهَيْمِنًا عليه. فيكونُ قولُه: ﴿مُصَدِّقًا﴾. حالًا مِن "الكتابِ" وبعضًا منه، ويَكونُ التصديقُ مِن صفةِ "الكتابِ"، و "المهيمنُ" حالًا مِن الكافِ التي في ﴿إِلَيْكَ﴾، وهي كِنايةٌ عن ذِكْرِ اسمِ النبيِّ ﷺ ، والهاءُ في قولِه: ﴿عَلَيْهِ﴾ عائدةٌ على "الكتابِ".

стр. 5778

وهذا التأويلُ بعيدٌ مِن المفهومِ في كلامِ العربِ، بل هو خطأٌ؛ وذلك أن "المهيمنَ" عطفٌ على "المصدِّقِ"، فلا يَكونُ إلا مِن صفةِ ما كان "المُصَدِّقُ" صفةً له، ولو كان معنى الكلامِ ما رُوِى عن مُجاهِدٍ، لقيلَ: وأَنْزَلْنا إليك الكتابَ مُصَدِّقًا لما بينَ يديه مِن الكتابِ (١) مُهَيمنًا عليه. لأنه [لم يَتَقَدَّمْ] (٢) مِن صفةِ الكافِ التي في ﴿إِلَيْكَ﴾ (٣) بعدَها شيءٌ يكونُ ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ عطفًا عليه، وإنما عُطِف به على "المصدِّقِ"؛ لأنه مِن صفةِ "الكتابِ" الذي مِن صفتِه "المصدِّقُ". فإن ظنَّ ظانٌّ أن "المصدِّقَ" على قول مُجاهِدٍ وتأويلِه هذا مِن صفةِ الكافِ التي في ﴿إِلَيْكَ﴾، فإن قولَه: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ يُبْطِلُ أَن يَكُونَ تأويلُ ذلك كذلك، وأن يَكونَ "المُصَدِّقُ" مِن صفة الكافِ (٤) التي في ﴿إِلَيْكَ﴾؛ لأن الهاءَ في قولِه: ﴿بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ كنايةُ اسمِ غيرِ المُخاطَبِ، وهو النبيُّ ﷺ في قولِه: ﴿إِلَيْكَ﴾ ولو كان "المصدِّقُ" مِن صفةِ الكافِ لَكان الكلامُ: وأَنْزَلْنا إليك الكتاب مُصَدَّقًا لما بينَ يديك مِن الكتابِ ومُهَيْمِنًا عليه. فيكون معنى الكلامِ حينَئذٍ يكونُ كذلك. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾. وهذا أمْرٌ مِن الله تعالى ذكرُه نبيِّه محمدًا ﷺ أَن يَحْكُمَ بين المُحْتَكِمين إليه مِن أهلِ الكتابِ وسائرِ أهلِ المللِ بكتابِه الذي أنْزَله إليه، وهو القرآنُ الذي خصَّه

стр. 5779

بشَريعتِه، يقولُ له تعالى ذكرُه: احْكُمْ يا محمدُ بينَ أهلِ الكتابِ والمشركين بما أُنزِل إليك مِن كتابي وأحكامي، في كلِّ ما احتَكَموا فيه إليك مِن الحدودِ والجُرُوحِ، والقَوَدِ والنفوسِ، فارْجُم الزانيَ المُحْصَنَ، واقْتُل النفسَ القاتلةَ بالنفسِ المقتولةِ ظلمًا وافْقَأَ العينَ بالعينِ، واجْدَعِ الأنفَ بالأنفِ، فإنى أنْزَلْتُ إِليك القرآنَ مُصَدِّقًا في ذلك ما بينَ يديه مِن الكُتُبِ، ومُهَيْمِنًا عليه، رَقِيبًا يَقْضِى على ما قبلَه مِن سائرِ الكتبِ قبلَه، ولا تَتَّبِعْ أهواءَ هؤلاء اليهودِ الذين يقولون: إن أُوتِيتُم الجلدَ في الزاني المُحْصَنِ دونَ الرجْمِ، وقتلَ الوَضيعِ بالشَّريفِ إذا قتَله، وتركَ قتلِ الشريفِ بالوَضيعِ إذا قتَله فخُذُوه، وإن لم تُؤْتَؤه فاحْذَروا - عن الذي جاءَك مِن عندِ اللَّهِ مِن الحقِّ، وهو كتابُ اللَّهِ الذي أَنْزَلَه إليك. يقولُ له: اعْمَلْ بكتابى الذي أَنْزَلْتُه إليك إذا احْتَكَموا إليك فاخْتَرتَ (١) الحكمَ عليهم، ولا تَتْرُكَنَّ العملَ بذلك اتِّباعًا منك أهواءَهم، وإيثارًا لها على الحقِّ الذي أنْزَلْتُه إليك في كتابى. كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾. يقولُ: بحدودِ اللَّهِ، ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (٢). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عَنْبَسةَ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، عن مَسْروقٍ أنه كان يُحلِّفُ اليهوديَّ والنصرانيَّ باللَّهِ. ثم قرَأ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، وأَنْزَل اللَّهُ أَلَّا يُشْرِكُوا به شيئًا (٣).

стр. 5780

القولُ في تأويلِ قوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لكلِّ قومٍ منكم جعَلْنا شِرْعةً. والشِّرْعةُ هي الشَّرِيعةُ بعينِها، تُجْمَعُ الشِّرعةُ شِراعًا، والشريعةُ شَرائعَ، ولو جُمِعَت الشرعةُ شَرائع كان صَوابًا؛ لأن معناها ومعنى الشريعةُ واحدٌ، فيَرُدُّها عندَ الجمعِ إلى لفظِ نظيرِها. وكلُّ ما شرَعْتَ فيه مِن شيءٍ فهو شَريعةٌ، ومن ذلك قيل لشَريعةِ الماءِ: شَريعةٌ. لأنه يُشْرَعُ منها إلى الماءِ، ومنه سُمِّيَت شَرائعُ الإسلامِ شَرائعَ؛ لشُروعِ أهله فيه، ومنه قيل للقومِ إذا تَساوَوْا في الشيءِ: هم شَرَعٌ سَواءٌ. وأما المِنْهاجُ، فإن أصلَه الطريقُ البيِّنُ الواضحُ، يقالُ منه: هو طريقٌ نَهْجٌ ومَنْهجٌ. بيِّنٌ، كما قال الراجزُ (١): مَن يَكُ في شَكٍّ فهذا فَلْجُ ماءٌ رَوَاءٌ وطَريقٌ نَهْجُ ثم يُسْتَعْمَلُ في كلِّ شيءٍ كان بيِّنًا واضحًا سهلًا. فمعنى الكلامِ: لكلِّ قومٍ منكم جعَلْنا طريقًا إلى الحقِّ يَؤُمُّه، وسبيلًا واضحًا يَعْمَلُ به. ثم اختَلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بقولِه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: عَنى بذلك أهلَ المللِ المختلفةِ. أيْ أن اللَّهَ جعَل لكلِّ مِلَّةٍ شريعةً ومِنْهاجًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يَزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لِكُلٍّ

стр. 5781

جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. يقولُ: سبيلًا وسُنَّةً. والسننُ مُخْتلِفةٌ؛ للتوْراةِ شريعةٌ، وللإنْجيلِ شَريعةٌ، وللقرآنِ شريعةٌ، يُحِلُّ اللَّهُ فيها ما يَشاءُ ويُحَرِّمُ مَا يَشَاءُ بَلاءً؛ لِيَعْلَمَ مَن يُطِيعُه ممَّن يَعْصِيه، [ولكنَّ الدينَ الواحدَ] (١) الذي لا يُقْبَلُ غيرُه التوحيدُ والإخلاص للَّهِ الذي جاءَت به الرسلُ (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. قال: الدينُ واحدٌ والشريعةُ مختلفةٌ (٣). حدَّثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ هاشمٍ، قال: أَخْبَرَني سيفُ بن عُمَرَ (٤)، عن أبي رَوْقٍ، عن أبي أيوبَ، عن عليٍّ، قال: الإيمانُ منذُ بعَثَ اللَّهُ تعالى ذكرُه آدمَ ﷺ شهادةُ ألا إلهَ إلا اللَّهُ، والإقْرارُ بما جاء مِن عندِ اللَّهِ، لكلِّ قومٍ ما جاءَهم مِن شِرْعةٍ أو مِنْهاجٍ، فلا يَكونُ المقرُّ تاركًا، ولكنه مُطِيعٌ. وقال آخَرون: بل عَنَى بذلك أمَّةَ محمدٍ ﷺ . وقالوا: إنما معنى الكلامِ: قد جعَلْنا الكتابَ الذي أنْزَلْناه إلى نبيِّنا محمدٍ ﷺ أيُّها الناسُ لكلِّكم؛ أي لكلِّ مَن دخَل في الإسلامِ، وأقرَّ بمحمدٍ ﷺ أنه لى نبيٌّ، شرعةً ومنهاجًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مُجاهدٍ قولَه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. قال: سُنةً ومِنْهاجًا، السبيلَ

стр. 5782

لكلِّكم (١)، مِن دخَل في دينِ محمدٍ ﷺ فقد جعَل اللَّهُ له شرعةً ومنهاجًا. يقولُ: القرآنُ هو له شِرْعةٌ ومِنْهاجٌ. وأولى القولين في ذلك عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: لكلِّ أهلِ ملةٍ منكم أيُّها الأممُ جعَلْنا شِرعةً ومنهاجًا. وإنما قلنا: ذلك أولى بالصواب؛ لقولِه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾. ولو كان عَنَى بقولِه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ﴾ أمّةَ محمدٍ - وهم أمّةٌ واحدةٌ - لم يكنْ لقولِه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ - وقد فعَل ذلك فجَعَلَهم أمةً واحدةً - معنًى مفهومٌ، ولكنْ معنى ذلك على ما جرَى به الخطابُ مِن اللَّهِ لنبيِّه محمدٍ ﷺ أنه ذكَر ما كتَب على بني إسرائيلَ في التوراةِ، وتقَدَّم إليهم فيها (٢) بالعملِ بما فيها، ثم ذكر أنه قفَّى بعيسى ابن مريمَ على آثارِ الأنبياءِ قبلَه، وأَنْزَل عليه الإنجيلَ، وأمَر مَن بعَثه إليه بالعملِ بما فيه، ثم ذكَر نبيَّنا محمدًا ﷺ ، وأَخْبَرَه أنه أنْزَل إليه الكتابَ مُصَدِّقًا لما بينَ يديه مِن الكتابِ، وأمَرَه بالعملِ بما فيه، والحكمِ بما أنْزَل إليه فيه دونَ ما في سائرِ الكتبِ غيرِه، وأعْلَمَه أنه قد جعَل له ولأمتِه شَريعةً غيرَ شرائعِ الأنبياءِ والأممِ قبلَه الذين قصَّ عليه (٣) قَصصَهم، وإن كان دينُه ودينُهم في توحيدِ اللَّهِ، والإقرارِ بما جاءَهم به مِن عندِه، والانتهاءِ إلى أمْرِه ونهيِه - واحدًا، فهم مُختلِفو الأحوالِ فيما شُرع لكلِّ واحدٍ منهم ولأمتِه فيما أُحِلَّ لهم وحُرِّم عليهم. وبنحوِ الذي قلنا في "الشرعةِ" و "المنهاجِ" مِن التأويلِ قال أهلُ التأويلِ.

стр. 5783

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْديٍّ، قال: ثنا مِسْعَرٌ، عن أبي إسحاقَ، عن التَّميميِّ، عن ابن عباسٍ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. قال: سنةً وسبيلًا. حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن سفيانَ وإسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن التَّميميِّ، عن ابن عباسٍ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. قال: سنةً وسبيلًا. حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ وإسرائيلَ وأبيه، عن أبي إسحاقَ عن التَّميميِّ، عن ابن عباسٍ مثلَه (١). حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا أبو يحيى الرازيُّ، عن أبي شَيْبَانَ، عن أبي إسحاقَ، عن يحيى بن وَثَّابٍ، قال: سأَلْتُ ابن عباسٍ عن قولِه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. قال: سنةً وسبيلًا. حدَّثنا أبو كُرَيْب، قال: ثنا ابن عطيةَ (٢)، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن التميميِّ، عن ابن عباسٍ: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. قال: سنةً وسبيلًا. حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرٍو، عن مُطَرِّفٍ، عن أبي إسحاقَ عن رجلٍ مِن بني تَميمٍ، عن ابن عباسٍ بمثلِه.

стр. 5784

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن أبي إسحاقَ، عن التميميِّ، عن ابن عباسٍ مثلَه. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. يعنى: سبيلًا وسنةً (١). حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن سفيانَ بن حسينٍ، قال: سمِعْتُ الحسنَ يقولُ: الشرعةُ السنةُ (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، عن إسرائيلَ، عن أبي يحيى القَتَّاتِ، عن مُجاهدٍ، قال: سنةً وسبيلًا. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. قال: الشِّرعةُ السنةُ، ﴿وَمِنْهَاجًا﴾. قال: السبيلُ (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ بنحوِه. حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. يقولُ: سبيلًا وسنةً (٣).

стр. 5785

حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحَوْضيُّ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، قال: سمِعْتُ رجلًا مِن بني تَميمٍ، عن ابن عباسٍ بنحوِه. حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. يقولُ: سبيلًا وسنةً (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: السنةُ والسبيلُ. حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. يقولُ: سبيلًا وسنةً (٢). حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ، قال: أخْبرَني عُبيدُ بنُ سليمانَ (٣) قال: سمِعْتُ الضَّحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. قال: سبيلًا وسنةً (٤). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولو شاء ربُّكم لجعَل شَرائعَكم واحدةً، ولم يَجْعَلْ لكلِّ أمةٍ شريعةً ومِنْهَاجًا غيرَ شَرائعِ الأممِ الأُخرِ ومِنْهَاجهم، فكنتم تكونون أمةً واحدةً، لا تَخْتَلِفُ شَرائعُكم ومَناهِجُكم (٥)، ولكنه تعالى ذكرُه يَعْلَمُ ذلك، فخالَف بينَ

стр. 5786

شَرائعِكم ليَخْتَبِرَكم، فيَعْرِفَ المُطيعَ منكم مِن العاصي، والعاملَ بما أمَرَه في الكتابِ الذي أنْزَله إلى نبيِّه ﷺ مِن المُخالِفِ. والابتلاءُ هو الاختِبارُ. وقد بَيَّنْتُ (١) ذلك بشَواهدِه فيما مضَى قبلُ. وقولُه: ﴿مَا آتَاكُمْ﴾. يعنى: فيما أنزَل عليكم مِن الكتبِ. كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ: ﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾. قال عبدُ اللَّهِ بنُ كَثِيرٍ: لا أَعلَمُه إلا قال: ليَبْلُوَكم فيما آتاكم مِن الكتبِ (٢). فإن قال قائلٌ: وكيف قال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾؟ ومَن المُخاطَبُ بذلك وقد ذكَرْتَ أن المعنيَّ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ نبيُّنا (٣) مع الأنبياءِ الذين مضَوْا قبلَه وأممِهم، و (٤) الذين قبلَ نبيِّنا ﷺ على حِدَةٍ (٥)؟ قيل: إن الخطابَ وإن كان لنبيِّنا ﷺ ، فإنه قد أُرِيد به الخبرُ عن الأنبياءِ قبلَه وأممِهم، ولكنَّ العربَ مِن شأنِها إذا خاطَبَت إنسانًا وضمَّت إليه غائبًا، فأرادت الخبرَ عنه، أن تُغَلِّبَ المُخاطَبَ، فيَخْرُجَ الخبرُ عنهما على وجهِ الخطابِ، فلذلك قال تعالى ذكرُه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ

стр. 5787

بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فبادِروا أيُّها الناسُ إلى الصالحاتِ مِن الأعمالِ والقُرَبِ إلى ربِّكم، بإدْمانِ العملِ بما في كتابِكم الذي أنزَله إلى نبيِّكم، فإنه إنما أَنْزَله امْتحانًا لكم وابتلاءً؛ ليَتَبَيَّنَ المُحْسِنُ منكم مِن المُسِئ، فيُجازِىَ جميعَكم على عملِه عندَ مَصيرِكم إليه، فإن إليه مصيرَكم جميعًا، فيُخْبرَ كلَّ فريقٍ منكم بما كان يُخالِفُ فيه الفرقَ الأُخرى، فيَفْصِلَ بينَهم بفصلِ القَضاءِ، ويُبيَن المحقَّ بمجازاتِه (١) إياه بجَنّاتِه، مِن المسئِ، بعقابِه إياه بالنارِ، فيَتَبَيَّن حينَئذٍ كلُّ حزبٍ عِيانًا، المُحِقُّ منهم مِن المُبْطِلِ. فإن قال قائلٌ: أَوَ لم يُنَبِّئْنا ربُّنا في الدنيا قبلَ مَرْجِعِنا إليه ما نحن فيه مُخْتَلِفون؟ فقيل: إنه بيَّن ذلك في الدنيا بالرسلِ والأدلةِ والحُجَجِ، دونَ الثوابِ والعقابِ عِيانًا، فمُصَدِّقٌ بذلك ومُكَذِّبٌ، وأما عند المَرْجِعِ إليه، فإنه يُنَبِّئُهم بذلك بالمُجازاةِ التي لا يشُكُّون معها في معرفةِ المُحِقِّ والمُبْطِلِ، ولا يَقْدِرون على إدْخال اللَّبْسِ معها على أنفسِهم، فكذلك خبرُه تعالى ذكرُه أنه يُنبِّئُنا عندَ المرجِعِ إليه بما كنا فيه نَخْتَلِفُ في الدنيا، وإنما معنى ذلك: إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم جميعًا، فتَعْرِفون المُحِقَّ حينئذٍ مِن المُبطِلِ منكم. كما حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ حُبابٍ، عن أبي سنانٍ، قال: سَمِعْتُ الضَّحاكَ يقولُ: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾. قال: أمةُ محمدٍ ﷺ ، البَرُّ والفاجرُ (٢).

стр. 5788

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩)﴾. يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾: وأَنْزَلْنا إليك يا محمدُ الكتابَ مُصَدِّقًا لما بيَن يديه مِن الكتابِ، وأنِ احكُمْ بينَهم فـ "أن" في موضعِ نصبٍ بـ "التنزيلِ". ويعنى بقولِه: ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾: بحكمِ اللَّهِ الذي أَنْزَله إليك في كتابِه. وأما قولُه: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾. فإنه نهْىٌ مِن اللَّهِ نبيَّه محمدًا ﷺ أَن يَتَّبِعَ أهْواءَ اليهودِ الذين احْتَكموا إليه في قتيلِهم وفاجِرَيْهم، وأمْرٌ منه له بلُزومِ العملِ بكتابِه الذي أنْزَله إليه. وقولُه: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : واحْذَرْ يا محمدُ هؤلاء اليهودَ الذين جاءُوك مُحْتَكِمين إليك، أن يَفْتِنوك فيَصُدُّوك عن بعضِ ما أَنْزَل اللَّهُ إليك مِن حكمِ كتابِه، فيَحْمِلوك على تركِ العملِ به واتِّباع أهْوائِهم. وقولُه: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فإن توَلَّى هؤلاء اليهودُ الذين اختَصَموا إليك عنك، فترَكوا العملَ بما حكَمْتَ به عليهم وقضَيْتَ فيهم، ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾. يقولُ: فاعْلَمْ أنهم لم يَتَوَلَّوْا عن الرضا بحكمِك وقد قضَيْتَ بالحقِّ، إلا مِن أجلِ أن اللَّهَ يُريدُ أن يَتَعَجَّلَ عقوبتَهم في عاجلِ الدنيا ببعضِ ما قد سلَف مِن ذنوبِهم، ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾. يقولُ: وإن كثيرًا مِن اليهودِ ﴿لَفَاسِقُونَ﴾. يقولُ: لتارِكُو العمل بكتابِ اللَّهِ، والخارِجون عن طاعتِه إلى معصيتِه.

стр. 5789

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك جاءَت الروايةُ عن أهلِ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا يونُسُ بنُ بُكَيْرٍ، عن محمدِ بن إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولى زيدِ بن ثابتٍ، قال: ثنى سعيدُ بنُ جُبيرٍ، أو عكرمةُ، عن ابن عباسٍ، قال: قال كعبُ بنُ أسدٍ وابنُ صُورِيَا وشأسُ بنُ قيسٍ بعضُهم لبعضٍ: اذْهَبوا بنا إلى محمدٍ لعلنا نَفْتِنُه عن دينِه. فأتَوْه فقالوا: يا محمدُ، إنك قد عرَفْتَ أنَّا أحْبارُ يهودَ وأشْرافُهم وساداتُهم، وإنّا إن اتَّبَعْناك اتبَعَنا يهودُ ولم يُخالِفونا، وإن بينَنا وبيَن قومِنا خُصومةً، فنُحاكمُهم إليك، فتَقْضِى لنا عليهم ونُؤْمِنُ لك ونُصَدِّقُك. فأبَى رسولُ اللَّهِ ﷺ ، فأنْزَل اللَّهُ فيهم: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ إلى قولِه: ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (١). حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾. قال: أن يقولوا: في التوراةِ كذا. وقد بيَّنا لك ما في التوراةِ. وقرَأ: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] بعضُها ببعضٍ (٢). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن مُغيرةَ، عن الشعبيِّ، قال: دخَل المَجوسُ مع أهلِ الكتابِ في هذه الآيةِ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾.

стр. 5790

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أيَبْغِى هؤلاء اليهودُ الذين احتَكَموا إليك فلم يَرْضَوْا بحكمِك، إذ حكَمْتَ فيهم بالقِسْطِ - حكمَ الجاهليةِ؟ يعنى أحكامَ عَبَدةِ الأوثانِ مِن أهلِ الشركِ، وعندَهم كتابُ اللَّهِ فيه بَيانُ حَقيقةِ الحكمِ الذي حكَمْتَ به فيهم، وأنه الحقُّ الذي لا يَجوزُ خِلافُه. ثم قال تعالى ذكرُه مُوَبِّخًا لهؤلاء الذين أبَوْا قَبولَ حكمِ رسولِ اللَّهِ ﷺ عليهم ولهم مِن اليهودُ، ومُسْتَجْهِلًا فعلَهم ذلك منهم: ومَن هذا الذي هو أحسنُ حُكْمًا أيُّها اليهودُ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه عندَ مَن كان يُوقِنُ بوَحْدانيةِ اللَّهِ ويُقِرُّ بربوبيتِه؟ يقولُ تعالى ذكرُه: أيُّ حكمٍ أحسنُ مِن حكمِ اللَّهِ إن كنتم مُوقِنِين أن لكم ربًّا، وكنتم أهلَ توحيدٍ وإقرارٍ به؟ وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال مجاهدٌ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾. قال: يهودُ (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾: يهودُ. حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا شيخٌ، عن مجاهدٍ: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾. قال: يهودُ.

стр. 5791

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾. اختَلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بهذه الآيةِ، وإن كان مأمورًا بذلك جميعُ المؤمنين؛ فقال بعضُهم: عُنِى بذلك عُبادةُ بنُ الصامتِ وعبدُ اللَّهِ بنُ أُبَيٍّ ابن سَلُولَ، في بَراءةِ عُبادةَ مِن حِلْفِ اليهودِ، وفى تمسُّكِ عبدِ اللَّهِ بن أُبَيٍّ ابن سَلُولَ بِحِلْفِ اليهودِ، بعدَ ما ظهَرَت عداوتُهم للَّهِ ولرسولهِ ﷺ ، وأخْبَرَه اللَّهُ أنه إذا تولَّاهم وتمَسَّك بحلْفِهم أنه منهم في براءتِه مِن اللَّهِ ورسولِه كَبَراءتِهم منهما. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: سَمِعْتُ أبى، عن عطيةَ بن سعدٍ، قال: جاء عُبادةُ بنُ الصامتِ مِن بنى الحارثِ بن الخزرجِ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، إن لى مَوالىَ مِن يهودَ كثيرٌ عددُهم، وإِنَّى أَبْرَأُ إِلى اللَّهِ ورسولِه مِن وَلايةِ يهودَ، وأَتَوَلَّى اللَّهَ ورسولَه. فقال عبدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: إنى رجلٌ أَخَافُ الدَّوائرَ، لا أَبْرَأُ مِن وَلايةِ مواليَّ. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ لعبدِ اللَّهِ بن أُبَيٍّ: "يا أبا الحُبابِ، ما بخِلْتَ به مِن وَلايةِ يَهودَ على عُبادةَ بن الصامتِ فهو إليك دونَه". قال: قد قبلْتُ. فأنْزَل اللَّهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ إلى قولِه: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ (١). حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا يونُسُ بنُ بُكيرٍ، قال: ثنى عثمانُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن الزُّهريِّ، قال: لما انْهَزَم أهلُ بدرٍ قال المسلمون لأوليائِهم مِن يهودَ: آمِنوا قبلَ أن يُصِيبَكم اللَّهُ بيومٍ مثل يومِ بدرٍ. فقال مالكُ بنُ صَيْفٍ: غرَّكم أن أَصَبْتُم رَهْطًا مِن

стр. 5792

قريشٍ لا عِلْمَ لهم بالقتالِ، أمَا لو أمْرَرْنا (١) العزيمةَ أن نَسْتَجمِعَ عليكم لم يَكُنْ لكم يدٌ أن تُقاتِلونا. فقال عُبادةُ: يا رسولَ اللَّهِ، إن أوليائى مِن اليهودِ كانت شديدةً أنفسُهم، كثيرًا سلاحُهم، شديدةً شَوْكتُهم، وإنى أَبْرَأُ إلى اللَّهِ وإلى رسولِه مِن وَلايتِهم، ولا مَوْلَى لى إلا اللَّهُ ورسولُه. فقال عبدُ اللَّهِ بنُ أُبَيٍّ: لكنى لا أَبْرَأُ مِن وَلَاءِ يَهُودَ، إنى رجلٌ لا بدَّ لى منهم. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "يا أبا حُبابٍ، أَرَأَيْتَ الذي نَفِسْتَ بِهِ مِن وَلاءِ يَهودَ على عُبادةَ فهو لك دونَه". قال: إذن أَقْبَلُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ إلى أن بلَغ إلى قولِه: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (٢). حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا يونُسُ، قال: ثنا ابن إسحاقَ، قال: ثنى والدى إسحاقُ بن يَسارٍ، عن عُبادةَ بن الوليدِ بن عُبادةَ بن الصامتِ، قال: لمَّا حارَبَت بنو قَيْنُقَاعَ رسولَ اللَّهِ ﷺ ، تشَبَّث بأمرِهم عبدُ اللَّهِ بنُ أبَيٍّ، وقام دونَهم، ومَشَى عُبادةُ بنُ الصامتِ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ ، وكان أحدَ بنى عوفِ بن الخزرجِ، له من حِلْفِهم مثلُ الذي لهم مِن عبدِ اللَّهِ بن أُبَيٍّ، فخلَعهم إلى رسول اللَّهِ ﷺ ، وتبَرَّأ إلى اللَّهِ وإلى رسولِه مِن حِلفِهم، وقال: يا رسولَ اللَّهِ، أَتَبَرَّأُ إِلى اللَّهِ وإلى رسولِه مِن حِلفِهم، وأَتَوَلَّى اللَّهَ ورسولَه والمؤمنين، وأَبْرَأُ مِن حِلفِ الكفارِ ووَلايتِهم. ففيه وفى عبدِ اللَّهِ ابن أُبَيٍّ نزَلَت الآياتُ في "المائدةِ": ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ الآية (٣).

стр. 5793

وقال آخَرون: بل عُنِى بذلك قومٌ مِن المؤمنين، كانوا همُّوا حيَن نالَهم بأُحُدٍ مِن أعدائِهم مِن المشركين ما نالَهم أن يَأْخُذوا مِن اليهودِ عِصَمًا، فنهاهم اللَّهُ عن ذلك، وأَعْلَمَهم أن مَن فعَل ذلك منهم فهو منهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ قال: لما كانت وقْعةُ أُحُدٍ، اشتَدَّ على طائفةٍ مِن الناسِ، وتخَوَّفوا أن يُدَالَ عليهم الكفارُ، فقال رجلٌ لصاحبِه: أمّا أنا فأَلْحَقُ بدهلك (١) اليهوديِّ، فآخُذُ منه أمانًا وأَتَهَوَّدُ معه، فإنى أَخافُ أن تُدَالَ علينا اليهودُ. وقال الآخَرُ: أما أنا فأَلْحَقُ بفلانٍ النَّصْرانيِّ ببعضِ أرضِ الشامِ، فآخُذُ منه أمانًا وأَتَنَصَّرُ معه، فأنْزَل اللَّهُ تعالى ذكرُه يَنْهاهما: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢). وقال آخَرون: بل عُنِى بذلك أبو لُبابةَ بنُ عبدِ المنذرِ في إعلامِه بنى قُرَيظةَ إذ رَضُوا بحكمِ سعدٍ، أنه الذبحُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾. قال: بعَث رسولُ اللَّهِ ﷺ أبا لُبابةَ بنَ عبدِ المنذرِ مِن

стр. 5794

الأوْسِ، وهو مِن بنى عمرِو بن عوفٍ، فبعَثَه إلى قُرَيْظةَ حيَن نقَضَت العهدَ، فلمَّا أطاعوا له بالنزولِ، أشار إلى حلقِه: الذَّبْحَ الذَّبْحَ (١). والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن يُقالَ: إن اللَّهَ تعالى ذكرُه نهَى المؤمنين جميعًا أن يَتَّخِذوا اليهودَ والنصارَى أنصارًا وخُلفاءَ على أهلِ الإيمانِ باللَّه ورسولِه (٢)، وأَخْبَر أَنه مَن اتَّخَذَهم نَصِيرًا وحَليفًا وولِيًّا مِن دونِ اللَّهِ ورسولِه والمؤمنين فإنه منهم في التَّحَزُّبِ على اللَّهِ وعلى رسولِه والمؤمنين، وأن اللَّهَ ورسولَه منه بَرِيئان. وقد يَجوزُ أن تَكونَ الآيةُ نزَلَت في شأنِ عُبادةَ بن الصامتِ وعبدِ اللَّهِ بن أُبَيٍّ بن سَلُول وحُلَفائِهما مِن اليهودِ، ويَجوزُ أن تَكونَ نزَلَت في أبى لُبابةَ بسببِ فعلِه في بنى قُريظةَ، ويَجوزُ أن تَكونَ نزَلَت في شأنِ الرجلَيْن اللذين ذكَر السُّدِّيُّ أن أحدَهما همَّ باللِّحاقِ بدهلك اليهوديِّ، والآخَرَ بنَصْرانيٍّ بالشامِ، ولم يَصِحَّ بواحدٍ مِن هذه الأقوالِ الثلاثةِ خبرٌ يَثْبُتُ بمثلِه حُجَّةٌ فيُسَلَّمَ لصحتِه القولُ بأنه كما قيل. فإذ كان ذلك كذلك، فالصواب أن يُحْكَمَ لظاهرِ التنزيلِ بالعمومِ على ما عمَّ، ويَجوزُ ما قاله أهلُ التأويلِ فيه مِن القولِ الذي لا علمَ عندَنا بخلافِه، غيرَ أنه لا شَكَّ أن الآيةَ نزَلَت في مُنافِقٍ كان يُوالِى يهودَ أو نصارى، خوفًا (٣) على نفسِه مِن دَوائرِ الدهرِ؛ لأن الآيةَ التي بعدَ هذه تَدُلُّ على ذلك، وذلك قولُه: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ الآية. وأما قولُه: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾. فإنه عنَى تعالى ذكرُه بذلك أن بعضَ اليهودِ أنصارُ بعضِهم على المؤمنين، ويدٌ واحدةٌ على جميعِهم، وأن النصارى

стр. 5795

كذلك بعضُهم أنصارُ بعضٍ على مَن خالَف دينَهم وملتَهم، مُعَرِّفًا بذلك عبادَه المؤمنين أن مَن كان لهم أو لبعضِهم وليًّا، فإنما هو وليُّهم على مَن خالَف ملتَهم ودينَهم مِن المؤمنين، كما اليهودُ والنصارى لهم حَرْبٌ، فقال تعالى ذكرُه للمؤمنين: فكونوا أنتم أيضًا بعضُكم أولياءُ بعضٍ، ولليهوديِّ والنصرانيِّ حربًا كما هم لكم حربٌ، وبعضُهم لبعضٍ أولياءُ؛ لأن مَن والاهم فقد أظْهَر لأهلِ الإيمانِ الحربَ، ومنهم البَراءةَ، وأبان قطعَ وَلايتِهم. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾. يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾: وَمَن يَتَوَلَّ اليهودَ والنصارى دونَ المؤمنين ﴿فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾. يقولُ: فإن مَن توَلَّاهم ونصَرهم على المؤمنين، فهو مِن أهلِ دينِهم وملتِهم، فإنه لا يَتَوَلَّى مُتَوَلٍّ أحدًا إلا وهو به وبدينِه وما هو عليه راضٍ، وإذا رضِيه ورضِى دينَه فقد عادَى ما خالَفه وسخِطَه، وصار حكمُه حكمَه، ولذلك حكَم مَن حكَم مِن أهلِ العلمِ لنصارى بنى تَغْلِبَ في ذَبائحِهم ونكاحِ نسائِهم وغيرِ ذلك مِن أمورِهم، بأحكامِ نصارَى بنى إسرائيلَ؛ لموالاتِهم إياهم، ورِضاهم بملتِهم، ونُصْرتِهم لهم عليها، وإن كانت أنسابُهم لأنسابِهم مُخالِفةً، وأصلُ دينِهم لأصلِ دينِهم مُفارقًا. وفي ذلك الدلالةُ الواضحةُ على صحةِ ما نقولُ، مِن أَن كُلَّ مَن كان يَدِينُ بدينٍ، فله حكمُ أهلِ ذلك الدينِ؛ كانت دَيْنُونتُه به قبلَ مجئِ الإسلامِ أو بعدَه، إلا أن يَكونَ مُسلمًا مِن أهلِ دينِنا، انتَقَل إلى ملةٍ غيرِها، فإنه لا يُقَرُّ على ما دان به فانتَقَل إليه، ولكن يُقْتَلُ لرِدَّتِه عن الإسلامِ، ومُفارقتِه دينَ الحقِّ، إِلا أَن يَرْجِعَ قبلَ القتلِ إلى الدينِ الحقِّ - وفسادِ ما خالَفه مِن قولِ مَن زعَم أنه لا يُحْكَمُ بحكمِ أهلِ الكتابين لمن دان بدينِهم، إلا أن يكونَ إسرائيليًّا، أو مُنتَقِلًا إلى دينِهم مِن غيرِهم قبلَ نُزولِ

стр. 5796

الفُرقانِ، فأما مَن دان بدينِهم بعدَ نزولِ الفرقانِ، ممَّن لم يَكُنْ منهم، ممَّن خالَف نسبُه نسبَهم، وجنسُه جنسَهم، فإن حكمَه لحكمِهم مخالفٌ. ذكرُ مَن قال بما قلْنا مِن التأويلِ حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حُميدُ بنُ عبدِ الرحمنِ الرُّؤاسيُّ، عن ابن أبي ليلى، عن الحكمِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: سُئِل ابن عباسٍ عن ذَبائحِ نصارَى العربِ، فقرَأ: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى مُعاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ في هذه الآيةِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ أَنها في الذبائحِ، مَن دخَل في دينِ قومٍ فهو منهم (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا حَجَّاجٌ، قال: ثنا حمادٌ، عن عَطاءِ بن السائبِ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: كُلُوا مِن ذَبائحِ بنى تَغْلِبَ، وتزَوَّجوا مِن نسائِهم، فإن اللَّهَ يقولُ في كتابِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾. ولو لم يَكونوا منهم إلا بالوَلايةِ لكانوا منهم (٣). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حسينُ (٤) بنُ عليٍّ، عن زائدةَ، عن هشامٍ، قال:

стр. 5797

كان الحسنُ لا يَرَى بذَبائحِ نَصَارَى العرب، ولا نكاح نسائِهم بأسًا، وكان يَتْلُو هذه الآيةَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾. حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخْبرَنا ابن المبارَكِ، عن هارونَ بن إبراهيمَ، قال: سُئِل ابن سِيرينَ عن رجلٍ يَبِيعُ داره مِن نصارى يَتَّخِذونها بيعةً. قال: فتلا هذه الآيةَ: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾. القولُ في تأويلِ قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١)﴾ يعنى تعالى ذكره بذلك: إن اللَّهَ لا يُوَفِّقُ مَن وضَع الوَلايةَ في غيرِ موضعِها، فوالَى اليهودَ والنصارَى مع عَداوتِهم اللَّهَ ورسولَه والمؤمنين، على المؤمنين، وكان لهم ظَهيرًا ونَصيرًا؛ لأن مَن توَلَّاهم فهو للَّهِ ولرسولِه وللمؤمنين حربٌ. وقد بيَّنا معنى "الظلمِ" في غيرِ هذا الموضعِ، وأنه وضْعُ الشيءِ في غيرِ موضعِه بما أَغْنَى عن إعادتِه (١). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾. اخْتَلَف أهل التأويلِ في مَن عُنِى بهذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: عُنِي بها عبدُ اللَّهِ بنُ أُبَيٍّ ابن سَلُولَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابن إدْريسَ، قال: سَمِعْتُ أبي، عن عَطيةَ بن سعيدٍ: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: عبدُ اللَّهِ بنُ أُبَيٍّ، ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾:

стр. 5798

في وَلايتِهم، ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ إلى آخرِ الآيةِ ﴿فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ (١). حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا يونُسُ بنُ بُكَيْرٍ، قال: ثنا ابن إسحاقَ، قال: ثنى والدى إسحاق بنُ يَسارٍ، عن عُبادةَ بن الوليدِ بن عُبادةَ بن الصامتِ: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: يعني عبدَ اللَّهِ بنَ أُبيٍّ، ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾؛ لقولِه: إنى أَخْشَى دائرةً تُصِيبُنى (٢). وقال آخَرون: بل عُنِى بذلك قومٌ من المنافقين كانوا يُناصِحون اليهودَ ويَغُشُّون المؤمنين ويقولون: نَخْشَى أن تكونَ الدائرة (٣) لليهودِ على المؤمنين. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾. قال: المنافقون في مُصانَعةِ يهودَ ومُناجاتِهم، واسْتِرْضاعِهم أولادَهم إياهم. و (٤) قولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾. قال: يقولُ: نَخْشَى أن تَكونَ الدائرةُ لليهودِ (٥).

стр. 5799

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ إلى قوله: ﴿نَادِمِينَ﴾: أُناسٌ مِن المنافِقِين كانوا يُوَادُّون اليهودَ ويُناصِحونهم دونَ المؤمنين (١). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾. قال: شَكٌّ، ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾. والدائرةُ ظهورُ المشركين عليهم (٢). والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن يُقالَ: إن ذلك من اللَّهِ تعالى ذكرُه خبرٌ عن ناسٍ من المنافقين كانوا يُوالُون اليهودَ والنصارى، ويَغُشُّون المؤمنين، ويقولون: نَخْشَى أَن تَدورَ دَوائرُ - إما لليهودِ والنصارى، وإما لأهلِ الشركِ مِن عَبَدةِ الأوثانِ أو غيرِهم - على أهلِ الإسلام، أو تَنْزِلَ بهؤلاء المنافقين نازلةٌ، فيَكونَ بنا إليهم حاجةٌ. وقد يَجوزُ أن يَكونَ ذلك كان مِن قولِ عبدِ اللَّهِ بن أُبَيٍّ، ويَجوزُ أَن يَكُونَ كان مِن قولِ غيرِه، غيرَ أنه لا شَكّ أنه مِن قولِ المنافقين. فتأويلُ الكلامِ إذن: فتَرَى يا محمدُ الذين في قلوبِهم شكٌّ ومرضُ إيمانٍ بنبوتِك، وتصديقِ ما جئْتَهم به مِن عندِ ربِّك، ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾. يعنى: في اليهودِ والنصارى. ويعنى بُمسارعتهم فيهم، مُسارعَتَهم في مُوالاتِهم ومُصانَعتِهم، ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾. يقولُ هؤلاء المنافقون: إنما نُسارِعُ في مُوالَاةِ

стр. 5800

هؤلاء اليهود والنصارى خوفًا من دائرةٍ تَدورُ علينا مِن عدوِّنا. ويعنى بالدائرةِ الدَّوْلةَ. كما قال الراجزُ (١): يَرُدُّ عنك القَدَرَ المَقْدُورَا ودائراتِ (٢) الدَّهْرِ أَن تَدُورَا يعنى: أن تَدولَ للدهرِ دوْلةٌ، فنَحْتاجَ إلى نُصْرتهم إيانا، فنحن نُوالِيهم لذلك. فقال اللَّهُ تعالى ذكرُه لهم: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾. يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾: فلعلَّ اللَّهَ أن يَأْتِيَ بالفتحِ. ثم اخْتَلَفوا في تأويلِ "الفتحِ" في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: عُنِى به ههنا القَضاءُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾. قال: بالقَضاءِ (٣). وقال آخَرون: عُنِى به فتحُ مكةَ.

стр. 5801

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أَسْباطُ، عن السديِّ: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾. قال: فتحُ مكةَ (١). والفتحُ في كلامِ العربِ هو القضاءُ كما قال قتادةُ، ومنه قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩]. وقد يجوز أن يَكونَ ذلك القضاءُ الذي وعَد اللَّهُ نبيَّه محمدًا ﷺ بقولِه: هو ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾. فتحَ مكةَ؛ لأن ذلك كان مِن عظيمِ قَضاءِ اللَّهِ وفَصْلِ حُكْمِه بينَ أهلِ الإيمانِ والكفرِ، ويُقَرِّرُ عندَ أهلِ الكفرِ والنِّفاقِ أن اللَّهَ مُعْلِى كلمته، ومُوهِنُ كيدِ الكافرين. وأما قولُه: ﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾. فإن السديَّ كان يقولُ في ذلك ما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾. قال: الأمرُ الجِزْيةُ (٢) وقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ الأمرُ الذي وعَد اللَّهُ نبيَّه محمدًا ﷺ أن يَأْتِيَ به هو الجزيةَ، ويَحْتَمِلُ أن يَكونَ (٣) غيرَها، غيرَ أنه أيُّ ذلك كان، فهو مما فيه إدالةُ المؤمنين على أهلِ الكفرِ باللَّهِ وبرسولِه، ومما يَسُوءُ المنافقين ولا يَسُرُّهم، وذلك أن اللَّهَ تعالى ذكرُه قد أخْبَر عنهم أن ذلك الأمرَ إذا جاء أصْبَحوا على ما أسَرُّوا في أنفسِهم نادمين. وأما قولُه: ﴿فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾. فإنه يعنى هؤلاء المنافقين الذين كانوا (٤) يُوالُون اليهودَ والنصارى. يقولُ تعالى ذكرُه: لعلَّ اللَّهَ أَن يَأْتِيَ

стр. 5802

بأمرٍ مِن عندِه يُدِيلُ به المؤمنين على الكافرين؛ اليهودِ والنصارى وغيرِهم مِن أهلِ الكفرِ، فيُصْبحَ هؤلاء المنافقون على ما أسَرُّوا في أنفسِهم مِن مُخالَّةِ اليهودِ والنصارى ومَوَدَّتِهم وبغْضةِ المؤمنين ومُحادَّتِهم نادمين. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾: مِن مُوادَّتِهم اليهود، ومِن غِشِّهم للإسلامِ وأهلِه (١). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (٥٣)﴾. اخْتَلَفَت القَرأَةُ في قراءةِ قوله: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ فقرَأَتها قَرَأَةُ أَهلِ المدينةِ: (فيُصبحوا على ما أسَرُّوا في أنفسهم نادمين يقولُ الذين آمَنُوا أهؤلاء الذين أقسَمُوا باللَّهِ). بغيرِ واوٍ (٢). وتأويلُ الكلامِ على هذه القراءةِ: فيُصْبحُ المنافقون إذا أَتَى اللَّهُ بالفتحِ أو أمْرٍ مِن عندِه، على ما أسَرُّوا في أنفسهم نادمين، يقولُ المؤمنون تَعَجُّبًا منهم ومِن نفاقِهم وكذبِهم واجْتِرائِهم على اللَّهِ في أيْمانهم الكاذبةِ باللَّهِ: أهؤلاء الذين أقْسَموا لنا باللَّهِ إنهم لمعنا وهم كاذبون في أيْمانهم لنا. وهذا المعنى قصَد مجاهدٌ في تأويلِه ذلك الذي حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾: حينَئذٍ (يقولُ الذين آمَنوا أهؤلاء أقسَموا باللهِ جهدَ أيمانهم إنَّهم لمعكم حبطَت أعمالُهم فأصبحَوا خاسرين) (٣).

стр. 5803

وكذلك ذلك في مَصاحِفِ أهلِ المدينة بغيرِ واوٍ (١). وقرَأ ذلك بعضُ البصريين: (وَيَقُولَ الَّذِينَ آمَنُوا) بالواوِ ونصبِ "يقولَ" (٢) عطفًا به على ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾. وذكر قارئُ ذلك أنه كان يَقولُ: إنما أُريدُ بذلك: فعسى اللَّهُ أن يَأْتِىَ بالفتحِ، وعسى أن يقولَ الذين آمنوا. ومُحالٌ غيرُ ذلك؛ لأنه لا يجوز أن يُقالَ: وعسى اللَّهُ أن يقول الذين آمنوا. وكان يقولُ: ذلك نحوُ قولِهم: أكَلْتُ خبزًا ولبنًا. وكقولِ الشاعرِ (٣): ورأيْتِ زوجَكِ في الوَغَى … مُتَقَلِّدًا سيفًا ورُمْحا فتأويل الكلام على هذه القراءةِ: فعسى اللَّهُ أن يَأْتِيَ بالفتحِ المؤمنين، أو أَمْرٍ مِن عندِه يُدِيلُهم به على أهلِ الكفر مِن أعدائِهم، فيُصْبحَ المنافقون على ما أسَرُّوا في أنفسِهم نادمين، وعسى أن يقولَ الذين آمنوا حينَئذٍ: هؤلاء الذين أَقْسَمُوا باللَّهِ كذبًا جَهْدَ أيْمانِهم إنهم لمعكم؟ وهى في مَصاحِفِ أهلِ العراقِ بالواو: (ويقولُ الذين آمنوا) (٤). وقرَأ ذلك قرَأَةُ الكوفيين: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالواوِ ورفع "يقولُ" بالاسْتِقْبالِ والسَّلامةِ مِن الجَوازمِ والنَّواصِبِ (٥). وتأويلُ مَن قرَأ ذلك كذلك: فيُصْبِحوا على ما أَسَرُّوا في أنفسِهم يَنْدَمُون، ويقولُ الذين آمَنوا. فيَبْتَدِئُ "يقولُ" فيَرْفَعُها. وقراءتنا التي نحن عليها: ﴿وَيَقُولُ﴾ بإثبات الواوِ في ﴿وَيَقُولُ﴾؛ لأنها كذلك

стр. 5804

هي في مَصاحفِنا مَصاحِفِ أهلِ المشرقِ، بالواوِ، وبرفعِ ﴿يَقُولُ﴾ على الابْتِداءِ. فتأويلُ الكلامِ إذ كان القراءةُ عندَنا على ما وصَفْنا: فيُصْبِحوا على ما أسَرُّوا في أنفسِهم نادمين، ويقولُ المؤمنون: أهؤلاء الذين حلَفوا لنا باللَّهِ جَهْدَ (١) أيْمانهم كَذِبًا إنهم لمعنا؟ يقولُ اللَّهُ تعالى ذكرُه مُخْبِرًا عن حالِهم عندَه بنِفاقِهم، وخُبْثِ أعمالِهم: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾. يقولُ: ذهَبَت أعمالهم التي عمِلوها في الدنيا باطلًا لا ثَوابَ لها ولا أجرَ؛ لأنهم عمِلوها على غيرِ يَقينٍ منهم بأنها عليهم للَّهِ فرضٌ واجبٌ، ولا على صحةِ إيمانٍ باللَّهِ ورسولِه، وإنما كانوا يَعْمَلونها ليَدْفَعوا المؤمنين بها عن أنفسِهم وأموالِهم وذَراريِّهم، فأَحْبَط اللَّهُ أَجْرَها، إذ لم تَكُنْ له. ﴿فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾. يقولُ: فأصْبَح هؤلاء المنافقون عندَ مَجِيءِ أمْرِ اللَّهِ بإدالةِ المؤمنين على أهلِ الكفرِ قد وُكِسوا في شرائِهم الدنيا بالآخرةِ، وخابَت صَفْقتُهم وهلَكوا. القولُ في تأويلِ قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين باللَّهِ وبرسوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. أَي: صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، وأَقَرُّوا بما جاءَهم به نبيُّهم محمدٌّ ﷺ ، ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾. يقولُ: مَن يَرْجِعْ منكم عن دينِه الحقِّ الذي هو عليه اليومَ، فيُبَدِّله ويُغَيِّرْه بدخولِه في الكفرِ، إما في اليهوديةِ أو النصرانيةِ أو غيرِ ذلك مِن صنوفِ الكفرِ، فلن يَضُرَّ اللَّهَ شيئًا، وسيَأْتِى اللَّهُ بقومٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونه. يقولُ: فسوف يَجِيءُ اللَّهُ بدلًا منهم، المؤمنين الذين لم يُبَدِّلوا ولم يُغَيِّروا ولم يَرْتَدُّوا، بقومٍ خيرٍ مِن الذين ارْتَدُّوا

стр. 5805

وبدَّلوا دينَهم، يُحِبُّهم اللَّهُ ويُحِبُّون اللَّهَ. وكان هذا الوعيدُ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه لمَن سبَق في علمِه أنه سيَرْتَدُّ بعدَ وفاةِ نبيِّه محمدٍ ﷺ ، وكذلك وعْدُه من وعَد مِن المؤمنين ما وعَده في هذه الآيةِ، لمن سبَق له في علمِه أنه لا يُبَدِّلُ ولا يُغَيِّرُ دينَه ولا يَرْتَدُّ، فلمَّا قبَض الله نبيَّه ﷺ ارْتَدَّ أَقْوامٌ مِن أهلِ الوَبَرِ وبعضُ أهلِ المَدَرِ، فأبْدَل اللَّهُ المؤمنين بخيرٍ منهم كما قال تعالى ذكرُه، ووفَّى للمؤمنين بوعدِه، وأنْفَذ في من ارتَدَّ منهم وَعِيدَه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: أَخْبَرَني عبدُ اللَّهِ بنُ عَيَّاشٍ، عن أبي صَخْرٍ، عن محمدِ بن كعبٍ، أن عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ أرْسَل إليه يومًا، وعمرُ أميرُ المدينةِ يومَئذٍ، فقال: يا أبا حمزةَ، آيةٌ أَسْهَرَتْني البارحةَ. قال محمدٌ: وما هي أيُّها الأميرُ؟ قال: قولُ اللَّهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ حتى بلَغ ﴿وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾. فقال محمدٌ: أيُّها الأميرُ، إنما عنَى اللَّهُ بالذين آمَنوا الوُلاةَ مِن قريشٍ مَن يَرْتَدُّ عن الحقِّ (١). ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في أعْيانِ القومِ الذين أتَى اللَّهُ بهم المؤمنين، وأبْدَل المؤمنين مكانَ مَن ارْتَدَّ منهم؛ فقال بعضُهم: هو أبو بكرٍ الصديقُ وأصحابُه الذين قاتَلوا أهلَ الرِّدَّةِ حتى أدْخَلوهم مِن البابِ الذي خرَجوا منه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِياثٍ، عن الفضلِ بن دَلْهَمٍ، عن

стр. 5806

الحسنِ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾. قال: هذا واللَّهِ أبو بكرٍ وأصحابه. حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن الفضلِ بن دَلْهَمٍ، عن الحسنِ مثلَه (١). حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا عَبْدةُ بنُ سُليمانَ، عن جُوَيْبِرٍ، عن سهل، عن الحسنِ في قولِه: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾. قال: أبو بكرٍ وأصحابُه. حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا حسينُ بنُ عليٍّ، عن أبي موسى، قال: قرَأ الحسنُ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾. قال: هي واللَّهِ لأبي بكرٍ وأصحابِه (٢). حدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأوْديُّ، قال: ثنا أحمدُ بنُ بَشِيرٍ، عن هشامٍ، عن الحسنِ في قوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾. قال: نزَلَت في أبى بكرٍ وأصحابِه. حدَّثني عليُّ بنُ سعيدِ بن مَسْروقٍ الكِنْديُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بن محمدٍ المحُارِبيُّ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضَّحَّاكِ في قوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾. قال: هو أبو بكرِ وأصحابُه؛ لمّا ارْتَدَّ مَن ارْتَدَّ مِن العربِ عن الإسلامِ، جاهَدَهم أبو بكرٍ [وأصحابُه] (٣)، حتى ردَّهم إلى الإسلامِ (٤).

стр. 5807

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يَزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾: أنْزَل اللَّهُ هذه الآيةَ وقد علِم أن سيَرْتَدُّ مُرْتَدُّون من الناسِ، فلما قبَض اللَّهُ نبيَّه محمدًا ﷺ ، ارْتَدَّ عامَّةُ العربِ عن الإسلامِ، إلا ثلاثةَ مَساجدَ؛ أهلُ المدينةِ، وأهلُ مكةَ، وأهلُ البَحْرَيْنِ مِن عبدِ القيسِ. قالوا: نُصَلِّي ولا نُزَكِّي، واللَّهِ لا تُغْصَبُ أموالُنا. فكُلِّم أبو بكرٍ في ذلك فقيل له: إنهم لو قد فُقِّهوا لهذا، أعْطَوْها - [أو أدَّوها] (١) - فقال: لا واللَّهِ، لا أُفَرِّقُ بينَ شيءٍ جمَع اللَّهُ بينَه، ولو منَعوا عِقالًا مما فرَض اللَّهُ ورسولُه لقاتَلْناهم عليه. فبعَث اللَّهُ عِصابةً مع أبى بكرٍ، فقاتَل على ما قاتَل عليه نبيُّ اللَّهِ ﷺ ، حتى سبَى وقتَل وحرَّق بالنيرانِ أُناسًا ارْتَدُّوا عن الإسلامِ ومنَعوا الزكاةَ، فقاتَلَهم حتى أقَرُّوا بالماعونِ، وهى الزكاةُ، صَغَرَةً أَقْمِياءَ (٢)، فأتَتْه وُفودُ العربِ، فخيَّرهم بينَ خُطَّةٍ مُخْزِيَةٍ، أو حربٍ مُجْلِيَةٍ، فاخْتارُوا الخُطَّةَ المُخْزيةَ، وكانت أهْونَ عليهم؛ أن يَشْهَدوا (٣) أن قَتْلاهم في النارِ، وأن قَتْلى المؤمنين في الجنةِ، وأن ما أصابوا مِن المسلمين مِن مالٍ رَدُّوه عليهم، وما أصاب المسلمون لهم مِن مالٍ فهو لهم حَلالٌ (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجَّاجُ، عن ابن جُرَيْجٍ قولَه:

стр. 5808

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾. قال ابن جُرَيْجٍ: ارْتَدُّوا حينَ تُوُفِّي رسولُ اللَّهِ ﷺ ، فقاتَلَهم أبو بكرٍ (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ هاشمٍ (٢)، قال: أَخْبَرَنا سيفُ بنُ عمرَ (٣)، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن أبي أيوب، عن عليٍّ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾. قال: علِم الله المؤمنين، ووقَع (٤) معنى السُّوءِ على الحَشْوِ الذي فيهم مِن المنافقين ومَن في علمِه أن يَرْتَدُّوا. قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ﴾ المُرْتَدَّةَ [في دُورِهِم] (٥) ﴿بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ بأبي بكرٍ وأصحابِه. وقال آخَرون: يعنى بذلك قومًا مِن أهلِ اليمنِ. وقال بعضُ مَن قال ذلك منهم: هم رَهْطُ أبي موسى الأَشْعَريِّ عبدِ الأَشْعَرى عبدِ اللَّهِ بن قيس. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سِماكِ بن حربٍ، عن عِياضٍ الأشْعَريِّ، قال: لما نزَلَت هذه الآيةُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾. قال: أَوْمَأ رَسولُ اللَّهِ ﷺ إلى أبي موسى بشيءٍ كان معه، فقال: "هم قومُ هذا" (٦).

стр. 5809

حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو الوليدِ، قال: ثنا شعبةُ، عن سِماكِ بن حربٍ، قال: سمِعْتُ عِياضًا يُحَدِّثُ عن أبي موسى، أن النبيَّ ﷺ قرَأ هذه الآيةَ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾. قال: "يعنى قومَ أبي موسى" (١). حدَّثني أبو السائبِ سَلْمُ بنُ جُنادةَ، قال: ثنا ابن إدْريسَ، عن شعبةَ - قال أبو السائب: قال أصحابُنا: هو عن سِماكِ بن حربٍ، وأنا لا أَحْفَظُ سِماكًا - عن عِياضٍ الأشْعَريِّ، قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "هم قومُ هذا". يعنى أبا موسى (٢). حدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: ثنا ابن إدْريسَ، عن شعبةَ، عن سِماكٍ، عن عِياضٍ الأشْعَريِّ، قال النبيُّ ﷺ لأبي موسى: "هم قومُ هذا". في قولِه: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾. حدَّثنا مُجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخْبرَنا شعبةُ، عن سِماكِ بن حربٍ، قال: سمِعْتُ عِياضًا الأَشْعَريَّ يقولُ: لما نزَلَت: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "هم قومُك يا أبا موسى". أو قال: "هم قومُ هذا". يعنى أبا موسى. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو سفيانَ الحِمْيَريُّ، عن حُصَيْنٍ، عن عِياضٍ أو ابن عياضٍ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾. قال: هم أهلُ اليمنِ. حدَّثنا محمدُ بنُ عوفٍ، قال: ثنا أبو المغيرةِ، قال: ثنا صَفْوانُ، قال: ثنا عبد الرحمن بن جُبيرٍ، عن شُرَيْحٍ بن عُبَيْدٍ، قال: لمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال عمرُ: أنا وقومى هم يا رسولَ اللَّهِ؟

стр. 5810

قال: "لا، بل هذا وقومُه". يعنى أبا موسى الأشعريَّ (١). وقال آخَرون منهم: بل هم أهلُ اليمنِ جميعًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾. قال: أَناسٌ مِن أهلِ اليمنِ (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا ابن إدْريسَ، عن ليثٍ، عن مُجاهِدٍ، قال: هم قومُ سَبَأً (٣). حدَّثنا مَطَرُ بنُ محمدٍ الضَّبِّيُّ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: أخْبرَنا شعبةُ، قال: أَخْبَرَني مَن سمِع شهرَ بنَ حَوْشَبٍ، قال: هم أهلْ اليمنِ. حدَّثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أَخْبَرَني عبدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشٍ، عن أبى صَخْرٍ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرَظيِّ، أن عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ أرْسَل إليه يومًا وهو أميرُ المدينةِ يَسْأَله عن ذلك، فقال محمدٌ: ﴿يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ﴾ وهم أهلُ اليمنِ. قال عمرُ: يا ليْتَنى منهم. قال: آمين. وقال آخَرون: هم أنصارُ رسولِ اللَّهِ ﷺ .

стр. 5811

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾: يَزْعُمُ أَنهم الأنصارُ (١). وتأويلُ الآيةِ على قولِ مَن قال: عنَى اللَّهُ بقولِه: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ أبا بكرٍ وأصحابَه في قتالِهم أهلَ الرِّدَّةِ بعدَ رسولِ اللَّهِ ﷺ -: يا أَيُّها الذين آمَنوا مَن يَرْتَدَّ منكم عن دينِه فلن يَضُرَّ اللَّهَ شَيئًا، وسَيَأْتى اللَّهُ مَنِ ارْتَدَّ منكم عن دينِه بقومٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونه، يَنْتَقِمُ بهم منهم على أيديهم. وبذلك جاء الخبرُ والرِّواية عن بعضِ مَن تأوَّل ذلك كذلك. حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ هاشمٍ (٢)، قال: أخْبرَنا سيفُ بنُ عمرَ، عن أبي رَوْقٍ، عن أبي أيوبَ، عن عليٍّ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ﴾. قال: يقولُ: فسوف يَأْتِى اللَّهُ المُرتَدَّةَ في دورهم ﴿بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ بأبي بكرٍ وأصحابِه. وأما على قولِ مَن قال: عنى اللَّهُ بذلك أهلَ اليمن. فإن تأويلَه: يا أيُّها الذين آمَنوا مَن يَرْتَدَّ منكم عن دينِه فسوف يَأْتِى اللَّهُ المؤمنين الذين لم يَرْتَدُّوا بقومٍ يُحبُّهم ويُحِبُّونه، أعْوانًا لهم وأنْصارًا. وبذلك جاءت الرَّوايةُ عن بعض مَن كان يَتَأَوَّلُ ذلك كذلك. حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبد اللَّهِ بن صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾

стр. 5812

الآية: وَعيدٌ مِن اللَّهِ أنه مَن ارْتَدَّ منكم (١) أنه سيَسْتَبْدِلُ خيرًا منهم (٢). وأما على قولِ مَن قال: عُنِى بذلك الأنْصارُ. فإن تأويلَه في ذلك نَظيرُ تأويلِ مَن تأَوَّله أنه عُنِى به أبو بكرٍ وأصحابُه. وأولى الأقوالِ في ذلك عندَنا بالصوابِ ما رُوِى به الخبرُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ أنهم أهلُ اليمنِ قومُ أبي موسى الأشْعريِّ، ولولا الخبرُ الذي رُوِى في ذلك عن رسولِ اللَّهِ ﷺ بالخبرِ الذي رُوِى عنه، ما كان القولُ عندى في ذلك إلا قولَ مَن قال: هم أبو بكرٍ وأصحابُه. وذلك أنه لم يُقاتِلْ قومًا كانوا أظْهَروا الإسلامَ على عهدِ رسولِ اللَّهِ، ثم ارْتَدُّوا على أعْقابِهم كُفارًا، غيرُ أبي بكرٍ ومَن كان معَه ممَّن قاتَل أهلَ الرِّدةِ معه بعدَ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، ولكنا ترَكْنا القولَ في ذلك للخبرِ الذي رُوِى فيه عن رسولِ اللَّهِ؛ أن كان ﷺ مَعْدِنَ (٣) البَيانِ عن تأويلِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِن وحْيِه وآى كتابه. فإن قال لنا قائلٌ: فإن كان القوم الذين ذكَر اللَّهُ أَنه سَيَأْتِي بهم عندَ ارْتِدادِ مَن ارْتَدَّ عن دينِه ممَّن كان قد أسْلَم على عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ هم أهلَ اليمنِ، فهل كان اللَّهِ أهلُ اليمنِ أيامَ قتالِ أبى بكرٍ ﵁ أهلَ الرِّدَّةِ، أعْوانَ أبي بكرٍ على قتالِهم حتى (٤) تَسْتَجِيزَ أن تُوَجِّهَ تأويلَ الآيةِ إلى ما وَجَّهَت إليه؟ أم لم يَكُونوا أعْوانًا له عليهم، فكيف اسْتَجَزْتَ أن تُوَجِّهَ تأويلَ الآيةِ إلى ذلك، وقد علِمْتَ أنه لا خُلْفَ لوعدِ اللَّهِ؟ قيل له: إن اللَّهَ تعالى ذكرُه لم يَعِدِ المؤمنين أن يُبَدِّلَهم بالمرتدِّين منهم يومَئذٍ

стр. 5813

خيرًا مِن المرتدِّين لقتالِ المرتدِّين، وإنما أخْبَر أنه سيَأْتِيهم بخيرٍ منهم بدلًا منهم، فقد (١) فعَلَ ذلك بهم قريبًا غيرَ بعيدٍ، فجاء بهم على عهدِ عمرَ، فكان موقعُهم مِن الإسلامِ وأهلِه أحسنَ موقعٍ، وكانوا أعْوانَ أهلِ الإسلامِ، وأنْفعَ لهم ممَّن كان ارْتَدَّ بعدَ رسولِ الله الله ﷺ من طَغَامِ الأعْرابِ وجُفاةِ أهلِ البَوادِى الذين كانوا على أهلِ الإسلامِ كَلًّا لا نفعًا. واخْتَلَفَت القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾؛ فقرَأَته قَرأَةُ أهل المدينة: (يا أَيُّها الذين آمنوا من يَرْتَدِدْ منكم عن دينهِ). بإظهارِ التَّضْعيفِ بدالين، مَجْزومةَ الدالِ الآخِرةِ (٢)، وكذلك ذلك في مَصاحفِهم (٣). وأما قَرأةُ أهلِ العراقِ فإنهم قرَءوا ذلك: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾. بالإدْغامِ بدالٍ واحدةٍ، وتَحْريكِها إلى الفتحِ بناءً على التَثْنيةِ (٤)؛ لأن المجزومَ الذي يَظْهَرُ تَضْعيفُه في الواحدِ إذا ثُنِّي أُدْغِم، ويقالُ للواحدِ: ارْدُدْ يا فلانُ إلى فلانٍ حقَّه. فإذا ثُنِّى قيل: رُدَّا (٥) إليه حَقَّه. ولا يُقالُ: ارْدُدا. وكذلك في الجمعِ: رُدُّوا. ولا يُقالُ: ارْدُدوا. فتَبْنِى العربُ أحيانًا الواحدَ على الاثنين، وتُظْهِرُ أحيانًا في الواحدِ التَّضْعيفَ لسكونِ لامِ الفعلِ، وكلتا اللغتين فَصيحةٌ مشهورةٌ في العربِ (٦). والقراءةُ في ذلك عندَنا على ما هو به في مَصاحفِنا ومَصاحِفِ أهلِ المشرقِ (٣) بدالٍ واحدةٍ مُشَدَّدةٍ، بتركِ إظهارِ التَّضْعيفِ، وبفتحِ الدالِ؛ للعلَّةِ التي وصَفْتُ (٧).

стр. 5814

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾: أَرِقَّاءَ عليهم، رُحَماءَ بهم. مِن قولِ القائلِ: ذَلَّ فلانٌ لفلانٍ. إذا خضَع له واسْتَكان. ويعنى بقولِه: ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾: أشدَّاءَ عليهم، غُلَظاءَ بهم. مِن قولِ القائلِ: قد عزَّنى فلانٌ. إذا أظْهَر العِزَّةَ مِن نفسِه له، وأبْدَى له الجَفْوةَ (١) والغِلْظةَ. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ هاشمٍ، قال: أخْبرَنا سيفُ (٢) بنُ عمرَ، عن أبى رَوْقٍ، عن أبي أيوبَ، عن عليٍّ في قولِه: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾: أهلِ رِقَّةٍ على أهلِ دينِهم، ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾: أهلِ غِلْظةٍ على مَن خالَفهم في دينِهم (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾: يعني بالذِّلَّةِ (٤) الرحمةَ (٥). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جُرَيْجٍ في قولِه: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: رُحماءَ بينَهم، ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. قال:

стр. 5815

أشِدَّاءَ عليهم (١). حدَّثنا الحارثُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: قال سفيانُ: سمِعْتُ الأعْمشَ يقولُ في قولِه: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾: ضُعَفَاءَ عن (٢) المؤمنين. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)﴾. يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هؤلاء المؤمنين الذين وعَد اللَّهُ المؤمنين أن يَأْتِيَهم بهم إن ارْتَدَّ منهم مُرْتَدٌّ بدلًا منهم، يُجاهِدون في قتالِ أعْداءِ اللَّهِ على النحوِ الذي أمَر اللَّهُ بقتالِهم والوجهِ الذي أذِنَ لهم به، ويُجاهِدون عدوَّهم، فذلك مُجاهَدتُهم في سبيلِ اللَّهِ، ﴿وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ يقولُ: ولا يَخافون في ذاتِ اللَّهِ أحدًا، ولا يَصُدُّهم (٣) عن العملِ بما أمَرَهم اللَّهُ به مِن قتالِ عدوِّهم لَوْمةُ لائمٍ لهم في ذلك. وأما قولُه: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ﴾. فإنه يعنى: هذا النعْتُ الذي نعَتهم به تعالى ذكرُه مِن أنهم أذلةٌ على المؤمنين، أعزّةٌ على الكافرينِ، يُجاهِدون في سبيلِ اللَّهِ، ولا يَخافون في اللَّهِ لومةَ لائمٍ - فضلُ اللَّهِ الذي تفَضَّل به عليهم، واللَّهُ يُؤْتِى فضلَه مَن يَشاءُ مِن خلقِه، مِنَّةً عليه وتَطَوُّلًا. ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾ يقولُ: واللَّهُ جَوَادٌ بفضلِه على مَن جاد به عليه، لا يَخافُ نَفادَ خَزائنِه [فتتلفَ في] (٤) عطائِه، ﴿عَلِيمٌ﴾ بموضعِ جُودِه وعَطائِهِ، فلا يَبْذُلُه إلا لَمن
следующие страницы →