← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 5846–5885 · переход к 5851.

стр. 5846

(١) فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾. جُعِلَت (٢) الهاءُ والميمُ في قولِه: ﴿بَيْنَهُمُ﴾، كِنايةً عن اليهودِ والنصارى، ولم يَجْرِ لليهودِ (٣) والنصارى ذكرٌ؟ قيل: قد جَرَى لهم ذكرُ، وذلك قولُه: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: ٥١] جرَى الخبرُ في بعضِ الآيِ عن الفريقين، وفي بعضٍ عن أحدِهما، إلى أن انْتَهَى إلى قولِه: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾. ثم قصَد بقولِه: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ﴾ الخبرَ عن الفريقين. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: كلما جُمِع أمرُهم على شيءٍ فاسْتقام واسْتَوى، فأرادوا مُناهَضةَ مَن ناوَأَهم، شتَّته اللهُ عليهم وأفْسَده؛ لسُوء فِعالِهم، وخُبْثِ نِيّاتِهم. كالذي حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ [الإسراء: ٤ - ٦]. قال: كان الفسادُ الأولُ، فبعَث اللهُ عليهم عدوًّا، فاسْتَباحوا الديارَ، واسْتَنْكحوا النساءَ، واسْتَعْبَدوا الوِلْدانَ، وخرَّبوا المسجدَ، فغَبَرُوا زمانًا، ثم بعَث اللهُ فيهم نبيًّا، وعاد أمرُهم إلى أحسنِ ما كان. ثم كان الفسادُ الثاني بقتلِهم الأنبياءَ، حتى قتَلوا يحيى بنَ زكريا، فبعَث اللهُ عليهم بُخْتَنَصَّرَ، فقتَل مَن قتَل منهم، وسبَى مَن سبَى، وخرَّب المسجدَ، فكان بُخْتُنَصَّرَ الفسادَ الثانيَ. قال: والفسادُ المعصيةُ. ثم قال: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ إلى قولِه: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾. فبعَث اللهُ لهم عُزَيْرًا، وقد

стр. 5847

كان عَلِم التوراةَ وحِفظها في صدرِه وكتَبها لهم، فقام بها ذلك القرنَ، ولبِثوا فنَسُوا، ومات عُزَيْرٌ، وكانت أحْداثٌ، ونَسُوا العهدَ، وبَخَّلوا ربَّهم، وقالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾. وقالوا في عُزَيْرٍ: إن الله اتَّخَذه ولدًا. وكانوا يَعِيبون ذلك على النصارى في قولِهم في المسيحِ، فخالَفوا ما نَهَوْا عنه، وعمِلوا بما كانوا يُكَفِّرون عليه، فسبَق مِن اللهِ كلمةٌ عندَ ذلك أنهم لن يَظْهَروا على عدوٍّ آخرَ الدهرِ، فقال: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾. فبعَث اللهُ عليهم المجوسَ الثالثةَ (١) أرْبابًا، فلم يَزالوا كذلك، والمجوسُ على رِقابِهم وهم يقولون: يا ليتَنا أدْرَكْنا هذا النبيَّ الذي نَجِدُه مكتوبًا عندَنا، عسى اللهُ أَن يَفُكَّنا به مِن المجوسِ والعذابِ والهوانِ. فبعَث محمدًا ﷺ ، واسمُه محمدٌ، واسمُه في الإنجيلِ أحمدُ، فلما جاءهم ما عرَفوا كفَروا به. قال: ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩] وقال: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ [البقرة: ٩٠]. حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾: هم اليهودُ. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾: أولئك أعداءُ اللهِ اليهودُ، كلما أوْقَدوا نارًا للحربِ أطْفَأَها اللهُ، فلن تَلْقَى اليهودَ ببلدٍ إلا وجَدْتَهم مِن أذلِّ أهلِه، لقد جاء الإسلامُ حينَ جاء وهم تحتَ أيدى المجوسِ، أبْغضِ خلقِه إليه (٢).

стр. 5848

حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطٌ، عن السديِّ قولَه: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾. قال: كلما أجْمَعوا أمرَهم على شيءٍ فرَّقه اللهُ، وأطْفَأ حدَّهم ونارَهم، وقذَف في قلوبِهم الرعبَ (١). وقال مجاهدٌ بما حدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مُجاهدٍ قولَه: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ﴾. قال: حربُ محمدٍ ﷺ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ويَعْمَلُ هؤلاء اليهودُ والنصارى بمعصيةِ اللهِ، فيَكْفُرون بآياتِه، ويُكَذِّبون رسلَه، ويُخالِفون أمرَه ونهيَه، وذلك سعيُهم فيها بالفسادِ، ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾. يقولُ: واللهُ لا يُحِبُّ مَن كان عامِلًا بمعاصِيه في أرضِه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ﴾، وهم اليهودُ والنصارى، ﴿آمَنُوا﴾ باللهِ وبرسولِه محمدٍ ﷺ فصدَّقوه واتَّبَعوه، وما أُنْزِل عليه، ﴿وَاتَّقَوْا﴾ ما نهاهم اللهُ عنه فاجْتَنَبوه، ﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾.

стр. 5849

يقولُ: محَوْنا عنهم ذنوبَهم، فغطَّيْنا عليها، ولم نَفْضَحْهم بها، ﴿وَلأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾. يقولُ: ولأَدْخَلْناهم بَساتينَ يَنْعَمون فيها في الآخرةِ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾. يقولُ: آمَنوا بما أنْزَل اللهُ، واتَّقَوْا ما حرَّم اللهُ، ﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ (١). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾. يعني تعالى ذكرُه بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾: ولو أنهم عمِلوا بما في التوراةِ والإنجيلِ، ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾. يقولُ: وعمِلوا بما أُنْزِل إليهم من ربِّهم من الفرقانِ الذي جاءَهم به محمدٌ ﷺ . فإن قال قائلٌ: وكيف يُقِيمون التوراةَ والإنجيلَ وما أُنْزِل إلى محمدٍ ﷺ ، مع اخْتِلافِ هذه الكتبِ، ونسْخِ بعضِها بعضًا؟ قيل: إنها (٢) وإن كانت كذلك في بعضِ أحكامِها وشرائِعِها، فهى متَّفِقةٌ في الأمرِ بالإيمانِ برسلِ اللهِ، والتصديقِ بما جاءَت به مِن عندِ اللهِ. فمعنى إقامتِهم التوراةَ والإنجيلَ وما أُنْزِل إلى محمدٍ ﷺ ، تصديقُهم بما فيها،

стр. 5850

والعملُ بما هي مُتَّفِقةٌ فيه، [وبكلِّ واحدٍ منهما في الحينِ] (١) الذي فُرِض العملُ به. وأما معنى قولِه: ﴿لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾. فإنه يعنى: لأَنْزَل اللهُ عليهم من السماءِ قَطْرَها، فأنْبَتَت لهم به الأرضُ حبَّها ونَباتَها، فأَخْرَج ثمارَها. وأما قولُه: ﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾. فإنه يعنى تعالى ذكرُه: لأكَلوا من برَكةِ ما تحت أقدامِهم مِن الأرضِ، وذلك ما تُخْرِجُه الأرضُ مِن حَبِّها ونَباتِها وثِمارِها، وسائرِ ما يُؤكَلُ مما تُخْرِجُه الأرضُ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ﴾. يعنى: لأرْسَل السماءَ عليهم مِدْرارًا، ﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ تُخْرِجُ الأَرضُ برَكتَها (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾. يقولُ: إذن لأعْطَتْهم السماءُ بركتَها والأرضُ نَباتَها (٣).

стр. 5851

حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾. يقولُ: لو عمِلوا بما أُنْزِل إليهم مما جاءَهم به محمدٌ ﷺ ، لأَنْزَلْنا عليهم المطرَ، فَلأُنْبَتَ الثمرَ (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾: أما إقامتُهم التوراةَ فالعملُ بها، وأما ما أُنْزِل إليهم مِن ربِّهم فمحمدٌ ﷺ وما أُنْزِل عليه، يقولُ: ﴿لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾: أما ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ فَأَرْسَلْتُ عليهم مطرًا، وأما ﴿مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾. يقولُ: لأنْبَتُّ لهم مِن الأَرضِ مِن رزقي ما يُغْنِيهم (٢). حدَّثنا القاسمُ: قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾. قال: بَرَكاتُ السماءِ والأرضِ. قال ابن جُريجٍ: ﴿لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ﴾: المطرُ، ﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾: من نباتِ الأَرضِ. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾. يقولُ: لأَكَلُوا مِن الرزقِ الذي يَنْزِلُ مِن السماءِ، ﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾. يقولُ: مِن الأَرضِ (٣).

стр. 5852

وكان بعضُهم يقولُ: إنما أُرِيد بقولِه: ﴿لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾. التَّوْسِعةُ، كما يقولُ القائلُ: هو في خيرٍ مِن قَرْنِه (١) إلى قدمِه (٢). وتأويلُ أهلِ التأويلِ بخلافِ ما ذكَرْنا من هذا القولِ، وكفَى بذلك شاهدًا على فَسادِه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (٦٦)﴾. يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ﴾: منهم جَماعةٌ، ﴿مُقْتَصِدَةٌ﴾. يقولُ: مُقْتَصِدةٌ في القولِ في عيسى ابن مريمَ، قائلةٌ فيه الحقَّ: إنه رسولُ اللهِ وكلمتُه ألقاها إلى مريم ورُوحٌ منه، لا غاليةٌ قائلةٌ: إنه ابن اللهِ تعالى اللهُ عما قالوا مِن ذلك، ولا مُقَصِّرةٌ قائلةٌ: هو لغيرِ رَشْدةٍ (٣). ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ يعني: من بني إسرائيلَ مِن أهلِ الكتابِ؛ اليهودِ والنصارى، ﴿سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: كثيرٌ منهم سيئٌ عملُهم، وذلك أنهم يَكْفُرون باللهِ؛ فتَكَذِّبُ النصارى بمحمدٍ ﷺ ، وتَزْعُمُ أن المسيحَ ابن اللهِ، وتُكَذِّبُ اليهودُ بعيسى وبمحمدٍ صلى اللهُ عليهما، فقال اللهُ تعالى ذكرُه فيهم ذامًّا لهم: ﴿سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾، في ذلك من فعلِهم. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾: وهم مُسْلمةُ أهلِ الكتابِ، ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا

стр. 5853

يَعْمَلُونَ﴾ (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ كَثِيرٍ، أنه سمِع مُجاهدًا يقولُ: تَفَرَّقَت بنو إسرائيلَ فِرَقًا؛ فقالت فرقةٌ: عيسى هو ابن اللهِ. وقالت فرقةٌ: هو اللهُ. وقالت فرقةٌ: هو عبدُ اللهِ ورُوحُه. وهى المُقْتَصِدةُ، وهى مُسْلِمةُ أهلِ الكتابِ (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: قال اللهُ: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾. يقولُ: على كتابِه وأمْرِه. ثم ذمَّ أكثرَ القومِ، فقال: ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾. يقولُ: مُؤْمِنَةٌ (٤). حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾. قال: المُقْتَصِدةُ أهلُ طاعةِ اللهِ. قال: وهؤلاء أهلُ الكتابِ (٥). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بن أنسٍ في قولِه: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾. قال:

стр. 5854

فهذه الأمةُ المُقْتَصِدةُ الذين لا هم فسقوا (١) في الدِّينِ، ولا هم غلَوْا. قال: والغُلُوُّ الرغبة، والفسقُ التقصيرُ عنه (٢). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾. وهذا أمْرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه نبيَّه محمدًا ﷺ بإبلاغ هؤلاء اليهودِ والنصارى مِن أهلِ الكتابَيْن الذين قصَّ اللهُ تعالى ذكرُه قصصَهم في هذه السورةِ، وذكَر فيها مَعايبَهم، وخُبْثَ أدْيانِهم، واجْتِراءَهم على ربِّهم، وتوَثُّبَهم (٣) على أنبيائِهم، وتبديلَهم كتابَه، وتَحْريفَهم إياه، ورَداءةَ مطاعمِهم ومآكلِهم - وسائرِ المشركين غيرِهم، ما أَنْزَل عليه فيهم من مَعايبِهم، والإزْراءِ عليهم، والتقصيرِ بهم، والتَّهْجينِ (٤) لهم، وما أمَرَهم به، ونهاهم عنه، وألا يُشْعِرَ نفسَه حذرًا منهم أن [يُصِيبوه في نفسِه بمكروهٍ] (٥)، ما قام فيهم بأمرِ اللهِ، ولا جَزَعًا من كثرةِ عددِهم، وقلةِ عددِ مَن معه، وألا يَتَّقِيَ أحدًا في ذاتِ اللهِ، فإن الله تعالى ذكرُه كافيه كلَّ أحدٍ من خلقِه، ودافعٌ عنه مَكْروهَ كلِّ مَن يَبْغِى (٦) مَكروهَه. وأَعْلَمه تعالى ذكرُه أنه إن قصَّر عن إبلاغِ شيءٍ مما أنْزِل إليه (٧) إليهم، فهو في تركِه تبليغَ ذلك، وإن قلَّ ما لم يُبَلِّغْ منه، فهو في عظيمِ ما ركِب بذلك مِن الذَّنبِ، بمنزلتِه لو لم يُبَلِّغْ مِن تنزيلِه

стр. 5855

شيئًا. وبما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾. يعنى: إن كتَمْتَ آيَةً مما أُنْزِل [عليك مِن ربِّكَ] (١) لم تُبَلِّغْ رِسالتي (٢). حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ الآية: أَخْبَرَ اللهُ نبيَّه ﷺ أنه سَيَكْفِيه الناسَ ويَعْصِمُه منهم، وأمرَه بالبلاغِ. ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ قيل له: لو احْتَجَبْتَ؟ فقال: "واللهِ لأُبْدِيَنَّ عَقِبِى للناسِ ما صاحبْتُهم" (٣). حدَّثني الحارثُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ الثَّوريُّ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ، قال: لمَّا نزَلَت: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾. قال: "إنما أنا واحدٌ كيف أَصْنَعُ؟ تَجتَمِعُ عليَّ الناسُ! ". فنزلَت: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ الآية (٤).

стр. 5856

حدَّثنا هنادٌ وابنُ وَكيعٍ، قالا: ثنا جَرِيرٌ، عن ثعلبةَ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: لمَّا نزَلَت: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾. قال رسولُ اللهِ ﷺ : "لا تَحْرُسونى، إن ربي قد عصَمَنى" (١). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ وابنُ وَكيعٍ، قالا: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن الجُرَيْريِّ، عن عبدِ اللهِ بن شَقِيقٍ، أن رسولَ اللهِ ﷺ كان يَعْتَقِبُه ناسٌ مِن أصحابِه، فلما نزَلَت: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾. خرَج فقال: "يا أيُّها الناسُ، الْحَقوا بمَلاحِقِكم، فإن الله قد عصَمنى مِن الناسِ" (٢). حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن عاصمِ بن محمدٍ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرَظيِّ، قال: كان النبيُّ ﷺ يتَحارَسُه أصحابُه، فأَنْزَلَ اللهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ إلى آخرِها (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا مُسْلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا الحارثُ بنُ عُبَيدٍ (٤) أبو قُدامةَ الإياديُّ، قال: ثنا سعيدٌ الجُرَيْريُّ، عن عبدِ اللهِ بن شَقِيقٍ، عن عائشةَ، قالت: كان النبيُّ ﷺ يُحْرَسُ حتى نزَلَت هذه الآيةُ: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾. قالت: فأَخْرَج النبيُّ ﷺ رأسَه مِن القُبَّةِ، فقال: "أَيُّها الناسُ، انْصَرِفوا، [فقد عصَمَنى اللهُ] (٥) ".

стр. 5857

حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن القُرَظَيِّ، أن رسولَ اللهِ ﷺ ما زال يُحْرَسُ حتى أنْزَلَ اللهُ: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾. واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في السببِ الذي من أجْلِه نزَلَت هذه الآيةُ؛ فقال بعضُهم: نزلت بسببِ أعْرابيٍّ كان همَّ بقتلِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فكفاه اللهُ إياه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو مَعْشَرٍ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرطيِّ وغيرِه، قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا نزل مَنْزِلًا اخْتار له أصحابُه شجرةً ظليلةً فيَقِيلُ تحتَها، فأتاه أعرابيٌّ فاخْتَرط سيفَه (١)، ثم قال: مَن يَمْنَعُك منى؟ قال: "اللهُ". فرُعِدَت يدُ الأعْرابيِّ، وسقَط السيفُ منه. قال: وضرَب برأسِه الشجرةَ حتى انْتَثر دِماغُه، فأنْزَل اللهُ: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (٢). وقال آخَرون: بل نزَلَت لأنه كان يَخافُ قُرِيشًا، فأُومِن مِن ذلك. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حَجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: كان النبيُّ ﷺ يَهابُ قُريشًا، فلما نزَلَت: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾. اسْتَلْقَى ثم قال: "مَن شاء فلْيَخْذُلْنى". مرتين أو (٣) ثلاثًا (٢).

стр. 5858

حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن ابن (١) أبي خالدٍ، عن عامرٍ، عن مَسْروقٍ، قال: قالت عائشةُ: مَن حدَّثك أن رسولَ اللهِ ﷺ كتَم شيئًا من الوحيِ فقد كذَب. ثم قرأَت: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ الآية (٢). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن المغيرةِ، عن الشعبيِّ، قال: قالت عائشةُ: من قال: إن محمدًا ﷺ كتَم فقد كذَب، وأَعْظَم الفِرْيَةَ على اللهِ، قال اللهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ الآية. حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، قال: أخْبَرنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن الشعبيِّ، عن مسروقٍ، قال: قالت عائشةُ: مَن زعَم أن محمدًا كتَم شيئًا من كتابِ اللهِ فقد أعْظَم على اللهِ الفِرْيةَ، واللهُ يقولُ: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ الآية (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني الليثُ، قال: ثني خالدٌ، عن سعيدِ بن أبي هلالٍ، عن محمدِ بن الجهمِ، عن مَسْروقِ بن الأَجْدَعِ، قال: دخَلْتُ على عائشةَ يومًا، فسمِعْتُها تَقولُ: لقد أعظم الفِرْيَةَ مَن قال: إن محمدًا كتَم شيئًا من الوحيِ. واللهُ يقولُ: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾. ويعنى بقولِه: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾: يمنعك مِن أَن يَنالُوك بسُوءٍ. وأصلُه مِن عِصامِ القِرْبةِ، وهو ما تُوكَى به مِن سَيْرٍ وخيطٍ، ومنه قولُ الشاعرِ (٤):

стр. 5859

وقلتُ عليكم مالِكًا إن مالِكًا … سيَعْصِمُكم إن كان في الناسِ عاصِمُ يعني: يَمْنَعُكم. وأما قولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾. فإنه يعنى: إِن الله لا يُوَفِّقُ للرُّشْدِ مَن حادَ عن سبيلِ الحقِّ، وجار عن قصدِ السبيلِ، وجحَد ما جئْتَه به من عندِ اللهِ، ولم يَنْتَهِ إلى أمْرِ اللهِ وطاعتِه فيما فرَض عليه وأَوْجَبه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. وهذا أمْرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه نبيَّه محمدًا ﷺ بإبلاغ اليهودِ والنصارى الذين كانوا بينَ ظهْرانَيْ مُهاجَرِه (١)، يقولُ تعالى ذكرُه له: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لهؤلاء اليهودِ والنصارى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾؛ التوراةِ والإنجيلِ (٢)، ﴿لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ مما تَدَّعُون أنكم عليه، مما جاءكم به موسى ﷺ معشرَ اليهودِ، ولا مما جاءكم به عيسى مَعْشَرَ النصارى، ﴿حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ مما جاء كم به محمدٌ ﷺ منِ الفُرْقانِ، فتَعْمَلُوا بذلك كلِّه، وتُؤْمِنوا بما فيه مِن الإيمانِ بمحمدٍ ﷺ وتَصْديقِه، وتُقِرُّوا بأن كلَّ ذلك مِن عندِ اللهِ، فلا تُكَذِّبوا بشيءٍ منه، ولا تُفَرِّقوا بينَ رسلِ اللهِ، فتُؤْمِنوا ببعضٍ، وتَكْفُروا ببعضٍ فإن الكفرَ بواحدٍ مِن ذلك كفرٌ بجميعِه؛ لأن كتبَ اللهِ يُصَدِّقُ بعضُها بعضًا، فمن كذَّب ببعضِها فقد كذَّب بجميعِها. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك جاء الأثرُ. حدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ وأبو كُرَيْبٍ، قالا: ثنا يونُسُ بنُ بُكيرٍ، قال: ثنا محمدُ

стр. 5860

ابن إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولى زيدِ بن ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: جاء رسولَ اللهِ ﷺ رافعُ بنُ حارثةَ، وسَلَامُ بنُ مِشْكمٍ (١)، ومالكُ بن الصَّيْفِ، ورافعُ بنُ حُريملةَ (٢)، فقالوا: يا محمدُ، أَلَسْتَ تَزْعُمُ أنك على مِلَّةِ إبراهيمَ ودينِه، وتُؤْمِنُ بما عندَنا مِن التوراةِ، وتَشْهَدُ أنها مِن اللهِ حقٌّ؟ فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "بلى، ولكنكم أحْدَثُتُم وجحَدُتُم ما فيها، مما أُخِذ عليكم من الميثاقِ، وكتَمْتُم منها ما أُمِرْتُم أن تُبَيِّنوه للناسِ، وأنا برئٌ مِن أحْداثِكم". قالوا: فإنا تَأْخُذُ بما (٣) في أيدينا، فإنا على الحقِّ والهُدَى، ولا نُؤْمِنُ بك ولا نَتَّبِعُك. فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ إلى: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (٤). حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. قال: فقد صِرْنا مِن أهلِ الكتابِ؛ التَّوْراةُ لليهودِ، والإنجيلُ للنصارى. ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: وما أُنْزِل إلينا مِن رَبِّنا، أَي: ﴿لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا﴾: حتى تَعْمَلُوا بما فيه (٥).

стр. 5861

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨)﴾. يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾: وأُقْسِمُ ليَزِيدَنَّ كثيرًا من هؤلاء اليهودِ والنصارى، الذين قصَّ قصَصَهم في هذه الآياتِ الكتابُ الذي أنْزَلْتُه إليك يا محمدُ، ﴿طُغْيَانًا﴾. يقولُ: تَجاوُزًا وغُلُوًّا في التكذيبِ لك على ما كانوا عليه لك مِن ذلك قبلَ نزولِ الفرقانِ، ﴿وَكُفْرًا﴾. يقولُ: وجحودًا لنبوتِك. وقد أتَيْنا على البيان عن معنى "الطُّغيانِ" فيما مضَى قبلُ (١). وأما قولُه: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. يعني بقولِه (٢): ﴿فَلَا تَأْسَ﴾: فلا تَحْزَنُ. يقالُ: أَسِى فلانٌ على كذا. إذا حزِن، يَأْسَى أَسًى، ومنه قولُ الراجزِ (٣): وانْحَلَبَت (٤) عَيْناه مِن فَرْطِ الأَسَى يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه: لا تَحْزَنْ يا محمدُ على تكذيبِ هؤلاء الكفارِ مِن اليهودِ والنصارى مِن بني إسرائيلَ لك، فإن مثلَ ذلك منهم عادةٌ وخلُقٌ في أنبيائِهم، فكيف فيك؟ وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن

стр. 5862

عليّ بن أبي طلحةَ عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾. قال: الفُرْقانُ، يقولُ: فلا تَحْزَنْ. حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. قال: لا تَحْزَنْ (١). القولُ في تأويلِ قولِه عز ذكرُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن الذين (٢) صدَّقوا الله ورسولَه، وهم أهلُ الإسلامِ، ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ وهم اليهودُ، ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ وقد بيَّنا أمرَهم (٣)، ﴿وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ﴾ منهم، ﴿بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فصدَّق بالبعث بعدَ المماتِ، ﴿وَعَمِلَ﴾ من العملِ، ﴿صَالِحًا﴾ لَمعادِه، ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ فيما قَدِموا، عليه مِن أهْوالِ القيامةِ، ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما خلَّفوا وراءَهم مِن الدنيا وعيشِها بعدَ مُعاينتِهم ما أكْرَمهم اللهُ به مِن جَزيلِ ثوابِه. وقد بيَّنا وجهَ الإعْرابِ فيه فيما مضَى قبلُ بما أَغْنَى عن إعادتِه (٤). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا

стр. 5863

يَقْتُلُونَ (٧٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أُقْسِمُ لقد أخَذنا ميثاقَ بني إسرائيلَ على الإخلاصِ و (١) تَوْحيدِنا، والعملِ بما أمَرْناهم به، والانْتهاءِ عما نَهيْناهم عنه، وأرسَلنا إليهم بذلك رسلًا، ووعَدْناهم على ألسنِ رسلِنا إليهم على العمل بطاعتِنا الجزيلَ مِن الثوابِ، وأَوْعَدْناهم على العملِ بمعصيتنِا الشديدَ مِن العقابِ، كلما جاءَهم رسولٌ لنا بما لا تَشْتَهِيه نفوسُهم، ولا يُوافِقُ محبَّتَهم، كذَّبوا فريقًا، ويَقْتُلون منهم فريقًا، نقضًا لميثاقِنا الذي أخَذْناه عليهم، وجُرْأةً علينا وعلى خلافِ أمْرِنا. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٧١)﴾. يقولُ تعالى: وظنَّ هؤلاء الإسْرائيليون الذين وصَف تعالى ذكرُه صفتَهم أنه أخَذ ميثاقَهم، وأنه أرْسَل إليهم رسلًا، وأنهم كانوا كلما جاءَهم رسولٌ بما لا تَهْوَى أنفسُهم كذَّبوا فريقًا، وقتَلوا فريقًا، - ألَّا (٢) يَكونَ لهم مِن اللهِ ابْتلاءٌ واخْتِبارٌ بالشَّدائِدِ مِن العُقوباتِ بما كانوا يَفْعَلونَ، ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾. يقولُ: فعَمُوا عن الحقِّ والوَفاءِ بالميثاقِ الذي أخَذْتُه عليهم من إخلاصِ عبادتي، والانْتِهاءِ إلى أمرى ونَهْيى، والعملِ بطاعتى، بحِسْبانِهم ذلك وظنِّهم، وصَمُّوا عنه، ثم تُبْتُ عليهم، يقولُ: ثم هدَيْتُهم بلُطْفٍ منى لهم - حتى أنابوا ورجَعوا عما كانوا عليه من معاصِيَّ وخلافِ أمْرى، والعملِ بما أكْرَهُه منهم - إلى العملِ بما أُحِبُّه، والانْتهاءِ إلى طاعتى وأمرى، ونهيى، ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ

стр. 5864

مِنْهُمْ﴾. يقولُ: ثم عَمُوا أيضًا عن الحقِّ والوفاءِ بميثاقى الذي أخَذتُه عليهم مِن العملِ بطاعتى، والانتهاءِ إلى أمرى، واجتنابِ معاصيَّ، ﴿وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾. يَقُولُ: عَمِى كثيرٌ من هؤلاء الذين كُنْتُ أخَذتُ ميثاقَهم مِن بنى إسرائيلَ باتباعِ رسلى، والعملِ بما أنزَلتُ إليهم مِن كتبى، عن الحقِّ، وصَمُّوا بعدَ توبتى عليهم، واستنقاذي إياهم مِن الهلكةِ، ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾. يَقُولُ: بصيرٌ فيرى أعمالَهم خيرَها وشرَّها، فيُجازِيهم يومَ القيامةِ بجميعِها، إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ الآية. يقولُ: حسِب القومُ ألا يَكُونَ بلاءٌ، ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾، كلما عرَض (١) بلاءٌ ابْتُلوا به هلَكوا فيه (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾. يَقُولُ: حسِبوا ألا يُبْتَلوا، فعَمُوا عن الحقِّ وصمُّوا (٣). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن مباركٍ، عن الحسنِ:

стр. 5865

﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾. قال: بلاءٌ (١). حدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثني معاويةٌ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾. قال: الشركُ (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾. قال: اليهودُ (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾. قال: يَهودُ. قال ابن جُريجٍ، عن عبدِ اللهِ بن كثيرٍ، قال: هذه الآيةُ لبنى إسرائيلَ. قال: والفتنةُ البلاءُ والتمحيصُ. القولُ في تأويلِ قولِه عز ذكرُه: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾. وهذا خبرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عن بعضِ ما فتَن به الإسرائيليين الذين أخبرَ عنهم أنهم حسِبوا ألا تكونَ فتنةٌ، يقولُ تعالى ذكرُه: فكان مما ابْتَليتُهم واخْتَبَرتُهم به - فنقَضوا فيه ميثاقي، وغيَّروا عهدِى الذي كُنْتُ أَخَذته عليهم بألا يَعْبُدوا سِواى، ولا يَتَّخِذوا ربًّا غيرى، وأن يُوَحِّدوني، ويَنْتَهُوا إلى طاعتي - عبدى عيسى ابن مريمَ، فإنى خَلَقْتُه، وأَجْرَيتُ على يَدِه نحوَ الذي

стр. 5866

أَجْرَيْتُ على يَدِ كثيرٍ مِن رسلى، فقالوا كفرًا منهم: هو اللهُ. وهذا قولُ اليعقوبيةِ من النصارى، عليهم غَضَبُ اللهِ. يقولُ اللهُ تعالى ذكرُه: فلما اختَبَرتُهم وابْتَلَيْتُهم بما ابْتَلَيتُهم به أشرَكوا بى، وقالوا لخلقٍ مِن خَلْقى، وعبدٍ مثلِهم من عبيدى، وبَشَرٍ نحوِهم، معروفٍ نسبُه وأصلُه، مولودٍ من البشرِ، يَدْعُوهم إلى توحيدى، ويَأْمُرهم بعبادتى وطاعتى، ويُقِرُّ لهم بأنى ربُّه وربُّهم، ويَنْهاهم عن أن يُشْرِكوا بى شيئًا - هو إلهُهم. جهلًا منهم باللهِ وكفرًا به، ولا يَنْبَغِى للهِ أن يكون والدًا ولا مولودًا. ويَعْنى بقولِه: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾. يقولُ: اجعَلوا العبادةَ والتَّذَلُّلَ للذى له يَذِلُّ كلُّ شيءٍ، وله يَخْضَعُ كلُّ موجودٍ، ﴿رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾. يقولُ: مالكي ومالكَكم، وسيدى وسيدَكم، الذي خلَقني وإياكم. ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ أَن يَسْكُنَها في الآخرةِ، ﴿وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾. يقولُ: ومَرْجِعُه ومكانُه الذي يَأْوِى إليه، ويَصيرُ في مَعادِه، مَن جعَل للهِ شريكًا في عبادتِه، نارُ جهنمَ، ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ﴾. يَقُولُ: وليس لمن فعَل غيرَ ما أباح اللهُ له، وعبد غيرَ الذي له عبادةُ الخلقِ، ﴿مِنْ أَنْصَارٍ﴾ يَنْصُرونه يومَ القيامةِ مِن اللهِ، فيُنْقِذونه منه إذا أورَده جهنمَ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣)﴾. وهذا أيضًا خبرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عن فريقٍ آخرَ من الإسرائيليين الذين وصَف صفتَهم في الآياتِ قبلُ، أنه لما ابتلاهم بعدَ حِسْبانِهم أنهم لا يُبْتَلَوْن ولا يُفْتَنون، قالوا كفرًا بربِّهم وشركًا: اللهُ ثالثُ ثلاثةٍ. وهذا قولٌ كان عليه جماهيرُ النصارى قبلَ

стр. 5867

افتراقِ اليَعْقُوبيةِ والملكيةِ (١) والنَّسْطُوريةِ، كانوا فيما بلغنا يَقُولُون: الإلهُ القديمُ جوهرٌ واحدٌ، يَعُمُّ ثلاثةَ أقانيمَ، أبًا والدًا غيرَ مولودٍ، وابنًا مولودًا غيرَ والدٍ، وزوجًا متَتَبَّعةً بينهما. يقولُ اللهُ تعالى ذكرُه مكذِّبًا لهم فيما قالوا مِن ذلك: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾. يقولُ: ما لكم معبودٌ، أيها الناسُ، إلا معبودٌ واحدٌ، وهو الذي ليس بوالدٍ لشيءٍ، ولا مولودٍ، بل هو خالقُ كلِّ والدٍ ومولودٍ، ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ﴾. يقولُ: إن لم يَنْتَهوا قائلو هذه المقالةِ عما يَقُولُون من قولِهم: اللهُ ثالثُ ثلاثةٍ. ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يقولُ: ليمسَّنَّ الذين يَقُولُون هذه المقالةَ، والذين يَقُولون المقالة الأخرى (٢): هو المسيحُ ابن مريمَ. لأن الفريقين كلاهما كفرةٌ مشركون، فلذلك رجَع في الوعيدِ بالعذابِ إلى العمومِ، ولم يَقُلْ: ليمسَّنَّهم عذابٌ أليمٌ. لأن ذلك لو قيل كذلك صار الوعيدُ مِن اللهِ تعالى ذكرُه خاصًّا لقائلِ القولِ الثاني، وهم القائلون: اللهُ ثالثُ ثلاثةٍ. ولم يَدْخُلْ فيهم القائلون: المسيحُ هو اللهُ. فعمَّ بالوعيدِ تعالى ذكرُه كلَّ كافرٍ، ليَعْلَمَ المخاطَبون بهذه الآياتِ أن وعيدَ اللهِ قد شمِل كِلا الفريقين من بني إسرائيلَ، ومَن كان مِن الكفارِ على مثلِ الذي هم عليه. فإن قال قائلٌ: وإن كان الأمرُ على ما وصَفتَ، فعلى مَن عادت الهاءُ والميمُ اللتان في قولِه: ﴿مِنْهُمْ﴾؟ قيل: على بني إسرائيلَ. فتأويلُ الكلامِ إذ كان الأمرُ على ما وَصفنا: وإن لم يَنْتَهِ هؤلاء الإسرائيليون عما يَقُولُون في اللهِ مِن عظيمِ القولِ، ليَمَسَّنَّ الذين يَقُولون منهم: إن المسيحَ هو اللهُ. والذين يَقُولون: إن الله ثالثُ ثلاثةٍ. وكلُّ كافرٍ سلَك سبيلَهم - عذابٌ أليمٌ

стр. 5868

بكفرِهم باللهِ. وقد قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ بنحوِ قولِنا، في أنه عُنِيَ بهذه الآياتِ النصارى. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾. قال: قالت النصارى: هو المسيحُ وأمُّه. فذلك قولُ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (١) [المائدة: ١١٦]. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ نحوَه (٢). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أفلا يَرْجِعُ هذان الفريقان الكافران، القائلُ أحدُهما: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾. والآخرُ القائلُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾. عما قالا من ذلك، و [يُنيبان مما قالا ونطَقا] (٣) به من كفرِهما، ويَسْأَلان ربَّهما المغفرةَ مما قالا، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الذنوبِ التائبين من خلقِه، المُنِيبِين إلى

стр. 5869

طاعتِه بعد معصيتِهم، ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم في قبولِه توبتَهم، ومُراجعتَهم إلى ما يُحِبُّ مما يَكْرَهُ، فيَصْفَحُ بذلك مِن فعلِهم عما سلَف مِن إجْرامِهم قبلَ ذلك. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾. وهذا مِن اللهِ تعالى ذكرُه احْتجاجٌ (١) لنبيِّه محمدٍ ﷺ على فِرَقِ النصارى في قولِهم في المسيحِ، يقولُ مُكَذِّبًا لليَعْقوبيةِ في قِيلِهم: هو اللهُ. والآخرين في قيلِهم: هو ابن اللهِ: ليس القولُ كما قال هؤلاء الكفَرةُ في المسيحِ، ولكنه ابن مريمَ، ولَدَته وِلادةَ الأمهاتِ أبناءَهن، وذلك مِن صفةِ البشرِ، لا مِن صفةِ خالقِ البشرِ، وإنما هو للهِ رسولٌ كسائرِ رسلِه الذين كانوا قبلَه، فمضَوْا وخَلَوْا، أَجْرَى على يدِه ما شاء أن يُجْرِيَه عليها من الآياتِ والعِبَرِ؛ حجةً له على صدقِه، وعلى أنه للهِ رسولٌ إلى مَن أرْسَله إليه مِن خلقِه، كما أجْرَى على أيدى مَن قبلَه مِن الرسلِ من الآياتِ والعبرِ، حجةً لهم على حقيقةِ صدقِهم في أنهم للهِ رسلٌ. ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأمُّ المسيحِ صِدِّيقةٌ. والصِّدِّيقةُ الفِعِّيلةُ مِن الصدقِ، وكذلك قولُهم: فلانٌ صِدِّيقٌ. فِعِّيلٌ مِن الصدقِ، ومنه قولُه تعالى ذكرُه: ﴿وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ [النساء: ٦٩]. وقد قيل: إن أبا بكرٍ الصديقَ ﵁ إنما قيل له: الصِّدِّيقُ لصدقِه. وقد قيل: إنما سُمِّى صِدِّيقًا لتصديقِه النبيَّ ﷺ في مسيرِه في ليلةٍ واحدةٍ إلى بيت المقدسِ مِن مكةَ وعودِه إليها. وقولُه: ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾. خبرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عن المسيحِ وأمِّه، أنهما كانا أهلَ حاجةٍ إلى ما يَغْذُوهما وتَقُومُ بِهِ أَبْدانُهما، مِن المَطاعمِ

стр. 5870

والمَشاربِ، كسائرِ البشرِ من بنى آدمَ، فإن مَن كان كذلك فغيرُ كائنٍ إلهًا؛ لأن المحتاجَ إلى الغذاءِ قِوَامُه بغيرِه، وفى قِوامِه بغيرِه وحاجتِه إلى ما يُقِيمُه دليلٌ واضحٌ على عجزِه، والعاجزُ لا يكونُ إلا مربوبًا لا ربًّا. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : يا محمدُ ﴿كَيْفَ نُبَيِّنُ﴾ لهؤلاء الكَفَرة من اليهودِ والنصارى ﴿الْآيَاتِ﴾ وهى الأدلةُ والأعلامُ والحُجَجُ على بُطُولِ ما يَقُولون في أنبياءِ اللهِ، وفى فِرْيتِهم على اللهِ، وادِّعائِهم له ولدًا، وشَهادَتِهم لبعضِ خلقِه بأنه لهم ربٌّ وإلهٌ، ثم لا يَرْتَدعون عن كذبِهم وباطلِ قِيلِهم، ولا يَنْزَجِرون عن فِرْيتِهم على ربِّهم وعظيمِ جهلِهم، مع ورُودِ الحُجج القاطعةِ عذرَهم عليهم، يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ﴿ثُمَّ انْظُرْ﴾ يا محمدُ، ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾. يقولُ: ثم انْظُرْ مع تَبْيينِنا لهم آياتنِا على بُطولِ قولِهم، أيَّ وجهٍ يُصْرَفون عن بيانِنا الذي نُبَيِّنُه (١) لهم؟ وكيف عن الهُدَى الذي نَهْدِيهِم إِليه مِن الحَقِّ يَضِلُّون؟ والعربُ تقولُ لكلِّ مَصْروفٍ عن شيءٍ: هو مَأْفُوكٌ عنه. يقالُ: قد أفكْتُ فلانًا عن كذا، أي: صرفْتُه عنه، فأنا آفِكُه أَفْكًا، وهو مَأْفُوكٌ، وقد أُفِكَت الأرضُ، إذا صُرِف عنها المطرُ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦)﴾.

стр. 5871

وهذا أيضًا احْتجاجٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه لنبيِّه ﷺ على النصارى القائلين في المسيحِ ما وصَف مِن قِيلِهم فيه قبلُ، يقولُ تعالى ذكرُه لمحمدٍ ﷺ : ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لهؤلاء الكفَرةِ من النصارى الزاعمين أن المسيحَ ربُّهم، القائلين (١): إن الله ثالثُ ثلاثةٍ: ﴿أَتَعْبُدُونَ﴾ سوى اللهِ الذي يَمْلِكُ ضَرَّكم ونفعَكم، وهو الذي خلَقَكم ورزَقَكم، وهو يُحْيِيكم ويُمِيتُكم - شيئًا ﴿لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾. يُخْبِرُهم تعالى ذِكْرُه أن المسيحَ الذي زعَم مَن زعم مِن النصارى أنه إلهٌ، والذي زعم مَن زعَم منهم أنه للهِ ابنٌ، لا يَمْلِكُ لهم ضرًّا يَدْفَعُه عنهم إن أحَلَّه اللهُ بهم، ولا نفعًا يَجْلبُه إليهم إن لم يَقْضِه اللهُ لهم. يقولُ تعالى ذكرُه: فكيف يكونَ ربًّا وإلهًا مَن كانت هذه صِفَتُه، بل الربُّ المعبودُ الذي بيده كلُّ شيءٍ والقادرُ على كلِّ شيءٍ، فإياه فاعبُدوا وأخْلِصوا له العبادةَ، دونَ غيرِه مِن العَجَزةِ الذين لا يَنْفَعونكم ولا يَضُرون (٢). وأما قولُه: ﴿وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. فإنه يعنى تعالى ذِكْرُه بذلك: واللهُ هو السميعُ لاسْتغفارِهم لو اسْتغْفروه مِن قيلِهم ما أخبَر عنهم أنهم يقولونه في المسيحِ، ولغيرِ ذلك مِن منطقِهم ومنطقِ خلقِه، العليمُ بتوبتِهم لو تابوا منه، وبغيرِ ذلك من أُمورِهم. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾. وهذا خطابٌ مِن اللهِ تعالى ذِكْرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ ، يقولُ تعالى ذكرُه:

стр. 5872

﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لهؤلاء الغاليةِ من النصارى في المسيحِ: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾. يعنى بالكتابِ: الإنجيلَ، ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾. يقولُ: لا تُفْرِطوا في القولِ فيما تَدينون به من أمرِ المسيحِ، فتُجاوِزوا فيه الحقَّ إلى الباطلِ، فتقولوا فيه: هو اللهُ. أو: هو ابنُه. ولكن قولوا: هو عبدُ اللهِ وكلمتُه ألقاها إلى مريمَ وروحٌ منه. ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا﴾. يقولُ: ولا تَتَّبِعوا أيضًا في المسيحِ أهواءَ اليهودِ الذين قد ضَلُّوا قبلكم عن سبيلِ الهُدَى في القولِ فيه، فتقولوا (١) فيه كما قالوا: هو لغيرِ رَشْدةٍ. وتَبْهَتوا أُمَّه كما بَهَتوها (٢) بالفِرْيَةِ وهى صِدَّيقةٌ، ﴿وَأَضَلُّوا كَثِيرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأضلَّ هؤلاء اليهودُ كثيرًا مِن الناسِ، فحادوا بهم عن طريق الحقِّ، وحمَلوهم على الكفرِ باللهِ، والتكذيبِ بالمسيحِ، ﴿وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾. يقولُ: وضلَّ هؤلاء اليهودُ عن قَصْدِ الطريقِ، وركِبوا غيرَ مَحجَّةِ الحَقِّ. وإنما يعنى تعالى ذكرُه بذلك كفرَهم باللهِ وتكذيبَهم رُسُلَه؛ عيسى ومحمدًا صلى الله عليهما وسلم، وذهابَهم عن الإيمانِ وبُعْدَهم منه، وذلك كان ضلالَهم الذي وصَفهم اللهُ به. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾. قال: يهودُ (٣).

стр. 5873

حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا﴾: فهم أولئك الذين ضَلُّوا وأضَلوا أتباعَهم، ﴿وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ عَن عَدْلِ السبيلِ (١). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨)﴾. يقولُ تعالى ذِكْرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قل لهؤلاء النصارى الذين وصَف تعالى ذكرُه صِفَتَهم: لا تَغْلوا، فتقولوا في المسيحِ غيرَ الحقِّ، ولا تقولوا فيه ما قالت اليهودُ الذين قد لعنَهم اللهُ على لسانِ أنبيائِه ورُسُلِه؛ داودَ وعيسى ابن مريمَ، وكان لعنُ اللهِ إياهم على ألسنتِهم. كالذي حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾. قال: لُعِنوا بكلِّ لسانٍ؛ لُعِنوا على عهدِ موسى في التوراةِ، ولُعِنوا على عهدِ داودَ في الزَّبورِ، ولُعِنوا على عهدِ عيسى في الإنجيلِ، ولُعِنوا على عهدِ محمدٍ ﷺ في القرآنِ (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾. يقولُ: لُعِنوا في الإنجيلِ على

стр. 5874

لسانِ عيسى ابن مريمَ، ولُعِنوا في الزَّبورِ على لسانِ داودَ (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن فُضَيْلٍ، عن أبيه، عن خُصَيفٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾. قال: خالطوهم بعد النَّهْي في تجاراتِهم، فضرب الله قلوبَ بعضِهم ببعضٍ، فهم ملعونون على لسانِ داودَ وعيسى ابن مريم (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن حُصَينٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾. قال: لُعِنوا على لسان داودَ فصاروا قِردةً، ولُعِنوا على لسانِ عيسى فصاروا خنازيرَ (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ قولَه: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: بكلِّ لسانٍ؛ لُعِنوا: على عهدِ موسى في التوراةِ، وعلى عهدِ داودَ في الزبورِ، وعلى عهدِ عيسى في الإنجيلِ، ولُعِنوا على لسانِ محمدٍ ﷺ في القرآنِ. قال ابن جُرَيجٍ: وقال آخرون: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ﴾: [دعا عليهم داودُ] (٤) على عهدِه، فلُعِنوا بدعوتِه، قال: مرَّ داودُ على نَفَرٍ منهم وهم في بيتٍ، فقال: مَن في البيتِ؟ قالوا: خنازيرُ. قال: اللهم اجْعَلْهم خنازيرَ، فكانوا خنازيرَ. قال (٥): ثم أصابتهم لعنتُه، ودعا عليهم عيسى فقال: اللهم الْعَنْ مَنِ افْتَرى عليَّ وعلى

стр. 5875

أمِّى، واجْعَلْهم قِردةً خاسئين (١). حدَّثنا بِشْرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الآية: لعَنهم الله على لسانِ داودَ في زمانهِ، فجعَلهم قِردةً خاسئين، وفى الإنجيلِ على لسانِ عيسى، فجعَلهم خنازيرَ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن بَزِيعٍ، قال: ثنا أبو مِحْصَنٍ حُصَينُ بنُ نُمَيرٍ، عن حُصَينِ، يعني ابنَ عبدِ الرحمنِ، عن أبي مالكٍ، قال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ﴾. قال: مُسِخوا على لسانِ داودَ قردةً، وعلى لسانِ عيسى خنازير (٣). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا حُصَينٌ، عن أبي مالكٍ مثلَه. حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المُحاربيُّ، عن العلاءِ بن المُسيبِ، عن عبدِ اللَّهِ بن عمرِو بن مُرَّةَ، عن سالمٍ الأُفْطَسِ، عن أبي عُبَيدةَ، عن ابنِ مسعودٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إن الرجلَ مِن بني إسرائيلَ كان إذا رأَى أخاه على الذنبِ نهاه عنه تَعْذيرًا (٤)، فإذا كان مِن الغدِ لم يَمْنَعْه ما رأَى منه أن يكونَ أكِيلَه وخَلِيطَه وشَريبَه، فلما رأَى ذلك منهم ضرَب بقلوبِ بعضِهم على بعضٍ، ولعَنهم على لسانِ نبيِّهم داودَ وعيسى ابن مريمَ ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ "؛ ثم قال: "والذي نفسي بيدِه، لتَأْمُرُنَّ بالمعروفِ، ولتَنْهَوُنَّ عن

стр. 5876

المنكرِ، ولتَأخُذُنَّ على يَدَى المُسيءِ، ولتؤطِّرنَّه (١) على [الحقِّ أَطْرًا] (٢)، أو ليَضْرِبنَّ اللَّهُ قلوبَ بعضِكم على بعضٍ، ولَيَلْعَنَنَّكم كما لعنهم" (٣). حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بشيرِ بن سلمانَ، قال: ثنا عمرُو بنُ قَيْسٍ المُلائيُّ، عن عليِّ بن بَذِيمةَ، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: لما فشَا المنكَرُ في بنى إسرائيلَ، جعل الرجلُ يَلْقَى الرجلَ فيقولُ: يا هذا، اتَّقِ اللَّهَ. ثم لا يَمْنَعُه ذلك أن يؤاكلَه ويُشاربَه، فلما رأَى الله ذلك منهم ضرَب بقلوبِ بعضِهم على بعضٍ، ثم أنزَل فيهم كتابًا: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾. وكان رسولُ الله ﷺ مُتكئًا فجلَس وقال: "كلا والذي نفسِى بيدِه: حتى تَأْطِروا الظالمَ على الحقِّ أطرًا" (٤). حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ الرمليُّ، قال: ثنا المُؤَمَّلُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنا عليُّ بنُ بَذِيمةَ، عن أبي عُبيدةَ، أظنُّه عن مُسروقٍ، عن عبدِ اللهِ، قال: قال

стр. 5877

رسولُ الله ﷺ : "إن بني إسرائيلَ لما ظهَر منهم المنكرُ، جعَل الرجلُ يرَى أخاه وجارَه وصاحبَه على المنكرِ فيَنْهاه، ثم لا يَمْنَعُه ذلك من أن يكونَ أَكَيلَه وشَرِيبَه ونَديمَه، فضرَب اللَّهُ قلوبَ بعضِهم على بعضٍ، ولُعِنُوا على لسان داودَ وعيسى ابن مريمَ؛ ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ إلى ﴿فَاسِقُونَ﴾. قال عبدُ الله: وكان رسولُ الله ﷺ مُتكئًا فاسْتَوى جالسًا، فغضِب وقال: "لا والله، حتى تَأْخُذوا على يَدَيِ الظالمِ فتَأْطِروه على الحقِّ أطْرًا". حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن مَهْدِيٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن عليِّ بن بَذِيمةً، عن أبي عُبيدةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إن بني إسرائيلَ لما وقَع فيهم النَّقْصُ، كان الرجلُ يرَى أخاه على الذَّنبِ (١) فيَنْهاه عنه، فإذا كان الغدُ لم يَمْنَعْه ما رأَى منه أن يكونَ أكيلَه وشريبَه وخليطَه، فضرَب الله قلوبَ بعضِهم ببعضٍ، ونزَل فيهم القرآنُ، فقال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾. حتى بلَغ ﴿وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾. قال: وكان رسولُ الله ﷺ مُتكئًا فجلَس وقال: "لا، حتى تأخذوا على يَدَى الظالمِ فتَأْطِروه على الحقِّ أطْرًا" (٢). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: أمْلاهُ علَيَّ، قال: ثنا محمدُ بنُ أبي الوَضّاحِ، عن عليِّ بن بَدِيمةَ، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ الله، عن النبيِّ ﷺ بمثلِه (٣). حدَّثنا هنادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن

стр. 5878

سفيانَ، عن عليِّ بن بذيمةَ، قال: سمِعت أبا عُبيدةَ يقولُ: قال رسولُ اللهِ ﷺ فذكَر نحوَه، غيرَ أنهما قالا في حديثِهما: وكان رسولُ اللَّهِ ﷺ مُتكئًا فاسْتَوى جالسًا ثم قال: "كلا والذي نفسي بيدِه، حتى تأخذوا على يَدَى الظالمِ فتَأْطِروه على الحقِّ أطرًا". حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾. قال: فقال: لُعِنوا في الإنجيلِ وفى الزبورِ. وقال: قال رسولُ الله ﷺ : "إن رَحَى الإيمانِ قد دارت، فدُوروا مع القرآنِ حيثُ دار، فإنه (١) قد فرَغ الله مما افْتَرض فيه، [وإنه كانت] (٢) أمةٌ من بنى إسرائيلَ كانوا أهلَ عَدْلٍ، يأمرون بالمعروف ويَنْهَون عن المُنْكَرِ، فأخذهم قومُهم فنشَروهم بالمناشيرِ، وصلَبوهم على الخُشُبِ، وبَقِيَتْ منهم بَقِيَّةٌ، فلم يَرْضَوا حتى داخَلُوا الملوكَ وجالَسوهم، ثم لم يَرْضَوا حتى واكَلُوهم، فضرَب اللَّهُ تلك القلوبَ بعضَها ببعضٍ فجعَلها واحدةً، فذلك قولُ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ﴾ إلى: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾. ماذا كانت معصيتُهم؟ قال: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٣). فتأويلُ الكلامِ إذن: لعَن الله الذين كفَروا مِن اليهودِ باللهِ، على لسانِ داودَ وعيسى ابن مريمَ، ولُعِنَ والله آباؤهم على لسانِ داودَ وعيسى ابن مريمَ، بما عصَوا اللَّهَ فخالَفوا أمرَه، ﴿وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾. يقولُ: وكانوا يتجاوزون حُدودَه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا

стр. 5879

كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ ـ يقولُ تعالى ذكرُه: كان هؤلاء اليهودُ الذين لعنهم الله، ﴿لَا يَتَنَاهَوْنَ﴾. يقولُ: لا يَنْتَهُون ﴿عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾، ولا يَنْهَى بعضُهم بعضًا. ويعنى بالمنكر المعاصى التي كانوا يعصون الله بها. فتأويلُ الكلام: كانوا لا يَنْتَهُون عن منكرٍ. ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾. وهذا قَسَمٌ مِن الله تعالى ذكرُه. يقولُ: أُقْسِمُ لَبَئسَ الفعلُ كانوا يفعلون؛ في تركهم الانتهاء عن معاصى الله تعالى، وركوبِ محارمه، وقتل أنبياء الله ورسلِه. كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾: لا تَتَناهى أنفسهم بعد أن وقعوا في الكفر. القولُ في تأويل قوله: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ترى يا محمدُ كثيرًا من بني إسرائيلَ ﴿يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. يقولُ: يَتَولُّون المشركين من عبدة الأوثان، ويُعادون أولياء الله ورسله، ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾. يقول تعالى ذكرُه: أُقْسِمُ لبئس الشئُ الذي قدَّمَت لهم أنفسهم أمامهم إلى مَعادِهم في الآخرةِ، ﴿أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾. يقولُ: قدَّمت لهم أنفسُهم سخط الله عليهم بما فعلوا. و ﴿أَنْ﴾ في قوله: ﴿أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾. في موضع رفعٍ؛ ترجمةً عن ﴿مَا﴾ الذي في قوله: ﴿لَبِئْسَ مَا﴾. ﴿وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾. يقولُ: وفي عذابِ اللَّهِ يومَ القيامة هم

стр. 5880

خالدون، دائمٌ مُقامُهم ومُكثُهم فيه. القول في تأويل قوله: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولو كان هؤلاء الذين يتولون الذين كفروا من بنى إسرائيل، ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ﴾. يقولُ: يُصَدِّقون الله (١) ويُقرُّون به ويُوحِّدونه، ويُصَدِّقون نبيَّه محمدًا ﷺ ، بأنه لله نبيٌّ مبعوثٌ، ورسولٌ مُرسلٌ، ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾، يقولُ: ويُقِرُّون بما أُنْزِل إلى محمدٍ ﷺ مِن عندِ اللَّهِ مِن آى الفرقانِ، ﴿مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾. يقولُ: ما اتخذوهم أصحابًا وأنصارًا من دونِ المؤمنين، ﴿وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾. يقولُ: ولكن كثيرًا منهم أهلُ خروج عن طاعة الله إلى معصيته، وأهل اسْتِحلالٍ لما حرَّم الله عليهم من القول والفعل. وكان مجاهدٌ يقولُ في ذلك بما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾. قال: المنافقون (٢). القول في تأويل قوله: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢)﴾. يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ : لتجِدنَّ يا محمدُ أشدَّ الناس عداوةً للذين

стр. 5881

صدقوك واتَّبعوك وصدَّقوا بما جئتَهم به من أهل الإسلام اليهود، ﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾. يعني: عبدة الأوثان الذين اتخذوا الأوثانَ آلهة يعبُدونها من دونِ اللَّهِ، ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾. يقولُ: ولتجدنَّ (١) أقرب الناس مودّةً ومحبةً - والمودَّةُ المَفْعَلةُ، من قول الرجل: وَدِدْتُ كذا، أوَدُّه وَدًّا ووُدًّا وَودًّا ومودةً، إذا أحببته - ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾. يقولُ: للذين صدَّقوا الله ورسوله محمدًا ﷺ ، ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عن قبول الحقِّ واتباعه، والإذعان به. وقيل: إن هذه الآية والتي بعدها نزلت في نفر قدموا على رسول الله ﷺ من نصارى الحبشة، فلما سمعوا القرآنَ أَسلموا، واتَّبعوا رسولَ اللَّهِ ﷺ . وقيل: إنها نزلت في النجاشيِّ ملك الحبشة وأصحابٍ له أسلموا معه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الملك بن أبى الشوارب، قال: ثنا عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ، قال: ثنا حُصَيفٌ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: بعَث النجاشيُّ وفدا إلى النبيِّ ﷺ ، فقرأ عليهم النبيُّ ﷺ فأسلموا. قال: فأنزل الله تعالى ذكرُه فيهم: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ إلى آخر الآية. قال: فرجعوا إلى النجاشيِّ فأخبروه، فأسلم النجاشيُّ، فلم يَزَلْ مسلمًا حتى مات. قال: فقال رسول الله ﷺ : "إن أخاكم النَّجاشيَّ قد مات فصلُّوا عليه". فصَلَّى عليه رسول الله ﷺ بالمدينة، والنجاشيُّ ثُمَّ (٢).

стр. 5882

حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾. قال: هم الوفدُ الذين جاءوا مع جعفرٍ وأصحابه من أرض الحبشة (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾. قال: كان رسولُ الله ﷺ وهو بمكة، خاف على أصحابه من المشركين، فبعث جعفر بن أبى طالبٍ وابن مسعودٍ وعثمان بنَ مظعونٍ في رهطٍ من أصحابه إلى النجاشيِّ ملك الحبشة، فلما بلغ ذلك المشركين، بعثوا عمرو بن العاصِ في رهطٍ منهم، ذُكِرَ أنهم سبقوا أصحابَ النبيِّ ﷺ إلى النجاشيِّ، فقالوا: إنه خرج فينا رجلٌ سَفَّه عقولَ قريشٍ وأحلامها، زعم أنه نبيٌّ، وإنه بعث إليك رهطًا ليُفْسِدوا عليك قومَك، فأَحْبَبْنا أن نأتيك، ونُخْبِرَك خبرَهم. قال: إن جاءونى نظرتُ فيما يقولون. فقدم أصحابُ رسول الله ﷺ ، [فأمُّوا بابَ] (٢) النجاشيِّ، فقالوا: استَأْذِنْ (٣) لأولياءِ اللَّهِ. فقال: ائذَنْ لهم، فمرحبًا بأولياء الله. فلما دخلوا عليه سلَّموا، فقال له الرهطُ من المشركين: ألا ترى أيُّها الملكُ أنا صَدَقْناك؛ لم يُحيُّوك بتحيتك (٤) التي تُحيا بها! فقال لهم: ما منعكم أن تُحيُّونى بتحيَّتى. فقالوا: إنا حيَّيناك بتحية أهل الجنة وتحية الملائكة. قال لهم: ما يقولُ

стр. 5883

صاحبُكم في عيسى وأمِّه؟ قالوا (١): يقولُ: هو عبد الله وكلمةٌ (٢) من الله ألقاها إلى مريم وروحٌ منه. ويقول في مريم: إنها العذراءُ البتُولُ. قال: فأخذ عودًا من الأرض، فقال: ما زاد عيسى وأمُّه على ما قال صاحبُكم قدر هذا العود. فكره المشركون قولَه، وتَغيَّرت وجوهُهم. قال لهم: هل تعرفون شيئًا مما أُنزل عليكم؟ قالوا: نعم. قال: اقرءوا. فقرءوا، وهنالك منهم قِسِّيسون ورهبانٌ وسائرُ النصارى، فعرفت كلَّ ما قرءوا، وانحدرت دموعُهم مما عرفوا من الحقِّ، قال الله تعالى ذكرُه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ﴾ الآية (٣). حدَّثني محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنى أحمدُ بنُ مُفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ الآية. قال: بعث النجاشيُّ إلى رسول الله ﷺ اثنى عشَرَ رجلًا من الحبشة؛ سبعةً قسيسين وخمسةً رهبانًا، ينظُرون إليه ويسألونه، فلما لَقُوه فقرأ عليهم ما أنزل الله بَكَوا وآمنوا، فأنزل الله عليه فيهم: ﴿وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٢، ٨٣]، فآمنوا، ثم رجعوا إلى النجاشيِّ، فهاجر النجاشيُّ معهم، فمات في الطريق، فصلَّى عليه رسولُ الله ﷺ والمسلمون، واستغْفَروا له (٤).

стр. 5884

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال عطاءٌ في قوله: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ الآية: هم ناسٌ من الحبشة آمنوا، إذ جاءتهم مهاجِرَةُ المؤمنين (١). وقال آخرون: بل هذه صفةُ قومٍ كانوا على شريعة عيسى من أهل الإيمان، فلما بعث الله تعالى ذِكْرُه نبيَّه محمدًا ﷺ آمنوا به. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾. فقرأ حتى بلغ: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾: أناسٌ من أهل الكتاب كانوا على شريعةٍ من الحقِّ مما جاء به عيسى، يؤمنون به وينتهون إليه، فلما بعث الله نبيَّه محمدًا ﷺ صدَّقوا به وآمَنوا، وعرفوا الذي جاء به أنه الحقُّ، فأثنى عليهم ما تسمعون (٢). والصوابُ في ذلك من القول عندى أن الله تعالى ذكرُه وصف صفة قومٍ قالوا: إنا نصارى. أن نبيَّ الله ﷺ يجدهم أقرب الناس ودادًا لأهل الإيمان بالله ورسوله، ولم يُسم لنا أسماءهم. وقد يجوزُ أن يكون أُريد بذلك أصحابُ النجاشيِّ، ويجوزُ أن يكونَ أُرِيدَ به قومٌ كانوا على شريعة عيسى فأدركهم الإسلامُ، فأسلموا لمَّا سمِعوا القرآن وعرفوا أنه الحقُّ، ولم يستكبروا عنه. وأما قولُه تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾، فإنه يقولُ: قرُبت مودةُ هؤلاء الذين وصف الله صفتهم للمؤمنين، من أجل أن منهم قسيسين

стр. 5885

ورهبانًا. والقسِّيسون جمعُ قسِّيس، وقد يُجمعُ القسيسُ قُسُوسًا؛ لأن القسَّ والقسِّيس بمعنًى واحدٍ. وكان ابن زيدٍ يقولُ في "القسيس" بما حدَّثنا يونسُ، قال: حدَّثنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: القِسِّيسُ (١) عُبَّادُهم. وأما "الرهبان"، فإنه يكون واحدًا وجمعًا؛ فأما إذا كان جمعًا، فإن واحدهم يكونُ راهبًا، ويكون الراهب حينئذٍ فاعلًا، من قول القائل: رَهِب الله فلانٌ - بمعنى: خافه - يَرْهَبُه رَهَبًا ورُهْبًا. ثم يُجْمعُ الراهب "رُهبان"، مثل راكبٍ ورُكبانٍ، وفارسٍ وفُرسانٍ. ومن الدليل على أنه قد يكونُ عند العرب جمعًا قولُ الشاعر (٢): رُهْبانُ مَدْيَنَ لَوْ رَأَوْكِ تَنَزَّلُوا … والعُصْمُ منْ شَعَفِ العَقولِ الفادِرِ (٣) وقد يكونُ الرهبان واحدًا، وإذا كان واحدا كان جمعُه رَهابينَ، مثلَ قُرْبانٍ وقرابينَ، وجُرْدانٍ وجرادينَ (٤). ويجوزُ جمعُه أيضًا "رَهابنةٌ"، إذا كان كذلك. ومن الدليل على أنه قد يكون عند العرب واحدًا قول الشاعر (٥): لَوْ عَايَنَتْ رُهْبانَ دَيْرٍ في القُلَلْ (٦)
следующие страницы →