← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 5881–5920 · переход к 5886.

стр. 5881

صدقوك واتَّبعوك وصدَّقوا بما جئتَهم به من أهل الإسلام اليهود، ﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾. يعني: عبدة الأوثان الذين اتخذوا الأوثانَ آلهة يعبُدونها من دونِ اللَّهِ، ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾. يقولُ: ولتجدنَّ (١) أقرب الناس مودّةً ومحبةً - والمودَّةُ المَفْعَلةُ، من قول الرجل: وَدِدْتُ كذا، أوَدُّه وَدًّا ووُدًّا وَودًّا ومودةً، إذا أحببته - ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾. يقولُ: للذين صدَّقوا الله ورسوله محمدًا ﷺ ، ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عن قبول الحقِّ واتباعه، والإذعان به. وقيل: إن هذه الآية والتي بعدها نزلت في نفر قدموا على رسول الله ﷺ من نصارى الحبشة، فلما سمعوا القرآنَ أَسلموا، واتَّبعوا رسولَ اللَّهِ ﷺ . وقيل: إنها نزلت في النجاشيِّ ملك الحبشة وأصحابٍ له أسلموا معه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الملك بن أبى الشوارب، قال: ثنا عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ، قال: ثنا حُصَيفٌ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: بعَث النجاشيُّ وفدا إلى النبيِّ ﷺ ، فقرأ عليهم النبيُّ ﷺ فأسلموا. قال: فأنزل الله تعالى ذكرُه فيهم: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ إلى آخر الآية. قال: فرجعوا إلى النجاشيِّ فأخبروه، فأسلم النجاشيُّ، فلم يَزَلْ مسلمًا حتى مات. قال: فقال رسول الله ﷺ : "إن أخاكم النَّجاشيَّ قد مات فصلُّوا عليه". فصَلَّى عليه رسول الله ﷺ بالمدينة، والنجاشيُّ ثُمَّ (٢).

стр. 5882

حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾. قال: هم الوفدُ الذين جاءوا مع جعفرٍ وأصحابه من أرض الحبشة (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾. قال: كان رسولُ الله ﷺ وهو بمكة، خاف على أصحابه من المشركين، فبعث جعفر بن أبى طالبٍ وابن مسعودٍ وعثمان بنَ مظعونٍ في رهطٍ من أصحابه إلى النجاشيِّ ملك الحبشة، فلما بلغ ذلك المشركين، بعثوا عمرو بن العاصِ في رهطٍ منهم، ذُكِرَ أنهم سبقوا أصحابَ النبيِّ ﷺ إلى النجاشيِّ، فقالوا: إنه خرج فينا رجلٌ سَفَّه عقولَ قريشٍ وأحلامها، زعم أنه نبيٌّ، وإنه بعث إليك رهطًا ليُفْسِدوا عليك قومَك، فأَحْبَبْنا أن نأتيك، ونُخْبِرَك خبرَهم. قال: إن جاءونى نظرتُ فيما يقولون. فقدم أصحابُ رسول الله ﷺ ، [فأمُّوا بابَ] (٢) النجاشيِّ، فقالوا: استَأْذِنْ (٣) لأولياءِ اللَّهِ. فقال: ائذَنْ لهم، فمرحبًا بأولياء الله. فلما دخلوا عليه سلَّموا، فقال له الرهطُ من المشركين: ألا ترى أيُّها الملكُ أنا صَدَقْناك؛ لم يُحيُّوك بتحيتك (٤) التي تُحيا بها! فقال لهم: ما منعكم أن تُحيُّونى بتحيَّتى. فقالوا: إنا حيَّيناك بتحية أهل الجنة وتحية الملائكة. قال لهم: ما يقولُ

стр. 5883

صاحبُكم في عيسى وأمِّه؟ قالوا (١): يقولُ: هو عبد الله وكلمةٌ (٢) من الله ألقاها إلى مريم وروحٌ منه. ويقول في مريم: إنها العذراءُ البتُولُ. قال: فأخذ عودًا من الأرض، فقال: ما زاد عيسى وأمُّه على ما قال صاحبُكم قدر هذا العود. فكره المشركون قولَه، وتَغيَّرت وجوهُهم. قال لهم: هل تعرفون شيئًا مما أُنزل عليكم؟ قالوا: نعم. قال: اقرءوا. فقرءوا، وهنالك منهم قِسِّيسون ورهبانٌ وسائرُ النصارى، فعرفت كلَّ ما قرءوا، وانحدرت دموعُهم مما عرفوا من الحقِّ، قال الله تعالى ذكرُه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ﴾ الآية (٣). حدَّثني محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنى أحمدُ بنُ مُفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ الآية. قال: بعث النجاشيُّ إلى رسول الله ﷺ اثنى عشَرَ رجلًا من الحبشة؛ سبعةً قسيسين وخمسةً رهبانًا، ينظُرون إليه ويسألونه، فلما لَقُوه فقرأ عليهم ما أنزل الله بَكَوا وآمنوا، فأنزل الله عليه فيهم: ﴿وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٢، ٨٣]، فآمنوا، ثم رجعوا إلى النجاشيِّ، فهاجر النجاشيُّ معهم، فمات في الطريق، فصلَّى عليه رسولُ الله ﷺ والمسلمون، واستغْفَروا له (٤).

стр. 5884

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال عطاءٌ في قوله: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ الآية: هم ناسٌ من الحبشة آمنوا، إذ جاءتهم مهاجِرَةُ المؤمنين (١). وقال آخرون: بل هذه صفةُ قومٍ كانوا على شريعة عيسى من أهل الإيمان، فلما بعث الله تعالى ذِكْرُه نبيَّه محمدًا ﷺ آمنوا به. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾. فقرأ حتى بلغ: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾: أناسٌ من أهل الكتاب كانوا على شريعةٍ من الحقِّ مما جاء به عيسى، يؤمنون به وينتهون إليه، فلما بعث الله نبيَّه محمدًا ﷺ صدَّقوا به وآمَنوا، وعرفوا الذي جاء به أنه الحقُّ، فأثنى عليهم ما تسمعون (٢). والصوابُ في ذلك من القول عندى أن الله تعالى ذكرُه وصف صفة قومٍ قالوا: إنا نصارى. أن نبيَّ الله ﷺ يجدهم أقرب الناس ودادًا لأهل الإيمان بالله ورسوله، ولم يُسم لنا أسماءهم. وقد يجوزُ أن يكون أُريد بذلك أصحابُ النجاشيِّ، ويجوزُ أن يكونَ أُرِيدَ به قومٌ كانوا على شريعة عيسى فأدركهم الإسلامُ، فأسلموا لمَّا سمِعوا القرآن وعرفوا أنه الحقُّ، ولم يستكبروا عنه. وأما قولُه تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾، فإنه يقولُ: قرُبت مودةُ هؤلاء الذين وصف الله صفتهم للمؤمنين، من أجل أن منهم قسيسين

стр. 5885

ورهبانًا. والقسِّيسون جمعُ قسِّيس، وقد يُجمعُ القسيسُ قُسُوسًا؛ لأن القسَّ والقسِّيس بمعنًى واحدٍ. وكان ابن زيدٍ يقولُ في "القسيس" بما حدَّثنا يونسُ، قال: حدَّثنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: القِسِّيسُ (١) عُبَّادُهم. وأما "الرهبان"، فإنه يكون واحدًا وجمعًا؛ فأما إذا كان جمعًا، فإن واحدهم يكونُ راهبًا، ويكون الراهب حينئذٍ فاعلًا، من قول القائل: رَهِب الله فلانٌ - بمعنى: خافه - يَرْهَبُه رَهَبًا ورُهْبًا. ثم يُجْمعُ الراهب "رُهبان"، مثل راكبٍ ورُكبانٍ، وفارسٍ وفُرسانٍ. ومن الدليل على أنه قد يكونُ عند العرب جمعًا قولُ الشاعر (٢): رُهْبانُ مَدْيَنَ لَوْ رَأَوْكِ تَنَزَّلُوا … والعُصْمُ منْ شَعَفِ العَقولِ الفادِرِ (٣) وقد يكونُ الرهبان واحدًا، وإذا كان واحدا كان جمعُه رَهابينَ، مثلَ قُرْبانٍ وقرابينَ، وجُرْدانٍ وجرادينَ (٤). ويجوزُ جمعُه أيضًا "رَهابنةٌ"، إذا كان كذلك. ومن الدليل على أنه قد يكون عند العرب واحدًا قول الشاعر (٥): لَوْ عَايَنَتْ رُهْبانَ دَيْرٍ في القُلَلْ (٦)

стр. 5886

لانحدَرَ الرُّهْبَانُ يَمْشِي وَنَزَلْ واختلف أهلُ التأويل في المعنيِّ بقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾؛ فقال بعضُهم: عُنى بذلك قومٌ كانوا استجابوا لعيسى ابن مريم حين دعاهم، واتَّبَعوه على شريعته. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوب بنُ إبراهيم، قال: ثنا هشيمٌ، عن حُصينٍ، عمن حدّثه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾. قال: كانوا نواتيَّ في البحر. يعنى ملَّاحين. قال: فمرَّ بهم عيسى ابن مريم، فدعاهم إلى الإسلام فأجابوه. قال: فذلك قولُه: ﴿قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾. وقال آخرون: بل عُنى بذلك القومُ الذين كان النجاشيُّ بعثهم إلى رسول الله ﷺ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامُ بنُ سَلْمٍ، قال: ثنا عَنْبِسةُ، عمن حدَّثه، عن أبى صالحٍ في قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾. قال: ستةٌ وستون، أو سبعةٌ وستون، أو (١) اثنان وستون، من الحبشة، كلُّهم صاحبُ صومعةٍ، عليهم ثيابُ الصوف. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن بنُ مَهْدَيِّ، عن سفيانَ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾. قال: بعث النجاشيُّ إلى النبيِّ ﷺ خمسين أو سبعين من خيارهم، فجعلوا يبكون. فقال: هم

стр. 5887

هؤلاء. حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيز، قال: ثنا قيسٌ، عن سالم الأفطسِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾. قال: هم رسلُ النجاشيِّ الذين أرسل بإسلامه وإسلام قومه، كانوا سبعين رجلًا، اختارهم، الخيِّر فالخيِّر، فدخلوا على رسول الله ﷺ ، ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس: ١، ٢]. فبكوا وعرَفوا الحقَّ، فأنزل الله فيهم: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾. وأنزَل فيهم: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ [القصص:٥٢ - ٥٤]. والصواب في ذلك من القول عندَنا أن يُقالَ: إن الله تعالى ذكرُه أخبر عن النفرِ الذين أثنى عليهم من النصارى، بقُربِ مودَّتِهم لأهل الإيمان بالله ورسوله، أن ذلك إنما كان منهم لأن منهم أهل اجتهادٍ في العبادة، وتَرهبٍ (٢) في الديارات والصوامع، وأن منهم علماء بكُتُبهم وأهل تلاوةٍ لها، فهم لا يبعُدون من المؤمنين، لتواضعهم للحقِّ إذا عرفوه، ولا يستكبِرون عن قَبوله إذا تَبَيَّنوه؛ لأنهم أهلُ دينٍ واجتهادٍ فيه ونصيحةٍ لأنفسهم في ذاتِ اللهِ، وليسوا كاليهود الذين قد دربوا بقتل الأنبياء والرسلِ، ومعاندة الله في أمره ونهيه، وتحريفِ تنزيلِه الذي أنزَله في كتبه. القولُ في تأويل قوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ

стр. 5888

الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا سمع هؤلاء الذين قالوا: إنا نصارى - الذين وصفتُ لك يا محمدُ صفتَهم أنك تجدُهم أقرب الناس مودةً للذين آمنوا - ما أُنزِل إليك من الكتاب يُتْلَى، ﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾. وفيضُ العين من الدمع امتلاؤُها منه، ثم سيلانُه منها، كفىض النهر من الماءِ، وفيض الإناء، وذلك سيلانُه عن شدةِ امتلائِه، ومنه قول الأعشى (١): ففَاضَتْ دُمُوعِى [فَظَل (٢) الشُّئو … نُ] (٣) إمّا وكِيفًا (٤) وإمَّا انحدارا وقولُه: ﴿مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾. يقولُ: فيضُ دموعهم لمعرفتهم بأن الذي يُتْلَى عليهم من كتاب الله الذي أنزله إلى رسولِ اللَّهِ حَقٌّ. كما حدَّثنا هنادُ بنُ السَّريِّ، قال: ثنا يونسُ بن بُكَيرٍ، قال: ثنا أسباطُ بنُ نصرٍ الهمدانيُّ، عن إسماعيلَ بن عبدِ الرحمنِ السُّدِّيِّ، قال: بعث النجاشيُّ إلى النبيِّ ﷺ اثنى عشَرَ رجلًا يسألونه ويأتونه بخَبَرِه، فقرأ عليهم رسولُ الله ﷺ القرآن فبَكَوا، وكان منهم سبعةٌ رُهبانٌ [وخمسةٌ قسيسون، أو خمسةٌ رهبان وسبعةٌ قسيسون] (٥)، فأنزل الله فيهم: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ﴾ إلى آخرِ الآية (٦).

стр. 5889

حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، [قال: ثنا عمرُ بن عليِّ] (١) بن مُقَدَّمٍ، قال: سمعتُ هشامَ بن عروةَ يُحَدِّثُ عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، قال: نزلت في النجاشيِّ وأصحابِه: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ (٢). حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا عبدةُ بن سليمان (٣)، عن هشام بن عُروة، عن أبيه في قولِه: ﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾. قال: ذلك في النجاشيِّ (٤). حدَّثنا هنادٌ وابنُ وكيعٍ قالا: ثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: كانوا يرون أن هذه الآيةَ أُنزِلت في النجاشيِّ: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾. حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا يونُسُ بنُ بُكَيرٍ، قال: قال ابن إسحاقَ: سألتُ الزهريَّ عن الآياتِ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ الآية. وقوله: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]. قال: ما زلتُ أسمعُ علماءنا يقولون: نزلتْ في النجاشيِّ وأصحابه (٥).

стр. 5890

وأما قوله: ﴿يَقُولُونَ﴾. فإنه لو كان بلفظ اسمٍ كان نصبًا على الحال؛ لأن معنَى الكلام: وإذا سمعوا ما أُنزِل إلى الرسول ترى أعينهم تفيضُ من الدمع مما عرَفوا من الحقِّ قائلين: ربَّنا آمنَّا. ويعنى بقوله تعالى ذكرُه: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا﴾. أنهم يقولون: يا ربَّنا، صَدَّقنا لما سمعنا ما أنزلته إلى نبيِّك محمدٍ ﷺ من كتابك، وأقرَرنا به أنه من عندك، وأنه الحقُّ لا شك فيه. وأما قوله: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾. فإنه رُوى عن ابن عباسٍ وغيره في تأويله ما حدَّثنا به هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى وابنُ نُميرٍ، جميعًا عن إسرائيل، عن سماكٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾. قال: أُمةُ محمدٍ ﷺ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾: مع أمة محمدٍ ﷺ . حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةٍ، عن عليِّ بن أبى طلحة، عن ابن عباسٍ: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾: يعنون بالشاهدين محمدًا ﷺ وأمته. حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيز، قال: ثنا إسرائيلُ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾. قال: محمدٌ ﷺ وأمتُه، إنهم شهدوا أنه قد بلَّغ، وشهدوا أن الرسل قد بلَّغت. حدَّثنا الربيعُ، قال: ثنا أسدُ بنُ موسى، قال: ثنا يحيى بنُ زكريا، قال: ثنى

стр. 5891

إسرائيلُ، عن سماكٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ مثل حديثِ الحارث بن عبد العزيز، غير أنه قال: وشهدوا للرسل أنهم قد بلَّغُوا (١). فكأنَّ متأوِّلَ هذا التأويل قصد بتأويله هذا إلى معنى قول الله تعالى ذكرُه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. فذهَب ابن عباسٍ إلى أن الشاهدين هم الشهداءُ في قوله: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾. وهم أمة محمدٍ ﷺ . وإذا كان التأويلُ ذلك، كان معنى الكلام: يقولون ربَّنا آمنَّا فاكتبنا مع الشاهدين الذين يشهدون لأنبيائك يومَ القيامة أنهم قد بلَّغوا أممهم رسالاتك. ولو قال قائلٌ: معنى ذلك: فاكتبنا مع الشاهدين الذين يشهدون أن ما أنزلته إلى رسولك من الكتاب حقٌّ. كان صوابًا؛ لأن ذلك خاتمةُ قوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا﴾. وذلك صفةٌ من الله تعالى ذكرُه لهم بإيمانِهم، لما سمعوا من كتاب الله، فتكونُ مسألتُهم أيضًا الله أن يجعلهم ممن صحَّت عنده شهادتُهم بذلك، ويُلْحِقهم في الثواب والجزاءِ منازلهم. ومعنى الكتاب في هذا الموضع الجَعْلُ، يقولُ: فَاجْعَلْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ، وأَثْبِتْنا معهم في عدادهم. القولُ في تأويل قوله: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤)﴾. وهذا خبرٌ من الله تعالى ذكره عن هؤلاء القوم الذين وصف صفتهم في هذه

стр. 5892

الآيات أنهم إذا سمعوا ما أُنزل إلى رسوله محمد ﷺ من كتابه، آمنوا به، وصدَّقوا كتاب الله، وقالوا: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾. يقول: لا نُقرُّ بوحدانية الله، ﴿وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ﴾. يقولُ: وما جاءنا من عند الله من كتابه وآي تنزيله، ونحن نطمع بإيماننا بذلك، ﴿أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾. يعنى بالقومِ الصالحين: المؤمنين بالله المطيعين له، الذين استحقوا من الله الجنةَ بطاعتهم إياه. وإنما معنى ذلك: ونحن نطمع أن يُدخلنا ربنا مع أهل طاعته مداخلهم من جنتِه يومَ القيامة، ويُلْحِقَ منازلنا بمنازلهم، ودرجاتِنا بدرجاتهم في جناته. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾. قال: القومُ الصالحون رسول الله ﷺ وأصحابه (١). القول في تأويل قوله: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥)﴾. يقول تعالى ذكرُه: فجزاهم الله بقولهم: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾ - ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. يعنى: بساتين تَجْرِى من تحت أشجارها الأنهارُ، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾. يقولُ: دائمًا فيها مُكْثُهم، لا يُخرجون منها، ولا يُحوَّلون عنها، ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾. يقولُ: وهذا الذي جَزَيتُ هؤلاء القائلين بما وصفتُ عنهم من قيلهم على ما قالوا من الجنات التي

стр. 5893

هم فيها خالدون، جزاء كلِّ محسنٍ في قبله وفعله، وإحسانُ المحسن في ذلك أن يُوحِّدَ الله توحيدًا خالصًا مَحْضًا، لا شركَ فيه، ويُقِرَّ بأنبياء الله وما جاءت به من عندِ الله من الكتب، ويؤدِّي فرائضَه، ويجتنِبَ معاصيَه، فذلك كمالُ إحسان المحسنين الذين قال الله تعالى ذكرُه: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾. القول في تأويل قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٨٦)﴾. يقول تعالى ذكره: وأما الذين جحدوا توحيد الله، وأنكَروا نبوة محمدٍ ﷺ ، وكذَّبوا بآيات كتابه، فإن ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾. يقولُ: هم سكانُها واللابِثون فيها. والجحيمُ ما اشْتَدَّ من النار، وهو الجاحِمُ والجحيمُ. القولُ في تأويل قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يا أيُّها الذين صدَّقوا الله ورسوله، وأقرُّوا بما جاءهم به نبيُّهم أنه حقٌّ من عندِ اللهِ، ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾. يعني بالطيبات: اللذيذات التي تشتهيها النفوسُ وتميلُ إليها القلوبُ، فتمْنَعوها إيَّاها، كالذى فعله القسِّيسون والرهبانُ، فحرَّموا على أنفسهم النساءَ والمطاعم الطيبة، والمشاربَ اللذيدةَ، وحبس في الصوامع بعضُهم أنفسهم، وساح في الأرضِ بعضُهم. يقول تعالى ذكرُه: فلا تفعلوا أيها المؤمنون كما فعل أولئك، ولا تعتدوا حدَّ الله الذي حَدَّ لكم فيما أحلَّ لكم وفيما حرَّم عليكم، فتُجاوِزُوا حدَّه الذي حدَّه (١)، فتخالفوا بذلك طاعته، فإن الله لا يحبُّ من اعتدى حدَّه الذي حدَّه لخلقه

стр. 5894

فيما أحل لهم وحرَّم عليهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني أبو حَصِين عبد الله بن أحمد بن يونس، قال: ثنا عَبثرٌ أبو (١) زبيدٍ، قال: ثنا حُصينٌ، عن أبي مالكٍ في هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية. قال: عثمانُ بن مظعونٍ وأناسٌ من المسلمين حرَّموا عليهم النساءَ، وامتنعوا من الطعام الطيِّب، وأراد بعضُهم أن يقطعَ ذَكَرَه، فنزلت هذه الآيةُ (٢). حدَّثنا حميدُ بنُ مسعدة، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنى خالدٌ الحذَّاءُ، عن عكرمة، قال: كان أناسٌ من أصحاب النبيِّ ﷺ همُّوا بالخصاء وترك اللَّحم والنساء، فنزلت هذه الآيةُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٣). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن خالدٍ، عن عكرمة، أن رجالًا أرادوا كذا وكذا، وأرادوا كذا وكذا، وأن يَخْتَصُوا، فنزلَت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾. حدَّثنا ابن وكيعٍ قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ

стр. 5895

آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾. قال: كانوا حرَّموا الطِّيب واللحم، فأنزلَ اللهُ تعالى هذا فيهم (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الوهَّابِ الثقفيُّ، قال: ثنا خالدٌ، عن عكرمة، أن أناسًا قالوا: لا نتزوَّجُ، ولا نأكلُ ولا نفعل كذا وكذا. فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاق، قال: أخْبرَنا معمرٌ، عن أيوب، عن أبي قلابة، قال: أراد أُناسٌ من أصحاب النبيِّ ﷺ أن يرفضوا الدنيا ويترُكوا النساء ويترهَّبوا، فقام رسولُ الله ﷺ فغلَّظ فيهم المقالة، ثم قال: "إنما هلك من كان قبلكم بالتشديد، شدَّدوا على أنفسهم فشدَّد الله عليهم، فأولئك بقاياهم في الديار والصوامع؛ اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وحُجُّوا واعتمروا، واستقيموا يَستَقِم لكم". قال: ونزلت فيهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاق، قال: أخْبرَنا معمرٌ، عن قتادة في قوله: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾. قال: نزلت في أناسٍ من أصحاب النبيِّ ﷺ ، أرادوا أن يتخلَّوا من اللباس ويترُكوا النساء ويتزهَّدوا؛ منهم عليُّ بنُ أبى طالبٍ وعثمان بنُ مظعونٍ (٣). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفىان، عن زيادِ بن فَيَّاضٍ، عن أبي

стр. 5896

عبد الرحمن، قال: قال النبيُّ ﷺ : "لا آمُرُكُم أن تكونوا قسيسين ورُهْبانًا" (١). حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا جامعُ بنُ حمادٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادة في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية: ذُكر لنا أن رجالًا من أصحاب النبيِّ ﷺ رفضوا النساء واللحم، وأرادوا أن يَتَّخِذوا الصوامع، فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ قال: "ليس في دينى تركُ النساءِ واللحمِ، ولا اتخاذُ الصوامع". وخُبِّرنا أن ثلاثة نفرٍ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ اتَّفَقُوا، فقال أحدُهم: أمَّا أنا فأقومُ الليل لا أنامُ. وقال أحدُهم: أمَّا أنا فأصومُ النهارَ فلا أُفطِرُ. وقال الآخرُ: أمَّا أنا فلا آتى النساءَ. فبعث رسولُ اللَّهِ ﷺ إليهم، فقال: "ألم أُنَبَّأ أنَّكم اتَّفَقْتُم على كذا وكذا؟ ". قالوا: بلى يا رسولَ اللَّهِ، وما أردنا إلا الخير. قال: "لكنى أقومُ وأنامُ، وأصومُ وأُفطِرُ، وأتى النساء، فمن رَغِبَ عن سُنَّتِى فليس منِّى". وكان في بعض القراءةِ: (مَنْ رَغِبَ عَن سُنَّتِكَ فليس مِنْ أُمَّتِكَ وقد ضَلَّ (٢) سواءَ السَّبِيلِ) (٣). وذُكِرَ لنا أن نبيَّ الله ﷺ قال لأُناسٍ أصحابه: "إن من قبلكم شدَّدوا على أنفسهم فشدَّد الله عليهم، فهؤلاء إخوانُهم في الدُّورِ والصوامع؛ اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وأقيموا الصلاةَ، وآتوا الزكاةَ، وصوموا رمضانَ، وحُجُوا، واعتمروا، واستقيموا يَسْتَقِم لكم". حدَّثني محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بن مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾: وذلك أن رسول الله ﷺ جلس يومًا فذكَّر الناس، ثم قام

стр. 5897

ولم يَزِدْهم على التخويف، فقال أُناسٌ من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا عشرةً، منهم عليُّ بن أبى طالبٍ وعثمانُ بن مظعونٍ: ما خِفْنا (١) إن لم نُحْدِثُ عملًا، فإن النصارى قد حرَّموا على أنفسهم فنحن نُحرِّمُ. فحرَّم بعضُهم أكل اللحم والوَدَكِ (٢)، وأن يأكل بالنهار، وحرَّم بعضُهم النوم، وحرَّم بعضُهم النساء، فكان عثمانُ بنُ مظعونٍ ممن حرَّم النساء، وكان لا يَدْنو من أهله، ولا يَدْنون منه، فأتت امرأتُه عائشة - وكان يقالُ لها: الحولاءُ - فقالت لها عائشةُ ومَن عندها من نساءِ النبيِّ ﷺ : ما بالُك يا حولاءُ مُتغيرة اللون لا تَمتَشِطين ولا تطيَّبينَ؟! فقالت: وكيف أتطيَّبُ وأمتَشِطُ وما وقَع عليَّ زوجى، ولا رفع عنى ثوبًا منذ كذا وكذا! فَجَعَلْن يَضْحَكُن من كلامِها، فدخل رسول الله ﷺ وهنَّ يَضْحَكُنَ، فقال: "ما يُضحِكُكن؟ ". قالت: يا رسولَ اللهِ، الحولاء سأَلْتُها عن أمرِها، فقالت: ما رفع عنى زوجى ثوبًا منذ كذا وكذا. فأرسل إليه فدعاه، فقال: "ما بالك يا عثمان؟ ". قال: إنى تركته لله لكى أتَخلَّى للعبادة. وقصَّ عليه أمره، وكان عثمان قد أراد أن يَجُبَّ نفسه، فقال رسولُ الله ﷺ : "أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ إِلَّا رَجَعْتَ فَوَاقَعْتَ أَهْلَكَ". فقال: يا رسول الله، إنى صائمٌ. قال: "أفطِرْ". فأفطر وأتَى أهلَه، فرجعت الحولاءُ إلى عائشة قد اكتحلت وامتشطت وتَطَيَّبت، فضحِكت عائشةُ، فقالت: ما بالُكِ يا حولاءُ! فقالت: إنه أتاها أمس. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "ما بال أقوامٍ حَرَّمُوا النساء والطعام والنوم! ألا إنى أنام وأقومُ، وأُفْطِرُ وأَصُومُ، وأنْكِحُ النِّسَاءَ، فمن رَغِبَ [عَنْ سُنَّتى] (٣) فليس منِّى"، فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا

стр. 5898

أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾. يقولُ لعثمان: "لا تَجُبَّ نفسك، فإن هذا هو الاعتداءُ". وأمَرَهم أن يكفِّروا أيمانهم، فقال: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ (١) [المائدة: ٨٩]. حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾. قال: هم رهطٌ من أصحاب النبيِّ ﷺ قالوا: نقطعُ مذاكيرنا، ونتركُ شهواتِ الدنيا، ونسيحُ في الأرض، كما يفعلُ الرهبانُ. فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ فأرسل إليهم، فذكر ذلك لهم، فقالوا: نعم. فقال رسولُ الله ﷺ : "لكنِّي أصومُ وأُفْطِرُ، وأُصَلِّي وأنامُ، وأَنْكِحُ النِّساء، فمَن أخَذ بسُنَّتى فهو منِّي، ومن لم يأخُذْ بسُنَّتى فليس منِّى" (٢). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثني عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾: وذلك أن رجالًا من أصحاب محمدٍ ﷺ ، منهم عثمانُ بن مظعونٍ، حرَّموا النِّساء واللحم على أنفسهم، وأخَذوا الشِّفارَ ليقطعوا مذاكيرهم؛ لكى تنْقَطِعَ الشهوةُ، ويتفرَّغوا لعبادة ربِّهم، فأُخبر بذلك النبي ﷺ ، فقال: "ما أردتُم؟ ". فقالوا: أردنا أن تنقطع (٣) الشهوةُ عنا، ونتفرغ لعبادة ربِّنا، ونَلْهُوَ عن النساء. فقال رسولُ الله ﷺ : "لم أُومَرْ بذلك، ولكنِّى أُمِرْتُ في دينى أن أتزوَّجَ النَّساء". فقالوا: نطيعُ رسول الله ﷺ . فأنزل الله تعالى ذِكرُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾

стр. 5899

إلى قوله: ﴿الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ، قال: أراد رجالٌ، عثمانُ (٢) بن مظعونٍ وعبد الله بنُ عمرٍو، أن يتبتَّلوا، ويَخْصُوا أنفسهم، ويلبسوا المُسُوح (٣)، فنزلت هذه الآيةُ إلى قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ (٤). قال ابن جُريجٍ، عن عكرمة: إن عثمانَ بن مظعونٍ وعليَّ بن أبى طالبٍ وابن مسعودٍ والمقداد بن الأسود وسالمًا مولى أبى حُذيفة، في أصحابٍ (٥) تَبَتَّلوا، فجلسوا في البيوت، واعتزلوا النساءَ، ولبسوا المُسوح، وحرَّموا طيبات الطعام واللباس، إلا ما أكل وليس أهلُ السياحة من بنى إسرائيل، وهمُّوا بالإخصاء (٦)، وأجمعوا لقيام الليل وصيامِ النهار، فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. يقولُ: لا تستنُّوا (٧) بغير سنةِ المسلمين. يريدُ ما حرَّموا من النساء والطعام واللباس، وما أجمعوا له من صيام النهار وقيام الليل، وما همُّوا له من الإخصاء، فلما نزلت فىهم بعث إليهم رسول الله ﷺ ، فقال: "إن لأنفسكم حقًّا، وإنَّ لأعْيُنِكم حقًّا، صُومُوا وأَفْطِرُوا، وَصَلُّوا ونامُوا، فليس منَّا من ترك سُنَّتنا". فقالوا: اللَّهمَّ أَسْلَمْنا واتَّبَعْنا ما أنزَلتَ (٨).

стр. 5900

حدَّثني يونسُ بنُ عبد الأعلى، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، عن ابن زيدٍ في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾. قال: قال أبى: ضاف عبد الله بن رواحة ضيفٌ، فانقلب ابن رواحةً ولم يتعشَّ، فقال لأهله: ما عَشَّيْتِه؟ فقالت: كان الطعام قليلًا، فانتظرتُ أن تأتى. قال: فحبَست ضيفى من أجلى! فطعامك عليَّ حرامٌ إن ذقتُه. فقالت هي: وهو على حرامٌ إن ذقتُه إن لم تذُقه. وقال الضيفُ: هو عليَّ حرامٌ إن ذقتُه إن لم تَذُوقوه. فلما رأى ذلك، قال ابن رواحة: قرِّبى طعامك، كلوا باسمِ الله. وغدا إلى النبيِّ ﷺ فأخبره، فقال رسولُ الله ﷺ : "قد أَحْسَنْتَ". فنزلت هذه الآيةُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾، وقرأ حتى بلغ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾. إذا قلت: والله لا أذوقُه. فذلك العقد (١). حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعدٍ (٢)، قال: ثنا عكرمةُ، عن ابن عباسٍ، أن رجلًا أتى النبيَّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إنى إذا أصبتُ من اللحم انتشرتُ، وأخذَتْنى شهوتى، فحرَّمتُ اللحمَ. فأنزل الله تعالى ذِكرُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٣). حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا خالدٌ الحذّاءُ، عن

стр. 5901

عكرمة، قال: همَّ أناسٌ من أصحاب رسول الله ﷺ بترك النساءِ والخصاءِ، فأنزل الله تعالى ذكره: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية (١). واختلفوا في معنى "الاعتداء" الذي قال تعالى ذكرُه: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾، فقال بعضُهم: الاعتداءُ الذي نهى الله عنه في هذا الموضع هو ما كان عثمانُ بنُ مظعونٍ همَّ به من جَبِّ نفسه، فنُهِيَ عن ذلك، وقيل له: "هذا هو الاعتداء". وممن قال ذلك السُّديُّ. حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عنه (٢). وقال آخرون: بل ذلك هو ما كان الجماعةُ من أصحاب رسول الله ﷺ همُّوا به من تحريم النساء والطعام واللباس والنوم، فنُهُوا أن يفعلوا ذلك، وأن يستنُّوا بغير سنة نبيِّهم محمدٍ ﷺ . وممن قال ذلك عكرمةُ. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عنه (٢). وقال بعضُهم: بل ذلك نهى من الله تعالى ذكرُه أن يتجاوز الحلالُ إلى الحرام. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن عاصمٍ، عن الحسنِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ

стр. 5902

آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾. قال: لا تعتدوا إلى ما حُرِّمَ عليكم (١). وقد بيَّنا أن معنى "الاعتداء" تجاوزُ المرءِ ما له إلى ما ليس له في كلِّ شيءٍ، فيما مضَى بما أغنى عن إعادته (٢). وإذ كان ذلك كذلك، وكان الله تعالى ذكره قد عمَّ بقوله: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾. النهى عن العُدْوانِ كلِّه، كان الواجب أن يكون محكومًا لما عمَّه بالعموم حتى يَخُصَّه ما يجبُ التسليمُ له، وليس لأحدٍ أن يتعدَّى حدَّ الله تعالى ذكرُه في شيءٍ من الأشياء مما أحلَّ أو حرَّم، فمن تعدَّاه فهو داخلٌ في جملة من قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. وغير مستحيل أن تكونَ الآيةُ نزلت في أمر عثمان بن مظعونٍ والرهط الذين هَمُّوا من أصحاب رسول الله ﷺ بما هَمُّوا به من تحريم بعض ما أحلَّ الله لهم على أنفسهم، ويكون مرادًا بحكمها كلُّ من كان في مثل معناهم، ممن حرَّم على نفسه ما أحلَّ الله له، أو أحلَّ ما حرم الله عليه، أو تجاوز حدًّا حدَّه الله له. وذلك أن الذين هَمُّوا بما هَمُّوا به من تحريم بعض ما أحَلَّ لهم على أنفسهم، إنما عُوتبوا على ما هَمُّوا به من تجاوزهم ما سنَّ لهم وحَدَّ، إلى غيره. القول في تأويل قوله: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾. يقول تعالى ذكره لهؤلاء المؤمنين الذين نهاهم أن يُحرموا طيبات ما أحلَّ اللَّهُ لهم: كُلوا أيها المؤمنون من رزق الله الذي رزقكم وأحلَّه لكم، حلالًا طيبًا.

стр. 5903

كما حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عكرمة: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾. يعنى: ما أحلَّ الله لهم من الطعام. وأما قولُه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾. فإنه يقولُ: وخافوا أيها المؤمنون أن تعتدوا في حدودِه، فتُحلُّوا ما حرَّم عليكم، أو تُحرِّموا ما حلَّل لكم، واحذروه في ذلك أن تخالفوه، فينزِلَ بكم سَخَطُه، أو تستوجبوا به عقوبته، ﴿الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ: الذي أنتم بوحدانيته مقرُّون، وبربوبيَّتِه مُصَدِّقون. القولُ في تأويل قوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾. يقول تعالى ذكرُه للذين كانوا حرَّموا على أنفسهم الطيبات من أصحاب رسول الله ﷺ ، وكانوا حرَّموا ذلك بأيمانٍ حلفوا بها، فنهاهم عن تحريمها، وقال لهم: لا يُؤاخذكم ربُّكم باللغو في أيمانكم. كما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: لما نزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾. في القومِ الذين كانوا حرَّموا النساء واللحم على أنفسهم، قالوا: يا رسولَ اللهِ، كيف نصنعُ بأيماننا التي حلفنا عليها؟ فأَنزَل اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ الآية (١). فهذا يدلُّ على ما قلنا من أن القومَ كانوا حرَّموا ما حرَّموا على أنفسهم بأيمانٍ حلَفوا بها، فنزلت هذه الآيةُ بسببهم.

стр. 5904

واختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الحجازِ وبعضُ البصريين: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ بتشديدِ القافِ (١)، بمعنى: وكَّدتم الأيمانَ وردَّدتموها. [وقرَأه عامةُ] (٢) الكوفيين: (بِمَا عَقَدْتُمُ الأيمَانَ) بتخفيف القافِ (٣)، بمعنى: أوجَبتموها على أنفسِكم، وعزَمت عليها قلوبُكم. وأولى القراءتين بالصواب في ذلك قراءةُ من قرَأ بتخفيفِ القافِ، وذلك أن العربَ لا تكادُ تستعملُ "فعلت" في الكلامِ إلا فيما يكونُ فيه ترَددٌ مرةً بعدَ مرةٍ، مثلَ قولِهم: شدَّدتُ على فلانٍ في كذا. إذا كرَّر عليه الشِّدةَ مرةً بعد أُخرى، فإذا أرادوا الخبرَ عن فعلِ مرةٍ واحدةٍ، قيل: شدَدْتُ عليه. بالتخفيفِ. وقد أجمَع الجميعُ لا خلافَ بينَهم، أن اليمينَ التي تجبُ بالحنْثِ فيها الكفارةُ، تلزمُ بالحِنْثِ في حَلِفِ مرةٍ واحدةٍ وإن لم يكرِّرْها الحالفُ مرّاتٍ، وكان معلومًا بذلك أن الله مؤاخذٌ الحالفَ العاقدَ قلبَه على حَلِفِه، وإن لم يُكرِّرْه ولم يُردِّدُه. وإذا كان ذلك كذلك، لم يكنْ لتشديدِ القافِ من ﴿عَقَّدْتُمُ﴾ وجهٌ مفهومٌ. فتأويلُ الكلامِ إذن: لا يؤاخذُكم اللهُ أيها المؤمنون من أيمانِكم بما لَغَوْتُم فيه، ولكن يُؤاخذكم بما أوجبتُموه على أنفسِكم منها، وعَقَدَت عليه قلوبُكم. وقد بيَّنَّا اليمينَ التي هي لغوٌ، والتي اللهُ مؤاخذٌ العبدَ بها، والتي فيها الحنْتُ، والتي لا حِنْثَ فيها، فيما مضى من كتابِنا هذا، فكرهنا إعادةَ ذلك في هذا الموضعِ (٤). وأما قولُه: ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ فإن هنّادًا حدَّثنا، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾.

стр. 5905

قال: بما تَعَمَّدتم (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ يقولُ: ما تعمَّدتَ فيه المأثمَ، فعليك فيه الكفارةُ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في الهاءِ التي في قولِه: ﴿فَكَفَّارَتُهُ﴾ اعلام هي عائدةٌ، ومن ذكرِ ما؟ فقال بعضُهم: هي عائدةٌ على "ما" التي في قولِه: ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبى عديِّ، عن عوفٍ (٣)، عن الحسنِ في هذه الآيةِ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: هو أن تحلِفَ على الشيءِ وأنت يُخَيَّلُ إليك أنه كما حلفتَ، وليس كذلك، فلا يؤاخذُكم اللهُ، فلا كفارةَ، ولكنَّ المؤاخذةَ والكفارةَ فيما حلَفتَ عليه على علمٍ (٤). حدَّثنا ابن حميدٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مغيرةَ، عن الشعبيِّ، قال: اللغوُ ليس فيه كفارةٌ، ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾.

стр. 5906

قال: ما عقَد فيه يمينَه فعليه الكفارةُ (١). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا حُصينٌ، عن أبي مالكٍ، قال: الأيمانُ ثلاثٌ، يمينٌ تُكَفَّرُ، ويمينٌ لا تُكَفَّرُ، ويمينٌ لا يؤاخذُ بها صاحبُها؛ فأما اليمينُ التي تُكفرُ، فالرجلُ يحلِفُ على الأمرِ لا يفعلُه ثم يفعَلُه، فعليه الكفارةُ، وأما اليمينُ التي لا تُكفَّرُ، فالرجلُ يحلِفُ على الأمرِ يتعمَّدُ فيه الكذبَ، فليس فيه كفارةٌ، وأما اليمينُ التي لا يؤاخَذُ بها صاحبُها، فالرجلُ يَحلِفُ على الأمرِ يرَى أنه كما حلَف عليه، فلا يكونُ كذلك، فليس عليه فيه كفارةٌ، وهو اللغوُ (٢). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا ابن أبي ليلى، عن عطاءٍ، قال: قالت عائشةُ: لغو اليمينِ ما لم يَعقِدُ عليه الحالفُ قلبَه (٣). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، قال: ثنا هشامٌ، قال: ثنا حمادٌ، عن إبراهيمَ، قال: ليس في لغوِ اليمينِ كفارةٌ (٤). حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني يونسُ، عن ابن شهابٍ، أن عروةَ حدَّثه، أن عائشةَ قالت: أيمانُ الكفارةِ؛ كلُّ يمينٍ حلَف فيها الرجلُ على جِدٍّ من الأمورِ في غضبٍ أو غيرِه، ليفعلنَّ، ليترُكنَّ، فذلك عقدُ الأيمانِ التي فرَض اللهُ فيها الكفارةَ، وقال تعالى ذكرُه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ (٥).

стр. 5907

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن يحيى بن سعيد (١)، وعن عليّ بن أبي طلحةَ، قالا: ليس في لغوِ اليمينِ كفارةٌ (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا جامعُ بنُ حمادٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾. يقولُ: ما تَعمَّدتَ فيه المأثَمَ فعليك فيه الكفارةُ. قال: وقال قتادةُ: أما اللغوُ فلا كفارةَ فيه. حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا عبدةُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، قال: لا كفارةَ في لغوِ اليمينِ. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو العَنْقَزيُّ (٣)، عن أسباطَ، عن السديِّ: ليس في لغوِ اليمينِ كفارةٌ (٤). فمعنى الكلامِ على هذا التأويلِ: لا يؤاخذُكم اللهُ باللغوِ في أيمانِكم، ولكن يؤاخذُكم بما عقدتم الأيمانَ، فكفارةُ ما عقدتم منها إطعامُ عشَرةِ مساكينَ. وقال آخرون: الهاءُ في قولِه: ﴿فَكَفَّارَتُهُ﴾ عائدةٌ على "اللغو"، وهي كنايةٌ عنه. قالوا: وإنما معنى الكلامِ: لا يؤاخذُكم اللهُ باللغوِ في أيمانِكم إذا كفَّرْتُموه، ولكن يُؤاخذُكم إذا عقدتم الأيمانَ فأقمتم على المضيِّ عليه بتركِ الحنثِ والكفارةِ فيه، والإقامةُ على المضيِّ عليه غيرُ جائزةٍ لكم، فكفَّارةُ اللغوِ منها إذا حنَثتم فيه إطعامُ

стр. 5908

عشَرةِ مساكينَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: هو الرجلُ يحلِفُ على أمرٍ ضِرارٍ أن يفعلَه فلا يفعلَه، فيرَى الذي هو خيرٌ منه، فأمَره اللهُ أن يُكفِّرَ عن يمينِه ويأتيَ الذي هو خيرٌ. وقال مرةً أُخرى قولَه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾. قال: واللغوُ من الأيمانِ (١) هي التي تُكَفَّرُ، لا يؤاخِذُ اللهُ بها، ولكن من أقام على تحريمِ ما أحلَّ اللهُ له ولم يتحوَّلْ عنه ولم يكفِّرْ عن يمينِه، فتلك التي يؤاخَذُ بها (٢). حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا حفصُ بنُ غياثٍ، عن داودَ بن أبى هندٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ قولَه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: هو الذي يحلِفُ على المعصيةِ فلا يَفِى، فيُكفِّرُ (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: هو الرجلُ يحلِفُ على المعصيةِ، فلا يُؤاخذُه اللهُ تعالى ذِكرُه، يُكفِّرُ عن يمينِه، ويأتى الذي هو خيرٌ، ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾: الرجلُ يحلِفُ على المعصيةِ، ثم يقيمُ عليها، فكفارتُه إطعامُ عشَرةِ مساكينَ (٣). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، قال: أخبرنا داودُ، عن سعيدِ بن جبيرٍ،

стр. 5909

قال في لغو اليمينِ: هي اليمينُ في المعصيةِ، فقال: أوَ لا تقرأُ فتفهمَ؟ قال: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾. قال: فلا يُؤاخذُه بالإلغاءِ، ولكن يؤاخذُه بالتمامِ (١) عليها. قال: وقال: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ (٢) [البقرة: ٢٢٤]. حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: هو الرجلُ يحلِفُ على المعصيةِ، فلا يُؤاخذُه اللهُ بتركِها إن ترَكها. قلتُ: وكيف يصنعُ؟ قال: يكفِّرُ يمينَه ويتركُ المعصيةَ (٢). حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: اللغوُ يمينٌ لا يُؤَاخَذُ بها صاحبُها، وفيها كفارةٌ (٣). حدَّثني يحيى بنُ جعفرٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبرنا جويبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: اليمينُ المُكفَّرةُ (٤). والذي هو أولى عندى بالصوابِ في ذلك أن تكونَ الهاءُ في قولِه: ﴿فَكَفَّارَتُهُ﴾ عائدةً على "ما" التي في قولِه: ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾؛ لما قدَّمْنا فيما مضَى قبلُ، أن من لزِمْته في يمينِه كفارةٌ [وُوخِذ بها، وغيرُ] (٥) جائزٍ أن يقالَ لمن قد أُوخِذ: لا يؤاخذُه اللهُ باللغوِ. وفي قولِه تعالى ذكرُه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي

стр. 5910

أَيْمَانِكُمْ﴾. دليلٌ واضحٌ أنه لا يكونُ مؤاخذًا بوجهٍ من الوجوهِ، مَن أخبرنا تعالى ذِكرُه أنه غيرُ مؤاخَذٍ. فإن ظنَّ ظانٌّ أنه إنما عنَى تعالى ذِكرُه بقولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾، بالعقوبةِ عليها في الآخرةِ إذا حنَثتم وكفَّرتم، لا أنه لا يؤاخذُهم بها (١) في الدنيا بتكفيرٍ، فإن إخبارَ اللهِ تعالى ذِكرُه وأمره ونهيَه في كتابِه على الظاهرِ العامِّ عندنا - بما قد دلَّلنا على صحةِ القولِ به في غيرِ هذا الموضعِ، فأغنَى عن إعادتِه - دونَ الباطنِ العامِّ الذي لا دلالةَ على خصوصِه في عقلٍ ولا خبرٍ، ولا دلالةَ من عقلٍ ولا خبرٍ أنه عنَى تعالى ذِكرُه بقولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ بعضَ معاني المؤاخذةِ دونَ جميعِها. وإذ كان ذلك كذلك، وكان مَن لزِمتْه كفارةٌ في يمينٍ حنَث فيها مؤاخَذًا بها بعقوبةٍ في مالِه عاجلةٍ - كان معلومًا أنه غيرُ الذي أخبرنا تعالى ذكرُه أنه لا يؤاخذُه بها. وإذ كان الصحيحُ من التأويلِ في ذلك ما قلنا بالذي عليه دلَّلنا، فمعنى الكلامِ إذن: لا يؤاخذُكم اللهُ أيها الناسُ بلغوٍ من القولِ والأيمانِ إذا لم تتعمَّدوا بها معصيةَ اللهِ تعالى ذكرُه، ولا خلافَ أمرِه، ولم تَقصِدوا بها إثمًا، ولكن يؤاخذُكم بما تعمَّدتم به الإثمَ، وأوجَبتموه على أنفسِكم، وعزَمت عليه قلوبُكم، ويُكفَّرُ ذلك عنكم، فيُغطِّي على سَيِّئِ ما كان منكم، مِن كَذِبٍ وزُورِ قولٍ، ويمحُوه عنكم فلا يُتْبِعُكم به ربُّكم إطعامَ عشرةِ مساكينَ من أوسطِ ما تُطْعِمون أهليكم. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾.

стр. 5911

يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾: من أعدلِه. كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، قال: سمِعتُ عطاءً يقولُ في هذه الآية: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾. قال عطاءٌ: أوسطُه أعدلُه. واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: من أوسط ما يُطْعِمُ من أجناسِ الطعامِ الذي يقتاتُه أهلُ بلدِ المكفِّرِ - أهاليهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا هنادٌ، قال: أخبرنا شريكٌ، عن عبدِ اللهِ بن حَنَشٍ، عن الأسودِ، قال: سألته عن ﴿أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾، قال: الخبزُ، والتمرُ، والزيتُ، والسمنُ، وأفضلُه اللحمُ. حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن عبدِ اللهِ بن حَنَشٍ، قال: سألتُ الأسودَ بنَ يزيدَ عن ذلك، فقال: الخبزُ والتمرُ. زاد هنادٌ في حديثِه: والزيتُ. قال: وأحسبُه: والخلُّ (١). حدَّثنا هنادٌ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا أبو الأحوصِ، [عن عاصمٍ الأحولِ] (٢)، عن ابن سيرينَ، عن ابن عمرَ في قولِه: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾. قال: من

стр. 5912

أوسطِ ما يُطْعِمُ أهلَه؛ الخبزُ والتمرُ، والخبزُ والسمنُ، والخبزُ والزيتُ، ومن أفضلِ ما يُطعِمُهم الخبزُ واللحمُ (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضَيلٍ، عن ليثٍ، عن ابن سيرينَ، عن ابن عمرَ: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾: الخبزُ واللحمُ، والخبزُ والسمنُ، والخبزُ والجبنُ، والخبزُ والخلُّ. حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ اللهِ بن حَنَشٍ، قال: سألتُ الأسودَ بنَ يزيدَ عن ﴿أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾. قال: الخبزُ والتمرُ. حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ حَنَش، قال: سألتُ الأسودَ بنَ يزيدَ. فذكَر مثلَه. حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سعيدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن محمدِ بن سيرينَ، عن عَبيدةَ السَّلْمانيِّ: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾. قال: الخبزُ والسمنُ. حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سعيدِ بن عبد الرحمنِ، عن ابن سيرينَ، قال: سألتُ عبيدةَ عن ذلك. فذكَر مثلَه. حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أزهرُ، قال: أخبرنا ابن عونٍ، عن محمدِ بن سيرينَ، عن عبيدةَ: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾: الخبزُ والسمنُ. حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن يزيدَ بن

стр. 5913

إبراهيمَ، عن ابن سيرينَ، قال: كانوا يقولون: أفضلُه الخبزُ واللحمُ، وأوسطُه الخبزُ والسمنُ، وأخسُّه (١) الخبزُ والتمرُ (٢). حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن الربيعِ، عن الحسنِ، قال: خبزٌ ولحمٌ، أو خبزٌ وسمنٌ، أو خبرُ ولبنٌ (٣). حدَّثنا هنادٌ وابنُ وكيعٍ قالا: ثنا عمرُ بنُ هارونَ، عن أبي مُصْلِحٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾. قال: الخبزُ واللحمُ والمرقةُ. حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا زائدةُ، عن يحيى بن حيَّانَ (٤) الطائيِّ (٥)، قال: كنتُ عندَ شُرَيحٍ، فأتاه رجلٌ فقال: إنى حلَفتُ على يمينٍ فأثِمتُ. قال شُرَيحٌ: ما حمَلك على ذلك؟ قال: قُدِّرَ عليَّ، فما أوسطُ ما أُطْعِمُ أهلى؟ قال له شُريحٌ: الخبزُ والزيتُ، والخلُّ طيِّبٌ. قال: فأعاد عليه، فقال له شُريحٌ ذلك ثلاثَ مرارٍ، لا يزيدُه شُريحٌ على ذلك. فقال له: أرأيتَ إن أطعمتُ الخبزَ واللحمَ؟ قال: ذاك أرفعُ طعامِ أهلِك وطعامِ الناس. حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن حجّاجٍ، عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ، عن عليٍّ، قال في كفارةِ اليمينِ: يُغدِّيهم ويُعشِّيهم؛ خبزًا وزيتًا، أو خبزًا وسمنًا، أو خلًّا وزيتًا (٦).

стр. 5914

حدَّثنا هنادٌ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا أبو أسامةَ (١)، عن زِبْرِقانَ، [عن أبي رَزينٍ] (٢): ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾: خبزٌ وزيتٌ وخلٌّ. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، عن هشامٍ، عن (٣) محمدٍ، قال: أكلةٌ واحدةٌ؛ خبزٌ ولحمٌ. قال: وهو من أوسطِ ما تطعِمون أهليكم، وإنكم لتأكُلون الخَبِيصَ (٤) والفاكهةَ. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، وحدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن هشامٍ، عن الحسنِ، قال في كفارةِ اليمينِ: يُجْزِئُك أن تُطْعِمَ عشرةَ مساكينَ أكلةً واحدةً؛ خبزًا ولحمًا، فإن لم تَجِدْ فخبزًا وسمنًا ولبنًا، فإن لم تجدْ فخبزًا وخلًّا وزيتًا. حتى يَشْبَعوا (٥). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن نُمَيرٍ، عن زِبْرِقانَ، قال: سألتُ أبا رزَينٍ عن كفارةِ اليمينِ ما يُطْعِمُ؟ قال: خبرًا وخلًّا وزيتًا، من أوسطِ ما تُطْعِمون أهليكم، وذلك قدرُ قُوتِهم يومًا واحدًا. ثم اختلَف قائلو ذلك في مَبْلَغه؛ فقال بعضهُم: مبلغُ ذلك نصفُ صاعٍ من حِنْطَةٍ، أو صاعٌ من سائرِ الحبوبِ غيرِها.

стр. 5915

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن عبدِ اللهِ بن عمرِو بن مرةَ، عن أبيه، عن إبراهيمَ، عن عمرَ (١)، قال: إنى أحلفُ على اليمينِ ثم يبدو لي، فإذا رأيتَني قد فعلتُ ذلك، فأطعِمْ عشَرةَ مساكينَ؛ لكلِّ مسكينٍ مُدّانِ (٢) من حِنْطةٍ. حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو معاويةَ ويعلى، عن الأعمشِ، عن شقيقٍ، عن يسارِ (٣) بن نُميرٍ، قال: قال عمرُ: إنى أحْلِفُ أَلَّا أُعطِيَ أقوامًا، ثم يبدو لى أن أُعطيَهم، فإذا رأيتَني فعلتُ ذلك، فأَطْعِمْ عني عشَرةَ مساكينَ، بينَ كلِّ مسكينين (٤) صاعًا من برٍّ، أو صاعًا من تمرٍ (٥). حدَّثنا هنادٌ ومحمدُ بنُ العلاءِ، قالا: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن ابن (٦) أبي ليلى، عن عمرِو بن مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ بن سَلِمةَ، عن عليٍّ، قال: كفارةُ اليمينِ إطعامُ عشرةِ مساكينَ، لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ من حنطةٍ (٧).

стр. 5916

حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾: نصفُ صاعِ برٍّ كلَّ مسكينٍ (١). حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا حفصٌ، عن عبدِ الكريمِ الجزريِّ، قال: قلتُ لسعيدِ بن جبيرٍ: أجمعُهم؟ قال: لا، أعطِهم مدَّينِ من حنطةٍ؛ مدًّا لطعامِه، ومدًّا لإدامِه. حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن عبدِ الكريمِ الجزريِّ، قال: قلتُ لسعيدٍ. فذكَر نحوَه (٢). حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو زبيدٍ (٣)، عن حُصَينٍ، قال: سألتُ الشعبيَّ عن كفارةِ اليمينِ، فقال: مَكُّوكين (٤)؛ مَكُّوكًا لطعامِه، ومكوكًا لإدامِه (٥). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا هشامٌ، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لكلِّ مسكينٍ مُدَّينِ. حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن هشامٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لكلِّ مسكينٍ مُدَّينِ من بُرٍّ، في كفارةِ اليمينِ. حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ،

стр. 5917

عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: مُدَّانِ من طعامٍ لكلِّ مسكينٍ (١). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليةَ، قال: ثنا سعيدُ (٢) بنُ يزيدَ أبو مسْلمةَ (٣)، قال: سألتُ جابرَ بنَ زيدٍ عن إطعامِ المساكينِ في كفارةِ اليمينِ، فقال: أَكْلةٌ. قلتُ: فإن الحسنَ يقولُ: مَكُّوكُ بُرٍّ ومكوكُ تمرٍ. فما ترَى في مكوكِ برٍّ؟ فقال: إن مكوكَ بُرٍّ لا، أو مكوكَ تمرٍ (٤) لا. قال يعقوبُ: قال ابن عُليَّةَ: وقال أبو مَسْلمةَ (٣) بيدِه. كأنه يراه حسنًا، وقلَّب أبو بشرٍ (٥) يدَه (٦). حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن هشامٍ، عن الحسنِ أنه كان يقولُ في كفارةِ اليمينِ، فيما وجَب فيه الطعامُ: مَكُّوكُ تمرٍ ومكوكُ برٍّ لكلِّ مسكينٍ (٧). حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا أبي، عن الربيع، عن الحسنِ، قال: إن جمعَهم أشبَعهم إشباعةً واحدةً، وإن أعطاهم أعطاهم مكُّوكًا مكُّوكًا. حدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، عن يونسَ، قال: كان الحسنُ يقولُ:

стр. 5918

وَجْبَةٌ (١)، فإن أعطاهم في أيديهم فمكوكُ برٍّ ومكوكُ تمرٍ (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، عن إسرائيلَ، عن السديِّ، عن أبي مالكٍ في كفَّارةِ اليمينِ: نصفُ صاعٍ لكلِّ مسكينٍ (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن أبيه، عن الحكمِ في قولِه: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾. قال: إطعامُ نصفِ صاعٍ لكلِّ مسكينٍ (٣). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا زائدةُ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: ﴿أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾: نصفُ صاعٍ (٤). حُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ، عن قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ بنَ مُزاحمٍ يقولُ في قولِه: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾. قال: الطعامُ لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ من تمرٍ أو بُرٍّ (٣). وقال آخرون: بل مَبْلَغُ ذلك من كلِّ شيءٍ من الحبوبِ مدٌّ واحدٌ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا هنادٌ وأبو كريبٍ، قالا: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن هشامٍ الدَّستُوائيِّ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن أبي سلمةَ، عن زيدِ بن ثابتٍ أنه

стр. 5919

قال في كفارةِ اليمين: مدٌّ من حنطةٍ لكلِّ مسكينٍ (١). حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن داودَ بن أبى هندٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال في كفَّارةِ اليمينِ: مدٌّ من حنطةٍ، لكلِّ مسكينٍ ربعُه إدامُه (٢). حدَّثنا هنادٌ وأبو كريبٍ، قالا: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن داودَ بن أبي هندٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ نحوَه. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن ابن عجلانَ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾: لكلِّ مسكينٍ مدٌّ. حدَّثنا هنادٌ وأبو كريبٍ، قالا: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا العمريُّ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: مدٌّ من حنطةٍ لكلِّ مسكينٍ (٣). حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ أنه كان يُكفِّرُ اليمينَ بعشرةِ أمدادٍ، بالمدِّ الأصغرِ (٤). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن مهديٍّ، عن حمادِ بن سلمةَ، عن عبيدِ اللهِ، عن القاسمِ وسالمٍ في كفَّارةِ اليمينِ، ما يُطْعِمُ؟ قالا: مدٌّ لكلِّ مسكينٍ (٥).

стр. 5920

حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن يحيى بن أبو الأحوصِ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سليمانَ بن يسارٍ، قال: كان الناسُ إذا كفَّر أحدُهم، كفَّر بعشرةِ أمدادٍ، بالمدِّ الأصغرِ (١). حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا عمرُ بنُ هارونَ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾. قال: عشرةُ أمدادٍ لعشرةِ مساكينَ (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا جامعُ بنُ حمادٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾. قال: كان يقالُ: البرُّ والتمرُ؛ لكلِّ مسكينٍ مدٌّ من تمرٍ، ومدٌّ من برٍّ (٣). حدَّثنا أبو كُرَيبٍ وهنادٌ، قالا: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن مالكِ بن مِغْولٍ، عن عطاءٍ، قال: مدٌّ لكلِّ مسكينٍ. حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾. قال: من أوسطِ ما تَعُولونهم. قال: وكان المسلمون رأَوْا أَوْسَط ذلك مُدًّا بمدِّ رسولِ اللهِ ﷺ مِن حِنْطةٍ. قال ابن (٤) زيدٍ: هو الوسطُ مما يَقُوتُ به أهلَه، ليس بأدناه ولا بأرفعِه. حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني يحيى بنُ عبدِ اللهِ بن
следующие страницы →