← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

حدَّثني الحكمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾. قال: يُشبِهُ ثمرَ الدنيا، غيرَ أن ثمرَ الجَنَّةِ أطيبُ (١). وقال بعضُهم: لا يُشبِهُ شيْءٌ مما في الجَنَّةِ ما في الدنيا إلا الأسماءُ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا الأشجعيُّ، وحدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: حدَّثنا مُؤمَّلٌ، قالا جميعًا: حدَّثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، [عن أبي ظَبْيانَ] (٢)، عن ابنِ عباسٍ - قال أبو كُريبٍ في حديثِه عن الأشجعيِّ -: لا يُشبِهُ شيْءٌ مما في الجَنَّةِ ما في الدنيا إلا الأسماءُ. وقال ابنُ بشَّارٍ في حديثه عن مؤمَّلٍ، قال: ليس في الدنيا مما في الجَنَّةِ إلَّا الأسماءُ (٣). حدَّثنا عباسُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمد بنُ عُبيدٍ، عن الأعمشِ، عن أبي ظَبْيانَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ليس، في الدنيا من الجَنَّةِ شيْءٌ إلا الأسماءُ. وحدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال. أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾. قال: يعرِفون أسماءَه كما كانوا في الدنيا، التُّفَّاحُ بالتُّفَّاحِ، والرُّمَّانُ بالرُّمَّانِ، قالوا في الجَنَّةِ: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ في الدنيا ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ يعرِفونه، وليس هو مثلَه في الطعمِ (٤).

стр. 597

قال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى هذه التأويلاتِ بتأويلِ الآيةِ تأويلُ مَن قال: وأتوا به متشابهًا في اللونِ والمنظرِ، والطعمُ مختلِفٌ. يعني بذلك اشتباهَ ثمرِ الجَنَّةِ وثمرِ الدنيا في المنظرِ واللونِ، مختلفًا في الطعمِ والذوقِ، لِماَ قَدَّمنا من العلَّةِ في تأويلِ قولِه: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾. وأن معناه: كلما رُزقوا مِن الجنِانِ مِن ثمرةٍ مِن ثمارِها رِزقًا قالوا: هذا الذي رُزِقنا مِن قبلِ هذا في الدنيا. فأَخْبَر اللهُ جلَّ ثناؤُه عنهم أنهم قالوا ذلك مِن أجلِ أنهم أتُوا بما أتُوا به مِن ذلك في الجَنَّةِ مُتشابهًا، يعني بذلك تشابُه ما أُتُوا به منه في الجَنَّةِ والذي كانوا رُزِقوه في الدنيا، في اللونِ والمَرْآةِ والمنظرِ، وإن اختلفا في الطعمِ والذوقِ فتباينا، فلم يكنْ لشيْءٍ مما في الجَنَّةِ من ذلك في الدنيا نظيرٌ. وقد دلَّلنا على فسادِ قولِ مَن زعَم أن معنى قولِه: ﴿قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾. إنما هو من قولِ أهلِ الجَنَّةِ في تشبيهِهم بعضَ ثمرِ الجَنَّةِ ببعضٍ، وتلك الدَّلالةُ على فسادِ ذلك القولِ هي الدَّلالةُ على فسادِ قولِ مَن خالَف قولَنا في تأويلِ قولِه: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾. لأَن اللهَ جلَّ ثناؤُه إنما أَخْبَر عن المعنى الذي مِن أجلِه قال القومُ: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾. بقولِه: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾. ويُسألُ مَن أَنْكَر ذلك فزعَم أنه غيرُ جائزٍ أن يكونَ شيْءٌ مما في الجَنَّةِ نطرًا لشيْءٍ مما في الدنيا بوجهٍ مِن الوجوهِ، فيقالُ له: أيجوزُ أن تكونَ أسماءُ ما في الجَنَّةِ من ثمارِها وأطعمتِها وأشربتِها نظائرَ أسماءِ ما في الدنيا منها؟ فإن أَنْكَر ذلك خالَف نصَّ كتابِ اللهِ؛ لأن اللهَ إنما عرَّف عبادَه في الدنيا ما هو عتيدٌ (١) في (٢) الجَنَّةِ بالأسماءِ التي يُسمَّى بها ما في الدنيا مِن ذلك.

стр. 598

وإن قال: ذلك جائزٌ، بل هو كذلك. قيل: فما أَنْكَرْتَ أن يكونَ ألوانُ ما فيها من ذلك نظيرَ ألوانِ ما في الدنيا منه، بمعنى البياضِ والحمرةِ والصُّفرةِ وسائرِ صنوفِ الألوانِ، وإن تبايَنت فتفاضَلت بفضلِ، حسنِ المَرْآةِ والمنظرِ، فكان لما في الجَنَّةِ من ذلك مِن البهاءِ والجمالِ وحسنِ المَرْآةِ والمنظرِ، خلافُ الذي لما في الدنيا منه، كما كان جائزًا ذلك في الأسماءِ مع اختلافِ المسمَّياتِ بالفضل في أجسامِها؟ ثم يُعكَسُ عليه القولُ في ذلك، فلن يقولَ في أحدِهما شيئًا إلا أُلْزِم في الآخرِ مثلَه. وكان أبو موسى الأشعريُّ يقولُ في ذلك بما حدَّثنا به محمد بنُ بشَّارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عديٍّ وعبدُ الوهَّابِ ومحمدُ بن جعفرٍ، عن عوفٍ، عن قَسَامةَ، عن الأشعريِّ، قال: إن اللهَ لما أَخْرَج آدمَ من الجَنَّةِ زوَّده من ثمارِ الجَنَّةِ، وعلَّمه صنعةَ كلِّ شيْءٍ، فثمارُكم هذه من ثمارِ الجَنَّةِ، غيرَ أن هذه تَغَيَّرُ، وتلك لا تتغيَّرُ (١). [وقد زعَم بعضُ أهلِ العربيةِ أنَّ معنى قولِه: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾. أنه متشابةٌ في الفضلِ، أي كلُّ واحدٍ منه له مِن الفضلِ في نحوِه مثلُ الذي للآخرِ في نحوِه. وليس هذا قَولًا نستجيزُ التشاغلَ بالدَّلالةِ على فسادِه؛ لخرُوجِه عن قولِ جميعِ علماءِ أهلِ التأويلِ. وحسبُ قولٍ بخروجِه عن قولِ جميعِ أهلِ العلمِ دَلالةٌ على خَطَئِه] (٢).

стр. 599

القولُ في تأويلِ قولهِ: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾. قال أبو جعفرٍ: والهاءُ والميمُ اللتان في ﴿لَهُمْ﴾ عائدتان على ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. والهاءُ والألفُ اللتان في ﴿فِيهَا﴾ عائدتان على الجنَّاتِ. وتأويلُ ذلك: وبشِّرِ الذين آمنوا وعمِلوا الصالحاتِ أن لهم جناتٍ فيها أزواجٌ مطهرةٌ. والأزواجُ جمعُ زوجٍ، وهي امرأةُ الرجلِ. يقالُ: فلانَةُ زوجُ فلانٍ وزوجتُه. وأما قولُه: ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾. فإن تأويلَه أنهن (١) طُهِّرن مِن كلِّ أَذًى وقَذًى ورِيبةٍ، مما يكونُ في نساءِ أهلِ الدنيا مِن الحيضِ والنِّفاسِ والغائطِ والبولِ والمُخَاطِ والبُصاقِ والمنَيِّ، وما أَشْبَهَ ذلك مِن الأذَى والأدْناسِ والرِّيَبِ والمكارهِ. كما حَدَّثَنَا به موسى بنُ هارونَ، قال: حَدَّثَنَا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حَدَّثَنَا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهمدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسِ مِن أصحابِ النَّبِيِّ ﷺ : أما ﴿أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ فإنهن لا يَحِضْنَ ولا يُحدِثْنَ ولا يتنخَّمْنَ (٢). وحدَّثني المُثَنَّى، قال: حَدَّثَنَا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، عن معاويةَ بنِ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾. يقولُ: مُطهّرةٌ مِن القَذَرِ والأذَى (٣).

стр. 600

حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: حَدَّثَنَا يحيى (١) القطَّانُ (٢)، عن سفيانَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾. قال: لا يبُلْنَ ولا يتغوَّطْنَ ولا يَمذِينَ (٣). حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأَهْوازيُّ، قال: حَدَّثَنَا أبو أحمدَ الزُّبيريُّ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه، إلَّا أنه زاد فيه: ولا يُمْنينَ، ولا يَحِضْن. حَدَّثَنَي محمد بنُ عمرٍو، قال: حَدَّثَنَا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾. قال: مُطَهَّرةٌ مِن الحيضِ والغائطِ والبولِ والنُّخامِ والبصاقِ والمنَيِّ والوَلدِ (٤). حَدَّثَنَا المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: حَدَّثَنَا ابنَ المباركِ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٥). وَحَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أَخْبَرنا الثوريُّ، عن إبنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ [نحوَ حديثِ أحمدَ بنِ إسحاقَ عن الزبيريِّ، غيرَ أنه زاد فيه: ولا يَلِدْنَ ولا يَبْزُقْنَ] (٦).

стр. 601

حَدَّثَنَا المُثَنَّى، قال: حَدَّثَنَا أبو حُذيفةَ، قال: حَدَّثَنَا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَ حديثِ محمدِ بنِ عمرٍو، عن أبي عاصمٍ. حَدَّثَنَا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ زُريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾: إى واللهِ، مِن الإثمِ والأذَى (١). وحَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال أخْبَرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولهِ: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾. قال: طَهَّرهن اللهُ من كلِّ بولٍ وغائطٍ وقَذَرٍ، ومن كلِّ مأثمٍ (٢). حُدِّثت عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حَدَّثَنَا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادةَ، قال: مُطهَّرةٌ من الحيضِ والحَبَلِ والأذى (٣). حُدِّثت عن عمارٍ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: المطهَّرةُ من الحيضِ والحَبَلِ. حَدَّثَنِي يونسُ قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ زيدٍ: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾. قال: المطهَّرةُ التي لا تَحيضُ. قال: وأزواجُ الدنيا ليست بمطهَّرةٍ؛ ألا تراهنَّ يَدمَين ويتركن الصلاةَ والصيامَ؟ قال ابنُ زيدٍ: وكذلك خُلِقَتْ حوَّاءُ حتى عَصتْ، فلما عصتْ قال اللهُ: إنِّي خلقتكِ مطهَّرةً، وسأُدْمِيك كما دمَّيْتِ هذه الشجرةَ (٤).

стр. 602

وحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ، عن (١) الحسنِ في قولِه: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ يقولُ: مُطهَّرةٌ مِن الحيضِ (٢). حَدَّثَنَا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: حَدَّثَنَا خالدُ بنُ يزيدَ، قال: حَدَّثَنَا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، عن الحسنِ في قوله: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾. قال: مِن الحيضِ. وحَدَّثَنَا عمرٌو، قال: حَدَّثَنَا أبو معاويةَ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ جُريجٍ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾. قال: من الولدِ والحيضِ والغائطِ والبولِ. وذكَر أشياءَ مِن هذا النحوِ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)﴾. يعني بذلك: والذين آمنوا وعمِلوا الصالحاتِ في الجناتِ خالدون. فالهاءُ والميمُ مِن قولِه: ﴿وَهُمْ﴾ عائدةٌ على ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. والهاءُ والألفُ في ﴿فِيهَا﴾ الجناتِ. وخلودُهم فيها دوامُ بقائهم فيها على ما أعطاهم اللهُ فيها مِن الحَبْرَةِ (٤) والنعيمِ المقيمِ. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾.

стр. 603

قال أبو جعفرٍ: اختلَف أهلُ التأويلِ في المعنى الذي أنزَل اللهُ جلَّ ثناؤه فيه (١) هذه الآيةَ وفي تأويلِها؛ فقال بعضُهم بما حدَّثَنِي به موسى بنُ هارونَ، قال: حَدَّثَنَا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حَدَّثَنَا أسباطُ، عن السدِّيِّ في خبرٍ ذَكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ، وعن مرةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النَّبِيِّ ﷺ : لمّا ضرَب اللهُ هذين المثَليْن للمنافقِين - يعني قولَه: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾. وقولَه: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾. الآياتِ الثلاث - قال المنافقون: اللهُ أعلى وأجلُّ من أن يضرِبَ هذه الأمثالَ. فأنزَل اللهُ جل ثناؤُه: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ إلى قولِه: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٢). وقال آخرون بما حدَّثَنِي به أحمدُ بنُ إبراهيمَ (٣)، قال: حَدَّثَنَا قُرادٌ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ في قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ قال: هذا مثلٌ ضَرَبه اللهُ للدنيا؛ أن البعوضةَ تحيا ما جاعتْ، فإذا سمِنتْ ماتتْ، وكذلك مثلُ هؤلاء القومِ الذين ضَرَبَ اللهُ لهم هذا المثلَ في القرآنِ، إذا امتلئوا من الدنيا رِيًّا، أخَذهم اللهُ عند ذلك. قال: ثم تلا ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ الآية (٤) [الأنعام: ٤٤].

стр. 604

حَدَّثَنَا المُثَنَّى، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ بنُ الحجاجِ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ بنحوِه، إلّا أنه قال: فإذا خلت آجالُهم، وانْقَطَعت مُدَّتُهم، صاروا كالبعوضةِ تحيا ما جاعت وتموتُ إذا رَوِيت، فكذلك هؤلاءِ الذين ضرَب اللهُ لهم هذا المثلَ، إذا امتلَئوا مِن الدنيا رِيًّا أخذَهم اللهُ فأهلَكهم، فذلك قولُه: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤]. وقال آخرون بما حَدَّثَنَا به بشرٌ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ بن زريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ أي: إن اللهَ لا يستحيي من الحقِّ أن يَذْكُرَ منه شيئًا ما، قَلَّ منه أو كثُرَ، إن اللهَ جل ذكره لما ذكَر في كتابِه الذبابَ والعنكبوتَ، قال أهلُ الضلالةِ: ما أراد اللهُ من ذِكْرِ هذا؟ فأنزَل اللهُ: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ (١). وحَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: لمّا ذكَر اللهُ العنكبوتَ والذبابَ، قال المشركون: ما بالُ العنكبوتِ والذبابِ يُذْكَران؟ فأنزَل اللهُ: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ (٢). قال أبو جعفرٍ: وقد ذهَب كلُّ قائلٍ ممن ذَكَرْنا قولَه في هذه الآيةِ وفي المعنى الذي أُنزلت فيه مذهبًا، غيرَ أن أوْلى ذلك بالصوابِ وأشبهَه بالحقِّ ما ذَكَرْنا مِن قولِ ابنِ مسعودٍ وابنِ عباسٍ، وذلك أنْ اللهَ أخبرَ عبادَه أنه لا يستحيي أن يَضْرِبَ مثلًا

стр. 605

ما بعوضةً فما فوقها، عقيبَ أمثالٍ قد تَقَدَّمَت في هذه السورةِ ضرَبها للمنافقِين دونَ الأمثالِ التي ضرَبها في سائرِ السور غيرِها - فلأنْ (١) يكونَ هذا القولُ، أعني قولَه: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾. جوابًا لنكيرِ الكفارِ والمنافقين ما ضرَب اللهُ لهم مِن الأمثالِ في هذه السورةِ، أحقُّ وأولى من أن يكَونَ ذلك جوابًا لنكيرِهم ما ضرَب اللهُ لهم من الأمثالِ في غيرِها من السورِ. فإن ظنَّ ظانٌّ أنه إنما وجَب أن يكونَ ذلك جوابًا لنكيرِهم ما ضرَب من الأمثالِ في سائرِ السُّورِ؛ لأنَّ الأمثالَ التي ضرَبها اللهُ لهم ولآلهتِم في سائرِ السورِ أمثالٌ في مُوافقةِ المعنى لما أَخبَر اللهُ عنه أنه لا يستحيي أن يضربَه مثلًا؛ إذ كان بعضُها تمثيلًا لآلهتِهم بالعنكبوتِ، وبعضُها تشبيهًا لها في الضعفِ والمهانةِ بالذبابِ، وليس ذكرُ شيْءٍ من ذلك بموجودٍ في هذه السورةِ فيجوزَ أن يقالَ: إن اللهَ لا يستحيي أن [يضربَه مثلًا] (٢). فإن ذلك بخلافِ ما ظنَّ، وذلك أن قولَ اللهِ جلَّ ثناؤه: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ إنما هو خبرٌ منه جلَّ ذِكْرُه أنه لا يستحيي أن يضربَ في الحقِّ من االأمثالِ صغيرِها وكبيرِها ابتلاءً بذلك عبادَه، واختبارًا (٣) منه لهم، ليَميزَ به أهلَ الإيمانِ والتصديقِ به من أهلِ الضلالةِ والكفرِ به، إضلالًا منه به لقومٍ وهدايةً منه به لآخرين. كما حدَّثَنِي محمدُ بنُ عمرِو، قال: حَدَّثَنَا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿مَثَلًا مَا بَعُوضَةً﴾: يعني الأمثالَ صغيرَها وكبيرَها، يؤمنُ بها المؤمنون، ويعلَمون أنَّها الحقُّ مِن ربِّهم، ويهديهم اللهُ بها،

стр. 606

ويَضِلُّ بها الفاسقون. يقولُ: يعرِفُه المؤمنون فيؤمنون به، ويعرِفُه الفاسقون فيكفرون به (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بمثلِه. وحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ نحوَه. لا أنه جلَّ ذِكْرُه قصَد الخبرَ (٢) عن عينِ البعوضةِ أنه لا يستحيي مِن ضربِ المثلِ بها، ولكنَّ البعوضةَ (٣) لما كانت أضعفَ الخلقِ - كما حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا أبو سفيانَ، عن مَعمرٍ، عن قتادةَ، قال: البعوضَةُ أضعفُ ما خلَق اللهُ (٤). وحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ نحوَه - خصَّها اللهُ بالذكرِ في القلةِ، فأخبَر أنه لا يستحيي أن يَضْرِبَ أقلَّ الأمثالِ في الحقِّ وأحقرَها وأعلاها إلى غيرِ نهايةٍ في الارتفاعِ، جوابًا منه جلَّ ذِكْرُه لمن أنكَر من منافقِي خلقِه ما ضرَب لهم من المثلِ بمُوقِدِ النارِ، والصَّيِّبِ من السماءِ على ما نَعَتهما به من نَعْتِهما. فإن قال لنا قائلٌ: وأين ذِكْرُ نكيرِ المنافقِين الأمثالَ التي وصفْتَ الذي هذا الخبرُ

стр. 607

جوابُه، فنعلمَ أنَّ القولَ في ذلك ما قلتَ؟ قيل: الدَّلالةُ على ذلك بَيِّنةٌ في قولِه جل ذكرُه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾. وإن القومَ الذين ضرَب لهم الأمثالَ في الآيتيْن المتقدِّمتيْن - اللتين مثَّلَ ما عليه المنافقون مقيمون فيهما (١) بِمُوقِدِ النارِ وبالصَّيِّبِ من السماءِ على ما وصَف من ذلك قبلَ قولِه ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾ - قد أنكَروا المثلَ، وقالوا: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾. فأوضَحَ خطأَ قِيلِهم ذلك، وقبَّح لهم ما نطَقوا به وأخبرَهم بحكمِهم في قِيلِهم ما قالوا منه، وأنه ضلالٌ وفسوقٌ، وأن الصوابَ والهدَى ما قاله المؤمنون دونَ ما قالوه. وأما تأويلُ: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي﴾. فإن بعضَ المنسوبين إلى المعرفةِ بلغةِ العربِ كان يتأولُ معنى ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي﴾: إن اللهَ لا يخشَى أن يضربَ مثلًا. ويَستشهدُ على ذلك من قولِه بقولِ اللهِ جلَّ وعزَّ: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧]. ويَزْعُمُ أن معنى ذلك: وتستحيي الناسَ واللهُ أحقُّ أن تستحييَه. فيقولُ: الاستحياءُ بمعنى الخشيةِ، والخشيةُ بمعنى الاستحياءِ. وأما معنى قولِه: ﴿أَنْ يَضْرِبَ﴾. فهو: أن يُبَيِّنَ ويصفَ. كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [الروم: ٢٨]. بمعنى: وصَف لكم. وكما قال الكميتُ (٢):

стр. 608

وذلك ضربُ أخماسٍ أُرِيدتْ … لأسداسٍ عسى ألا تكونا (١) بمعنى وصفِ أخماسٍ. والمثلُ الشَّبهُ، يقالُ: هذا مِثْلُ الشيْءِ ومَثَلُه، كما يقال: شِبْهُه وشَبَهُه. ومنه قولُ كعبِ بنِ زهيرٍ (٢): كانت مواعيدُ عُرْقوبٍ لها مَثلًا … وما مواعيدُها إلا الأباطيلُ (٣) يعني شَبَهًا. فمعنى قولِه إذن: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾: إن اللهَ لا يخشَى أن يصِفَ شبهًا لما شَبَّه به (٤). وأما ﴿مَا﴾ التي مع "مَثل" فإنها بمعنى الذي؛ لأن معنى الكلامِ: إن اللهَ لا يستحيي أن يضربَ الذي هو بعوضةً في الصِّغرِ والقِلةِ فما فوقَها مَثلًا. فإن قال قائلٌ: فإن كان القولُ في ذلك ما قلتَ، فما وجهُ نصبِ "البعوضة"، وقد علمتَ أن تأويلَ الكلامِ على ما تأوّلتَ: أن اللهَ لا يستحيي أن يضربَ مثَلًا الذي هو بعوضةً؛ فالبعوضةُ على قولِك في محلِّ الرفعِ، فأنَّى أتاها النصبُ؟ قيل: أتاها النصبُ من وجهين، أحدُهما: مِن أن ﴿مَا﴾ لما كانت في محلِّ نصبٍ بقولِه: ﴿يَضْرِبَ﴾ وكانتِ البعوضةُ لها صلةً، عُرِّبت (٥) بتعريبِها فأُلزِمتْ

стр. 609

إعْرابَها، كما قال حسانُ بنُ ثابتٍ (١): [وكفى] (٢) بنا فضلًا على مَن غيرِنا … حبُّ النبيِّ محمدٍ إيانا فعُرِّب "غير" (٣) بإعرإب "مَن"، والعربُ تفعلُ ذلك خاصةً في "مَن" و"ما"؛ تُعَرِّبُ صِلاتِهما (٤) بإعرابِهمَا؛ لأنهما يكونان معرِفةً أحيانا ونكرةً أحيانًا. وأما الوجهُ الآخرُ: فأن يكونَ معنى الكلام: إن اللهَ لا يستحيي أن يضربَ مثلًا ما بينَ بعوضةٍ إلى ما فوقَها. ثم حذَف ذِكْرَ "بينَ" و"إلى"؛ إذْ كان في نصبِ "البعوضة" ودخولِ الفاءِ في ﴿مَا﴾ الثانيةِ دَلالةٌ عليهما، كما قالتِ العربُ: مُطِرْنا ما زُبالةَ فالثَّعْلَبِيَّةَ (٥). و: له عشرون ما (٦) ناقةً فجَملًا. و: هي أحسنُ الناسِ ما قرنًا فقدمًا. يعنون بذلك: [ما بيْنَ] (٧)

стр. 610

قَرْنِها إلى قَدمِها. وكذلك يقولون في كلِّ ما حسُن فيه من الكلامِ دخولُ "ما" بين كذا إلى كذا. ينصِبون الأولَ والثانيَ، ليدلَّ النصبُ [في الأسماءِ] (١) على المحذوفِ من الكلامِ. فكذلك ذلك في قولهِ: ﴿مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾. وقد زعمَ بعضُ أهلِ العربيةِ أن ﴿مَا﴾ التي مع "المثَل" صِلةٌ في الكلامِ بمعنى التَّطوُّلِ (٢)، وأن معنى الكلامِ: إن اللهَ لا يستحيي (٣) أن يضربَ بعوضةً مثلًا فما فوقَها. فعلى هذا التأويلِ يجبُ أن تكونَ "البعوضة" منصوبةً بـ ﴿يَضْرِبَ﴾، وأن تكونَ ﴿مَا﴾ الثانية التي في ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ معطوفةً على البعوضةِ لا على ﴿مَا﴾. وأما تأويلُ قولِه: ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾. [فهو: ما] (٤) هو أعظمُ منها عندِي؛ لما ذَكَرْنا قبلُ من قولِ قتادةَ وابنِ جُريجٍ أن البعوضةَ أضعفُ خلقِ اللهِ، فإن كانت أضعفَ خلقِ اللهِ فهي نهايةٌ في القلةِ والضعفِ، وإذا كانت كذلك فلا شكَّ أن ما فوقَ أضعفِ الأشياءِ لا يكونُ إلا أقوَى منه. فقد يجبُ أن يكونَ المعنى على ما قالاه: فما فوقَها في العِظَمِ والكِبَرِ، إذ (٥) كانتِ البعوضةُ نهايةً في الضعفِ والقلةِ. وقيل في تأويلِ قولِه: ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾: في الصِّغَرِ والقلةِ. كما يُقالُ في الرجلِ يذكرُه الذاكرُ فيصِفُه باللؤمِ والشحِّ، فيقولُ السامعُ: نعم، وفوقَ ذلك. يعني

стр. 611

به فوقَ الذي وصفتَ في الشحِّ واللؤمِ. وهذا قولٌ خلافُ تأويلِ أهلِ العلمِ الذين تُرتضَى معرفتُهم بتأويلِ القرآنِ، فقد تَبيَّنَ إذن بما وصفْنا أن معنى الكلامِ: إن اللهَ لا يستحيي أن يصِفَ شبهًا لما شَبَّه به الذي هو ما بينَ بعوضةٍ إلى ما فوقَ "البعوضةِ". فأما تأويلُ الكلامِ لو رُفعتِ "البعوضة"، فغيرُ جائزٍ في ﴿مَا﴾، إلا ما قلنا من أن تكونَ (١) اسمًا لا صلةً، بمعنى التطولِ (٢). القولُ في تأويلِ قولِ اللهِ جلّ ثناؤُه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾. يعني بقولِه جلّ ذكرُه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: فأما الذين صدَّقوا اللهَ ورسولَه. وقولُه: ﴿فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾. يعني: فيعرِفونَ أن المثَلَ الذي ضرَبه اللهُ لما ضرَبه له مثلًا (٣) مَثلٌ. كما حدَّثني المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحجاجِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي: هذا المثَلُ الحقُّ من ربِّهم، وأنه كلامُ اللهِ ومِنْ عندِ اللهِ (٤). وكما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: حَدَّثنا سعيدٌ،

стр. 612

عن قتادةَ قولَه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي: يعلَمون أنه كلامُ الرحمنِ، وأنه الحقُّ من اللهِ، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ (١). وقولُه: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. يعني: الذين جحَدوا آياتِ اللهِ، وأنكَروا ما عرَفوا، وستَروا ما عَلِموا أنه الحقُّ. وذلك صفةُ المنافقين، وإيَّاهم عنَى اللهُ جلّ ثناؤُه ومَن كان من نُظرائِهم (٢) وشركائِهم من المشركين مِن (٣) أهلِ الكتابِ وغيرِهم، بهذه الآيةِ: ﴿فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾. كما قد ذَكَرْنا قبلُ (٤) من الخبرِ الذي روَيْناه عن مجاهدٍ الذي حَدَّثنا به محمدُ ابنُ عمرٍو، قال: حدثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ الآية. قال: يؤمنُ بها المؤمنون، ويعلَمون أنها الحقُّ من ربِّهم، ويهديهم اللهُ بها، ويَضِلُّ بها الفاسقون. يقولُ: يعرِفُه المؤمنون فيؤمنون به، ويعرِفُه الفاسقون فيكفرون به. وتأويلُ قولِه: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾: ما الذي أراد اللهُ بهذا المثَلِ مثلًا؟ فـ "ذا" الذي مع "ما" في معنى "الذي"، وأرادَ صلته، و "هذا" إشارةٌ إلى "المثل". القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾. ومعنى قولِه جل ذكرُه: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾: يُضلُّ اللهُ به كثيرًا من خلقِه. والهاءُ في ﴿بِهِ﴾ من ذِكْرِ "المثَل". وهذا خبرٌ من اللهِ جلَّ ثناؤه مُبتدأٌ، ومعنى

стр. 613

الكلامِ [قال اللهُ: يُضِلُّ اللهُ] (١) بالمثلِ الذي يضْربُه كثيرًا من أهلِ النفاقِ والكفرِ. كما حَدَّثني موسى، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ : ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾: يعني المنافقين، ﴿وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾: يعني المؤمنين، فيزيدُ هؤلاء ضلالًا إلى ضلالِهم لتكذيبِهم بما قد علِموه حقًّا يقينًا من المثَلِ الذي ضرَبه اللهُ لِما ضرَبه له، وأنه لِما ضرَبه له موافقٌ، فذلك إضلالُ اللهِ إياهم به، ﴿وَيَهْدِي بِهِ﴾ - يعني بالمثلِ - كثيرًا من أهلِ الإيمانِ والتصديقِ، فيزيدهم هدًى إلى هداهم، وإيمانًا إلى إيمانِهم، لتصديقِهم بما قد علِموه حقًّا يقينًا أنه موافقٌ ما ضرَبه اللهُ له مثلًا، وإقرارِهم به، وذلك هدايةُ (٢) اللهِ لهم به (٣). وقد زَعمَ بعضُهم أن ذلك خبرٌ عن قولِ (٤) المنافقين، كأنهم قالوا: ما أرادَ اللهُ بمَثَلٍ لا يعرفُه كلُّ أحدٍ، يُضِلُّ به هذا ويهدِي به هذا؟ ثم استؤنِف الكلامُ والخبرُ عن اللهِ، فقال اللهُ: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ وفي ما في سورةِ "المدثر" من قولِ اللهِ: ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [المدثر: ٣١] - ما ينبئُ عن أنه في سورةِ "البقرة" كذلك مبتدأٌ، أعني قولَه: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾.

стр. 614

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعز: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾. وتأويلُ ذلك مَا حَدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ في خبرٍ ذَكرَه عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ : ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾: هم المنافقون (١). حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾: فسَقوا فأضلَّهم اللهُ على فسقِهم (٢). حَدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾: هم أهلُ النفاقِ (٣). قال أبو جعفرٍ: وأصل الفِسقِ في كلامِ العربِ الخروجُ عن الشيْءِ، يقالُ منه: فَسقَتِ الرُّطَبَةُ، إذا خرَجت من قشرِها؛ ومن ذلك سُميتِ الفأرةُ فُوَيسِقةً؛ لخروجِها عن (٤) جحرِها، فكذلك المنافقُ والكافرُ، سُمِّيا فاسقَيْن لخروجِهما عن طاعةِ ربِّهما، ولذلك قال جلَّ ذكرُه في صفةِ إبليسَ: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠]. يعني به: خرَج عن طاعتِه واتباعِ أمرِه. كما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلَمةُ، دال: حدَّثني ابنُ إسحاقَ، عن

стр. 615

داودَ بنِ الحصينِ، عن عكرمةَ مولى ابنِ عباسٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: ٥٩] أي: بما [تعدَّوا من] (١) أمرِي (٢). فمعنى قولِه: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾: وما يُضِلُّ اللهُ بالمثَلِ الذي يضْرِبُه لأهلِ النفاقِ والضلالِ إلا الخارجِين عن طاعتِه والتاركِين اتباعَ أمرِه، من أهلِ الكفرِ به من أهلِ الكتابِ، وأهلِ الضلالِ من أهلِ النفاقِ. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾. قال أبو جعفرٍ: وهذا وصفٌ من اللهِ جلَّ ذِكرُه الفاسقين الذين أخبَر أنه لا يُضِلُّ بالمثلِ الذي ضرَبه لأهلِ النفاقِ غيرَهم، فقال: ومَا يُضلُّ اللهُ بالمثلِ الذي يضرِبُه، على ما وصَفَ قَبلُ في الآياتِ المتقدمةِ - إلا الفاسقين الذين يَنْقُضون عهدَ اللهِ من بعدِ ميثاقِه. ثم اختلَف أهلُ المعرفةِ في معنى العهدِ الذي وصَف اللهُ هؤلاء الفاسقين بنقضِه؛ فقال بعضُهم: هو وصيةُ اللهِ إلى خلقِه، وأمرُه إياهم بما أمرَهم به من طاعتِه، ونهيُه إيّاهم عما نهاهُم عنه من معصيتِه في كُتُبِه وعلى لسانِ رسولِه ﷺ ، ونقضُهم ذلك تركُهم العملَ به. وقال آخرون: إنما نزلَت هذه الآياتُ في كفارِ أهلِ الكتابِ والمنافقين منهم، وإياهم عنَى اللهُ جلَّ ذِكْرُه بقولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾. وبقولهِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. فكلُّ

стр. 616

ما في هذه الآياتِ فعَذْلٌ لهم وتوبيخٌ إلى انقضاءِ قَصَصِهم. قالوا: فعهدُ اللهِ الذي نقضُوه بعدَ ميثاقِه هو ما أخَذه اللهُ عليهم في التوراةِ؛ من العملِ بما فيها، واتباعِ محمدٍ ﷺ إذا بُعِث، والتصديقِ به وبما جاءَ به من عندِ ربِّهم، ونقْضُهم ذلك هو جُحودُهم به بعدَ معرفتِهم بحقيقتِه، وإنكارِهم ذلك، وكتمانِهم علمَ ذلك الناسَ، بعد إعطائِهم اللهَ مِن أنفسِهم الميثاقَ لَيُبَيِّنُتَّه للناسِ ولا يكتُمونه، فأخبَر جل ذكرُه أنهم نبَذوه وراء ظهورِهم واشترَوا به ثمنًا قليلًا. وقال بعضُهم: إن اللهَ عنَى بهذه الآيةِ جميعَ أهلِ الشركِ والكفرِ والنفاقِ، وعهدُه إلى جميعِهم في توحيدِه ما وضَع لهم من الأدلةِ (١) الدالةِ على رُبوبِيَّتِه، وعهدُه إليهم في أمرِه ونهيِه ما احتج به لرسُلِه من المعجزاتِ التي لا يقدِرُ أحدٌ من الناسِ غيرُهم أن يأتيَ بمثلِها، الشاهدةِ لهم على صدقِهم. قالوا: ونقضُهم ذلك تركُهم الإقرارَ بما قد تبيَّنتْ لهم صحتُه بالأدلةِ (١)، وتكذيبُهم الرسلَ والكتُبَ، مع علمِهم أن ما أتَوا به حقٌّ. وقال آخرون: العهدُ الذي ذكَره اللهُ هو العهدُ الذي أخَذه عليهم حينَ أخرَجهم من صُلْبِ آدمَ، الذي وصَفه في قولِه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (٢) الآيتين [الأعراف: ١٧٢، ١٧٣]. ونقضُهم ذلك تركُهم الوفاءَ به. قال أبو جعفرٍ: وأوْلى الأقوالِ عندي بالصوابِ في ذلك قولُ من قال: إنَّ هذه

стр. 617

الآياتِ نزلتْ في كفارِ أحبارِ اليهودِ الذين كانوا بين ظَهْرانَيْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ ﷺ ، وما قرُب منها من بقايا بني إسرائيلَ، ومن كان على شركِه من أهلِ النفاقِ الذين قد بيَّنا قَصَصَهم فيما مضَى من كتابِنا هذا. وقد دلَّلْنا على أن قولَ اللهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾. وقولَه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. فيهم أُنْزِلت، وفي مَن كان على مِثْلِ الذي هم عليه من الشركِ باللهِ، غيرَ أن هذه الآياتِ عندي وإن كانت فيهم نزلَتْ، فإنه مَعْنيٌّ بها كلُّ مَن كان على مثلِ ما كانوا عليه من الضلالِة، ومعنيٌّ بما وافقَ منها صفةَ المنافقين خاصةً جميعُ المنافقين، وبما (١) وافقَ منها صفةَ كفارِ أحبارِ اليهودِ جميعُ (٢) مَن كان لهم نَطيرًا في كفرِهم، وذلك أن اللهَ جلَّ ذكرُه يَعُمُّ أحيانًا جميعَهم بالصفةِ لتقديمِه ذِكْرَ جميعِهم (٣) في أولِ الآياتِ التي ذكَرتْ قَصَصَهم (٤)، ويَخُصُّ بالصفة أحيانًا بعضَهم لِتفصيلِه في أولِ الآياتِ بينَ فَرِيقَيْهِم (٥)، أعنِي فريقَ المنافقِين من عبدةِ الأوثانِ وأهلِ الشركِ باللهِ، وفريقَ كفارِ أحبارِ اليهودِ. فالذين ينقضون عهدَ اللهِ هم التاركونَ ما عهِد اللهُ إليهم من الإقرارِ بمحمدٍ ﷺ وبما جاء به وتَبْيِينِ نُبوَّتِه للناسِ، والكاتمون بيانَ ذلك بعدَ علْمِهم به وبما قد أخَذ اللهُ عليهم في ذلك، كما قال جلَّ ثناؤُه: (﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ (٦) لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ (٧) فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧]. ونبذُهم ذلك

стр. 618

وراءَ ظهورِهم هو نقضُهم العَهدَ الذي عُهِد إليهم في التوراةِ، الذي وصفْناه، وتركُهم العملَ به. وإنما قلتُ: إنه عنَى بهذه الآيةِ (١) مَن قلتُ إنه عنَى بها؛ لأن الآياتِ من مبتدأِ الآياتِ الخمسِ والستِّ من سورةِ "البقرةِ" فيهم نزلتْ إلى تمامِ قَصَصِهم، وفي الآيةِ التي بعدَ الخبرِ عن خلقِ آدمَ، وبيانِه (٢) في قولِه: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]. وخطابِه جلَّ ذِكرُه إياهم بالوفاءِ بذلك خاصةً دونَ سائرِ البشرِ، ما يدلُّ على أن قولَه: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾. مقصودٌ (٣) به كفارُهم ومنافقُوهم، ومَن كان من أشياعِهم مِن مُشرِكي عَبَدةِ الأوثانِ على ضلالتِهم، غيرَ أن الخطابَ وإن كان لمن وصفتُ من الفريقيْن، فداخلٌ في أحكامِهم وفي ما أوجَب اللهُ لهم من الوعيدِ والذمِّ والتوبيخِ، كلُّ من كان على سبيلِهم ومنهاجِهم من جميعِ الخلق وأصنافِ الأُممِ المخاطَبِين بالأمرِ والنهيِ. فمعنى الآيةِ إذن: وما يُضِلُّ به إلا التاركِين طاعةَ اللهِ، الخارجِين عن اتباعِ أمرِه ونهيِه، الناكثِين عهودَ اللهِ التي عهِدها إليهم في الكُتبِ التي أنزَلها إلى رسلِه وعلى ألْسُنِ أنبيائِه، باتباعِ أمرِ رسولِه محمدٍ ﷺ وما جاء به، وطاعةِ اللهِ فيما افتَرض عليهم في التوراةِ من تبْيِينِ أمرِه للناسِ، وإخبارِهم إياهم أنَّهم يجِدونه مكتوبًا عندَهم أنه رسولٌ من عندِ اللهِ مُفترضَةٌ طاعتُه، وتركِ كتمانِ ذلك لهم. ونَكثُهم ذلك ونقضُهم إياه هو مخالفتُهم اللهَ في عهدِه إليهم فيما وصفتُ أنه عهِد إليهم، بعدَ إعطائِهم ربَّهم الميثاقَ بالوفاءِ بذلك، كما وصَفهم به ربُّنا جل ذِكْرُه

стр. 619

بقولِه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [الأعراف: ١٦٩]. وأما قولُه: ﴿مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾. فإنه يَعني: من بعدِ توثُّقِ اللهِ منه (١) بأخذِ (٢) عهودِه بالوفاءِ له بما عهِد إليه في ذلك، غيرَ أن التوثُّقَ مصدرٌ من قولِك: توثَّقتُ من فلانٍ توثُّقًا. والميثاقُ اسمٌ منه، والهاءُ في "الميثاق" عائدةٌ على اسمِ "الله" جلَّ ذِكْرُه. وقد يدخُلُ في حكمِ هذه الآيةِ كلُّ من كان بالصفةِ التي وصَف اللهُ بها هؤلاء الفاسقين من المنافقين والكفارِ في نقضِ العهدِ، وقطْعِ الرحمِ، والإفسادِ في الأرضِ. كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾: فإياكُم ونقضَ هذا الميثاقِ، [فإن اللهَ قد كرِه نقْضَه وأوْعَد فيه، وقدَّم فيه في آيٍ مِن (٣) القرآنِ] (٤)، حجةً وموعظةً ونصيحةً، وإنا لا نعلمُ اللهَ أوعَد في ذنبٍ ما أَوْعَد في نقضِ الميثاقِ، فمن أَعطَى عهدَ اللهِ وميثاقَه من ثمرةِ قلبِه فلْيفِ به للهِ (٥). وحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ في قولِه: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. فهي

стр. 620

ستٌّ خلالٍ في أهلِ النفاقِ، إذا كانت لهم الظَّهْرَةُ (١) أظْهَروا هذه الخلالَ الستَّ جميعًا؛ إذا حدَّثوا كذَبوا، وإذا وعَدوا أخلَفوا، وإذا ائْتُمِنوا خانوا، ونقَضوا عهْدَ اللهِ مِن بعدِ ميثاقِه، وقطَعوا ما أَمَر اللهُ به أن يُوصلَ، وأفسَدوا في الأرضِ، وإذا كانت عليهم الظَّهْرَةُ أظهَروا الخِلالَ الثلاثَ؛ إذا حدَّثوا كَذَبوا، وإذا وعَدوا أخلَفوا، وإذا ائْتُمِنوا خانوا (٢). القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾. قال أبو جعفرٍ: والذي رغَّب اللهُ في وَصْلِهِ وذمَّ على قطْعِه في هذه الآيةِ، الرحمُ، وقد بيَّن ذلك في كتابِه فقال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢]. وإنما عنَى بالرحمِ أهلَ الرجلِ (٣) الذين جمعتْهم وإياه رحمُ والدةٍ واحدةٍ. وقطْعُ ذلك ظلمُها (٤) في تركِ أداءِ ما ألزَم اللهُ من حقوقِها، وأوجَبَ من بِرِّها. ووصْلُها أداءُ الواجبِ لها إليها، من حقوقِ اللهِ التي أوجَب لها، والتعطُّفُ عليها بما يَحِقُّ التعطفُ به عليها. و ﴿أَن﴾ التي مع ﴿يُوصَلَ﴾ في محلِّ خفضٍ، بمعنى ردِّها على موضعِ الهاءِ التي في ﴿بِهِ﴾. فكان معنى الكلامِ: ويقطَعون الذي أمَر اللهُ به (٥) بأن يُوصَلَ. والهاءُ التي في ﴿بِهِ﴾ هي كنايةُ (٦) ذكرِ ﴿مَا﴾ (٧).

стр. 621

وبما قلنا في تأويلِ قولِه: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾. وأنه الرحمُ، كان قتادةُ يقولُ. حَدَّثَنَا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾: فقُطِعَ واللهِ ما أمَر اللهُ به أن يوصلَ بقطيعةِ الرحمِ والقرابةِ (١). وقد تأوّل بعضُهم ذلك أن اللهَ ذمَّهم بقطعِهم رسولَه والمؤمنين به وأرحامَهم. واستَشهَد على ذلك بعمومِ (٢) ظاهرِ الآيةِ، وألا (٣) دلالةَ على أنَّه معنيٌّ بها بعضُ ما أمَر اللهُ بوصْلِه دونَ بعضٍ. وهذا مذهبٌ مِن تأويلِ الآيةِ غيرُ بعيدٍ من الصوابِ، ولكنَّ اللهَ جلَّ ثناؤُه قد ذكَر المنافقين في غيرِ آيةٍ من كتابهِ، فوصَفهم بقطْعِ الأرحامِ، فهذه نظيرةُ تلك، غيرَ أنَّها وإن كانت كذلك، فهي دالةٌ على ذمِّ اللهِ كلَّ قاطعٍ قطَع ما أمَر اللهُ أن يُوصلَ، رحِمًا كانت أو غيرَها. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾. قال أبو جعفرٍ: وفسادُهم في الأرضِ هو ما تقدَّم وَصْفُناهُ قبلُ من معصيتِهم ربَّهم، [وكُفرِهم به] (٤)، وتكذيبِهم رسوله، وجَحْدِهم نبوَّتَه، وإنكارِهم ما أتاهم به من عندِ اللهِ أنه حقٌّ مِن عندِه. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧)﴾.

стр. 622

والخاسرون جمعُ خاسرٍ، والخاسرون؛ الناقصون أنفسَهم حظوظَها بمعصيتِهم اللهَ - من رحمتِه، كما يخسَرُ الرجلُ في تجارتِه بأن يوضَعَ من رأسِ مالِه في بيعِه (١). فكذلك الكافرُ والمنافقُ خسِر بحِرْمانِ اللهِ إياه رحمَتَه التي خلَقها لعبادِه في القيامةِ أحوجَ ما كان إلى رحمتِه. يقالُ منه: خسِر الرجلُ يخسَرُ خُسْرًا وخُسرانًا وخَسارًا. كما قال جريرُ بنُ عطيةَ (٢): إن سَلِيطًا في الخَسارِ إنَّهْ … أولادُ قومٍ خُلِقوا أقِنَّهْ (٣) يعني بقولهِ: في الخَسارِ. أي: فيما يوكِسُهم حظوظَهم من الشرفِ والكرمِ. وقد قيل: إنَّ معنى ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾: أولئك هم الهالِكون. وقد يجوزُ أن يكونَ قائلُ ذلك أرادَ ما قلنا من هلاكِ الذي وصَف اللهُ صفَتَه بالصفةِ التي وصَفه بها في هذه الآيةِ، بحِرْمانِ اللهِ إياه ما حرَمه من رحمتِهِ بمعصِيتِه إياه وكفرِه به. فحمَل تأويلَ الكلامِ على معناه دونَ البيانِ عن تأويلِ عينِ الكلمةِ بعينِها، فإن أهلَ التأويلِ ربما فعلوا ذلك لعللٍ كثيرةٍ تدعوهم إليه. وقال بعضُهم في ذلك بما حُدِّثت به عن المنِجابِ بنِ الحارثِ، قال: حَدَّثَنَا بشرُ ابنُ عُمارةَ، عن أبي رَوقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كلُّ شيْءٍ نسَبه اللهُ إلى غيرِ أهلِ الإسلامِ من اسمٍ مثلَ خاسرٍ فإنما يعني به الكفرَ، وما نسَبه إلى أهلِ الإسلامِ فإنما يعني به الذَّنْبَ (٤).

стр. 623

القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)﴾. قال أبو جعفرٍ: اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم بما حَدَّثَنِي به موسى بنُ هارونَ، قال: حَدَّثَنَا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حَدَّثَنَا أسباطُ، عن السدِّيِّ في خبير ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النَّبِيِّ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ يقولُ: لَمْ تكونوا شيئًا فخلَقكم، ثم يميتُكم، ثم يحيِيكم يومَ القيامةِ (١). وحَدَّثَنَا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللهِ في قوِله: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١]. قال: هي كالتي في "البقرة": ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾. وحَدَّثَنِي أبو حُصينٍ [عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ (٢) بنِ يونسَ، قال: حَدَّثَنَا عَبْثرٌ، قال: حَدَّثَنَا حُصينٌ] (٣)، عن أبي مالكٍ في هذه الآيةِ: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ قال: خلَقْتنا ولم نَكُنْ شيئًا، ثم أمَتَّنَا، ثم أحْيَيْتَنا. وحَدَّثَنِي يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا هُشيمٌ، عن حُصينٍ، عن أبي مالكٍ

стр. 624

في قولِه: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ قال: كانوا أمواتًا فأحياهم اللهُ، ثم أماتهم، ثم أحياهم. وحَدَّثَنَا القاسمُ، قال: حَدَّثَنَا [الحسينُ بنُ داودَ] (١)، قال: حَدَّثَنِي حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ في قولهِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾. قال: لَمْ تكونوا شيئًا حتى (٢) خلَقكم، ثم يميتُكم الموتةَ الحقَّ، ثم يحييكُم، وقولُه: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ مثلُها (٣). وحَدَّثَنَا القاسمُ، قال: حَدَّثَنَا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي الحجاجُ، عن ابنِ جريج، قال: أخبرني عطاءٌ الخراسانيُّ، عن ابنِ عباسٍ، قال؛ هو قولُه: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ (٤). وحُدِّثْت عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: حدثني أبو العاليةِ في قولِ اللهِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ

стр. 625

بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾. يقولُ: حينَ لَمْ يكونوا شيئًا، ثم أحياهُم [حين (١) خلَقهم] (٢)، ثم أماتهم، ثم أحياهم يومَ القيامةِ، ثم رجَعوا إليه بعدَ الحياةِ (٣). وحُدِّثت عن المنِجابِ، قال: حَدَّثَنَا بشرُ بنُ عُمارةَ، عمت أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾. قال: كنتم ترابًا قبلَ أن يخلُقَكم، فهذه مِيتةٌ، ثم أحياكم فخلَقكُم، فهذه حياةٌ (٤)، ثم يميتُكم فتَرجِعون إلى القبورِ، فهذه مِيتةٌ أخرى، ثم يبعَثُكم يومَ القيامِة، فهذه حياةٌ (٤)، فهما مِيتَتَان وحياتانِ، فهو قولُه (٥): ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ (٦). وقال آخرون بما حَدَّثَنَا به أبو كُريبٍ، قال: حَدَّثَنَا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن السدِّيِّ، عن أبي صالحٍ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ قال: يُحييكُم في القبرِ، ثمُ يميتُكم (٧).

стр. 626

وقال آخرون بما حَدَّثَنَا به بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادَةَ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ [الآية. قال: كانوا أمواتًا] (١) في أصْلُبةِ (٢) آبائِهم، فأحياهم اللهُ وخلَقهم، ثم أماتَهم الموتَةَ التي لا بدَّ منها، ثم أحياهُم للبعثِ يومَ القيامةِ، فهما حياتان وموتَتان. وقال بعضُهم بما حدَّثَنِي به يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ قال: خلَقهم اللهُ من ظَهرِ آدمَ حينَ أخَذ عليهم الميثاقَ (٣). وقرَأ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾. حتى بلَغ: ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٢، ١٧٣]. قال: فكسَّبهم العقلَ وأخَذ عليهم الميثاقَ. قال؛ وانتزَع ضِلْعًا من أضلاعِ آدمَ القُصَيْرَي (٤)، فخلَق منه حواءَ. ذكَره عن النَّبِيِّ ﷺ . قال: وذلك قولُ اللهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً (١)﴾ [النساء: ١]. قال: بثَّ منهما (٥) بعدَ ذلك في الأرحامِ خلقًا كثيرًا. وقرأ: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ [الزمر: ٦]. قال: خلْقًا بعدَ ذلك. قال: فلما أخَذ عليهم الميثاقَ أماتهم، ثم خلَقهم في الأرحامِ، ثم أماتهم، ثم أحياهم يومَ القيامةِ، فذلك قولُ اللهِ: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا

стр. 627

اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾. وقرأ قولَ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ١٥٤، والأحزاب: ٧]. قال: يومَئذٍ قال: وقرأ قولَ اللهِ: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [المائدة: ٧]. قال أبو جعفرٍ: ولكلِّ قولٍ من هذه الأقوالِ التي حكَيْناها عمّن رَوَيناها عنه وجهٌ ومذهبٌ من التأويلِ. فأما وجهُ تأويلِ مَن تأوَّلَ قولَه: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾. أي: لم تكونوا شيئًا. فإنه ذهَب إلى نَحوِ قولِ العربِ للشيْءِ الدَّارسِ والأمرِ الخاملِ الذِّكرِ: هذا شيْءٌ ميتٌ، وهذا أمرٌ ميتٌ. يُرادُ بوصفِه بالموتِ خمولُ ذِكْرِه ودُروسُ أثَرِه من الناسِ، وكذلك يقالُ في ضدِّ ذلك وخلافِه: هذا أمرٌ حيٌّ، وذِكْرٌ حيٌّ. يرادُ بوصفِه بذلك أنه نابِهٌ مُتعالمٌ في الناسِ، كما قال أبو نُخيلةَ السَّعديُّ (١): فأحْييْتَ (٢) لي ذِكْرِي وما كنتُ خاملًا … ولكنَّ بعضَ الذِّكْرِ أنْبَهُ من بعضِ يريدُ بقولِه: فأحيَيْتَ لي ذِكرِي. أي: رفعْتَه وشهَرْتَه في الناسِ حتى نَبُه فصار مذكورًا حيًّا بعدَ أن كان خاملًا ميتًا. فذلك (٣) تأويلُ قولِ من تأوَّل في قولهِ: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾: لم تكونوا شيئًا. أي: كنتم خُمولًا لا ذِكْرَ لكم، وذلك كان [موتَكم، ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ فجعلكم] (٤)

стр. 628

بشَرًا أحياءً [تُذكَرون وتعرَفون] (١)، ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ بقبضِ أرواحِكم، وإعادتِكم كالذي كنتم قبلَ أن يحييَكم من دروسِ ذكرِكم، وتَعفِّي آثارِكم، وخُمولِ أمورِكم، ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ بإعادةِ أجسامِكم إلى هيئاتِها، ونفخِ الروحِ فيها، وتَصْيِيرِكم بشرًا كالذي كنتم قبلَ الإماتةِ تتعارَفون في بعثِكم وعندَ حشْرِكم. وأما وجهُ تأويلِ مَن تأوَّل ذلك أنه الإماتةُ التي هي خروجُ الروحِ من الجسدِ، فإنه ينبغي أن يكونَ ذهَب بقولِه: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾. إلى أنه خطابٌ لأهلِ القبورِ بعدَ إحيائِهم في قبورِهم، وذلك معنًى بعيدٌ؛ لأن التوبيخَ هنالك إنما هو توبيخٌ على ما سلَف وفرَط من إجْرامِهم، لا استعتابٌ واسترجاعٌ. وقولُه جلَّ ذِكْرُه: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾. توبيخُ مُستعتِبٍ عبْدَه (٢)، وتأنيبُ مُسترجِعٍ خلْقَه من المعاصِي إلى الطاعَةِ، ومن الضلالِة إلى الإنابةِ، ولا إنابةَ في القبورِ بعدَ المماتِ، ولا توبةَ فيها بعدَ الوفاةِ. وأما وجهُ تأويلِ قولِ قتادةَ ذلك أنهم كانوا أمواتًا في أصلابِ آبائِهم. فإنه عنَى بذلك أنهم كانوا نُطَفًا لا أرواحَ فيها، فكانت بمعنى سائرِ الأشياءِ المَواتِ التي لا أرواحَ فيها، وإحياؤُه إياها جل ذِكْرُه، نَفْخُه الأرواحَ فيها، وإماتَتُه إياهم بعدَ ذلك؛ قبضُه أرواحَهُم، وإحياؤه إياهم بعد ذلك؛ نفخُ الأرواحِ في أجسامِهم يومَ يُنْفَخُ في الصورِ ويُبعَثُ الخلقُ للموعودِ. وأما ابنُ زيدٍ فقد أبان عن نفسِه ما قصَد بتأويلهِ ذلك، وأن الإماتةَ الأولَى

стр. 629

عندَه (١) إعادةُ اللهِ جلَّ ثناؤه عبادَه في أصلابِ آبائِهم بعدَما أخَذهم من صُلبِ آدمَ، وأن الإحياءَ الآخَرَ هو نفخُ الأرواحِ فيهم في بطونِ أمهاتِهم، وأن الإماتةَ الثانيةَ هي قبضُ أرواحِهم للعَوْدِ إلى الترابِ، والمصيرُ في البرْزَخِ إلى يومِ البعثِ، وأن الإحياءَ الثالثَ هو نفخُ الأرواحِ فيهم لبعثِ الساعةِ ونشرِ القيامةِ. وهذا تأويلٌ إذا تَدبَّره المتدبِّرُ وجَده خِلافًا لظاهرِ قولِ اللهِ الذي زعَم مفسِّرُه أن الذي وصَفْنَا من قولِه تفسيرُه، وذلك أن اللهَ جلَّ ذكرُه أخْبر في كتابِه عن الذين أخبَر عنهم من خلقِه أنهم قالوا: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾. وزعَم ابنُ زيدٍ أن (٢) تفسيرَه أن اللهَ أحياهم ثلاثَ إحياءاتٍ، وأماتهم ثلاثَ إماتاتٍ. قال أبو جعفرٍ: والأمرُ عندنا وإن كان في ما وصَف من استخراجِ اللهِ جلَّ ثناؤُه من صُلْبِ آدمَ ذُريتَه، وأخذِه ميثاقَه عليهم، كما وصَف، فليس ذلك من تأويلِ هاتين الآيتين - أعني قولَه: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ الآية. وقولَه: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ - ذي شيْءٍ؛ لأن أحدًا لم يدَّعِ أن اللهَ أمات من ذرَأ يومئذٍ غيرَ الإماتة التي صار بها في البرزخِ إلى البعثِ، فيكونَ جائزًا أن يوجَّهَ تأويلُ الآيةِ إلى ما وجَّههُ إليه ابنُ زيدٍ. وقال بعضُهم: الموتةُ الأولَى مُفارقةُ نُطفةِ الرجلِ جسدَه إلى رحمِ المرأةِ، فهي ميتةٌ من لَدُنْ فِراقِها جسدَه إلى نفخِ الروحِ فيها، ثم يُحييها اللهُ بنفخِ الروحِ فيها فيجعَلُها بشرًا سويًّا بعدَ تاراتٍ تأتي عليها، ثم يُميتُه المِيتةَ الثانيةَ بقبضِ الروحِ منه، فهو في البرزخِ ميتٌ إلى يومِ يُنْفَخُ في الصورِ، فيَرُدُّ في جسدِه روحَه، فيعودُ حيًّا سويًّا لبعثِ القيامةِ، فذلك موتَتان وحياتان.

стр. 630

وإنما دعَا هؤلاء إلى هذا القولِ لأنهم قالوا: موتُ ذِي الروحِ مفارقةُ الروحِ إياه. فزعَموا أن كلَّ شيْءٍ من ابنِ آدمَ حيٌّ ما لم يفارقْ جسدَه الحيَّ ذا الروحِ، فكلُّ ما فارقَ جسدَه الحيَّ ذا الروحِ، فارقَتْه [الروحُ و] (١) الحياةُ فصار ميتًا، كالعضوِ من أعضائِه؛ مثلُ اليدِ من يدَيْه أو الرِّجْلِ من رجلَيْه، لو قُطِعت فأُبينَتْ، والمقطوعُ ذلك منه حيٌّ، كان الذي بأن من جسدِه مَيِّتًا لا روحَ فيه بفراقِه سائرَ جسدِه الذي فيه الروحُ. قالوا: فكذلك نطفتُه حيةٌ بحياتِه، ما لم تفارقْ جسدَه ذا الروحِ، فإذا فارقَتْه مُبايِنةً له صارت مَيتةً، نطيرَ ما وصفْنَا من حكمِ اليدِ والرجلِ وسائرِ أعضائِه، وهذا قولٌ ووجهٌ من التأويلِ لو كان من أقوالِ أهلِ القُدْوةِ الذين يُرتضَى للقرآنِ تأويلُهم. وأوْلَى مما ذكَرْنا من الأقوالِ التي بيّنَّا بتأويلِ قولِ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ الآية. القولُ الذي ذكَرْناه عن ابنِ مسعودٍ، وعن ابنِ عباسٍ، من أنَّ معنى قولِه: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾. أمواتَ الذِّكْرِ، خُمولًا في أصلابِ آبائِكم، نُطَفًا لا تُعرَفون ولا تُذكَرون، فأحياكُم بإنشائكُم بشرًا سويًّا، حتى ذُكِرتم وعُرِفتم وحَيِيتُم، ثم يميتُكم بقبضِ أرواحِكم وإعادتِكم رُفاتًا، لا تُعْرَفون ولا تُذْكرون في البرزخِ إلى يومِ تُبعثون، ثم يُحييكم بعدَ ذلك بنفخِ الأرواحِ فيكم لبعثِ الساعةِ وصَيحةِ القيامةِ، ثم إلى اللهِ تُرجَعون بعدَ ذلك، كما قال: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ لأن اللهَ جلَّ ثناؤُه يُحيِيهم في قبورِهم قبلَ حشرِهم، ثم يحشُرُهم لموقفِ الحسابِ، كما قال جلَّ ذكرُه ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣]. وقال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١]. والعِلةُ التي من أجلِها اختَرنا هذا التأويلَ، ما قدَّمنا ذِكْرَه للقائلين به،

стр. 631

وفسادُ ما خالَفه بما قد أوضَحْناه قبلُ. وهذه الآيةُ توبيخٌ من اللهِ جلَّ ثناؤُه للقائلين: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. الذين أخبَر اللهُ عنهم أنهم مع قِيلِهم ذلك بأفواهِهم، غيرُ مؤمنين به، وأنهم إنما يقولون ذلك خِداعًا للهِ وللمؤمنين، فعذَلهم اللهُ بقولِه: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾. ووبَّخهم واحتجَّ عليهم في نكيرِهم ما أنكَروا من ذلك، وجُحودِهم ما جَحدوا بقلوبِهم المريضةِ، فقال: كيف تكفرون باللهِ فتَجْحَدون قدرتَه على إحيائِكم بعد إماتتِكم [لبعْثِ القيامةِ، ومجازاةِ المسئِ منكم بالإساءةِ، والمحسنِ بالإحسانِ، وقد كنتم نطفًا أمواتًا في أصلابِ آبائِكم، فأنشأتُكم (١) خلقًا سويًّا، وجعلتُكم (٢) بشرًا أحياءً، ثم أمتُّكم (٣) بعد إنشائكم، فقد علِمتم أن من فعَل ذلك بقدرتِه، غيرُ معجزِه - بالقدرةِ التي فعَل ذلك بكم - إحياؤُكم بعد إماتتِكم] (٤)، وإعادتُكم بعد إفنائِكم، وحشرُكم إليه لمجازاتِكم بأعمالِكم. [القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ قال أبو جعفرٍ] (٥): ثم عدَّدَ ربُّنا عليهم، وعلى أوليائِهم من أحبارِ اليهودِ الذين جمَع بينَ قَصَصِهم وقَصصِ المنافقين في كثيرٍ من آيِ هذه السورةِ التي افتَتح الخبرَ

стр. 632

عنهم فيها بقولهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ - نِعَمَه التي سلَفتْ منه إليهم وإلى آبائِهم، التي عظُمتْ منهم مواقِعُها، ثم سلْبُه (١) كثيرًا منهم كثيرًا منها، بما ركِبوا من الآثامِ، واجتَرَموا من الأجْرامِ، وخالَفوا من الطاعةِ إلى المعصية، محذِّرَهم بذلك تعجيلَ العقوبةِ لهم، كالتي (٢) عجَّلها للأسلافِ والأفراطِ قبلَهم، ومخوِّفَهم حُلولَ مَثُلاتِه بساحتِهم، كالذي أحلَّ بأوائلِهم (٣)، ومعرِّفَهم ما لهم من النجاةِ في سرعةِ الأوْبةِ إليه وتعجيلِ التوبةِ؛ من الخلاصِ لهم يومَ القيامةِ من العقابِ. فبدأ بعدَ تعديدِه عليهم ما عدَّد من نِعَمِه التي هم فيها مُقيمون بذكرِ أبِينا وأبِيهم آدمَ أبي البشرِ، صلواتُ اللهِ عليه، وما سلَف منه من كرامتِه إليه وآلائِه لدَيه، وما أحلَّ به وبعدوِّه إبليسَ مِن عاجلِ عقوبتِه بمعصيتِهما التي كانت منهما، ومخالفتِهما أمْرَه الذي أمَرهما به، وما كان من تغمُّدِه آدمَ برحمتِه إذْ تاب وأناب إليه، وما كان من إحلالِه بإبليسَ من لعنتِه في العاجِل، وإعدادِه له ما أعدَّ له من العذابِ المقيمِ في الآجلِ، إذِ استكبرَ وأبَى التوبةَ إليه والإنابةَ، مُنبهًا لهم على حُكمِه في المُنيبين إليه بالتوبةِ، وقضائِه في المستكبرِين عن الإنابةِ، إعذارًا من اللهِ بذلك إليهم، وإنذارًا لهم لِيتدبَّروا آياتِه، ولِيَتذَكَّرَ منهم أُولو الألبابِ، وخاصًّا أهلَ الكتابِ بما ذكَر من قصَصِ آدمَ وسائرِ القصصِ التي ذكَرها معها وبعدَها، مما علِمه أهلُ الكتابِ وجهِلَتْه الأمةُ الأُميةُ مِن مشركِي عَبدَةِ الأوثانِ - بالاحتجاجِ عليهم - دونَ غيرِهم من سائرِ أصنافِ الأممِ الذين لا علْمَ عندَهم بذلك - لنبيِّه محمدٍ ﷺ ؛ ليعلموا بإخبارِه إياهم بذلك أنه للهِ رسولٌ مبعوثٌ، وأن ما جاءهم به فمِن عندِه، إذْ كان ما اقتَصَّ عليهم من هذه القصصِ من مكنونِ

стр. 633

علومِهم، ومَصونِ ما في كُتبِهم، وخفيِّ أمورِهم، التي لم يكنْ يدَّعِي معرفَةَ عِلْمِها غيرُهم وغيرُ مَن أخَذ عنهم وقرَأ كُتُبَهم. وكان معلومًا من محمدٍ ﷺ أنه لم يكنْ قطُّ كاتبًا، ولا لأسفارِهم تاليًا، ولا لأحدٍ منهم مصاحبًا ولا مجالسًا، فيمكِنَهم أن يَدَّعُوا أنه أخَذ ذلك من كُتبِهم، أو عن بعضِهم، فقال جلَّ ذكرُه في تعدِيدِه عليهم ما هم فيه مقيمون من نِعَمِه مع كفرِهم به، وتركِهم شُكْرَه عليها بما يَجِبُ له عليهم منَ طاعتِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. فأخبَرهم جلَّ ذِكْرُه أنه خلَقَ لهم ما في الأرضِ جميعًا؛ لأن الأرضَ وجميعَ ما فيها لبني آدمَ منافعُ، أما في الدِّينِ فدليلٌ (١) على وحدانيةِ ربِّهم (٢)، وأما في الدنيا فمعاشٌ وبلاغٌ لهم (٣) إلى طاعتهِ، وأداءِ فرائضِه، فلذلك قال جلَّ ثناؤُه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾. وقولُه: ﴿هُوَ﴾ مَكْنِيٌّ (٤) من اسمِ اللهِ جلَّ ذِكْرُه، عائدٌ على اسمِه في قولِه: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾. ومعنى خلْقِه ما خَلق جلّ ثناؤُه؛ إنشاؤُه عينَه، وإخراجُه من حالِ العدَمِ إلى الوجودِ. و ﴿مَا﴾ بمعنى "الذي"، فمعنى الكلامِ إذن: كيفَ تكفرون باللهِ وقد كنتم نُطَفًا في أصلابِ آبائِكم، فجعَلكم بشرًا أحياءً، ثم يميتُكم، ثم هو مُحيِيكم بعد ذلك، وباعثُكم يومَ الحشرِ للثوابِ

стр. 634

والعقابِ، وهو المنُعمُ عليكم بما خلَق لكم في الأرضِ، من مَعايشِكم وأدِلَّتِكم على وحدانيةِ ربِّكم. و ﴿كَيْفَ﴾ بمعنى التعجبِ والتوبيخِ، لا بمعنى الاستفهامِ، كأنه قال: ويْحَكُمْ كيفَ تكفرون باللهِ! كما قال: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [التكوير: ٢٦]. وحلَّ قولُه: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ محلَّ الحالِ، وفيه ضميرُ (١) "قد"، ولكنَّها حُذفت لما في الكلامِ من الدليلِ عليها، وذلك أن "فَعل" إذا حلَّت محلَّ الحالِ كان معلومًا أنها مُقتضيةٌ "قد"، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠] يعني: قد حَصِرتْ صدُورُهم. وكما تقولُ للرجلِ: أصبحتَ كَثُرَتْ ماشيتُك. تريدُ: قَدْ كثُرتْ ماشيتُك. وبنحوِ ما قلنا في قولِه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ كان قتادةُ يقولُ. حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾: نَعَمْ واللهِ، سَخَّر لكم ما في الأرضِ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾. اختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾: أقبلَ عليها. كما تقولُ: كان فلانٌ مُقبلًا على فلانٍ، ثم استوى عليَّ يُشاتمُني، واستوى إليَّ يُشاتمُني. يعني: أقبَل عليَّ وإليَّ

стр. 635

يُشاتمُني. واستَشهد على أن معنى الاستواءِ بمعنى الإقبالِ بقولِ الشاعرِ (١): أقولُ وقد قَطَعْنَ بنا شَرَوْرَى (٢) … سَوامِدَ (٣) واستوَيْنَ مِنَ الضَّجُوعِ (٤) فزعَم أنه عنَى به انّهنَّ خرجْن من الضَّجوعِ، وكان ذلك عنده بمعنى "أقبَلْن". وهذا من التأويلِ في هذا البيتِ خطأٌ، وإنما معنى قولِه: واستوينَ من الضجوعِ - عندي -: استوَيْنَ على الطريقِ من الضَّجُوعِ خارجاتٍ. بمعنى: اسْتقَمْنَ عليه (٥). وقال بعضُهم: لم يكن ذلك من اللهِ جلَّ ذكرُه بتحوُّلٍ، ولكنه يعني فِعْلَه، كما تقولُ: كان الخليفةُ في أهلِ العراقِ يُواليهم، ثم تحوَّلَ إلى أهلِ الشامِ. إنما يريدُ تحوُّلَ فعْلِه. وقال بعضُهم: قولُه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ يعني: استوتْ به. كما قال الشاعرُ: أقُولُ لَهُ لَمَّا استوَى في ترابِه … (٦) على أيِّ دِينٍ [قَتَّل الناسَ] (٧) مُصْعبُ
следующие страницы →