← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

وفسادُ ما خالَفه بما قد أوضَحْناه قبلُ. وهذه الآيةُ توبيخٌ من اللهِ جلَّ ثناؤُه للقائلين: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. الذين أخبَر اللهُ عنهم أنهم مع قِيلِهم ذلك بأفواهِهم، غيرُ مؤمنين به، وأنهم إنما يقولون ذلك خِداعًا للهِ وللمؤمنين، فعذَلهم اللهُ بقولِه: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾. ووبَّخهم واحتجَّ عليهم في نكيرِهم ما أنكَروا من ذلك، وجُحودِهم ما جَحدوا بقلوبِهم المريضةِ، فقال: كيف تكفرون باللهِ فتَجْحَدون قدرتَه على إحيائِكم بعد إماتتِكم [لبعْثِ القيامةِ، ومجازاةِ المسئِ منكم بالإساءةِ، والمحسنِ بالإحسانِ، وقد كنتم نطفًا أمواتًا في أصلابِ آبائِكم، فأنشأتُكم (١) خلقًا سويًّا، وجعلتُكم (٢) بشرًا أحياءً، ثم أمتُّكم (٣) بعد إنشائكم، فقد علِمتم أن من فعَل ذلك بقدرتِه، غيرُ معجزِه - بالقدرةِ التي فعَل ذلك بكم - إحياؤُكم بعد إماتتِكم] (٤)، وإعادتُكم بعد إفنائِكم، وحشرُكم إليه لمجازاتِكم بأعمالِكم. [القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ قال أبو جعفرٍ] (٥): ثم عدَّدَ ربُّنا عليهم، وعلى أوليائِهم من أحبارِ اليهودِ الذين جمَع بينَ قَصَصِهم وقَصصِ المنافقين في كثيرٍ من آيِ هذه السورةِ التي افتَتح الخبرَ

стр. 632

عنهم فيها بقولهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ - نِعَمَه التي سلَفتْ منه إليهم وإلى آبائِهم، التي عظُمتْ منهم مواقِعُها، ثم سلْبُه (١) كثيرًا منهم كثيرًا منها، بما ركِبوا من الآثامِ، واجتَرَموا من الأجْرامِ، وخالَفوا من الطاعةِ إلى المعصية، محذِّرَهم بذلك تعجيلَ العقوبةِ لهم، كالتي (٢) عجَّلها للأسلافِ والأفراطِ قبلَهم، ومخوِّفَهم حُلولَ مَثُلاتِه بساحتِهم، كالذي أحلَّ بأوائلِهم (٣)، ومعرِّفَهم ما لهم من النجاةِ في سرعةِ الأوْبةِ إليه وتعجيلِ التوبةِ؛ من الخلاصِ لهم يومَ القيامةِ من العقابِ. فبدأ بعدَ تعديدِه عليهم ما عدَّد من نِعَمِه التي هم فيها مُقيمون بذكرِ أبِينا وأبِيهم آدمَ أبي البشرِ، صلواتُ اللهِ عليه، وما سلَف منه من كرامتِه إليه وآلائِه لدَيه، وما أحلَّ به وبعدوِّه إبليسَ مِن عاجلِ عقوبتِه بمعصيتِهما التي كانت منهما، ومخالفتِهما أمْرَه الذي أمَرهما به، وما كان من تغمُّدِه آدمَ برحمتِه إذْ تاب وأناب إليه، وما كان من إحلالِه بإبليسَ من لعنتِه في العاجِل، وإعدادِه له ما أعدَّ له من العذابِ المقيمِ في الآجلِ، إذِ استكبرَ وأبَى التوبةَ إليه والإنابةَ، مُنبهًا لهم على حُكمِه في المُنيبين إليه بالتوبةِ، وقضائِه في المستكبرِين عن الإنابةِ، إعذارًا من اللهِ بذلك إليهم، وإنذارًا لهم لِيتدبَّروا آياتِه، ولِيَتذَكَّرَ منهم أُولو الألبابِ، وخاصًّا أهلَ الكتابِ بما ذكَر من قصَصِ آدمَ وسائرِ القصصِ التي ذكَرها معها وبعدَها، مما علِمه أهلُ الكتابِ وجهِلَتْه الأمةُ الأُميةُ مِن مشركِي عَبدَةِ الأوثانِ - بالاحتجاجِ عليهم - دونَ غيرِهم من سائرِ أصنافِ الأممِ الذين لا علْمَ عندَهم بذلك - لنبيِّه محمدٍ ﷺ ؛ ليعلموا بإخبارِه إياهم بذلك أنه للهِ رسولٌ مبعوثٌ، وأن ما جاءهم به فمِن عندِه، إذْ كان ما اقتَصَّ عليهم من هذه القصصِ من مكنونِ

стр. 633

علومِهم، ومَصونِ ما في كُتبِهم، وخفيِّ أمورِهم، التي لم يكنْ يدَّعِي معرفَةَ عِلْمِها غيرُهم وغيرُ مَن أخَذ عنهم وقرَأ كُتُبَهم. وكان معلومًا من محمدٍ ﷺ أنه لم يكنْ قطُّ كاتبًا، ولا لأسفارِهم تاليًا، ولا لأحدٍ منهم مصاحبًا ولا مجالسًا، فيمكِنَهم أن يَدَّعُوا أنه أخَذ ذلك من كُتبِهم، أو عن بعضِهم، فقال جلَّ ذكرُه في تعدِيدِه عليهم ما هم فيه مقيمون من نِعَمِه مع كفرِهم به، وتركِهم شُكْرَه عليها بما يَجِبُ له عليهم منَ طاعتِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. فأخبَرهم جلَّ ذِكْرُه أنه خلَقَ لهم ما في الأرضِ جميعًا؛ لأن الأرضَ وجميعَ ما فيها لبني آدمَ منافعُ، أما في الدِّينِ فدليلٌ (١) على وحدانيةِ ربِّهم (٢)، وأما في الدنيا فمعاشٌ وبلاغٌ لهم (٣) إلى طاعتهِ، وأداءِ فرائضِه، فلذلك قال جلَّ ثناؤُه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾. وقولُه: ﴿هُوَ﴾ مَكْنِيٌّ (٤) من اسمِ اللهِ جلَّ ذِكْرُه، عائدٌ على اسمِه في قولِه: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾. ومعنى خلْقِه ما خَلق جلّ ثناؤُه؛ إنشاؤُه عينَه، وإخراجُه من حالِ العدَمِ إلى الوجودِ. و ﴿مَا﴾ بمعنى "الذي"، فمعنى الكلامِ إذن: كيفَ تكفرون باللهِ وقد كنتم نُطَفًا في أصلابِ آبائِكم، فجعَلكم بشرًا أحياءً، ثم يميتُكم، ثم هو مُحيِيكم بعد ذلك، وباعثُكم يومَ الحشرِ للثوابِ

стр. 634

والعقابِ، وهو المنُعمُ عليكم بما خلَق لكم في الأرضِ، من مَعايشِكم وأدِلَّتِكم على وحدانيةِ ربِّكم. و ﴿كَيْفَ﴾ بمعنى التعجبِ والتوبيخِ، لا بمعنى الاستفهامِ، كأنه قال: ويْحَكُمْ كيفَ تكفرون باللهِ! كما قال: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [التكوير: ٢٦]. وحلَّ قولُه: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ محلَّ الحالِ، وفيه ضميرُ (١) "قد"، ولكنَّها حُذفت لما في الكلامِ من الدليلِ عليها، وذلك أن "فَعل" إذا حلَّت محلَّ الحالِ كان معلومًا أنها مُقتضيةٌ "قد"، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠] يعني: قد حَصِرتْ صدُورُهم. وكما تقولُ للرجلِ: أصبحتَ كَثُرَتْ ماشيتُك. تريدُ: قَدْ كثُرتْ ماشيتُك. وبنحوِ ما قلنا في قولِه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ كان قتادةُ يقولُ. حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾: نَعَمْ واللهِ، سَخَّر لكم ما في الأرضِ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾. اختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾: أقبلَ عليها. كما تقولُ: كان فلانٌ مُقبلًا على فلانٍ، ثم استوى عليَّ يُشاتمُني، واستوى إليَّ يُشاتمُني. يعني: أقبَل عليَّ وإليَّ

стр. 635

يُشاتمُني. واستَشهد على أن معنى الاستواءِ بمعنى الإقبالِ بقولِ الشاعرِ (١): أقولُ وقد قَطَعْنَ بنا شَرَوْرَى (٢) … سَوامِدَ (٣) واستوَيْنَ مِنَ الضَّجُوعِ (٤) فزعَم أنه عنَى به انّهنَّ خرجْن من الضَّجوعِ، وكان ذلك عنده بمعنى "أقبَلْن". وهذا من التأويلِ في هذا البيتِ خطأٌ، وإنما معنى قولِه: واستوينَ من الضجوعِ - عندي -: استوَيْنَ على الطريقِ من الضَّجُوعِ خارجاتٍ. بمعنى: اسْتقَمْنَ عليه (٥). وقال بعضُهم: لم يكن ذلك من اللهِ جلَّ ذكرُه بتحوُّلٍ، ولكنه يعني فِعْلَه، كما تقولُ: كان الخليفةُ في أهلِ العراقِ يُواليهم، ثم تحوَّلَ إلى أهلِ الشامِ. إنما يريدُ تحوُّلَ فعْلِه. وقال بعضُهم: قولُه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ يعني: استوتْ به. كما قال الشاعرُ: أقُولُ لَهُ لَمَّا استوَى في ترابِه … (٦) على أيِّ دِينٍ [قَتَّل الناسَ] (٧) مُصْعبُ

стр. 636

وقال بعضُهم: ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾: عمَد لها. وقال: كلُّ تاركٍ عملًا كان فيه إلى آخرَ (١) فهو مُستوٍ لما عمَد له ومُستوٍ إليه. وقال بعضُهم: الاستواءُ هو العلوُّ، والعلوُّ هو الارتفاعُ. وممن قال ذلك الربيعُ بنُ أنسٍ، حُدِّثْتُ بذلك عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ يقولُ: ارتفعَ إلى السماءِ (٢). ثم اختلَف متأوِّلُو الاستواءِ بمعنى العلوِّ والارتفاعِ في الذي استوَى إلى السماءِ؛ فقال بعضُهم: الذي استوَى إلى السماءِ وعلَا عليها خالِقُها ومُنشِئُها. وقال بعضُهم: بلِ العالي إليها (٣) الدخانُ الذي جعَله اللهُ للأرضِ سماءً. قال أبو جعفرٍ: والاستواءُ في كلامِ العربِ منصرِفٌ على وجوهٍ؛ منها: انتهاءُ شبابِ الرجلِ وقوَّتِه، فيقالُ إذا صارَ كذلك: قدِ استوَى الرجلُ. ومنها: استقامةُ ما كان فيه أوَدٌ (٤) من الأمورِ والأسبابِ، يقالُ منه: استوَى لفلانٍ أمرُه: إذا استقام له بعدَ أوَدٍ (٥). ومنه قولُ الطِّرِمَّاحِ بنِ حكيمٍ (٦): طال على رسمٍ مُهَدَّدٍ أبَدُهْ … و (٧) عفا واسْتَوَى به بَلَدُهْ

стр. 637

يعني: استقام به. ومنها: الإقبالُ على الشيْءِ بالفعلِ، كما يقالُ: استوَى فلانٌ على فلانٍ بما يكرهُه ويسوءُه بعدَ الإحسانِ إليه. ومنها: [الاستيلاءُ والاحتواءُ] (١)، كقولِهم: استوَى فلانٌ على المملكةِ. بمعنى: احتوَى عليها وحازَها. ومنها: العلوُّ والارتفاعُ، كقولِ القائلِ: استوَى فلانٌ على سريرِه. يعني به: عُلوَّه عليه. قال أبو جعفرٍ: وأوْلَى المعاني بقولِ اللهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ﴾: علَا عليهن وارتفَع، فدبَّرهن بقدرتِه وخلَقهنَّ سبعَ سماواتٍ. والعجبُ ممن أنكَرَ المعنى المفهومَ من كلامِ العربِ في تأويلِ قولِ اللهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ الذي هو بمعنَى العلوِّ والارتفاعِ هَرَبًا عندَ نفسِه من أنْ يلزَمَه بزعمِه - إذا تأوَّله بمعناه المفهومِ كذلك - أن يكونَ إنما علَا وارتفَع بعد أن كان تحتَها، إلى أنْ تأوَّلَه بالمجهولِ من تأويلِه المُسْتَنْكَرِ (٢)، ثم لم ينجُ مما هرَب منه، فيقالُ له: أزعَمتَ أن تأويلَ قولِه: ﴿اسْتَوَى﴾: أقبَل، أفكانَ مُدْبرًا عن السماءِ فأقبَل إليها؟ فإن زعَمَ أن ذلك ليس بإقبالِ فعلٍ ولكنه إقبالُ تدبيرٍ. قيلَ له: فكذلك فقلْ (٣): علَا عليها عُلوَّ مُلْكٍ وسلطانٍ لا علوَّ انتقالٍ وزوالٍ. ثم لن يقولَ في شيْءٍ من ذلك قولًا إلا أُلزِم في الآخَرِ مثلَه. ولولا أنَّا كرِهنا إطالةَ الكتابِ بما ليس من جنسِه لأَنبأْنا عن فسادِ قولِ كلِّ قائلٍ قال في ذلك قولًا لقولِ أهلِ الحقِّ فيه مخالفًا، وفيما بيَّنا منه ما يُشرِفُ

стр. 638

بذي الفهمِ على ما فيه له الكفايةُ إن شاء اللهُ. وإن قال لنا قائلٌ: أخبِرْنا عن استواءِ اللهِ جلَّ وعز إلى السماءِ، كان قبلَ خلْقِ السماءِ أم بعدَه؟ قيل: بعدَه، وقبلَ أن يسوِّيَهن سبعَ سماواتٍ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [فصلت: ١١]. فالاستواءُ كان بعد أن خلَقها دخانًا، وقبل أن يسَوِّيَها سبعَ سماواتٍ. وقال بعضُهم: إنما قال (١): ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ ولا سماءَ، كقولِ الرجلِ لآخَرَ: اعمَلْ هذا الثوبَ. وإنما معه غزلٌ. وأما قولُه: ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾. فإنه يعني: هيَّأَهُنَّ وخلَقهن ودبَّرهن وقوَّمهن. والتسويةُ في كلامِ العربِ التقويمُ والإصلاحُ والتوطئةُ، كما يقالُ: سوَّى فلانٌ لفلانٍ هذا الأمرَ. إذا قوَّمه وأصلَحه ووطَّأَه له، فكذلك تسويةُ اللهِ جلَّ وعز سماواتِه، تَقويمُه إياهن على مشيئتِه، وتدبيرُه لهن على إرادتِه، وتفتيقُهن بعد ارْتِتاقِهن (٢). كما حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ يقولُ: سوّى خْلَقَهنّ، ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٣). وقال جلّ ذكرُه: ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾. فأخرَج مَكنِيَّهن (٤) مُخرجَ مَكْنيِّ الجميعِ،

стр. 639

وقد قال قبلُ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ فأخرَجها على تقديرِ الواحدِ، وإنما أخرَج مَكنِيَّهن مُخرَجَ مَكْنيِّ الجميعِ؛ لأن السماءَ جمعٌ، واحدُها سماوَةٌ، فتقديرُ واحدتِها وجميعِها إذن تقديرُ بقرةٍ وبقرٍ، ونخلةٍ ونخلٍ، وما أشبهَ ذلك، ولذلك أُنِّثت السماءُ مرةً، فقيل: هذه سماءٌ. وذُكِّرت أُخرى، فقيل: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨]. كما يُفعَلُ ذلك بالجميعِ الذي لا فرْقَ بينَه وبين واحدِه غيرُ دخولِ الهاءِ وخروجِها، فيقالُ: هذا بقرٌ، وهذه بقرٌ، وهذا نخلٌ، وهذه نخلٌ. وما أشبهَ ذلك. وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يزعُمُ أن السماءَ واحدةٌ، غيرَ أنها تدُلُّ على السماواتِ، فقيل: ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾. يُراد بذلك التي ذُكرتْ وما دلَّتْ عليه من سائرِ السماواتِ التي لم تُذكرْ معها. قال: وإنما تُذكَّرُ إذا ذُكِّرتْ وهي مؤنثةٌ، فيقالُ: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾. كما يُذَكَّرُ المؤنثُ، وكما قال الشاعرُ (١): فلا مُزْنةٌ ودَقَتْ وَدْقَها … ولا أرضَ أبْقَلَ إبْقالَها وكما قال أعْشى بني ثعلبةَ (٢): فإمّا تَرَىْ لِمَّتِى بُدِّلَتْ … فإنَّ الحوادثَ أزْرَى بها وقال بعضُهم: السماءُ وإن كانت سماءً فوقَ سماءٍ، وأرضًا فوقَ أرضٍ، فهي في التأويلِ واحدةٌ إن شئتَ، ثم تكونُ تلك الواحدةُ جِماعًا، كما يقالُ: ثوبٌ

стр. 640

أخلاقٌ وأسمالٌ (١)، وبُرْمةٌ أعشارٌ (٢). للمتكسِّرَةِ، وبُرْمةٌ أكسارٌ وأجبارٌ. وأخلاقٌ، أي أنّ نواحيَه أخلاقٌ. فإن قال لنا قائلٌ: فإنك (٣) قد قلتَ: إن اللهَ استوَى إلى السماءِ وهي دخانٌ قبل أن يسوِّيَها سبعَ سماواتٍ ثم سوّاها سبعًا [بعد استوائِه إليها] (٤)، فكيف زعَمتَ أنها جماعٌ؟ قيل: إنهنَّ كُنَّ سبعًا غيرَ مُستوياتٍ، فلذلك (٥) قال تعالى ذكرُه: فسواهنَّ سبعًا. كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: قال محمدُ بنُ إسحاقَ: كان أوّلَ ما خلَق اللهُ تعالى ذكرُه النورُ والظلمةُ، ثم ميَّزَ بينَهما فجعَل الظُلمةَ ليلًا أسودَ مُظلمًا، وجعَل النورَ نهارًا مضيئًا مُبصرًا، ثم سمَك السماواتِ السبعَ من دخانٍ، يقالُ - واللهُ أعلمُ -: من دخانِ الماءِ. حتى استقلَلْنَ ولم يُحْبَكن، وقد أغطَش في السماءِ الدنيا ليلَها وأخرَج ضُحاها، فجرَى فيها الليلُ والنهارُ، وليس فيها شمسٌ ولا قمرٌ ولا نجومٌ، ثم دحَا الأرضَ فأرْساها بالجبالِ، وقدَّر فيها الأقواتَ، وبثَّ فيها ما أراد من الخَلْقِ، ففرَغ من الأرضِ وما قدَّر فيها من أقواتِها في أربعةِ أيامٍ، ثم استَوى إلى السماءِ وهي دخانٌ، كما قال، فحبَكَهُنَّ، وجعَل في السماءِ الدنيا شمسَها وقمرَها ونجومَها، وأوْحَى في كلِّ سماءٍ أمْرَها،

стр. 641

فأكمَل خَلْقَهن في يومين، ففرَغ من خلْقِ السماواتِ والأرضِ في ستةِ أيامٍ، ثم استوَى في اليومِ السابعِ فوقَ سَماواتِه، ثم قال للسّماواتِ والأرضِ: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ لِمَا أردْتُ (١) بكما، فاطمَئِنَّا عليه طوعًا أو كرهًا ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (٢). فقد أخبَر ابنُ إسحاقَ أن اللهَ تعالى ذكرُه استوَى إلى السماءِ بعد خلقِه الأرضَ وما فيها وهنّ سبعٌ من دخانٍ، فسَوّاهُنَّ كما وصَف. وإنما استَشهدْنا لقولِنا الذي قُلْنا في ذلك بقولِ ابنِ إسحاقَ؛ لأنه أوضحُ بيانًا عن خبرِ (٣) السماواتِ أنهنَّ كن سبعًا من دخانٍ قبلَ استواءِ ربِّنا إليها لتسويتِها (٤) - من غيرِه، وأحسنُ شرحًا لما أردْنا الاستدلالَ به، من أن معنى السماءِ التي قال تعالى ذكرُه فيها: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ بمعنى الجمعِ على ما وصفْنَا، وأنَّه إنما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾. إذْ كانت السماءُ بمعنى الجمعِ، على ما بيَّنَّا. فإن قال لنا قائلٌ: فما صِفةُ تسويةِ اللهِ السماواتِ التي ذكَرها في قولِه: ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾. إذْ كنَّ قد كنّ خُلِقن سبعًا قبل تسويتِه إياهُنَّ؟ وما وجْهُ ذكْرِ خلْقِهنّ بعد ذكْرِ خلْقِ الأرضِ، أَلأنَّها (٥) خُلِقتْ قبلَها أم لمعنًى (٦) غيرِ ذلك؟ قيل: قد ذكَرْنا ذلك في الخبرِ الذي رَوَيْناه عن ابنِ إسحاقَ، ونزيدُ ذلك توكيدًا بما نضُمُّ إليه من أخبارِ بعضِ السلفِ المتقدِّمين وأقوالِهم.

стр. 642

فحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾. قال: إن اللهَ تعالى ذكرُه كان عرشُه على الماءِ، ولم يخلُقْ شيئًا غيرَ ما خلَق قبلَ الماءِ، فلمَّا أراد أن يَخْلُقَ الخْلقَ أخرَج من الماءِ (١) دخانًا، فارتفَع فوق الماءِ فسَما عليه، فسمّاهُ سماءً، ثم أيبَس الماءَ فجعَله أرضًا واحدةً، ثم فتقَها فجعَل سبعَ أرَضينَ في يومين، في الأحدِ والاثنينِ، فخلَق الأرضَ على حوتٍ، والحوتُ هو النونُ الذي ذكَر اللهُ في القرآن: ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ [القلم: ١]. والحوتُ في الماءِ، والماءُ على ظَهْرِ صَفَاةٍ، والصفاةُ على ظهرِ مَلَكٍ، والمَلَكُ على صخرةٍ، والصخرةُ في الريحِ - وهي الصخرةُ التي ذكَر لقمانُ (٢) - ليست في السماءِ ولا في الأرضِ، فتحرَّك الحوتُ فاضطرَب، فتزلزلتِ الأرضُ، فأرْسَى عليها الجبالَ فقرّتْ، فالجبالُ تفخَرُ على الأرضِ، وذلك قولُه: [﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ] (٣) رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥]. وخلَق الجبالَ فيها، وأقواتَ أهلِها، وشجرَها، وما ينبغي لها في يومين؛ في الثلاثاءِ والأربعاءِ، وذلك حينَ يقولُ: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا﴾. يقولُ: أنبتَ شجرَها. ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾. يقولُ:

стр. 643

أقواتَها لأهلِها. ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾. يقول: [مَن سأل فهكذا] (١) الأمرُ. ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ٩ - ١١]. وكان ذلك الدخانُ من تنَفُّسِ الماءِ حينَ تنفَّس، فجعَلها سماءً واحدةً، ثم فتقَها فجعَلها سبعَ سماواتٍ في يومين؛ في الخميس والجمُعةِ، وإنما سُمِّيَ يومَ الجمُعةِ لأنه جُمِع فيه خلْقُ السماواتِ والأرضِ، ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾. قال: خلَق في كلِّ سماءٍ خلْقَها من الملائكةِ والخَلْقِ الذي فيها، من البحارِ وجبالِ البَرَدِ وما لا يُعلَمُ، ئم زيَّنَ السَّماءَ الدُّنْيا بالكواكبِ، فجَعَلها زينةً وحِفْظًا تَحْفَظُ من الشياطيِن، فلمّا فَرَغَ من خلْقِ ما أحبّ، استوَى على العرشِ، فذلك حينَ يقولُ: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤، يونس: ٣، هود: ٧]. يقولُ: ﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ (٢) [الأنبياء: ٣٠]. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾. قال: خلَق الأرضَ قبلَ السماءِ، فلمّا خلَق الأرضَ ثارَ منها دخانٌ، فذلك حينَ يقولُ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾. قال: بعضُهن فوقَ بعضٍ، وسبعُ أرَضين بعضُهن تحتَ (٣)

стр. 644

بعضٍ (١) حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولهِ: ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ قال: بعضُهن فوق بعضٍ، بين كلِّ سماءيْن مَسِيرةُ خمسِمائةِ عامٍ (٢). حدَّثني المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولهِ حيثُ ذكَر خلْقَ الأرضِ قبلَ السماءِ، ثم ذكَر السماءَ قبلَ الأرضِ -: وذلك أن اللهَ خلَق الأرضَ بأقواتِها من غيرِ أن يدْحُوَها قبلَ السماءِ، ثم استوَى إلى السماءِ فسوّاهُنّ سبعَ سماواتٍ، ثم دَحَا الأرضَ بعد ذلك، فذلك قولُه : ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠]. حدثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثني أبو معشرٍ، عن سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ سلامٍ أنه قال: إن اللهَ بدَأ الخلْقَ يومَ الأحدِ، فخلَق الأرَضِين في الأحدِ والاثنينِ، وخلَق الأقواتَ والرواسِيَ في الثلاثاءِ والأربعاءِ، وخلَق السماواتِ في الخميس والجمُعةِ، وفرَغ في آخرِ ساعةٍ من يومِ الجمُعةِ، فخلَق فيها آدمَ على عَجَلٍ، فتلك الساعةُ التي تقومُ فيها الساعةُ (٣).

стр. 645

فمعنى الكلامِ إذن: هو الذي أنعَم عليكم، فخلَق لكم ما في الأرضِ جميعًا، وسخَّره لكم، تفضُّلًا منه بذلك عليكم؛ ليكونَ لكم بلاغًا في دنياكم، ومتاعًا إلى موافاةِ آجالِكم، ودليلًا لكُم على وحدانيةِ ربِّكم، ثم علَا إلى السماواتِ السبعِ وهنَّ دخانٌ، فسوّاهن وحَبَكهن، وأجرَى في بعضِهن (١) [شمسَه وقمرَه ونجومَه] (٢)، وقدَّر في كلِّ واحدةٍ منهنَّ ما قدَّر من خلْقِه. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾. يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَهُوَ﴾ نفسَه، وبقولِه: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أن الذي خلَقكم وخلَق لكم ما في الأرضِ جميعًا، وسوَّى السماواتِ السبعَ بما فيهن، فأحكَمهن مِن دخانِ الماءِ وأتقَن (٣) صُنْعَهن، لا يخفَى عليه أيُّها المنافقون والملحدون والكافرون به مِن (٤) أهلِ الكتابِ - ما تُبْدون وما تكتُمون في أنفسِكم، وإن أبدَى منافقوكم بألسِنتِهم قولَهم: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. وهم على التكذيبِ به مُنْطَوون، وكذَّبتْ أحبارُكم (٥) بما أتاهم به رسولي من الهدَى والنورِ، [وهم] (٦) بصحتِه عارِفون، وجحَدوا (٧) وكتَموا ما

стр. 646

قد أخَذْتُ عليهم تبْيانَه (١) لخلقِي من أمرِ محمدٍ ﷺ [ونُبُوَّتِه] (٢) - المواثيقَ، وهم به عالمون، بل أنا عالمٌ بذلك [من أمْرِكم] (٣) وغيرِه من أمورِكم وأمورِ غيرِكم؛ أي (٤) بكلِّ شيْءٍ عليمٌ. وقولُه: ﴿عَلِيمٌ﴾. بمعنى عالمٍ. ورُوِي عن ابنِ عباسٍ أنه كان يقولُ. هو الذي قد كَمُلَ في علْمِه. حدَّثني المُثَنَّى بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ ابنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: العالِمُ الذي قد كَمُلَ في عِلْمِه (٥). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾. زعَم بعضُ المنسوبين إلى العلمِ بلُغاتِ العَربِ من أهلِ البصرةِ (٦) أن تأويلَ قولِه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾: وقال ربُّك. وأنّ ﴿وَإِذْ﴾ من الحروفِ الزَّوائدِ، وأن معناها الحذفُ. واعتَلَّ لقولِه الذي وصَفْنا عنه في ذلك ببيتِ الأسودِ بنِ يَعْفُرَ (٧): فإذا وذلك لا مَهاهَ لِذِكْرِه … والدهرُ يُعْقِبُ صالحًا بفسادِ

стр. 647

ثم قال: ومعناها: وذلك لا مَهاهَ لذِكْرِه. وببيتِ عبدِ منافِ بن رِبْعٍ (١) الهُذليِّ (٢): حتى إذا أسلَكوهم في قُتائِدَةٍ (٣) … شَلًّا (٤) كما تطْرُدُ الجَمّالةُ (٥) الشُّرُدا (٦) وقال: معناه: حتى أسْلَكُوهم. قال أبو جعفرٍ: والأمرُ في ذلك بخلافِ ما قال، وذلك أن "إذْ" (٧) حرفٌ يأتي بمعنى الجزاءِ، ويَدُلُّ على مجهولٍ من الوقتِ، وغيرُ جائزٍ إبطالُ حرفٍ كان دليلًا على معنًى [في الكلامِ] (٨). إذ سواءٌ قيلُ قائلٍ: هو بمعنى البُطولِ (٩)، [وهو] (٨) في الكلامِ دليلٌ على معنًى مفهومٍ. وقيلُ آخرَ في جميعِ الكلامِ الذي نطَق به دليلًا على ما أرِيدَ به: هو بمعنى البُطولِ (٩). وليس [لما ادّعى] (١٠) الذي وصَفْنا قولَه (١١) - في بيتِ الأسودِ بنِ يَعفُرَ، أن "إذا" (١٢) بمعنى البُطولِ (٩) - وجهٌ مفهومٌ، بل ذلك لو حُذِف من الكلامِ لَبَطَل المعنَى

стр. 648

الذي أراده الأسودُ من قولِه: * فإذا وذلك لا مَهاهَ لذِكْرِه * وذلك أنه أراد بقولِه: فإذا (١): فإذا الذي نحن فيه وما قد مضَى من عَيْشِنا. وأشار بقولِه: [وذلك] (٢). إلى ما تقدَّم وصْفُه من عيشِه الذي كان فيه. لا مَهاهَ لذِكْرِهِ، يعني: لا طَعْمَ له ولا فضْلَ؛ لإعقابِ الدهرِ صالحَ ذلك بفسادٍ. وكذلك معنى قولِ عبدِ منافِ بنِ رِبعٍ (٣): حتى إذا أسلكوهم في قُتائدةٍ … شلًّا (٤) ..................... لو أُسقِط منه "إذا" بطَل معنى الكلامِ؛ لأن معناه: حتى إذا أسلَكوهم في قُتائدةٍ سلَكوا شَلًّا. فدلَّ (٥) قولُه: أسلكوهم شلًّا (٤). على مَعْنَى المْحذُوفِ، فاسْتُغْنِي عن ذكْرِه بدَلالةِ "إذا" عليه فحُذِف - كما قد ذكَرْنا فيما مَضَى من كتابِنا (٦) - على ما تفعَلُ العربُ في نظائرِ ذلك، وكما قال النَّمِرُ بنُ تَوْلَبٍ (٧): فإن المنيةَ من يخْشَها … فسوف تصادِفُه أيْنَما وهو يريدُ: أينما ذهَب. وكما تقولُ العربُ: أتيتُك من قبلُ ومن بعدُ. تُرِيدُ:

стр. 649

من قبلِ ذلكَ ومن بعدِ ذلكَ. فكذلك ذلك في "إذا"، كما يقولُ القائلُ: إذا أكرَمك أخوك فأكرِمْه، وإذا لا فلَا. يريدُ: وإذا لم يُكرِمْك (١) فلا تُكرِمْه. ومن ذلك قولُ الآخر (٢). فإذا وذلك لا يضُرُّك ضُرُّه (٣) … في يومِ أسألُ (٤) نائلًا أو أنكَدَا نظيرَ ما ذكَرْنا من المعنى في بيتِ الأسودِ بنِ يَعفُرَ. وكذلك معنى قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾. لو أُبْطِلَتْ "إذْ" وحذِفتْ من الكلامِ، لاستحالَ عن (٥) معناه الذي هو به وفيه "إذْ". فإن قال قائلٌ: فما معنى ذلك، وما الجالبُ لـ "إذ"، إذا (٦) لم يكنْ في الكلامِ قبلَه ما يُعطَفُ به عليه؟ قيل له: قد ذكَرنا فيما مضَى أن اللهَ تعالى ذكرُه خاطَب الذين خاطَبهم بقولِه: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾. بهذه الآياتِ والتي بعدَها مُوَبِّخَهم ومُقَبِّحًا إليهم سوءَ فِعالِهم ومُقامِهم على ضلالِهم مع النعمِ التي أنعَمها عليهم وعلى أسلافِهم، ومُذكِّرَهُم - بتعديدِ نِعَمِه عليهم وعلى أسلافِهم - بأسَه أن يسلُكوا سبيل مَن هلَك من أسلافِهم في معصيتِه، فيسلُكَ بهم سبيلَهم (٧) في

стр. 650

عقوبتِه، ومُعرِّفَهم ما كان منه من تعطُّفِه على التائبِ منهم، استعتابًا منه لهم، فكان مما عدَّدَ من نِعَمِه عليهم، أنه خلَق لهم ما في الأرضِ جميعًا، وسخَّر لهم ما في السماواتِ؛ من شمسِها وقمرِها ونجومِها وغيرِ ذلك من منافعِها التي جعَلها لهم ولسائرِ بني آدمَ معهم منافعَ، فكان في قولِه: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. معنى (١): اذكُروا نعمتي (٢) عليكم إذ خلَقتُكم ولم تكونوا شيئًا، وخلَقتُ لكم ما في الأرض جميعًا، وسوَّيتُ لكم ما في السماءِ. ثم عطَف بقولِه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾ على المعنى المقتضَى بقولِه: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ إذ كانَ مُقتضيًا ما وصفتُ من قولِه: اذكُروا نِعمتي إذْ فعلتُ بكم وفعلتُ، واذكُروا فِعْلِي بأبِيكم آدمَ، إذْ قلتُ للملائكةِ: إني جاعلٌ في الأرضِ خليفةً. فإن قال قائلٌ: فهل لذلك من نظيرٍ في كلامِ العربِ نعلَمُ به صحةَ ما قلتَ؟ قيل: نعم، أكثرُ مِن أن يُحصَى، من ذلك قولُ الشاعرِ (٣): أجِدَّك لن تَرَى بثُعَيْلِباتٍ (٤) … ولا بَيْدَانَ (٥) ناجيةً (٦) ذَمُولَا (٧)

стр. 651

ولا متدارَكٍ (١) والشمسُ طِفْلٌ … ببعضِ نواشغِ (٢) الوادي حُمُولَا فقال: ولا مُتدارَكٍ. ولم يتقدَّمْه فعلٌ بلفظِه يُعطَفُ (٣) به عليه، ولا حرفٌ مُعرَبٌ إعرابَه فيُرَدَّ "متدارك" عليه في إعرابِه، ولكنه لما تقدَّمه فعلٌ مجحودٌ بـ "لن" (٤) يَدُلُّ على المعنى المطلوبِ في الكلامِ من (٥) المحذوفِ، استغْنَى بدَلالةِ ما ظَهَر منه عن إظهارِ ما حُذِف، وعامَل الكلامَ في المعنى والإعرابِ معاملتَه أن (٦) لو كان ما هو محذوفٌ منه ظاهرًا؛ لأن قولَه: * أجِدَّك لن تَرَى بثُعَيْلِباتٍ * معناه: أجِدَّك لستَ براءٍ. فردَّ "مُتداركًا" على مَوضعِ "تَرَى"، كأن "لست" والباءَ (٧) موجودتان في الكلامِ. فكذلك قولُه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾. لمّا سلَف قبلَه تذكيرُ اللهِ جلّ وعزَّ المخاطَبين به ما سلَف قِبلَهم وقِبلَ آبائِهم من أيادِيه وآلائِه، وكان قولُه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ مع ما بعدَه من النِّعَمِ التي عدَّدَها عليهم، ونَبَّههم على مواقعِها - ردَّ "إذْ" على موضعِ ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾. لأن معنى ذلك: اذكُروا هذه من نِعَمِي (٨)، وهذه التي قلتُ فيها للملائكةِ. فلمّا كانت الأولى مُقتضيةً "إذ"، عطَف

стр. 652

[بـ "إذ"] (١) على موضعِها في الأولى، كما وصَفْنا من فِعْلِ (٢) الشاعرِ في: ولا مُتداركٍ. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿لِلْمَلَائِكَةِ﴾. والملائكةُ جمعُ مَلْأَكٍ (٣)، غيرَ أن أحدَهم بغيرِ الهمزِ أكثرُ وأشهرُ في كلامِ العربِ منه بالهمزِ، وذلك أنهم يقولون في واحدِهم: مَلَكٌ من الملائكةِ. فيحذِفون الهمزَ منه، ويُحرِّكون اللامَ التي كانت مُسَكَّنةً لو هُمزَ الاسمُ، وإنما يُحرِّكونها بالفَتْحِ لأنهم ينقُلونَ حركةَ الهمزةِ التي فيه بسقوطِها (٤) إلى الحرفِ الساكنِ قبلَها، فإذا جمَعوا واحدَهم ردُّوه (٥) في (٦) الجمعِ إلى الأصلِ [وهمَزُوا] (٧)، فقالوا: ملائكةٌ. وقد تفعَلُ العربُ نحوَ ذلك كثيرًا في كلامِها، فتترُكُ الهمزَ في الكلمةِ التي هي مهموزةٌ فيجرِي كلامُهم بتَرْكِ هَمْزِها في حالٍ، وبهمزِها في أُخرى، كقولِهم: رأيتُ فلانًا. فجرَى كلامُهم بهمزِ "رأيتُ"، ثم قالوا: نرَى / وترَى ويَرى. فجرَى كلامُهم في "يفعل" ونظائرِها بتركِ الهمزِ، حتى صار الهمزُ معها شاذًّا، مع كونِ الهمزِ فيها أصلًا. فكذلك ذلك في "مَلَك وملائكة"، جرَى كلامُهم بتركِ الهمزِ من واحدِهم، وبالهمزِ

стр. 653

في جميعِهم، وربما جاء الواحدُ منهم (١) مهموزًا، كما قال الشاعرُ (٢): فلستَ بجنِّيٍّ (٣) ولكنْ مَلْأَكًا (٤) … تحدَّر من جوِّ السماءِ يَصُوبُ وقد يقالُ في واحدِهم: مألكٌ. فيكونُ ذلك مثلَ قولِهم: جبَذ وجذَب، وشَأْمَلَ وشمْأَل (٥). وما أشبهَ ذلك من الحروفِ المقلوبةِ (٦)، غيرَ أن الذي يجبُ إذا سُمِّيَ واحدُهم: مألكٌ (٧)، أن يُجمَعَ إذا جُمِعَ على ذلك: مآلكُ، ولستُ أحفظُ جمعَهُم كذلك سماعًا، ولكنهم قد يَجمعون: ملائِكُ، وملائِكةٌ، كما يُجْمَعُ أشعثُ: أشاعثُ وأشاعِثةٌ، ومِسْمَعٌ: مَسامعُ ومَسامِعَةٌ. قال أميةُ بنُ أبي الصَّلْتِ في جمعِهم كذلك (٨): وفيها مِنْ عبادِ اللهِ قومٌ … ملائِكُ ذُلِّلوا وهُمُ صِعابُ وأصلُ الملأكِ (٩) الرسالةُ، كما قال عديُّ بنُ زيدٍ العِبَادِيُّ (١٠):

стр. 654

أبلغِ النعمانَ عنى ملأكًا (١) … أنه قد طال حَبْسِي وانتظارِي (٢) وقد يُنشَدُ: مَأْلَكًا، على اللغةِ الأخْرَى. فمن قال: ملأَكًا. فهو "مَفْعَل"، من: [لأَك إليه يَلْأَكُ (٣)] (٤)، إذا أرسَل إليه رسالةً، مَلْأَكةً (٥). ومن قال: مَأْلَكًا. فهو "مَفْعَل"، من: ألَكتُ إليه ألِكُه (٦)، إذا أرسلتَ إليه، مأْلكةً وأَلُوكًا. كما قال لَبيدُ ابنُ (٧) ربيعةَ (٨): وغُلامٍ أرسلَتْه أُمُّه … بأَلوكٍ فبَذَلْنا ما سأَلْ فهذا من: ألَكت. ومنه قولُ نابغةِ بني ذُبيانَ (٩): ألِكْنِي يا عُيَينَ إليك قولًا … [سأُهْدِيه (١٠) إليك إليك عنِّيْ] (١١) وقال عبدُ بني الحَسْحاسِ (١٢): ألِكْنى إليها عَمْرَك اللهَ يا فتى … بآيةِ ما جاءت إلينا تهادِيَا

стр. 655

يعني بذلك: أبْلِغها رسالتِي. فسُمِّيتِ الملائكةُ ملائكةً بالرسالةِ؛ لأنَّها رسُلُ اللهِ بينَه وبينَ أنبيائِه ومَن أُرسِلتْ إليه مِن عبادِه. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعز: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ (١) قولِه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ﴾؛ فقال بعضُهم: إني فاعلٌ. ذِكرُ من قال ذلك حَدَّثَنَا القاسمُ بنُ الحسنِ، قال: حَدَّثَنَا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي حجاجٌ، عن جريرِ بنِ حازمٍ (٢) ومباركٍ، عن الحسنِ، وأبي بكرٍ - يعني الهُذَليَّ - عن الحسنِ وقتادةَ، قالوا: قال اللهُ تعالى ذِكْرُه لملائكتِه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. قال لهم: إني فاعلٌ (٣). وقال آخرون: إني خالقٌ. ذِكرُ من قال ذلك حُدِّثت عن المنِجابِ بنِ الحارثِ، قال: حَدَّثَنَا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، قال: كلُّ شيْءٍ في القرآنِ "جعَل" فهو "خلَق" (٤).

стр. 656

قال أبو جعفرٍ: والصوابُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. إنِّي مُستخلِفٌ فيها (١) خليفةً، ومُصَيِّرٌ فيها خُلَفاءَ (٢). وذلك شبيهٌ بتأويلِ قولِ الحسنِ وقتادةَ. وقيل: إن الأرضَ التي ذكَرها اللهُ جل ثناؤُه في هذه الآيةِ هي مكةُ. ذكرُ من قال ذلك حَدَّثَنَا ابنُ حميدٍ، قال: حَدَّثَنَا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن ابنِ سابطٍ، أن النَّبِيَّ ﷺ قال: "دُحِيتِ الأرضُ مِن مكَّةَ، وكانت الملائكةُ تطُوفُ بالبيتِ، فهي أولُ من طاف به، وهي الأرضُ التي قال اللهُ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. وكان النبيُّ إذا هلَك قومُه ونَجا هُوَ والصالحون، أتاها (٣) هو ومَن معه فعبَدوا اللهَ بها حتى يموتوا، فإنَّ قبرَ نوحٍ وهودٍ وصالحٍ وشعيبٍ بينَ زمزمَ والرُّكنِ والمَقامِ" (٤). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿خَلِيفَةً﴾. والخليفةُ الفَعِيلةُ، من قولِك: خلَف فلانٌ فلانًا في هذا الأمرِ (٥)، إذا قام مَقامَه فيه بعدَه، كما قال تعالى ذكرُه. ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ

стр. 657

لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٤]. يَعْني بذلك أنه أبدَلكم في الأرضِ منهم، فجعلَكم خُلفاءَ [بعدَهم، ومن ذلك قيل للسلطانِ الأعظمِ: خليفةٌ. لأنه خلَف الذي كان قبلَه، فقام بالأمرِ مَقامَه، فكان منه خَلَفًا] (١)، يقالُ منه: خَلَف الخليفةُ يخلُفُ خِلافةً وخِلِّيفَي (٢). وكان ابنُ إسحاقَ يقولُ بما حَدَّثَنَا (٣) به ابنُ حُميدٍ، قال: حَدَّثَنَا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ - يقولُ: ساكنًا وعامرًا يَسكُنُها ويَعْمُرُها - ليسَ خَلْقًا (٤) منكم (٥). وليس الذي قال ابنُ إسحاقَ في معنى "الخليفةِ" بتأويلِها (٦)، وإن كان اللهُ تعالى ذكرُه إنما أخبَر ملائكتَه أنه جاعلٌ في الأرضِ خليفةً يَسكُنُها، ولكن معناها ما وصفتُ قبلُ. فإن قال لنا قائلٌ: فما الذي كان في الأرضِ قبلَ بني آدمَ لها عامرًا، فكان بنو آدمَ منه بدلًا، وفيها منه (٧) خَلَفًا؟ قيلَ: قد اختَلف أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فحَدَّثَنَا أبو كُريبٍ، قال: حَدَّثَنَا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حَدَّثَنَا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ

стр. 658

عباسٍ، قال: أولُ من سكَن الأرضَ الجنُّ، فأفسَدوا فيها، وسفَكوا (١) الدماءَ، وقتَل بعضُهم بعضًا. قال: فبعَث اللهُ إليهم إبليسَ في جندٍ مِن الملائكةِ، فقتَلهم إبليسُ ومن معه (٢)، حتى ألحقُوهم (٣) بجزائرِ البحورِ وأطرافِ الجبالِ، ثم خلَق اللهُ آدمَ فأسكَنه إياها، فلذلك قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (٤). [فعلى هذا] (٥) القولِ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ من الجنِّ يَخلُفونهم (٦) فيها فيسكُنونها ويَعْمُرُونها. حَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ في قولِه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ الآية. قال: إن اللهَ خلَقَ الملائكةَ يومَ الأربعاءِ، وخلَق الجنَّ يومَ الخميسِ، وخلَق آدمَ يومَ الجمُعةِ، قال: فكفَر قومٌ مِن الجنِّ، فكانتِ الملائكةُ تهبِطُ إليهم في الأرضِ فتُقاتِلُهم، فكانت الدماءُ وكان الفسادُ في الأرضِ (٧). وقال آخرون في تأويلِ قولِه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. أي: خُلَفاءَ (٨)

стр. 659

يخلُفُ بعضُهم بعضًا، وهم ولدُ آدمَ الذين يَخْلُفون أباهم آدمَ، ويَخْلُفُ كلُّ قرنٍ منهم القرنَ الذي سلَف قبلَه. وهذا قولٌ حُكِي (١) عن الحسنِ البصريِّ. ونظيرٌ له ما حَدَّثَنَا به محمدُ بنُ بشارٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو أحمدَ الزّبيريُّ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن ابنِ سابطٍ في قولِه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ قال: يَعنُون به بني آدمَ (٢). حَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهب، قال: قال ابنُ زيدٍ: قال اللهُ للملائكةِ: إني أُرِيدُ أن أخلُقَ في (٣) الأرضِ خَلْقًا، وأجعلَ فيها خليفةً. وليس للهِ يومئذٍ خَلْقٌ إلَّا الملائكةُ، والأرضُ ليس فيها خلقٌ (٤). وهذا القولُ يَحْتَمِلُ ما حُكِي عن الحسنِ، ويَحْتَمِلُ أن يكونَ أراد ابنُ زيدٍ أن اللهَ تعالى ذِكْرُه أخبَر الملائكةَ أنه جاعلٌ في الأرضِ خليفةً له، يَحْكُمُ فيها بينَ خلْقِه بحُكْمِه، نظيرَ مَا حَدَّثَنِي به موسى بنُ هارونَ، قال: حَدَّثَنَا عمرُو ابنُ حمادٍ، قال: حَدَّثَنَا أسباطُ، عن السدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ [عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ] (٥) وعن ناسٍ مِن أصحابِ النَّبِيِّ ﷺ ، أن اللهَ جلَّ ثناؤُه قال للملائكةِ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. قالوا: ربَّنا وما يَكُونُ ذلك الخليفةُ؟ قال يكونُ له ذريةٌ يُفْسِدُون في الأرضِ

стр. 660

وَيَتَحَاسَدونَ ويَقْتُلُ بعضُهم بعضًا (١). فكان تأويلُ الآيةِ على هذه الروايةِ التي ذكَرناها عن ابنِ مسعودٍ وابنِ عباسٍ: إني جاعلٌ في الأرضِ خليفةً منِّي يَخْلُفُني في الحكمِ بمنَ خَلْقِي، وذلك الخليفةُ هو آدمُ وَمَن قامَ مَقامَه في طاعةِ اللهِ، والحكمِ بالعدلِ بينَ خَلْقِه. وأما الإفسادُ وسفكُ الدماءِ بغيرِ حَقِّها فمن غيرِ خلفائِه، ومن غيرِ آدمَ ومَن قام مَقامَه في عبادِ اللهِ؛ لأنهما أخبرَا أن اللهَ تعالى ذِكْرُه قال لملائكتِه إذْ سألوه: ما ذاك الخليفةُ؟: إنه خليفةٌ تكونُ له ذريةٌ يُفْسِدون في الأرضِ ويتحاسَدون ويَقْتُلُ بعضُهم بعضًا. فأضاف الإفسادَ وسفْكَ الدماءِ بغيرِ حقِّها إلى ذريةِ خَليفتِه دونَه، وأخرَج منه خليفتَه. وهذا التأويلُ وإن كان مخالفًا في معنى الخليفةِ ما حُكِي عن الحسنِ من وجهٍ، فموافقٌ له من وجهٍ، فأما موافقتُه إياه فصرْفُ متأوِّلِيه إضافةَ الإفسادِ في الأرضِ وسَفْكِ الدماءِ فيها إلى غيرِ الخليفةِ. وأما مخالفتُه إياه، فإضافتُهم الخلافةَ إلى آدمَ بمعنى استخلافِ اللهِ إياه فيها. وإضافةُ الحسنِ الخلافةَ إلى ولدِه، بمعنى خلافةِ بعضِهم بعضًا، وقيامِ قرْنٍ منهم مَقامَ قَرْنٍ قبلَهم، وإضافةِ الإفسادِ في الأرض وسَفْكِ الدماءِ إلى الخليفةِ. والذي دعَا المتأوِّلين قولَه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ التأويلَ (٢) الذي ذُكِر عن الحسنِ - إلى ما قالوا في ذلك؛ أنّهم قالوا: إن

стр. 661

الملائكةَ إنما قالت لربِّها - إذ قال لهم ربُّهم: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ -: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾. إخبارًا منها بذلك عن الخليفةِ الذي أخبَر اللهُ جلَّ ذِكْرُه أنه جاعِلُه في الأرضِ لا عن (١) غيرِه؛ لأنَّ [المحاورةَ بين] (٢) الملائكةِ وبين ربِّها عنه جرتْ. قالوا: فإذ كان ذلك كذلك، وكان اللهُ تعالى ذِكْرُه قد برَّأ آدمَ من الإفسادِ في الأرضِ وسفْكِ الدماءِ، وطهَّره من ذلك، عُلِمَ أن الذي عُنِي به غيرُه من ذرِّيتِه. فثبَت أن الخليفةَ الذي يفسِدُ في الأرضِ ويَسفِكُ الدماءَ هو غيرُ آدمَ، وأنهم ولدُه الذين فعلُوا ذلك، وأن معنى الخلافةِ التي ذكَرها اللهُ إنما هي خلافةُ قرْنٍ منهم قرنًا، عندَهم (٣)؛ لما وصَفْنا. وأغفَل قائلُو هذه المقالةِ ومتأوِّلو الآيةِ هذا التأويلَ سبيلَ التأويلِ، وذلك أن الملائكةَ - إذ قال لها ربُّها: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ - لَمْ تُضِفِ (٤) الإفسادَ وسفْكَ الدماءِ في جوابِها ربَّها إلى خليفتِه في أرضِه، بل قالت: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾. [وغيرُ مُنكرٍ أن يكونَ ربُّها أعلَمَها أنه يكونُ لخليفتِه ذلكَ ذريةٌ يكونُ منهم الإفسادُ وسفكُ الدماءِ [فقالت: يا ربَّنا، أتجعلُ فيها من يفسِدُ فيها ويسفِكُ الدماءَ] (٥)] (٦). كما قال ابنُ مسعودٍ وابنُ عباسٍ ومَن حكَيْنا ذلك عنه من أهلِ التأويلِ (٧).

стр. 662

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه خبرًا عن ملائكتِه: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾. إن قال لنا قائلٌ: وكيف قالتِ الملائكةُ لربِّها، إذ أخبَرها أنه جاعلٌ في الأرضِ خليفةً: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ يكنْ آدمُ بعدُ مخلوقًا ولا ذريتُه، فيعلَموا ما يفعَلون عِياناً؟ أعلِمتِ الغيبَ فقالت ذلك، أم قالت ما قالت مِن ذلك ظنًّا؟ فذلك شهادةٌ منها بالظنِّ، وقولٌ بما لا تعلمُ، وذلك ليس مِن صفتِها، أمْ ما وجهُ قِيلِها ذلك لربِّها؟ قيل: قد قالتِ العلماءُ من أهلِ التأويلِ في ذلك أقوالاً، ونحن ذاكِرو أقوالِهم في ذلك، ثم مُخْبِرون بأصحِّها برهانًا وأوضحِها حُجةً. فرُوِي عن ابنِ عباسٍ في ذلك ما حدثنا به أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان إبليسُ مِن حيٍّ مِن أحياءِ الملائكةِ يقالُ لهم: الجنُّ (١). خُلِقوا من نارِ السَّمومِ مِن بيِن الملائكةِ. قال: وكان اسمُه الحارثَ. قال: وكان خازنًا مِن خُزَّانِ الجَنَّةِ. قال: وخُلِقتِ الملائكةُ كلُّهم مِن نورٍ غيرَ هذا الحيِّ. قال: وخُلِقتِ الجنُّ الذين ذكِروا في القرآنِ من مارجٍ من نارٍ - وهو لسانُ النارِ الذي يكونُ في طرَفِها إذا أُلهِبَت - قال: وخلِق الإنسانُ [من طينٍ] (٢)، فأولُ من سكَن الأرضَ الجنُّ، فأفسَدوا فيها وسفَكوا الدماءَ، وقتَل بعضُهم بعضًا. قال: فبعَث اللهُ جلَّ وعزَّ إليهم

стр. 663

إبليسَ في جندٍ مِن الملائكةِ - وهم (١) هذا الحيُّ [الذين يُقالُ لهم: الجنُّ] (٢) - فقتَلهم إبليسُ ومن معه حتى ألحَقَهم بجزَائرِ البُحورِ وأطرافِ الجبالِ، فلما فعَل إبليسُ ذلك اغترَّ (٣) في نفسِه، وقال: قد صنَعْتُ شيئًا لم يَصْنَعْه أحدٌ. قال: فاطَّلع اللهُ على ذلك مِن قلبِه، ولم تطَّلِعْ عليه الملائكةُ الذين كانوا معه، فقال اللهُ جلَّ ثناؤُه للملائكةِ [الذين معه] (٤): ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. فقالتِ الملائكةُ مجيبِين له: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾، كما أفسَدتِ الجنُّ وسفَكتِ الدماءَ، وإنما بعَثْتَنا (٥) عليهم لذلك، فقال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: إني قد اطَّلعتُ من قلبِ إبليسَ على ما لم تطَّلعوا عليه من كِبْرِه واغْتِرارِه (٦). قال: ثم أمَر بتربةِ آدمَ فرُفِعَت، فخلَق اللهُ آدمَ مِن طينٍ لازِبٍ - واللازِبُ اللَّزِجُ الطيِّبُ (٧) - مِن حمأٍ مَسْنونٍ مُنْتِنٍ. قال: وإنما كان حمأً مسنونًا بعدَ الترابِ. قال: فخلَق منه آدمَ ﵇ بيدِه. قال: فمكَث أربعينَ ليلةً جسدًا ملقًى، فكان إبليسُ يَأْتِيه فيَضْرِبُه برِجْلِه فيُصَلْصِلُ - أي (٨): فيُصَوِّتُ - قال: فهو قولُ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤)﴾ [الرحمن: ١٤]. يقولُ: كالشيْءِ المنفوخِ (٩) الذي ليس بمُصمَتٍ (١٠). قال: ثم يَدْخلُ في فِيه ويَخرجُ من دُبُرِه،

стр. 664

ويَدْخلُ من دُبُرِه، ويَخرُجُ من فِيه، ثم يقولُ: لستَ شيئًا للصلصلةِ، ولشيْءٍ ما خُلقتَ، لئن سُلِّطتُ عليك لأُهْلِكَنَّك، ولئن سُلِّطْتَ عليَّ لَأَعْصِيَنَّك. قال: فلما نفَخ اللهُ فيه من رُوحِه، أتَتِ النَّفخةُ مِن قِبلِ رأسِه فجعَل لا يَجرِي شيْءٌ منها في جسدِه إلا صار لحمًا ودمًا، فلما انتهتِ النفخةُ إلى سُرَّتِه نظَر إلى جسدِه، فأعْجَبه ما رأى مِن حُسنِه، فذهَب ليَنهضَ فلم يَقدِرْ، فهو قولُ اللهِ : ﴿وَكَانَ (١) الْإِنْسَانُ عَجُولًا (١١)﴾ [الإسراء: ١١]. قال: ضجِرًا لا صبْرَ له على سَرَّاءَ ولاضَرّاءَ. قال: فلما تمَّتِ النفخةُ في جسدِه عطَس فقال: الحمدُ للهِ ربِّ العالمين. بإلهامِ اللهِ له، فقال اللهُ له: يَرْحَمُك اللهُ يا آدمُ. قال: ثم قال اللهُ للملائكةِ الذين كانوا مع إبليسَ خاصةً دونَ الملائكةِ الذين في السماواتِ: اسْجُدوا لآدمَ. فسجَدوا كلُّهم أجمعون إلا إبليسَ أبَى واستكبر، لما كان (٢) حدَّث به (٣) نفسَه مِن كِبْرِه واغتِرارِه (٤)، فقال: لا أسجدُ له، وأنا خيرٌ منه، وأكبر سنًّا وأقوى خلقًا، ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ [الأعراف: ١٢]،. يقولُ: إن النارَ أقْوَى مِن الطيِن. قال: فلما أبَى إبليسُ أن يسجدَ أبْلَسَه اللهُ، أي (٥): آيَسَه مِن الخيرِ كلِّه، وجعَله شيطانًا رَجيمًا عقوبةً لمعصيتِه. ثم علَّم آدمَ الأسماءَ كلَّها، وهي هذه الأسماءُ التي يَتعارَفُ بها الناسُ؛ إنسانٌ ودابةٌ وأرضٌ وسهلٌ وبحرٌ وجبلٌ (٦) وحمارٌ، وأشباهُ ذلك مِن الأممِ وغيرِها، ثم عرَض

стр. 665

هذه الأسماءَ على أولئك الملائكةِ - يعني الملائكةَ الذين كانوا مع إبليسَ الذين خُلِقوا مِن نارِ السمومِ - وقال لهم: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾. يقولُ: أخْبِرُوني بأسماءِ هؤلاء، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: [إن كنتم] (١) تَعلمون لمَ (٢) أجعَلُ في الأرضِ خليفةً. قال: فلمّا علِمتِ الملائكةُ مُؤاخذةَ (٣) اللهِ عليهم فيما تكلَّموا به من علمِ الغيبِ الذي لا يعلمُه غيرُه، الذي ليس لهم به علمٌ، قالوا: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ - تَنزيهًا للهِ مِن أن يكونَ أحدٌ يعلمُ الغيبَ غيرَه - تبنا إليك، ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ - تَبَرِّيًا منهم من علمِ الغيبِ - ﴿إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ كما علَّمْتَ آدمَ. فقال: ﴿يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾. يقولُ: أخبِرْهم بأسمائِهم، ﴿فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾. [يقولُ: أخبَرَهم] (٤) بأسمائهم، ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ أيها الملائكةُ خاصةً: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ولا يَعْلَمُه غيري، ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾. يقول: ما تُظْهِرون، ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. يقول: أعلمُ السرَّ كما أعلمُ العَلانيةَ، يعني ما (٥) كتَم إبليسُ في نفسِه مِن الكبْرِ والاغْتِرارِ (٦). وهذه الروايةُ عن ابنِ عباسٍ تُنبئُ عن أن قولَ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَإِذْ قَالَ

стр. 666

رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. خطابٌ مِن اللهِ لخاصٍّ مِن الملائكةِ دونَ الجميعِ، وأن الذين قيل لهم ذلك من الملائكةِ كانوا قبيلةَ إبليسَ خاصةً، الذين قاتَلوا معه جنَّ الأرضِ قبلَ خلقِ آدمَ، وأن اللهَ إنما خصَّهم بقيلِ ذلك امتحانًا منه لهم وابتلاءً؛ ليعرِّفَهم قصورَ علْمِهم وفضْلَ كثيرٍ ممَّن هو أضعفُ خَلْقًا منهم من خَلْقِه عليهم، وأن كرامتَه لا تُنالُ بقُوَى الأبدانِ وشدةِ الأجسامِ، كما ظنَّه إبليسُ عدوُّ اللهِ، ومُصَرِّحٌ (١) بأن قِيلَهم لربِّهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾. كانت هَفْوةً منهم ورَجْمًا بالغيبِ، وأن اللهَ أطْلَعَهم على مكروهِ ما نطَقوا به مِن ذلك، ووقَّفهم عليه حتى تابوا وأنابوا إليه مما قالوا ونطَقوا مِن رَجْمِ الغيْبِ بالظُّنونِ، وتبرَّءُوا إليه من أن يَعْلَمَ الغيبَ غيرُه، وأظْهَر لهم مِن إبليسَ ما كان مُنطوِيًا عليه من الكِبْرِ الذي قد كان عنهم مسْتَخْفِيًا. وقد رُوِي عن ابنِ عباسٍ خلافُ هذه الروايةِ، وهو ما حدَّثني به موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ : لما فرَغ اللهُ مِن خلقِ ما أحبَّ، استوى على العرشِ، فجعَل إبليسَ على مُلْكِ سماءِ الدنيا، وكان من قبيلةٍ من الملائكةِ يُقالُ لهم: الجنُّ. وإنما سُمُّوا الجنَّ لأنهم خُزَّانُ الجَنَّةِ، وكان إبليسُ مع مُلكِه خازنًا، فوقَع في صدرِه كِبْرٌ، وقال: ما أعطاني اللهُ هذا إلا لمزيدٍ (٢) لي - هكذا قال موسى ابنُ هارونَ، وقد حدَّثني به (٣) غيرُه (٤) فقال: لمَزِيَّةٍ لي - على الملائكةِ. فلما وقَع

стр. 667

ذلك الكِبْرُ في نفسِه، اطَّلَع اللهُ على ذلك منه، فقال اللهُ للملائكةِ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. قالوا: ربَّنا، وما يكونُ ذلك الخليفةُ؟ قال: يكونُ له ذريةٌ يُفْسِدُون في الأرضِ ويتحاسَدون ويَقْتُلُ بعضُهم بعضًا. قالُوا: ربَّنا ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. يعني من شأنِ إبليسَ. فبعَث جبريلَ ﵇ إلى الأرضِ ليَأْتِيَه بطِينٍ منها، فقالتِ الأرضُ: إني أعوذُ باللهِ منك أن تَنقُصَ مني أو تَشِينَني. فرجَع ولم يأخُذْ، وقال: ربِّ إنها عاذَت بك فأعذْتُها. فبعَث اللهُ مِيكائيلَ، فعاذَت منه فأعاذها، فرجَع فقال كما قال جبريلُ، فَبعَث مَلَكَ الموتِ، فعاذت منه، فقال: وأنا أَعوذُ باللهِ أن أرجِعَ ولم أُنْفِذْ أمْرَه. فأخَذ مِن وجهِ الأرضِ وخلَط، فلم يَأْخُذْ من مكانٍ واحدٍ، وأخَذ مِن تُرْبةٍ حمراءَ وبيضاءَ وسوداءَ، فلذلك خرَج بنو آدمَ مُخْتَلِفين، فصَعِد به فبلَّ الترابَ حتى عاد طينًا لازبًا - واللازبُ هو الذي يَلْتَزِقُ بعضُه ببعضٍ - ثم تُرِك حتى أنْتَن وتغَيَّر، فذلك حينَ يقولُ: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦)﴾ [الحجر: ٢٦]. قال: مُنْتِنٍ. ثم قال للملائكةِ: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢)﴾ [ص: ٧١، ٧٢]. فخلَقه اللهُ بيدَيْه، لكَيْلا يَتكبَّرَ إبليسُ عنه ليقولَ له: تتكبَّرُ عما عمِلْتُ بيديَّ، ولم أتكبَّرْ أنا عنه؟ فخلَقه بشرًا، فكان جسدًا من طينٍ أربعين سنةً مِن مقدارِ يومِ الجمعةِ، فمرَّت به الملائكةُ، ففزِعوا منه لمَّا رأَوْه، وكان أشدَّهم منه فزَعًا إبليسُ، فكان يمرُّ به فيضرِبُه، فيُصَوِّتُ الجسدُ كما يُصَوِّتُ الفَخَّارُ، وتَكُونُ له صَلْصَلةٌ، فذلك حينَ يقولُ: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤)﴾ [الرحمن: ١٤]. ويقولُ: لأمرٍ ما خُلِقْتَ. ودخَل مِن (١) فِيه فخرَج مِن دُبُرِه. فقال للملائكةِ: لا تَرْهَبوا مِن هذا، فإن ربَّكم صَمَدٌ وهذا أجوفُ،

стр. 668

لئن سُلِّطْتُ عليه لَأُهْلِكَنَّه. فلمَّا بلَغ الحينَ الذي يُريدُ اللهُ جلَّ ثناؤُه أن يَنفُخَ فيه الرُّوحَ، قال للملائكةِ: إذا نفَخْتُ فيه مِن رُوحي فاسْجُدوا له. فلمّا نفَخ فيه الرُّوحَ فدخَل الرُّوحُ في رأسِه، عطَس، فقالت له الملائكهُ: قل: الحمدُ للهِ. فقال: الحمدُ للهِ. فقال له اللهُ: رحِمك ربُّك. فلما دخَل الروحُ في عينَيْهِ نظَر إلى ثِمارِ الجَنَّةِ، فلمّا دخَل في جوفِه اشْتهَى الطعامَ، فوثَب قبلَ أن تَبْلُغَ الروحُ رجليْه عَجْلانَ إلى ثمارِ الجَنَّةِ، فذلك حينَ يقولُ: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧]. ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر ٣٠، ٣١] أي (١): استكبر وكان من الكافرين. قال اللهُ له: ما منَعك أنْ تَسجدَ إذ أمَرتُك لِما خلقْتُ بيدَيَّ. قال: أنا خيْرٌ منه لم أَكُنْ لأَسْجُدَ لبشرٍ خلقتَه من طينٍ. قال اللهُ له: اخْرُجْ منها فما يَكُونُ لك - يعني: ما يَنْبغي لك - أنْ تَتَكَبَّرَ فيها، فاخْرُجْ إنك مِن الصاغِرين. والصَّغارُ هو الذُّلُّ. قال: وعلَّم آدمَ الأسماءَ كلَّها، ثم عرَض الخلْقَ على الملائكةِ فقال: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١)﴾ [البقرة: ٣١] أنَّ بني آدمَ يُفسِدون في الأرضِ ويَسفِكون الدماءَ. فقالوا له: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾. قال اللهُ: ﴿يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. قال: قولُهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾. فهذا الذي أبْدَوْا، وأَعْلمُ ما كنتم تكْتُمون، يعني ما أسَرَّ إبليسُ في نفسِه من الكِبْرِ (٢).

стр. 669

فهذا الخبرُ أولُه مُخالِفٌ معْناه معنى الروايةِ التي رُوِيتْ عن ابنِ عباسٍ مِن روايةِ الضحاكِ التي قدمْنا ذِكْرَها قبلُ، وموافقٌ معنى آخرِه معناها، وذلك أنه ذُكِر في أوَّلِه أن الملائكةَ سأَلت ربَّها: ما ذاك الخليفةُ؟ حين قال لها: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. فأجابها أنه تكونُ له ذُرِّيةٌ يُفسِدُون في الأرضِ وَيَتَحَاسَدُون ويَقتلُ بعضُهم بعضًا، فقالت الملائكةُ حينئذٍ: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾. فكان قولُ الملائكةِ ما قالت لربِّها من ذلك بعدَ إعلامِ اللهِ إياها أن ذلك كائنٌ من ذريةِ الخليفةِ الذي يجعَلُه في الأرضِ. فذلك معنى خلافِ أولِه معنى خبرِ الضحاكِ الذي ذكرْناه. وأما موافقتُه إياه في آخرِه، فهو قولُهم في تأويلِ قولِه: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أن بني آدمَ يفسِدون في الأرضِ ويَسْفِكون الدماءَ، وأن الملائكةَ قالت - إذ قال لها ربُّها ذلك - تَبَرِّيًا مِن علمِ الغيبِ: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾. وهذا إذا تدَبَّره ذو الفهمِ، علِم أنَّ أولَه يُفْسِدُ آخرَه، وأن آخِرَه يُبطِلُ معنى أولِه، وذلك أن اللهَ تعالى ذكره إن كان أخبَر الملائكةَ أن ذريةَ الخليفةِ الذي يَجْعَلُه في الأرضِ تُفْسِدُ فيها وتَسْفِكُ الدماءَ، فقالتِ الملائكةُ لربِّها: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾. فلا وجهَ لتوبيخِها على أن أخْبَرَت عمَّن أخبَرَها اللهُ عنه أنه يُفسِدُ في الأرضِ ويَسفِكُ الدماءَ، بمثلِ الذي أخْبَرَها عنهم ربُّها، فيَجُوزَ أن يُقالَ لها فيما طوَى عنها مِن العلومِ: إن كنتم صادقين فيما علِمْتُم بخبرِ اللهِ إياكم أنه كائنٌ مِن الأمورِ فأخْبَرْتُم به، فأخْبِرونا بالذي قد طوَى اللهُ عنكم علمَه، كما قد أخْبَرْتُمونا بالذي قد أطْلَعَكم اللهُ [على علمِه] (١) - بل ذلك خُلْفٌ مِن التأويلِ، ودعوَى على اللهِ

стр. 670

ما لا يَجوزُ أن يكونَ [له صفةً، وأخْشَى أن يَكُونَ بعضُ نَقَلةِ هذا الخبرِ هو الذي غَلِط على مَن رواه عنه مِن الصحابة] (١)، وأن يكونَ التأويلُ منهم (٢) كان في (٣) ذلك: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فيما ظنَنْتم أنكم أدْرَكْتموه مِن العلمِ بخبَري إياكم أن بني آدمَ يُفسِدون في الأرضِ ويَسفِكون الدماءَ، حتى اسْتَجَزْتم أن تَقُولوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾. فيكونُ التَّوْبيخُ حينئذٍ واقعًا على ما ظنُّوا أنهم قد أدْرَكوا بقولِ اللهِ لهم: إنه يكونُ له ذريةٌ يُفسِدون في الأرضِ ويَسفِكون الدماءَ. لا على إخبارِهم بما أخبرهم اللهُ به أنه كائنٌ، وذلك أن اللهَ جلَّ ثناؤه وإن كان أخبَرهم عما يكونُ مِن بعضِ ذريةِ خليفتِه في الأرضِ، ما يكونُ منه فيها مِن الفسادِ وسَفْكِ الدماءِ، فقد كان طوَى عنهم الخبرَ عما يكونُ من كثيرٍ منهم بما يكونُ مِن طاعتِهم ربَّهم، وإصلاحِهم (٤) في أرضِه وحَقْنِ الدماءِ، ورفعِه [منزلتَهم، وكرامتِهم] (٥) عليه، فلم يُخْبِرْهم بذلك، فقالتِ الملائكةُ: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ على ظنٍّ منها - على تأويلِ هذيْن الخبرَيْن اللذيْن ذكَرْتُ وظاهرِهما - أن جميعَ ذريةِ الخليفةِ الذي يُجعَلُ (٦) في الأرضِ يُفسِدون فيها، ويَسفِكون فيها الدماءَ، فقال اللهُ لهم، إذ علَّم آدمَ الأسماءَ كلَّها: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنكم تَعْلَمون أن جميعَ بني آدمَ يُفسِدون في الأرضِ ويَسفِكون الدماءَ، على ما
следующие страницы →