← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 6126–6165 · переход к 6131.

стр. 6126

شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. فلمَّا [نزَل: أن يُحْبَسا مِن بعدِ الصلاةِ] (١). أمَر النبيُّ ﷺ فقاما بعدَ الصلاةِ، فحلَفا باللهِ [ربِّ السماواتِ] (٢): ما ترَك مولاكم مِن المالِ إلا ما أتَيْناكم به، وإنا لا نَشْتَرِى بأيمانِنا ثمنًا قليلًا مِن الدنيا ولو كان ذا قُرْبى، ولا نَكْتُمُ شهادةَ اللهِ، إنا إذن لمن الآثمين. فلما حلَفا خلَّى سبيلَهما، ثم إنهم وجَدوا بعدَ ذلك إناءً من آنيةِ الميتِ، فأُخِذ الداريَّان، فقالا: اشْتَرَيْناه منه في حياتِه. وكذَبا، فكُلِّفا البينةَ، فلم يَقْدِرا عليها، فرفَعوا ذلك إلى النبيِّ ﷺ ، فَأَنْزَلَ اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿فَإِنْ عُثِرَ﴾. يقولُ: فإن اطُّلِع، ﴿أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾: يعنى الداريَّين إن كتَما حقًّا، ﴿فَآخَرَانِ﴾ من أولياءِ الميتِ ﴿يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾: [فيَحْلِفان باللهِ] (٣): إن مالَ صاحبِنا كان كذا وكذا، وإن الذي يُطْلَبُ قِبَلَ الداريَّين لَحَقٌّ، ﴿وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾. هذا قولُ الشاهدَيْن أولياءِ الميتِ، ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾: يعنى الداريَّين والناسَ أن يَعُودوا لمثلِ ذلك (٤). قال أبو جعفرٍ: ففيما ذكَرْنا مِن هذه الأخبارِ التي روَيْنا دليلٌ واضحٌ على صحةِ ما قلْنا، مِن أن حكمَ اللهِ تعالى ذكرُه باليمينِ على الشاهدَيْن في هذا الموضعِ، إنما هو مِن أجلِ دعْوى وَرَثتِه على المُسْنَدِ إليهما الوصيةُ خيانةً فيما دفَع الميتُ مِن مالِه إليهما، أو غيرَ ذلك مما لا يَبْرَأُ فيه المُدَّعَى ذلك قِبَلَه إلا بيمينٍ، وأن نقلَ اليمينِ إلى ورثةِ الميتِ بما أَوْجَبه اللهُ تعالى ذكرُه، بعدَ أن عُثِر على الشاهدَيْن [أَنَّهما اسْتَحَقًا إثمًا] (٥) في

стр. 6127

أيمانِهما، ثم ظُهِر على كذبِهما فيها، إنِ القومُ ادَّعَوْا فيما صحَّ أنه كان للميتِ دعوَى، مِن انتقالِ ملكٍ عنه إليهما، ببعضِ ما تَزولُ به الأملاكُ، مما يَكونُ اليمينُ فيها على ورثةِ الميتِ دونَ المدَّعَى، وتكونُ البينة فيها على المدَّعَى - وفسادِ ما خالف في هذه الآية ما (١) قلنا (٢) مِن التأويلِ. وفيها أيضًا البيانُ الواضحُ على أن معنى الشهادةِ التي ذكَرَها اللهُ تعالى ذكرُه في أولِ هذه القصةِ، إنما هي اليمينُ، كما قال اللهُ تعالى ذكرُه في مواضعَ أُخَرَ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٦]. فالشهادةُ في هذا الموضعِ معناها القسَمُ، مِن قولِ القائلِ: أَشْهَدُ باللهِ إنى (٣) لمن الصادقين. وكذلك معنى قولِه: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾. إنما هو: قسَمُ بينِكم، ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾ أَن يُقْسِمَ ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ إن كانا اتُّمِنا (٤) على ما قال فارْتِيب بهما، أو اتُّمِن (٥) آخران من غير المؤمنين فاتُّهِما. وذلك أنّ الله تعالى ذكرُه لمَّا ذكَر نقلَ اليمينِ من اللذين ظُهِر على خيانتِهما إلى الآخرَين قال: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾. ومعلومٌ أنّ أولياءَ الميتِ المُدَّعِين قِبَلَ اللذين ظُهِر على خيانتِهما، غيرُ جائزٍ أن يكونا شُهداءَ بمعنى الشهادةِ التي يُؤْخَذُ بها في الحكمِ حقُّ مُدَّعًى عليه لمُدَّعٍ؛ لأنه لا يُعْلَمُ للهِ تعالى ذكرُه حكمٌ قضَى فيه لأحدٍ بدَعْواه ويمينِه على مُدَّعًى عليه، بغيرِ بينةٍ ولا إقرارٍ من المُدَّعَى عليه ولا برهانٍ.

стр. 6128

فإذ كان معلومًا أن قولَه: ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾. إنما معناه: قَسَمُنا أحقُّ مِن قسَمِهما. وكان قسَمُ اللذين عُثِر على أنهما أثِما، هو الشهادةَ التي ذكَر اللهُ تعالى ذكرُه في قولِه: ﴿أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ - صحَّ أن معنى قولِه: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾. بمعنى الشهادةِ في قولِه: ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾. وأنها بمعنى القسم. واخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾؛ فقرَأ ذلك قرأةُ الحجازِ والعراقِ والشامِ (مِن الذين استُحِقَّ عليهم الأَوْلَيان). بضمِّ التاءِ (١). ورُوِى عن عليٍّ وأبيِّ بن كعبٍ والحسنِ البصريِّ أنهم قرَءوا ذلك: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾. بفتح التاءِ (٢). واخْتَلَفَت أيضًا في قراءةِ قولِه: ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾؛ فقرَأَته عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والشامِ والبصرةِ: ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾ (٣). وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ: "الأوَّلِينَ" (٤). وذُكِر عن الحسنِ البصريِّ أنه كان يَقْرَأُ ذلك: (من الذين استَحَقَّ عليهم الأَوَّلان) (٥). وأولى القراءتين بالصوابِ في قولِه: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾. قراءةُ مَن

стр. 6129

قرَأ بضمِّ التاءِ؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليه، مع مُتابَعةِ (١) عامةِ أهلِ التأويلِ على صحةِ تأويلِه (٢)، وذلك إجماعُ عامتِهم على أن تأويلَه: فآخران مِن أهلِ الميتِ الذين اسْتَحَقُّ المؤتَمنان على مالِ الميتِ الإثمَ فيهم، يَقومان مَقامَ المستحِقَّى (٣) الإثمِ فيهما بخيانتِهما ما خانا مِن مالِ الميتِ. وقد ذكَرْنا قائلى ذلك، أو أكثرَ قائليه، فيما مضَى قبلُ (٤)، ونحن ذاكِرو باقِيهم، إن شاء اللهُ ذلك. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾: أن يَموتَ المؤمنُ فيَحْضُرَ موتَه مسلمان أو كافران، لا يَحْضُرُه غيرُ اثنين منهم، فإن رضِى ورَثتُه ما عاجَل (٥) عليه مِن تركتِه فذاك، وحلَف الشاهدان إن اتُّهِما: إنهما لصادقان، ﴿فَإِنْ عُثِرَ﴾: وُجِد لَطْخٌ (٦)، حلَف الاثنان الأَوْلَيان مِن الورثةِ، فاسْتَحَقًّا، وأَبْطَلا أيمانَ الشاهدَيْن (٧). وأَحْسَبُ أن الذين قرَءوا ذلك بفتحِ التاءِ أرادوا أن يُوَجِّهوا تأويلَه إلى: فآخران يقومان مقامَ المُؤْتَمَنين اللذين عُثِر على خيانتِهما في القسَمِ، والاسْتَحقاقِ

стр. 6130

به عليهما دَعْواهما قِبَلَهما، مِن الذين اسْتَحَق على المُؤْتَمَنين على المالِ على خيانتِهما القيامَ مقامَهما في القسَمِ والاستحقاقِ (١)، الأوْلَيان بالميتِ. وكذلك كانت قراءةُ مَن رُوِيَت هذه القراءةُ عنه، فقرَأ ذلك: هو ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ (٢)﴾؛ ﴿اسْتَحَقَّ (٢)﴾ بفتحِ التاءِ، [و ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾ (٣). على معنى: الأوليان بالميتِ ومالِه. وذلك مذهبٌ صحيحٌ، وقراءةٌ غيرُ مدفوعةٍ صحتُها، غيرَ أنا نَخْتارُ الأُخرى؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليها، مع موافقتِها التأويلَ الذي ذكَرْنا عن الصحابةِ والتابعين. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عبدِ الرحمنِ وكُرَيْبٍ، عن عليٍّ أنه كان يَقْرَأُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ (٤). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، عن حمادِ بن زيدٍ، [عن واصلٍ مَوْلَى أبي عُيينةَ] (٥)، عن يحيى بن عُقَيْلٍ، عن يحيى بن يَعْمَرَ، عن أبيِّ بن كعبٍ أنه كان يَقْرَأُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ (٦). وأما أولى القراءاتِ بالصوابِ في قولِه: ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾. عندى، فقراءةُ مَن

стр. 6131

قرَأ: ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾ (١). بصحةِ (٢) معناها؛ وذلك لأن (٣) معنى: ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ [عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾: فآخران يَقومان مَقامَهما مِن الذين استحقَّ] (٤) فيهم الإثمُ. ثم حُذِف الإثمُ وأُقِيم مُقامَه الأوليان؛ لأنهما هما اللذان ظلَما وأثِما فيهما، بما كان مِن خيانةِ اللذين اسْتَحَقَّا الإثمَ، وعُثِر عليهما بالخيانةِ منهما، فيما كان أتَّمَنهما عليه الميتُ. كما قد بيَّنا فيما مضَى مِن فعلِ العربِ مثلَ ذلك؛ مِن حذفِهم الفعلَ اجتزاءً بالاسمِ، وحذْفِهم الاسمَ اجْتزاءً بالفعلِ (٥). ومِن ذلك ما قد ذكَرْنا في تأويلِ هذه القصةِ، وهو قولُه: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ﴾. ومعناه: أن يَشْهَدَ اثنان. وكما قال: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾. فقال: ﴿به﴾. فعاد بالهاءِ على اسمِ اللهِ، وإنما المعنى: لا نَشْتَرِى بقسَمِنا باللهِ. فَاجْتُزِئَ بالعودِ على اسمِ اللهِ بالذكرِ، والمرادُ به: لا نَشْتَرِى بالقسمِ باللهِ. اسْتِغْناءً (٦) بفهمِ السامعِ بمعناه مِن (٧) ذكرِ اسمِ القسمِ. وكذلك اجتُزِئ بذكرِ الأَوْلَيَيْن مِن ذكرِ الإثمِ الذي اسْتَحَقه الخائنان لخيانتِهما إياهما (٨)، إذ كان قد جرَى ذكرُ ذلك بما أغْنَى السامعَ عندَ سَماعِه إياه مِن (٧) إعادتِه، وذلك قولُه: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾. وأما الذين قرَءوا ذلك: (الأوَّلِينَ). فإنهم قصَدوا في معناه إلى الترجمةِ به عن ﴿الَّذِينَ﴾. فأخْرَجوا ذلك على وجه الجمعِ، إذ كان ﴿الَّذِينَ﴾

стр. 6132

جميعًا (١)، وخفضًا؛ إذ كان ﴿الَّذِينَ﴾. مخفوضًا. وذلك وجهٌ مِن التأويلِ، غيرَ أنه إنما يُقالُ للشيءِ: أوَّلٌ. إذا كان له آخِرٌ هو له أوَّلٌ، وليس للذين اسْتحقَّ عليهم الإثمُ آخِرٌ، هم له أولٌ، بل كانت أيمانُ الذين عُثِر على أنهما استحقَّا إثمًا قبلَ أيمانِهم، فهم إلى أن يكونوا - إذ كانت أيمانُهم آخِرًا - أولى أن يكونوا آخِرين مِن أن يكونوا أولِين، وأيمانُهم آخِرةٌ لأُولى قبلُها. وأما القراءةُ التي حُكِيَت عن الحسنِ، فقراءةٌ عن قراءةِ الحجةِ مِن القرأةِ شاذةٌ، وكفَى بشُذوذِها عن قراءتِهم دليلًا على بُعدِها مِن الصوابِ. واخْتَلَف أهلُ العربيةِ في الرافعِ لقولِه: ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾. إذا قُرِئ كذلك؛ فكان (٢) بعضُ نحويى البصرةِ يَزْعُمُ أنه رُفِع ذلك بدلًا مِن ﴿فَآخَرَانِ﴾ في قولِه: ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾. وقال: إنما جاز أن يُبْدَلَ ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾ وهو معرفةٌ، مِن ﴿فَآخَرَانِ﴾ وهو نكرةٌ؛ لأنه حينَ قال: ﴿يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾. كان كأنه قد حدَّهما حتى صارا كالمعرفةِ في المعنى، فقال: الأَوْلَيان. فأجْرَى المعرفةَ عليهما بدلًا. قال: ومثلُ هذا مما يَجْرِى على المعنى كثيرٌ. واستشهَد لصحةِ قولِه ذلك بقولِ الراجزِ (٣): عليَّ يومَ يَمْلِكُ الأُمورَا صومَ شُهورٍ وجَبَت نُذُورَا وبادِنًا (٤) مُقَلَّدًا مَنْحورًا

стр. 6133

قال: فجعَله: عليَّ واجبٌ؛ لأنه في المعنى قد أُوجِبَ. وكان بعضُ نحويى الكوفةِ يُنْكِرُ ذلك ويقولُ: لا يَجوزُ أن يَكونَ ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾ بدلًا مِن ﴿آخَرَانِ﴾ مِن أجلِ أنه قد نسَق (١) ﴿فَيُقْسِمَانِ﴾ على ﴿يَقُومَانِ﴾ في قولِه ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ﴾. فلم يَتِمَّ الخبرُ بعدَ (٢) ﴿مِنَ﴾ (٣). قال: و (٤) لا يَجوزُ الإبدالُ قبلَ إتمامِ الخبرِ. و (٥) قال: غيرُ جائزٍ: مرَرْتُ برجلٍ قام زيدٍ وقعَد. وزيدٌ بدلٌ مِن رجلٍ. والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أن يقالَ: ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾. مرفوعان بما لم يُسمَّ فاعلُه، وهو قولُه: (اسْتُحِقَّ عليهم)، وأنهما وُضِعا (٦) موضعَ الخبرِ عنهما، فعمِل فيهما ما كان عاملًا في الخبرِ عنهما؛ وذلك أن معنى الكلامِ: فآخران يقومان مَقامهما من الذين استُحِقَّ عليهم الإثمُ بالخيانةِ. فوُضِع ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾ موضعَ الإثمِ، كما قال تعالى ذكرُه في موضعِ آخَرَ ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر﴾ [التوبة: ١٩]. ومعناه: أجعلتُم سقايةَ الحاجِّ وعمارةَ المسجدِ الحرامِ كإيمانِ مَن آمن باللهِ واليومِ الآخرِ؟ وكما قال: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٩٣]. وكما قال بعضُ الهُذليين (٧): يُمَشِّى بينَنا حانوتُ خمرٍ … من الخُرْسِ الصَّراصِرةِ القِطاطِ (٨) وهو يعنى: صاحبُ حانوتِ خمرٍ. فأقام الحانوتَ مُقامَه؛ لأنه معلومٌ أن

стр. 6134

الحانوتَ لا يَمْشِى، ولكن لما كان معلومًا عندَه أنه لا يَخْفَى على سامعِه ما قصَد إليه مِن معناه، حذَف الصاحبَ، واجْتَرَأَ بذكرِ الحانوتِ منه. فكذلك قولُه: (مِن الذين اسْتُحِقَّ عليهم الأوليان). إنما هو: مِن الذين استُحِق فيهم خيانتُهما. فحُذفَت الخيانةُ، وأُقِيم المختانان مُقامَهما (١)، فعَمِل فيهما ما كان يَعْمَلُ في المحذوفِ لو ظهَر. وأما قولُه ﴿عَلَيْهِم﴾. في هذا الموضعِ، فإن معناها: فيهم. كما قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢]. يعني: في ملكِ سليمانَ. وكما قال: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]. فـ "في" تُوضَعُ في (٢) موضعِ "على"، و "على" في موضعِ "في"، وكلُّ واحدةٍ منهما تُعاقِبُ صاحبتَها في الكلامِ، ومنه قولُ الشاعرِ (٣): متى ما تُنْكِروها تَعْرِفوها … على أقطارِها عَلَقٌ نَفِيثٌ (٤) وقد تأَوَّلَت جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ قولَ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾. أنهما رجلان آخران مِن المسلمين، أو رجلان أعْدَلُ مِن المُقْسِمَيْن الأوَّلَين. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن عامرٍ، عن شريحٍ في هذه الآيةِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ

стр. 6135

الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾. قال: إذا كان الرجلُ بأَرضِ غُرْبةٍ، ولم يَجِدْ مسلمًا يُشْهِدُه على وصيتِه، فأشْهَد يهوديًا، أو نصرانيًّا، أو مجوسيًّا، فشهادتُهم جائزةٌ، فإن جاء رجلان مسلمان فشهِدا بخلافِ شَهادتِهم، أجِيزَت شهادةُ المسلمَيْن، وأُبْطِلَت شهادةُ الآخَرَيْن (١). حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَإِنْ عُثِرَ﴾: أي: اطُّلِع منهما على خيانةٍ، على أنهما كذَبا أو كتَما، فشهِد رجلان هما أعدلُ منهما بخلافِ ما قالا، أُجِيزَت شهادةُ الآخَرَيْن، وأُبْطِلت شهادةُ الأَوَّلَين (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ، قال: كان ابن عباسٍ يَقْرَأُ: (من الذين استَحَقَّ عليهم الأَوَّلين) (٣). وقال: كيف يَكونُ الأوْليَان، أرأَيْتَ لو كان الأوْلَيان صغيرين (٤)؟ حدَّثنا هنادٌ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا عَبْدةُ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كان يَقْرَأُ: (مِن الذين اسْتَحَقَّ عليهم الأوَّلين). قال: وقال: أَرَأَيْتَ لو كان الأوْلَيان صغيرَيْن، كيف يقومان مَقامَهما (٥)؟ قال الإمامُ أبو جعفرٍ: فذهَب ابن عباسٍ فيما أرَى، إلى نحوِ القولِ الذي حكَيْتُ عن شُريحٍ وقتادةَ، مِن أن ذلك رجلان آخران مِن المسلمين يقومان مقامَ

стр. 6136

النَّصْرانيَّين، أو عَدْلان مِن المسلمين، هما أعدلُ وأجوزُ شهادةً من الشاهدَيْن الأوَّلَيْن، أو المُقسِمَين. وفي إجماعِ جميعِ أهلِ العلمِ على ألَّا حكمَ للهِ تعالى ذكرُه يَجبُ فيه على شاهدٍ يمينٌ فيما قام به مِن الشهادةِ، دليلٌ واضحٌ على أن غيرَ هذا التأويلِ الذي قاله الحسنُ، ومَن قال بقولِه في قولِ اللهِ تعالى: ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾. أولى به. وأما قولُه: ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾. فإن معناه عندَنا: الأوْلى بالميتِ مِن المُقْسِمَيْن الأوَّلَيْن فالأَوْلَى. وقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ معناه: الأَوْلى باليمينِ منهما فالأَوْلَى. ثم حُذف "منهما" (١). والعربُ تَفْعَلُ ذلك، فتقولُ: فلانٌ أفضلُ. وهي تُرِيدُ: أَفضلُ منك. وذلك إذا وُضِع "أفعلُ" موضعَ الخبرِ، وإن وقَع موقعَ الاسمِ، وأُدْخِلَت فيه الألفُ واللامُ، فعَلوا ذلك أيضًا، إذا كان جوابًا لكلامٍ قد مضَى، فقالوا: هذا الأفضلُ، وهذا الأشرفُ. يُريدون: هو الأشرفُ منك. وقال ابن زيدٍ: معنى ذلك: الأوْلَيان بالميتِ. حدَّثني يونُسُ، عن ابن وهبٍ عنه (٢). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فيُقْسِمُ الآخَران اللذان يَقومان مَقامَ اللذَين عُثِر على أنهما اسْتَحَقَّا إثمًا بخيانتِهما مالَ الميتِ، الأوْلَيان باليمينِ والميِّتِ مِن الخائنَين، ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾. يقولُ: لأيمانُنا أحقُّ مِن أيمانِ المقسمَيْن

стр. 6137

المستحقَّين الإثمَ، وأيمانِهما الكاذبةِ، في أنهما قد خانا في كذا وكذا من مال ميِّتِنا، وكذَبا (١) في أيمانِهما التي حلَفا بها، ﴿وَمَا اعْتَدَيْنَا﴾. يقولُ: وما تَجاوَزْنا الحقَّ في أيمانِنا. وقد بيَّنا أن معنى الاعتداءِ المُجاوَزةُ في الشيءِ حدَّه (٢). ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾. يقولُ: إنا إن كنا اعْتَدَيْنا في أيمانِنا، فحلَفْنا مُبْطِلين فيها كاذِبِين، ﴿لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾. يقولُ: [لمِن عِدادِ] (٣) مَن يَأْخُذُ ما ليس له أخذه، ويَقْتَطِعُ بأيمانِه الفاجرةِ أموالَ الناسِ. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِم﴾. يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ذَلِكَ﴾: هذا الذي قلتُ لكم في أمرِ الأوْصياءِ إذا ارْتَبْتُم بأمرِهم (٤)، واتَّهَمْتُموهم بخيانةٍ لمالِ مَن أوْصَى إليهم، مِن حبسِهم بعدَ الصلاةِ، واسْتحلافِكم إياهم على ما ادَّعَى قِبَلَهم أولياءُ الميتِ، ﴿أَدْنَى﴾ لهم، ﴿أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾. يقولُ: هذا الفعلُ إذا فعَلْتُم بهم، أقربُ لهم أن يَصْدُقوا في أيمانِهم، ولا يَكْتُموا، ويُقِرُّوا بالحقِّ، ولا يَخُونُوا، ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾. يقولُ: أو يَخافَ هؤلاء الأوصياءُ إن عُثِر عليهم أنهم اسْتَحَقُّوا إثمًا في أيمانِهم باللهِ، أن تُرَدُّ أيمانُهم على أولياءِ الميتِ بعدَ أيمانِهم التي عُثِر عليها أنها كذبٌ، فيَسْتَحِقُّوا بها ما ادَّعَوْا قِبَلَهم مِن حقوقِهم، فيَصْدُقوا حينَئذٍ في أيمانِهم

стр. 6138

وشهادتِهم؛ مخافةَ الفَضيحةِ على أنفسِهم، وحذرًا أن يَسْتَحِقَّ عليهم ما خانوا فيه أولياءَ الميتِ وورثتَه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وقد تقدَّمت الروايةُ بذلك عن بعضِهم، ونحن ذاكرو الروايةِ في ذلك عن بعضِ مَن بقِى منهم. حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾. يقولُ: إن اطُّلِع على أن الكافرَيْن كذَبا، ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾. يقولُ: مِن الأولياءِ (١)، فحلَفا باللهِ: إن شهادةَ الكافرَيْن باطلةٌ، وإنَّا لم نَعْتَدِ. فترَدُّ شَهادةُ الكافرَيْن، وتجوزُ شهادةُ الأولياءِ. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ [يَأْتُوا﴾: الكافرون] (٢)، ﴿بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾. وليس على شهودِ المسلمين إقْسامٌ، وإنما الإقسامُ إذا كانوا كافرين (٣). حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ﴾ الآية. يقولُ: ذلك أحْرَى أن يَصْدُقوا في شهادتِهم، وأن يَخافوا العَقِبَ (٤). حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَوْ

стр. 6139

يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾. قال: فتَبْطُلَ أيمانُهم، وتُؤْخَذَ أَيمانُ هؤلاء (١). وقال آخرون: معنى ذلك: تَحْبِسونهما مِن بعدِ الصلاةِ، ذلك أدنى أن يَأْتُوا بالشهادةِ على وجهِها، [وعلى] (٢) أنهما اسْتَحَقَّا إثمًا، فَآخَران يقومان مَقامَهما. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ، قال: يُوقَفُ الرجلان بعدَ صلاتِهما في دينِهما، فيَحْلِفان باللهِ: لا نَشْتَرِى به ثمنًا قليلًا ولو كان ذا قُرْبى، ولا نَكْتُمُ شهادةَ اللهِ، إنا إذن لمن الآثِمِين، إن صاحبَكم لَبِهذا أوْصَى، وإن هذه لَتركتُه. فيقولُ لهما الإمامُ قبلَ أن يَحْلِفا: إنكما إن كنتما كتَمْتُما أو خُنْتُما، فضَحْتُكما في قومِكما، ولم تَجُزْ (٣) لكما شهادةٌ، وعاقَبْتُكما. فإذا قال لهما ذلك، فإن ذلك أدنى أن يَأْتُوا بالشهادةِ على وجهِها (٤). القولُ في تأويلِ قولِه عز ذكرُه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وخافُوا الله أيُّها الناسُ، وراقِبوه في أيمانِكم، أن تَحْلِفُوا بها كاذبةً، وأن تُذهِبوا بها مالَ مَن يَحْرُمُ عليكم مالُه، وأن تَخونوا مَن أَتَّمنَكم، ﴿وَاسْمَعُوا﴾. يقولُ: اسْمَعوا ما يُقالُ لكم، وما تُوعَظون به، فاعْمَلوا به، وانْتَهُوا إليه، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. يقولُ: واللهُ لا يُوَفِّقُ مَن فسَق عن أَمرِ ربِّه، فخالَفه وأطاع الشيطانَ وعصَى ربَّه.

стр. 6140

وكان ابن زيد يقولُ: الفاسقُ في هذا الموضعِ هو الكاذبُ. حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾: الكاذِبِين الذين (١) يحْلِفون على الكذبِ (٢). وليس الذي قال ابن زيدٍ مِن ذلك عندى بمدفوعٍ، إلا أن الله تعالى ذكرُه عمَّ الخبرَ بأنه لا يَهْدِى جميعَ الفُسَّاقِ، ولم يُخَصِّصْ منهم بعضًا دونَ بعضٍ، بخبرٍ ولا عقلٍ، فذلك على معاني الفسقِ كلِّها، حتى يُخَصِّصَ شيئًا منها ما يَجِبُ التسليمُ له، فيُسَلَّمُ له. ثم اخْتَلَف أهلُ العلمِ في حكمِ هاتين الآيتين، هل هو منسوخٌ أو هو مُحْكَمٌ ثابتٌ؟ فقال بعضُهم: هو منسوخٌ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن رجلٍ قد سمَّاه، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ، قال: هي منسوخةٌ. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: هي منسوخةٌ. يعنى هذه الآيةَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآية (٣). وقال جماعةٌ: هي مُحْكَمَةٌ وليست بمنسوخةٍ. وقد ذكَرْنا قولَ أكثرِهم فيما مضَى.

стр. 6141

والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن حكمَ الآيةِ غيرُ (١) منسوخٍ، وذلك أن مِن حكمِ اللهِ تعالى ذكره، الذي عليه أهل الإسلامِ مِن لَدُنْ بعَثَ اللهُ تعالى ذكرُه نبيَّه محمدًا ﷺ إلى يومِنا هذا، أن مَن ادُّعِى عليه دَعْوَى مَمَّا يَمْلِكُه بنو آدمَ، أَن المُدَّعَى عليه لا يُبَرِّئُه ما ادُّعِى عليه إلا اليمينُ، إذا لم يَكُنْ لِلمُدَّعِي بَيِّنَةٌ تُصَحِّحُ دَعواه، وأنه إن اعْتَرَف (٢) في (٣) يَدِ المُدَّعَى عليه (٤) سِلْعةً له، فادَّعَى أنها له دونَ الذي في يدِه، فقال الذي هي في يدِه: بل هي لى، اشْتَرَيْتُها مِن هذا المُدَّعِى. أن القولَ قول مَن زعَم الذي هي في يدِه أنه اشْتَراها منه، دونَ مَن هي في يدِه، مع يمينِه، إذا لم يَكُنْ للذي هي في يدِه بينةٌ تُحَقِّقُ به دَعْواه الشراءَ منه. فإذ كان ذلك حكمَ اللهِ الذي لا خلافَ فيه بينَ أهلِ العلمِ، وكانت الآيتان اللتان ذكَر اللهُ تعالى ذكرُه فيهما أمْرَ وصيةِ المُوصِى إلى عدْليَن مِن المسلمين، أو إلى آخرَيْن مِن غيرِهم، إنما ألْزَم النبيُّ ﷺ فيما ذُكِر عنه الوصيَّين اليمينَ حينَ ادَّعَى عليهما الورثةُ ما ادَّعَوْا، ثم لم يُلْزِم المدَّعَى عليهما شيئًا إذ حلَفا، حتى اعْتَرَفَت الورثةُ في أيديهما ما اعْتَرَفوا من الجامِ أو الإبْريقِ أو غيرِ ذلك مِن أموالِهم، فزعَما أنهما اشْتَرَياه من ميتِهم، فحينَئذٍ ألزَم النبيُّ ﷺ ورثةَ الميِّتِ اليمينَ؛ لأن الوصيَّين تَحوَّلا مُدَّعِيَيْن بدَعواهما ما وجَدا في أيديهما مِن مالِ الميِّتِ، أنه لهما، اشْتَرَيا (٥) ذلك منه، فصارا مُقِرَّين بالمالِ للميتِ، مدَّعِيَيْن منه الشراءَ، فاحْتاجا حينَئذٍ إلى بينةٍ تُصَحِّحُ دَعْواهما، وصارَتْ (٦) وَرَثَةُ الميتِ ربِّ السلعةِ أولى باليمينِ منهما، فذلك

стр. 6142

قولُه تعالى ذكرُه: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ الآية. فإذ كان تأويلُ ذلك كذلك، فلا وجهَ لدعْوَى مُدَّعٍ أن هذه الآيةَ منسوخةٌ؛ لأنه غيرُ جائزٍ أن يُقضَى على حكمٍ من أحكامِ اللهِ تعالى ذكرُه أنه منسوخٌ، إلا بخبرٍ يَقْطَعُ العذرَ؛ إما مِن عندِ اللهِ، أو مِن عندِ رسولِه ﷺ ، أو بورودِ النقلِ المستفيضِ بذلك، فأما ولا خبرَ بذلك، ولا يَدْفَعُ صحتَه عقلٌ، فغيرُ جائزٍ أن يُقْضَى عليه بأنه منسوخٌ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واتَّقوا الله أيُّها الناسُ، واسْمَعُوا وَعْظَه إياكم، وتذكيرَه لكم، واحْذَروا يومَ يَجْمَعُ اللهُ الرسلَ. ثم حذَف "واحْذَروا"، واكْتَفى بقولِه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا﴾ مِن (١) إظهارِه، كما قال الراجزُ (٢): علَفْتُها تِبْنًا وماءً باردًا … حتى شَتَتْ (٣) هَمَّالَةً عَيْناها يُريدُ: وسقَيْتُها ماءً باردًا. فاسْتُغْنِى بقولِه: علَفْتُها تِبْنًا. مِن إظهارِ "سقَيْتُها"، إذ كان السامعُ إذا سمِعه عرَف معناه، فكذلك في قولِه: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾. حذَف "واحْذَرُوا"؛ لعلمِ السامعِ معناه، اكْتِفاءً بقولِه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا﴾. إذ كان ذلك تَحْذيرًا مِن أمرِ اللهِ تعالى ذكرُه خلقَه عقابَه على مَعاصِيه. وأما قولُه: ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾. فإنه يعنى به: ما الذي أجابَتْكم به أممُكم حينَ

стр. 6143

دعوتُموهم إلى توْحيدي، والإقرارِ بي، والعملِ بطاعتى، والانتهاءِ عن معصيتي؟ ﴿قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا﴾. فاخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم - يعنى (١) قولَهم: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ -: لم يَكُنْ ذلك مِن الرسلِ إنكارًا أن يَكونوا كانوا عالمين بما عمِلَت أممُهم، ولكنهم ذهِلوا عن الجوابِ مِن هَوْلِ ذلك اليومِ، ثم أجابوا بعدَ أن ثابَت إليهم عقولُهم بالشَّهادةِ على أممِهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا﴾: فذلك (٢) أنهم لما نزَلوا منزلًا ذهِلَت فيه العقولُ، فلما سُئِلوا قالوا: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾. ثم نزَلوا منزلًا آخَر، فشهِدوا على قومِهم (٣). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عَنْبَسةَ، قال: [سمِعتُ شَيْخًا يقولُ] (٤): سمِعْتُ الحسنُ يقول في قولِه: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ الآية. قال: من هولِ ذلك اليوم (٥). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرنا الثوريُّ، عن

стр. 6144

الأعمشِ، عن مُجاهِدٍ في قولِه: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾: فيَفْزَعون، فيقولُ: ماذا أُجِبْتُم؟ فيقولون: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ (١). وقال آخرون: معنى ذلك: لا علمَ لنا إلا ما علَّمْتَنا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾. فيقولون: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ [إلا [ما علَّمْتنَا] (٢)، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾] (٣) (٤). وقال آخرون: معنى ذلك: قالوا: لا علمَ لنا، إلا علمٌ أنت أعلَمُ به منا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا﴾: إلا علمٌ أنت أعلمُ به منا (٥). وقال آخرون: معنى ذلك: ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾: ماذا عمِلوا بعدَكم؟ وماذا أحْدَثوا؟

стр. 6145

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ قولَه: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾: ماذا عمِلوا بعدَكم؟ وماذا أحْدَثوا بعدَكم ﴿قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ (١). وأولى الأقوالِ بالصوابِ قولُ مِن قال: معناه: لا علمَ لنا إلا علمٌ أنت أعلمُ به منا؛ لأنه تعالى ذكرُه أخْبَر عنهم أنهم قالوا: و ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾. أي: إنك لا يَخْفَى عليك ما عندَنا مِن علِم ذلك ولا غيره، مِن خَفَيِّ العلومِ وجليِّها (٢)، فإنما نفى القومُ أن يكونَ لهم بما سُئلوا عنه مِن ذلك علمٌ لا يَعْلَمُهُ هو تعالَى ذكرُه، لا أنهم نَفَوْا أن يكونوا عَلِموا ما شاهَدوا، كيف يجوزُ أن يكونَ ذلك كذلك وهو تعالى ذكرُه يُخْبِرُ عنهم أنهم يُخْبِرون بما أجابتَهم به الأممُ، وأنهم يَستشهدون (٣) على تبليغِهم الرسالةَ شُهداء، فقال تعالى ذكرُه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. وأما الذي قاله ابن جُريجٍ مِن أن معناه: ماذا عمِلت الأممُ بعدَكم؟ وماذا أحْدَثوا؟ فتأويلٌ لا معنَى له؛ لأن الأنبياءَ لم يَكُنْ عندَها مِن العلمِ بما يَحْدُثُ بعدَها إلا ما أَعْلَمَها اللهُ مِن ذلك، وإذا سُئِلَت عما عمِلَت الأممُ بعدها، والأمرُ كذلك، فإنما يُقالُ لها: ماذا عرَّفْناك أنه كائنٌ منهم بعدَك؟ وظاهرُ خبرِ اللَّهِ تعالى ذكرُه عن مسألتِه إياهم، يَدُلُّ على غيرَ ذلك. القول في تأويل قوله: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى

стр. 6146

وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لعبادِه: احْذَروا يومَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرسل فيِقولُ لهم: ماذا أجابَتكم أممُكم في الدنيا ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾. فـ ﴿إِذْ﴾ مِن صلةِ ﴿أُجِبْتُمْ﴾. كأن معناها: ماذا أجابَت عيسى الأممُ التي أُرسل إليها عيسى. فإن قال قائلٌ: وكيف سُئِلَت الرسلُ عن إجابةِ الأممِ إياها في عهدِ عيسى، ولم يَكُنْ في عهدِ عيسى مِن الرسلِ إلا أقلُّ (١) ذلك؟ قيل: جائزٌ أن يكونَ اللَّهُ تعالى ذكرُه عنى بقولِه: ﴿فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾. الرسلَ الذين كانوا أُرْسِلوا في عهد عيسى، فخرَج الخبرُ مخرجَ الجميعِ، والمرادُ منهم مَن كان في عهدِ عيسى، كما قال تعالى ذكرُه: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]. والمرادُ واحدٌ مِن الناسِ، وإن كان مخرجُ الكلامِ على جميعِ الناسِ. ومعنى (٢): ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ﴾: حين قال الله (٣)، ﴿يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾. يقولُ: يا عيسى، اذْكُرْ أياديَّ عندَك وعندَ والدتِك، إذ قوَّيْتُك برُوحِ القُدُسِ وأَعَنْتُك به. وقد اخْتَلَف أهلُ العربيةِ في ﴿أَيَّدْتُكَ﴾؛ ما هو مِن الفعلِ؟ فقال بعضُهم: هو فعَّلْتُك، كما (٤) قولُك: قوَّيْتُك. فعَّلْتُ مِن القوَّةِ.

стр. 6147

وقال آخرون (١): هو "فاعَلْتُك" مِن الأَيْدِ. وروى عن مجاهدٍ أنه قرَأ: (إذ آيَدْتُك). (٢) بمعنى: "أَفْعَلْتُك"، مِن القوةِ والأَيْدِ (٢). وقولُه: ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾. يعنى بجبريلَ. يقولُ: إذ أعَنْتُك بجبريلَ. وقد بيَّنْتُ معنى ذلك، وما معنى "القُدُسِ" فيما مضَى بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١١٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مُخْبِرًا عن قِيلِه لعيسى: اذكُرْ نعمتى عليك وعلى والدتِك إذ أيَّدتك برُوحِ القُدُس في حالِ تكليمِك الناسَ في المهدِ وكهلًا. وإنما هذا خبرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه أنه أيَّدَه برُوحِ القُدُسِ صغيرًا في المهدِ، وكهلًا كبيرًا، فردَّ "الكَهْلَ" (٤) على قولِه: ﴿فِي الْمَهْدِ﴾؛ لأن معنى ذلك: صغيرًا. كما قال اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾ [يونس: ١٢].

стр. 6148

وقولُه: ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾. يقولُ: واذْكُرْ أيضًا نعمتى عليك إذ علَّمتُك ﴿الْكِتَابَ﴾. وهو الخطُّ، ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾. وهى الفهمُ بمعانى الكتابِ الذي أنْزَلْتُه إليك، وهو الإنجيلُ، ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾. يقولُ: كصورةِ الطيرِ بإذنى. يعني بقوله: ﴿تَخْلُقُ﴾: تَعْمَلُ وتُصْلِحُ مِن الطينِ كهيئة الطير ﴿بِإِذْنِي﴾. يقولُ: بعونى على ذلك، وعلمٍ منى، ﴿فَتَنْفُخُ فِيهَا﴾. يقولُ: فتنفُخُ في الهيئةِ، فتكونُ الهيئةُ والصورةُ طيرًا بإذنى، ﴿وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾. يقولُ: وتَشْفِي الأَكمَهَ. وهو الأعمى الذي لا يُبْصِرُ شيئًا، المطموسُ البصرِ، ﴿وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي﴾. وقد بيَّنْتُ معانىَ هذه الحروفِ فيما مضَى مِن كتابنا هذا مُفَسَّرًا بشواهدِه، بما أغْنَى عن إعادته في هذا الموضعِ (١). وقولُه: ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾. يقولُ: واذْكُرْ أيضًا نِعْمتى علِيك بكفِّى عنك بني إسرائيلَ إذ كفَفْتُهم عنك وقد همُّوا بقتلك، ﴿إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾. يقولُ: إذ جئتَهم بالأدلةِ والأعلامِ المُعْجِزة على نبوتِك، وحقيقةِ (٢) ما أرْسَلْتُك به إليهم، ﴿فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فقال الذين جحَدوا نبوتَك، وكذَّبوك مِن بني إسرائيلَ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. واخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأته قرأةُ أهلِ المدينةِ وبعضُ أهلِ البصرةِ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. يعنى: يُبينُ عما أتَى به لمن رآه ونظَر إليه أنه سحرٌ لا حقيقةَ له (٣).

стр. 6149

وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ: (إن هذا إلا ساحرٌ مُبِينٌ) بمعنى: ما هذا - يعنى به عيسى - إلا ساحرٌ مبينٌ (١). يقولُ: يُبينُ - بأفعالِه، وما يَأْتى به مِن هذه الأمورِ العَجيبةِ - عن نفسِه، أنه ساحرٌ لا نبيٌّ صادقٌ. والصوابُ مِن القولِ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، مُتَّفقتان غيرُ مختلفتين، وذلك أن كلَّ مَن كان موصوفًا بفعلِ السحرِ، فهو موصوفٌ بأنه ساحرٌ، ومن كان موصوفًا بأنه ساحرٌ، فإنه موصوفٌ بفعل السِّحرِ، فالفعل دالٌّ على فاعلِه، والصفةُ تَدُلُّ على موصوفِها، والموصوفُ يَدُلُّ على صفتِه، والفاعلُ يَدُلُّ على فعلِه، فبأيِّ ذلك قرَأ القارئُ فمصيبٌ الصوابَ في قراءتِه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (١١١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واذْكُرُ أيضًا يا عيسى إذ ألْقَيْتُ ﴿إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾. وهم وُزراءُ عيسى على دينِه. وقد بينَّا معنى ذلك، ولم قيل لهم: الحواريون. فيما مضَى بما أغْنَى عن إعادتِه (٢). وقد اخْتَلَفت ألفاظُ أهلِ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ﴾. وإن كانت متفقةَ المعانى؛ فقال بعضُهم بما حدَّثني به محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بن مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾. يقولُ: قذَفْتُ في قلوبِهم (٣).

стр. 6150

وقال آخرون: معنى ذلك: أَلْهَمْتُهم. فتأويلُ الكلامِ إذن: وإذ الْقَيْتُ إلى الحواريين أن صَدِّقوا بي وبرسولى عيسى، فقالوا: ﴿آمَنَّا﴾. أي: صدَّقْنا بما أَمَرْتَنَا أن نُؤْمِنَ (١) يا ربَّنا، ﴿وَاشْهَدْ﴾ علينا، ﴿بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾. يقولُ: واشْهَدْ علينا بأننا خاضِعون لك بالذِّلَّةِ، سامِعون مُطِيعون لأمرِك. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واذْكُرْ يا عيسى أيضًا نعمتى عليك إذ أَوْحَيْتُ إلى الحواريِّين أن آِمنوا بي وبرسولى، إذ قالوا لعيسى ابن مريمَ: هل يَسْتَطِيعُ ربُّك أن يُنَزِّلَ علينا مائدةً مِن السماءِ. فـ ﴿إِذْ﴾ الثانيةُ مِن صلة ﴿أَوْحَيْتُ﴾. واخْتَلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾؛ فقرَأ ذلك جماعةٌ مِن الصحابةِ والتابعين: (هل تَسْتَطِيعُ) بالتاءِ (ربَّك) (٢) بالنصبِ، بمعنى: هل تَسْتَطيعُ أن تَسْأَلَ ربَّك؟ وهل تَسْتَطِيعُ أن تَدْعُوَ رَبَّك؟ أو هل تَسْتَطِيعُ وتَرَى أَن تَدْعُوَه؟ وقالوا: لم يَكُنِ الحواريون شاكِّين أن الله تعالى ذكرُه قادرٌ أن يُنَزِّلَ عليهم ذلك، وإنما قالوا لعيسى: هل تَسْتَطِيعُ أنت ذلك؟ حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ، [عن نافعِ بن عمرَ] (٣)، عن ابن أبي

стр. 6151

مُلَيْكةَ قال: قالت عائشةُ: كان الحواريُّون لا يَشُكُّون أن الله قادرٌ أن يُنَزِّلَ عليهم مائدةً، ولكن قالوا: يا عيسى هل تَسْتَطِيعُ ربَّك؟ (١) حدَّثني أحمد بن يوسفَ التَّغْلبيُّ (٢)، قال: ثنا القاسمُ بنُ سَلَّامٍ، قال: ثنا ابن مَهْديٍّ، عن جابرِ بن يزيدَ بن رفاعةَ، عن حسانَ (٣) بن مُخارِقٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ أنه قرَأَها كذلك: (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ). وقال: تَسْتَطِيعُ أَن تَسْأَلَ رَبَّكَ؟ وقال: أَلا تَرَى أنهم مؤمنون (٤)؟ وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والعراقِ: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ﴾ بالياءِ ﴿رَبُّكَ﴾ (٥) بمعنى: أن يُنَزِّلَ علينا ربُّك. كما يقولُ الرجلُ لصاحبِه: أَتَسْتَطِيعُ أن تَنْهَضَ معنا في كذا؟ وهو يَعْلَمُ أنه يَسْتَطِيعُ، ولكنه إنما يُرِيدُ: أَتَنْهَضُ معنا فيه؟ وقد يَجوزُ أن يَكونَ مرادُ قارئِه كذلك: هل يَسْتَجِيبُ لك ربُّك، ويُطِيعُك أن يُنَزِّلَ علينا؟ وأولى القراءتين عندى بالصوابِ قراءةُ مِن قرَأ ذلك ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ﴾ بالياءِ (٦)، ﴿رَبُّكَ﴾ برفعِ "الربِّ"، بمعنى: هل يَسْتَجِيبُ لك إن سأَلْتَه ذلك، ويُطِيعُك فيه؟ وإنما قلنا: ذلك أولى القراءتين بالصوابِ؛ لما بينَّا قبلُ مِن أن قولَه: ﴿إِذْ قَالَ

стр. 6152

الْحَوَارِيُّونَ﴾ مِن صلةِ ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ﴾، وأن معنى الكلامِ: وإذ أوْحَيْتُ إلى الحواريِّين أن آمنوا بي وبرسولى، إذ قَالَ الحَوَاريُّونَ يا عيسى ابنَ مريمَ هَل يَستَطِيع رَبُّكَ. فبَيِّنٌ إذ كان ذلك كذلك، أن الله تعالى ذكرُه قد كرِه منهم ما قالوا مِن ذلك واسْتَعْظَمه، وأمَرَهم بالتوبةِ ومُراجعةِ الإيمانِ مِن قِيلهم ذلك، والإقرارِ للَّهِ بالقدرةِ على كلِّ شيءٍ، وتصديقِ رسولِه فيما أخْبَرَهم عن ربِّهم مِن الأخبارِ، وقد قال عيسى لهم عند قيلِهم ذلك له - استعظامًا منه لما قالوا -: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. ففى استتابةِ اللهِ إياهم، ودعائِه لهم إلى الإيمان به، وبرسولِه ﷺ عندَ قيلِهم ما قالوا مِن ذلك، واسْتِعظامِ نبيِّ اللهِ ﷺ كلمتهم - الدلالةُ الكافيةُ مِن غيرِها، على صحةِ القراءةِ في ذلك بالياءِ، ورفع "الربِّ"، إذ كان لا معنى في قولِهم لعيسى - لو كانوا قالوا له: هل تَسْتَطِيعُ أَن تَسْأَلَ ربَّك أن يُنَزِّلَ علينا مائدةً مِن السماءِ؟ - أن يُسْتَكْبَرَ هذا الاستكبارَ. فإن ظنَّ ظانٌّ أن قولَهم ذلك له إنما استُعْظِم (١) منهم لأن ذلك منهم كان مسألةَ آيةٍ - فإن الآية إنما يَسْأَلُها الأنبياءَ مِن كان بها مُكَذِّبًا؛ ليَتَقَرَّرَ عنده حقيقةُ ثبوتِها وصحةُ أمرِها (٢)، كما كانت مسألةُ قريشٍ نبيَّنا محمدًا ﷺ أن يُحَوِّلَ لهم الصَّفا ذهبًا، ويُفَجِّرَ فِجاجَ مكة أنهارًا، مَن سأله، مِن مشركي قومِه، وكما كانت مسألةُ صالحٍ الناقةَ مِن مُكَذِّبي قومِه، ومسألةُ شعيبٍ أن يُسْقِطَ كِسَفًا مِن السماءِ مِن كفارِ مَنْ أُرْسِل إليه (٣). [فإن كان الذين] (٤) سأَلوا عيسى أن يَسْأَلَ ربَّه أن يُنَزِّلَ عليهم مائدةً مِن

стр. 6153

السماءِ، على هذا الوجهِ كانت مسألتُهم، فقد أحَلَّهم الذين قرَءوا ذلك بالتاءِ ونصبِ "الربِّ"، مَحَلًّا أعظمَ مِن المَحَلِّ الذي ظنُّوا أنهم [يَحيدون بهم] (١) عنه. أو يكونوا سأَلوا ذلك عيسى، وهم مُوقِنون بأنه للهِ نبيٌّ مبعوثٌ، ورسولٌ مُرْسَلٌ، وأن الله تعالى على ما سأَلوا مِن ذلك قادرٌ. فإن كانوا سأَلوا ذلك وهم كذلك، وإنما كانت مسألتُهم إياه ذلك على نحوِ ما يَسْأَلُ أحدهم نبيَّه إن (٢) كان فقيرًا، أن يَسْأَلَ له ربَّه أَن يُغْنِيَه، وإن عرَضَت به حاجةٌ أن يَسْأَلَ له ربَّه أن يَقْضِيَها، فإنْ (٣) ذلك مِن مسألِة الآيةِ في شيءٍ، بل ذلك سؤالُ ذى حاجةٍ عرَضَت له إلى ربِّه، فسأَل نبيِّه مسألةَ ربِّه أن يَقْضِيَها له. وخبرُ اللهِ تعالى عن القوم يُنْبِيءُ بخلافِ ذلك، وذلك أنهم قالوا لعيسى - إذ قال لهم: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ -: ﴿نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ [المائدة: ١١٤] فقد أنبأ هذا من (٤) قيلِهم، أنهم لم يكونوا يَعْلَمون أن عيسى قد صدَقَهم، ولا اطْمَأَنَّت قلوبهم إلى حقيقةِ نبوتِه، فلا بيانَ أبينُ مِن هذا الكلامِ في أن القومَ كانوا قد خالَط قلوبَهم مرضٌ وشكٌّ في دينِهم وتصديقِ رسولِهم، وأنهم سأَلوا ما سأَلوا مِن ذلك اختبارًا (٥). وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 6154

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ليثٍ، عن عُقَيلٍ، عن ابن عباسٍ أنه كان يُحَدِّثُ عن عيسى ﷺ أنه قال لبني إسرائيلَ: هل لكم أن تَصوموا للَّهِ ثلاثين يومًا، ثم تَسْأَلُوه، فيُعْطِيَكم ما سأَلْتُم، فإن أجرَ العاملِ على مَن عمِل له؟ ففعَلوا، ثم قالوا: يا مُعلِّمَ الخيرِ قلتَ لنا: إن أجرَ العاملِ على مَن عَمِل له، وأمَرْتَنا أن نصومَ ثلاثين يومًا ففعَلْنا، ولم نَكُنْ نَعْمَلُ (١) لأحدٍ ثلاثين يومًا إلا أطْعَمَنا حينَ نَفْرُغُ طعامًا، فـ ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ قال عيسى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. قالوا ﴿نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ إلى قولِه: ﴿لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾. قال: فأَقْبَلَت الملائكةُ تَطِيرُ بمائدة مِن السماءِ، عليها سبعةُ أحْواتٍ، وسبعةُ أرْغفةٍ، حتى وضَعَتْها بين أيديهم، فأكَل منها آخرُ الناسِ كما أكل منها أولُهم (٢). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾. قالوا: هل يُطِيعُك ربُّك إن سأَلْتَه؟ فأنْزَل اللهُ عليهم مائدةً مِن السماءِ، فيها جميعُ الطعامِ إلا اللحمَ، فأكَلوا منها (٣).

стр. 6155

وأما "المائدةُ"، فإنها الفاعلةُ، مِن: ماد فلانٌ القومَ يَميدُهم مَيْدًا. إذا أطْعَمَهم ومارَهم، ومنه قولُ رُؤْبة (١): نُهْدِى رُءُوسَ المُترفين الأَنْدادُ … إلى أميرِ المؤمنين المُمْتَادُ يعنى بقولِه: المُمْتادُ: المُسْتَعْطَى، فـ "المائدة" المُطْعِمةُ. سُمِّيَت الخِوانُ بذلك لأنها تُطْعِمُ الآكلَ مما عليها. والمائدُ المُدَارُ به في البحرِ، يقالُ: مادَ يَميدُ مَيْدًا. وأما قوله: ﴿قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. فإنه يعنى: قال عيسى للحواريين القائلين له: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾: راقِبوا الله أَيُّها القومُ، وخافوه أن يَنْزِلَ بكم مِن اللهِ عقوبةٌ على قولكم هذا، فإن الله لا يُعجزه شيء أراده، وفى شكِّكم في قدرة الله على إنزالِ مائدةٍ مِن السماءِ كفرٌ به، فاتَّقُوا اللَّهَ أَن يُنْزِلَ بكم نقمته، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: إِن كنتم مُصَدِّقيَّ على ما أَتَوَعَّدُكم به مِن عقوبةِ اللهِ إياكم على قولِكم: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣)﴾. يعنى تعالى ذكرُه بذلك: قال الحواريُّون مُجِيبى عيسى على قولِه لهم: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ في قولِكم لى (٢): ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ -: إنا إنما قلنا ذلك، وسأَلْناك أن تَسْأَلَ لنا ربَّك لنَأْكُل مِن المائدةِ، فنَعْلَمَ يقينًا قدرتَه على كلِّ شيءٍ، ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾.

стр. 6156

يقولُ: وتَسْكُنَ قلوبُنا وتَسْتَقِرَّه على وحدانيتِه وقدرتِه على كلِّ ما شاء وأراد، ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾: ونَعْلَمَ أنك لم تَكْذِبْنا في خبرِك أنك للَّهِ رسولٌ مُرسَلٌ ونبيٌّ مبعوثٌ، ﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا﴾. يقولُ: ونَكونَ على المائدةِ ﴿مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾. يقولُ: ممن يَشْهَدُ أن اللَّهَ أَنْزَلها حجةً لنفسِه علينا، في توحيدِه وقدرتِه على ما شاء، ولك على صدقك في نبوتِك. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤)﴾. وهذا خبرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عن نبيِّه عيسى ﷺ أنه أجاب القومَ إلى ما سأَلوه مِن مسألِة ربه مائدةً تَنْزِلُ عليهم مِن السماءِ. ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: نَتَّخِذُ اليوم الذي نزَلَت فيه عيدًا نُعَظْمُه نحن ومَن بعدَنا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدِّيِّ قولَه: ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾. يقولُ: نَتَّخِذُ اليومَ الذي نزَلَت فيه عيدًا نُعَظْمُه نحن ومَن بعدَنا (١). حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾. قال: أرادوا أن تَكونَ لعَقبهم مِن بعدهم (٢).

стр. 6157

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ قولَه: ﴿أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا﴾. قال: الذين هم أحياءٌ منهم يومَئذٍ، ﴿وَآخِرِنَا﴾: مَن بعدَهم منهم (١). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: قال سفيانُ: ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا﴾. قالوا: نُصَلِّي فيه. قال (٢): نزَلَت مرتين (٣). وقال آخرون: معناه: نَأْكُلُ منها (٤) جميعًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ليثٍ، عن عُقيلٍ. عن ابن عباسٍ أنه قال: أكل منها - يعنى مِن المائدة حينَ وُضِعَت بين أيديهم - آخرُ الناسِ كما أكَل منها أولُهم (٥). وقال آخرون: معنى قولِه: ﴿عِيدًا﴾. عائدةً مِن اللهِ تعالى علينا وحُجَّةً وبرهانًا. وأولى الأقوالِ بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: تَكونُ لنا عيدًا نَعْبُدُ ربَّنا في اليومِ الذي تَنْزِلُ فيه، ونُصَلِّي له فيه، كما يَعبُدُ (٦) الناسُ في أعيادِهم؛ لأن المعروفَ مِن كلامِ الناسِ المستعمل بينَهم في العيدِ ما ذكَرْنَا، دونَ القولِ الذي قاله مَن قال معناه: عائدةٌ مِن اللهِ علينا. وتوجيهُ معاني كلامِ اللهِ إلى المعروفِ مِن كلامِ مَن خُوطب به،

стр. 6158

أولى مِن توجيهه إلى المجهولِ منه، ما وُجد إليه السبيلُ. وأما قولُه: ﴿لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾. فإن الأَوْلَى مِن تأويلِه بالصوابِ قولُ مَن قال: تأويلُه: للأحياءِ منا اليوم، ومَن يَجِيءُ بعدَنا منا. للعلةِ التي ذكَرْناها في قولِه: ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا﴾. لأن ذلك هو الأغلبُ مِن معناه. وأما قولُه: ﴿وَآيَةً مِنْكَ﴾. فإن معناه: وعلامةً وحُجَّةً منك يا ربِّ على عبادِك في وحدانيتِك، وفى صدقى على أنى رسولٌ إليهم بما أَرْسَلْتَنى به. ﴿وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾: وأعْطِنا مِن عطائك، فإنك يا ربِّ خيرُ مَن يُعْطِي، وأجودُ مَن تفَضَّل؛ لأنه لا يَدْخُلُ عطاءه مِنٌّ ولا نَكَدٌ. وقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في المائدةِ، هل أُنْزِلَت عليهم أم لا؟ وما كانت؟ فقال بعضُهم: نزَلَت وكانت حوتًا وطعامًا، فأكَل القومُ منها، ولكنها رُفِعَت بعدَما نزَلَت بأحداثٍ منهم أحْدَثوها فيما بينَهم وبينَ اللهِ تعالى. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ، قال: نزَلَت المائدةُ خبرًا وسمكًا (١). حدَّثني الحسينُ بنُ عليٍّ الصُّدَائيُّ، قال: ثنا أبى، عن الفُضَيْل، عن عطيةَ، قال: المائدةُ سمكةٌ، فيها طعمُ كلِّ طعامٍ (٢). حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا عُبيدُ اللَّهِ، عن فُضَيْلِ [بن مرزوقٍ] (٣) عن عطيةَ، قال:

стр. 6159

المائدةُ سمكٌ فيه مِن طعمِ كلِّ طعامٍ. حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عبدِ الرحمنِ، قال: نزَلَت المائدة خبزًا وسمكًا. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: نزَلَت على عيسى ابن مريمَ والحواريِّين خِوانٌ، عليه خبزٌ وسمكٌ يَأْكُلون منه أينَما نزَلُوا إذا شاءوا (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنا المنذرُ بنُ النعمانِ، أنه سمِع وهَبَ بنَ مُنَبِّهٍ يقولُ في قولِه: ﴿أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا﴾. قال: نزَل عليهم قُرْصةٌ مِن شعيرٍ وأحْواتٌ. قال الحسنُ: قال أبو بكرٍ (٢): فحدَّثْتُ به عبدَ الصمدِ بنَ مَعْقِلٍ، فقال: سمِعْتُ وهبًا وقيل له: وما كان ذلك يُغْنِى عنهم؟ فقال: لا شيءَ، ولكنَّ الله حَشَا (٣) بينَ أضعافِهن البركةَ، فكان قومٌ يَأْكُلُون ثم يَخْرُجون، ويَجِيءُ آخرون، فيَأْكُلُون ثم يَخْرُجون، حتى أكَلوا جميعُهم وأفضلُوا (٤). حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، عن إسرائيلَ، عن أبي يحيى (٥)، عن مجاهدٍ، قال: هو الطعامُ يَنْزِل عليهم حيث نزَلوا (٦). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي

стр. 6160

نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾. قال: مائدةٌ عليها طعامٌ، [أتُوا بها] (١) حين عُرِض عليهم العذابُ إن (٢) كَفَروا [ألوانٌ مِن طعامٍ] (٣) يَنْزِلُ عليهم (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن إسحاقَ بن عبدِ الله، أن المائدة نزَلَت على عيسى ابن مريمَ، عليها سبعةُ أرغفةٍ، وسبعةُ أحْواتٍ، يَأْكُلون منها ما شاءوا، قال: فسرَق بعضُهم منها، وقال: لعلها لا تَنْزِلُ غدًا. فرُفِعت (٥). حدَّثنا (٦) المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن سِماكِ بن حربٍ، عن رجلٍ مِن بني عِجْلٍ قال: صلَّيْتُ إلى جنبِ عمارِ بن ياسرٍ، فلما فرَغ قال: هل تَدْرِى كيف كان شأنُ مائدة بنى إسرائيلَ؟ قال: فقلتُ: لا. قال: إنهم سأَلوا عيسى ابنَ مريَم مائدةً يكونُ عليها طعامٌ يَأْكُلون منه لا يَنْفَدُ، قال: فقيل لهم: فإنها مُقيمةٌ لكم ما لم تُخَبِّئوا أو تَخُونوا أو تَرْفَعوا، فإن فعَلْتُم فإني أُعَذِّبُكم عذابًا لا أُعَذِّبُه أَحَدًا مِن العالَمين. قال: فما تمَّ يومُهم حتى خبَّئوا ورفَعوا وخانوا، فعُذِّبوا عذابًا لم يُعَذِّبه أحدًا مِن العالَمين، وإنكم معشَر العربِ كنتم تَتْبَعون أذنابَ الإبلِ والشاءِ، فبعَث اللهُ فيكم رسولًا مِن أنفسِكم، تَعْرِفون حسَبَه ونسبَه، وأَخْبَرَكم على لسانَ نبيِّكم أنكم ستَظْهَرون على العرب (٧)، ونهاكم أن تَكْنِزوا الذهبَ والفضةَ، وايْمُ اللهِ، لا يَذْهَبُ الليلُ والنهارُ حتى تَكْنِزوهما ويُعَذِّبَكم عذابًا أليمًا (٨).

стр. 6161

حدَّثنا الحسنُ بنُ قَزَعَةَ البصريُّ، قال: ثنا سفيانُ بن حَبيبٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن خِلاسِ (١) بن عمرٍو، عن عمارِ بن ياسرٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "نزَلَت المائدة خبزًا ولحمًا، وأُمِروا ألا يَخونوا، ولا يَدَّخِروا، ولا يَرْفَعوا لغدٍ، فخانوا وادَّخَروا ورفَعوا، فمُسِخوا قردةً وخَنازير" (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن بَزِيعٍ، قال: ثنا يوسفُ بنُ خالدٍ، قال: ثنا نافعُ بنُ مالكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في المائدةِ، قال: كان طعامًا يَنْزِلُ عليهم مِن السماءِ حيثما نزلوا (٣). وقال آخرون: كانت المائدةُ عليها (٤) مِن ثمارِ الجنةِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن خِلَاسِ (١) بن عمرٍو، عن عمارٍ، قال: نزَلَت المائدةُ وعليها ثمرٌ مِن ثمرِ الجنةِ، فأُمِروا ألا يُخَبِّئوا، ولا يَخونوا، ولا يَدَّخِروا. قال: فخان القومُ، وخبَّئوا، وادَّخروا، فحوَّلهم الله قردةً وخَنازيرَ (٥).

стр. 6162

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أنها كانت مائدةً يَنْزِلُ عليها الثمرُ مِن ثمارِ الجنةِ، وأُمروا ألا يُحبوا، ولا يخونوا، ولا يَدَّخِروا لغدٍ؛ بلاءً أبلاهم اللهُ به، وكانوا إذا فعلوا شيئًا مِن ذلك أنْبَأهم به عيسى، فخان القومُ فيه فخبَّئوا وادَّخَروا لغدٍ (١). وقال آخرون: كان عليها مِن كلِّ طعامٍ إلا اللحمَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن مَيْسَرةَ، قال: كانت إذا وُضِعَت المائدةُ لبنى إسرائيلَ، اخْتَلَفَت عليها الأيدى بكلِّ طعامٍ. حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن شَريكٍ، عن عطاءٍ، عن مَيْسَرةَ وزاذانَ، قالا: كانت الأيدى تَخْتَلِفُ عليها بكلِّ طعامٍ (٢). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ الثوريُّ، عن عطاءٍ بن السائبِ، عن زاذانَ وميسرةَ في: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾. قالا: رأَوُا الأيدىَ تَخْتَلِفُ عليها بكلِّ شيءٍ إلا اللحمَ. وقال آخرون: لم يُنْزِلِ اللهُ على بني إسرائيلَ مائدةً. ثم اخْتَلَف قائلو هذه المقالِة؛ فقال بعضُهم: إنما هذا مَثَلٌ ضرَبه اللهُ تعالى لخلقِه نهاهم به عن مسألِة نبيِّ اللَّهِ الآيَاتِ.

стр. 6163

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن شَريكٍ، عن ليثٍ، عن مُجاهدٍ في قولِه: ﴿أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾. قال: مَثَلٌ ضُرِب، لم يَنْزِلْ عليهم شيءٌ (١). وقال آخرون: إن القومَ لما قيل لهم: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾. استعفَوْا منها فلم تَنْزِلْ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ بنُ مُعاذ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان الحسنُ يقولُ: لمَّا قيل لهم: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ﴾ إلى آخرِ الآية. قالوا: لا حاجة لنا فيها. فلم تَنْزِلْ (٢). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورِ بن زاذانَ، عن الحسنِ أنه قال في المائدةِ: لم تَنْزِلْ. حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ بنُ سلَّامٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ، قال: مائدةٌ عليها طعامٌ أبَوْها حينَ عُرِض عليهم العذابُ إن كفَروا، فأَبَوْا أَن تَنْزِلَ عليهم (٣).

стр. 6164

والصوابُ مِن القولِ عندَنا في ذلك أن يُقالَ: إن الله تعالى ذكرُه أَنْزَل المائدةَ على الذين سأَلوا عيسى. مسألتَه ذلك ربَّه. وإنما قلنا ذلك؛ للخبر الذي رَوَينا بذلك عن رسولِ اللهِ ﷺ وأصحابِه وأهلِ التأويلِ مِن بعدِهم، غيرَ مَنِ انْفَرَد بما ذكَرْنا عنه. وبعد، فإن الله تعالى ذكرُه لا يُخْلِفُ وعدَه، ولا يَقَعُ في خبره الخُلْفُ، وقد قال تعالى، مُخبرًا في كتابِه عن إجابةِ نبيِّه عيسى ﷺ حينَ سأَله ما سأَله مِن ذلك: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾. وغيرُ جائزٌ أن يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾. ثم لا يُنَزِّلُها؛ لأن ذلك منه تعالى خبرٌ، ولا يكون منه خلافُ ما يُخْبِرُ، ولو جاز أن يقولَ: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾. ثم لا يُنَزِّلُها عليهم، جاز أن يقولَ (١): فمن يكفرْ بعدُ مِنكم فإنِّى معِّذبُه عذابًا لا أعذِّبُه أحدًا مِن العالمين. ثم يَكْفُرُ منهم بعدَ ذلك فلا يُعَذِّبُه، فلا يَكُون لوعدِه ولا لوَعيدِه حقيقةٌ ولا صحةٌ، وغيرُ جائزٍ أن يُوصَفَ ربُّنا تعالى بذلك. وأما الصواب مِن القولِ فيما كان على المائدةِ، فأن يقالَ: كان عليها مأكولٌ، وجائزٌ أن يكون كان سمكًا وخبزًا، وجائزٌ أن يكونَ كان ثمرًا مِن ثمرِ الجنةِ، وغيرُ نافعِ العلمُ به، ولا ضارٌّ الجهلِ به، إذا أقرَّ تالى الآيةِ بظاهرِ ما احْتَمَلَه التنزيلُ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (١١٥)﴾. وهذا جوابٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه القومَ فيما سأَلوا نبيَّهم عيسى مسألةَ ربِّهم مِن إنزالِه مائدةً عليهم، فقال تعالى ذكرُه: إنى مُنَزِّلُها عليكم أيُّها الحواريَّون فمُطْعِمُكموها، ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ﴾. يقولُ: فَمَن يَجْحَدُ بعد إنزالها

стр. 6165

عليكم، وإطْعامِيكموها منكم رسالتي إليه، ويُنْكِرْ نبوةَ نبيِّى عيسى ﷺ ، ويُخالف طاعتى فيما أمَرْتُه ونهَيْتَه ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا﴾ مِن عَالَمى زمانِه. ففعَل القومُ، فجحَدوا وكفَروا بعدَ ما أُنْزلَت عليهم فيما ذُكِر لنا، فعُذِّبوا فيما بلَغَنا بأن مُسِخوا قردةً وخَنازير. كالذي حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ الآية: ذُكِر لنا أنهم حُوِّلوا خَنازير (١). حدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا عبدُ الوَهَّابِ ومحمدُ بنُ أبي عَدِيٍّ، ومحمدُ بنُ جعفرٍ، عن عوفٍ، عن أبي المغيرةِ القَوَّاسِ، عن عبدِ اللَّهِ بن عمرٍو، قال: إن أشدَّ الناسِ عذابًا ثلاثةٌ؛ المنافقون، ومَن كفر مِن أصحاب المائدة، وآل فرعونَ (٢). حدَّثنا الحسن بن عرفة، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، عن عوفٍ، قال: سمِعْتُ أبا المغيرةِ القَوَّاسَ يقولُ: قال عبدُ اللهِ بنُ عمرٍو: إن أشدَّ الناسِ عذابًا يومَ القيامةِ مَن كفر مِن أصحابِ المائدةِ، والمنافقون، وآل فرعونَ (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدِّيِّ قولَه: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ﴾: بعدَ ما جاءَته المائدةُ، ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾. يقولُ: أُعَذِّبُه بعذابٍ لا أُعَذِّبُه أحدًا مِن العالَمين غيرَ أهلِ المائدةِ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ
следующие страницы →