← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 6091–6130 · переход к 6096.

стр. 6091

عكرمةَ وعَبيدةَ وعِدَّةٍ غيرِهما. واخْتَلفوا في صفةِ الاثنين اللذين ذكَرهما اللهُ في هذه الآيةِ؛ ما هي؟ وما هما؟ فقال بعضُهم: هما شاهدان يشهَدان على وصيةِ المُوصِى. وقال آخرون: هما وَصِيَّان. وتأويلُ الذين زعَموا أنهما شاهدان قولَه: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾: ليشهَدْ شاهدان ذوا عدلٍ منكم على وصيَّتِكم. وتأويلُ الذين قالوا: هما وَصِيَّان لا شاهدان قولَه: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾: بمعنى الحضورِ والشهودِ لما يُوصيهما به المريضُ. من قولِك: شهِدتُ وصيةَ فلانٍ، بمعنى: حضَرتُه. وأَوْلَى التأويلين بقولِه: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. تأويلُ من تأوَّله بمعنى أنهما من أهلِ الملةِ، دونَ مَن تأوَّله أنهما من حيِّ المُوصِى. وإنما قلنا: ذلك أَوْلَى التأويلين بالآيةِ؛ لأن الله تعالى ذكرُه عمَّ المؤمنين بخطابِهم بذلك في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. فغيُر جائزٍ أن يُصْرَفَ مَا عَمَّه اللَّهُ تعالى ذكرُه إلى الخصوصِ إلا بحجةٍ يجبُ التسليمُ لها. وإذ كان ذلك كذلك، فالواجبُ أن يكونَ العائدُ من ذكِرهم (١) على العمومِ، كما كان ذكرُهم ابتداءً على العمومِ. وأَولَى المعنيين بقولِه: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾. [اليمينُ لا] (٢) الشهادةُ التي يقومُ بها مَن عندَه شهادةٌ لغيرِه، لمن هي عندَه، على مَن هي عليه عندَ الحُكّام؛ لأنا لا نعلَمُ للهِ

стр. 6092

تعالى حكمًا يجب فيه على الشاهدِ اليمينُ، فيكونَ جائزًا صرفُ الشهادةِ في هذا الموضعِ إلى الشهادةِ التي يقومُ بها بعضُ الناسِ عندَ الحكَّامِ والأئمةِ. وفي حكمِ الآيةِ في هذه، اليمينَ على ذوى العدلِ، وعلى من قام مقامَهم، باليمين (١) بقولِه: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ - أوضحُ الدليلِ على صحةِ ما قلنا في ذلك، من أن الشهادةَ فيه الأيمانُ، دونَ الشهادةِ التي يُقضَى [بها للمشهودِ] (٢) له على المشهودِ عليه، وفسادِ ما خالفه. فإن قال قائلٌ: فهل وجدتَ في حكمِ اللهِ تعالى ذكرُه يمينًا تجبُ على المدَّعِي، فتُوَجِّهَ قولَك في الشهادةِ في هذا الموضعِ إلى الصحةِ؟ فإن قلتَ: لا. تبيَّن فسادُ تأويلِك ذلك على ما تأوَّلتَ؛ لأنه يجبُ على هذا التأويلِ أن يكونَ المقسِمان في قولِه: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ [المائدة:١٠٧]. هما المُدَّعِيَيْن. وإن قلت: بلى. قيل لك: وفى أيِّ حكمِ اللهِ تعالى وجدتَ ذلك؟ قيل: وجَدنا ذلك في أكثرِ المعانى، وذلك في حكمِ الرجلِ يَدَّعِى قِبَلَ رجلٍ مالًا، فيقرُّ به المُدَّعَى عليه قِبَلَه ذلك، ويَدَّعى قضاءَه، فيكونُ القولُ قولَ ربِّ الدَّيْنِ، والرجلِ يعترِفُ (٣) في يدِ الرجلِ السلعةَ، فيزعُمُ المعترفُ في يدِه أنه اشتراها من المُدَّعِى، أو (٤) أن المُدَّعِيَ وهبَها له، وما أَشْبَه ذلك مما يكثُرُ

стр. 6093

إحصاؤُه. وعلى هذا الوجهِ أَوْجَب اللهُ تعالى في هذا الموضعِ اليمينَ على المُدَّعِيَيْن اللذين عَثَرا على [الخائنيِن فيما خانا] (١) فيه. واخْتَلف أهلُ العربيةِ في الرافعِ قولَه: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾. وقولَه: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: معنى قولِه: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾: شهادةُ اثنين ذَوَىْ عَدْلٍ. ثم أُلْقِيت "الشهادةُ"، وأُقِيم "الاثنانِ" ومقامَها، فارتفعا بما كانت "الشهادةُ" به مرتفعةً لو جُعِلت في الكلامِ. قال: وذلك - في حذفِ ما حُذِف منه، وإقامةِ ما أُقِيم مُقامَ المحذوفِ - نظيرُ قولِه: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]. وإنما يريدُ: واسألْ أهلَ القريةِ. وانْتَصَبت "القريةُ" بانتصابِ "الأهلِ"، وقامت مَقامَه. ثم عُطِف قولُه: ﴿أَوْ آخَرَانِ﴾ على "الاثنين". وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: رفعُ "الاثنين" بـ "الشهادةِ". أي: ليشهَدْكم اثنانِ من المسلمين أو آخَران من غيرِكم. وقال آخَرُ منهم: رُفِعت "الشهادةُ" بـ ﴿إِذَا حَضَرَ﴾. وقال: إنما رُفِعت بذلك لأنه قال: ﴿إِذَا حَضَرَ﴾. فجعَلها شهادةً محذوفةً مستأنفةً، ليست بالشهادةِ التي قد رُفِعت لكلِّ الخلقِ؛ لأنه قال تعالى ذكرُه: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾. وهذه شهادةٌ لا تقعُ إلا في هذه الحالِ، وليست مما يثبتُ. وأَوْلَى هذه الأقوالِ في ذلك عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: "الشهادةُ" مرفوعةٌ بقولِه: ﴿إِذَا حَضَرَ﴾؛ لأن قولَه: ﴿إِذَا حَضَرَ﴾. بمعنى: عندَ حضورِ أحدِكم الموتُ، و "الاثنان" مرفوعٌ بالمعنى المتوهَّمِ، وهو: أن يشْهَدَ اثنان. فاكْتُفِىَ من قيل: أن يشهَدَ. بما قد جرَى من ذكرِ "الشهادةِ" في قولِه: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾.

стр. 6094

وإنما قلنا: ذلك أَوْلى بالصوابِ؛ لأن "الشهادةَ" مصدرٌ في هذا الموضعِ، و "الاثنان" اسمٌ، والاسمُ لا يكونُ مصدرًا، غيرَ أن العربَ قد تضعُ الأسماءَ مواضعَ الأفعالِ (١)، فالأمرُ وإن كان كذلك، فصرفُ كلِّ ذلك إلى أصحِّ وجوهِه ما وجَدنا إليه سبيلًا، أَوْلى بنا من صرفِه إلى أضعفِها. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين: ليشهَدْ بينَكم إذا حضَر أحدَكم الموتُ عَدْلانِ من المسلمين، أو آخَران من غيرِ المسلمين. وقد اخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: أو آخَران من غيِر أهلِ ملتِكم. نحوَ الذي قلنا فيه. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعدةَ وبشرُ (٢) بنُ معاذٍ، قالا: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيَّب: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾: من أَهلِ الكتابِ (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ومحمدُ بنُ المثنى، قالا: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سمِعتُ قتادةَ يحدِّثُ عن سعيدِ بن المسيَّبِ: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾: من أهلِ الكتابِ (٤).

стр. 6095

حدَّثني أبو حفصٍ الجُبيريُّ عبيدُ اللهِ بنُ يوسفَ، قال: ثنا مُؤمَّلُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا شعبةُ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ مثلَه. حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا ابن أبى عَديٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن سعيدٍ مثلَه. حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا مغيرةُ، عن إبراهيمَ، وسليمانُ التَّيْميُّ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ، أنهما قالا في قولِه: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾. قالا: من غيرِ أهلِ ملتِكم (١). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا مغيرةُ، قال: ثنى مَن سمِع سعيدَ بنَ جبيرٍ يقولُ مثلَ ذلك (٢). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا التَّيْمِيُّ، عن أبي مِجْلَزٍ، قال: من غيرِ أهلِ ملَّتِكم (٣). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ مثلَه. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: إن كان قُرْبَه أحدٌ من المسلمين أَشْهَدهم، وإلَّا أَشْهَد رجلين من المشركين.

стр. 6096

حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبو (١) قُتيبةَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ وسعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾. قالا: من غيرِ أهلِ ملتِكم. حدَّثنا عمرٌو، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن سعيدٍ: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾. قال: من أهلِ الكتابِ. حدَّثنا عمرٌو، قال: ثنا محمدُ بنُ سَواءٍ (٢)، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ مثلَه. حدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن شعبةَ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ مثلَه. حدَّثنا عِمْرانُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سويدٍ، عن يحيى بن يَعْمَرَ في قولِه: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، من المسلمين، فإن لم تجدوا من المسلمين فمن غيرِ المسلمين (٣). حدَّثنا ابن (٤) المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، عن شُريحٍ في هذه الآيةِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾. قال: إذا كان الرجلُ بأرضِ غُربة، ولم يجدْ مسلمًا يَشْهَدُ (٥) على وصيَّتِه، فأَشْهَد يهوديًّا، أو نصرانيًّا، أو

стр. 6097

مجوسيًّا، فشهادتُهم جائزةٌ، فإن جاء رجلان مسلمان، فشهِدا بخلافِ شهادتِهما، أُجِيزتْ شهادةُ المسلمَين، وأُبْطِلت شهادةُ الآخرَين (١). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا الأعمشُ، عن إبراهيمَ، عن شُرَيحٍ، أنه كان لا يُجيُز شهادةَ [اليهوديِّ والنصرانيِّ] (٢) على مسلمٍ إلا في الوصيةِ، ولا يجيزُ شهادتَهما على الوصيةِ، إلَّا إذا كانوا في سفرٍ (٣). حدَّثنا عمرُو بن عليٍّ، قال: ثنا أبو معاويةَ ووكيعٌ، قالا: ثنا الأعمشُ، عن إبراهيمَ، عن شُريحٍ، قال: لا تجوزُ شهادةُ [اليهوديِّ والنصرانيِّ] (٢) إلا في سفرٍ، ولا تجوزُ في سفرٍ إلا في وصيَّةٍ (٤). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن شُريحٍ نحوَه. حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن الزُّبيرِ الأسديُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: كتَب هشامُ بنُ هُبيرةَ لَمَسْلَمَةَ عن شهادةِ المشركين على المسلمين، فكتَب: لا تجوزُ شهادةُ المشركين على المسلمين إلا في وصيةٍ، ولا يجوزُ في وصيةٍ إلا أن يكونَ الرجلُ مسافرًا. حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن أشعثَ (٥)، عن ابن سيرينَ، عن عَبيدةَ، قال: سألتُه عن قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾. قال: من

стр. 6098

غيرِ الملَّةِ (١). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن هشامٍ، عن ابن سيرينَ، عن عَبيدةَ بمثلِه. حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليةً، عن هشامٍ، عن ابن سيرينَ، قال: سألت عَبيدةَ عن ذلك، فقال: من غيِر أهلِ الملَّةِ (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن هشامٍ، عن ابن سيرينَ، عن عَبيدةَ، قال: من غيرِ أهلِ الصلاةِ (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن هشامٍ، عن ابن سيرينَ، عن عَبيدةَ، قال: من غيِر أهلِ دينِكم (٢). حدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا حسين، عن زائدة، عن هشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة، قال: من غير أهل الملةِ. حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا أبو حُرَّةَ، عن محمدِ بن سيرينَ، عن عَبيدةَ: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾. قال: من غيرِ أهلِ ملتِكم (٣). حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ عثمانَ، قال: ثنا هشامٌ، عن (٤) محمدٍ، قال: سألتُ سعيدَ بنَ جُبيرٍ عن قولِ اللَّهِ: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾. قال: من غيرِ أهلِ ملتِكم. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، عن حمادِ بن زيدٍ،

стр. 6099

عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (١). حدَّثنا عمرٌو، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: من غيرِ أهلِ ملتِكم (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾، من غيرِ أهلِ الإسلامِ (٢). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عيَّاشٍ، قال: قال أبو إسحاقَ: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾. قال: من اليهودِ والنصارى. قال: قال شُرَيحٌ: لا تجوزُ شهادةُ اليهوديِّ والنصرانيِّ إلَّا في وصيةٍ، ولا تجوزُ في وصيةٍ إلَّا في سفرٍ (٣). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا زكريا، عن الشعبيِّ، أن رجلًا من المسلمين حضَرتْه الوفاةُ بدَقُوقَا (٤) [هذه. قال: فحضَرتْه الوفاةُ] (٥)، ولم يجد أحدًا من المسلمين يُشْهِدُه على وصيتِه، فأَشْهَد رجلين من أهل الكتابِ، فقدِما الكوفةَ، فأَتَيا الأشعريَّ فَأَخْبَراه، وقدِما بتركتِه ووصيتِه، فقال الأشعريُّ: هذا أمرٌ لم يكنْ بعدَ الذي كان في عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ فأَخْلَفهما، وأَمْضَى شهادتَهما (٦). حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ، عن مغيرةَ الأزرقِ،

стр. 6100

عن الشعبيِّ، أن أبا موسى قضَى بها بدَقُوقَا (١). حدَّثنا عمرٌو، قال: ثنا عثمانُ بنُ الهيثم، قال: ثنا عوفٌ، عن محمدٍ أنه كان يقولُ في قولِه: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾: شاهدان من المسلمين، وغيرِ المسلمين (٢). حدَّثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾: مِن غيرِ أهلِ الإسلامِ. حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سعدٍ، قال: أخبرنا أبو حفصٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: مِن غيرِ أهلِ الإسلامِ. حدَّثني يونُسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني عبدُ اللَّهِ بنُ عيَّاشٍ (٣)، قال: قال زيدُ بنُ أسلمَ في هذه الآيةِ: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآية كلّها، قال: كان ذلك في رجلٍ تُوُفِّي، وليس عندَه أحدٌ مِن أهلِ الإسلامِ، وذلك في أولِ الإسلامِ، والأرضُ حربٌ، والناسُ كفارٌ، إلا أن رسولَ اللهِ ﷺ وأصحابَه بالمدينةِ، وكان الناسُ يَتوارثون بالوصيةِ، ثم نُسِخَت الوصيةُ وفُرِضَت الفرائضُ، وعمِل المسلمون بها (٤). وقال آخَرون: بل معنى ذلك: أو آخران مِن غيرِ حَيِّكم وعشيرتِكم ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عمرُو بن عليٍّ، قال: ثنا عثمانُ بنُ الهيثمِ بن الجَهْمِ، قال: ثنا عوفٌ،

стр. 6101

عن الحسنِ في قولِه: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾. قال: شاهِدان مِن قومِكم، ومِن غيرِ قومِكم (١). حدَّثنا عمرٌو، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا صالحُ بنُ أبى الأخضرِ، عن الزهريِّ، قال: مضَت السنةُ ألَّا تَجوزَ شهادةُ كافرٍ في حضرٍ ولا سفرٍ، إنما هي في المسلمين (٢). حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان الحسنُ يقولُ: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، أي: من عِشيرتِه، ﴿وْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾. من غيرِ عشيرتِه. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن ثابتِ بن يزيدَ (٣)، عن عاصمٍ، عن عكرمةَ: ﴿وْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾. قال: مِن غيرِ أهلِ حيِّكم (٤). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن مَهْدَيٍّ، عن ثابتِ بن يزيدَ (٣)، عن عاصمٍ، عن عكرمةَ: ﴿وْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾. قال: مِن غيرِ حيِّكم. حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا ثابتُ بنُ يزيدَ (٣)، عن عاصمٍ الأحولِ، عن عكرمةَ في قولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿وْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾. قال: مِن غيرِ أهلِ حيِّه. يعنى مِن المسلمين. حدَّثني الحارثُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا مباركٌ، عن الحسنِ: ﴿وْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾. قال: مِن غيرِ عَشيرتِك، ومِن غيرِ قومِك، كلُّهم مِن

стр. 6102

المسلمين. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن أيوبَ، عن ابن سيرينَ، عن عبيدةَ قولَه: ﴿وْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾. قال: مسلمين مِن غيِر حيِّكم (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى الليثُ، قال: ثني عُقَيْلٌ، قال: سألْتُ ابنَ شهابٍ عن قولِ اللهِ تعالى ذكُره: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ إلى قولِه: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. قلتُ: أرأيْتَ الاثنين اللذين ذكَر اللهُ مِن غيرِ أهلِ المرءِ الموصِى، أهما مِن المسلمين أم (٢) هما مِن أهلِ الكتابِ؟ وأرأيْتَ الآخَرَيْنِ اللذين يقومان مقامَهما، أتُراهما مِن أهلِ المرءِ الموصِى أم هما مِن غيرِ المسلمين؟ قال ابن شِهابٍ: لم نَسْمَعْ في هذه الآيةِ عن رسولِ اللهِ ﷺ ، ولا عن أئمةِ العامةِ سنةً أَذْكُرُها، وقد كنا نَتَذاكَرُها أناسًا مِن علمائِنا أحيانًا، فلا يَذْكُرون فيها سنةً معلومةً، ولا قضاءً مِن إمامٍ عادلٍ، ولكنه يَخْتَلِفُ فيها رأيُهم، وكان أعجبَهم فيها رأيًا إلينا، الذين كانوا يقولون: هي فيما بينَ أهلِ الميراثِ مِن المسلمين، يَشْهَدُ بعضُهم الميتَ الذي يَرِثونه، ويَغِيبُ عنه بعضُهم، ويَشْهَدُ مَن شهِده على ما أوْصَى به لذوِى القربَى، فيُخْبِرون مَن غاب عنه منهم بما حضَروا مِن وصيةٍ، فإن سلَّموا جازت وصيتُه، وإن ارْتابُوا أن يكونوا بدَّلُوا قولَ الميتِ، وآثَروا بالوصيةِ مَن أرادوا، ممَّن لم يُوصِ لهم الميتُ بشيءٍ، حلَف اللذان يَشْهَدان على ذلك بعدَ الصلاةِ، وهي صلاةُ المسلمين، فيقسِمان باللَّهِ: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾، فإذا أقْسَما على ذلك

стр. 6103

جازَت شهادتُهما وأيمانُهما، ما لم يُعْثَرْ على أنهما اسْتَحَقَّا إثمًا في شيءٍ من ذلك، [فإن عُثِر] (١) قام آخَران مَقامَهما مِن أهلِ الميراثِ، مِن الخَصْمِ الذين يُنكِرون ما شهِد به عليه الأَوَّلان المُسْتَحْلَفان أولَ مرةٍ، فيُقْسِمان باللَّهِ لَشَهادتُنا [أحقُّ من شهادتِكما] (٢) على تكذيبِكما، أو إبطالِ ما شهِدْتما به، ﴿وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾، ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ الآية (٣). وأولى التأويلين في ذلك عندَنا بالصوابِ تأويلُ مَن تأوَّله: أو آخران مِن غيرِ أَهلِ الإسلامِ، وذلك أن الله تعالى ذكرُه عرَّف عبادَه المؤمنين عندَ الوصيةِ شهادةَ اثنين مِن عدولِ المؤمنين، أو اثنين من غيرِ المؤمنين، ولا وجهَ لأن يُقالَ في الكلامِ صفةُ شهادةِ مؤمنين منكم، أو رجلين مِن غيرِ عَشيرتِكم، وإنما يقالُ: صفةُ شهادةِ رجلين مِن عشيرتِكم، أو مِن غيرِ عشيرتِكم، أو رجلين مِن المؤمنين، أو مِن غيرِ المؤمنين. فإذ كان لا وجهَ لذلك في الكلامِ، فغيرُ جائزٍ صرفُ معنى (٤) كلامِ اللهِ تعالى ذكرُه إِلَّا إِلى أَحْسَنِ وُجوهِه. وقد دلَّلْنا قبلُ على أن قولَه تعالى ذكرُه: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، إنما هو مِن أهلِ دينِكم وملتِكم بما فيه كفايةٌ لمَن وُفِّق لفهمِه. وإذا صحَّ ذلك بما دلَّلْنا عليه، فمعلومٌ أن معنى قولِه: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ

стр. 6104

غَيْرِكُمْ، إنما هو أو آخران مِن غيرِ أهلِ دينِكم وملتِكم. وإذ كان ذلك كذلك، فسواءٌ كان الآخَران اللذان مِن غيرِ أهلِ دينِنا، يهوديين كانا أو نصرانيين أو مجوسيين أو عابدَىْ وثَنٍ، أو على أيِّ دينٍ كانا؛ لأن الله تعالى ذكرُه لم يَخْصُصْ آخرين مِن أهلِ ملةٍ بعينِها، دونَ ملةٍ بعدَ ألَّا (١) يكونا مِن أهلِ الإسلامِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى ذكرُه: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين: صفةُ شَهادةِ بينِكم إذا حضَر أحدَكم الموتُ وقتَ الوصيةِ، أن يَشْهَدَ اثنان ذوا عدلٍ منكم أيُّها المؤمنون، أو رجلان آخران مِن غيرِ أهلِ ملتِكم، إن أنتم سافَرْتم ذاهبين وراجعِين في الأرضِ. وقد بيَّنَّا فيما مضَى السببَ الذي مِن أجلِه قيل للمسافرِ: الضاربُ في الأرضِ (٢). ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾. يقولُ: فنزَل بكم الموتُ. ووجَّه أكثرُ أهلِ التأويلِ هذا الموضعَ إلى معنى التعقيبِ دونَ التخييرِ، وقالوا: معناه: شهادةُ بينِكم إذا حضَر أحدَكم الموتُ حينَ الوصيةِ اثنان ذوا عدلٍ منكم إن وُجِدا، فإن لم يُوجَدا (٣) فآخران مِن غيرِكم. وإنما فعَل ذلك مَن فعَلَه؛ لأنه وجَّه معنى الشهادةِ في قولِه: ﴿شَهَادَةُ

стр. 6105

بَيْنِكُمْ﴾. إلى معنى الشهادةِ التي تُوجِبُ للقومِ قيامَ صاحبِها بها (١) عندَ الحاكمِ أو يُبْطِلُها. ذكرُ بعضٍ مَن تأوَّل ذلك كذلك حدَّثنا عِمْرانُ بنُ موسى القَزَّازُ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سُوَيْدٍ، عن يحيى بن يَعْمَرَ في قولِه: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾: مِن المسلمين، فإن لم تَجِدوا مِن المسلمين، فمِن غيرِ المسلمين (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ومحمدُ بنُ المثنى، قالا: ثنا ابن أبى عَدِيٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيبِ في قولِه: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾. قال: اثنان مِن أهلِ دينِكم، ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾: مِن أَهلِ الكتابِ، إذا كان ببلادٍ لا يَجِدُ غيرَهم (٣). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، عن شُرَيْحٍ في هذه الآيةِ: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾. قال: إذا كان الرجلُ بأرضِ غُرْبةٍ، ولم يَجِدْ مسلمًا يُشْهِدُه (٤) على وصيتِه، فأَشْهَد يهوديًّا، أو نصرانيًّا، أو مجوسيًّا، فشهادتُهم جائزةٌ (٥). حدثَّنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ

стр. 6106

اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. قال: هذا في الحَضَرِ، ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾: في السفرِ، ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾: هذا (١) الرجلُ يُدْرِكُه الموتُ في سفرِه، وليس بحضْرتِه أحدٌ مِن المسلمين، فيَدْعُو رجلين مِن اليهودِ أو [النصارى أو] (٢) المجوسِ، فيُوصِى إليهما (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا مغيرةُ، عن إبراهيمَ وسعيدِ بن جبيرٍ أنهما قالا في هذه الآيةِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآية. قال: إذا حضَر الرجلَ الوفاةُ في سفرٍ، فيُشْهِدُ رجلين مِن المسلمين، فإن لم يَجِدْ رجلين مِن المسلمين، فرجلين مِن أهلِ الكتابِ (٤). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾. إلى قولِه: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾: فهذا لمن مات وعندَه المسلمون، فأمَره اللَّهُ أَن يُشْهِدَ على وصيتِه عَدْلين مِن المسلمين، ثم قال: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾. فهذا لمن مات وليس عندَه أحدٌ مِن المسلمين، فأمَرَ (٥) اللهُ تعالى بشهادةِ رجلين مِن غيرِ المسلمين (٦).

стр. 6107

ووجَّه ذلك آخرون إلى معنى التخييرِ، وقالوا: إنما عنَى بالشَّهادةِ في هذا الموضعِ الأيْمانَ على الوصيةِ التي أوْصَى إليهما، وائتمانَ الميتِ إياهما على ما ائْتَمَنهما عليه مِن مالٍ ليُؤَدِّياه إلى ورثتِه بعدَ وفاتِه، إن ارْتِيب بهما قالوا: وقد يَتَّمِنُ (١) الرجلُ على مالِه مَن رآه موضعًا للأمانةِ، مِن مؤمنٍ وكافرٍ، في السفرِ والحضرِ. وقد ذكَرْنا الروايةَ عن بعضِ مَن قال هذا القولَ فيما مضَى (٢)، وسنَذْكُرُ بقيتَه إن شاء اللهُ تعالى بعدُ. القولُ في تأويلِ قولِه عز ذكرُه: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به وبرسولِه: شهادةُ بينِكم إذا حضَر أحدَكم الموتُ، إن شهِد اثنان ذوا عدلٍ منكم، أو كان أوْصَى إليهما، أو آخَران مِن غيرِكم، إن كنتم في سفرٍ فحضَرَتْكم المنيّةُ، فأَوْصَيْتُم إليهما، ودفَعْتُم إليهما ما كان معكم من مالٍ وتَرِكةٍ لوَرَثتِكم، فإذا أنتم أوصَيْتُم إليهما، ودفَعْتُم إليهما ما كان معكم مِن مالٍ، فأصابَتْكم مصيبةُ الموتِ، فأدَّيا إلى ورثتِكم ما اتَّمنْتُموهما، وادَّعَوْا عليهما خِيانةً خاناها مما اتُّمِنا عليه، فإن الحكمَ فيهما حينَئذٍ أن تَحْبِسوهما. يقولُ: تَسْتَوْقِفونهما بعدَ الصلاةِ. وفى الكلامِ محذوفٌ اجْتُزِئ بدلالةِ ما ظهرَ منه على ما حُذِف، وهو: فأصابتكم مصيبةُ الموتِ، وقد أسْنَدْتُم وصيتَكم إليهما، ودفَعْتُم إليهما ما كان معكم من مالٍ، فإنكم تَحْبِسونهما من بعدِ الصلاةِ.

стр. 6108

﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾. يقولُ: فيَحْلِفان باللَّهِ إِن اتَّهَمْتُموهما بخيانةٍ فيما اتُّمِنا عليه، مِن (١) تغييرِ وصيةٍ أوْصَى إليهما بها، أو تبديِلها - والارتيابُ هو الأتِّهامُ - ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾. يقولُ: يَحْلِفان باللَّهِ لا نَشْتَرِى بأيمانِنا باللَّهِ ثمنًا. يقولُ: لا نَحْلِفُ كاذبَيْن على عوضٍ نَأْخُذُه عليه، وعلى مالٍ نَذْهَبُ به، أو لحقٍّ نَجحَدُه لهؤلاء القومِ الذين أوْصَى إلينا [وَليُّهم وميِّتُهم] (٢). والهاءُ في قولِه: ﴿بِهِ﴾. مِن ذكرِ اللهِ، والمعنُّى به الحلفُ والقَسَمُ، ولكنه لما كان قد جرَى قبلَ ذلك ذكرُ القسمِ به، فعُرف (٣) معنى الكلامِ، اكْتُفِى (٤) به [مِن إعادةِ] (٥) ذكرِ القسمِ والحلفِ. ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾. يقولُ: يُقْسِمان باللهِ لا تَطْلُبُ بإقسامِنا باللهِ عوضًا فنَكْذِبَ فيها لأحدٍ، ولو كان الذي نُقْسِمُ به له ذا قرابةٍ منا. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك رُوِى الخبرُ عن ابن عباسٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾: فهذا لمن مات وليس عندَه أحدٌ مِن المسلمين، فأَمَرَه اللهُ بشهادةِ رجلين مِن غيرِ المسلمين، فإن ارْتِيب (٦) في شهادتِهما، اسْتُحْلِفا

стр. 6109

بعدَ الصلاةِ باللَّهِ: لم نَشْتَرِ بشهادتِنا ثمنًا قليلًا (١). وقولُه: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾: مِن صلاةِ الآخَرَين. ومعنى الكلامِ: أو آخران مِن غيرِكم تَحْبِسونهما مِن بعدِ الصلاةِ إِن ارْتَبْتُم بهما، فيُقْسِمان باللَّهِ لا نَشْتَرِى به ثمنًا ولو كان ذا قُرْبى. واخْتَلَفوا في الصلاةِ التي ذكَرَها اللهُ تعالى ذكرُه في هذه الآيةِ، فقال: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾؛ فقال بعضُهم: هي صلاةُ العصرِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخْبرنا زكريا، عن الشعبيِّ، أن رجلًا مِن المسلمين حضَرَته الوفاةُ بدَقُوقَا [هذه. قال: فحضَرتْه الوفاةُ] (٢)، فلم يَجِدْ أحدًا مِن المسلمين يُشْهِدُه على وصيتِه، فأشهد رجلين من أهلِ الكتاب. قال: فقَدِما الكوفةَ، فأتَيا الأشعريَّ فأخْبَراه، وقدِما بتَرِكتِه ووصيتِه، فقال الأشعريُّ: هذا أمرٌ لم يَكُنْ بعدَ الذي كان في عهدِ رسول اللهِ ﷺ . قال: فأحْلَفَهما بعدَ العصرِ: باللَّهِ ما خانا، ولا كذَبا، ولا بَدَّلا، ولا كتَما، ولا غيَّرا، وإنها لوصيةُ الرجلِ وتَرِكتُه. قال: فأمْضَى شهادتهما (٣). حدَّثنا ابن بشارٍ وعمرُو بنُ عليٍّ، قالا: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾. قال: إذا كان الرجلُ بأرضِ الشركِ، فأَوْصَى إلى رجلين مِن أهلِ الكتابِ، فإنهما يَحْلِفان بعدَ العصرِ (٤).

стр. 6110

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ بمثلِه. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ إلى ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾: فهذا رجلٌ مات بغُربةٍ مِن الأرضِ، وترَك تركتَه، وأوْصَى بوصيتِه، وشهِد على وصيتِه رجلان، فإن ارْتِيب في شهادتِهما، اسْتُحْلِفا بعدَ العصرِ، وكان يقالُ: عندَها تَصِيرُ الأيْمانُ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى هشيمٌ، قال: أخْبرَنا مغيرةُ، عن إبراهيمَ وسعيدِ بن جبيرٍ أنهما قالا في هذه الآيةِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾. قالا: إذا حضَر الرجلَ الوفاةُ في سفرٍ، فلْيُشْهِدْ رجلين مِن المسلمين، فإن لم يَجِدْ فرجلين مِن أهلِ الكتابِ، فإذا قدِما بتركتِه، فإن صدَّقهما الورثةُ قُبِل قولُهما، وإن اتَّهَموهما، أُحْلِفا بعدَ صلاةِ العصرِ: باللهِ ما كذَبْنا، ولا كتَمْنا، ولا خُنَّا، ولا غيَّرْنا (٢). حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا يحيى القَطَّانُ، قال: ثنا زكريا، قال: ثنا عامرٌ، أن رجلًا تُوُفِّي بدقُوقا، فلم يَجِدْ مَن يُشْهِدُه على وصيتِه إلا رجلين نصرانيَّيْن مِن أهلها، فأحْلَفَهما أبو موسى دُبُرَ (٣) صلاةِ العصرِ في مسجدِ الكوفةِ: باللهِ ما كتَما، ولا غيَّرا، وإن هذه لوَصيَّتُه. فأجازها (٤). وقال آخرون: بل يُسْتَحْلَفان بعدَ صلاةِ أهلِ دينِهما وملتِهما.

стр. 6111

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. قال: الله هذا في الوصيةِ عندَ الموتِ، يُوصِى، ويُشْهِدُ رجلين مِن المسلمين على ما له وعليه. قال: هذا في الحضَرِ، ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾: في السفرِ، ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾: هذا الرجلُ يُدْرِكُه الموتُ في سفرِه، وليس بحضرتِه أحدٌ مِن المسلمين، فيَدْعو رجلين مِن اليهودِ أو (١) النصارى أو (١) المجوسِ، فيُوصِى إليهما، ويَدْفَعُ إليهما ميراثَه، فيُقْبِلان به، فإن رضِى أهلُ الميتِ الوصيةَ، وعرَفوا مالَ صاحبِهم، ترَكوا الرجلين، وإن ارتابوا رفَعوهما إلى السلطانِ، فذلك قولُه: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ - ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾. قال عبدُ اللَّهِ بنُ عباسٍ: كأنى أَنْظُرُ إلى العِلْجَيْن حينَ انتُهِى بهما إلى أبى موسى الأشعريِّ في دارِه، ففتَح الصَّحيفةَ، فأنْكَر أهلُ الميتِ وخوَّنُوهما (٢)، فأراد أبو موسى أن يَسْتَحْلِفَهما بعدَ العصرِ، فقلتُ له: إنهما (٣) لا يُبالِيان صلاةَ العصرِ، ولكن اسْتَحْلِفْهما بعد صلاتِهما في دينِهما. فيُوقَفُ الرجلان بعدَ صلاتِهما في دينِهما، ويَحْلِفان باللَّهِ: لا نَشْتَرِى به (٤) ثمنًا قليلًا ولو كان ذا قربى، ولا نَكْتُمُ شهادةَ اللهِ، إنا إذن لمن الآثمين، إن صاحبَكم (٥) لَبهذا أوْصَى، وإن هذه لَتركتُه. فيقولُ لهما الإمامُ قبلَ أن يَحْلِفا: إنكما إن كنتما كتَمْتُما أو خُنتُما، فضَحْتُكما في قومِكما، ولم تَجُزْ لكما شهادةٌ، وعاقَبْتُكما. فإذا قال لهما ذلك، فإن ذلك أدْنى أن يَأْتوا بالشهادةِ على وجهِها (٦).

стр. 6112

وأولى القولين في ذلك بالصوابِ عندَنا قولُ مَن قال: تحبسونهما من بعدِ صلاةِ العصرِ؛ لأن الله تعالى عرَّف الصلاة في هذا الموضعِ بإدخالِ الألفِ واللامِ فيها، ولا تُدْخِلُهما العربُ إلا في معروفٍ، إما في جنسٍ، أو في واحدٍ معهودٍ معروفٍ عندَ المخاطَبِين (١). فإذ كان ذلك (٢) كذلك، وكانت الصلاةُ في هذا الموضع مُجْمَعًا على أنه لم يُعْنَ بها جميعُ الصلواتِ، لم يَجُزْ أن يكونَ مُرادًا بها صلاةُ المُسْتَخْلَفِ مِن اليهودِ والنصارى؛ لأن لهم صلواتٍ ليست واحدةً فيكونَ معلومًا أنها المَعْنِيَّةُ بذلك. فإذ كان ذلك كذلك، صحَّ أنها صلاةٌ بعينها من صلواتِ المسلمين. وإذ كان ذلك كذلك، وكان النبيُّ ﷺ صحيحًا عنه أنه إذ لا عَن بينَ العَجْلانيَّين، لاعَن بينَهما بعدَ العصرِ دونَ غيرِها مِن الصلواتِ (٣) - كان معلومًا أن التي عُنِيَت بقولِه: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾. هي الصلاةُ التي كان رسولُ اللهِ ﷺ يَتَخَيَّرُها (٤) لاستخلافِ مَن أراد تغليظَ اليمينِ عليه. هذا [مع ما] (٥) عندَ أهلِ الكفرِ باللهِ مِن تعظيمِ ذلك الوقتِ، وذلك لقربِه مِن غروبِ الشمسِ. و كان ابن زيدٍ يقولُ في قولِه: ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾. ما حدَّثني به يُونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾. قال: لا (٢) نَأْخُذُ به رِشْوةً (٦). القولُ في تأويلِ قولِه عز ذكرُه: ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ

стр. 6113

الْآثِمِينَ (١٠٦)﴾. اخْتَلَفَت القَرأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَته عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾. بإضافةِ الشهادةِ إلى اللهِ، وخفضِ اسمِ اللهِ تعالى، يعنى: لا نَكْتُمُ شهادةً للهِ عندَنا. وذُكِر عن الشعبيِّ أنه كان يَقْرَؤُه كالذي حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن ابن عونٍ، عن عامرٍ أنه كان يَقْرَأُ: (ولا نَكْتُمُ شهادةً أللَّهِ إِنَّا إِذًا لمن الآثمينَ). بقطعِ الألفِ وخفضِ اسمِ اللهِ، هكذا حدَّثنا به ابن وكيعٍ (١). وكأن الشعبيَّ وجَّه معنى الكلامِ إلى أنهما يُقْسِمان باللَّهِ: لا نَشْتَرِى به ثمنًا ولا نَكْتُمُ شهادةً عندَنا. ثم ابْتَدَأ يَمينًا باستفهامٍ باللهِ إنهما إن اشْتَريا بأيمانِهما ثمنًا أو كتَما شهادتَه عندَهما [إنهما من] (٢) الآثمين. وقد رُوِى عن الشعبيِّ في قراءةِ ذلك روايةٌ تُخالِفُ هذه الروايةَ، وذلك ما حدَّثني أحمدُ بنُ يوسفَ التَّغْلِبيُّ، قال: ثنا القاسمُ بنُ سلَّامٍ، قال: ثنا عبادُ بنُ عبادٍ، عن ابن عونٍ، عن الشعبيِّ أنه قرأ: (ولا نَكْتُمُ شَهادَةً اللَّهِ إِنَّا إِذًا لمن الآثمين) (٣). قال أحمدُ: قال أبو عبيدٍ: يُنوِّنُ شهادةً ويَخْفِضُ اللَّهَ على الاتصالِ. قال: وقد رواها بعضُهم بقطعِ الألف على الاستفهامِ، [وحفظى أنا] (٤) لقراءةِ الشعبيِّ تركُ (٥) الاستفهامِ.

стр. 6114

وقرَأها بعضُهم: (ولا نَكْتُمُ شَهادةً الله) (١). بتنوينِ الشهادةِ ونصبِ اسمِ الله، بمعنى: ولا نَكْتُمُ الله (٢) شهادةً عندنا. وأولى القراءاتِ في ذلك عندَنا بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأ: ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾. بإضافةِ الشهادةِ إلى اسمِ اللهِ، وخفضِ اسمِ اللهِ؛ لأنها القراءةُ المستفيضةُ في قرَأَةِ الأمصارِ، التي لا تَتَناكَرُ صحَّتَها الأُمَّةُ. وكان ابن زيدٍ يقولُ في معنى ذلك: ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾: وإِن كان صاحبُها (٣) بعيدًا. حدَّثني بذلك يونُسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ (٤) عنه (٥). القولُ في تأويلِ قولِه عز ذكرُه: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾. يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَإِنْ عُثِرَ﴾: فإن اطُّلِع منهما (٦) أو (٧) ظهَر. وأصلُ العَثْرِ الوقوعُ على الشيءِ والسقوطُ عليه، ومن ذلك قولُهم: عثَرَت إصْبعُ فلانٍ بكذا، إذا صدَمَته وأصابَتْه ووقَعَت عليه. ومنه قولُ الأعشى ميمونِ بن قيس (٨):

стр. 6115

بذاتِ لَوْثٍ (١) عَفَرْنَاةٍ (٢) إذا عثَرَتْ … فالتَّعْسُ (٣) أدْنى لها مِن أن أقولَ لَعَا (٤) يعنى بقولِه: عثَرَت: أصاب مَنْسِمُ (٥) خُفِّها حجرًا (٦) أو غيرَه. ثم يُسْتَعْمَلُ ذلك في كلِّ واقعٍ على شيءٍ كان عنه خفيًّا، كقولِهم: عثَرَتْ على الغَزْلِ بأَخَرَةٍ، فلم تَدَعْ بِنَجْدٍ قَرَدَةً (٧). بمعنى: وقَعَت. وأما قولُه: ﴿عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾. فإنه يقولُ تعالى ذكرُه: فإن اطُّلِع مِن الوصِيَّيْن اللذين ذكَر اللهُ أَمْرَهما في هذه الآيةِ بعدَ حلِفِهما باللَّهِ: لا نَشْتَرِى بأيمانِنا ثمنًا ولو كان ذا قربى، ولا نَكْتُمُ شهادةَ اللهِ - ﴿عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾. يقولُ: على أنهما اسْتَوْجَبا بأيمانِهما التي حلَفا بها إثمًا، وذلك أن يُطَّلَعَ على أنهما كانا كاذِبَيْن في أيمانِهما باللَّهِ: ما خُنَّا، ولا بدَّلْنا، ولا غيَّرْنا. فإن وُجِدا قد خانا مِن مالِ الميتِ شيئًا، أو غيَّرا وصيتَه، أو بَدَّلا، فأثِما بذلك من حلِفِهما (٨) بربِّهما، ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾. يقولُ: يقومُ حينَئذٍ مَقامَهما مِن ورثةِ الميتِ الأَوْلَيان (٩) الموصَى إليهما.

стр. 6116

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾. قال: إذا كان الرجلُ بأرضِ الشركِ، فأَوْصَى إلى رجلين مِن أهلِ الكتابِ، فإنهما يَحْلِفان بعدَ العصرِ، فإذا اطُّلعِ عليهما بعدَ حلِفِهما أنهما خانا شيئًا، حلَف أولياءُ الميتِ أنه كان كذا وكذا، ثم اسْتَحَقُّوا (١). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ بمثلِه. حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾: مِن غيرِ المسلمين، ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾، فإن ارْتِيب (٢) في شهادتِهما اسْتُحْلِفا بعدَ الصلاةِ باللهِ: ما اشْتَرَيْنا بشهادتِنا ثمنًا قليلًا. فإن اطَّلَع الأولياءُ على أن الكافرَينِ كذَبا في شهادتِهما، قام رجلان من الأولياءِ فحلَفا باللهِ: إن شهادةَ الكافرَيْنِ باطلةٌ (٣)، وإنا لم نَعْتَدِ. فذلك قولُه: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾. يقولُ: إِن اطَّلِع على أن الكافرَيْنِ كذَبا، ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾. يقولُ: مِن الأولياءِ (٤)، فحلَفا باللهِ: إن شهادةَ الكافرَينِ باطلةٌ، وإنا لم نَعْتَدِ. فتُرَدُّ شهادةُ

стр. 6117

الكافرَينِ، وتجوزُ شهادةُ الأولياءِ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾: أي: اطُّلع منهما على خيانةٍ، أنهما كذَبا أو كتَما (٢). واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في المعنى الذي له حكَم اللهُ تعالى ذكرُه على الشاهدَيْن بالأيمانِ، فنقَلَها (٣) إلى الآخَرَيْن بعدَ أن عُثِر عليهما أنهما اسْتَحَقَّا إثمًا؛ فقال بعضُهم: إنما أَلْزَمَهما اليمينَ إذا [ارْتيب في شهادتِهما] (٤) على الميتِ في وصيتِه، أنه أوْصَى بغيرِ (٥) الذي يَجوزُ في حكمِ الإسلامِ، وذلك أن يَشْهَدَا (٦) أنه أوْصَى بمالِه كلِّه، أو أوْصَى أن يُفَضَّلَ بعضُ ولدِه ببعضِ مالِه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ إلى قولِه: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾: مِن أهلِ الإسلامِ، ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾: مِن غيرِ أهلِ الإسلامِ، ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾. يقولُ: فيَحْلِفان باللهِ بعدَ الصلاةِ، فإن حلَفا على شيءٍ يُخالِفُ مَا أَنْزَلَ اللهُ تعالى ذكرُه مِن الفَريضةِ - يعني اللذين ليسا مِن أهلِ الإسلامِ - ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾: مِن أولياءِ الميتِ، فيَحْلِفان باللهِ: ما كان صاحبُنا لِيُوصِىَ بهذا، و (٧) إنهما لكاذبان،

стр. 6118

ولَشَهادتُنا أحقُّ مِن شهادتِهما (١). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: يُوقَفُ الرجلان بعدَ صلاتِهما في دينِهما، فيَحْلِفان باللهِ: لا نَشْترى به ثمنًا ولو كان ذا قُرْبَى، ولا نَكْتُمُ شهادةَ اللهِ، إنا إذن لمن الآثمين، إنَّ صاحبَكم لَبهذا أوْصَى، وإن هذه لتَركتُه. فإذا شهِدا، وأجاز الإمامُ شهادتَهما على ما شهِدا، قال لأولياءِ الرجلِ: اذْهَبوا فاضْرِبوا في الأرضِ واسْأَلُوا عنهما، فإن أنتم وجَدْتُم عليهما خِيانةً، أو أحدًا يَطْعُنُ عليهما ردَدْنا شهادتَهما. فيَنْطَلِقُ الأولياءُ فيَسْأَلُون، فإن وجَدوا أحدًا يَطْعُنُ عليهما، أو هما غيرُ مرضِيَّيْن عندَهم، أو اطُّلِع على أنهما خانا شيئًا من المالِ وجَدوه عندَهما، أقْبل (٢) الأولياءُ فشهِدوا عندَ الإمامِ، وحلفوا باللهِ: لشَهادتُنا أنهما لخَائنان مُتَّهمان في دينِهما، مَطْعونٌ عليهما، أحقُّ مِن شهادتِهما بما شهِدا، وما اعْتَدَيْنا. فذلك قولُه: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ (٣). وقال آخرون: بل إنما أُلْزِم الشاهدان اليمينَ لأنهما ادَّعَيا أنه أوْصَى لهما ببعضِ المالِ، وإنما يُنْقَلُ إلى الآخَرَيْن مِن أجلِ ذلك، إذا ارْتابا (٤) بدَعْواهما. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عمرانُ بنُ موسى القَزَّازُ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سُوَيْدٍ، عن يحيى بن يَعْمَرَ في قولِه: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ

стр. 6119

فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾. قال: زعَما أنهما (١) أوْصَى لهما بكذا وكذا، ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾: أي بدَعواهما لأنفسِهما، ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾: إن صاحبَنا لم يُوصِ إليكما بشيءٍ مما تقولان. والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن الشاهدَيْن أُلْزِما اليمينَ في ذلك باتهامِ ورثةِ الميتِ إياهما فيما دفَع إليهما الميتُ مِن مالِه، ودَعواهم قِبَلَهما خيانةَ مالٍ معلومِ المبلغِ، ونُقِلَت بعدُ إلى الورثةِ عندِ ظهورِ الرِّيبةِ التي كانت مِن الورثةِ فيهما، وصحةِ التهمةِ عليهما، بشهادةِ شاهدٍ عليهما أو على أحدِهما، فيَحْلِفُ الوارثُ حينَئذٍ مع شهادةِ الشاهدِ عليهما أو على أحدِهما، إنما صحَّح دَعْواه إذ حُقِّق حقُّه، أو لإقرارٍ (٢) يَكونُ من الشهودِ ببعضِ ما ادَّعَى عليهما الوارثُ أو بجميعِه، ثم دَعْواهما في الذي أقَرَّا به مِن مالِ الميتِ ما لا يُقْبَلُ فيه دَعْواهما إلا ببينةٍ، ثم لا يَكونُ لهما على دعواهما تلك بينةٌ، فيُنْقَلُ حينَئذٍ اليمينُ إلى أولياءِ الميتِ. وإنما قلنا: ذلك أولى الأقوالِ في ذلك بالصحةِ؛ لأنا لا نَعْلَمُ مِن أحكامِ الإسلامِ حكمًا يَجِبُ فيه اليمينُ على الشهودِ، ارْتيب بشهادتِهما أو لم يُرْتَبْ بها، فيَكونَ الحكمُ في هذه الشهادةِ نظيرًا لذلك، [ولا - إذْ لم] (٣) نَجِدْ ذلك كذلك - صحَّ بخبرٍ عن الرسولِ ﷺ ، ولا بإجماعٍ من الأمةِ؛ لأن اسْتِحْلافَ الشهودِ في هذا الموضعِ من حكمِ اللهِ تعالى ذكرُه، فيكونُ أصلًا مُسَلَّمًا، والمَقولُ إِذا خرَج مِن أَن يَكونَ أصلًا أو نظيرًا لأصلِ فيما تَنازَعَت فيه الأمةُ، كان واضحًا فسادُه. وإذا فسَد هذا القولُ بما ذكَرْنا، فالقولُ بأن الشاهدَيْن اسْتُحْلِفا مِن أجلِ أنهما

стр. 6120

ادَّعيا على الميتِ وصيةً لهما بمالٍ مِن مالِه - أَفْسَدُ؛ مِن أجلِ أن أهلَ العلمِ لا خلافَ بينَهم في أن مِن حُكْمِ اللهِ تعالى ذكرُه أن مُدَّعِيًا لو ادَّعَى في مالِ ميتٍ وصيةً، أن القولَ قولُ ورثةِ المُدَّعَى في مالِه الوصيةُ مع أيمانِهم، دونَ قولِ مُدَّعِى ذلك مع يمينِه، وذلك إذا لم يَكُنْ للمُدَّعِى بينةٌ. وقد جعَل اللهُ تعالى ذكرُه اليمينَ في هذه الآيةِ على الشهودِ إذا ارْتِيب بهما، وإنما نُقِل الأيمانُ عنهم إلى أولياءِ الميتِ إذا عُثر على أن الشهودَ اسْتَحَقَّوا إثمًا في أيمانِهم، فمعلومٌ بذلك فسادُ قولِ مَن قال: أُلْزِم اليمينَ الشهودُ لدَعْواهم لأنفسِهم وصيةً أَوْصَى بها لهم الميتُ مِن مالِه. على أن ما قلنا في ذلك عن أهلِ التأويلِ، هو التأويلُ الذي ورَدَت به الأخبارُ عن بعضِ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، أن رسول الله ﷺ قضَى به حينَ نزلَت هذه الآيةُ، بينَ الذين نزَلَت فيهم وبسببِهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن يحيى بن أبي زائدةَ، عن محمدِ بن أبي القاسمِ، عن عبدِ الملكِ بن سعيدِ بن جبيرٍ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: خرَج رجلٌ مِن بنى سَهْمٍ مع تميمٍ الداريِّ وعديِّ بن بَدَّاءَ، فمات السَّهميُّ بأَرضٍ ليس فيها مسلمٌ، فلما قدِما (١) بتركتِه فقَدوا جامًا (٢) من فضةٍ مُخَوَّصًا بالذهبِ (٣)، فأَحْلَفَهما رسولُ اللهِ ﷺ ، ثم وجد الجامُ بمكةَ، فقالوا: اشْترَيْناه مِن تميمٍ الداريِّ وعديِّ بن بَدَّاءَ. فقام رجلان من أولياءِ السَّهْميِّ، فحلَفا: لشهادتُنا أحقُّ من شهادتِهما، وإن الجامَ لصاحبِهم، قال: وفيهم أُنْزِلَت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ

стр. 6121

بَيْنِكُمْ﴾ (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ [أحمدَ بن] (٢) أبي شعيبٍ الحَرَّانيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ سلَمةَ الحَرَّانيُّ، قال: ثنا محمدُ بن إسحاقَ، عن أبي النَّضْرِ، عن باذانَ (٣) مولى أمِّ هانيءٍ ابنةِ أبي طالبٍ، عن ابن عباسٍ، عن تميمٍ الداريِّ في هذه الآيةِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾. قال: برِئ الناسُ منها غيرى وغيرَ عديِّ بن بَدَّاءَ. وكانا نصرانيَّين يَخْتَلِفان إلى الشامِ قبلَ الإسلامِ، فأتَيا الشامَ لتجارتِهما، وقدِم عليهما مولًى لبنى سَهْم يقالُ له: بُدَيْلُ (٤) بنُ أَبي مريمَ. بتجارةٍ، ومعه جامُ فضةٍ يُرِيدُ به الملكَ، وهو (٥) عُظْمُ تجارتِه، فمرِض، فأَوْصَى إليهما، وأمَرَهما أن يُبْلِغا ما ترَك أهلَه. قال تَميمٌ: فلما مات أخَذْنا ذلك الجامَ فبَعْناه بألفِ درهمٍ، فقسَمْناه أنا وعديُّ بنُ بَدَّاءَ [فلمَّا قدِمْنا إلى أهلِه دفَعْنا إليهم ما كان معنا، وفقَدوا الجامَ فسأَلونا عنه] (٦)، فقلنا: ما ترَك غيرَ هذا، وما دفَع إلينا غيرَه. قال تَميمٌ: فلما أَسْلَمْتُ بعدَ قدومِ رسولِ الله ﷺ المدينةَ تَأَثَّمْتُ مِن ذلك، فأَتَيْتُ أهلَه فأخبرْتُهم الخبرَ، وأدَّيْتُ إليهم خمسَمائةِ درهمٍ، وأخْبرتُهم أن عندَ

стр. 6122

صاحبى مثلَها، [فوثبُوا إليه] (١)، فأتَوْا به (٢) رسول الله ﷺ ، فسأَلهم البينةَ، فلم يَجِدوا، فأمرَهم أن يَسْتَحْلِفوه بما يُعَظَّمُ به على أهلِ دينِه، فحلَف، فأَنْزَلَ اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾. فقام عمرُو بنُ العاصِ ورجلٌ آخرُ منهم، فحلَفا، فنُزِعَتِ الخمسُمائةِ من عديِّ بن بَدَّاءَ (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ وابنِ سيرينَ وغيرِه، قال: وحدَّثنا الحجاجُ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن عكرمةَ - دخَل حديثُ بعضِهم في بعض -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآيةَ. قالوا (٤): كان عديٌّ وتميمٌ الداريُّ، وهما مِن لَخْمٍ، نصرانيَّان، يَتَّجِران إلى مكةَ في الجاهليةِ، فلمَّا هاجَر رسولُ اللهِ ﷺ حوَّلا مَتْجَرَهما إلى المدينةِ، فقدِم ابن أبي ماريَةَ مولى عمرِو بن العاصِ المدينةَ، وهو يُرِيدُ الشامَ، تاجرًا، فخرَجوا جميعًا، حتى إذا كانوا ببعضِ الطريق مرِض ابن أبى ماريةَ، فكتَب وصيَّتَه بيدِه، ثم دسَّها في متاعِه، ثم أوْصَى إليهما، فلما مات فتَحا متاعَه، فأخَذا ما أرادا، ثم قدِما على أهلِه، فدفَعا ما أرادا، ففتَح أهلُه متاعَه، فوجَدوا كتابَه وعهدَه، وما خرَج به، وفقَدوا (٥) شيئًا، [فسأَلوهما عنه] (٦) فقالوا: هذا الذي قبَضْنا له،

стр. 6123

ودفَع إلينا. قال لهما أهلُه: فباع شيئًا، أو ابْتاعَه؟ قالا: لا. قالوا: فهل اسْتَهْلَك (١) مِن متاعِه شيئًا؟ قالا: لا. قالوا: فهل تجَر تجارةً؟ قالا: لا. قالوا: فإنا قد فقَدْنا بعضَه. فأتُّهما، فرفُعوهما إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فنزلَت هذه الآيةُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾. إلى قولِه: ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾. قال: فأَمَر رسولُ اللهِ ﷺ أن يَسْتَحْلِفوهما في دُبُرِ صلاةِ العصرِ باللهِ الذي لا إلهَ إلا هو: ما قبَضْنا له غيرَ هذا، ولا كتَمْنا. قال: فمكَثا (٢) ما شاء اللهُ أن يَمْكُثا، ثم ظُهِر معَهما على إناءٍ مِن فضةٍ مَنْقوشٍ مُموَّهٍ بذهبٍ، فقال أهلُه: هذا مِن متاعِه؟ قالا: نعم، ولكنا اشْتَرَيْناه منه، ونسِينا أن نذْكُرَه حينَ حلَفْنا، فكرِهْنا أن نُكَذِّبَ أنفسَنا. فتَرافَعوا إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فنزَلتِ (٣) الآيةُ الأخرى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾. فأمَر رسولُ اللهِ ﷺ رجلين مِن أهلِ الميتِ أن يَحْلِفا على ما كتَما، وغيَّبا، ويَسْتَحِقَّانه. ثم إن تميمًا الداريَّ أَسْلَم وبايَع النبيَّ ﷺ ، وكان يقولُ: صدَق اللهُ ورسولُه، أنا أخَذْتُ الإناءَ (٤). حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآية كلّها. قال: هذا شيءٌ حينَ لم يَكُنِ الإسلامُ إلا بالمدينةِ، وكانت الأرضُ كلُّها كفرًا (٥)، فقال الله تعالى ذكرُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾: مِن

стр. 6124

المسلمين، ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾: مِن غيرِ أهلِ الإسلامِ، ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾. قال: كان الرجلُ يَخْرُجُ مُسافرًا، وهم (١) - العربَ - أهلُ كفرٍ، فعسى أن يَموتَ في سفرِه، فيُسْنِدُ (٢) وصيتَه إلى رجلين منهم، ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ في أمرِهما، إذا (٣) قال الورثةُ: كان مع صاحبِنا كذا وكذا. فيُقْسِمان باللهِ: ما كان معه إلا هذا الذي قلنا. ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾: إنما حلَفا على باطلٍ وكذبٍ، ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ بالميتِ، ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾، ذكَرْنا أنه كان مع صاحبِنا كذا وكذا، قال هؤلاء: لم يَكُنْ معه ذاك (٤). ثم عُثِر على بعضِ المتاعِ عندَهما، فلما عُثِر على ذلك رُدَّت القَسَامةُ على وارثِه فأقْسَما، ثم ضمِن هذان. قال اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ﴾ فتَبْطُلَ أيمانُهم، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾: الكاذبين الذين يَحْلِفون على الكذبِ. وقال ابن زيدٍ: وقدِم تَميمٌ الداريُّ وصاحبٌ له، وكانا يومَئذٍ مشركَيْن، ولم يكونا أسْلَما، فأَخْبَرا أنهما أوْصَى إليهما رجلٌ، وجاءا (٥) بتركتِه، فقال أولياءُ الميتِ: كان مع صاحبِنا كذا وكذا (٦)، وكان معه إبريقُ فضةٍ. وقال الآخران: لم

стр. 6125

يَكُن معه إلا الذي جئْنا به. فحلَفا خلْفَ (١) الصلاةِ، ثم عُثِر عليهما بعدُ والإبريقُ معهما، فلما عُثِر عليهما رُدَّت القَسامةُ على أولياءِ الميتِ بالذي قالوا مع صاحبِهم، ثم ضمَّنهما الذي حلَف عليه الأَوْلَيان. حدَّثنا الربيعُ، قال: ثنا الشافعيُّ، قال: أخْبرَنا [أبو سعيدٍ معاذُ بنُ موسى] (٢) الجَعْفَريُّ، عن بُكيرِ (٣) بن معروفٍ، عن مُقاتِلِ بن حَيَّانَ - قال بُكيرٌ (٣): قال مُقاتِلٌ: أخَذْتُ هذا التفسيرَ عن مجاهدٍ والحسنِ والضحاكِ - في قولِ اللهِ: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾: أن رجلين نصرانيين من أهل دارِينَ (٤)، أحدُهما تميميٌّ والآخرُ يَمانيُّ، صاحَبهما مولًى لقريشٍ في تجارةٍ، فركِبوا البحرَ، ومع القرشيِّ مالٌ معلومٌ قد علِمه أولياؤُه؛ مِن بين آنيةٍ وبَزٍّ (٥) ورِقَةٍ (٦)، فمرِض القرشيُّ، فجعَل وصيتَه إلى الداريَّين (٧)، فمات، وقبَض الداريَّان المالَ والوصيةَ، فدفَعاه إلى أولياءِ الميتِ، وجاءا (٨) ببعضِ مالِه، وأنْكَر القومُ (٩) قلةَ المالِ، فقالوا للداريَّين: إن صاحبَنا قد خرج معه بمالٍ أكثرَ مما أتَيْتُمونا به، فهل باع شيئًا أو اشْتَرَى شيئًا فوُضِع فيه؟ أو هل طال مرضُه فأَنْفَق على نفسِه؟ قالا: لا. قالوا: فإنكما خنْتُمانا. فقبَضوا المالَ، ورفَعوا أمرَهما إلى النبيِّ ﷺ ، فأنزَل اللهُ ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا

стр. 6126

شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. فلمَّا [نزَل: أن يُحْبَسا مِن بعدِ الصلاةِ] (١). أمَر النبيُّ ﷺ فقاما بعدَ الصلاةِ، فحلَفا باللهِ [ربِّ السماواتِ] (٢): ما ترَك مولاكم مِن المالِ إلا ما أتَيْناكم به، وإنا لا نَشْتَرِى بأيمانِنا ثمنًا قليلًا مِن الدنيا ولو كان ذا قُرْبى، ولا نَكْتُمُ شهادةَ اللهِ، إنا إذن لمن الآثمين. فلما حلَفا خلَّى سبيلَهما، ثم إنهم وجَدوا بعدَ ذلك إناءً من آنيةِ الميتِ، فأُخِذ الداريَّان، فقالا: اشْتَرَيْناه منه في حياتِه. وكذَبا، فكُلِّفا البينةَ، فلم يَقْدِرا عليها، فرفَعوا ذلك إلى النبيِّ ﷺ ، فَأَنْزَلَ اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿فَإِنْ عُثِرَ﴾. يقولُ: فإن اطُّلِع، ﴿أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾: يعنى الداريَّين إن كتَما حقًّا، ﴿فَآخَرَانِ﴾ من أولياءِ الميتِ ﴿يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾: [فيَحْلِفان باللهِ] (٣): إن مالَ صاحبِنا كان كذا وكذا، وإن الذي يُطْلَبُ قِبَلَ الداريَّين لَحَقٌّ، ﴿وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾. هذا قولُ الشاهدَيْن أولياءِ الميتِ، ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾: يعنى الداريَّين والناسَ أن يَعُودوا لمثلِ ذلك (٤). قال أبو جعفرٍ: ففيما ذكَرْنا مِن هذه الأخبارِ التي روَيْنا دليلٌ واضحٌ على صحةِ ما قلْنا، مِن أن حكمَ اللهِ تعالى ذكرُه باليمينِ على الشاهدَيْن في هذا الموضعِ، إنما هو مِن أجلِ دعْوى وَرَثتِه على المُسْنَدِ إليهما الوصيةُ خيانةً فيما دفَع الميتُ مِن مالِه إليهما، أو غيرَ ذلك مما لا يَبْرَأُ فيه المُدَّعَى ذلك قِبَلَه إلا بيمينٍ، وأن نقلَ اليمينِ إلى ورثةِ الميتِ بما أَوْجَبه اللهُ تعالى ذكرُه، بعدَ أن عُثِر على الشاهدَيْن [أَنَّهما اسْتَحَقًا إثمًا] (٥) في

стр. 6127

أيمانِهما، ثم ظُهِر على كذبِهما فيها، إنِ القومُ ادَّعَوْا فيما صحَّ أنه كان للميتِ دعوَى، مِن انتقالِ ملكٍ عنه إليهما، ببعضِ ما تَزولُ به الأملاكُ، مما يَكونُ اليمينُ فيها على ورثةِ الميتِ دونَ المدَّعَى، وتكونُ البينة فيها على المدَّعَى - وفسادِ ما خالف في هذه الآية ما (١) قلنا (٢) مِن التأويلِ. وفيها أيضًا البيانُ الواضحُ على أن معنى الشهادةِ التي ذكَرَها اللهُ تعالى ذكرُه في أولِ هذه القصةِ، إنما هي اليمينُ، كما قال اللهُ تعالى ذكرُه في مواضعَ أُخَرَ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٦]. فالشهادةُ في هذا الموضعِ معناها القسَمُ، مِن قولِ القائلِ: أَشْهَدُ باللهِ إنى (٣) لمن الصادقين. وكذلك معنى قولِه: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾. إنما هو: قسَمُ بينِكم، ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾ أَن يُقْسِمَ ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ إن كانا اتُّمِنا (٤) على ما قال فارْتِيب بهما، أو اتُّمِن (٥) آخران من غير المؤمنين فاتُّهِما. وذلك أنّ الله تعالى ذكرُه لمَّا ذكَر نقلَ اليمينِ من اللذين ظُهِر على خيانتِهما إلى الآخرَين قال: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾. ومعلومٌ أنّ أولياءَ الميتِ المُدَّعِين قِبَلَ اللذين ظُهِر على خيانتِهما، غيرُ جائزٍ أن يكونا شُهداءَ بمعنى الشهادةِ التي يُؤْخَذُ بها في الحكمِ حقُّ مُدَّعًى عليه لمُدَّعٍ؛ لأنه لا يُعْلَمُ للهِ تعالى ذكرُه حكمٌ قضَى فيه لأحدٍ بدَعْواه ويمينِه على مُدَّعًى عليه، بغيرِ بينةٍ ولا إقرارٍ من المُدَّعَى عليه ولا برهانٍ.

стр. 6128

فإذ كان معلومًا أن قولَه: ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾. إنما معناه: قَسَمُنا أحقُّ مِن قسَمِهما. وكان قسَمُ اللذين عُثِر على أنهما أثِما، هو الشهادةَ التي ذكَر اللهُ تعالى ذكرُه في قولِه: ﴿أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ - صحَّ أن معنى قولِه: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾. بمعنى الشهادةِ في قولِه: ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾. وأنها بمعنى القسم. واخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾؛ فقرَأ ذلك قرأةُ الحجازِ والعراقِ والشامِ (مِن الذين استُحِقَّ عليهم الأَوْلَيان). بضمِّ التاءِ (١). ورُوِى عن عليٍّ وأبيِّ بن كعبٍ والحسنِ البصريِّ أنهم قرَءوا ذلك: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾. بفتح التاءِ (٢). واخْتَلَفَت أيضًا في قراءةِ قولِه: ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾؛ فقرَأَته عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والشامِ والبصرةِ: ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾ (٣). وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ: "الأوَّلِينَ" (٤). وذُكِر عن الحسنِ البصريِّ أنه كان يَقْرَأُ ذلك: (من الذين استَحَقَّ عليهم الأَوَّلان) (٥). وأولى القراءتين بالصوابِ في قولِه: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾. قراءةُ مَن

стр. 6129

قرَأ بضمِّ التاءِ؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليه، مع مُتابَعةِ (١) عامةِ أهلِ التأويلِ على صحةِ تأويلِه (٢)، وذلك إجماعُ عامتِهم على أن تأويلَه: فآخران مِن أهلِ الميتِ الذين اسْتَحَقُّ المؤتَمنان على مالِ الميتِ الإثمَ فيهم، يَقومان مَقامَ المستحِقَّى (٣) الإثمِ فيهما بخيانتِهما ما خانا مِن مالِ الميتِ. وقد ذكَرْنا قائلى ذلك، أو أكثرَ قائليه، فيما مضَى قبلُ (٤)، ونحن ذاكِرو باقِيهم، إن شاء اللهُ ذلك. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾: أن يَموتَ المؤمنُ فيَحْضُرَ موتَه مسلمان أو كافران، لا يَحْضُرُه غيرُ اثنين منهم، فإن رضِى ورَثتُه ما عاجَل (٥) عليه مِن تركتِه فذاك، وحلَف الشاهدان إن اتُّهِما: إنهما لصادقان، ﴿فَإِنْ عُثِرَ﴾: وُجِد لَطْخٌ (٦)، حلَف الاثنان الأَوْلَيان مِن الورثةِ، فاسْتَحَقًّا، وأَبْطَلا أيمانَ الشاهدَيْن (٧). وأَحْسَبُ أن الذين قرَءوا ذلك بفتحِ التاءِ أرادوا أن يُوَجِّهوا تأويلَه إلى: فآخران يقومان مقامَ المُؤْتَمَنين اللذين عُثِر على خيانتِهما في القسَمِ، والاسْتَحقاقِ

стр. 6130

به عليهما دَعْواهما قِبَلَهما، مِن الذين اسْتَحَق على المُؤْتَمَنين على المالِ على خيانتِهما القيامَ مقامَهما في القسَمِ والاستحقاقِ (١)، الأوْلَيان بالميتِ. وكذلك كانت قراءةُ مَن رُوِيَت هذه القراءةُ عنه، فقرَأ ذلك: هو ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ (٢)﴾؛ ﴿اسْتَحَقَّ (٢)﴾ بفتحِ التاءِ، [و ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾ (٣). على معنى: الأوليان بالميتِ ومالِه. وذلك مذهبٌ صحيحٌ، وقراءةٌ غيرُ مدفوعةٍ صحتُها، غيرَ أنا نَخْتارُ الأُخرى؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليها، مع موافقتِها التأويلَ الذي ذكَرْنا عن الصحابةِ والتابعين. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عبدِ الرحمنِ وكُرَيْبٍ، عن عليٍّ أنه كان يَقْرَأُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ (٤). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، عن حمادِ بن زيدٍ، [عن واصلٍ مَوْلَى أبي عُيينةَ] (٥)، عن يحيى بن عُقَيْلٍ، عن يحيى بن يَعْمَرَ، عن أبيِّ بن كعبٍ أنه كان يَقْرَأُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ (٦). وأما أولى القراءاتِ بالصوابِ في قولِه: ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾. عندى، فقراءةُ مَن
следующие страницы →