عن منصورٍ، عن إبراهيمَ قولَه: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾. قال: أهلُ الذكرِ (١).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾. قال: هم أهلُ الذكرِ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾. قال: لا تَطْرُدْهم عن الذكرِ (٢). وقال آخرون: بل كان ذلك تَعَلُّمهم القرآنَ وقراءتَه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ قولَه: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾. قال: كان يُقْرِئُهم القرآنَ، [مَن الذي يَقُصُّ على] (٣) النبيِّ ﷺ (٤)؟! وقال آخرون: بل عَنَى بدعائِهم ربَّهم عبادتَهم إياه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ، قال: ثنا عُبَيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾. قال: يعني:
стр. 6302
يَعْبُدون، ألَا تَرَى أنه قال: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [غافر: ٤٣]. يعني: تَعْبُدون (١).
والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إن اللهَ تعالى ذكرُه نَهَى نبيَّه محمدًا ﷺ أن يَطْرُدَ قومًا كانوا يَدْعُون ربَّهم بالغداةِ والعشيِّ. والدعاءُ للهِ يكونُ بذكرِه وتمجيدِه والثناءِ عليه قولًا وكلامًا، وقد يكونُ بالعملِ له بالجوارحِ الأعمالَ التي كان عليهم فَرْضُها، وغيرَها مِن النوافلِ التي تُرْضَى، والعاملُ له عابدُه بما هو عاملٌ له، وقد يجوزُ أن يكون القومُ كانوا جامِعين هذه المعانيَ كلَّها، فوصَفَهم اللهُ بذلك، بأنهم يَدْعُونه بالغداةِ والعشيِّ؛ لأن اللهَ قد سَمَّى العبادةَ دعاءً، فقال تعالى ذكرُه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠]. وقد يَجوزُ أن يَكونَ ذلك على خاصٍّ مِن الدعاءِ.
ولا قولَ أولى بذلك بالصحةِ مِن وصْفِ القومِ بما وصَفَهم اللهُ به، مِن أنهم كانوا يَدْعُون ربَّهم بالغَداةِ والعَشِيِّ، فيُعَمُّون بالصفةِ التي وصَفَهم بها ربُّهم، ولا يُخَصُّون منها بشيءٍ دونَ شيءٍ.
فتأويلُ الكلامِ إذن: يا محمدُ، أَنْذِرْ بالقرآنِ الذي أَنْزَلْتُه إليك، الذين يَعْلَمون أنهم إلى ربِّهم مَحْشُورون، فهم مِن خوفِ وُرودِهم على اللهِ الذي لا شَفيعَ لهم مِن دونِه ولا نَصيرَ، في العملِ له دائمون، إذ أَعْرَض عن إنذارِك واسْتماعِ ما أَنْزَل اللهُ عليك المُكذِّبون باللهِ واليومِ الآخرِ من قومِك؛ اسْتِكبارًا على اللهِ. ولا تَطْرُدْهم ولا تُقْصِهم فتَكونَ ممَّن وضَع الإقْصاءَ في غيرِ موضعِه، فأَقْصَى وطرَد مَن لم يَكُنْ له طردُه وإقْصاؤُه، وقرَّب مَن لم يَكُنْ له تقديمُه بقُرْبِه وإدْناؤُه، فإن الذين نهَيْتُك عن
стр. 6303
طردِهم هم الذين يَدْعُون ربَّهم، فيَسْأَلُون عفوَه ومغفرتَه بصالحِ أعمالِهم، وأداءِ ما ألْزَمهم مِن فَرائضِه ونوافلِ تطوُّعِهم، وذكْرِهم إياه بألسنتِهم بالغَداةِ والعشيِّ، يَلْتَمِسون بذلك القُرْبةَ إلى اللهِ والدنوَّ مِن رِضاه، ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾. يقولُ: ما عليك مِن حسابِ ما رزَقْتُهم مِن الرزقِ مِن شيءٍ، وما عليهم مِن حسابِ ما رزَقْتُك مِن الرزقِ مِن شيءٍ ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ حِذارَ مُحاسَبتي إياك بما خوَّلْتُهم في الدنيا مِن الرزقِ.
وقولُه: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾. جوابٌ لقولِه: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾.
وقولُه: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ جوابٌ لقولِه: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾.
يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾: وكذلك اخْتَبَرْنا وابْتَلَيْنا.
كالذي حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ، وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ يقولُ: ابْتَلَينا بعضَهم ببعضٍ (١).
وقد دلَّلْنا فيما مضى مِن كتابِنا هذا على معنى "الفتنةِ"، وأنها الاخْتبارُ والابْتلاءُ، بما أَغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٢).
стр. 6304
وإنما فتنةُ اللهِ تعالى ذكرُه بعض خلقه ببعضٍ مخالفتُه بينَهم فيما قسَم لهم مِن الأرزاقِ والأخْلاقِ، فجعَل بعضًا غنيًّا وبعضًا فقيرًا، وبعضًا قويًّا وبعضًا ضعيفًا، فأَحْوَجَ بعضَهم إلى بعضٍ؛ اخْتبارًا منه لهم بذلك. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾: يعني أنه جعَل بعضَهم أغْنياءَ وبعضَهم فقراءَ، فقال الأغنياءُ للفقراءِ: ﴿أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾. يعني: هداهم اللهُ. وإنما قالوا ذلك استهزاءً وسخريًّا (١).
وأما قولُه: ﴿لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: اخْتَبَرْنا الناسَ بالغنى والفقرِ، والعزِّ والذُّلِّ، والقوةِ والضعفِ، والهدى والضلال؛ كي يَقولَ مَن أضلَّه اللهُ وأعماه عن سبيلِ الحقِّ للذين هداهم اللهُ ووفَّقَهم: ﴿أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ بالهُدَى والرُّشْدِ، وهم فقراءُ ضعفاءُ أذلاءُ، ﴿مِنْ بَيْنِنَا﴾، ونحن أغنياءُ أقوياءُ؟ اسْتِهزاءً بهم، مَعابةً (٢) للإسلامِ وأهلِه.
يقولُ تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾. وهذا منه تعالى ذكرُه إجابةٌ لهؤلاءِ المشركين الذين أنْكَروا أن يَكونَ اللهُ هدَى أهلَ المَسْكَنةِ والضعفِ للحقِّ، وخذَلَهم عنه وهم أغنياءُ، وتَقْرِيرٌ لهم: أنا أعْلَمُ بمَن كان مِن خَلْقِي شاكرًا نِعْمتي،
стр. 6305
ممَّن هو [لها كافرٌ] (١)، فمَنِّي على مَن منَنْتُ عليه منهم بالهدايةِ؛ جزاءَ شكرِه إياي على نعمتي، وتَخْذيلي مَن خَذَلْتُ منهم عن سبيلِ الرَّشادِ؛ عقوبةَ كُفْرانِه إياي نعمتي - لا لِغنَى الغنيِّ منهم، ولا لفَقْرِ الفقيرِ؛ لأن الثوابَ والعقابَ لا يَسْتَحِقُّه أحدٌ إلا جزاءً على عملِه الذي اكْتَسَبه، لا على غناه وفقرِه؛ لأن الغِنَى والفقرَ، والعجزَ والقوةَ، ليس مِن أفعالِ خلقي.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤)﴾.
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في الذين عنَى اللهُ تعالى ذكرُه بهذه الآية؛ فقال بعضُهم: عنَى بها الذين نهى اللهُ نبيَّه عن طردِهم. وقد مضت ممم ١ لروايةُ بذلك عن قائليه.
وقال آخرون: عنَى بها قومًا اسْتَفْتَوُا النبيَّ ﷺ في ذنوبٍ أصابوها عظامٍ، فلم يُؤَيِّسْهم اللهُ مِن التوبةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بن بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن مُجَمِّعٍ، قال: سمِعْتُ ماهانَ، قال: جاء قومٌ إلى النبيِّ ﷺ قد أصابوا ذنوبًا عظامًا، قال ماهانُ: فما إخالُه ردَّ عليهم شيئًا. قال: فأَنْزَلَ اللهُ هذه الآيةَ: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ الآية (٢).
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا قَبيصةُ، عن سفيانَ، عن مُجَمِّعٍ، عن ماهانَ، أن قومًا
стр. 6306
جاءوا إلى النبيِّ ﷺ ، فقالوا: يا محمدُ، إنا أصَبْنا ذنوبًا عظامًا. فما إخالُه ردَّ عليهم شيئًا، فانْصَرَفوا، فأنزل الله تعالى ذكرُه: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾. قال: فدعاهم، فقرَأَها عليهم. حدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن مُجَمِّعٍ التَّميميِّ، قال: سَمِعْتُ ماهانَ يقولُ. فذكر نحوَه (١).
وقال آخَرون: بل عُنِي بها قومٌ مِن المؤمنين كانوا أشاروا على النبيِّ ﷺ بطردِ القومِ الذين نهاه الله عن طردهم، فكان ذلك منهم خَطيئةً، فغفَرها الله لهم، وعفا عنهم، وأمَر نبيَّه ﷺ إذا أتَوه أن يُبَشِّرَهم بأن قد غفر لهم خَطيئتَهم التي سلَفَت منهم بمشُورتهم على النبيِّ ﷺ بطردِ القومِ الذين أشاروا عليه بطردهم. وذلك قولُ عكرمةَ وعبدِ الرحمنِ بن زيدٍ، وقد ذكَرْنا الروايةَ عنهما بذلك قبلُ.
وأولى الأقْوالِ في ذلك عندي بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: المعنيُّون بقولِه: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾. غيرُ الذين نهى الله النبيَّ ﷺ عن طردِهم؛ لأن قولَه: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا﴾ خَبرٌ مُسْتَأْنَفٌ بعدَ تَقَضِّي الخبر عن الذين نهَى الله نبيَّه ﷺ عن طردهم، ولو كانوا هم لقيل: وإذا جاءوك فقلْ: سلامٌ عليكم. وفي ابتداءِ اللهِ الخبرَ عن قصة هؤلاء وتركِه وَصْلَ الكلامِ بالخبر عن الأوَّلين ما يُنْبِئُ عن أنهم غيرُهم.
فتأويلُ الكلام (٢) إذ كان الأمرُ على ما وصَفْنا: وإذا جاءك يا محمدُ القومُ الذين يُصَدِّقون بتنزيلِنا وأدلتِنا وحُجَجِنا، فيُقِرُّون بذلك قولًا وعملًا، مُسْتَرْشِدِيك عن ذنوبِهم التي سلَفَت منهم بيني وبينهم، هل لهم منها توبةٌ؟ فلا تُؤَيِّسْهم منها، وقل
стр. 6307
لهم: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أمَنَةُ اللهِ لكم من ذنوبكم، أن يُعاقِبكم عليها بعدَ توبتِكم منها، ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾. يقولُ: قضَى رَبُّكم الرحمةَ بخلقِه ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
واخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه عامَّةُ قرأةِ المَدَنِيين: (أنه من عمِل منكم سوءًا). فيَجْعَلون "أنَّ" منصوبةً على الترجمة بها عن "الرحمةِ"، (ثم تاب مِن بعدِه وأصْلَح فإنه غفورٌ رحيمٌ) (١). على ائْتِنافِ "إنه" بعدَ الفاءِ، فيَكْسِرونها ويَجْعَلونها أداةً لا موضعَ لها، بمعنى: فهو له غفورٌ رحيمٌ، أو: فله المغفرةُ والرحمةُ. وقرَأَهما بعضُ الكوفِيِّين بفتحِ الألفِ منهما جميعًا، بمعنى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ ثم تَرْجَم بقوله: ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ﴾.
عن الرحمةِ، ﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢). فيَعْطِفُ بـ "أنه" الثانيةِ، على "أنه" الأولى، ويَجْعَلُهما اسمين منصوبين على ما بيَّنْتُ.
وقرأ ذلك بعض المكِّيِّين وعامةُ قرأةِ أهلِ العراق مِن الكوفةِ والبصرةِ، بكسرِ الألفِ مِن "إنه" و "إنه" على الابْتداءِ، وعلى أنهما أداتان لا موضعَ لهما (٣).
وأولى القراءات في ذلك عندي بالصواب قراءةُ من قرَأَهما بالكسرِ: (كتَب ربُّكم على نفسِه الرحمةَ إنه) على ابتداءِ الكلامِ، وأن الخبرَ قد انْتَهَى عندَ قولِه: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾، ثم اسْتُؤْنِف الخبرُ عما هو فاعلٌ تعالى ذكرُه بمَن عمِل سوءًا بجَهالةٍ ثم تاب وأصْلَح منه.
стр. 6308
ومعنى قولِه: ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ﴾: أنه من اقْتَرَف منكم ذنبًا، فجهِل باقْتِرافِه إياه، ثم تاب وأَصْلَحَ ﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ﴾ لذنبِه إذا تاب وأناب، وراجَع العملَ بطاعةِ اللهِ، وترَك العَوْدَ إلى مثلِه مع الندم على ما فرَط منه ﴿رَحِيمٌ﴾ بالتائبِ أن يُعاقِبَه على ذنبه بعد توبتِه منه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ من أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن عثمان، عن مجاهدٍ: ﴿مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ﴾. قال: مَن جهِل أنه لا يَعْلَمُ حلالًا مِن حرامٍ، ومِن جَهالتِه ركب الأمرَ (١).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضحاكِ مثلَه.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النساء: ١٧]. قال: مَن عَمِل بمعصية الله، فذاك منه جهلٌ حتى يَرْجِعَ (٢).
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيز، قال: ثنا بكرُ بنُ خُنَيْسٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ﴾. قال: كلُّ مَن عمِل بخطيئةٍ فهو بها جاهلٌ.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيز، قال: ثنا خالدُ بنُ دينارٍ أبو خَلْدةَ، قال: كنا إذا دخَلْنا على أبي العاليةِ قال: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ
стр. 6309
عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ (١).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥)﴾.
يعني تعالى ذكرُه بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾: وكما فصَّلْنا لك في هذه السورة من ابتدائِها وفاتحتِها يا محمدُ إلى هذا الموضعِ، حجتَنا على المشركين مِن عَبَدةِ الأوثانِ، وأدلتَنا، وميَّزْناها لك وبيَّناها، كذلك نُفَصِّلُ لك أعلامَنا وأدلتَنا في كلِّ حقٍّ يُنْكِرُه أهلُ الباطل من سائر أهل الملل غيرِهم، فنُبَيِّنُها لك حتى يَتَبَيَّنَ حقُّه من باطله، وصَحيحُه مِن سَقيمِه.
واخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلِ المدينة: (ولتَسْتَبِينَ) بالتاءِ (سَبِيلَ المجْرمِين) (٢) بنصبِ "السبيلِ"، على أنَّ "تستبين" خطابٌ للنبيِّ ﷺ ، كأن معناه عندَهم: ولِتَسْتَبِينَ أنت يا محمدُ سبيلَ المجرمين.
وكان ابن زيدٍ يَتَأَوَّلُ ذلك: ولِتَسْتَبِينَ أنت يا محمدُ سبيلَ المجرمين الذين سأَلوك طَرْدَ النفرِ الذين سأَلوه طردَهم عنه مِن أصحابِه.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: (ولِتَسْتَبِينَ سبيلَ المُجْرِمين). قال: الذين يَأْمُرُونك بطردِ هؤلاء (٣).
وقرَأ ذلك بعضُ المكِّيِّين وبعضُ البصريين: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ﴾ بالتاءِ ﴿سَبِيلُ
стр. 6310
الْمُجْرِمِينَ﴾ (١) برفعِ "السبيلِ" على أن القصدَ للسبيلِ، ولكنه يُؤَنِّثُها، وكأن معنى الكلامِ عندَهم: وكذلك نُفَصِّلُ الآياتِ ولِتَتَّضِحَ لك وللمؤمنين طريقُ المجرمين.
وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ: (وليَسْتَبِينَ) بالياءِ (سبيلُ المجْرمِين) (٢) برفعِ "السبيلِ"، على أن الفعلَ للسبيلِ، ولكنهم يُذكِّرونه، ومعنى هؤلاء في هذا الكلام، ومعنى مَن قرَأ ذلك بالتاءِ في: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ﴾، ورفَع السبيلَ، واحدٌ، وإنما الاختلافُ بينَهم في تذكيرِ السبيلِ وتأنيثها.
وأولى القراءتين بالصوابِ عندي في "السبيل" الرفعُ؛ لأن اللهَ تعالى ذكرُه فصَّل آياته في كتابِه وتنزيلِه ليَتَبَيَّنَ الحقَّ بها مِن الباطلِ جميعُ مَن خُوطِب بها، لا بعضٌ دونَ بعضٍ.
ومن قرَأ "السبيلَ" بالنصبِ، فإنما جعَل تَبْيينَ ذلك محْصورًا على النبيِّ ﷺ .
وأما القراءةُ في قولِه: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ﴾ فسواءٌ قُرِئَت بالتاءِ أو بالياءِ؛ لأن مِن العربِ مَن يُذَكِّرُ "السبيلَ"، وهي تَميمٌ وأهلُ نجدٍ، ومنهم مَن يُؤَنَّثُ "السبيلَ"، وهم أهلُ الحجازِ، وهما قراءتان مُسْتَفِيضتان في قرأةِ الأمصارِ، ولغتان مشهورتان مِن لغاتِ العربِ، وليس في قراءةِ ذلك بإحداهما خلافٌ لقراءتِه بالأُخرى، ولا وجهَ لاختيارِ إحداهما على الأُخرى بعد أن يُرْفَعَ "السبيلُ"؛ للعلةِ التي ذكَرْنا.
وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ قولِه: ﴿نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾. قال أهلُ التأويلِ.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾: تُبَيِّنُ الآياتِ (٣).
стр. 6311
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في: ﴿نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾: نُبَيِّنُ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قلْ يا محمدُ لهؤلاء المشركين بربِّهم مِن قومِك، العادِلِين به الأوثان والأندادَ الذين يَدْعُونك إلى موافقتِهم على دينِهم، وعبادةِ الأوثانِ -: إن اللهَ نهاني أن أَعْبُدَ الذين تَدْعُونَ مِن دونِه، فلن أَتَّبِعَكم على ما تَدْعُونني إليه من ذلك، ولا أُوافِقَكم عليه، ولا أُعْطِيَكم محبَّتَكم وهواكم فيه، وإن فعَلْتُ ذلك فقد ترَكْتُ مَحَجَّةَ الحَقِّ، وسلَكْتُ على غير الهُدَى، فصِرْتُ ضالًّا مثلَكم على غير استقامةٍ.
وللعربِ في "ضَللْتُ" لغتان؛ فتحُ اللامِ وكسرُها، واللغةُ الفصيحةُ المشهورةُ هي فتحُها، وبها قرَأ عامةُ قرأة الأمصار، وبها نَقْرأُ؛ لشهرتِها في العربِ، وأما الكسرُ فليس بالغالبِ في كلامِها، والقرأةُ بها قليلون (١)، فمَن قال: "ضلَلْتُ" قال: أَضِلُّ. ومَن قال: "ضلِلْتُ" قال في المستقبلِ: أَضَلُّ. وكذلك القراءةُ عندَنا في سائرِ القرآنِ ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا﴾ [السجدة:١٠] بفتحِ اللامِ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (٥٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه ﷺ : ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لهؤلاء العادِلين بربِّهم، الداعِين لك إلى الإشراكِ بربِّك: ﴿إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ أي: إني على بيانٍ قد تبَيَّنْتُه، وبرهانٍ قد وضَح لي ﴿مِنْ رَبِّي﴾. يقولُ: مِن توحيدِه (٢)، وما أنا عليه مِن
стр. 6312
إخلاصِ عبودتِه من غيرِ إشراكِ شيءٍ به.
وكذلك تقولُ العربُ: فلانٌ على بينةٍ من هذا الأمرِ. إذا كان على بيانٍ منه، ومن ذلك قولُ الشاعرِ (١):
أبَيِّنَةً تَبْغُون بعدَ اعترافِهِ … وقولِ سُوَيْدٍ قد كَفَيْتُكُمْ بِشْرَا
﴿وَكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾. يقولُ: وكذَّبْتُم أنتم بربِّكم. والهاءُ في قولِه: ﴿بِهِ﴾ (٢) من ذكرِ الربِّ جلّ وعزّ. ﴿مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾. يقولُ: ما الذي تَسْتَعْجِلون مِن نِقَمِ اللهِ وعذابِه بيدي، ولا أنا على ذلك بقادرٍ. وذلك أنهم قالوا حينَ بعث اللهُ نبيَّه محمدًا ﷺ بتَوحيده، فدعاهم إلى اللهِ، وأَخْبَرَهم أنه رسولُه إليهم: ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٣]. وقالوا للقرآنِ: هو أضْغاتُ أحلامٍ. وقال بعضُهم: بل هو اخْتِلاقٌ اخْتَلَقَه. وقال آخرون: بل محمدٌ شاعرٌ، فلْيَأْتِنا بآيةٍ كما أُرْسِل الأوَّلون. فقال اللهُ لنبيِّه ﷺ : أَجِبْهم بأن الآياتِ بيدِ اللهِ لا بيدِك، وإنما أنت رسولٌ، وليس عليك إلا البلاغُ لما أُرْسِلْتَ به، وأن اللهَ يَقْضِي الحقَّ فىهم وفيك، ويفصِلُ به بينَك وبينَهم، فيَتَبَيَّنُ المُحِقُّ منكم والمُبْطِلُ، ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾. أيْ: وهو خيرُ مَن بيَّن وميَّز بينَ المُحقِّ والمُبطِلُ، وأعْدلُهم؛ لأنه لا يَقَعُ في حكمِه وقَضائِه حَيْفٌ إلى أحدٍ، لوسيلةٍ له إليه، ولا لقرابةٍ ولا مُناسبةٍ، ولا في قضائِهِ جَوْرٌ؛ لأنه لا يَأْخُذُ الرَّشْوةَ في الأحكامِ فيَجُورَ، فهو أعدلُ الحكامِ وخيرُ الفاصِلين.
وقد ذُكِر لنا في قراءةِ عبدِ اللهِ: (وهو أَسْرَعُ الفاصِلين) (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي
стр. 6313
بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ أنه قال: في قراءةِ عبدِ اللهِ: (يَقْضِي الحقَّ وهو أَسْرَعُ الفاصِلِين) (١).
واخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ قولِه: (يَقْضِي الحَقَّ)؛ فقرَأَه عامةُ قرأةِ الحجازِ والمدينةِ وبعضُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ والبصرةِ: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ﴾.
بالصادِ بمعنى القَصَصِ (٢). وتأوَّلوا في ذلك قولَ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣]. وذُكِر ذلك عن ابنِ عباسٍ.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ عُيَيْنَةَ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ﴿يَقُصُّ الْحَقَّ﴾. وقال: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ (٣).
وقرَأ ذلك جماعةٌ من قرأةِ الكوفةِ والبصرةِ: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقْضِي الحَقَّ) بالضادِ (٤)، من القضاء بمعنى الحكم والفصل بالقضاء، واعْتَبَروا صحةَ ذلك بقولِه: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾. وأن الفصلَ بين المختلفين إنما يكونُ بالقضاءِ لا بالقَصَصِ.
وهذه القراءةُ عندَنا أولى القراءتين بالصوابِ (٥)؛ لِما ذكَرْنا لأهلِها من العلةِ.
فمعنى الكلامِ إذن: ما الحكمُ فيما تَسْتَعْجِلون به أيُّها المشركون مِن عذابِ اللهِ، وفيما بيني وبينكم، إلا لله الذي لا يَجورُ في حكمه، وبيده الخلقُ والأمرُ، يَقْضِي الحقَّ بيني وبينكم، وهو خيرُ الفاصِلين بينَنا بقضائِه وحكمِه.
стр. 6314
القولُ في تأويل قولِه: ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (٥٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قلْ يا محمدُ لهؤلاء العادلِين بربِّهم الآلهةَ والأوثانَ، المُكَذِّبِيك فيما جئْتَهم به، السائِلِيك أن تَأْتِيَهم بآيةٍ؛ اسْتِعْجالًا منهم بالعذابِ: لو أن بيدي ما تَسْتَعْجِلون به من العذابِ ﴿لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ ففُصِل ذلك أسرعَ الفَصْلِ بتعجيلي لكم ما تَسْأَلُوني من ذلك وتَسْتعْجِلونه، ولكنَّ ذلك بيد الله، الذي هو أعلمُ بوقتِ إرسالِه على الظالمين، الذين يَضَعُون عبادتَهم التي لا تَنْبَغِي أن تَكونَ إلا للهِ في غيرِ موضعِها، فيَعْبُدُون مِن دونِه الآلهةَ والأصنامَ، وهو أعلمُ بوقتِ الانتقامِ منهم، وحالِ القضاءِ بيني وبينَهم.
وقد قيل: معنى قولِه: ﴿لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾: الذبحُ للموتِ.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: بلَغَني في قولِه: ﴿لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾. قال: ذبحُ الموتِ (١).
وأَحْسَبُ أن قائلَ هذا النوعِ نزَع لقولِه: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ [مريم: ٣٩]. فإنه رُوِي عن النبيِّ ﷺ في ذلك قصةٌ تَدُلُّ على معنى ما قاله هذا القائلُ في قضاءِ الأمرِ (٢). وليس قولُه: ﴿لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ مِن ذلك في شيءٍ، وإنما هذا أمرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه نبيَّه محمدًا ﷺ أن يَقولَ لمن اسْتَعْجَله فصْلَ القضاءِ بينَه وبينَهم مِن قولِه بآيةٍ يَأْتيهم بها: لو أن العذابَ والآياتِ بيدي وعندي، لعاجَلْتُكم بالذي تَسْألوني من ذلك، ولكنه بيدِ مَن هو أعلمُ بما
стр. 6315
يُصْلِحُ خلقه مني ومِن جميعِ خلقِه.
القولُ في تأويل قوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾.
يقولُ: وَعِنْدَ اللهِ مفاتحُ الغيبِ. والمفاتحُ: جمعُ مِفْتَحٍ، يقالُ فيه: مِفْتَحٌ ومِفْتاحٌ. فمَن قال: مِفْتَحٌ. جمَعه مَفاتِحَ، ومَن قال: مِفْتَاحٌ. جمَعه مَفاتيحَ.
ويعني بقوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾: خزائنُ الغيب.
كالذي حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾. قال: يقولُ: خَزائنُ الغيبِ (١).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن مِسْعَرٍ، عن عمرِو بنِ مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ سلِمةَ، عن ابنِ مسعودٍ، قال: أُعْطِي نبيُّكم (٢) كلَّ شيءٍ إلا مَفاتحَ الغيبِ (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾. قال: من خمسٌ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ إلى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٤) [لقمان: ٣٤].
فتأويلُ الكلام إذن: واللهُ أعلمُ بالظالمين من خلقِه، وما هم مُسْتَحِقُّوه، وما هو
стр. 6316
بهم صانعٌ، فإن عندَه علم ما غاب علمُه عن خلقِه، فلم يَطَّلِعُوا عليه ولم يُدْرِكوه ولم يَعْلَموه، ولن (١) يُدْرِكوه، ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾، يقولُ: وعنده علمُ ما لم يَغِبْ أيضًا عنكم؛ لأن ما في البرِّ والبحرِ مما هو ظاهرٌ للعين يَعْلَمُه العبادُ.
فكأن معنى الكلامِ: وعندَ اللهِ علمُ ما غاب عنكم أيُّها الناسُ مما لا تَعْلَمونه ولن تَعْلَموه مما اسْتَأْثرَ بعلْمِه نفسَه، ويَعْلَمُ أيضًا مع ذلك جميعَ ما يَعْلَمُه جميعُكم، لا يَخْفَى عليه شيءٌ؛ لأنه لا شيء إلا ما يَخْفَى عن الناسِ، أو ما لا يَخْفَى عليهم، فأخْبَر تعالى ذكرُه أن عندَه علمَ كلِّ شيءٍ كان ويَكونُ، وما هو كائنٌ مما لم يَكُنْ بعد، وذلك هو الغيبُ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولا تَسْقُطُ ورقةٌ في الصَّحارِي والبراريِّ، ولا في الأمصارِ والقُرَى، إلا اللهُ يَعْلَمُها، ﴿وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. يقولُ: ولا شيءٌ أيضًا مما هو موجودٌ، أو مما سيُوجَدُ ولم يُوجَدْ بعدُ، إلا وهو مُثْبَتٌ في اللَّوْحِ المحفوظِ، مكتوبٌ ذلك فيه، ومرسومٌ عددُه ومَبْلَغُه، والوقتُ الذي يُوجَدُ فيه، والحالُ التي يَفْنَى فيها.
ويعني بقوله: ﴿مُبِينٍ﴾. أنه يُبِينُ عن صحةِ ما هو فيه بوجود ما رُسِم فيه على ما رُسِم.
فإن قال قائلٌ: وما وجهُ إثباتِه في اللوحِ المحفوظِ والكتابِ المبينِ ما لا يَخْفَى عليه، وهو بجميعِه عالمٌ لا يَخافُ نسيانَه؟
стр. 6317
قيل له: لله تعالى فعلُ ما شاء، وجائزٌ أن يَكونَ كان ذلك منه امْتحانًا منه لحفَظَتِه، واختبارًا للمُوَكَّلِين بكتابةِ أعمالِهم، فإنهم فيما ذُكِر مأْمورون بكتابةِ أعمالِ العبادِ، ثم بعرضِها على ما أثْبَتَه اللهُ من ذلك في اللوحِ المحفوظِ، حتى أَثْبَت فيه ما أَثْبَت كلَّ يومٍ. وقيل: إن ذلك معنى قولِه: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩]. وجائزٌ أن يَكونَ ذلك لغيرِ ذلك، مما هو أعلمُ به، إما بحُجةٍ يَحْتَجُّ بها على بعضِ ملائكتِه، وإما على بني آدمَ، وغير ذلك.
وقد حدَّثني زيادُ بنُ يحيى (١) الحسَّانيُّ أبو الخطابِ، قال: ثنا مالكُ بنُ سُعَيْرٍ، قال: ثنا الأعمشُ، عن يزيدَ بن أبي زِيادٍ، عن عبدِ اللهِ بن الحارثِ، قال: ما في الأرضِ من شجرةٍ ولا كمَغْرِزِ إبرةٍ، إلا عليها ملكٌ مُوَكَّلٌ بها، يَأْتِي اللهَ بعلمِها (٢)؛ يُبْسِها إذا يَبِسَت، ورُطوبتِها إذا رَطِبَت (٣).
القولُ في تأويلِ قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه ﷺ : وقلْ لهم يا محمدُ: واللهُ أعلمُ بالظالمين، واللهُ هو الذي يَتَوَفَّى أَرْواحَكم بالليلِ، فيَقبِضُها مِن أجسادِكم، ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾. يقولُ: ويَعْلَمُ ما كسَبْتُم مِن الأعمالِ بالنهارِ.
ومعنى "التَّوَفِّى" في كلامِ العربِ اسْتِيفاءُ العددِ، كما قال الشاعرُ (٤):
стр. 6318
إن بني الأَدْرمِ (١) ليسوا مِن أحَدْ … ولا تَوَفَّاهم قُريشٌ في العَدَدْ
بمعنى: لم تُدْخِلْهم قريشٌ في العددِ.
وأما الاجتراحُ عند العربِ فهو عملُ الرجل بيدِه أو رجلِه أو فمِه، وهي الجوارحُ عندَهم، جوارحُ البدنِ فيما ذُكِر عنهم، ثم يُقالُ لكلِّ مُكْتَسِبٍ عملًا: جارحٌ؛ لاستعمال العرب ذلك في هذه الجوارح، ثم كثُر ذلك في الكلام، حتى قيل لكلِّ مُكْتَسِبٍ كَسْبًا، بأيِّ أعضاءِ جسمِهِ اكْتَسَب: مُجْتَرِحٌ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾: أما ﴿يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ ففي النومِ، وأما ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾. فيقولُ: ما اكْتَسَبْتُم مِن الإثمِ.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾: يعني: ما اكْتَسَبْتُم مِن الإِثْمِ (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، قال: ثنا معمرٌ، عن
стр. 6319
قتادةَ: ﴿مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾. قال: ما عمِلْتم بالنهارِ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا معمرٌ، عن قتادة مثلَه (١).
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾: يعني بذلك نومَهم، ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾، أي: ما عمِلْتم مِن ذنبٍ فهو يَعْلَمُه، لا يَخْفَى عليه شيءٌ مِن ذلك.
حدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾. قال: أما وفاتُه إياهم بالليلِ فمنامُهم، وأما ﴿مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ فيقولُ: ما اكْتَسَبْتم بالنهارِ (٢).
وهذا الكلام وإن كان خبرًا مِن اللهِ تعالى ذكرُه عن قدرتِه وعلمِه، فإن فيه احتجاجًا على المشركين به الذين كانوا يُنْكرون قدرتَه على إحيائِهم بعدَ مماتِهم، وبعثِهم بعد فنائِهم، فقال تعالى ذكرُه مُحْتَجًّا عليهم: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾. يقولُ: فالذي يَقْبِضُ أرواحَكم بالليلِ، ويَبْعَثُكم في النهارِ لتَبْلُغوا أجلًا مُسَمًّى، وأنتم تَرَوْن ذلك وتَعْلَمون صحتَه، غيرُ مُنْكَرٍ له القدرةُ على قبضِ أرْواحِكم وإفنائِكم، ثم ردِّها إلى أجسادِكم وإنشائِكم بعدَ مماتِكم، فإن ذلك نظيرُ ما تُعاينون وتُشاهدون، وغيرُ مُنْكَرٍ لمن قدَر على ما تُعايِنون من ذلك، القدرةُ على ما لم تُعايِنوه، وإن الذي لم تَرَوْه
стр. 6320
ولم تُعاينوه مِن ذلك، شبيهُ ما رأَيْتُم وعايَنْتُم.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ﴾: يُثِيرُكم ويُوقِظُكم من مَنامِكم، ﴿فِيهِ﴾. يعني: في النهارِ. والهاءُ التي في (١) ﴿فِيهِ﴾ راجعةٌ على النهارِ.
﴿لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾. يقولُ: ليَقْضِيَ اللهُ الأجل الذي سماه لحياتكم، وذلك الموتُ، فيَبْلُغُ مدتَه ونهايتَه، ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾. يقولُ: ثم إلى اللهِ مَعادُكم ومَصيرُكم، ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: ثم يُخْبِرُكم بما كنتم تَعْمَلون في حياتكم الدنيا، ثم يُجازيكم بذلك، إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾. قال: في النهارِ (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، قال: ثنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾: في النهارِ، والبعثُ اليَقَظَةُ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بن المفضلِ، قال:: ثنا أسباطُ، عن
стр. 6321
السديِّ: ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾. قال: [في النهارِ] (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال عبدُ اللهِ بنُ كَثيرٍ: ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾. قال: يَبْعَثُكم في المنامِ.
﴿لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾: وذلك الموتُ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾: وهو الموتُ (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾. قال: هو أجلُ الحياةِ إلى الموتِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ: ﴿لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾. قال: مدَّتُهم (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ﴾: واللهُ الغالبُ خلقَه، العالي عليهم بقدرتِه، لا المقهورُ مِن أوثانِهم وأصنامِهم، المذلَّلُ المَعْلوُّ (٤) عليه لذلَّتِه.
стр. 6322
﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾. وهي ملائكتُه الذين يَتَعاقَبونكم ليلًا ونهارًا، يَحْفَظون أعمالَكم ويُحْصُونها، ولا يُفَرِّطون في حفظِ ذلك وإحصائِه ولا يُضَيِّعون.
وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾. قال: هي المُعَقِّباتُ من الملائكةِ، يَحْفَظونه ويَحْفَظون عملَه (١).
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾. يقولُ: حَفَظةٌ يا بنَ آدمَ يَحْفَظون عليك عملَك ورزقَك وأجلَك، إذا توَفَّيْتَ ذلك قُبِضْتَ إلى ربِّك (٢).
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن ربَّكم يَحْفَظُكم برسلٍ يُعَقِّبُ بينَها، يُرْسِلُهم إليكم بحفظِكم وبحفظِ أعمالِكم، إلى أن يَحْضُرَكم الموتُ ويَنْزِلَ بكم أمرُ اللهِ، فإذا جاء ذلك أحدَكم، توَفَّاه أملا كُنا الموَكَّلون بقبضِ الأرواحِ، ورسلُنا المُرْسَلون به، وهم لا يُفَرِّطون في ذلك فيُضَيِّعونه.
стр. 6323
فإن قال قائلٌ: أو ليس الذي يَقْبِضُ الأرْواحَ ملَكُ الموتِ، فكيف قيل: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾. والرسلُ جملةٌ وهو واحدٌ؟ أو ليس قد قال: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١].
قيل: جائزٌ أن يكونَ اللهُ تعالى ذكرُه أعان مَلكَ الموتِ بأعوانٍ من عندِه، فيَتَوَلَّوْن ذلك بأمر ملكِ الموتِ، فيكونُ التَّوَفِّي مضافًا - وإن كان ذلك من فعل أعوانِ ملكِ الموتِ - إلى ملكِ الموتِ، إذ كان فعلُهم ما فعَلوا من ذلك بأمرِه، كما يُضافُ قتلُ مَن قتَل أعوانُ السلطانِ وجلدُ من جلَدوه بأمر السلطانِ، إلى السلطانِ، وإن لم يَكُنِ السلطانُ باشَر ذلك بنفسِه ولا ولِيَه بيدِه.
وقد تأوَّل ذلك كذلك جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُريْبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: ثنا الحسنُ بنُ عُبيدِ اللهِ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾.
قال: كان ابنُ عباسٍ يقولُ: لِملَكِ الموتِ أعوانٌ مِن الملائكةِ (١).
حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن الحسنِ بنِ عُبيدِ اللهِ في قولِه: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾. قال: سُئِل ابنُ عباسٍ عنها، فقال: إن لملكِ الموتِ أعوانًا مِن الملائكةِ.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الحسنِ بن عُبيد الله، عن إبراهيم في قوله: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾. قال: أعوانُ
стр. 6324
ملكِ الموتِ (١).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾. قال: الرسلُ تَوَفَّى الأنفسَ، ويَذْهَبُ بها ملكُ الموتِ (٢).
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا حفصٌ، عن الحسنِ بنِ عُبيدِ اللهِ، [عن إبراهيمَ] (٣)، عن ابنِ عباسٍ: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ قال: أعوانُ ملكِ الموتِ مِن الملائكةِ (٤).
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا قَبيصةُ، عن سفيانَ، عن الحسنِ بنِ عُبيدِ الله، عن إبراهيمَ: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾. قال: هم الملائكةُ أعوانُ ملكِ الموتِ.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، قال: ثنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾. قال: إن ملكَ الموتِ له رُسلٌ، فيُرْسَلُ ويُرْفَعُ ذلك إليه، وقال الكلبيُّ: إن ملكَ الموتِ هو يَلِي ذلك، فيَدْفَعُه إن كان مؤمنًا إلى ملائكةِ الرحمةِ، وإن كان كافرًا إلى ملائكةِ العذابِ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾. قال: يَلِي قبضَها الرسلُ، ثم يَدْفَعونها إلى ملكِ الموتِ (٥).
стр. 6325
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا الثوريُّ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾. قال: يَتَوَفَّاه الرسلُ، ثم يَقْبِضُ منهم ملكُ الموتِ الأنفسَ (١).
قال الثوريُّ: وأَخْبرَني الحسنُ بنُ عُبِيدِ اللهِ، عن إبراهيمَ، قال: هم أعوانٌ لملكِ الموتِ (١).
قال الثوريُّ: وأخْبرَني رجلٌ، عن مجاهدٍ، قال: جُعِلَت الأرضُ لملكِ الموتِ مثلَ الطَّسْتِ يَتَناوَلُ من حيث شاء، وجُعِلَت له أعوانٌ يَتَوَفَّون الأنفسَ ثم يَقْبِضُها منهم (١).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن الحسنِ بنِ عُبيدِ اللهِ، عن إبراهيمَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾. قال: أعوانُ ملكِ الموتِ مِن الملائكةِ.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن الحسنِ بنِ عبيد الله، عن إبراهيمَ، قال: الملائكةُ أعوانُ ملكِ الموتِ.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا قَبيصةُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾. قال: يَتَوَفَّوْنه ثم يَدْفَعونه إلى ملكِ الموتِ.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الله بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، قال: سأَلتُ الربيعَ بنَ أنسٍ عن ملكِ الموتِ، أهو وحدَه الذي يَقْبِضُ الأَرْواحَ؟ قال: هو الذي يَلِي أمرَ الأرواحِ، وله أعوانٌ على ذلك، ألا تَسْمَعُ إلى قولِ الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٣٧]. وقال: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾. غيرَ أن ملكَ الموتِ هو [الرئيسُ، و] (٢) كلُّ خطوةٍ منه مِن المشرقِ
стр. 6326
إلى المغربِ. قلتُ: أين تَكونُ أرواحُ المؤمنين؟ قال: عندَ السِّدْرَةِ في الجنةِ (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا محمدُ بنُ مسلمٍ، عن إبراهيمَ بنِ مَيْسَرةَ، عن مجاهدٍ، قال: ما مِن أهلِ بيتِ شَعَرٍ ولا مَدَرٍ إلا وملكُ الموتِ يُطِيفُ بهم كلَّ يومٍ مرتين (٢).
وقد بيَّنا أن معنى "التَّفْريطِ" التَّضْييعُ فيما مضَى قبلُ (٣)، وكذلك تأوَّله المتأوِّلون في هذا الموضعِ.
حدَّثنا المثنى، قال: ثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَا يُفَرِّطُونَ﴾. يقولُ: لا يُضَيِّعون (٤).
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾. قال: لا يُضَيِّعون (٥).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (٦٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ثم رُدَّت الملائكةُ الذين تَوَفَّوْهم، فقبَضوا نفوسَهم وأرواحَهم إلى اللهِ سيدِهم الحقِّ. ﴿أَلَا لَهُ الْحُكْمُ﴾ يقولُ: ألا له الحكمُ والقضاءُ
стр. 6327
دونَ مَن سواه من جميعِ خلقِه، ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾. يقولُ: وهو أسرعُ مَن حسَب عدَدَكم وأعمالَكم وآجالَكم وغيرَ ذلك مِن أمورِكم أيُّها الناسُ، وأحْصاها وعرَف مقاديرَها ومَبالغَها؛ لأنه لا يَحْسُبُ بعَقْدِ يدٍ، ولكنه يَعْلَمُ ذلك، ولا يَخْفَى عليه منه خافيةٌ، ولا يَعْزُبُ عنه مِثْقَالُ ذرةٍ في السماواتِ ولا في الأرضِ، ولا أصغرُ من ذلك ولا أكبرُ إلا في كتابٍ مُبينٍ (١).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا (٢) مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه ﷺ : قل يا محمدُ لهؤلاء العادِلِين بربِّهم، الداعِين لك إلى عبادةِ أوثانِهم: مَن الذي يُنَجِّيكم من ظلماتِ البرِّ إذا ضَلَلْتُم فيه فتحَيَّرْتُم، فأَظْلَم عليكم الهُدَى والمَحَجَّةُ، ومِن ظلماتِ البحرِ إذا ركِبْتُموه فأخْطَأْتم فيه المَحَجَّةَ، فأَظْلَم عليكم فيه السبيلُ، [فلم تَهْتَدوا] (٣) له - غيرُ اللهِ الذي إليه (٤) مَفْزَعُكم حينَئذٍ بالدعاءِ، تَضَرُّعًا منكم إليه واسْتِكانةً، جهرًا ﴿وَخُفْيَةً﴾. يقولُ: وإخفاءً للدعاءِ أحيانًا، وإعلانًا وإظهارًا، تقولون: (لئن أنْجَيْتَنا مِن هذه) يا ربِّ، أي: مِن هذه الظلماتِ التي نحن فيها، ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾. يقولُ: لَتَكونَنَّ ممَّن يُوَحِّدُك بالشكرِ، ويُخْلِصُ لك العبادة، دونَ مَن كنا نُشْرِكُه معك في عبادتك.
وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
стр. 6328
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾. يقولُ: إذا أضَلَّ الرجلُ الطريقَ دعا اللهَ: (لئن أَنْجَيْتَنَا مِن هذه لَنَكُونَنَّ مِن الشاكرين) (١).
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾. يقولُ: مِن كَرْبِ البرِّ والبحرِ (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٦٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قل يا محمدُ لهؤلاء العادِلين بربِّهم سواه مِن الآلهةِ إذا أنت ١ سْتَفْهَمْتَهم عمَّن به يَسْتَعِينون عندَ نزولِ الكرْبِ بهم في البرِّ والبحرِ: اللهُ القادرُ على فَرَجِكم عندَ حلولِ الكربِ بكم، يُنَجِّيكم من عظيمِ النازلِ بكم في البرِّ والبحرِ، مِن هَمِّ الضَّلالِ، وخوفِ الهلاكِ، ومن [كلِّ كربٍ] (٣) سوى ذلك وهَمٍّ، لا آلهتُكم التي تُشْرِكون بها في عبادتِه، ولا أوثانُكم التي تَعْبُدُونها مِن دونِه التي لا تَقْدِرُ لكم على نفعٍ ولا ضَرٍّ، ثم أنتم بعدَ تفضُّلِه عليكم بكشفِ النازلِ بكم مِن الكربِ ودفعِ الحالِّ بكم مِن جَسيمِ الهَمِّ تَعْدِلون به آلهتَكم وأصنامَكم، فتُشْرِكونها
стр. 6329
في عبادتِكم إياه، وذلك منكم جهلٌ بواجبِ حقِّه عليكم، وكفرٌ لأيادِيه عندَكم، وتعرُّضٌ منكم لإنزالِ عقوبتِه عاجلًا بكم.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قلْ لهؤلاء العادِلين بربِّهم (١) الأصنامَ والأوثانَ يا محمدُ: إن الذي يُنَجِّيكم مِن ظلماتِ البرِّ والبحرِ، ومِن كلِّ كرْبٍ، ثم تَعُودون للإشراكِ به، هو القادرُ على أن يُرْسِلَ عليكم عذابًا مِن فوقِكم أو مِن تحتِ أرجلِكم؛ لشركِكم به، وادِّعائِكم معه إلهًا آخرَ غيرَه، وكفرانِكم نعمَه، مع إسْباغِه عليكم آلاءَه ومِنَنَه.
وقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى"العذابِ" الذي توَعَّد اللهُ به هؤلاء القومَ أن يَبْعَثَه عليهم مِن فوقِهم أو مِن تحتِ أرجلِهم؛ فقال بعضُهم: أما العذابُ الذي توَعَّدَهم به أن يَبْعثَه عليهمِ مِن فوقِهم فالرجمُ. وأما الذي توَعَّدهم أن يَبْعثهَ عليهم مَن تحتِهم فالخَسْفُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن السديِّ، عن أبي مالكٍ: ﴿عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [قال: الرجمُ] (٢). ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾. قال: الخَسْفُ (٣).
стр. 6330
حدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن الأَشْجَعيِّ، عن سفيانَ، عن السديِّ، عن أبي مالكٍ وسعيدِ بنِ جُبيرٍ مثلَه.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن شِبْلٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾. قال: الخَسْفُ (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾: فعذابُ السماءِ، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾: فيَخْسِفُ بكم الأرضَ (١).
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾. قال: كان ابنُ مسعودٍ يَصِيحُ وهو في المجلسِ - أو على المنبرِ -: ألا أيُّها الناسُ، إنه نزَل بكم؛ إن الله يقولُ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ لو جَاءَكم عذابٌ مِن السماءِ لم يُبْقِ منكم أحدًا، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ لو خسَف بكم الأرضَ أهْلَكَكم ولم يُبْقِ منكم أحدًا، ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ ألا إنه نزَل بكم أسوأُ الثلاثِ (٢).
وقال آخَرون: عُنِي بالعذابِ من فوقِهم أئمةُ السَّوْءِ، أو من تَحتِ أرجلِهم، الخَدَمُ وسَفِلةُ الناسِ.
стр. 6331
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: سَمِعْتُ خَلَّادًا يقولُ: سَمِعْتُ عامرَ بنَ عبدِ الرحمنِ يقولُ: إن ابنَ عباسٍ كان يقولُ في هذه: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾: فأما العذابُ مِن فوقِكم فأئمةُ السَّوْءِ، وأما العذابُ مِن تحتِ أرجلِكم فخَدَمُ السَّوْءِ (١).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾. يعني: مِن أمرائِكم، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾: يعني: سَفِلتِكم (٢).
وأولى التأويلين في ذلك بالصوابِ عندي قولُ مَن قال: عُنِي بالعذابِ مِن فوقِهم الرجمُ أو الطُّوفانُ، وما أشْبَهَ ذلك مما ينْزِلُ عليهم مِن فوقِ رءوسِهم، ومِن تحتِ أرجلِهم الخَسْفُ وما أشْبَهَه. وذلك أن المعروفَ في كلامِ العربِ مِن معنى "فوق" و "تحت" الأرجلِ، هو ذلك دونَ غيرِه، وإن كان لما رُوِي عن ابنِ عباسٍ في ذلك وجهٌ صحيحٌ، غيرَ أن الكلامَ إذا تُنُوزِع في تأويلِه، فحملُه على الأغلبِ الأشهرِ مِن معناه أحقُّ وأوْلَى مِن غيرِه، ما لم تأْتِ حُجَّةٌ مانعةٌ مِن ذلك يَجِبُ التسليمُ لها.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: أو يَخْلِطَكُم ﴿شِيَعًا﴾؛ فِرَقًا، واحدتُها شِيعةٌ.
стр. 6332
وأما قولُه: ﴿يَلْبِسَكُمْ﴾ فهو مِن قولِك: لبَسْتُ عليه الأمرَ، إذا خلَطْتَ، فأنا أَلْبِسُه. وإنما قلتُ: إن ذلك كذلك؛ لأنه لا خلافَ بينَ القرأةِ في ذلك بكسرِ الباءِ، ففي ذلك دليلٌ بَيِّنٌ على أنه مِن: لبَس يَلْبِسُ. وذلك هو معنى الخلطِ. وإنما عنَى بذلك: أو يَخْلِطَكم أهواءً مختلفةً، وأحزابًا مفترقةً. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن شبلٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾: الأهواءُ المفترقةُ (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾. قال: يُفَرِّقُ بينَكم (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾. قال: ما كان فيكم مِن الفتنِ والاختلافِ (٣).
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾. قال: الذي فيه الناسُ اليومَ مِن الاختلافِ والأهواءِ وسفكِ دماءِ بعضِهم بعضًا.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾. قال: الأهواءُ والاختلافُ.
стр. 6333
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾: يعني بالشِّيعِ الأهواءَ المختلفةَ (١).
وأما قولُه: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾. فإنه يعني: يُقْتَلُ بعضُكم بيدِ بعضٍ.
والعربُ تقولُ للرجلِ يَنالُ الرجلَ بسلاحٍ، فيَقْتُلُه به: قد أذاق فلانٌ فلانًا الموتَ، وأذاقه بأسَه. وأصلُ ذلك مِن ذَوْقِ الطعامِ، وهو يَطْعَمُه، ثم اسْتُعْمِل ذلك في كلِّ ما وصَل إلى الرجلِ مِن لذةٍ وحَلاوةٍ، أو مَرارةٍ ومكروهٍ وألمٍ.
وقد بيَّنْتُ معنى البأسِ في كلامِ العربِ فيما مضَى، بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٢).
وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾: بالسيوفِ.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو النُّعمان عارِمٌ، قال: ثنا حمادٌ، عن أبي هارونَ العَبْديِّ، عن نَوْفٍ البِكاليِّ أنه قال في قولِه: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾. قال: هي واللهِ الرجالُ في أيديهم الحِرابُ، يَطْعُنون في خَواصِرِكم (٣).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: ثني مُعاويةُ بنُ صالحٍ، عن
стр. 6334
عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾. قال: يُسَلِّطُ بعضَكم على بعضٍ بالقتلِ والعذابِ (١).
حدَّثنا سعيدُ بنُ الربيعِ الرازيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ، قال: عذابُ هذه الأُمَّةِ أهلِ الإقرارِ بالسيفِ، ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾. وعذابُ أهلِ التكذيبِ الصَّيْحةُ والزلْزلةُ (٢).
ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في مَن عُنِي بهذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: عُنِي بها المسلمون مِن أمةِ محمدٍ ﷺ ، وفيهم نزَلَت.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عيسى الدَّامَغانيُّ، قال: أخْبرَنا ابنُ المباركِ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ الآية. قال: فهن أربعٌ، وكلُّهن عذابٌ، فجاء [مستقَرُّ اثنتين] (٣) بعدَ وفاةِ رسولِ اللهِ ﷺ بخمسٍ وعشرين سنةً؛ فلُبِسوا شِيعًا، وأُذِيق بعضُهم بأسَ بعضٍ، وبقِيَت اثنتان، فهما لابدَّ واقِعتانِ. يعني الخَسْفَ والمَسْخَ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِه: ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾: لأمةِ محمدٍ ﷺ ، وأعْفاكم منه، ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾. قال: ما كان فيكم مِن الفتنِ والاخْتلافِ (٤).
стр. 6335
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا﴾ الآية: ذُكِر لنا أن رسولَ اللهِ ﷺ صلَّى ذاتَ يومٍ الصبحَ فأطالها، فقال له بعضُ أهلِه: يا نبيَّ اللهِ، لقد صلَّيْتَ صلاةً ما كنتَ تُصَلِّيها! قال: "إنها صلاةُ رَغْبةٍ ورَهْبةٍ، وإني سأَلْتُ ربي فيها ثلاثًا؛ سَأَلْتُه أَلَّا يُسَلِّطَ على أُمَّتي عدوًّا من غيرِهم فيُهْلِكَهم، فأعْطانيها، وسأَلْتُه أَلَّا يُسَلِّطَ على أمتي السَّنَةَ، فأعْطانِيها، وسأَلْتُه أَلّا يَلْبِسَهم شِيَعًا ولا يُذِيقَ بعضَهم بأسَ بعضٍ، فمنَعَنيها" (١).
ذُكِر لنا أن نبيِّ اللهِ ﷺ كان يقولُ: "لا تَزالُ طائفةٌ مِن أمَّتي يُقاتِلون على الحقِّ ظاهرِين، لا يَضُرُّهم مَن خذَلهم حتى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ" (٢).
حدَّثنا أحمدُ بنُ الوليدِ القرشيُّ وسعيدُ بنُ الربيعِ الرازيُّ، قالا: ثنا سفيانُ بنُ عيينةَ.
عن عمرٍو، سمِع جابرًا يقولُ: لمَّا أنْزَل الله تعالى على النبيِّ ﷺ : ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾. قال: "أَعوذُ بوجهِك". ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾. قال: "هاتان أيْسَرُ، أو أهْوَنُ" (٣).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ عُيَينةَ، عن عمرٍو، عن جابرٍ، قال: لمَّا نزَلَت
стр. 6336
﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾. قال: "نَعوذُ بك، نَعوذُ بك". ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾. قال: "هو أَهْوَنُ".
حدَّثني زيادُ بنُ عُبيدِ اللهِ المرِّيُّ (١)، قال: ثنا مَرْوانُ بنُ معاويةَ الفَزاريُّ، قال: ثنا أبو مالكٍ، قال: ثني نافعُ بنُ خالدٍ الخُزاعيُّ، عن أبيه، أن النبيَّ ﷺ صلَّى صلاةً خفيفةً تامَّةَ الركوعِ والسجودِ، فقال: "قد كانت صلاةَ رَغْبةٍ ورَهْبةٍ، فسأَلْتُ اللهَ فيها ثلاثًا، فأعْطاني اثنتين وبقِي واحدةٌ؛ سَأَلْتُ اللهَ ألا يُصِيبَكم بعذابٍ أصاب به مَن قبلَكم، فأعْطانيها، وسأَلْتُ اللهَ أَلَّا يُسَلِّطَ عليكم عدوًّا يَستبيحُ بَيْضتَكم، فأعْطانيها، وسأَلْتُه ألا يَلْبِسَكَم شِيَعًا ويُذِيقَ بعضَكم بأسَ بعضٍ، فمنَعَنيها" (٢). قال أبو مالكٍ: فقلتُ له: أبوك سمِع هذا مِن رسولِ الله ﷺ ؟ فقال: نعم، سمِعْتُه يُحَدِّثُ بها القومَ أنه سمِعها مِن فِي رسولِ الله ﷺ (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن أيوبَ، عن أبي قِلابةَ، عن أبي الأشعثِ، عن أبي أسماءَ الرَّحَبيِّ، عَن شَدَّادِ بنِ أَوْسٍ، يَرْفَعُه إلى النبيِّ ﷺ ، أنه قال: "إن اللهَ زَوَى ليَ الأرضَ حتى رأيْتُ مَشارقَها ومَغاربَها، وإن مُلْكَ أمتي سيَبْلُغُ ما زُوِي لي منها، وإني أُعْطِيتُ الكنزَيْن الأحمرَ والأبيضَ، وإني سأَلْتُ ربي ألّا يُهْلِكَ قومي بسَنَةٍ عامَّةٍ، وألا يَلْبِسَهم شِيَعًا، ولا يُذِيقَ بعضَهم بأسَ بعضٍ، فقال: يا محمدُ، إني إذا قضَيْتُ قَضاءً فإنه لا يُرَدُّ، وإني أعْطَيْتُك لأُمَّتِكَ أَلَّا أُهْلِكَهم بسَنَةٍ بعامَّةٍ (٤)، ولا أُسَلِّطَ عليهم عَدُوًّا ممَّن سِواهم فيُهْلِكوهم (٥)
стр. 6337
بعامَّةٍ، حتى يَكونَ بعضُهم يُهْلِكُ بعضًا، وبعضُهم يَقْتُلُ بعضًا، وبعضُهم يَسْبِي بعضًا". فقال النبيُّ ﷺ : "إني أَخافُ على أمَّتي الأئمةَ المُضِلِّين، فإذا وُضِع السيفُ في أمَّتي لم يُرْفَعْ عنهم إلى يومِ القيامةِ".
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبرَنا مَعْمَرٌ، قال: أخْبَرَني أيوبُ، عن أبي قِلابةَ، عن أبي الأشعثِ، عن أبي أسماءَ الرَّحَبِيِّ، عَن شَدَّادِ ابنِ أوسٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ . فذكَر نحوَه، إلا أنه قال: وقال النبيُّ ﷺ : "إني لا أَخَافُ على أُمَّتِي إلا الأئمةَ المُضِلِّين" (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، قال: ثنا معمرٌ، عن الزهريِّ عن عبدِ اللهِ بن الحارثِ بنِ نوفلٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ خَبّابِ، قال: راقَب خبَّابُ بنُ الأَرتِّ، وكان بدريًّا، النبيَّ ﷺ وهو يُصَلِّي، حتى إذا فرَغ، وكان في الصبح، قال له: يا رسولَ اللهِ، لقد رأيْتُك تُصَلِّي صلاةً ما رأيْتُك صلَّيْتَ مثلَها! قال: "أجَل، إنها صلاةُ رَغَبٍ ورَهَبٍ، سأَلْتُ ربي ثلاثَ خِصالٍ، فأعْطاني اثنتين ومنَعَني واحدةً؛ سأَلْتُه ألا يُهْلِكُنا بما أَهْلَك به الأممَ، فأعْطاني، وسألْتُه ألا يُسَلِّطَ علينا عدوًّا، فأعطاني، وسأَلْتُه ألا يَلْبِسَنَا شِيَعًا، فمنَعَني".
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرنا مَعْمَرٌ، عن الزهريِّ [عن عبدِ الله بنِ الحارثِ بنِ نوفلٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ خَبّابٍ] (٢) في قولِه: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾. قال: راقَب خبَّابُ بنُ الأَرَتِّ، وكان بدريًّا، رسولَ الله ﷺ . فذكَر نحوَه، إلا أنه قال: "ثلاثَ خَصَلاتٍ" (٣).
стр. 6338
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا معمرٌ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، قال: سَمِعْتُ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ يقولُ: لمَّا نزَلَت على النبيِّ ﷺ : ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾. قال النبيُّ ﷺ : "أَعُوذُ بوجهِك". ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾. قال النبيُّ ﷺ : "أَعوذُ بوجهِك". ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾. قال: "هذه أهونُ" (١).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن يونُسَ، عن الحسنِ، أن النبيَّ ﷺ قال: "سأَلْتُ ربي أربعًا (٢)، فأُعْطِيتُ ثلاثًا، ومُنِعْتُ واحدةً؛ سأَلْتُه ألا يُسَلِّطَ على أمتي عدوًّا مِن غيرِهم يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهم، ولا يُسَلِّطَ عليهم جُوعًا، ولا يَجْمَعَهم على ضَلالةٍ، فأُعْطِيتُهن، وسأَلْتُه ألا يَلْبِسَهم شِيَعًا ويُذِيقَ بعضَهم بأسَ بعضٍ، فمُنِعْتُ".
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إني سأَلْتُ ربي خِصالًا، فأعْطاني ثلاثًا ومنَعَني واحدةً؛ سأَلْتُه ألا تَكْفُرَ أمتي صَفْقَةً واحدةً، فأعْطانيها، وسأَلْتُه ألا يُظْهِرَ عليهم عدوًّا مِن غيرِهم، فأعْطانيها، وسأَلْتُه أَلَّا يُعَذِّبَهم بما عذَّب به الأممَ مِن قبلِهم، فأعْطانيها، وسأَلْتُه ألا يَجْعَلَ بأسَهم بينَهم، فمنَعَنيها".
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرٍ، عن الحسنِ، قال: لما نزَلَت هذه الآيةُ؛ قولُه: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾. قال الحسنُ: ثم قال لمحمدٍ ﷺ وهو يُشْهِدُه عليهم: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾. فقام رسولُ الله ﷺ ، فتوَضَّأ، فسأَل ربَّه ألا يُرْسِلَ عليهم عذابًا مِن
стр. 6339
فوقِهم، أو من تحتِ أرجلهم، ولا يَلْبِسَ أمتَه شِيَعًا، ويُذِيقَ بعضَهم بأسَ بعضٍ، كما أذاق بني إسرائيلَ، فهبَط إليه جبريلُ ﵇، فقال: يا محمدُ، إنك سأَلْتَ ربَّك أربعًا، فأعْطاك اثنتين ومنَعَك اثنتين؛ لن يَأْتِيَهم عذابٌ من فوقِهم ولا مِن تحتِ أرجلِهم يَسْتَأْصِلُهم، فإنهما عذابان لكلِّ أمةٍ اسْتَجْمعت (١) على تكذيبِ نبيِّها وردِّ كتابِ ربِّها، ولكنهم يَلْبِسُهم شِيَعًا ويُذيقُ بعضَهم بأسَ بعضٍ، وهذان عذابان لأهلِ الإقرارِ بالكتبِ والتصديقِ بالأنبياءِ، ولكن يُعَذَّبون بذنوبِهم، وأوْحَى إليه: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾. يقولُ: مِن أَمتِك ﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٤٢]. من العذاب وأنت حيٌّ؛ ﴿فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ [الزخرف: ٤٢]. فقام نبيُّ اللهِ ﷺ ، فراجَع ربَّه، فقال: "أَيُّ مُصيبَةٍ أَشْدُّ مِن أن أَرَى أمتي يُعَذِّبُ بعضُها بعضًا". وأَوْحَى إليه: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١ - ٣]. فأَعْلَمه أن أُمَّتَه لم تُخَصَّ دونَ الأممِ بالفتنِ، وأنها ستُبْتَلَى كما ابْتُلِيَتِ الأممُ، ثم أَنْزَل عليه: ﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٩٣، ٩٤].
فتَعَوَّذ نبيُّ اللهِ فأعاذه اللهُ، لم يَرَ مِن أمتِه إلا الجماعةَ والأُلفةَ والطاعةَ، ثم أَنْزَل عليه آيةً حذَّر فيها أصحابَه الفتنةَ، فَأَخْبَرَه أنه إنما يُخَصُّ بها ناسٌ منهم دونَ ناسٍ، فقال: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٢٥]. فخَصَّ بها أقوامًا من أصحابِ محمدٍ ﷺ بعدَه، وعصَم بها أقوامًا (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفر، عن الربيعِ
стр. 6340
ابنِ أنسٍ، عن أبي العالية، قال: لمَّا جاء جبريلُ إلى النبيِّ ﷺ ، فَأَخْبَرَه بما يَكونُ في أمتِه مِن الفُرْقة والاخْتِلافِ، فشقَّ ذلك عليه، ثم دعا، فقال: "اللهم أَظْهِرْ عليهم أفضلَهم بَقِيَّةً (١) ".
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو الأسودٍ، قال: أخْبرَنا ابنُ لهيعةَ، عن خالدِ بنِ يزيدَ، عن أبي الزُّبير، قال: لمَّا نزَلَت هذه الآيةُ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال رسولُ اللهِ ﷺ : "أَعُوذُ باللهِ مِن ذلك". قال: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾. قال: "أَعُوذُ باللهِ مِن ذلك". قال: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾. قال: "هذه أَيْسرُ". ولو اسْتَعاذه لأَعاذَه (٢).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا المُؤمَّلُ البصريُّ، قال: أخْبرَنا يعقوبُ بنُ إسماعيلَ بنِ يَسارٍ المدينيُّ، قال: ثنا زيدُ بنُ أسلمَ، قال: لمَّا نزَلَت: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾. قال رسولُ اللهِ ﷺ : "لا تَرْجِعوا بعدي كفارًا يَضْرِبُ بعضُكم رقابَ بعضٍ بالسيوفِ". فقالوا: ونحن نَشْهَدُ ألا إلهَ إلا اللهُ، وأنك رسولُ اللهِ! قال: "نعم". فقال بعضُ الناس: لا يكونُ هذا أبدًا. فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥) وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (٦٦) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (٣) [الأنعام: ٦٥ - ٦٧].
وقال آخَرون: عُنِي ببعضِها أهلُ الشركِ، وببعضِها أهلُ الإسلامِ.