← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 6336–6375 · переход к 6341.

стр. 6336

﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾. قال: "نَعوذُ بك، نَعوذُ بك". ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾. قال: "هو أَهْوَنُ". حدَّثني زيادُ بنُ عُبيدِ اللهِ المرِّيُّ (١)، قال: ثنا مَرْوانُ بنُ معاويةَ الفَزاريُّ، قال: ثنا أبو مالكٍ، قال: ثني نافعُ بنُ خالدٍ الخُزاعيُّ، عن أبيه، أن النبيَّ ﷺ صلَّى صلاةً خفيفةً تامَّةَ الركوعِ والسجودِ، فقال: "قد كانت صلاةَ رَغْبةٍ ورَهْبةٍ، فسأَلْتُ اللهَ فيها ثلاثًا، فأعْطاني اثنتين وبقِي واحدةٌ؛ سَأَلْتُ اللهَ ألا يُصِيبَكم بعذابٍ أصاب به مَن قبلَكم، فأعْطانيها، وسأَلْتُ اللهَ أَلَّا يُسَلِّطَ عليكم عدوًّا يَستبيحُ بَيْضتَكم، فأعْطانيها، وسأَلْتُه ألا يَلْبِسَكَم شِيَعًا ويُذِيقَ بعضَكم بأسَ بعضٍ، فمنَعَنيها" (٢). قال أبو مالكٍ: فقلتُ له: أبوك سمِع هذا مِن رسولِ الله ﷺ ؟ فقال: نعم، سمِعْتُه يُحَدِّثُ بها القومَ أنه سمِعها مِن فِي رسولِ الله ﷺ (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن أيوبَ، عن أبي قِلابةَ، عن أبي الأشعثِ، عن أبي أسماءَ الرَّحَبيِّ، عَن شَدَّادِ بنِ أَوْسٍ، يَرْفَعُه إلى النبيِّ ﷺ ، أنه قال: "إن اللهَ زَوَى ليَ الأرضَ حتى رأيْتُ مَشارقَها ومَغاربَها، وإن مُلْكَ أمتي سيَبْلُغُ ما زُوِي لي منها، وإني أُعْطِيتُ الكنزَيْن الأحمرَ والأبيضَ، وإني سأَلْتُ ربي ألّا يُهْلِكَ قومي بسَنَةٍ عامَّةٍ، وألا يَلْبِسَهم شِيَعًا، ولا يُذِيقَ بعضَهم بأسَ بعضٍ، فقال: يا محمدُ، إني إذا قضَيْتُ قَضاءً فإنه لا يُرَدُّ، وإني أعْطَيْتُك لأُمَّتِكَ أَلَّا أُهْلِكَهم بسَنَةٍ بعامَّةٍ (٤)، ولا أُسَلِّطَ عليهم عَدُوًّا ممَّن سِواهم فيُهْلِكوهم (٥)

стр. 6337

بعامَّةٍ، حتى يَكونَ بعضُهم يُهْلِكُ بعضًا، وبعضُهم يَقْتُلُ بعضًا، وبعضُهم يَسْبِي بعضًا". فقال النبيُّ ﷺ : "إني أَخافُ على أمَّتي الأئمةَ المُضِلِّين، فإذا وُضِع السيفُ في أمَّتي لم يُرْفَعْ عنهم إلى يومِ القيامةِ". حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبرَنا مَعْمَرٌ، قال: أخْبَرَني أيوبُ، عن أبي قِلابةَ، عن أبي الأشعثِ، عن أبي أسماءَ الرَّحَبِيِّ، عَن شَدَّادِ ابنِ أوسٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ . فذكَر نحوَه، إلا أنه قال: وقال النبيُّ ﷺ : "إني لا أَخَافُ على أُمَّتِي إلا الأئمةَ المُضِلِّين" (١). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، قال: ثنا معمرٌ، عن الزهريِّ عن عبدِ اللهِ بن الحارثِ بنِ نوفلٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ خَبّابِ، قال: راقَب خبَّابُ بنُ الأَرتِّ، وكان بدريًّا، النبيَّ ﷺ وهو يُصَلِّي، حتى إذا فرَغ، وكان في الصبح، قال له: يا رسولَ اللهِ، لقد رأيْتُك تُصَلِّي صلاةً ما رأيْتُك صلَّيْتَ مثلَها! قال: "أجَل، إنها صلاةُ رَغَبٍ ورَهَبٍ، سأَلْتُ ربي ثلاثَ خِصالٍ، فأعْطاني اثنتين ومنَعَني واحدةً؛ سأَلْتُه ألا يُهْلِكُنا بما أَهْلَك به الأممَ، فأعْطاني، وسألْتُه ألا يُسَلِّطَ علينا عدوًّا، فأعطاني، وسأَلْتُه ألا يَلْبِسَنَا شِيَعًا، فمنَعَني". حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرنا مَعْمَرٌ، عن الزهريِّ [عن عبدِ الله بنِ الحارثِ بنِ نوفلٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ خَبّابٍ] (٢) في قولِه: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾. قال: راقَب خبَّابُ بنُ الأَرَتِّ، وكان بدريًّا، رسولَ الله ﷺ . فذكَر نحوَه، إلا أنه قال: "ثلاثَ خَصَلاتٍ" (٣).

стр. 6338

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا معمرٌ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، قال: سَمِعْتُ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ يقولُ: لمَّا نزَلَت على النبيِّ ﷺ : ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾. قال النبيُّ ﷺ : "أَعُوذُ بوجهِك". ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾. قال النبيُّ ﷺ : "أَعوذُ بوجهِك". ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾. قال: "هذه أهونُ" (١). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن يونُسَ، عن الحسنِ، أن النبيَّ ﷺ قال: "سأَلْتُ ربي أربعًا (٢)، فأُعْطِيتُ ثلاثًا، ومُنِعْتُ واحدةً؛ سأَلْتُه ألا يُسَلِّطَ على أمتي عدوًّا مِن غيرِهم يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهم، ولا يُسَلِّطَ عليهم جُوعًا، ولا يَجْمَعَهم على ضَلالةٍ، فأُعْطِيتُهن، وسأَلْتُه ألا يَلْبِسَهم شِيَعًا ويُذِيقَ بعضَهم بأسَ بعضٍ، فمُنِعْتُ". حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إني سأَلْتُ ربي خِصالًا، فأعْطاني ثلاثًا ومنَعَني واحدةً؛ سأَلْتُه ألا تَكْفُرَ أمتي صَفْقَةً واحدةً، فأعْطانيها، وسأَلْتُه ألا يُظْهِرَ عليهم عدوًّا مِن غيرِهم، فأعْطانيها، وسأَلْتُه أَلَّا يُعَذِّبَهم بما عذَّب به الأممَ مِن قبلِهم، فأعْطانيها، وسأَلْتُه ألا يَجْعَلَ بأسَهم بينَهم، فمنَعَنيها". حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرٍ، عن الحسنِ، قال: لما نزَلَت هذه الآيةُ؛ قولُه: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾. قال الحسنُ: ثم قال لمحمدٍ ﷺ وهو يُشْهِدُه عليهم: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾. فقام رسولُ الله ﷺ ، فتوَضَّأ، فسأَل ربَّه ألا يُرْسِلَ عليهم عذابًا مِن

стр. 6339

فوقِهم، أو من تحتِ أرجلهم، ولا يَلْبِسَ أمتَه شِيَعًا، ويُذِيقَ بعضَهم بأسَ بعضٍ، كما أذاق بني إسرائيلَ، فهبَط إليه جبريلُ ﵇، فقال: يا محمدُ، إنك سأَلْتَ ربَّك أربعًا، فأعْطاك اثنتين ومنَعَك اثنتين؛ لن يَأْتِيَهم عذابٌ من فوقِهم ولا مِن تحتِ أرجلِهم يَسْتَأْصِلُهم، فإنهما عذابان لكلِّ أمةٍ اسْتَجْمعت (١) على تكذيبِ نبيِّها وردِّ كتابِ ربِّها، ولكنهم يَلْبِسُهم شِيَعًا ويُذيقُ بعضَهم بأسَ بعضٍ، وهذان عذابان لأهلِ الإقرارِ بالكتبِ والتصديقِ بالأنبياءِ، ولكن يُعَذَّبون بذنوبِهم، وأوْحَى إليه: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾. يقولُ: مِن أَمتِك ﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٤٢]. من العذاب وأنت حيٌّ؛ ﴿فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ [الزخرف: ٤٢]. فقام نبيُّ اللهِ ﷺ ، فراجَع ربَّه، فقال: "أَيُّ مُصيبَةٍ أَشْدُّ مِن أن أَرَى أمتي يُعَذِّبُ بعضُها بعضًا". وأَوْحَى إليه: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١ - ٣]. فأَعْلَمه أن أُمَّتَه لم تُخَصَّ دونَ الأممِ بالفتنِ، وأنها ستُبْتَلَى كما ابْتُلِيَتِ الأممُ، ثم أَنْزَل عليه: ﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٩٣، ٩٤]. فتَعَوَّذ نبيُّ اللهِ فأعاذه اللهُ، لم يَرَ مِن أمتِه إلا الجماعةَ والأُلفةَ والطاعةَ، ثم أَنْزَل عليه آيةً حذَّر فيها أصحابَه الفتنةَ، فَأَخْبَرَه أنه إنما يُخَصُّ بها ناسٌ منهم دونَ ناسٍ، فقال: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٢٥]. فخَصَّ بها أقوامًا من أصحابِ محمدٍ ﷺ بعدَه، وعصَم بها أقوامًا (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفر، عن الربيعِ

стр. 6340

ابنِ أنسٍ، عن أبي العالية، قال: لمَّا جاء جبريلُ إلى النبيِّ ﷺ ، فَأَخْبَرَه بما يَكونُ في أمتِه مِن الفُرْقة والاخْتِلافِ، فشقَّ ذلك عليه، ثم دعا، فقال: "اللهم أَظْهِرْ عليهم أفضلَهم بَقِيَّةً (١) ". حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو الأسودٍ، قال: أخْبرَنا ابنُ لهيعةَ، عن خالدِ بنِ يزيدَ، عن أبي الزُّبير، قال: لمَّا نزَلَت هذه الآيةُ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال رسولُ اللهِ ﷺ : "أَعُوذُ باللهِ مِن ذلك". قال: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾. قال: "أَعُوذُ باللهِ مِن ذلك". قال: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾. قال: "هذه أَيْسرُ". ولو اسْتَعاذه لأَعاذَه (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا المُؤمَّلُ البصريُّ، قال: أخْبرَنا يعقوبُ بنُ إسماعيلَ بنِ يَسارٍ المدينيُّ، قال: ثنا زيدُ بنُ أسلمَ، قال: لمَّا نزَلَت: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾. قال رسولُ اللهِ ﷺ : "لا تَرْجِعوا بعدي كفارًا يَضْرِبُ بعضُكم رقابَ بعضٍ بالسيوفِ". فقالوا: ونحن نَشْهَدُ ألا إلهَ إلا اللهُ، وأنك رسولُ اللهِ! قال: "نعم". فقال بعضُ الناس: لا يكونُ هذا أبدًا. فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥) وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (٦٦) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (٣) [الأنعام: ٦٥ - ٦٧]. وقال آخَرون: عُنِي ببعضِها أهلُ الشركِ، وببعضِها أهلُ الإسلامِ.

стр. 6341

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدُ بن نصرٍ، قال: أخْبرَنا ابنُ المباركِ، عن هارونَ بنِ موسى، عن حفصِ بن سليمانَ، عن الحسنِ في قوله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾. قال: هذا للمشركين. ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾. قال: هذا للمسلمين (١). والصوابُ مِن القولِ عندي أن يُقالَ: إن الله تعالى ذكرُه توَعَّد بهذه الآيةِ أهلَ الشركِ به مِن عَبَدةِ الأوثانِ، وإياهم خاطَبَ بها؛ لأنها بين إخْبارٍ عنهم وخطابٍ لهم، وذلك أنها تَتْلُو قولَه: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا (٢) مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾. ويَتْلُوها قولُه: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾. وغيرُ جائزٍ أن يَكونَ المؤمنون كانوا به مُكَذِّبِين، فإذا كان غيرَ جائزٍ أن يَكونَ ذلك كذلك، وكانت هذه الآيةُ بينَ هاتين الآيتين، كان بيِّنًا أن ذلك وَعِيدٌ لَمَن تَقَدَّم وصْفُ اللهِ إياه بالشركِ، وتأَخَّر الخبرُ عنه بالتكذيبِ، لا لمَن لم يَجْرِ له ذكرٌ، غيرَ أن ذلك وإن كان كذلك، فإنه قد عَمَّ وعيدُه بذلك كلَّ من سلَك سبيلَهم مِن أهلِ الخلافِ على اللهِ وعلى رسولِه، والتكذيبِ بآياتِ اللهِ مِن هذه وغيرِها. وأما الأخبارُ التي رُوِيَت عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: "سأَلْتُ ربي ثلاثًا، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدةً". فجائزٌ (٣) أن هذه الآيةَ نزَلَت في ذلك الوقتِ وعيدًا

стр. 6342

لمن ذكَرْتُ من المشركين ومَن كان على مِنْهاجِهم مِن المخالفين ربَّهم، فسأَل رسولُ اللهِ ﷺ ربَّه أن يُعِيذَ أمتَه مما ابْتُلِي به الأمم الذين اسْتَوْجَبوا مِن الله تعالى ذكرُه بمعصيتهم إياه هذه العقوبات، فأعاذَهم بدعائِه إياه ورغبتِه إليه مِن المعاصي التي يَسْتَحِقُّون بها مِن هذه الخِلال الأربعِ من العقوبات ١ ثْنَتين (١)، ولم يُعِذْهم مِن ذلك ما يَسْتَحِقُّون به اثنتين منها. وأما الذين تأوَّلوا أنه عنَى بجميعِ ما في هذه الآيةِ هذه الأمةَ، فإني أراهم تأوَّلوا أن في هذه الأمةِ مَن سَيَأْتِي مِن مَعاصِي اللهِ وركوبِ ما يُسْخِطُ اللهَ، نحوَ الذي ركِب مَن قبلَهم من الأممِ السالفةِ، مِن خلافِه والكفرِ به، فيَحِلُّ بهم مثلُ الذي حَلَّ بمَن قبلَهم مِن المثُلاتِ والنِّقَماتِ، وكذلك قال أبو العاليةِ ومَن قال بقولِه: جاء [مستقَرُّ اثنتين] (٢) بعدَ رسولِ اللهِ ﷺ بخمسٍ وعشرين سنةً، وبقيت ١ ثنتان؛ الخَسْفُ والمَسْخُ. وذلك أنه رُوِي عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: "سيَكُونُ في هذه الأمةِ خَسْفٌ ومَسْخٌ وقَذْفٌ" (٣). وأن قومًا مِن أمتِه سيَبِيتون على لهوٍ ولعبٍ، ثم يُصْبِحون قِرَدةً وخَنازيرَ (٤). وذلك إذا كان، فلا شكَّ أنه نظيرُ الذي كان في الأممِ الذين عَتَوْا على ربِّهم في التكذيبِ وجحَدوا آياتِه. وقد رُوِي نحوُ الذي رُوِي، عن أبي العاليةِ، عن أُبيٍّ. حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وَكيعٌ، وحدَّثنا سفيانُ، قال: أخْبرَنا أبي، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ، عن أبيِّ بنِ كعبٍ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ

стр. 6343

عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾. قال: هنَّ أربعُ خِلالٍ، وكلُّهن عذابٌ، وكلُّهن واقعٌ قبلَ يومِ القيامةِ، فمضت ١ ثنتان بعدَ وفاةِ رسولِ اللهِ ﷺ بخمسٍ وعشرين سنةً؛ أُلْبِسوا (١) شِيَعًا، وأُذِيق بعضُهم بأسَ بعضٍ، وثنتان واقِعتان لا مَحالةَ؛ الخسفُ والرجمُ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥)﴾: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : انْظُرْ يا محمدُ بعينِ قلبِك إلى تَرْدِيدِنا حُجَجَنا على هؤلاء المكذِّبين بربِّهم، الجاحِدِين نِعَمَه، وتَصْرِيفِناها فيهم ﴿لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾. يقولُ: ليتفقَّهوا (٣) ذلك ويَعْتَبِروه، فَيَذَّكَّروا ويَزْدَجِروا عما هم عليه مُقيمون، مما يَسْخَطُه الله منهم من عبادة الأوثان والأصنام، والتكذيب بكتاب الله تعالى ذكرُه ورسوله ﷺ . القولُ في تأويلِ قوله: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (٦٦) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٦٧)﴾. يقول تعالى ذكرُه: وكذَّب يا محمدُ قومُك بما تَقولُ وتُخْبِرُ وتُوعِدُ مِن الوَعيدِ، ﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾. يقولُ: والوعيدُ الذي أوْعَدْناهم على مُقامهم على شركِهم، من بعثِ العذابِ من فوقهم، أو من تحت أرجلِهم، أو لَبْسِهم شِيَعًا،

стр. 6344

وإذاقةِ بعضِهم بأسَ بعضٍ - الحقُّ الذي لاشكَّ فيه أنه واقعٌ، إن هم لم يَتُوبوا ويُنِيبُوا مما هم عليه مُقِيمون من معصيةِ الله والشركِ به، إلى طاعةِ الله والإيمانِ به. ﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾. يقولُ: قلْ لهم يا محمدُ: لستُ عليكم بحَفيظٍ ولا رَقيبٍ، وإنما أنا رسولٌ أُبلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ به إليكم، ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾. يقولُ: لكلِّ خبرٍ ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾. يعني: قرارٌ يَسْتَقِرُّ عندَه، ونهايةٌ يَنتَهِي إليها، فيَتَبَيَّنَ حقُّه وصدقُه من كذبِه وباطلِه. ﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: وسوف تَعْلَمون أيُّها المُكذِّبون بصحةِ ما أُخْبِرُكم به من وعيدِ اللهِ إياكم أيُّها المشركون، وحقيقتِه (١) عندَ حلولِ عذابِه بكم، فرَأَوْا ذلك وعايَنوه، فقتَلَهم يومَئذٍ بأيْدي أوليائِه من المؤمنين. وبنحوِ الذي قلنا من التأويلِ في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾. يقولُ: كذَّبَت قريشٌ بالقرآنِ وهو الحقُّ. وأما الوكيلُ فالحفيظُ. وأما ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾، فكان نبأُ القرآنِ اسْتَقَرَّ يومَ بدرٍ، بما كان يَعِدُهم مِن العذابِ (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾: لكلِّ نبأٍ حقيقةٌ، إما في الدنيا وإما في الآخرةِ،

стр. 6345

﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ما كان في الدنيا فسوف تَرَوْنه، وما كان في الآخرةِ يَبْدُو لكم (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بنُ صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾. يقولُ: حقيقةٌ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: فعلٌ وحقيقةٌ، ما كان منه في الدنيا، وما كان منه في الآخرةِ (٣). وكان الحسنُ يَتَأَوَّلُ في ذلك أنه الفتنةُ التي كانت بين أصحابِ رسولِ الله ﷺ . حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدُ بنُ نصرٍ، قال: أخْبرَنا ابنُ المبارك، عن جعفرِ بنِ حَيَّانَ، عن الحسنِ أنه قرَأ: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾. قال: حُبِست عقوبتُها، حتى إذا (٤) عُمِل ذنبُها أُرْسِلَت عقوبتُها (٥). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨)﴾.

стр. 6346

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : وإذا رأَيْتَ يا محمدُ المشركين الذين يَخُوضُون في آياتِنا التي أنْزَلناها إليك، ووحْيِنا الذي أوْحَيْناه إليك. وخوضُهم فيها كان استهزاءَهم بها، وسَبَّهم من أنْزَلها وتكَلَّم بها، وتكْذيبَهم بها. ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾. يقولُ: فصُدَّ عنهم بوجهِك، وقُمْ عنهم، ولا تَجْلِسْ معهم ﴿حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ يقولُ: حتى يَأْخُذوا في حديثٍ غيرِ الاستهزاءِ بآياتِ اللهِ، مِن حديثهِم بينَهم. ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ﴾. يقولُ: وإن أنْساك الشيطانُ نَهْيَنا إياك عن الجلوسِ معهم، والإعراضَ عنهم، في حالِ خوضِهم في آياتِنا، ثم ذكَرْتَ ذلك، فقُمْ عنهم، ولا تَقْعُدْ بعدَ ذكْرِك ذلك مع القومِ الظالمين الذين خاضُوا في غيرِ الذي لهم الخوضُ فيه، بما خاضُوا به فيه. وذلك هو معنى ظلمِهم في هذا الموضع. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾. قال: نهاه اللهُ أن يَجْلِسَ مع الذين يَخُوضُون في آياتِ اللهِ يُكَذِّبون بها، فإن نسِي فلا يَقْعُد بعدَ الذكرى (١) مع القومِ الظالمين (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، قال: أَخْبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ بنحوِه. حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن السديِّ، عن أبي مالكٍ

стр. 6347

وسعيد بن جبيرٍ في قوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾. قال: الذين يُكَذِّبون بآياتِنا (١). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بن المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. قال: كان المشركون إذا جالَسوا المؤمنين وَقَعوا في النبيِّ والقرآنِ، فسبُّوه واسْتَهْزَءوا به، فأمَرَهم اللهُ ألا يَقْعُدُوا معهم حتى يَخُوضُوا في حديثٍ غيرِه (٢). وأما قولُه: ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ﴾. يقولُ: نَهْيَنا (٣)، فتَقْعُدُ معهم، فإذا ذكَرْتَ فَقُمْ. حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾. قال: يُكَذِّبون بآياتِنا (٤). حدَّثني يحيى بنُ طلحةَ اليَرْبُوعيُّ، قال: ثنا فُضيلُ بنُ عياضٍ، عن ليثٍ، عن أبي جعفرٍ، قال: لا تُجالِسوا أهلَ الخُصوماتِ، فإنهم الذين يَخوضُون في آياتِ اللهِ (٥). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بن صالحٍ، عن عليِّ بنِ

стр. 6348

أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾. وقولَه: ﴿الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ [الأنعام: ١٥٩]. وقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران:١٠٥]. وقولَه: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]. ونحوَ هذا في القرآنِ. قال: أمر اللهُ المؤمنين بالجماعةِ، ونهاهم عن الاختلافِ والفُرْقةِ، وأَخْبَرَهم أنه إنما هلَك (١) مَن كان قبلَهم بالمِراءِ والخُصوماتِ في دينِ اللهِ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهدٍ قولَه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾. قال: يَسْتَهْزِئون بها. قال: نُهِي رسولُ اللهِ ﷺ أن يَقْعُدَ معهم إلا أن يَنْسَى، فإذا ذكر فَلْيَقُمْ، فذلك قولُه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. قال ابنُ جُريجٍ: كان المشركون يَجْلِسون إلى النبيِّ ﷺ : يُحِبُّون أن يَسْمَعوا منه، فإذا سمِعوا اسْتَهْزَءوا، فنزَلَت: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ الآية (٣). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾. قال: يُكَذِّبون.

стр. 6349

حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا عُبيدُ اللهِ (١)، عن إسرائيلَ، عن السديِّ، عن أبي مالكٍ قوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾. يعني المشركين، ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: إن نسِيتَ فذكَرْتَ فلا تَجْلِسْ معهم (٢). القولُ في تأويلِ قوله: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٦٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن اتَّقَى اللهَ فخافَه، فأطاعه فيما أمَرَه به، واجْتَنَب ما نهاه عنه، فليس عليه بترك الإعْراضِ عن هؤلاء الخائِضِين في آياتِ اللهِ في حالِ خوضِهم في آياتِ اللهِ - شيءٌ مِن تَبِعةٍ فيما بينَه وبينَ اللهِ، إِذا لم يَكُنْ تركُه الإعراضَ عنهم رِضًا بما هم فيه، وكان لله بحقوقِه مُتَّقِيًا، ولا عليه من إثمِهم بذلك حَرَجٌ، ولكن لِيُعْرِضوا عنهم حينَئِذٍ ذِكْرَى لأمرِ اللهِ ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. يقولُ: ليَتَّقُوا. ومعنى "الذكرى" الذكرُ، والذكرُ والذكرى بمعنًى. وقد يجوزُ أن يكونَ ﴿ذِكْرَى﴾ في موضعِ نصبٍ ورفعٍ؛ فأما النصبُ فعلى ما وصَفْتُ مِن تأويلِ: ولكن لِيُعْرِضوا عنهم ذكرى. وأما الرفعُ فعلى تأويلِ: وما على الذين يَتَّقُون من حسابهم شيءٌ (٣) بتركِ الإعْراضِ (٤)، ولكن إعْراضُهم ذكرى

стр. 6350

لأمرِ اللهِ، لعلهم يتَّقُون. وقد ذُكِر أن النبيِّ ﷺ إنما أُمِر بالقيامِ عن المشركين إذا خاضُوا في آياتِ اللهِ؛ لأن قيامه عنهم كان ممّا (١) يكرهونه، فقال اللهُ له: إذا خاضُوا في آياتِ اللهِ، فقُمْ عنهم؛ ليتَّقوا الخوضَ فيها ويَتْرُكوا ذلك. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: كان المشركون يَجْلِسون إلى النبيِّ ﷺ يُحِبُّون أن يَسْمَعوا منه، فإذا سمِعوا اسْتَهْزءوا، فنزَلَت: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ الآية. قال: فجعَل (٢) إذا اسْتَهْزَءوا قام، فحذِروا وقالوا: لا تَسْتَهْزِئوا فيقومَ. فذلك قولُه: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أن يخوضوا فيقومَ، ونزَل: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ إِن تَقْعُد (٣) معهم، ولكن لا تَقْعُدْ (٤)، ثم نسَخ ذلك قولُه بالمدينةِ: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠] فنُسِخ قولُه: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية (٥). حدَّثني محمد بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بن المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾. يقولُ: مِن

стр. 6351

حساب الكفار مِن شيءٍ، ﴿وَلَكِنْ ذِكْرَى﴾. يقولُ: إذا ذكرت فقمْ، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ مَساءتَكم، إذا رأَوْكم لا تُجالسونهم اسْتَحْيَوْا منكم فكفُّوا عنكم، ثم نسَخَها الله بعدُ، فنهاهم أن يَجْلسوا معهم أبدًا، قال: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا﴾ الآية (١) [النساء: ١٤٠]. حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾: إِن قعَدوا، ولكن لا تَقْعُدْ (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عُبيدُ اللهِ، عن إسرائيلَ، عن السديِّ، عن أبي مالكٍ: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى﴾. قال: وما عليك أن يَخوضُوا في آياتِ اللهِ إذا فعَلْتَ ذلك (٣). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ذَرْ هؤلاء الذين اتخَذوا دينَ اللهِ وطاعتَهم إياه لعبًا ولهوًا، فجعَلوا حُظوظَهم من طاعتِهم إياه اللعبَ بآياتِه، واللهوَ

стр. 6352

والاستِهزاءَ بها إذا سمِعوها وتُلِيَت عليهم، فأعْرِضْ عنهم، فإني لهم بالمرْصاد، وإني لهم مِن وراءِ الانتقامِ منهم، والعقوبةِ لهم على ما يَفْعَلون، وعلى اغترارِهم بزينةِ الحياةِ الدنيا، ونسيانِهم المَعادَ إِلى اللهِ تعالى ذكرُه، والمصيرَ إليه بعدَ المماتِ. كالذي حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾. قال: كقولِه: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ (١) [المدثر: ١١]. حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. وقد نسَخ اللهُ تعالى هذه الآيةَ بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. وكذلك قال عددٌ من أهلِ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا حجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا همامُ بنُ يحيى، عن قتادةَ: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾: ثم أَنْزَل في سورةِ "براءة"، فأمَر بقتالِهم (٢). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عَبْدةُ بنُ سليمانَ، قال: قرَأْتُ على ابنِ أبي عَروبةَ، فقال: هكذا سمِعْتُه مِن قتادةَ: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾: ثم

стр. 6353

أَنْزَلَ اللهُ تعالى ذكرُه "براءة"، وأمَر بقتالِهم، فقال: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾. وأما قولُه: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾. فإنه يعني به: وذكِّرْ يا محمدُ بهذا القرآنِ هؤلاء المُوَلِّين عنك وعنه، ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ﴾. بمعنى: ألَّا تُبْسَلَ، كما قال: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]. بمعنى: ألَّا تَضِلُّوا. وإنما معنى الكلامِ: وذَكِّرْهم (١) به ليُؤْمِنوا ويَتَّبِعوا ما جاءَهم مِن عندِ اللهِ مِن الحقِّ، فلا تُبْسَلَ أنفسُهم بما كسَبَت مِن الأَوْزارِ. ولكن حُذِفَت "لا" لدلالةِ الكلامِ عليها. واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: أن تُسْلَمَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن يزيدَ النَّحْويِّ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾. قال: تُسْلَمَ (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ: ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ﴾. قال: أن تُسْلَمَ. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا معمرٌ، عن الحسنِ مثلَه (٢).

стр. 6354

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿أَنْ تُبْسَلَ﴾. قال: تُسْلَمَ (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ﴾. قال: تُسْلَمَ. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا﴾: أُسْلِموا (٢). وقال آخَرون: بل معنى ذلك: تُحْبَس. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ﴾. قال: تُؤخَذَ فَتُحْبَسَ. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾: أَن تُؤْخَذَ نفسٌ بما كسَبَت (٤). وقال آخرون: معناه: تُفْضَحَ.

стр. 6355

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، [قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالحٍ] (١)، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾. يقولُ: تُفْضَحَ (٢). وقال آخَرون: معناه: أن تُجْزَى. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، قال: قال الكلبيُّ: ﴿أَنْ تُبْسَلَ﴾: أن تُجْزَى. وأصلُ "الإبْسالِ" التحريمُ، يقالُ منه: أبْسَلْتُ المكانَ. إذا حرَّمْتَه فلم يُقْرَبْ (٣). ومنه قولُ الشاعرِ (٤): بَكَرَتْ (٥) تَلُومُكَ بعدَ وَهْنٍ (٦) في النَّدَى … بَسْلٌ عليكِ مَلامَتي وعِتابي أي: حرامٌ [عليك ملامتي وعتابي. ومنه قولُهم: أسدٌ باسلٌ] (٧). يُرادُ به: لا

стр. 6356

يَقْرَبُه شيءٌ. فكأنه قد حرَّم نفسَه. ثم يُجْعَلُ ذلك صفةً لكلِّ شديدٍ يَتَحامَى لشدتِه، ويُقالُ: أَعْطِ الراقيَ بُسْلَتَه (١). يُرادُ بذلك: أُجْرتَه. وشرابٌ بَسِيلٌ. بمعنى: متروكٌ. وكذلك المُبْسَلُ بالجَريرةِ (٢)، وهو المُرْتَهَنُ بها، قيل له: مُبْسَلٌ. لأنه مُحَرَّمٌ (٣) مِن كلِّ شيءٍ إلا مما رُهِن فيه وأُسْلِم به. ومنه قولُ عوفِ بنِ الأحوصِ الكِلابيِّ (٤): وإبْسَالِي بَنِيَّ بغيرِ جُرْمٍ … بعَوْناه (٥) ولا بدَمٍ مُراقِ وقال الشَّنْفَري (٦): هنالِك لا أَرْجُو حياةً تَسُرُّني … سَمِيرَ (٧) الليالي مُبْسَلًا بالجَرَائِرِ فتأويلُ الكلامِ إذن: وذَكِّرْ بالقرآنِ هؤلاء الذين يَخُوضُون في آياتِنا، وغيرَهم مَّمن سلَك سبيلَهم مِن المشركين، كيلا تُبْسَلَ نفسٌ بذنوبِها وكفرِها بربِّها، وتُرْتَهَنَ فتُغْلَقَ (٨) بما كسَبَت مِن أجرامِها في عذابِ اللهِ، ﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللهِ﴾. يقولُ: ليس لها حينَ تُسْلَمُ بذنوبِها، فتُرْتَهَنُ بما كسَبَت مِن آثامِها، أحدٌ يَنْصُرُها، فيُنْقِذُها مِن اللهِ الذي جازاها بذنوبِها جزاءَها، ولا شفيعٌ يَشفَعُ لها، لوسيلةٍ له عندَه. القولُ في تأويلِ قولِه عز ذكرُه: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾.

стр. 6357

يقولُ تعالى ذكرُه: وإن تَعْدِلِ النفسُ التي أُبْسِلَت بما كسَبَت، يعني: ﴿وَإِن تَعدِلْ كُلَّ عَدْلٍ﴾. يعني: كلَّ فِدَاءٍ. يقالُ منه: عدَل يَعْدِلُ، إذا فَدَى، عَدْلًا. ومنه قولُ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥]. وهو ما عادَله مِن غيرِ نوعِه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَإِن تَعْدِلُ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾. قال: لو جاءَت بملِء الأرضِ ذهباً لم يُقْبَلْ منها (١). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿وَإِن تَعدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾: فما يَعْدِلُها، لو جاءَت بملِء (٢) الأرضِ ذهباً لتَفْتَدِيَ به ما قُبِل منها. حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾. قال: ﴿وَإِن تَعْدِلْ﴾: وإِن تَفْتَدِ، يكونُ له الدنيا وما فيها يَفْتَدِي بها، لا يُؤْخَذُ منه، عَدْلًا عن نفسِه، لا يُقْبَلُ منه (٣). وقد تأَوَّل ذلك بعضُ أهلِ العلمِ بالعربيةِ (٤) بمعنى: وإِن تُقْسِطُ كلَّ قِسْطٍ لا

стр. 6358

يُقْبَلْ منها. وقال: لأنَّما (١) التوبةُ في الحياةِ. وليس لِمَا قال مِن ذلك معنىً؛ وذلك أن كلَّ تائبٍ في (٢) الدنيا فإن اللهَ تعالى ذكرُه يَقْبَلُ توبتَه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وهؤلاء الذين إن فَدَوْا أنفسَهم مِن عذابِ اللهِ يومَ القيامةِ كلَّ فِداءٍ، لم يُؤْخَذْ منهم، هم ﴿الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُواْ﴾. يقولُ: أُسْلِموا لعذابِ اللهِ، فرُهِنوا به؛ جَزاءً بما كسَبوا في الدنيا مِن الآثامِ والأوزارِ ﴿لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾. والحَميمُ هو الحارٌّ في كلامِ العربِ، وإنما هو مَحمومٌ صُرِف إلى فَعيلٍ، ومنه قيل للحَمَّامِ: حَمَّامٌ. لإسخانِه الجسمَ، ومنه قولُ مُرَقِّشٍ (٣): في كلِّ مُمْسًى لها مِقْطَرَةٌ (٤) … فيها كِباءٌ (٥) مُعَدٌّ وحَمِيمْ يعني بذلك ماءً حارًّا. ومنه قولُ أبي ذُؤَيْبٍ الهُذَليِّ في صفةِ فرسٍ (٦): تَأْبِى بدِرَّتِها (٧) إذا ما اسْتُغْضبت (٨) … إلا الحَمِيمَ فإنه يَتَبَضَّعُ (٩)

стр. 6359

يعني بالحَميمِ عَرَقَ الفرسِ. وإنما جعَل تعالى ذكرُه لهؤلاء الذين وصَف صفتَهم في هذه الآيةِ شرابًا مِن حَميمٍ؛ لأن الحارَّ مِن الماءِ لا يَرْوِي مِن عَطَشٍ. فَأَخْبَرَ أَنهم إذا عطِشوا في جهنمَ لم يُغاثوا بماءٍ يَرْوِيهم، ولكن بما يَزِيدون به (١) عَطَشًا على ما بهم مِن العطشِ. ﴿وَعَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يقولُ: ولهم أيضًا مع الشرابِ مِن (٢) الحميمِ مِن اللهِ العذابُ الأليمُ، والهَوانُ المقيمُ، ﴿بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾. يقولُ: بما كان مِن كفرِهم في الدنيا بالله، وإنكارِهم توحيدَه، وعبادتِهم معه آلهةً دونَه. حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا﴾. قال: يقولُ: أُسْلِموا. حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحة، عن ابنِ عباسٍ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا﴾. قال: فُضِحوا (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا﴾ قال: أُخِذوا بما كسَبوا (٤). القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا﴾.

стр. 6360

وهذا تَنبيهٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه نبيَّه ﷺ على حجَّتِه على مُشْرِكي قومِه مِن عَبَدةِ الأوثانِ، يقولُ له تعالى ذكرُه: قلْ يا محمدُ لهؤلاء العادِلِين بربِّهم الأوثانَ والأندادَ، والآمِرِين لك باتباعِ دينِهم، وعبادةِ الأصنامِ معهم: أَنَدْعُو مِن دونِ اللهِ حجرًا أو خشبًا لا يَقْدِرُ على نفعِنا أو ضَرِّنا، فنُخْلِصَه (١) بالعبادةِ دونَ اللهِ، ونَدَعَ عبادةَ الذي بيدِه الضَّرُّ والنفعُ، والحياةُ والموتُ، إن كنتم تَعْقِلون فتُمَيِّزون بينَ الخيرِ والشرِّ؟ فلا شكَّ أنكم تَعْلَمون أن خدمةَ ما يُرْتَجَى نفعُه ويُرْهَبُ ضرُّه، أحقُّ وأولى مِن خدمةِ مَن لا يُرْجَى نفعُه ولا يُخْشَى ضرُّه. ﴿وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا﴾. يقولُ: ونُرَدُّ إلى أدبارِنا، فتَرْجِعُ القَهْقَرَى خلفَنا، لم نَظْفَرْ بحاجتِنا. وقد بيَّنا معنى (الردِّ على العَقِبِ)، وأن العربَ تقولُ لكلِّ طالبِ حاجةٍ لم يَظْفَرْ بها: رُدَّ على عقِبَيْه. فيما مضَى، بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٢). وإنما يُرادُ به في هذا الموضعِ: ونُرَدُّ مِن الإسلامِ إلى الكفرِ، ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ فوفَّقَنا له، فيَكونُ مَثَلُنا في ذلك مثلَ الرجلِ الذي اسْتَتْبَعَه الشيطانُ يَهْوِي في الأرضِ حَيْرانَ. وقوله: ﴿اسْتَهْوَتْهُ﴾. اسْتَفْعَلَتْه، مِن قولِ القائلِ: هَوَى فلانٌ إلى كذا، يَهْوِي إليه. و (٣) مِن قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧]. بمعنى: تَنْزِعُ إليهم وتُرِيدُهم. وأما ﴿حَيْرَانَ﴾ فإنه فَعْلانُ، مِن قولِ القائلِ: قد حار فلانٌ في الطريقِ، فهو

стр. 6361

يَحارُ فيه حَيْرةً وحَيَرانًا وحَيرُورةً. وذلك إذا ضَلَّ فلم يَهْتَدِ للمَحَجَّةِ. ﴿لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى﴾. يقولُ: لهذا الحَيْرانِ الذي قد اسْتَهْوَتْه الشياطينُ في الأرضِ، أصحابٌ على المَحَجَّةِ واستقامةٍ من (١) السبيلِ، يَدْعُونه إلى المحجةِ؛ [لطريقِ الهدى] (٢) الذي هم (٣) عليه، يقولون له (٤): ائْتِنا. وتُرِك إجراءُ ﴿حَيْرَانَ﴾؛ لأنه فَعْلانُ، وكلُّ اسمٍ كان على فَعْلانَ مما أُنْثاه فَعْلى، فإنه لا يُجْرَى في كلامِ العربِ في معرفةٍ ولا نكرةٍ. وهذا مَثَلٌ ضرَبه اللهُ تعالى ذكرُه لمن كفَر باللهِ بعدَ إيمانِه، فاتَّبَع الشياطينَ مِن أهلِ الشركِ باللهِ، وأصحابُه الذين كانوا أصحابَه في حالِ إسلامِه، المُقِيمون على الدينِ الحقِّ، يَدْعُونه إلى الهُدَى الذي هم عليه / مُقِيمون، والصوابِ الذي هم به مُتَمَسِّكون، وهو له مُفارِقٌ، وعنه زائلٌ، يقولون له: ائْتِنا، فكُنْ معنا على استقامةٍ وهدًى. وهو يَأْبَى ذلك، ويَتَّبِعُ دواعيَ الشيطانِ، ويَعْبُدُ الآلهةَ والأوثانَ. وبمثلِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ، وخالَف في ذلك جماعةٌ. ذكرُ مَن قال في (٥) ذلك مثلَ ما قلنا حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن

стр. 6362

السديِّ: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا﴾. قال: قال المشركون للمؤمنين: اتَّبِعوا سبيلَنا واتْرُكوا دينَ محمدٍ (١). فقال اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا﴾: فهذه الآلهةٌ، ﴿وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ فيَكونُ مَثَلُنا كمثلِ الذي ﴿اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ: مَثَلُكم إن كفَرْتُم بعدَ الإيمانِ كمثلِ رجلٍ كان مع قومٍ على الطريقِ، فضلَّ الطريقَ، فحيَّرَتْه الشياطينُ، واسْتَهْوَتْه في الأرضِ، وأصحابُه على الطريقِ، فجعَلوا يَدْعُونه إليهم، يقولون: ائْتِنا فإنا على الطريقِ. فأَبَى أن يَأْتِيَهم، فذلك مَثَلُ مَن يَتَّبِعُكم بعدَ المعرفةِ بمحمدٍ، ومحمدٌ الذي يَدْعُو إلى الطريقِ، والطريقُ هو الإسلامُ (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني مُعاويةُ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا﴾. قال: هذا مَثَلٌ ضرَبه اللهُ للآلهةِ ومَن يَدْعو إليها، وللدعاةِ الذين يَدْعُون إلى اللهِ، كَمَثَلِ رجلٍ ضَلَّ عن الطريقِ [تائهاً ضالاًّ] (٣)، إذ ناداه مُنادٍ: يا فلانُ بنَ فلانٍ، هلمَّ إلى الطريقِ. وله أصحابٌ يَدْعونه: يا فلانُ، هلمَّ إلى الطريقِ. فإن اتَّبَع الداعيَ الأولَ، انْطَلَق به حتى يُلْقِيَه في الهَلَكةِ، وإن أجاب مَن يَدْعُوه إلى الهُدَى اهْتَدَى إِلى الطريقِ، وهذه الداعيةُ التي تَدْعُو في البَرِّيَّةِ مِن الغِيلانِ، يقولُ: مَثَلُ مَن يَعْبُدُ هؤلاء

стр. 6363

الآلهةَ مِن دونِ اللهِ، فإنه يَرَى أنه في شيءٍ، حتى يأتيَه الموتُ فيستقبِلَ الهلكةَ والنَّدامةَ. وقولُه: ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ﴾. وهم الغِيلانُ، يَدْعُونه باسمِه واسمِ أبيه واسمِ جدِّه، فيَتَّبِعُها، فيَرَى أنه في شيءٍ، فيُصْبِحُ (١) وقد ألْقَتْه في الهَلَكةِ، وربما أكَلَتْه، أو تُلْقِيه في مَضَلَّةٍ مِن الأرضِ، يَهلِكُ فيها عطشًا، فهذا مَثَلُ (٢) مَن أجاب الآلهةَ التي تُعْبَدُ مِن دونِ اللهِ (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، قال: ثنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ﴾. قال: أَضَلَّته في الأرضِ حَيْرانَ (٤). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِه: ﴿مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا﴾. قال: الأَوْثانُ (٥). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ﴾. قال: رجلٌ حَيْرانُ يَدْعُوه أصحابُه إلى الطريقِ، فذلك (٦) مَثَلُ مَن يَضِلُّ بعدَ إذ هُدِي (٥).

стр. 6364

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: ثنا رجلٌ، عن مجاهدٍ قال: ﴿حَيْرَانَ﴾: هذا مَثَلٌ ضرَبه اللهٌ للكافرِ، يقولُ: الكافرُ حَيرانُ، يَدْعوه المسلمُ إلى الهُدَى فلا يُجِيبُ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا﴾. حتى بلَغ: ﴿لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢): علَّمها اللهُ محمدًا وأصحابَه، يُخاصِمون بها أهلَ الضَّلالةِ (٣). وقال آخرون في تأويلِ ذلك بما حدَّثني به محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى﴾: فهو الرجلُ الذي لا يَسْتَجِيبُ لهُدى اللهِ، وهو رجلٌ أطاع الشيطانَ، وعمِل في الأرضِ بالمعصيةِ، وحار عن الحقِّ، وضلَّ عنه، وله أصحابٌ يَدْعونه إلى الهُدى، ويَزْعُمون أن الذي يَأْمُرُونه هُدًى، يقولُ اللهُ ذلك لأوليائِهم مِن الإنسِ، يقولُ (٤): إِن الهُدى هُدى اللهِ، والضلالةَ ما تَدْعو إليه الجنُّ (٥). فكأن ابنَ عباسٍ على هذه الروايةِ كان يَرَى أن أصحابَ هذا الحيرانِ الذين يَدْعونه، إنما يَدْعونه إلى الضلالِ، ويَزْعُمون أن ذلك هدًى، وأن اللهَ أكْذَبَهم بقولِه: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾. لا ما يَدْعُوه إليه أصحابُه.

стр. 6365

وهذا تأويلٌ له وجهٌ لو (١) لم يَكُنِ اللهُ سمَّى الذي دعا الحيرانَ إليه أصحابُه هُدًى، وكان الخبرُ بذلك عن أصحابِه الدُّعاةِ له إلى ما دعَوْه إليه، أنهم هم الذين سمَّوْه، ولكنَّ اللهَ سمَّاه هدًى، وأخْبَر عن أصحابِ الحيرانِ أنهم يَدْعُونه إليه، وغيرُ جائزٍ أن يُسَمَّىَ اللهُ الضلالَ هدًى؛ لأن ذلك كذِبٌ، وغيرُ جائزٍ وصفُ اللهِ بالكذبِ؛ لأن ذلك وصفُه بما ليس مِن صفتِه، وإنما كان يَجوزُ توجيهُ ذلك إلى الصوابِ، لو كان ذلك خبرًا مِن اللهِ عن الداعي الحيرانَ أنهم قالوا له: تعالَ إلى الهدَى. فأما وهو قائلٌ: ﴿يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى﴾. فغيرُ جائزٍ أن يكونَ ذلك وهم كانوا يَدْعُونه إلى الضلالِ. وأما قولُه: ﴿ائْتِنَا﴾. فإن معناه: يقولُون: ائْتِنا، هَلُمَّ إلينا. فحذَف القولَ الدلالِة الكلامِ عليه. وذُكِر عن ابنِ مسعودٍ أنه كان يَقْرَأُ ذلك: (يَدْعُونه إلى الهُدَى بَيِّنًا). حدَّثنا بذلك ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا غُنْدَرٌ، عن شعبةَ، عن أبي إسحاقَ، قال: في قراءةِ عبدِ اللهِ: (يَدْعُونه إلى الهُدَى بَيِّنًا) (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: أَخْبَرَني عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ، أنه سمِع مجاهداً يقولُ: في قراءةِ ابنِ مسعودٍ: (له أصحابٌ يَدْعُونه إلى الهُدَى بَيِّنًا). قال: الهُدى الطريقُ، أنه بَيِّنٌ (٣). وإذا قُرِئ ذلك كذلك، كان (البَيِّنُ) مِن صفةِ (الهدى)، ويكونُ نصبُ (البَيِّنِ) على القطعِ مِن (الهُدى)، كأنه قيل: يَدْعُونه إلى الهُدَى البَيِّنِ. ثم نُصِب

стр. 6366

(البَيِّنُ) لمَّا حُذِفَت الألفُ واللامُ، وصار نكرةً مِن صفةِ المعرفةِ. وهذه القراءةُ التي ذكَرْناها عن ابنِ مسعودٍ تُؤَيِّدُ قولَ مَن قال: الهُدى في هذا الموضعِ هو الهُدى على الحقيقةِ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٧١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قلْ يا محمدُ لهؤلاء العادِلِين بربِّهم الأوثانَ، القائلين لأصحابِك: اتَّبِعُوا سبيلَنا ولْنَحْمِلْ خَطاياكم فإنا على هُدًى: ليس الأمرُ كما زعَمْتُم، ﴿إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾. يقولُ: إن طريقَ اللهِ الذي بيَّنه لنا وأوْضَحه، وسبيلَه الذي أمَرَنا بلزومِه، ودينَه الذي شرَعه لنا فبيَّنه، هو الهدى والاستقامةُ التي لا شكَّ فيها، لا عبادةُ الأوثانِ والأصنامِ التي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، فلا نَتْرُكُ الحقَّ ونَتَّبِعُ الباطلَ، ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. يقولُ: وأَمَرَنا ربُّنا وربُّ كلِّ شيءٍ تعالى وجهُه، لنُسْلِمَ له؛ لنَخْضَعَ له بالذِّلِة والطاعةِ والعُبوديِة، فنُخْلِصَ ذلك له، دونَ ما سواه مِن الأندادِ والآلهةِ. وقد بيَّنا معنى (الإسلامِ) بشَواهدِه فيما مضَى مِن كتابِنا، بما أغْنَى عن إعادتِه (١). وقيل: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسلِمَ﴾. بمعنى (٢): وأُمِرْنا كى نُسْلِمَ، وأُمِرْنا (٣) أَنْ نُسْلِمَ لربِّ العالمين؛ لأن العربَ تَضَعُ (كي) و (اللامَ) التي بمعنى (كي)، مكانَ (أن)، و (أن) مكانَها. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ

стр. 6367

تُحْشَرُونَ (٧٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأُمِرْنا أن أَقِيموا الصلاةَ. وإنما قيل: ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ فعطَف بـ ﴿أَنْ﴾ على اللامِ مِن ﴿لِنُسْلِمَ﴾؛ لأن قولَه: ﴿لِنُسْلِمَ﴾. معناه: أن (١) نُسْلِمَ. فردَّ قولَه: ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا﴾. على معنى ﴿لِنُسْلِمَ﴾. إذ كانت اللامُ التي في قولِه: ﴿لِنُسْلِمَ﴾. لامًا لا تَصْحَبُ إلا المستقبلَ مِن الأفعالِ، وكانت (٢) (أنْ) مِن الحروفِ التي تَدُلُّ على الاستقبالِ دَلالةَ اللامِ التي في: ﴿لِنُسْلِمَ﴾. فعطَف بها عليها؛ لاتفاقِ معنيَيْهما فيما ذكَرْتُ، فـ (أنْ) في موضعِ نصبٍ بالردِّ على اللامِ (٣). وكان بعضُ نحويِّي البصرةِ يقولُ: إما أن يَكونَ ذلك: ﴿أُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٧١) وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾. يقولُ: أُمِرْنا كي نُسْلِمَ. كما قال: [﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾] (٤) [الزمر: ١٢]. أيْ: إنما أُمِرْتُ لذلك، ثم قال: ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ﴾. أيْ: أُمِرْنا أَن أَقِيموا الصلاةَ. أو يَكونَ أَوْصَل الفعلَ باللامِ. والمعنى: أُمِرْتُ أَن أَكونَ. كما أَوْصَل (٥) الفعلَ باللامِ في [قولِه: ﴿هُم] (٦) لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٤]. فتأويلُ الكلامِ: وأُمِرنا بإقامةِ الصلاةِ، وذلك أداؤُها بحدودِها التي فُرِضَت

стр. 6368

علينا، ﴿وَاتَّقُوهُ﴾. يقولُ: واتَّقُوا رَبَّ العالمين الذي أُمِرْنا أن نُسْلِمَ له، فخافوه، واحْذَرُوا سَخَطَه بأداءِ الصلاةِ المفروضةِ عليكم، والإذعانِ له بالطاعةِ، وإخلاصِ العبادةِ له، ﴿وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. يقولُ: وربُّكم ربُّ العالمين هو الذي إليه تُحْشَرون، فتُجْمَعون يومَ القيامةِ، فيُجازِي كلَّ عاملٍ منكم بعملِه، وتُوَفَّى كلُّ نفسٍ ما كسَبَت. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (٧٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قلْ يا محمدُ لهؤلاء العادِلِين بربِّهم الأندادَ، الداعيك إلى عبادةِ الأوثانِ: أُمِرْنا لِنُسْلِمَ لربِّ العالمين، الذي خلَق السماواتِ والأرضَ بالحقِّ، لا مَن لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ، ولا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ. واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿بِالْحَقِّ (١)﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: وهو الذي خلَق السماواتِ والأرضَ حقًّا وصواباً، لا باطلاً وخطأً، كما قال تعالى ذكرُه: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ [ص: ٢٧]. قالوا: وأُدْخِلَت فيه الباءُ والألفُ واللامُ كما تَفْعَلُ العربُ في نظائرِ ذلك، فتقولُ: فلانٌ يقولُ بالحقِّ. بمعنى: أنه يقولُ الحقَّ. قالوا: ولا شيءَ في قولِه بالحقِّ غيرَ إصابِته الصوابَ فيه، [لا أن] (٢) الحقَّ معنًى غيرُ القولِ، وإنما هو صفةٌ للقولِ، إذا كان بها القولُ كان القائلُ موصوفًا بالقولِ بالحقِّ، وبقولِ الحقِّ. قالوا: فكذلك خلقُ السماواتِ والأرضِ، حكمةٌ مِن حكمِ اللهِ، فاللهُ موصوفٌ بالحكمةِ في خلقِهما، وخلقِ ما

стр. 6369

سواهما مِن سائرِ خلقِه، لا أن ذلك حقٌّ (١) [سوى خَلْقِهما خلَقهما] (٢) به. وقال آخَرون: معنى ذلك: خلَق السماواتِ والأرضَ بكلامِه وقولِه لهما: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [فصلت: ١١]. قالوا: فالحقُّ في هذا الموضعِ معنيٌّ به كلامُه. واسْتَشْهَدوا لقيلِهم ذلك [بقولِه: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ] (٣) الْحَقُّ﴾: الحقُّ هو قولُه وكلامُه. قالوا: واللهُ خلَق الأشياءَ بكلامِه وقيلِه، فما (٤) خلَق به الأشياءَ، فغيرُ (٥) الأشياءِ المخلوقةِ. قالوا: فإذ كان ذلك كذلك، وجَب أن يَكونَ كلامُ اللهِ الذي خلَق به الخلقَ غيرَ مخلوقٍ. وأما قولُه: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. فإن أهلَ العربيةِ اخْتَلَفُوا في العاملِ في ﴿يَوْمَ يَقُولُ﴾. وفي معنى ذلك؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: اليومُ مضافٌ إلى ﴿يَقُولُ (٦) كُنْ فَيَكُونُ﴾. قال: وهو نصبٌ، وليس له خبرٌ ظاهرٌ، واللهُ أعلمُ، وهو على ما فسَّرْتُ لك. كأنه يعني بذلك أن نصْبَه على: واذْكُرْ يومَ يقولُ: كُنْ فيكونُ. قال: وكذلك ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾. قال: وقال بعضُهم: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ﴾. وقال بعضُهم (٧): ﴿يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. للصُّورِ خاصةً. فمعنى الكلامِ على تأويلِهم: يومَ يَقولُ للصُّورِ: كُنْ. فيكونُ. قولُه الحقُّ يومَ

стр. 6370

يُنْفَخُ فيه، عالمُ الغيبِ والشهادةِ. فيَكونُ القولُ حينَئذٍ (١) مرفوعاً، بالحقِّ، والحقُّ بالقولِ، وقولُه: ﴿يَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، و ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ صلةُ الحقِّ. وقال آخَرون: بل قولُه: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾. معنيٌّ به كلُّ ما كان اللهُ مُعِيدَه في الآخرةِ بعدَ إفنائِه، ومُنْشِئَه بعدَ إعْدامِه. فالكلامُ على مذهبِ هؤلاء مُتَناهٍ عندَ قولِه: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾. وقولُه: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾. خبرٌ مبتدأٌ. وتأويلُه: وهو الذي خلَق السماواتِ والأرضَ بالحقِّ ويومَ يقولُ للأشياءِ: كنْ فيكونُ. خلَقَهما بالحقِّ بعدَ فنائِهما، ثم ابْتَدَأ الخبرَ عن قولِه ووعدِه خلقَه أنه مُعِيدُهما بعدَ فنائِهما، عن أنه حقٌّ، فقال: قولُه / هذا الحقُّ الذي لا شكَّ فيه. وأَخْبَر أن له المُلْكَ يومَ يُنْفَخُ في الصُّورِ، فـ ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ يَكونُ على هذا التأويلِ مِن صلِة المُلْكِ. وقد يجوزُ على هذا التأويلِ أن يكونَ قولُه: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾. مِن صلةِ الحقِّ. وقال آخَرون: بل معنى الكلامِ: ويومَ يقولُ لِمَا فنِي: كُنْ. فيَكونُ، قولُه الحقُّ. فجعَل القولَ مرفوعًا بقولِه: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. وجعَل قولَه: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾. للقولِ مَحَلًّا، وقوله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾. مِن صلةِ الحقِّ، كأنه وجَّه تأويلَ ذلك إلى: ويومئذٍ قولُه الحقُّ، يومَ يُنْفَخُ في الصُّورِ. وإن جُعِل على هذا التأويلِ: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّور﴾ بياناً عن اليومِ الأولِ، كان وجهاً صحيحًا، ولو جُعِل قولُه: ﴿قَولُهُ الْحَقُّ﴾. مرفوعًا بقولِه: ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي

стр. 6371

الصُّورِ﴾، وقولُه: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّور﴾. مَحَلًّا، وقولُه: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. مِن صلتِه، كان جائزاً. والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندي أن يُقالَ: إن اللهَ تعالى ذكرُه أَخْبَر أنه المنفردُ بخلقِ السماواتِ والأرضِ دونَ كلِّ ما سِواه، مُعَرِّفًا مَن أَشْرَكَ بِه مِن خلقِه جهلَه في عبادتِه (١) الأوثانَ والأصنامَ، وخطأَ ما هم عليه مُقِيمون مِن عبادةِ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، ولا يَقْدِرُ على اجْتلابِ نفعٍ إلى نفسِه، ولا دفعِ ضَرٍّ عنها، ومُحْتَجًّا عليهم في إنكارِهم البعثَ بعدَ المماتِ، والثوابَ والعقابَ، بقدرتِه على ابتداعِ ذلك ابتداءً، وأن الذي ابْتَدَع ذلك غيرُ مُتَعَذِّرٍ عليه إفناؤُه، ثم إعادتُه بعدَ إفنائِه، فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ﴾ أيها العادِلون بربِّهم مَن لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ، ولا يَقْدِرُ على شيءٍ، ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقّ﴾ حجةً على خلقِه؛ ليَعْرِفوا بها صانعَها، ولِيَسْتَدِلُّوا بها على عظيمِ قدرتِه وسلطانِه، فيُخْلِصوا له العبادةَ، ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. يقولُ: ويومَ يقولُ حينَ تُبَدِّلُ الأرضُ غيرَ الأرضِ والسماواتُ كذلك: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾. كما شاء تعالى ذكرُه، فتَكونُ الأرضُ غيرَ الأرضِ. [ويكونُ] (٢) الكلامُ (٣) عندَ قولِه: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾. مُتَناهِياً. وإذا كان كذلك معناه، وجَب أن يَكونَ في الكلامِ محذوفٌ يَدُلُّ عليه الظاهرُ، ويكونَ معنى الكلامِ: ويومَ يقولُ كذلك (٤): ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾. تَبَدُّلُه (٥) غيرَ السماواتِ والأرضِ. ويَدُلُّ على ذلك قولُه: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ

стр. 6372

السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾، ثم ابْتَدَأَ الخبرَ عن القولِ فقال: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾. بمعنى: وعدُه هذا (١) الذي وعَدَ تعالى ذكرُه، مِن تبديلِه السماواتِ والأرضَ غيرَ الأرضِ والسماواتِ، الحقُّ الذي لا شكَّ فيه، ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾. فيكونُ قولُه: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾. مِن صلةِ المُلْكِ، ويَكونُ معنى الكلامِ: وللهِ الملكُ يومَئذٍ؛ لأن النفخةَ الثانيةَ في الصورِ حالَ تبديلِ اللهِ السماواتِ والأرضَ غيرَهما (٢). وجائزٌ أن يكونَ القولُ، أعْنِي: ﴿قَولُهُ الْحَقُّ﴾. مرفوعًا بقولِه: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. ويكونَ قولُه: ﴿كُن فَيَكُونُ﴾. محلًّا للقولِ مُرافعًا. فيكونُ تأويلُ الكلامِ: وهو الذي خلَق السماواتِ والأرضَ بالحقِّ، ويومَ يُبَدِّلُها غيرَ السماواتِ والأرضِ فيقولُ لذلك: ﴿كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾. وأما قولُه: ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ﴾. فإنه خُصَّ بالخبرِ عن ملكِه يومَئذٍ، وإن كان الملكُ له خالصًا في كلِّ وقتِ في الدنيا والآخرةِ؛ لأنه عنَى تعالى ذكرُه أنه لا مُنازِعَ له فيه يومَئِذٍ، ولا مُدَّعِيَ له، وأنه المنفردُ به دونَ كلِّ مَن كان يُنازِعُه فيه في الدنيا مِن الجَبابرةِ، فأذْعَن جميعُهم يومَئذٍ له به، وعلِموا أنهم كانوا مِن دَعْواهم في الدنيا في باطلٍ. واخْتُلِف في معنى (الصورِ) في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: هو قرنٌ يُنْفَخُ فيه نَفْختان؛ إحداهما لفناءِ مَن كان حيًّا على الأرضِ، والثانيةُ لنشرِ كلِّ مَيتٍ. واعْتَلُّوا لقولِهم ذلك بقولِه (٣): ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا

стр. 6373

مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨]. وبالخبر الذي رُوِي عن رسولِ اللهِ ﷺ ، أنه قال إذ سُئِل عن الصورِ: (هو قَرْنٌ يُنْفَخُ فيه) (١). وقال آخَرون: الصورُ في هذا الموضعِ جمعُ صُورةٍ، يُنْفَخُ فيها رُوحُها فتَحْيا، كقولِهم (٢): سُورٌ. لسورِ المدينةِ، وهو جمعُ سُورةٍ، كما قال جريرٌ (٣): * سُورُ المدينةِ والجبالُ الخُشَّعُ * والعربُ تقولُ: نُفِخ في الصورِ، ونُفِخ الصورُ. ومِن قولِهم: نُفِخ الصورُ. قولُ الشاعرِ (٤): لولا ابنُ جَعْدةَ لم تُفْتَحْ قُهُنْدُزُكُمْ (٥) … ولا خُراسانُ حتى يُنْفَخَ الصُّورُ والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا ما تَظاهَرَت به الأخبارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: (إن إسْرافيلَ قد الْتَقَم الصُّورَ وحنَى جَبْهَتَه، يَنْتَظِرُ متى يُؤْمَرُ فَيَنْفُخَ). وأنه قال: (الصُّورُ قرنٌ يُنْفَخُ فيه). وذُكِر عن ابنِ عباسٍ أنه كان يقولُ في قولِه: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾. يعني: أن عالمَ الغيبِ والشهادةِ [هو الذي يَنْفُخُ في الصورِ] (٦).

стр. 6374

حدَّثني به المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ﴾. يعني: أن عالمَ الغيبِ والشهادةِ هو الذي يَنْفُخُ في الصورِ (١). فكأن ابنَ عباسٍ تأوَّل في ذلك أن قولَه: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ﴾. اسمُ الفاعلِ الذي لم يُسَمَّ في قولِه: ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّور﴾. وأن معنى الكلامِ: يومَ يَنْفُخُ اللهُ في الصورِ عالمُ الغيبِ والشهادةِ. كما تقولُ العربُ: أُكِل طعامُك عبدُ اللهِ. فتُظْهِرُ اسمَ الآكلِ بعدَ أن قد جرَى الخبرُ بما لم يُسَمَّ آكِلُه. وذلك وإن كان وجهاً غيرَ مدفوعٍ، فإن أحسنَ مِن ذلك أن يكونَ قولُه: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾. مرفوعًا على أنه نعتٌ لـ ﴿الَّذِى﴾، في قولِه: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾. ورُوِي عنه أيضاً أنه كان يقولُ: الصُّورُ في هذا الموضعِ النَّفْخةُ الأُولى. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾: يعني بالصُّورِ النفخةَ الأولى، ألم تَسْمَعْ أنه يقولُ: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾ يعني الثانيةَ، ﴿فَإِذَا هُم قِيَام يَنظُرُونَ﴾ (٢) [الزمر: ٦٨]. ويعني بقولِه: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾: عالمُ ما تُعايِنون أيُّها الناسُ فتُشاهِدُونه، [وما] (٣) يَغِيبُ عن حَواسِّكم وأبصارِكم فلا تُحِسُّونه ولا تُبْصِرونه،

стр. 6375

﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ في تدبيرِه وتصريفِه خلقَه مِن حالِ الوجودِ إلى العدمِ، ثم مِن حالِ العدمِ والفناءِ إلى الوجودِ، ثم في مُجازاتِهم بما يُجازِيهم به، مِن ثوابٍ أو عقابٍ، ﴿الْخَبِيرُ﴾ بكلِّ ما يَعْمَلونه ويَكْسِبونه مِن حسنٍ وسيءٍ، حافظٌ ذلك عليهم، ليُجازِيَهم على كلِّ ذلك. يقولُ تعالى ذكرُه: فاحْذَروا أيها العادِلون بربِّكم عقابَه؛ فإنه عليمٌ بكلِّ ما تَأْتُون وتَذَرُون، وهو لكم مِن وراءِ الجَزاءِ على ما تَعْمَلون. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : واذْكُرْ يا محمدُ لحِجاجِك الذي تُحاجُّ به قومَك، وخُصومتِك إياهم في آلهتِهم، وما تُراجِعُهم فيها، مما نُلقِيه إليك، ونُعْلِمُكه مِن البرهانِ والدلالِة على باطلِ ما عليه قومُك مُقِيمون، وصحةِ ما أنت عليه مُقيمٌ مِن الدينِ، وحقيقةِ (١) ما أنت (٢) عليهم مُحْتَجٌّ - حِجاجَ إبراهيمَ خليلي قومَه، ومُراجَعتَه إياهم في باطلِ ما كانوا عليه مُقِيمين مِن عبادةِ الأوثانِ، وانقطاعَه إلى اللهِ، والرضا به والياً وناصرًا دونَ الأصنامِ، فاتَّخِذْه إماماً، واقْتَدِ به، واجْعَلْ سيرتَه في قومِه لنفسِك مثالاً، إذ قال لأبيه مُفارِقًا لدينِه، وعائِباً (٣) عليه (٤) عبادتَه الأصنامَ دونَ بارئِه وخالقِه: يا آزرُ. ثم اخْتَلَف أهلُ العلمِ في المعنيِّ بـ ﴿آزَرَ﴾، وما هو، اسمٌ هو (٤) أم صفةٌ؟ وإن كان اسماً فمَن المُسَمَّى به؟ فقال بعضُهم: هو اسمُ أبيه.
следующие страницы →