← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 6476–6515 · переход к 6481.

стр. 6476

واخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾؛ فقرَأَت ذلك عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والكوفةِ: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ (١) بمعنى: فمنهم مَن استَقَرَّه اللهُ في مقَرَّه (٢) فهو مستقَرٌّ، ومنهم من اسْتَوْدَعه اللهُ فيما اسْتَوْدَعه فيه فهو مستودَعٌ فيه. وقرَأ ذلك بعضُ أهلِ المدينةِ وبعضُ أهلِ البصرةِ: (فمستقِرٌّ) بكسرِ القافِ (٣)، بمعنى: فمنهم مَن اسْتَقَرَّ في مقَرِّه، فهو مستقِرٌّ فيه (٤). وأولى القراءتين بالصوابِ عندي - وإن كان لكِلَيْهما عندي وجهٌ صحيحٌ - ﴿فَمُسْتَقَرٌّ﴾ بمعنى: اسْتَقَرَّه اللهُ في مستقَرِّه؛ ليَأْتَلِفَ المعنى فيه وفي "المستودَعِ"، في أن كلَّ واحدٍ منهما لم يُسَمَّ فاعلُه، وفي إضافةِ الخبرِ بذلك إلى اللهِ في أنه المستقِرُّ هذا والمستودِعُ هذا. وذلك أن الجميعَ مُجْمِعون على قراءةِ قولِه: ﴿وَمُسْتَوْدَعٌ﴾. بفتحِ الدالِ على وجهِ ما لم يُسَمَّ فاعلُه، فإجْراءُ الأولِ - أعنِي قولَه: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ﴾ - عليه، أشبهُ مِن عُدُولِه عنه. وأما قولُه: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾. يقولُ تعالى: قد بيَّنا الحُجَجَ، وميَّزْنا الأدلةَ والأعلامَ، وأحْكَمْناها لقومٍ يَفْقَهون مواقعَ الحججِ، ومواضعَ العِبَرِ، ويفْهَمون الآياتِ والذكرَ، فإنهم إذا اعْتَبَروا بما نبَّهتُهم عليه مِن إنشائي مِن نفسٍ واحدةٍ ما عايَنوا من البشرِ، وخلْقي ما خَلَقْتُ منها، مِن عجائبِ الألوانِ والصورِ - علِموا أن ذلك [مِن فعلِ مَن ليس] (٥) له مِثْلٌ ولا شَرِيكٌ، فيُشْرِكوه في عبادتِهم إياه.

стр. 6477

كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾. يقولُ: قد بيَّنا الآياتِ لقومٍ يَفْقَهون (١). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واللهُ الذي له العبادةُ خالصةً، لا شريكَ (٢) فيها لشيءٍ سواه، هو الإلهُ الذي أنْزَل مِن السماءِ مَاءً ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فَأَخْرَجْنا بالماءِ الذي أَنْزَلْناه مِن السماءِ مِن غِذاءِ الأنعامِ والبهائمِ والطيرِ والوحشِ، وأرزاقِ بني آدمَ وأقواتِهم، ما يَتَغَذَّون به ويَأْكُلونه، فيَنْبُتون عليه ويَنْمُون. وإنما معنى قولِه: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾: فأَخْرَجْنا به ما يَنْبُتُ به كلُّ شيءٍ ويَنْمُو عليه ويَصْلُحُ. ولو قيل معناه: فأخْرَجْنا به نباتَ جميعِ أنواعِ النباتِ. فيكونُ ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ هو أصنافَ النباتِ. كان مذهبًا، وإن كان الوجهُ الصحيحُ هو القولُ الأولَ. وقولُه: ﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا﴾. يقولُ: ﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ﴾. يعني: مِن الماءِ الذي أَنْزَلْناه مِن السماءِ، ﴿خَضِرًا﴾ رَطْبًا مِن الزرعِ. والخَضِرُ هو الأخضرُ، كقولِ العربِ: أرِنيها نَمِرةً أُرِكْها مَطِرَةً (٣). يقالُ: خضِرَت الأرضُ خَضِرًا وخَضَارةً. والخَضِرُ رطْبُ البُقولِ، ويقالُ: نخلةٌ

стр. 6478

خَضِيرةٌ (١). إذا كانت تَرْمِي بيُسْرِها أَخْضَرَ قبل أن يَنْضَجَ. وقد اختُضِر الرجلُ واغْتُضِر: إذا مات شابًّا مُصَحَّحًا. ويقالُ: هو لك خَضِرًا مَضِرًا. أي: هنيئًا مَرِيئًا. قولُه: ﴿نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾. يقولُ: نُخْرِجُ مِن الخَضِرِ حبًّا. يعني: ما في السُّنْبُلِ؛ سُنْبُلِ الحِنْطةِ والشَّعيرِ والأُرْزِ، وما أشْبَهَ ذلك مِن السَّنابلِ التي حَبُّها يَرْكَبُ بعضُه بعضًا. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةُ أهلِ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾: فهذا السُّنْبُلُ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ومِن النخلِ مِن طَلْعِها قِنْوانُه (٣) دانيةٌ. ولذلك رفِعت القِنْوانُ. والقِنْوانُ جمعُ قِنْوٍ، كما الصِّنْوانُ جمعُ صِنْوٍ، وهو العِذْقُ (٤). يقالُ للواحدِ: هو قِنْوٌ وقُنْوٌ وقَنًا، يُثَنَّى قِنْوانِ، ويُجْمَعُ قِنْوانٌ وقُنْوانٌ. قالوا: في جمعِ قليلِه: ثلاثةُ أقْناءٍ. والقِنْوانُ مِن لغةِ الحجازِ. والقُنْوانُ مِن لغةِ قيسٍ. وقال امرُؤُ القيسِ (٥):

стр. 6479

فأَنَّتْ (١) أَعالِيه وآدَتْ أُصولُه (٢) … ومالَ بقِنْوانٍ مِن البُسْرِ أَحْمَرَا وقِنْيان، جميعًا. وقال آخَرُ (٣): لها ذَنَبٌ كالقِنْوِ قد مَذِلَت به … وأَسْمَحَ (٤) للتَّخْطارِ (٥) بعدَ التَّشَذُّرِ وتَميمٌ تَقولُ: قُنْيانٌ، بالياءِ. ويعنى بقولِه: ﴿دَانِيَةٌ﴾. قريبةٌ مُتَهَدِّلةٌ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾: يعني بالقِنْوانِ الدانيةِ: قِصارُ النخلِ، لاصقةٌ عُذوقُها (٦) بالأرضِ (٧).

стр. 6480

حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾. قال عُذُوقٌ مُتَهَدِّلةٌ. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾. يقولُ: مُتَهَدِّلةٌ (١). حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ في قولِه: ﴿قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾. قال: قريبةٌ (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا الثوريُّ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ بنِ عازبٍ: ﴿قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾. قال: قريبةٌ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾. قال: الدانيةُ لتهَدُّلِ العُذوقِ (٤) مِن الطَّلْعِ (٥). حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ

стр. 6481

دَانِيَةٌ﴾: يعني النخلَ القِصارَ المُلْتَزِقةَ بالأرضِ، والقِنْوانُ طَلْعُه (١). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأَخْرَجْنا أيضًا جناتٍ مِن أعنابٍ، يعني: بَساتينَ مِن أعنابٍ. واخْتَلَفت القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَه عامةُ القرَأةِ: ﴿وَجَنَّاتٍ﴾. نصبًا، غيرَ أن التاءَ كُسِرَت لأنها تاءُ جمعِ المؤنثِ، وهي تُخْفَضُ في موضعِ النصبِ. وقد حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ بنُ سلَّامٍ، عن الكِسائيِّ، قال: أَخْبَرنا حمزةُ، عن الأعمشِ أنه قرَأ: (وجَناتٌ مِن أعنابٍ) بالرفعِ (٢). فرفَع (جناتٌ) على إتْباعِها القِنْوانَ في الإعرابِ وإن لم تَكُنْ مِن جنسِها، كما قال الشاعرُ (٣): ورأيْتِ زوجَكِ في الوَغَى … مُتَقَلِّدًا سيفًا ورُمْحَا والقراءةُ التي لا أَسْتَجِيزُ أَن يُقْرَأَ ذلك إلا بها، النصبُ: ﴿وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ﴾. لإجماعِ الحُجَّةِ مِن القَرَأةِ على تصويبها والقراءةِ بها، ورفضِهم ما

стр. 6482

عداها، وبُعْدِ معنى ذلك من الصوابِ إذا قُرِئ رفعًا (١). وقولُه: ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾. عطفٌ بالزيتونِ على الجناتِ، بمعنى: وأَخْرَجْنا الزيتونَ والرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وغيرَ مُتَشَابِهٍ. وكان قتادةُ يقولُ في معنى: ﴿مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ ما حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾. قال (٢): مُشْتَبِهًا وَرَقُه، مُخْتَلِفًا ثمرُه (٣). وجائزٌ أن يَكونَ مُرادًا به: مُشْتَبِهًا في الخلْقِ، مُخْتَلِفًا في الطعمِ. ومعنى الكلامِ: وشجرَ الزيتونِ والرُّمَّانِ. فاكْتُفِي مِن ذكرِ الشجرِ بذكرِ ثمرِه، كما قيل: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]. فاكْتُفِي بذكرِ القريةِ من ذكرِ أهلِها؛ لمعرفةِ المخاطَبِين بذلك بمعناه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾. اخْتَلَفَت القَرْأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَته عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ وبعضُ أهلِ البصرةِ: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ﴾. بفتحِ الثاءِ والميمِ (٤). وقرَأه بعضُ قرأةِ أهلِ مكةَ وعامةُ قرأةِ الكوفيين: (إلى ثُمُرِه) بضمِّ الثاءِ والميمِ (٥).

стр. 6483

فكأن مَن فتَح الثاءَ والميمَ مِن ذلك وجَّه معنى الكلامِ: انْظُروا إلى ثَمَرِ (١) هذه الأشجارِ التي سمَّيْنا من النخلِ والأعْنابِ والزيتونِ والرُّمَّان إذا أَثْمَر، وأن الثَّمَرَ (٢) جمعُ ثَمَرةٍ، كما القَصَبُ جمعُ قَصَبةٍ، والخشَبُ جمُع خَشَبَةٍ. وكأن مَن ضمَّ الثاءَ والميمَ وجَّه ذلك إلى أنه جمعُ ثِمارٍ، كما [الحُمُرُ جمعُ حِمارٍ] (٣)، والجُرُبُ جمعُ جِرابٍ. وقد حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ أبي حمادٍ، عن ابنِ إدريسَ، عن الأعمشِ، عن يحيى بنِ وَثَّابٍ أنه كان يَقْرَأُ: (إِلى ثُمُرِه). يقولُ: هو أصنافُ المالِ. حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي حمادٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ عُبَيدِ اللهِ، عن قيسِ بنِ سعدٍ، عن مُجاهدٍ، قال: الثُّمُرُ هو المالُ، والثَّمَرُ ثَمَرُ النخلِ. وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصوابِ (٤) قراءةُ مَن قرَأ: (انْظُروا إلى ثُمُرِه). بضمِّ الثاءِ والميمِ؛ لأن اللهَ جلَّ ثناؤُه وصَف أصنافًا مِن المالِ، كما قال يحيى بنُ وَثَّابٍ، وكذلك حَبُّ الزَّرْعِ المُتَراكِبُ، وقِنْوانُ النخلِ الدانيةُ، والجناتُ مِن الأعْنابِ، والزيتونُ والرُّمَّانُ، فكان ذلك أنواعًا مِن الثَّمَرِ، فجُمِعَت الثَّمَرةُ ثَمَرًا، ثم جُمِعَ الثَّمَرُ ثِمارًا، ثم جُمِع ذلك فقيل: (انْظُروا إلى ثُمُرِه). فكان ذلك جمعَ الثِّمارِ، والثِّمارُ جمعُ الثَّمَرةِ، وإثْمارُه عقدُ الثَّمَرِ. وأما قولُه: ﴿وَيَنْعِهِ﴾. فإنه نُضْجُه وبلوغُه حينَ يَبْلُغُ. وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ مِن أهلِ البصرةِ (٥) يقولُ في:

стр. 6484

﴿يَنْعِهِ﴾. إذا فُتِحَت ياؤُه: هو جمعُ يانعٍ، كما التَّجْرُ جمعُ تاجرٍ، والصَّحْبُ جمعُ صاحبٍ. وكان بعضُ أهلِ الكوفةِ يُنْكِرُ ذلك، ويَرَى أنه مصدرٌ مِن قولِهم: يَنَع الثمرُ فهو يَيْنَعُ يَنْعًا. ويَحْكي في مصدرِه عن العربِ لغاتٍ ثلاثًا؛ يَنْعٌ، ويُنْعٌ، ويَنَعٌ (١)، وكذلك في النَّضْجِ: النُّضْجُ والنَّضَجُ. وأما في قراءةِ مَن قرَأ ذلك: (ويانِعِه) (٢). فإنه يعني به: وناضِجِه وبالغِه. وقد يَجوزُ في مصدرِه: يُنوعًا، ومسموعٌ من العربِ: أيْنَعَت الثمرةُ تُونِعُ إيناعًا. ومِن لغةِ الذين قالوا: يَنَع. قولُ الشاعرِ (٣): في قِبابٍ عندَ دَسْكرةٍ (٤) … حولَها الزيتونُ قد يَنَعَا وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَيَنْعِهِ﴾. يعني: إذا نضِج (٥). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن

стр. 6485

أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾. قال: يَنْعِه نُضْجِه. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ أي: نُضْجِه. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَيَنْعِهِ﴾. قال: نُضْجِه (١). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَيَنْعِهِ﴾. يقولُ: ونُضجِه (٢). حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سَمِعْتُ أبا مُعاذٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَيَنْعِهِ﴾. قال: يعني: نُضْجِه (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿وَيَنْعِهِ﴾. قال: نُضْجِه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن في إنزالِ اللهِ تعالى مِن السماءِ الماءَ الذي أَخْرَج به نباتَ كلِّ شيءٍ، والخَضِر الذي أخْرَج منه الحبَّ المُتَراكِبَ، وسائرِ ما عَدَّد في هذه الآيةِ مِن صُنوفِ خَلْقِه، ﴿لَآيَاتٍ﴾. يقولُ: في ذلكم أيُّها الناسُ، إذا أنتم

стр. 6486

نظَرْتُم إلى ثمرِه عندَ عقدِ ثمرِه (١)، وعندَ يَنْعِه وانتهائِه، فرأيْتُم اختلافَ أحوالِه، وتصرفَه في زيادتِه ونموِّه، علِمْتُم أن له مدبِّرًا ليس كمثلِه شيءٌ، ولا تَصْلُحُ العبادةُ إلا له، دونَ الآلهةِ والأندادِ، وكان فيه حُجَجٌ وبرهانٌ وبيانٌ، ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ: لقومٍ يُصَدِّقون بوَحْدانيةِ اللهِ وقدرتِه على ما يَشاءُ. وخصَّ بذلك تعالى ذكرُه القومَ الذين يُؤْمِنون؛ لأنهم هم المنتفِعون بحُججِ اللهِ والمُعْتَبِرون بها، دونَ مَن قد طَبَع اللهُ على قلبِه، فلا يَعْرِفُ حقًّا مِن باطلٍ، ولا يَتَبَيَّنُ هُدًى مِن ضَلالةٍ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. يعني بذلك جلَّ ثناؤُه: وجعَل هؤلاء العادِلون بربِّهم الآلهةَ والأندادَ للهِ شركاءَ الجنَّ. كما قال جل ثناؤُه: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨]. وفي ﴿الْجِنَّ﴾ وجهان مِن النصبِ؛ أحدُهما: أن يكونَ تفسيرًا للشركاءِ (٢). والآخرُ: أن يكونَ معنى الكلامِ: وجعَلوا للهِ الجنَّ شركاءَ وهو خالقُهم. واخْتَلَفوا في قراءةِ قولِه: ﴿وَخَلَقَهُمْ﴾، فقرَأَته قرأَةُ الأمصارِ: ﴿وَخَلَقَهُمْ﴾. على معنى أن اللهَ خَلَقَهم مُنْفَرِدًا بخلقِه إياهم. وذُكِر عن يحيى بنِ يَعْمَرَ ما حدَّثني به أحمدُ بنُ يُوسُفَ، قال: ثنا القاسمُ بنُ سَلَّامٍ، قال: ثنا حَجَّاجٌ، عن هارونَ، عن واصلٍ مولى أبى عُيَيْنةَ، عن يحيى بنِ عَقيلٍ، عن يحيى بنِ يَعْمَرَ أنه قال: (شُرَكَاءَ الجنَّ وخَلْقَهم). بجزمِ اللامِ (٣).

стр. 6487

بمعنى أنهم قالوا: إن الجنَّ شركاءُ للهِ في خلقِه إيانا. وأولى القراءتين بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأ ذلك: ﴿وَخَلَقَهُمْ﴾؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليها. وأما قولُه: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. فإنه يعني بقولِه: ﴿خَرَقُوا﴾: اخْتَلَقوا، يقالُ: اخْتَلَق فلانٌ على فلانٍ كذبًا واخْتَرَقه، إذا افْتَعَله وافْتَراه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾: واللهُ خَلَقَهم، ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ﴾ يعني: أَنهم تَخَرَّصوا (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قولَه: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. قال: جَعَلوا له بنينَ وبناتٍ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. قال: كَذَبوا (٣).

стр. 6488

حدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾: كَذَبوا، ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾: عما يَكْذِبون، أما العربُ فجعَلوا له البناتِ، ولهم ما يَشْتَهون مِن الغِلْمَانِ، وأما اليهودُ فجعَلوا بينَه وبينَ الجِنَّةِ نسبًا، ولقد علِمَت الجِنَّةُ إنهم لَمُحْضَرون (١). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. قال: خرَصوا له بنينَ وبناتٍ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. يقولُ: قطَعوا له بنينَ وبناتٍ، قالت العربُ: الملائكةُ بناتُ اللهِ. وقالت اليهودُ والنصارى: المسيحُ وعُزَيْرٌ ابنا اللهِ (٣). حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. قال: ﴿خَرَقُوا﴾: كذَبوا. لم يَكُنْ للهِ بنون ولا بناتٌ، قالت النصارى: المسيحُ ابْنُ اللهِ. وقال المشركون: الملائكةُ بناتُ اللهِ. فكلٌّ خرَقوا الكذبَ، ﴿وَخَرَقُوا﴾: اخْتَرَقوا (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ قولَه:

стр. 6489

﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾. قال: قولُ الزَّنادقةِ. ﴿وَخَرَقُوا لَهُ﴾. قال ابنُ جُرَيْجٍ: قال مجاهدٌ: ﴿وَخَرَقُوا﴾: كذَبوا. حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ﴾. قال: وصَفوا له (١). حدَّثنا عمرانُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، عن أبي عمرٍو (٢): ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ﴾. قال: تفسيرُها: وكذَبوا. فتأويلُ الكلامِ إذن: وجعَلوا للهِ الجنَّ شركاءَ في عبادتِهم إياه، وهو المنفردُ بخلقِهم بغيرِ شريكٍ ولا مُعينٍ ولا ظَهيرٍ، ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ﴾. يقولُ: وتخَرَّصوا لله كذبًا، فافْتَعَلوا له بنين وبناتٍ، بغيرِ علمٍ منهم بحقيقةِ ما يقولون، ولكن جهلًا باللهِ وبعظمتِه، وأنه لا يَنْبَغِي لمَن كان إلهًا أن يكونَ له بنون وبناتٌ ولا صاحبةٌ، ولا أن يَشْرَكَه في خلقِه شَريكٌ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: تنَزَّه اللهُ وعلا، فارْتَفَع عن الذي يَصِفُه به هؤلاء الجَهَلَةُ مِن خلقِه، في ادِّعائِهم له شركاءَ مِن الجنِّ، واخْتراقِهم له بنينَ وبناتٍ، وذلك لا يَنْبَغي أن يَكونَ مِن صفتِه؛ لأن ذلك مِن صفةِ خلقِه الذين يَكونُ منهم الجِماعُ الذي يَحْدُثُ عنه الأولادُ، والذين تَضْطَرُّهم لضعفِهم الشهواتُ إلى اتخاذِ الصاحبةِ لقضاءِ اللذاتِ، وليس اللهُ تعالى ذكرُه بالعاجزِ، فيَضْطَرَّه شيءٌ إلى شيءٍ، ولا بالضعيفِ المحتاجِ فتَدْعُوَه حاجتُه إلى النساءِ إلى اتخاذِ صاحبةٍ لقضاءِ لذةٍ.

стр. 6490

وقولُه: ﴿وَتَعَالَى﴾: تَفاعَل، من العلوِّ والارتفاعِ. ورُوِي عن قتادةَ في تأويلِ قولِه: ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾. أنه: يَكْذِبون. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾: عما يَكْذِبون (١). وأَحْسَبُ أن قتادةَ عنى بتأويلِه ذلك كذلك أنهم يَكْذِبون في وصفِهم اللهَ بما كانوا يَصِفونه به (٢)، مِن ادِّعائِهم له بنين وبناتٍ، لا أنه وجَّه تأويلَ الوصفِ إلى الكذبِ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: اللهُ الذي جعَل هؤلاء الكفَرةُ به له الجنَّ شركاءَ، وخرَقوا له بنين وبناتٍ بغيرِ علمٍ، ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يعني: مُبْتَدِعُها ومُحْدِثُها ومُوجِدُها بعدَ أن لم تكنْ. كما حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال: هو الذي ابْتَدَع خلقَهما ﷻ ، فخلَقَهما ولم تكونا شيئًا قبلَه. ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ والولدُ إنما يَكونُ (٣) الذكرُ مِن الأُنثى، ولا يَنْبَغي أن يكونَ للهِ سبحانَه صاحبةٌ فيَكونَ له ولدٌ، وذلك أنه هو الذي

стр. 6491

خلَق كلَّ شيءٍ. يقولُ: فإذا كان لا شيءَ إلا اللهُ خلَقَه، فأنَّى يكونُ للهِ ولدٌ، ولم تكُنْ له صاحبةٌ فيَكونَ له منها ولدٌ؟ القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واللهُ خلَق كلَّ شيءٍ، ولا خالقَ سِواه، وكلُّ ما تدعُون أيُّها العادلون باللهِ الأوثانَ مِن دونِه، خلقُه وعَبيدُه، مَلَكًا كان الذي تدعُونه ربًّا وتَزْعُمون أنه له ولدٌ، أو جِنيًّا أو إنسيًّا، ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. يقولُ: واللهُ الذي خلَق كلَّ شيءٍ، لا يَخْفَى عليه ما خلَق ولا شيءٌ منه، ولا يَعْزُبُ عنه مثقالُ ذرةٍ في الأرضِ ولا في السماءِ، عالمٌ بعددِكم وأعمالِكم، وأعمالِ مَن دَعَوْتُموه ربًّا أو للهِ ولدًا، وهو مُحْصِيها عليكم وعليهم، حتى يُجازِيَ كلًّا بعملِه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه (١): الذي خلَق كلَّ شيءٍ وهو بكلِّ شيءٍ عليمٌ، هو اللهُ ربُّكم أيها العادِلون باللهِ الآلهةَ والأوثانَ، والجاعِلون له الجنَّ شركاءَ، وآلهتِكم التي لا تَمْلِكُ نفعًا ولا ضَرًّا، ولا تَفْعَلُ خيرًا ولا شرًّا، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. وهذا تكذيبٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه الذين (٢) زعَموا أن الجنَّ شركاءُ اللهِ، يقولُ جلَّ ثناؤُه لهم: أيُّها الجاهِلون، إنه لا شيءَ له الألوهيةُ والعبادةُ إلا الذي خلَق كلَّ شيءٍ وهو بكلِّ شيءٍ عليمٌ، فإنه لا يَنْبَغِي أن تَكونَ عبادتُكم وعبادةُ جميعِ مَن في السماواتِ والأرضِ إلا له، خالصةً بغيرِ (٣) شريكٍ تُشْرِكونه فيها، فإنه خالقُ كلِّ

стр. 6492

شيءٍ وبارئُه وصانعُه، وحقٌّ على المصنوعِ أن يُفْرِدَ صانعَه بالعبادةِ، ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾. يقولُ: فذِلُّوا له بالطاعةِ والعبادةِ والخدمةِ، واخْضَعوا له بذلك، ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾. يقولُ: واللهُ على كلِّ ما خلَق مِن شيءٍ رقيبٌ وحَفيظٌ، يقومُ بأرزاقِ جميعِه وأقْواتِه وسياستِه وتدبيرِه وتصريفِه بقدرتِه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: لا تُحيطُ به الأبصارُ وهو يُحيطُ بها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾. يقولُ: لا يُحِيطُ بصرُ أحدٍ بالمَلِكِ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾: وهو أعظمُ مِن أن تُدْرِكَه الأبصارُ (٢). حدَّثني سعدُ (٣) بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنا أبو عَرفَجةَ، عن عطيةَ العَوْفيِّ في قولِه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]. قال: هم يَنْظُرون إلى اللهِ، لا تُحِيطُ أبصارُهم به مِن عظمتِه،

стр. 6493

وبصرُه يُحِيطُ بهم، فذلك قولُه: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ الآية. واعتلَّ قائلو هذه المقالةِ لقولِهم هذا بأن قالوا: إن اللهَ قال: ﴿[حَتَّى إِذَا] (١) أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ﴾ [يونس: ٩٠]. قالوا: فوصَف اللهُ تعالى ذكرُه الغرقَ بأنه أدْرَك فرعونَ، ولا شكَّ أن الغرقَ غيرُ موصوفٍ بأنه رآه، ولا هو مما يَجوزُ وصفُه بأنه يَرَى شيئًا. قالوا: فمعنى قولِه: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾. بمعنى (٢): لا تراه، بعيدٌ (٣)؛ لأن الشيءَ قد يُدْرِكُ الشيءَ ولا يَراه، كما قال جلَّ ثناؤُه مُخْبِرًا عن قِيلِ أصحابِ موسى ﷺ لموسى حينَ قرُب منهم أصحابُ فرعونَ: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١]. لأن اللهَ قد كان وعَد نبيَّه موسى ﷺ أنهم لا يُدْرَكون؛ لقولِه: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧]. قالوا: فإذ كان الشيءُ قد يَرَى الشيءَ ولا يُدْرِكُه، ويُدْرِكُه ولا يراه، فكان معلومًا بذلك أن قولَه: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾. مِن معنى: لا تَراه الأبصارُ - بمَعْزِلٍ، وأن معنى ذلك: لا تُحيطُ به الأبصارُ؛ لأن الإحاطةَ به غيرُ جائزةٍ. قالوا: فالمؤمنون وأهلُ الجنةِ يَرَوْن ربَّهم بأبصارِهم، ولا تُدْرِكُه أَبْصارُهم، بمعنى: أنها لا تُحِيطُ به، إذ كان غيرُ جائزٍ أن يُوصَفَ اللهُ بأن شيئًا يُحِيطُ به. قالوا: ونظيرُ جَوازِ وصفِه بأنه يُرَى ولا يُدْرَكُ، جوازُ وصفِه بأنه يُعْلَمُ ولا يُحاطُ به، وكما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. قالوا: فنفَى جلَّ ثناؤُه عن خلقِه أن يكونوا يُحِيطون بشيءٍ من علمِه إلا بما

стр. 6494

شاء. قالوا: ومعنى العلمِ في هذا الموضعِ: المعلومُ. قالوا: فلم يَكُنْ في نفيِه عن خلقِه أن يُحِيطوا بشيءٍ من علمِه إلا بما شاء، نفيٌ عن أن يَعْلَموه. قالوا: فإذ لم يَكُنْ في نفيِ الإحاطةِ بالشيءِ علمًا نفيٌ للعلمِ به، كان كذلك، لم يَكُنْ في نفيِ إدراكِ اللهِ عن البصرِ نفيُ رؤيتِه له. قالوا: وكما جاز أن يَعْلَمَ الخلقُ أشياءَ ولا يُحيطُون بها علمًا، كذلك جائزٌ أن يَرَوْا رَبَّهم بأبصارِهم ولا يُدْرِكوه بأبصارِهم، إذ كان معنى الرؤيةِ غيرَ معنى الإدراكِ، ومعنى الإدراكِ غير معنى الرؤيةِ، وأن معنى الإدراكِ إنما هو معنى الإحاطةِ، كما قال ابنُ عباسٍ في الخبرِ الذي ذكَرْناه قبلُ. قالوا: فإن قال لنا قائلٌ: وما أَنْكَرْتُم أن يكونَ معنى قولِه: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾: لا تراه الأبصارُ؟ قلنا له: أنْكَرْنا ذلك لأن اللهَ جلَّ ثناؤُه أخْبَر في كتابِه أن وجوهًا - في القيامةِ - إليه ناظرةٌ، وأن رسولَ اللهِ ﷺ أخْبَر أمتَه أنهم سيَرَوْن ربَّهم يومَ القيامةِ كما يُرَى القمرُ ليلةَ البدرِ، وكما تَرَوْن الشمسَ ليس دونَها سَحابٌ (١). قالوا: فإذ كان اللهُ قد أخْبَر في كتابِه بما أخْبَر، وحقَّقَتْ أخبارُ رسولِ اللهِ ﷺ بما ذكَرْنا عنه مِن قيلِه ﷺ ، أن تأويلَ قولِه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ أنه نَظَرُ أبصارِ العيونِ للهِ ﷻ (٢) وكان كتابُ اللهِ يُصَدِّقُ بعضُه بعضًا، وكان مع ذلك غيرُ جائزٍ أن يكونَ أحدُ هذين الخبرين ناسخًا للآخرِ، إذ كان غيرَ جائزٍ في الأخبارِ؛ لما قد بيَّنَّا في كتابِنا: "كتابِ لطيفِ البيانِ عن أصولِ الأحكامِ" وغيرِه - عُلِم أن معنى قولِه: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾. غيرُ معنى قولِه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ

стр. 6495

نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. فإن أهلَ الجنةِ يَنْظُرون بأبصارِهم يومَ القيامةِ إلى اللهِ، ولا يُدْرِكونه بها، تَصْديقًا للهِ في كلا الخبرين، وتسليمًا لما جاء به تنزيلُه، على ما جاء به في السُّورَتَين. وقال آخرون: معنى ذلك: لا تراه الأبصارُ وهو يَرَى الأبصارَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾: لا يراه شيءٌ، وهو يرى الخَلائقَ (١). حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن عامرٍ، عن مسروقٍ، عن عائشةَ، قالت: مَن حدَّثك أن رسولَ اللهِ ﷺ رأى ربَّه فقد كذَب: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾، ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١]. ولكن قد رأَى جبريلَ في صورتِه مرتين (٢). حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن عامرٍ، عن مسروقٍ، قال: قلتُ لعائشةَ: يا أمَّ المؤمنين، هل رأى محمدٌ رَبَّه؟ فقالت: سبحانَ اللهِ! لقد قَفَّ (٣) شَعري مما قلتَ. ثم قرأَت: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى وابنُ عُلَيَّةً، عن داودَ، عن الشعبيِّ، عن

стр. 6496

مسروقٍ، عن عائشةَ بنحوِه (١). حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن الشعبيِّ، قال: قالت عائشةُ: مَن قال: إن أحدًا رأى ربَّه. فقد أعْظَم الفِرْيَةَ على اللهِ، قال اللهُ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ (١). فقال قائلو هذه المقالةِ: معنى الإدراكِ في هذا الموضعِ: الرؤيةُ. وأنكروا أن يَكونَ اللهُ يُرَى بالأبصارِ في الدنيا والآخرةِ. وتأوَّلوا قولَه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. بمعنى انْتظارِها رحمةَ اللهِ وثوابَه. وتأَوَّل بعضُهم في الأخبارِ التي رُوِيت عن رسولِ اللهِ ﷺ بتصحيحِ القولِ برؤيةِ أهلِ الجنةِ ربَّهم يومَ القيامةِ تأويلاتٍ. وأنكَر بعضُهم مجيئَها، ودافَعوا أن يَكونَ ذلك مِن قولِ رسولِ اللهِ ﷺ ، وردُّوا القولَ فيه إلى عقولِهم، فزعَموا أن عقولَهم تُحِيلُ جوازَ الرؤيةِ على اللهِ بالأبصارِ، وأتَوْا في ذلك بضروبٍ مِن التَّمْويهاتِ، وأكْثَروا القولَ فيه مِن جهةِ الاسْتِخْراجاتِ. وكان من أجلِّ ما زعَموا أنهم علِموا به صحةَ قولِهم ذلك مِن الدليلِ، أنهم لم يَجِدوا أبصارَهم تَرَى شيئًا إلا ما بايَنها دونَ ما لاصَقَها، فإنها لا تَرَى ما لاصَقَها. قالوا: فما كان للأبصارِ مُبايِنًا مما عايَنَتْه، فإن بينَه وبينَها فَضاءً وفُرْجةً. قالوا: فإن كانت الأبصارُ تَرَى ربَّها يومَ القيامةِ على نحوِ ما تَرَى الأشخاصَ اليومَ، فقد وجَب أن يَكونَ الصانعُ محدودًا. قالوا: ومَن وصَفَه بذلك فقد وصَفَه بصفاتِ الأجسامِ التي يَجوزُ عليها الزيادةُ والنقصانُ. قالوا: وأُخرى، أن مِن شأنِ الأبصارِ أن تُدْرِكَ الألوانَ، كما مِن شأنِ الأسماعِ

стр. 6497

أن تُدْرِكَ الأصواتَ، ومن شأنِ المتنسِّمِ (١) أن يُدْرِكَ الأعْرافَ (٢). قالوا: فمِن الوجهِ الذي فسَد أن يَكونَ جائزًا أن يُقْضَى للسمعِ بغيرِ إدراكِ الأصواتِ، وللمتنسِّمِ (٣) إلا بإدراكِ الأعرافِ، فسَد أن يَكونَ جائزًا [القضاءُ للبصرِ] (٤) إلا بإدراكِ الألوانِ. قالوا: ولما كان غيرُ جائزٍ أن يكونَ اللهُ تعالى ذكرُه موصوفًا بأنه ذو لونٍ، صحَّ أنه غيرُ جائزٍ أن يكونَ موصوفًا بأنه مرئيٌّ. وقال آخرون: معنى ذلك: لا تُدْرِكُه أبصارُ الخَلائقِ في الدنيا، وأما في الآخرةِ فإنها تُدْرِكُه. وقال أهلُ هذه المقالةِ: الإدراكُ في هذا الموضعِ الرؤيةُ. واعتَلَّ أهلُ هذه المقالةِ لقولِهم هذا بأن قالوا: الإدراكُ وإن كان قد يَكونُ في بعضِ الأحوالِ بغيرِ معنى الرؤيةِ، فإن الرؤيةَ مِن أحدِ معانيه، وذلك أنه غيرُ جائزٍ أن يَلْحَق بصرُه شيئًا فيراه، وهو لِمَا أبْصَره وعايَنَه غيرُ مُدْرِكٍ، وإن لم يُحِطْ بأجزائِه كلِّها رؤيةً. قالوا: فرؤيةُ ما عايَنه الرائي إدراكٌ له دونَ ما لم يَرَه. قالوا: وقد أخْبَر اللهُ أن وُجوهًا يومَ القيامةِ إليه ناظرةٌ، قالوا: فمحالٌ أن تَكونَ إليه ناظرةً وهي له غيرُ مُدْرِكةٍ رؤيةً. قالوا: وإذا كان ذلك كذلك، وكان غيرُ جائزٍ أَن يَكونَ في أخبارِ اللهِ تضادٌّ وتعارُضٌ، وجَب وصحَّ أن قولَه: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾. على الخصوصِ لا على العمومِ، وأن معناه: لا تُدْرِكُه الأبصارُ في الدنيا، وهو يُدْرِكُ الأبصارَ في الدنيا والآخرةِ. إذ كان اللهُ قد اسْتَثْنَى ما اسْتَثْنَى منه بقولِه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. وقال آخَرون من أهلِ هذه المقالةِ: الآيةُ على الخصوصِ، إلا أنه جائزٌ أن يَكونَ

стр. 6498

معنى الآيةِ: لا تُدْرِكُه أبصارُ الظالمين في الدنيا والآخرة، وتُدْرِكُه أَبصارُ المؤمنين وأولياءِ اللهِ. قالوا: وجائزٌ أن يكونَ معناها: لا تُدْرِكُه الأبصارُ بالنهايةِ والإحاطةِ، وأما بالرؤيةِ فبَلَى. قالوا: وجائزٌ أن يكونَ معناها: لا تُدْرِكُه الأبصارُ في الدنيا، وتُدْرِكُه في الآخرةِ. وجائزٌ أن يَكونَ معناها: لا تُدْرِكُه أَبصارُ مَن يَراه، بالمعنى الذي يُدْرِكُ به القديمُ أبصارَ خلقِه، فيكونَ الذي نفَى عن خلقِه من إدراكِ أبصارِهم إياه. . الذي أثْبَته لنفسِه، إذ كانت أبصارُهم ضعيفةً، لا تَنْفُذُ إلا فيما قوَّاها جلَّ ثناؤُه على النفوذِ فيه، وكانت كلُّها مُتَجَلِّيةً لبصرِه، لا يَخْفَى عليه منها شيءٌ. قالوا: ولا شكَّ في خصوصِ قولِه: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾. وأن أولياءَ اللهِ سَيَرَوْنه يومَ القيامةِ بأبصارِهم، غيرَ أنَّا لا نَدْرِى أيَّ معاني الخصوصِ الأربعةِ أُرِيد بالآيةِ. واعتلُّوا بتصحيحِ القولُ بأن اللهَ يُرَى في الآخرةِ بنحوِ عِللِ الذين ذكَرْنا قبلُ. وقال آخرون: الآيةُ على العمومِ، ولن يُدْرِكَ اللهَ بصرُ أحدٍ في الدنيا والآخرةِ، ولكنَّ اللهَ يُحْدِثُ لأوليائِه يومَ القيامةِ حاسّةً سادسةً سوى حواسِّهم الخمسِ، فيَرَوْنه بها. واعتَلُّوا لقولِهم هذا بأن اللهَ تعالى ذكرُه نفَى عن الأبصارِ أن تُدْرِكَه، مِن غيرِ أن يَدُلَّ فيها أو بآيةٍ غيرها على خصوصِها. قالوا: وكذلك أخْبَر في آيةٍ أُخرى أن وجوهًا إليه يومَ القيامةِ ناظرةٌ. قالوا: فأَخْبارُ اللهِ لا تتنافى (١) ولا تَتَعارَضُ، وكلا الخبرَيْن صحيحٌ معناه، على ما جاء به التنزيلُ. واعْتَلُّوا أيضًا من جهةِ العقلِ بأن قالوا: إن كان جائزًا أن نراه في الآخرةِ بأبصارِنا هذه وإن زِيد في قِواها، وجَب أن نَراه في الدنيا وإن ضعُفَت؛ لأن كلَّ حاسةٍ خُلِقَت لإدراك معنًى مِن المعاني، فهي وإن ضعُفَت كلَّ الضعفِ فقد تُدْرِكُ مع

стр. 6499

ضعفِها ما خُلِقَت لإدراكِه، وإن ضعُف إدراكُها إياه، ما لم تُعْدَمْ. قالوا: فلو كان في البصرِ أن يُدْرِكَ صانعَه في حالٍ مِن الأحوالِ، أو وقتٍ مِن الأوقاتِ ويَرَاه، وجَب أن يكونَ يُدْرِكُه في الدنيا ويَراه فيها، وإن ضعُف إدراكُه إياه. قالوا: فلما كان ذلك غيرَ موجودٍ مِن أبصارِنا في الدنيا، كان غيرُ جائزٍ أن تكونَ في الآخرةِ إلا بهيئتِها في الدنيا، في أنها لا تُدْرِكُ إلا ما كان مِن شأنِها إدراكُه في الدنيا. قالوا: فلما كان ذلك كذلك، وكان اللهُ تعالى ذكرُه قد أخْبَر أن وجوهًا في الآخرةِ تَراه، عُلِم أنها تَراه بغيرِ حاسَّةِ البصرِ، إذ كان غيرُ جائزٍ أن يَكونَ خبرُه إلا حقًّا. والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا ما تَظاهَرَت به الأخبارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: "إنكم ستَرَوْن ربَّكم يومَ القيامةِ كما تَرَوْن القمرَ ليلةَ البدرِ، وكما تَرَوْن الشمسَ ليس دونَها سَحابٌ" (١). فالمؤمنون يَرَوْنه، والكافرون عنه يومَئذٍ مَحْجُوبون، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]. فأما ما اعتلَّ به منكرُو رؤيةِ اللهِ يومَ القيامةِ بالأبصارِ، لمَّا كانت لا تَرَى إلا ما بايَنها وكان بينَها وبينَه فضاءٌ وفرجةٌ، وكان ذلك عندَهم غيرَ جائزٍ أن تكونَ رؤيةُ اللهِ بالأبصارِ كذلك؛ لأن في ذلك إثباتَ حدٍّ له ونهايةٍ، فبطَل عندَهم لذلك جوازُ الرؤيةِ عليه، فإنَّه (٢) يقالُ لهم: هل علِمْتُم موصوفًا بالتدبيرِ، سوى صانعِكم، إلا مماسًّا لكم أو مُبايِنًا؟ فإن زعَموا أنهم يَعْلَمون ذلك، كُلِّفوا تبيينَه، ولا سبيلَ إلى ذلك. وإن قالوا: لا نَعْلَمُ ذلك.

стр. 6500

قيل لهم: أوَ ليس قد علِمْتُموه لا مماسًّا لكم ولا مُبايِنًا، وهو موصوفٌ بالتدبيرِ والفعلِ، ولم يَجِبْ عندَكم - إذ كنتم لم تَعْلَموا موصوفًا بالتدبيرِ والفعلِ غيرَه، إلا مماسًّا لكم أو مُبايِنًا - أن يكونَ مستحيلًا العلمُ به، وهو موصوفٌ بالتدبيرِ والفعلِ، لا مماسٌّ ولا مُباينٌ؟ فإن قالوا: ذلك كذلك. قيل لهم: فما تُنْكِرون أن تَكونَ الأبصارُ كذلك، لا تَرَى إلا ما بايَنها وكانت بينَه وبينَها فرجةٌ، قد تَراه وهو غيرُ مُباينٍ لها ولا فرجةَ بينَها وبينَه ولا فضاءَ، كما لا تَعْلَمُ القلوبُ موصوفًا بالتدبيرِ إلا مماسًّا لها أو مباينًا، وقد علِمَتْه عندَكم لا كذلك؟ وهل بينَكم وبينَ مَن أنْكَر أن يَكونَ موصوفًا بالتدبيرِ والفعلِ معلومًا، إلَّا (١) مماسًّا للعالِمِ (٢) به أو مُباينًا، وأجاز أن يكونَ موصوفٌ (٣) برؤيةِ الأبصارِ لا مماسًّا لها ولا مُباينًا - فرقٌ؟ ثم يُسْأَلُون الفرقَ بينَ ذلك، فلن يقولوا في شيءٍ مِن ذلك قولًا إلا أُلْزِموا في الآخرِ مثلَه. وكذلك يُسْأَلُون فيما اعْتَلُّوا به في ذلك من (٤) أن مِن شأنِ الأبصارِ إدراكَ الألوانِ، كما أن مِن شأنِ الأسماعِ إدراكَ الأصواتِ، ومن شأنِ المُتَنَسِّمِ دَرَكَ الأعرافِ، فمِن الوجهِ الذي فسَد أن يُقْضَى السمعُ لغيرِ دَرَكِ الأصواتِ، فسَد أن تُقْضَى الأَبصارُ لغيرِ دَرَكِ الأَلْوَانِ.

стр. 6501

فيقالُ لهم: ألستم لم تَعْلَموا فيما شاهدْتُم وعايَنْتُم موصوفًا بالتدبيرِ والفعلِ إلا ذا لونٍ، وقد علِمْتُموه موصوفًا بالتدبيرِ لا ذا لونٍ؟ فإن قالوا: نعم. لا يَجِدون مِن الإقرارِ بذلك بُدًّا، إلا أن يَكْذِبوا فيَزْعُموا أنهم قد رأَوْا وعايَنوا موصوفًا بالتدبيرِ والفعلِ غيرَ ذي لونٍ، فيُكَلَّفوا بيانَ ذلك، ولا سبيلَ إليه. فيُقالُ لهم: فإذ كان ذلك كذلك، فما أنْكَرْتُم أَن تَكونَ الأبصارُ فيما شاهَدْتُم وعايَنْتُم لم تَجِدوها تُدْرِكُ إلا الألوانَ، كما لم تَجِدوا أنفسَكم تَعْلَمُ موصوفًا بالتدبيرِ إلا ذا لونٍ، وقد وجَدْتُموها علِمَتْه موصوفًا بالتدبيرِ غيرَ ذي لونٍ. ثم يُسْأَلُون الفرقَ بينَ ذلك، فلن يقولوا في أحدِهما شيئًا إلا أُلْزِموا في الآخرِ مثلَه. ولأهلِ هذه المقالةِ مسائلُ فيها تَلْبيسٌ، كرِهْنا ذكرَها وإطالةَ الكتابِ بها وبالجوابِ عنها، إذ لم يَكُنْ قَصْدُنا في كتابِنا هذا قصدَ الكشفِ عن تَمْويهاتِهم، بل قصْدُنا فيه البيانُ عن تأويلِ آيِ الفُرْقانِ، ولكنا ذكَرْنا القدرَ الذي ذكَرْنا؛ ليَعْلَمَ الناظرُ في كتابِنا هذا أنهم لا يَرْجِعون من قولِهم إلا إلى ما لبَس عليهم الشيطانُ، مما يَسْهُلُ على أهلِ الحقِّ البيانُ عن فسادِه، وأنهم لا يَرْجِعون في قولِهم إلى آيةٍ مِن التنزيلِ مُحْكَمةٍ، ولا روايةٍ عن رسولِ اللهِ ﷺ صحيحةٍ ولا سَقيمةٍ، فهم في الظُّلماتِ يَخْبِطون، وفي العَمْياءِ يَتَردَّدون، نَعوذُ باللهِ من الحَيْرةِ والضَّلالةِ. وأما قولُه: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. فإنه يقولُ: واللهُ تعالى ذكرُه المتيسِّرُ (١) له من إدراكِ الأبصارِ، والمتأتِّي له مِن الإحاطةِ بها رؤيةُ ما يَعْسُرُ على الأبصارِ؛ مِن إدراكِها إياه، وإحاطتِها به، ويَتَعَذَّرُ عليها، ﴿الْخَبِيرُ﴾. يقولُ: العليمُ بخلقِه وأبصارِهم، والسببِ الذي له تعَذَّر عليها إدراكُه، فلطَف بقدرتِه، فهيَّأ

стр. 6502

أبصارَ خلقِه هيئةً لا تُدْرِكُه، وخبَر بعلمِه كيف تدبيرُها وشئونُها، وما هو أصلحُ بخلقِه. كالذي حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أبي جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿[اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ] (١)﴾. قال: اللطيفُ (٢) باستخراجِها، الخبيرُ (٣) بمكانِها (٤). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤)﴾. وهذا أمرٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه نبيَّه محمدًا ﷺ أن يقولَ لهؤلاء الذين نبَّههم بهذه (٥) الآياتِ من قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ إلى قولِه: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. على حججِه عليهم، وعلى سائرِ (٦) خلقِه معهم، العادِلين به الأوثانَ والأندادَ، والمكذِّبين باللهِ ورسولِه محمدٍ ﷺ ، وما جاءَهم مِن عندِ اللهِ، قلْ لهم يا محمدُ: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ﴾ أيُّها العادِلون باللهِ، والمكذِّبون رسولَه، ﴿بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. أي: ما تُبْصِرون به الهدى من الضلالِ، والإيمانَ مِن الكفرِ. وهي جمعُ بَصيرةٍ، ومنه قولُ الشاعرِ (٧):

стр. 6503

حمَلوا (١) بصائرَهم (٢) على أكْتافِهم … وبَصِيرتي يَعْدُو بها عَتدٌ (٣) وَأَي (٤) يعني بالبصيرةِ الحجةَ البينةَ الظاهرةَ. كما حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. قال: البصائرُ الهدى، بصائرُ في قلوبِهم لدينِهم. وليست ببصائرِ الرءوسِ. وقرَأ: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]. قال: إنما الدَّيِّنُ (٥) بصرُه وسمعُه في هذا القلبِ (٦). حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. أي: بينةٌ (٧). وقولُه: ﴿فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ﴾. يقولُ: فمَن تبَيَّن حججَ اللهِ وعرَفها، وأقرَّ بها، وآمَن بما دلَّته عليه من توحيدِ اللهِ وتصديقِ رسولِه وما جاء به، فإنما أصاب حظَّ نفسِه، ولنفسِه عمِل، وإياها بغَى الخيرَ، ﴿وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا﴾. يقولُ: ومَن لم يَسْتَدِلَّ بها، ولم يُصَدِّقْ بما دلَّتْه عليه مِن الإيمانِ باللهِ ورسولِه وتنزيلِه، ولكنه عمِي عن دلالتِها التي تدُلُّ عليها، يقولُ: فنفسَه ضرَّ، وإليها أساء لا إلى غيرِها. وأما قولُه: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾. يقولُ: وما أنا عليكم

стр. 6504

برقيبٍ أُحْصِي عليكم أعمالَكم وأفعالَكم، وإنما أنا رسولٌ أُبَلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ به إليكم، واللهُ الحفيظُ عليكم الذي لا يَخْفَى عليه شيءٌ مِن أعمالِكم. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ (١) وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١٠٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: كما صرَّفْتُ لكم أيُّها الناسُ الآياتِ والحججَ في هذه السورةِ وبيَّنْتُها، فعرَّفْتُكموها في توحيدي وتصديقِ رسولي وكتابي، ووقَّفتُكم (٢) عليها، فكذلك أُبَيِّنُ لكم آياتي وحُججي في كلِّ ما جَهِلْتُموه فلم تَعْرِفوه مِن أمري ونهيِي. كما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾: لهؤلاء العادلين بربِّهم، كما صرَّفْتُها في هذه السورةِ، ولئلا يقولوا: درَسْتَ. واخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَته عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والكوفةِ: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾. بمعنى (٣): قرأْتَ أنت يا محمدُ. بغيرِ ألفٍ (٤). وقرَأ ذلك جماعةٌ مِن المتقدِّمين؛ منهم ابنُ عباسٍ على اختلافٍ عنه فيه، وغيرُه وجماعةٌ من التابِعين، وهو قراءةُ بعضِ قرأةِ أهلِ البصرةِ: (وليقولوا دارَسْتَ). بألفٍ (٥)، بمعنى: قارَأْتَ وتَعَلَّمْتَ مِن أهلِ الكتابِ.

стр. 6505

ورُوِي عن قتادةَ أنه كان يَقْرَؤُه: (دُرِسَتْ) (١). بمعنى: قُرِئَت وتُلِيَت. وعن الحسنِ أنه كان يَقْرَؤُه: (دَرَسَتْ). بمعنى: انْمَحَت (٢). وأولى القراءاتِ في ذلك عندي بالصوابِ قراءةُ من قرَأه: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ (٣). بتأويلِ: قرأْتَ وتعلَّمْتَ؛ لأن المشركين كذلك كانوا يَقولون للنبيِّ ﷺ ، وقد أخبَر اللهُ عن قيلِهم ذلك بقولِه: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣]. فهذا خبرٌ مِن اللهِ يُنْبِئُ عنهم أنهم كانوا يقولون: إنما يَتَعَلَّمُ محمدٌ ما يَأْتِيكم به مِن غيرِه. فإذ كان ذلك كذلك، فقراءةُ: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ يا محمدُ، بمعنى: تعَلَّمْتَ مِن أهلِ الكتابِ. أشبهُ بالحقِّ، وأولى بالصوابِ مِن قراءةِ مَن قرَأَه: (دارسْتَ). بمعنى: قارَأَتَهم وخاصَمْتَهم. وغيرِ ذلك مِن القراءاتِ. واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك، على قدرِ اختلافِ القرأةِ في قراءتِه. ذكرُ مَن قرَأ ذلك: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾. من المتقدِّمين، وتأوَّله بمعنى: تعلَّمْتَ وقَرَأْتَ حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، قال: ثني عليُّ بنُ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾. قالوا: قرأْتَ وتعلَّمْتَ. تقولُ ذلك قريشٌ (٤).

стр. 6506

حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، عن إسرائيلَ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾. قال (١): قرأْتَ وتعلَّمْتَ. حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وَكيعٌ، وحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ وافَقَه، عن أبي إسحاقَ، عن التميميِّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾. قال: قرأْتَ وتعلَّمْتَ (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾. يقولُ: قرأْتَ الكتبَ. حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثني عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿دَرَسْتَ﴾. يقولُ: تَعَلَّمْتَ وقرأْتَ. حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ عَطيةَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن التَّميميِّ، قال: قلتُ لابنِ عباسٍ: أرأيتَ قولَه: ﴿دَرَسْتَ﴾؟ قال: قرأْتَ وتعلَّمْتَ. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عَنْبسةَ، عن أبي إسحاقَ، عن التَّميميِّ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه. ذكرُ مَن قرَأ ذلك: (دارَسْتَ). وتأوَّله بمعنى: جادَلْتَ. من المتقدِّمين حدَّثنا عِمْرانُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، عن حميدٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ: (دارسْتَ). يقولُ: قارَأْتَ.

стр. 6507

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن أيوبَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنه كان يَقْرَؤُها: (ولِيَقُولوا دارَسْتَ). أَحْسَبُه قال: قارَأْتَ أَهلَ الكتابِ (١). حدَّثني محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن التَّميميِّ، عن ابنِ عباسٍ: (ولِيَقولوا دارَسْتَ). قال: قارَأْتَ وتعلَّمْتَ (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، قال: سمِعْتُ التَّميميِّ يقولُ: سأَلْتُ ابنَ عباسٍ عن قولِه: (ولِيَقولوا دارَسْتَ). قال: قارَأْتَ وتعلَّمْتَ (٣). حدَّثنا ابنُ وكِيعٍ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن أبي المُعَلَّى، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: كان ابنُ عباسٍ يَقْرَؤُها: (دارَسْتَ) (٤). حدَّثنا المثنى، قال: ثنا آدمُ العَسْقَلانيُّ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنا أبو المُعَلَّى، قال: سمِعْتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ يقولُ: كان ابنُ عباسٍ يَقْرَأُ: (دارسَتْ). بالألفِ، بجزمِ السينِ ونصبِ التاءِ. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرنا ابنُ عُيينةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، قال: أخْبَرني عمرُو بنُ كَيْسانَ، أن ابنَ عباسٍ كان يَقْرَأُ:

стр. 6508

(دارَسْتَ): تلَوْتَ، خاصَمْتَ، جادَلْتَ (١). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا سفيانُ بنُ عُيينةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن عمرِو بن كَيْسانَ، قال ابنُ عباسٍ في: (دارَسْتَ)، قال: تلَوْتَ، خاصَمْتَ، جادَلْتَ. حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ في هذه الآيةِ: (ولِيَقولوا دارَسْتَ). قال: قارَأْتَ (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ أنه قرَأ: (دارَسْتَ). بالألفِ أيضًا مُنْتَصِبةَ التاءِ، وقال: قارأْتَ. حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ أنه قرَأ: (دَارسْتَ). أي: ناسَخْتَ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللهِ: (دارَسْتَ). قال: فاقَهْتَ؛ قرَأْتَ على يهودَ، وقرَءوا عليك (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: (ولِيَقولوا دارَسْتَ). قال: قارَأْتَ؛ قرَأْتَ على يهودَ، وقرَءوا عليك.

стр. 6509

حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: (دارَسْتَ): يعني أهلَ الكتابِ (١). حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا ابنُ عُيَينةَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: (دارَسْتَ). قال: قرَأْتَ على يهودَ، وقرَءوا عليك (٢). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: (ولِيَقولوا دارَسْتَ). قال: قالوا: دارَسْتَ أَهلَ الكتابِ، وقرَأْتَ الكتبَ وتعَلَّمْتَها. ذكرُ مَن قرَأ ذلك: (دُرِسَتْ). بمعنى: تُلِيَت (٣) وقُرِئَت. على وجهِ ما لم يُسَمَّ فاعلُه حدَّثنا عمرانُ بنُ موسى القَزَّازُ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا الحسينُ المُعَلِّمُ وسعيدٌ، عن قتادةَ: (وكذلك نُصَرِّفُ الآياتِ وليقولوا دُرِسَت). أيْ: قُرِئَت وتُعُلِّمَت. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ، قال: قال قتادةُ: (دُرِسَت): قُرِئَت، وفي حرفِ ابنِ مسعودٍ: (دَرَسَ) (٤).

стр. 6510

ذكرُ مَن قرَأ ذلك: (درَسَتْ). بمعنى: انْمَحَت وتَقادَمَت، أي: هذا الذي تَتْلوه علينا قد مرَّ بنا قديمًا، وتطاوَلَت مدتُه حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان الحسنُ يَقْرَأُ: (ولِيَقُولوا درَسَتْ). أي: انْمَحَت. حدَّثني المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنا أبو إسحاقَ الهَمْدانيُّ، قال: في قراءةِ ابنِ مسعودٍ: (درَسَتْ). بغيرِ ألفٍ، بنصبِ السينِ ووَقْفِ (١) التاءِ (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرنا ابنُ عُيينةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، قال: سمِعْتُ ابنَ الزبيرِ يقولُ: إن صِبْيانًا ههنا يَقْرَءون: (دارَسْتَ). وإنما هي: (درَسَتْ) (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ، قال: قال الحسنُ: (ولِيَقولوا درَسَتْ). يقولُ: تَقادَمَت، امَّحَتْ (٤). وقرَأ ذلك آخرون: (درَس). مِن: درَس الشيءَ: تلاه.

стр. 6511

حدَّثنا أحمدُ بنُ يُوسُفَ التَّغْلِبيُّ (١)، قال: ثنا أبو عُبَيْدٍ (٢)، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، قال: هي في حرفِ أبيِّ بِن كعبٍ وابنِ مسعودٍ: (ولِيَقولوا درَسَ). قال: يعني النبيَّ ﷺ قرَأ (٣). وإنما جاز أن يُقالَ مرةً: ﴿دَرَسْتَ﴾، ومرةً: (درَسَ)، فيُخاطَب مرةً، ويُخْبَرَ مرةً؛ مِن أجلِ القولِ. وقد بيَّنا أولى هذه القراءاتِ في ذلك بالصوابِ عندَنا، والدلالةَ على صحةِ ما اختَرْنا منها (٤). وأما تأويلُ قولِه: ﴿وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: كما صرَّفْنا الآياتِ والعبرَ والحججَ في هذه السورةِ لهؤلاء العادلين بربِّهم الآلهةَ والأندادَ، كذلك تُصَرِّفُ لهم الآياتِ في غيرِها؛ كيلا يقولوا لرسولِنا الذي أرْسَلْناه إليهم: إنما تعَلَّمْتَ ما تَأْتِينا به تَتْلُوه علينا مِن أهلِ الكتابِ. فيَنْزَجِروا عن تكذيبِهم إياه، وتقوُّلِهم عليه الإفكَ والزُّورَ، ولنُبَيِّنَ تَصْرِيفَنا الآياتِ الحقَّ لقومٍ يَعْلَمون الحقِّ إذا تبَيَّن لهم، فيَتَّبِعوه ويَقْبَلوه، وليسوا كمَن إذا بُيِّن لهم عَمُوا عنه فلم يَعْقِلوه، وازْدادوا مِن الفهمِ له (٥) بُعْدًا. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦)﴾.

стр. 6512

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : اتَّبِعْ يا محمدُ ما أمَرَك به ربُّك في وحْيِه الذي أوحاه إليك، فاعْمَلْ به، وانْزَجِرْ عما زجَرَك عنه فيه، ودَعْ ما يَدْعُوك إليه مُشْرِكو قومِك من عبادةِ الأوثانِ والأصنامِ، فإنه ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. يقولُ: لا معبودَ يَسْتَحِقُّ عليك إخلاصَ العبادةِ له إلا اللهُ الذي هو فالقُ الحبِّ والنَّوَى، وفالقُ الإصْباحِ، وجاعلُ الليلِ سَكَنًا والشمسِ والقمرِ حُسْبانًا، ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾. يقولُ: ودَعْ عنك جِدالَهم وخُصومتَهم. ثم نسَخ ذلك جلَّ ثناؤُه بقولِه في "براءةَ": ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٥]. كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: أما قولُه: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾. ونحوُه مما أمَرَ اللهُ المؤمنين بالعفوِ عن المشركين، فإنه نسَخ ذلك قولُه: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (١٠٧)﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : أعْرِضْ عن هؤلاء المشركين باللهِ، ودَعْ عنك جِدالَهم وخصومتَهم ومُسابَّتَهم، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾. يقولُ: لو [أراد ربُّك] (١) هدايتَهم واسْتنقاذَهم مِن ضلالتِهم، لَلطَف لهم بتوفيقِه إياهم، فلم يُشْرِكوا به شيئًا، ولآمنوا بك، فاتَّبَعوك وصدَّقوا ما جئتَهم به مِن الحقِّ مِن عندِ ربِّك، ﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وإنما بعَثْتُك إليهم رسولًا مبلغًا، ولم نَبْعَثْك حافظًا عليهم ما هم عامِلوه، وتُحْصِي ذلك عليهم، فإن ذلك إلينا دونَك، ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾. يقولُ: ولستَ عليهم بقَيِّمٍ تَقومُ

стр. 6513

بأرزاقِهم وأقواتِهم، ولا بحفظِهم فيما لم يُجْعَلْ إليك حفظُه مِن أمرِهم. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾: يقولُ سبحانَه: لو شئتُ لجَمَعْتُهم على الهدى أجمعين (١). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ وللمؤمنين به: ولا تَسُبُّوا الذين يَدْعُو المشركون مِن دونِ اللهِ مِن الآلهةِ والأندادِ، فيَسُبَّ المشركون اللهَ جهلًا منهم بربِّهم، واعتداءً بغيرِ علمٍ. كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. قال: قالوا: يا محمدُ، لتَنْتَهِيَنَّ عن سبِّ آلهتِنا، أو لنَهْجُوَنَّ رَبَّكَ. فنهاهم اللهُ أن يَسُبُّوا أوثانَهم، فيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بغيرِ علمٍ (٢). حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: كان المسلمون

стр. 6514

يَسُبُّون أوثانَ الكفارِ، فيَرُدُّون ذلك عليهم، فنهاهم اللهُ أن يَسْتَسِبُّوا (١) لربِّهم، فإنهم قومٌ جهلةٌ لا علمَ لهم باللهِ (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. قال: لما حضَر أبا طالبٍ الموتُ، قالت قريشٌ: انْطَلِقوا بنا، فَلْنَدْخُلْ على هذا الرجلِ، فلْنَأْمُرْه أَن يَنْهَى عنا ابنَ أخيه، فإنا نَسْتَحْيِي أَن نَقْتُلَه بعدَ موتِه، فتقولَ العربُ: كان يَمْنَعُه، فلما مات قتَلوه. فانطَلَق أبو سفيانَ، وأبو جهلٍ، والنضرُ بنُ الحارثِ، وأميةُ وأبيٌّ ابنا خَلَفٍ، وعقبةُ بنُ أبي مُعَيْطٍ، وعمرُو بنُ العاصِ، والأسودُ بنُ البَخْتَرِيِّ، وبعَثوا رجلًا منهم يُقالُ له: المطلبُ. قالوا: اسْتَأْذِنْ على أبي طالبٍ. فأتَى أبا طالبٍ، فقال: هؤلاء مَشْيَخةُ قومِك يُرِيدون الدخولَ عليك، فأْذَنْ لهم. فدخَلوا عليه، فقالوا: يا أبا طالبٍ، أنت كبيرُنا وسيدُنا، وإن محمدًا قد آذانا وآذَى آلهتَنا، فنُحِبُّ أن تَدْعُوَه فتَنْهاه عن ذكرِ آلهتِنا، ولنَدَعْه وإلهَه. فدعاه، فجاء نبيُّ اللهِ ﷺ ، فقال له أبو طالبٍ: هؤلاء قومُك وبنو عمِّك. قال رسولُ اللهِ ﷺ : "ما تُرِيدون؟ ". قالوا: نُرِيدُ أن تَدَعَنا وآلهتَنا، ونَدَعَك وإلهَك. قال له أبو طالبٍ: قد أنْصَفَك قومُك، فاقْبَلْ منهم. فقال النبيُّ ﷺ : "أرأَيْتُم إن أعْطَيْتُكم هذا، هل أنتم مُعْطِيَّ كلمةً إن تكَلَّمْتُم بها ملَكتُم العربَ، ودانَت لكم بها العَجَمُ الخراجَ (٣)؟ ". قال أبو جهلٍ: نعم وأبيك لَنُعْطِيَنَّكَها وعشرَ أمثالِها، فما هي؟ قال: "قولوا: لا إلهَ إلا اللهُ". فأبَوْا واشْمَأَزُّوا. قال أبو طالبٍ: يابنَ أخي، قلْ غيرَها،

стр. 6515

فإن قومَك قد فزِعوا منها. قال: "يا عمِّ، ما أنا بالذي أَقولُ غيرَها حتى يأتوني (١) بالشمسِ فيَضَعوها في يديَّ، ولو أتَوْني بالشمسِ فوضَعوها في يديَّ ما قلتُ غيرَها"؛ إرادةَ أن يُؤْيِسَهم، فغضِبوا (٢) وقالوا: لَتَكُفَّنَّ عن شتمِك آلهتَنَا، أو لَنَشْتُمَنَّك ولَنَشْتُمَنَّ مَن يَأْمُرُك. فذلك قولُه: ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: كان المسلمون يَسُبُّون أصنامَ الكفارِ، فيَسُبُّ الكفارُ اللهَ عَدْوًا بغيرِ علمٍ، فأَنْزَل اللهُ: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٤). حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. قال: إذا سبَبْتَ إِلَهَه، سَبَّ إِلهَك، فلا تَسُبُّوا آلهتَهم. وأَجْمَعَت الحُجَّةُ (٥) مِن قرأةِ الأمصارِ على قراءةِ ذلك: ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. بفتحِ العينِ وتسكينِ الدالِ، وتَخفيفِ الواوِ مِن قولِه: ﴿عَدْوًا﴾. على أنه مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: عدا فلانٌ على فلانٍ، إذا ظلمَه واعْتَدَى عليه، يَعْدُو عَدْوًا وعُدُوًّا وعُدْوانًا. والاعْتداءُ إنما هو افْتِعالٌ مِن ذلك. رُوِي عن الحسنِ البصريِّ أنه كان يَقْرَأُ ذلك: (عُدُوًّا). مُشدَّدةَ الواوِ (٦). حدَّثني بذلك أحمدُ بنُ يُوسُفَ، قال: ثنا القاسمُ بنُ سَلَّامٍ، قال: ثنا حجاجٌ،
следующие страницы →