← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 6441–6480 · переход к 6446.

стр. 6441

تركِهم نَكيرَ ذلك، ومع تركِهم نكيرَه هم بنبيِّه محمدٍ ﷺ مكذِّبون، ولنبوَّتِه جاحِدون، ولآياتِ كتابِ الله وتنزيله دافعون، فقال لهم جلَّ ثناؤه: ومَن أَظْلَمُ ممَّن ادَّعَى عليَّ النبوةَ كاذبًا، وقال: أُوحِيَ إليه. ولم يُوحَ إليه شيءٌ، ومع ذلك يقولُ: ما أنزل اللهُ على بشرٍ من شيءٍ. فيَنْقُضُ قولَه بقولِه، ويُكَذِّبُ بالذي تَحَقَّقَه، ويَنْفِي ما يُثْبِتُه، وذلك إذا تدَبَّره العاقلُ الأَرِيبُ، علِم أن فاعلَه من عقلِه عَديمٌ. وقد رُوِي عن ابنِ عباسٍ أنه كان يقولُ في قولِه: ﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾. قال: زعَم أنه لو شاء قال مثلَه. يعني الشعرَ (١). فكأنَّ ابن عباسٍ في تأويله هذا على ما تأَوَّله، يُوَجِّهُ معنى قولِ قائل: ﴿سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾. إلى: سأُنْزِلُ مثلَ ما قال اللهُ مِن الشعرِ. وكذلك تأوَّله السديُّ، وقد ذكَرْنا الروايةَ عنه قبلُ فيما مضَى. القولُ في تأويلِ قولِه ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ولو تَرَى يا محمدُ حينَ يَغْمُرُ الموتُ بسَكَراتِه هؤلاء الظالمين العادلين بربِّهم الآلهةَ والأندادَ، والقائلين: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١]، والمُفْتَرِين على اللهِ كذبًا، الزاعمين أن اللهَ أوْحَى إليه، ولم يُوحَ إليه شيءٌ، والقائلين: ﴿سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾. فتُعايِنُهم

стр. 6442

وقد غَشِيَتْهم سَكَراتُ الموتِ، ونزَل بهم أمرُ اللهِ، وحان فَناءُ آجالِهم، والملائكةُ باسِطو أيديهم، يَضْرِبون وجوهَهم وأدبارَهم، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (٢٧) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ [محمد: ٢٧، ٢٨]. يقولون لهم: أخْرِجوا أنفسَكم. والغَمَراتُ جمعُ غَمْرةٍ، وغمرةُ كلِّ شيءٍ كثرتُه ومعظمُه، وأصلُه الشيءُ الذي يَغْمُرُ الأشياءَ فيُغطِّيها، ومنه قولُ الشاعرِ (١): وهل يُنْجِي مِن الغَمَراتِ إلا … برَاكاءُ (٢) القِتالِ أو الفِرارُ ورُوِي عن ابن عباسٍ في ذلك ما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾. قال: سَكَراتِ الموتِ (٣). حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾: يعني: سَكَراتِ الموتِ (٤). وأما "بسطُ الملائكةِ أيديَها (٥) "، فإنه مدُّها. ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في سببِ بسطِها أيديَها عندَ ذلك؛ فقال بعضُهم بنحوِ الذي قلنا في ذلك.

стр. 6443

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾. قال: هذا عندَ الموتِ، والبَسْطُ الضربُ، يَضْرِبون وجوهَهم وأدبارَهم (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾. يقولُ: الملائكةُ باسطو أيديهم يَضْرِبون وجوهَهم وأدبارَهم، والظالِمون في غمراتِ الموتِ، وملكُ الموتِ يَتَوفَّاهم. حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾: يَضْرِبونهم. وقال آخرون: بل بسطُها أيديَها بالعذابِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن جُوَيبِرٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾. قال: بالعذابِ (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ، عن ابنِ عُيَيْنَةَ،

стр. 6444

عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾: بالعذابِ (١). وكان بعضُ نحويي الكوفيين (٢) يَتَأَوَّلُ ذلك بمعنى: باسطو أيديهم بإخراجِ أنفسِهم. فإن قال قائلٌ: ما وجهُ قولِه: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾. ونفوسُ بني آدمَ إنما يُخْرِجُها مِن أبدانِ أهلِها ربُّ العالمين؟ فكيف خُوطِب هؤلاء الكفارُ وأُمِروا في حالِ الموتِ بإخراجِ أنفسِهم؟ فإن كان ذلك كذلك فقد وجَب أن يكونَ بنو آدمَ هم يَقْبِضون أنفسَ أجسامهم! قيل: إن معنى ذلك بخلافِ الذي ذهَبْتَ، وإنما ذلك أمرٌ مِن اللهِ على ألسنِ رسلِه الذين يَقْبِضون أرواحَ هؤلاء القومِ مِن أجسامِهم، بأداءِ ما أسْكَنها ربُّها مِن الأرواحِ إليه، وتسليمِها إلى رسلِه الذين يَتَوَفَّونها. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣)﴾. وهذا خبرٌ مِن الله جلَّ ثناؤُه عما تقولُ رسلُ اللهِ التي تَقْبِضُ أرواحَ هؤلاء الكفارِ لها، يُخْبِرُ عنها أنها تقولُ لأجْسامِها ولأصحابِها: أخْرِجوا أنفسَكم إلى سَخَطِ اللهِ ولعنتِه، فإنكم اليومَ تُثابون على كفرِكم باللهِ، وقيلِكم عليه الباطلَ، وزعمِكم أن اللهَ أوْحَى إليكم، ولم يُوحِ إليكم شيئًا، [وإنكارِكم] (٣) أن يَكونَ اللهُ أنْزَل على بشرٍ

стр. 6445

شيئًا، واستكبارِكم عن الخضوعِ لأمرِ اللهِ وأمرِ رسولِه، والانقيادِ لطاعتِه - ﴿عَذَابَ الْهُونِ﴾ وهو عذابُ جهنمَ الذي يُهِينُهم فيُذِلُّهم، حتى يَعْرِفُوا صَغارَ أنفسِهم وذِلَّتَها. كما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: أمَّا ﴿عَذَابَ الْهُونِ﴾ به فالذي يُهِينُهم (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾. قال: عذابُ الهُونِ في الآخرةِ بما كنتم تعملون. والعربُ إذا أرادَت بالهُونِ معنى الهَوانِ ضمَّت الهاءَ (٢)، وإذا أرادت به الرفقَ والدَّعةَ وخفةَ المَئُونةِ فتَحَت الهاءَ، فقالوا: هو قليلُ هَوْنِ المئونةِ. ومنه قولُ اللهِ: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣]. يعني: بالرفقِ والسكينةِ والوَقارِ. ومنه قولُ [المثنَّى بنِ جندَلٍ] (٣) الطُّهَويِّ: ونَقْضَ أَيامٍ نَقَضْنَ أَسْرَه … هَوْنًا وَأَلْقَى كلُّ شيخٍ فَخْرَه ومنه قولُ الآخرِ (٤): هَوْنَكما لا يَرُدُّ الدهرُ ما فاتا .. لا تَهْلِكا أَسَفًا في إِثْرِ مَن ماتا

стр. 6446

يريدُ: أرْوِدا (١). وقد حُكي فتحُ الهاءِ في ذلك بمعنى الهَوانِ، واسْتَشْهَدوا على ذلك ببيتِ عامرِ بنِ جُوَيْنٍ (٢): نُهِينُ النفوسَ وهَوْنُ النفوسِ … عندَ الكَريهةِ أعْلَى لها والمعروفُ مِن كلامِهم ضمُّ الهاءِ منه إذا كان بمعنى الهَوانِ والذلِّ، كما قال ذو الإِصْبَعِ العَدْوانيُّ (٣): اذْهَبْ إليك فما أُمِّي براعيةٍ (٤) … تَرْعَى الْمَخَاضَ ولا أُغْضِي على الهُونِ (٥) يعني: على الهَوانِ. وإذا كان بمعنى الرفق ففتْحَها. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾. وهذا خبرٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه عما هو قائلٌ يومَ القيامةِ لهؤلاءِ العادِلين به الآلهةَ والأندادَ، يُخْبِرُ عبادَه أنه يقولُ لهم عندَ وُرودِهم عليه: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى﴾. ويعني بقولِه: ﴿فُرَادَى﴾: وُحدانًا لا مالَ معهم ولا [إناثَ ولا رقيقَ] (٦)، ولا شيءَ مما كان اللهُ خوَّلَهم في الدنيا، ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ عُراةً غُلْفًا غُرْلًا حفاةً

стр. 6447

كما ولدَتْهم أمهاتُهم، وكما خلَقَهم جلَّ ثناؤُه في بُطونِ أمهاتهم، لا شيءَ عليهم ولا معهم مما كانوا يَتَباهَوْن به في الدنيا. و "فُرادَى" جمعٌ، يقالُ لواحدِها: فَرِدٌ. كما قال نابغةُ بني ذُبْيانَ (١): مِن وَحْشِ وَجْرَةَ مَوْشَيٍّ أَكارِعُه … طاوِي المَصِيرِ كَسَيْفِ الصَّيْقَلِ الفَرِدِ (٢) وفَردٌ وفَرِيدٌ، كما يقالُ: وحَدٌ ووَحِدٌ ووَحِيدٌ. في واحدِ الأَوحادِ، وقد يُجْمَعُ الفَرَدُ الفُرَادَ، كما يُجْمَعُ الوَحَدُ الوُحادَ، ومنه قولُ الشاعرِ (٣): تَرَى النُّعَراتِ الزُّرْقَ فوقَ لَبانِه … فُرادَ ومَثْنَى أَصْعَقَتْها صَواهِلُهْ وكان يونُسُ الجَرْميُّ (٤) فيما ذُكِر عنه يقولُ: فُرادٌ جمعُ فَرْدٍ. كما قيل: تُؤْمٌ وتُؤَامٌ. للجميعِ، ومنه الفُرَادى والرُّدَافي والقُراني (٥)، ويقالُ: رجلٌ فردٌ. وامرأةٌ فردٌ. إذا لم يَكُن لها أخٌ، وقد فرَد الرجلُ فهو يَفْرُدُ فُرُودًا، يُرادُ به تفرَّد، فهو فاردٌ.

стр. 6448

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: قال: أخبَرني عمرٌو، أن ابنِ أبي هلالٍ حدَّثه، أنه سمِع القرظيَّ (١) يقولُ: قرَأَت عائشةُ زوجُ النبيِّ ﷺ قولَ اللهِ: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. فقالت: واسَوْءَتاه، إن الرجالَ والنساءَ يُحْشَرون جميعًا يَنْظُرُ بعضُهم إلى سَوْءَةِ بعضٍ! فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "لكلِّ امرئٍ منهم يومَئذٍ شأنٌ يُغْنِيه، لا يَنْظُرُ الرجالُ إلى النساءِ، ولا النساءُ إلى الرجالِ، شُغِل بعضُهم عن بعضٍ" (٢). وأما قولُه: ﴿وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾. فإنه يقولُ: خَلَفْتُم أَيُّها القومُ ما مَلَّكناكم (٣) في الدنيا، مما كنتم تَتَباهَوْن به فيها، خلفَكم في الدنيا، فلم تَحْمِلوه معكم. وهذا تَعْييرٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه لهؤلاء المشركين بمُباهاتِهم التي كانوا يَتَباهَوْن بها في الدنيا بأموالِهم. وكلُّ من ملَّكْتَه غيرَك وأعْطَيْتَه، فقد خوَّلْتَه، يقالُ منه: خال الرجلُ يَخالُ أشدَّ الخِيالِ. بكسرِ الخاءِ، وهو خائلٌ، ومنه قولُ أبي النَّجْمِ (٤): أَعْطَى فلم يَبْخَلْ ولم يُبَخَّلِ … كُومَ الذُّرا (٥) مِن خَوَلِ المُخَوِّلِ وقد ذُكِر أن أبا عمرِو بنَ العلاءِ كان يُنْشِدُ بِيتَ زُهَيْرٍ (٦):

стр. 6449

هنالك إن يُسْتَخوَلوا المالَ يُخْوِلُوا … وإن يُسْأَلُوا يُعْطُوا وإن يَيْسِروا يُغْلُوا (١) وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ﴾: مِن المالِ والخَدَمِ. ﴿وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ في الدنيا (٢). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لهؤلاء العادِلين بربِّهم الأندادَ يومَ القيامةِ: ما نَرَى معكم شفعاءَكم الذين كنتم في الدنيا تَزْعُمون أنهم يَشْفَعون لكم عندَ رَبِّكم يومَ القيامةِ. وقد ذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلَت في النَّضْرِ بنِ الحارثِ، لقيلِه إن اللاتَ والعُزَّى يَشْفَعان له عندَ اللهِ يومَ القيامةِ. وقيل: إن ذلك كان قولُ كافةِ عَبَدةِ الأوثانِ.

стр. 6450

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: أما قولُه: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾. فإن المشركين كانوا يَزْعُمون أنهم كانوا يَعْبُدون الآلهةَ لأنهم شُفعاءُ، يَشْفَعون لهم عندَ اللهِ، وأن هذه الآلهةَ شركاءُ اللهِ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ: أخْبَرني الحكمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ، قال: قال النَّضْرُ بنُ الحَارِثِ: سوف تَشْفَعُ ليَ اللاتُ والعُزَّى. فنزَلَت هذه الآيةُ: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ إلى قولِه: ﴿شُرَكَاءُ﴾ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مُخْبِرًا عن قيلِه يومَ القيامةِ لهؤلاء المشركين به الأندادَ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾. يعني تَواصُلَهم الذي كان بينَهم في الدنيا، ذهَب ذلك اليومَ، فلا تَواصُلَ بينَهم ولا تَوَادَّ ولا تَناصُرَ، وقد كانوا في الدنيا يَتَواصَلون ويَتَناصَرون، فاضْمَحَلَّ ذلك كلُّه في الآخرةِ، فلا أحدَ منهم يَنْصُرُ صاحبَه، ولا يُواصِلُه. وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 6451

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾: البَيْنُ تَواصُلُهم (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾. قال: تَواصُلُهم في الدنيا (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾. قال: وَصْلُكم. وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾. قال: ما كان بينَكم مِن الوَصْلِ (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ يعني: الأرحامُ والمنازلُ (٤). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾. يقولُ: تقطَّع ما بينَكم (٥). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: قال أبو بكرِ بنُ عَيَّاشٍ: (لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنُكم): التواصُلُ

стр. 6452

في الدنيا. واخْتَلَفَت القرأةُ في قولِه: ﴿بَيْنَكُمْ﴾؛ فقرَأَتْه عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ نصبًا (١)، بمعني: لقد تقَطَّع ما بينَكم. وقرأ ذلك عامةُ قرأةِ مكةَ والعراقَيْن (٢): (لقد تَّقَطَّع بينُكم) رفعًا (٣)، بمعنى: لقد تقَطَّع وصلُكم. والصوابُ مِن القولِ عندي في ذلك أن يُقالَ: إنهما قراءتان مَشْهورتان باتفاقِ المعنى، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمُصيبٌ الصوابَ، وذلك أن العربَ قد تَنْصِبُ "بينَ" في موضعِ الاسمِ، ذُكِر سماعًا منها: أتاني (٤) نحوَك ودونَك وسَواءَك. نصبًا في موضعِ الرفعِ، وقد ذُكِر عنها سماعًا الرفعُ في "بينَ" إذا كان الفعلُ لها، وجُعِلَت ١ سمًا، ويُنشَدُ بيتُ مُهَلْهِلٍ (٥): كأنَّ رِماحَهم أَشْطانُ بئرٍ … بعيدٍ بينُ جالَيْها (٦) جَرُورٍ (٧) برفعِ "بين" إذ كانت اسمًا، غيرَ أن الأغلبَ عليهم في كلامِهم النصبُ فيها في حالِ كونِها صفةً، وفي حالِ كونِها اسمًا.

стр. 6453

وأما قولُه: ﴿وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾. فإنه يقولُ: وحاد عن طريقِكم ومِنْهاجِكم ما كُنتم مِن آلهتِكم تَزْعُمون أنه شَريكُ ربِّكم، وأنه لكم شَفيعٌ عندَ ربِّكم، فلا يَشْفَعُ لكم اليومَ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾. وهذا تنبيةٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه، هؤلاء العادِلين به الآلهةَ والأوثانَ، على موضعِ حجَّتِه عليهم، وتعريفٌ منه لهم خطأَ ما هم عليه مُقِيمون، مِن إشراكِ الأصنامِ في عبادتِهم إياه، يقولُ تعالى ذكرُه: إن الذي له العبادةُ أيُّها الناسُ دونَ كلِّ ما تَعْبُدون مِن الآلهةِ والأوثانِ، هو اللهُ الذي فلَق الحبَّ، يعني: شقَّ الحَبَّ مِن كُلِّ ما يَنْبُتُ مِن النباتِ، فأخْرَج منه الزرعَ، والنَّوَى مِن كلِّ ما يُغْرَسُ مما له نَواةٌ، فَأَخْرَج منه الشجرَ. و "الحبُّ" جمعُ الحَبَّةِ، و "النَّوَى" جمعُ النَّواةِ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾: أما ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ ففالقُ الحبِّ عن السُّنْبُلةِ، وفالقُ النَّواةِ عن النخلةِ (١). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾. قال: يَفْلِقُ الحبَّ والنَّوَى عن النباتِ (٢).

стр. 6454

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾. قال: اللهُ فالقُ ذلك، فلَقَه فأنْبَت منه ما أَنْبَت؛ فَلَق النَّواةَ فأَخْرَج منها نَباتَ نخلةٍ، وفلَق الحبةَ فأَخْرَج نباتَ الذي خلَق. وقال آخرون: معنى فالقٍ: خالقٌ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا هنادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا مَرْوانُ بنُ معاويةَ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾. قال: خالقُ الحبِّ والنَّوَى (١). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ مثلَه. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾. قال: خلَق (٢) الحبَّ والنوى (٣). وقال آخرون: معنى ذلك أنه فلَق الشَّقَّ الذي في الحبَّةِ والنَّواةِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾. قال: الشَّقّان اللذان فيهما (٤).

стр. 6455

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثني المثنى، قال: ثنا مُعَلَّى بنُ أَسَدٍ، قال: ثنا خالدٌ، عن حُصَيْنٍ، عن أبي مالكٍ في قولِ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾. قال: الشَّقُّ الذي يَكونُ في النَّواةِ وفي الحِنْطةِ (١). حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، عن القاسمِ بنِ أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾. قال: الشَّقَّان اللذان فيهما. حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سَمِعْتُ أبا مُعاذٍ، قال: ثني عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾. يقولُ: خالقُ الحبِّ والنوى. يعني: كلَّ حبةٍ. وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ عندي ما قدَّمْنا القولَ به، وذلك أن اللهَ جلَّ ثناؤُه أتْبَع ذلك بإخْبارِه عن إخراجِه الحيَّ مِن الميتِ، والميتَ مِن الحيِّ، فكان معلومًا بذلك أنه إنما عنَى بإخبارِه عن نفسِه أنه فالقُ الحبِّ عن النباتِ، والنوى عن الغُرُوسِ والأشجارِ، كما هو مُخْرِجُ الحيِّ مِن الميتِ، والميتِ مِن الحيِّ. وأما القولُ الذي حُكِي عن الضحاكِ في معنى فالقٍ أنه خالقٌ، فقولٌ إِن لم يَكُنْ أراد به أنه خالقٌ منه النباتَ والغُروسَ بفَلْقِه إياه، لا أَعْرِفُ له وجهًا؛ لأنه لا يُعْرَفُ في كلامِ العربِ: فلَق اللهُ الشيءَ. بمعنى: خلَق.

стр. 6456

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يُخْرِجُ السُّنْبُلَ الحيَّ مِن الحبِّ الميتِ، ومخرجُ الحبِّ الميتِ مِن السنبلِ الحيِّ، والشجرِ الحيِّ مِن النوى الميتِ، والنوى الميِّتِ مِن الشجرِ الحيِّ. والشجرُ ما دام قائمًا على أصولِه لم يَجِفَّ، والنباتُ على ساقِه لم يَيْبَسْ، فإن العربَ تُسَمِّيه حَيًّا، فإذا يَبِس وجَفَّ أو قُطِع مِن أصلِه، سمَّوْه ميتًا. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: أما ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ فيُخْرِجُ السُّنْبُلةَ الحيةَ مِن الحبةِ الميتةِ، ويُخْرِجُ الحبةَ الميتةَ مِن السنبلةِ الحيةِ، ويُخْرِجُ النخلةَ الحيةَ مِن النَّواةِ الميتةِ، ويُخْرِجُ النواةَ الميتةَ مِن النخلةِ الحيةِ (١). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن السديِّ، عن أبي مالكٍ: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾. قال: النخلةَ مِن النَّواةِ، والنواةَ مِن النخلةِ، والحبةَ مِن السنبلةِ، والسنبلةَ مِن الحبةِ (٢). وقال آخرون بما حدَّثني به المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ ابنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ

стр. 6457

وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾. قال: يُخْرِجُ النُّطْفَةَ الميتةَ مِن الحيِّ، ثم يُخْرِجُ مِن النطفةِ بشرًا حيًّا (١). وإنما اخْتَرْنا التأويلَ الذي اخْتَرْنا في ذلك؛ لأنه عَقِيبَ قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾. على أن قولَه: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾. وإن كان خبرًا مِن اللهِ عن إخراجِه مِن الحبِّ السنبلَ، ومن السنبلِ الحبَّ، فإنه داخلٌ في عمومِه ما رُوِي عن ابنِ عباسٍ في تأويلِ ذلك: وكلُّ ميتٍ أخْرَجه اللهُ مِن جسمٍ حيٍّ، وكلُّ حيٍّ أَخْرَجه اللهُ مِن جسمٍ ميتٍ. وأما قولُه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾. فإنه يقولُ: فاعلُ ذلك كلِّه اللهُ ﷻ ، ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾. يقولُ: فأيُّ وجوهِ الصدِّ عن الحقِّ أيُّها الجاهِلون تَصُدُّون عن الصوابِ وتُصْرَفون، أفلا تَتَدَبَّرون فتَعْلَمون أنه لا يَنْبَغي أن يُجْعَلَ لمَنْ أَنْعَم عليكم بفلْقِ الحبِّ والنَّوَى، فأَخْرَج لكم مِن يابسِ الحبِّ والنوى زروعًا وحُروثًا وثمارًا تَتَغَذَّوْن ببعضِه، وتَفَكَّهون ببعضِه - شريكٌ في عبادتِه ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، ولا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ؟ القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ (٢) اللَّيْلَ سَكَنًا﴾. يعني بقولِه: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾: شاقٌّ عمودَ الصبحِ عن ظلمةِ الليلِ وسَوادِه. والإصباحُ مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: أصْبَحْنا إصْباحًا. وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال عامةُ أهلِ التأويلِ.

стр. 6458

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا المُحاربيُّ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾. قال: إضاءةُ الصبحِ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾. قال: إضاءةُ الفجرِ (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾. قال: فالقُ الصبحِ (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾: يعني بالإصباحِ ضوءَ الشمسِ بالنهارِ، وضوءَ القمرِ بالليلِ (٣). حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، قال: ثنا عَنْبَسةُ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، عن القاسمِ بنِ أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾. قال: فالقُ الصُّبْحِ.

стр. 6459

حدَّثنا به ابنُ حُميدٍ مرةً بهذا الإسنادِ، عن مجاهدٍ، فقال في قولِه: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾. قال: إضاءةُ الصبحِ. حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾. قال: فلَق الإصباحَ عن الليلِ. حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾. يقولُ: خالقُ النورِ؛ نورِ النهارِ (١). وقال آخرون: معنى ذلك خالقُ الليلِ والنهارِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: (فالِقُ الإِصْباحِ وَجاعِلُ اللَّيْلِ سَكَنًا). يقولُ: خالقُ (٢) الليلِ والنهارِ (٣). وذُكِر عن الحسنِ البصريِّ أنه كان يَقْرَأُ في قولِه: (فالقُ الأَصْباحِ). بفتحِ الألفِ (٤)، كأنه تأَوَّل ذلك بمعنى جمعِ "صبحٍ"، كأنه أراد صبحَ كلِّ يومٍ، فجعَله أصْباحًا، ولم يَبْلُغْنا عن أحدٍ سواه أنه قرَأ كذلك (٥).

стр. 6460

والقراءةُ التي لا نَسْتَجِيرُ تَعدِّيَها (١) بكسرِ الألفِ ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾؛ لإجماعِ الحُجَّةِ مِن القرأةِ وأهلِ التأويلِ على صحةِ ذلك ورفضِ خلافِه. وأما قولُه: (وَجاعِلُ اللَّيْلِ سَكَنًا) فإن القرأةَ اخْتَلَفَت في قراءتِه؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلِ (٢) الحجازِ والمدينةِ، وبعضُ البصريين: (وَجاعِلُ اللَّيْلِ) بالألفِ على لفظِ الاسمِ، ورفعِه عطفًا على (فالقٍ)، وخفضِ (الليل (٣)) بإضافةِ (جاعل) إليه، ونصبِ (الشمس والقمر) عطفًا على موضعِ (الليل)؛ لأن (الليل) وإن كان مخفوضًا في اللفظِ، فإنه في موضعِ النصبِ؛ لأنه مفعولُ (جاعل)، وحَسُن عطفُ ذلك على معنى (الليل) لا على لفظِه؛ لدخولِ قولِه: ﴿سَكَنًا﴾. بينَه وبينَ (الليل)، قال الشاعرُ (٤): قُعودًا لَدى الأبْوابِ طُلَّابَ (٥) حاجةٍ … عَوانٍ مِن الحاجاتِ أو حاجةً بِكْرَا فنصَب "الحاجةَ" الثانيةَ عطفًا بها على معنى "الحاجةِ" الأولى لا على لفظِها؛ لأن معناها النصبُ، وإن كانت في اللفظِ خفضًا، وقد يَجِيءُ مثلُ هذا أيضًا معطوفاً بالثاني على معنى الذي قبلَه لا على لفظِه، وإن لم يَكُنْ بينَهما حائلٌ، كما قال بعضُهم (٦):

стр. 6461

بينا نحن نَنْظُرُه أَتانا … مُعَلِّقَ شَكُوةٍ وزِنادَ راعِ (١) وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيين: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ﴾ على "فَعَلَ"، بمعنى الفعلِ الماضي، ونصبِ ﴿اللَّيْلَ﴾ (٢). والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن يُقالَ: إنهما قراءتان مُسْتَفِيضتان في قراءةِ الأمصارِ، مُتَّفِقتا المعنى، غيرُ مُختلفَتَيْه، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فهو مُصيبٌ في الإعرابِ والمعنى. وأخبرَ جلَّ ثناؤُه أنه جعَل الليلَ سكنًا؛ لأنه يَسْكُنُ فيه كلُّ متحركٍ بالنهارِ، ويَهْدَأُ فيه، فيَسْتَقِرُّ في مسكنِه ومأْواه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: اختلَف أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: وجعَل الشمسَ والقمرَ يَجْرِيان في أفلاكِهما بحسابٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾: يعني عددَ الأيامِ والشهورِ والسِّنينَ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن

стр. 6462

أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾. قال: يَجْرِيان إلى أجلٍ جُعِل لهما (١). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾. يقولُ: بحسابٍ (٢). حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾. قال: الشمسُ والقمرُ في حسابٍ، فإذا خَلَت أيامُهما، فذاك آخرُ الدهرِ، وأولُ الفَزَعِ الأكبرِ، ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (٣). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾. قال: يَدُوران في حسابٍ (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾. قال: هو مثلُ قولِه: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠]. ومِثلُ قولِه: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ (١) [الرحمن: ٥]. وقال آخرون: معنى ذلك: وجعَل الشمسَ والقمرَ ضِياءً.

стр. 6463

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾. أي: ضياءً (١). وأولى القولين في تأويلِ ذلك عندي بالصوابِ تأويلُ مَن تأَوَّله: وجعَل الشمسَ والقمرَ يَجْرِيان بحسابٍ وعددٍ لبلوغِ أمرِهما، ونهايةِ آجالِهما، ويَدُوران لمصالحِ الخلقِ التي جُعِلا لها. وإنما قلنا: ذلك أولى التأويلين بالآيِة؛ لأن الله تعالى ذكرُه ذكَر قبلَه أياديَه عندَ خلقِه، وعظمَ سلطانِه، بفَلْقِه الإصباحَ لهم، وإخراجِ النباتِ والغراسِ مِن الحبِّ والنَّوَى، وعقَّب ذلك بذكرِه خلقَ النجومِ لهدايتِهم في البرِّ والبحرِ، فكان وصفُه إجراءهَ الشمسَ والقمرَ لمنافِعِهم أشبَهَ بهذا الموضعِ مِن ذكرِ إضاءتِهما؛ لأنه قد وصَف ذلك قبلُ بقولِه: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾. فلا معنى لتكريرِه مرةً أُخرى في آيةٍ واحدةٍ لغيرِ معنًى. والحُسْبانُ في كلامِ العربِ جمعُ حسابٍ، كما الشُّهْبانُ جمعُ شهابٍ. وقد قيل: إن الحُسْبانَ في هذا الموضعِ مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: حسَبْتُ الحسابَ، أَحْسُبُه حِسابًا وحُسْبانًا. وحُكِي عن العربِ: على اللهِ حُسْبانُ فلانٍ وحِسْبتُه. أي: حسابُه. وأَحْسَبُ أن قتادةَ في تأويلِ ذلك بمعنى الضياءِ، ذهَب إلى شيءٍ يُرْوَى عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الكهف: ٤٠]. قال: نارًا. فوجَّه تأويلَ قولِه: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ إلى ذلك التأويلِ، وليس هذا مِن ذلك المعنى في شيءٍ.

стр. 6464

وأما الحِسْبانُ بكسرِ الحاءِ فإنه جمعُ الحِسْبانةِ (١)، وهي الوِسادةُ الصغيرةُ، وليست مِن الأوَّلَيْن أيضًا في شيءٍ، يقالُ: حَسَّبْتُه. أَجْلَسْتُه عليها. ونُصِب قولُه: ﴿حُسْبَانًا﴾. بقولِه: ﴿وَجَعَلَ﴾. وكان بعضُ البصريين (٢) يقولُ: معناه ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾. أي: بحسابٍ. فحذَف الباءَ كما حذَفها مِن قولِه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١١٧]. أيْ: أعلمُ بمَن يَضِلُّ عن سبيلِه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وهذا الفعلُ الذي وصَفه أنه فعلُه، وهو فلْقُه الإصباحَ وجعْلُه الليلَ سكنًا والشمسَ والقمرَ حُسْبانًا، تقديرُ الذي عزَّ سلطانُه، فلا يَقْدِرُ أَحدٌ أراده بسوءٍ وعقابٍ أو انتقامٍ، مِن الامتناعِ منه، العليمِ بمصالحِ خلقِه وتدبيرِهم، لا تقديرُ الأصنامِ والأوثانِ التي لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ، ولا تَفْقَهُ شيئًا ولا تَعْقِلُه، ولا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، وإن أُرِيدَت بسوءٍ لم تَقْدِرْ على الامتناعِ منه ممَّن أرادها به. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وأخْلِصوا أيُّها الجَهَلَةُ عبادتَكم لفاعلِ هذه الأشياءِ، ولا تُشْرِكوا في عبادتِه شيئًا غيرَه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واللهُ الذي جعَل لكم أيُّها الناسُ النجومَ أدلةً في البرِّ والبحرِ إذا ضلَلْتُم الطريقَ، أو تَحَيَّرْتُم فلم تَهْتَدُوا فيها ليلًا، تَسْتَدِلُّون بها على المَحَجَّةِ، فتَهْتَدُون بها إلى الطريقِ والمحجةِ، فتَسْلُكونه وتَنْجون بها مِن ظلماتِ

стр. 6465

ذلك، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦]. أيْ: مِن ضلالِ الطريقِ في البرِّ والبحرِ. وعنَى بالظلماتِ ظلمةَ الليلِ، وظلمةَ الخطأِ والضلالِ، وظلمةَ الأرضِ أو الماءِ. وقولُه: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: قد ميَّزنا الأدلةَ، وفرَّقْنا الحُجَجَ فيكم وبيَّناها أيُّها الناسُ؛ ليَتَدَبَّرَها أولو العلمِ باللهِ منكم، ويَفْهَمَها أولو الحِجا منكم، فيُنِيبوا مِن جهلِهم الذي هم عليه مُقِيمون، ويَنْزَجِروا عن خطأِ فعلِهم الذي هم عليه ثابِتون، ولا يَتمادَوْا [عنادًا للهِ] (١)، مع علمِهم بأن ما هم عليه مُقِيمون خطأٌ في غَيِّهم (٢). وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾. قال: يَضِلُّ الرجلُ وهو في الظلمةِ، والجَوْرُ عن الطريقِ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإلهُكم أيُّها العادِلون باللهِ غيرَه ﴿الَّذِي أَنْشَأَكُمْ﴾. يعني: الذي ابْتَدَأ خلقَكم مِن غيرِ شيءٍ، فأوْجَدَكم بعد أن لم تكونوا شيئًا ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾. يعني: مِن آدمَ ﵇.

стр. 6466

كما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾. قال: آدمَ ﵇ (١). حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾: مِن آدمَ ﵇ (٢). وأما قولُه: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾. فإن أهلَ التأويلِ في تأويلِه مُخْتَلِفون؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: وهو الذي أنْشَأَكم مِن نفسٍ واحدةٍ، فمنكم مُسْتَقرٌّ في الرحمِ، ومنكم مُسْتَوْدَعٌ في القبرِ حتى يَبْعَثَهُ اللهُ لنَشْرِ القيامةِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا أبو مُعاويةَ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللهِ: ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود: ٦]. قال: ﴿مُسْتَقَرَّهَا﴾ في الأرحامِ، ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ حيثُ تَموتُ (٣). حدَّثني يَعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن إسماعيلَ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللهِ، أنه قال: المُسْتَوْدَعُ حيثُ تَموتُ، والمُسْتَقَرُّ ما في الرحمِ. حُدِّثْتُ عن عُبيدِ اللهِ بن موسى، عن إسرائيلَ، عن السديِّ، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، قال: المُسْتَقَرُّ الرحمُ، والمُسْتَوْدَعُ المكانُ الذي تَموتُ

стр. 6467

فيه (١). حدَّثني محمدُ بنُ عُبيَدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضَيْلٍ وعليُّ بنُ هاشمٍ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن إبراهيمَ: ﴿يَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾. قال: ﴿مُسْتَقَرَّهَا﴾ في الأرحامِ، ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ في الأرضِ حيثُ تَموتُ فيها. حدَّثنا أبو كريبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابنُ إدريسَ، عن ليثٍ، عن مِقْسَمٍ، قال: ﴿مُسْتَقَرَّهَا﴾ في الصُّلْبِ حيثُ تَأْوِي إليه، ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ حيثُ تَموتُ (٢). وقال آخرون: المُسْتَوْدَعُ ما كان في أصلابِ الآباءِ، والمُسْتَقَرُّ ما كان في بُطُونِ النساءِ وبطونِ الأرضِ أو على ظهورِها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: ثنا كُلْثومُ بنُ جَبْرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ في قولِه: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾. قال: مُسْتَوْدَعون ما كانوا في أصلابِ الرجالِ، فإذا قَرُّوا في أرحامِ النساءِ، أو على ظهرِ الأرضِ، أو في بطنِها، فقد اسْتَقَرُّوا (٣). حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن كُلثومِ بنِ جَبْرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾. قال: المُسْتَوْدَعون ما كانوا في أصلابِ الرجالِ، فإذا قَرُّوا

стр. 6468

في أرحامِ النساءِ، أو على ظهرِ الأرضِ، فقد اسْتَقَرُّوا. حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن المغيرةِ بنِ النعمانِ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ،: قال ابنُ عباسٍ: ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾. قال: المُسْتَوْدَعُ في الصُّلْبِ، والمُسْتَقَرُّ ما كان على وجهِ الأرضِ أو في الأرضِ (١). وقال آخرون: بل معنى ذلك: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ﴾ في الأرضِ على ظهورِها، ﴿وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ عندَ اللهِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن المغيرةِ، عن أبى [الجبرِ بنِ] (٢) تميمِ بنِ حَذْلمٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: المُسْتَقَرُّ الأرضُ، والمُسْتَوْدَعُ عندَ الرحمنِ. حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عُبيدُ اللهِ، عن إسرائيلَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: المستقرُّ الأرضُ، والمستودعُ عندَ ربِّك (٣). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابنُ عُيَيْنَةَ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن إبراهيمَ، قال: قال عبدُ اللهِ: ﴿مُسْتَقَرَّهَا﴾ في الدنيا

стр. 6469

﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ في الآخرةِ. يعني: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ (١). حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا سُوَيْدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن شعبةَ، عن أبى بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، قال: المستودعُ في الصُّلْبِ، والمستقرُّ في الآخرةِ، وعلى وجهِ الأرضِ (٢). وقال آخرون: معنى ذلك: فمستقَرٌّ في الرحمِ، ومستودَعٌ في الصلبِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن أبي الحارثِ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِ اللهِ: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾. قال: مستقرٌّ في الرحمِ، ومستودَعٌ في صلبٍ لم يُخْلَقْ سيُخْلَقُ (٣). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن يحيى الجابرِ (٤)، عن عكرمةَ: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾. قال: المستقرُّ الذي قد اسْتَقرَّ في الرحمِ، والمُسْتَوْدَعُ الذي قد اسْتُودِع في الصلبِ (٥).

стр. 6470

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن أبى [الجبرِ بنِ] (١) تميمٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: سَلْ. فقلتُ: مستقَرٌّ ومستودعٌ؟ قال: المستقَرُّ في الرحمِ، والمستودَعُ ما اسْتُودِع في الصلبِ. حدَّثنا أبو كُريبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابنُ إدريسَ، عن قابُوسَ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾. قال: المستقَرُّ الرحمُ، والمستودَعُ ما كان عندَ ربِّ العالمين، مما هو خالقُه ولم يُخْلَقْ. حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبَرنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾. قال: المستقَرُّ ما كان في الرحمِ مما هو حيٌّ، ومما قد مات، والمستودَعُ ما في الصُّلْبِ (٢). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخْبَرنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، قال: قال لي ابنُ عباسٍ، وذلك قبلَ أن يَخْرُجَ وجهي (٣): أتزَوَّجْتَ يا بنَ جبيرٍ؟ قال: قلتُ: لا، وما أُرِيدُ ذاك يومي هذا. قال: فقال: أمَا إنه مع ذلك سيَخْرُجُ ما كان في صلبِك مِن المستودَعين (٤). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، قال: قال لي ابنُ عباسٍ: تزَوَّجْتَ؟ قلتُ: لا. قال: فضرَب ظهري، وقال: ما كان مِن مُسْتَوْدَعٍ في ظهرِك سَيَخْرُجُ.

стр. 6471

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾. قال: المستقَرُّ في الأرحامِ، والمستودَعُ في الصلبِ، لم يُخْلَقْ وهو خالقُه. حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾. قال: المستقَرُّ في الرحمِ، والمستودَعُ ما اسْتُودِع في أصلابِ الرجالِ والدَّوابِّ (١). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: المستقَرُّ ما اسْتَقَرَّ في الرحمِ، والمستودَعُ ما اسْتُودِع في الصلبِ. حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن أبى الجبرِ بنِ تميمٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ بنحوِه. حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا عَبِيدةُ بنُ حميدٍ، عن عمارٍ الدُّهْنيِّ (٢)، عن رجلٍ، عن كُريبٍ، قال: دعاني ابنُ عباسٍ، فقال: اكْتُبْ: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، مِن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ، إلى فلانٍ حَبْرِ تَيْماءَ، سلامٌ عليك، فإني أَحْمَدُ إليك اللهَ الذي لا إلهَ إلا هو، أما بعدُ. قال: فقلتُ: تَبْدَؤُه تقولُ: السلامُ عليك؟ فقال: إن اللهَ هو السلامُ. ثم قال: اكْتُبْ: سلامٌ عليك، أما بعدُ، فحدِّثْني عن مستقَرٍّ ومستودَعٍ. قال: ثم بعَثني بالكتابِ إلى اليهوديِّ، فأعْطَيْتُه إياه. فلمَّا نظَر إليه قال: مرحبًا بكتابِ خليلي مِن المسلمين. فذهَب بي إلى بيتِه، ففتَح أسْفاطًا (٣) له كبيرةً، فجعَل يَطْرَحُ تلك الأشياءَ لا يَلْتَفِتُ إليها، قال: قلتُ: ما شأنُك؟ قال: هذه أشياءُ كتَبها اليهودُ. حتى أَخْرَجَ سِفْرَ

стр. 6472

موسى ﵇، قال: فنظَر إليه مرتين، فقال: المستقَرُّ الرحمُ. قال: ثم قرَأ: ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ [الحج: ٥]. وقرَأ: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ﴾ [البقرة: ٣٦]. قال: مستقَرُّه فوقَ الأرضِ، ومستقَرُّه في الرحمِ، ومستقرُّه تحتَ الأرضِ، حتى يَصيرَ إلى الجنةِ أو إلى النارِ (١). حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا قَبيصةُ، عن سفيانَ، عن ابنِ جُريجٍ، عن عطاءٍ: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾. قال: المستقَرُّ ما اسْتَقَرَّ في أرحامِ النساءِ، والمستودَعُ ما اسْتُودِع في أصلابِ الرجالِ (٢). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عُبيدُ اللهِ، عن سفيانَ، عن ابنِ جُريجٍ، عن عطاءٍ، قال: المستقَرُّ الرحمُ، والمستودَعُ في أصلابِ الرجالِ. حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا رَوْحُ بنُ عُبادةَ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ، وعن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: المستقرُّ الرحمُ، والمستودَعُ في الأصلابِ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال ثنا عيسى، عن ابنِ أبي، نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ﴾: ما اسْتَقَرَّ في أرحامِ النساءِ، ﴿وَمُسْتَوْدَعٌ﴾: ما كان في أصلابِ الرجالِ (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.

стр. 6473

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ وابنُ وَكيعٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: المستقَرُّ ما استَقَرَّ في الرحمِ، والمستودَعُ ما اسْتُودِع في الصلبِ. حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: المستقَرُّ الرحمُ، والمستودَعُ الصلبُ. حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا مُعاذُ بن مُعاذٍ، عن ابنِ عَوْنٍ، قال: أتَيْنَا إبراهيمَ عندَ المساءِ، فأخْبَرونا أنه قد مات، فقلنا: هل سأَله أحدٌ عن شيءٍ؟ قالوا: عبدُ الرحمنِ ابنُ الأسودِ، عن المستقَرِّ والمستودَعِ. فقال: المستقَرُّ في الرحمِ، والمستودَعُ في الصلبِ. حدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا ابنُ عونٍ، قال: أتَيْنا إبراهيمَ وقد مات، قال: فحدَّثني بعضُهم أن عبدَ الرحمنِ بنَ الأسودِ سأَله قبلَ أن يَموتَ عن المستقَرِّ والمستودَعِ، فقال: المستقَرُّ في الرحمِ، والمستودَعُ في الصلبِ. حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن ابنِ عونٍ، قال: أَتَيْنا منزلَ إبراهيمَ، فسأَلْنا عنه، فقالوا: قد تُوُفِّي، وسأَله عبدُ الرحمنِ بنُ الأسودِ. فذكَر نحوَه. حدَّثني به يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن ابنِ عونٍ، أنه بلَغه أن عبدَ الرحمنِ بنَ الأسودِ سأَل إبراهيمَ عن ذلك. فذكَر نحوَه. حدَّثنا عُبيدُ اللهِ بنُ محمدٍ الفِرْيابيُّ، قال: ثنا ضَمْرةُ بنُ ربيعةَ، عن العَلَاءِ بنِ هارونَ، قال: انْتَهَيْتُ إلى منزلِ إبراهيمَ حين قُبِض، فقلتُ لهم: هل سأَله أحدٌ عن شيءٍ؟ قالوا: سأَله عبدُ الرحمنِ بنُ الأسودِ عن مستقَرٍّ ومستودَعٍ، فقال: أمّا المستقَرُّ فما استقَرَّ في أرحامِ النساءِ، والمستودَعُ ما في أصلابِ الرجالِ.

стр. 6474

حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابنُ إدريسَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾. قال: المستقَرُّ الرحمُ، والمستودعُ الصلبُ. حدَّثني يونُسُ، قال: ثني سفيانُ، عن رجلٍ حدَّثه عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: قال لي ابنُ عباسٍ: ألا تَنْكِحُ؟ ثم قال: أمَا إني أقولُ لك هذا، وإني لأَعْلَمُ أَن اللهَ مُخْرِجٌ من صلبِك ما كان فيه [من مُسْتَودَعٍ] (١). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: المستقَرُّ في الرحمِ، والمستودَعُ في الصلبِ (٢). حدَّثنا بشرٌ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾. قال: مستقَرٌّ في الرحمِ، ومستودَعٌ في الصلبِ. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾. قال: مستَقَرٌّ في الرحمِ، ومستودَعٌ في الصلبِ (٣). حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، عن الضحاكِ: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾: أمَّا مستقَرٌّ، فما استقرَّ في الرحمِ، وأما مستودَعٌ، فما استُودِع في الصلبِ (٤).

стр. 6475

حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾. قال: مستقَرٌّ في الأرحامِ، ومستودَعٌ في الأصلابِ (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنُ جبيرٍ، وأبي حمزةَ، عن إبراهيمَ، قالا: مستقَرٌّ ومستودَعٌ؛ المستقَرُّ في الرحمِ، والمستودَعُ في الصلبِ. وقال آخرون: المستقَرُّ في القبرِ، والمستودَعُ في الدنيا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان الحسنُ يقولُ: مستقَرٌّ في القبرِ، ومستودَعٌ في الدنيا، وأَوْشَك أن يَلْحَقَ بصاحبِه (٢). وأولى التأويلاتِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن اللهَ جلَّ ثناؤُه عمَّ بقولِه: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾. كلَّ خلقِه الذي أنْشَأ من نفسٍ واحدةٍ مستقَرًّا ومستودَعًا، ولم يَخْصُصْ مِن ذلك معنًى دون معنًى، ولا شكَّ أن مِن بني آدمَ مستقَرًّا في الرحمِ، ومستودَعًا في الصلبِ، ومنهم مَن هو مستقَرٌّ على ظهرِ الأرضِ أو بطنِها، ومستودَعٌ في أصلابِ الرجالِ، ومنهم مستقَرٌّ في القبرِ، مستودَعٌ على ظهرِ الأرضِ، فكلُّ مستقَرٍّ أو مستودَعٍ بمعنًى مِن هذه المعاني، فداخلٌ في عمومِ قولِه: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾. ومرادٌ به، إلا أن يَأْتيَ خبرٌ يَجِبُ التسليمُ له بأنه معنيٌّ به معنًى دونَ معنًى، وخاصٌّ دونَ عامٍّ.

стр. 6476

واخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾؛ فقرَأَت ذلك عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والكوفةِ: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ (١) بمعنى: فمنهم مَن استَقَرَّه اللهُ في مقَرَّه (٢) فهو مستقَرٌّ، ومنهم من اسْتَوْدَعه اللهُ فيما اسْتَوْدَعه فيه فهو مستودَعٌ فيه. وقرَأ ذلك بعضُ أهلِ المدينةِ وبعضُ أهلِ البصرةِ: (فمستقِرٌّ) بكسرِ القافِ (٣)، بمعنى: فمنهم مَن اسْتَقَرَّ في مقَرِّه، فهو مستقِرٌّ فيه (٤). وأولى القراءتين بالصوابِ عندي - وإن كان لكِلَيْهما عندي وجهٌ صحيحٌ - ﴿فَمُسْتَقَرٌّ﴾ بمعنى: اسْتَقَرَّه اللهُ في مستقَرِّه؛ ليَأْتَلِفَ المعنى فيه وفي "المستودَعِ"، في أن كلَّ واحدٍ منهما لم يُسَمَّ فاعلُه، وفي إضافةِ الخبرِ بذلك إلى اللهِ في أنه المستقِرُّ هذا والمستودِعُ هذا. وذلك أن الجميعَ مُجْمِعون على قراءةِ قولِه: ﴿وَمُسْتَوْدَعٌ﴾. بفتحِ الدالِ على وجهِ ما لم يُسَمَّ فاعلُه، فإجْراءُ الأولِ - أعنِي قولَه: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ﴾ - عليه، أشبهُ مِن عُدُولِه عنه. وأما قولُه: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾. يقولُ تعالى: قد بيَّنا الحُجَجَ، وميَّزْنا الأدلةَ والأعلامَ، وأحْكَمْناها لقومٍ يَفْقَهون مواقعَ الحججِ، ومواضعَ العِبَرِ، ويفْهَمون الآياتِ والذكرَ، فإنهم إذا اعْتَبَروا بما نبَّهتُهم عليه مِن إنشائي مِن نفسٍ واحدةٍ ما عايَنوا من البشرِ، وخلْقي ما خَلَقْتُ منها، مِن عجائبِ الألوانِ والصورِ - علِموا أن ذلك [مِن فعلِ مَن ليس] (٥) له مِثْلٌ ولا شَرِيكٌ، فيُشْرِكوه في عبادتِهم إياه.

стр. 6477

كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾. يقولُ: قد بيَّنا الآياتِ لقومٍ يَفْقَهون (١). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واللهُ الذي له العبادةُ خالصةً، لا شريكَ (٢) فيها لشيءٍ سواه، هو الإلهُ الذي أنْزَل مِن السماءِ مَاءً ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فَأَخْرَجْنا بالماءِ الذي أَنْزَلْناه مِن السماءِ مِن غِذاءِ الأنعامِ والبهائمِ والطيرِ والوحشِ، وأرزاقِ بني آدمَ وأقواتِهم، ما يَتَغَذَّون به ويَأْكُلونه، فيَنْبُتون عليه ويَنْمُون. وإنما معنى قولِه: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾: فأَخْرَجْنا به ما يَنْبُتُ به كلُّ شيءٍ ويَنْمُو عليه ويَصْلُحُ. ولو قيل معناه: فأخْرَجْنا به نباتَ جميعِ أنواعِ النباتِ. فيكونُ ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ هو أصنافَ النباتِ. كان مذهبًا، وإن كان الوجهُ الصحيحُ هو القولُ الأولَ. وقولُه: ﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا﴾. يقولُ: ﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ﴾. يعني: مِن الماءِ الذي أَنْزَلْناه مِن السماءِ، ﴿خَضِرًا﴾ رَطْبًا مِن الزرعِ. والخَضِرُ هو الأخضرُ، كقولِ العربِ: أرِنيها نَمِرةً أُرِكْها مَطِرَةً (٣). يقالُ: خضِرَت الأرضُ خَضِرًا وخَضَارةً. والخَضِرُ رطْبُ البُقولِ، ويقالُ: نخلةٌ

стр. 6478

خَضِيرةٌ (١). إذا كانت تَرْمِي بيُسْرِها أَخْضَرَ قبل أن يَنْضَجَ. وقد اختُضِر الرجلُ واغْتُضِر: إذا مات شابًّا مُصَحَّحًا. ويقالُ: هو لك خَضِرًا مَضِرًا. أي: هنيئًا مَرِيئًا. قولُه: ﴿نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾. يقولُ: نُخْرِجُ مِن الخَضِرِ حبًّا. يعني: ما في السُّنْبُلِ؛ سُنْبُلِ الحِنْطةِ والشَّعيرِ والأُرْزِ، وما أشْبَهَ ذلك مِن السَّنابلِ التي حَبُّها يَرْكَبُ بعضُه بعضًا. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةُ أهلِ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾: فهذا السُّنْبُلُ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ومِن النخلِ مِن طَلْعِها قِنْوانُه (٣) دانيةٌ. ولذلك رفِعت القِنْوانُ. والقِنْوانُ جمعُ قِنْوٍ، كما الصِّنْوانُ جمعُ صِنْوٍ، وهو العِذْقُ (٤). يقالُ للواحدِ: هو قِنْوٌ وقُنْوٌ وقَنًا، يُثَنَّى قِنْوانِ، ويُجْمَعُ قِنْوانٌ وقُنْوانٌ. قالوا: في جمعِ قليلِه: ثلاثةُ أقْناءٍ. والقِنْوانُ مِن لغةِ الحجازِ. والقُنْوانُ مِن لغةِ قيسٍ. وقال امرُؤُ القيسِ (٥):

стр. 6479

فأَنَّتْ (١) أَعالِيه وآدَتْ أُصولُه (٢) … ومالَ بقِنْوانٍ مِن البُسْرِ أَحْمَرَا وقِنْيان، جميعًا. وقال آخَرُ (٣): لها ذَنَبٌ كالقِنْوِ قد مَذِلَت به … وأَسْمَحَ (٤) للتَّخْطارِ (٥) بعدَ التَّشَذُّرِ وتَميمٌ تَقولُ: قُنْيانٌ، بالياءِ. ويعنى بقولِه: ﴿دَانِيَةٌ﴾. قريبةٌ مُتَهَدِّلةٌ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾: يعني بالقِنْوانِ الدانيةِ: قِصارُ النخلِ، لاصقةٌ عُذوقُها (٦) بالأرضِ (٧).

стр. 6480

حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾. قال عُذُوقٌ مُتَهَدِّلةٌ. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾. يقولُ: مُتَهَدِّلةٌ (١). حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ في قولِه: ﴿قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾. قال: قريبةٌ (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا الثوريُّ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ بنِ عازبٍ: ﴿قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾. قال: قريبةٌ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾. قال: الدانيةُ لتهَدُّلِ العُذوقِ (٤) مِن الطَّلْعِ (٥). حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ
следующие страницы →