← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 6581–6620 · переход к 6586.

стр. 6581

وأما "الضيِّقُ"، فإن عامةَ القرأةِ على فتحِ ضادِه وتشديدِ يائِه، خلا بعضَ المكيين، فإنه قرَأه: (ضَيْقًا) بفتحِ الضادِ وتسكينِ الياءِ وتخفيفِه (١). وقد يَتَّجِهُ لتَسْكينِه ذلك وجهان: أحدُهما، أن يَكونَ سكَّنه وهو يَنْوِي معنى التحريكِ والتشديدِ، كما قيل: هَيْنٌ لَيْنٌ، بمعنى: هيِّنٌ ليِّنٌ. والآخرُ، أن يَكون سكَّنه بنيةِ المصدرِ، مِن قولِهم: ضاق هذا الأمرُ يَضِيقُ ضَيْقًا. كما قال رُؤْبةُ: قد علِمْنا عندَ كلِّ مَأْزِقِ … ضَيْقٍ بِوَجْهِ الأَمْرِ أَو (٢) مُضَيَّقِ ومنه قولُ الله: ﴿وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٢٧]. وقال رُؤْبةُ أيضًا (٣): وشَفَّها اللُّوحُ بمَأْزُولٍ ضَيَقْ (٤) بمعنى: ضيِّقٍ. وحُكِي عن الكِسائيِّ أنه كان يَقولُ: الضِّيقُ بالكسرِ، في المعاشِ والموضعِ، وفي الأمرِ الضَّيْقُ. وفي هذه الآيةِ أبْيَنُ البيانِ لمن وُفِّق لفهمِها عن أن السببَ الذي به يُوصَلُ إلى الإيمانِ والطاعةِ غيرُ السببِ الذي به يُوصَلُ إلى الكفرِ والمعصيةِ، وأن كلا

стр. 6582

السببين مِن عندِ اللهِ، وذلك أن اللهَ جلَّ ثناؤُه أخْبَر عن نفسِه أنه يَشْرَحُ صدرَ مَن أراد هدايتَه للإسلامِ، ويَجْعَلُ صدرَ مَن أراد إضلالَه ضيِّقًا عن الإسلامِ حَرَجًا، كأنما يَصَّعَّدُ في السماءِ، ومعلومٌ أن شرْحَ الصدرِ للإيمانِ خِلافُ تَضْييقِه له، وأنه لو كان يُوصَلُ بتضييقِ الصدرِ عن الإيمانِ إليه، لم يَكُنْ بينَ تضييقِه عنه وبينَ شرحِه له فرقٌ، ولكان مَن ضُيِّق صدرُه عن الإيمانِ قد شُرح صدرُه له، ومَن شُرِح صدرُه له، فقد ضُيِّق عنه، إذ كان مَوْصولًا بكلِّ واحدٍ منهما - أعني مِن التضييقِ والشرحِ - إلى ما يُوصَلُ به إلى الآخرِ. ولو كان ذلك كذلك، وجَب أن يَكونَ اللهُ قد كان شرَح صدرَ أبى جهلٍ للإيمانِ به، وضيَّق صدرَ رسولِ اللهِ ﷺ عنه، وهذا القولُ مِن أعظمِ الكفرِ باللهِ، وفي فسادِ ذلك أن يَكونَ كذلك الدليلُ الواضحُ على أن السببَ الذي به آمَن المؤمنون باللهِ ورسلِه وأطاعه المُطِيعون، غيرُ السببِ الذي كفَر به الكافرون باللهِ، وعصاه العاصون، وأن كلا السببين مِن عندِ اللهِ وبيدِه؛ لأنه أَخْبَر جلَّ ثناؤُه أنه هو الذي يَشْرَحُ صدرَ هذا المؤمنِ به للإيمانِ إذا أراد هدايتَه، ويُضَيِّقُ صدرَ هذا الكافرِ عنه إذا أراد إضلالَه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾. وهذا مَثَلٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه ضرَبه لقلبِ هذا الكافرِ في شدةِ تَضْييقِه إياه عن وصولِه إليه، مثلَ امتناعِه من الصُّعودِ إلى السماءِ، وعجزِه عنه؛ لأن ذلك ليس في وُسْعِه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ: ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾. يقولُ: مَثَلُهُ كَمَثَلِ الذي لا يَسْتَطِيعُ

стр. 6583

أن يَصَّعَّدَ في السماءِ (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخْبرَنا ابنُ المباركِ، عن معمرٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ مثلَه. وبه قال: أخْبَرنا ابنُ المباركِ، عن ابنِ جُريجٍ قراءةً: ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾: بلا إلهَ إلا اللهُ حتى لا يَسْتَطِيعَ أن تَدْخُلَه، ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾: مِن شدةِ ذلك عليه (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ مثلَه. حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾: مِن ضِيقِ صدرِه (٣). واخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَته عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والعراقِ: ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ﴾ (٤). بمعنى: يَتَصَعَّدُ. فَأَدْغَموا التاءَ في الصادِ، فلذلك شَدَّدوا الصادَ. وقرَأ ذلك بعضُ الكوفيين: (يَصَّاعَدُ) (٥). بمعنى: يَتَصاعَدُ، فَأَدْغم التاءَ في الصادِ وجَعَلَها صادًا مُشَدَّدةً. وقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ المكيين: (كأنما يَصْعَدُ) (٦). مِن: صَعِد يَصْعَدُ.

стр. 6584

وكلُّ هذه القراءاتِ مُتَقارِباتُ المعاني، وبأيِّها قرَأ القارئُ فهو مصيبٌ، غيرَ أني أَخْتارُ القراءةَ في ذلك بقراءةِ مَن قرَأَه: ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ﴾ بتشديدِ الصادِ بغيرِ ألفٍ، بمعنى: يَتَصَعَّدُ؛ لكثرةِ القرأةِ بها، ولقِيلِ عمرَ بنِ الخطابِ ﵁: ما تصَعَّدَني شيءٌ ما تصَعَّدَتْني خُطبةُ النكاحِ (١). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: كما يَجْعَلُ الله صدرَ مَن أراد إضلالَه ضيقًا حَرَجًا كأنما يَصَّعَّدُ في السماءِ مِن ضيقِه عن الإيمانِ، فيَجْزِيه بذلك، كذلك يُسَلِّطُ اللهُ الشيطانَ عليه وعلى أمثالِه ممَّن أبَى الإيمانَ باللهِ ورسولِه، فيُغْوِيه ويَصُدُّه عن سبيلِ الحقِّ. وقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى "الرَّجْسِ"؛ فقال بعضُهم: هو كلُّ ما لا خيرَ فيه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿الرِّجْسَ﴾: ما لا خيرَ فيه (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. قال: ما لا خيرَ فيه. وقال آخرون: ﴿الرِّجْسَ﴾: العذابَ.

стр. 6585

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. قال: الرِّجْسُ عذابُ اللهِ (١). وقال آخرون: الرِّجْسَ: الشيطانَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنُ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿الرِّجْسَ﴾. قال: الشيطانَ (٢). وكان بعضُ أهلِ المعرفةِ بلغاتِ العربِ مِن الكوفيين يقولُ: الرِّجُسُ والنَّجْسُ لغتان. ويَحْكِي عن العربِ أنها تَقولُ: ما كان رِجْسًا، ولقد رَجُس رَجاسةٌ، ونَجُس نَجاسةً. وكان بعضُ نحويي البصريين يقولُ (٣): الرِّجُسُ والرِّجُزُ سواءٌ، وهما العذابُ. والصوابُ من القولِ في ذلك عندي ما قاله ابنُ عباسٍ ومَن قال: إن الرِّجْسَ والنِّجسَ واحدٌ؛ للخبرِ الذي رُوِي عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه كان يَقولُ إذا دخَل الخَلاءِ: "اللهم إني أَعوذُ بك مِن الرِّجْسِ النِّجْسِ، الخَبِيثِ المُخْبِثِ (٤). الشيطانِ الرجيمِ".

стр. 6586

حدَّثني بذلك عبدُ الرحمن بنُ البَخْتَريِّ الطائيُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المُحارِبيُّ، عن إسماعيلَ بنُ مسلمٍ، عن الحسنِ وقتادةَ، عن أنسٍ، عن النبيِّ ﷺ (١). وقد بيَّن هذا الخبرُ أن الرِّجْسَ هو النِّجْسُ القَذِرُ، الذي لا خيرَ فيه، وأنه مِن صفةِ الشيطانِ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وهذا الذي بيَّنا لك يا محمدُ في هذه السورةِ وغيرِها مِن سُوَرِ القرآنِ، هو ﴿صِرَاطُ رَبِّكَ﴾. يقولُ: طريقُ ربِّك، ودينُه الذي ارْتَضاه لنفسِه دينًا، وجعَله مُسْتقيمًا لا اعْوِجاجَ فيه، فاثْبُتْ عليه، وحرِّمْ ما حَرَّمْتُه عليك، وأَحْلِلْ ما أحْلَلْتُه لك، فقد بيَّنا الآياتِ والحججَ على حقيقةِ ذلك وصحتِه ﴿لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾. يقولُ: لَمَن يَتَذَكَّرُ ما احْتَجَّ اللهُ به عليه مِن الآياتِ والعِبَرِ، فيَعْتَبِرُ بها. وخصَّ بها الذين يَتَذَكَّرون؛ لأنهم هم أهلُ التَّمْييزِ والفهمِ، وأولو الحِجَا والفضلِ، فقيل (٢): ﴿يَذَّكَّرُونَ﴾. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 6587

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا﴾: يعني به الإسلامَ (١). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٧)﴾. يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿لَهُمْ﴾: للقومِ الذين يَذَّكَّرون آياتِ اللهِ، فيَعْتَبِرون بها، ويُوقِنون بدَلالتِها على ما دلَّت عليه مِن توحيدِ اللهِ، ومِن نبوةِ نبيِّه محمدٍ ﷺ ، وغيرِ ذلك، فيُصَدِّقون بما وصَلوا بها إلى علمِه مِن ذلك. وأما ﴿دَارُ السَّلَامِ﴾، فهي دارُ اللهِ التي أعَدَّها لأوليائِه في الآخرةِ، جزاءً لهم على ما أبْلَوْا في الدنيا في ذاتِ اللهِ، وهي جنَّتُه. والسلامُ اسمٌ مِن أسماءِ اللهِ تعالى، كما قال السديُّ. حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: اللهُ هو السلامُ، والدارُ الجنةُ (٢). وأما قولُه: ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾. فإنه يقولُ: واللهُ ناصرُ هؤلاء القومِ الذين يَذَّكَّرون آياتِ اللهِ، ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. يعني: جزاءً بما كانوا يَعْمَلون مِن طاعةِ اللهِ ويَتَّبِعون رِضوانَه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ (٣) جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ

стр. 6588

مِنَ الْإِنْسِ﴾. يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾: ويومَ يَحْشُرُ (١) هؤلاء العادلين باللهِ الأوثانَ والأصنامَ، وغيرَهم مِن المشركين، مع أوليائِهم مِن الشياطينِ الذين كانوا يُوحُون إليهم زُخْرُفَ القولِ غُرورًا ليُجادِلوا به المؤمنين، فيَجْمَعُهم جميعًا في موقفِ القيامةِ، يقولُ للجِنِّ: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾. وحذَف "يقولُ للجِنِّ"، من الكلامِ؛ اكتفاءً بدلالةِ ما ظهَر مِن الكلامِ عليه منه. وعَنَى بقولِه: ﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾: اسْتَكْثَرْتُم مِن إضلالِهم وإغْوائِهم. كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾. يعني: أَضْلَلْتُم منهم كثيرًا (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾. قال: قد أَضْلَلْتُم كثيرًا من الإنسِ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾. قال: كثُر مَن أَغْوَيْتُم (٤).

стр. 6589

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن الحسنِ: ﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾. يقولُ: أَضْلَلْتُم كثيرًا مِن الإنسِ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فيُجِيبُ أولياءُ الجنِّ مِن الإِنسِ، فيقولون: ربَّنَا اسْتَمْتَعَ بعضُنا ببعضٍ في الدنيا. فأمّا اسْتِمْتاعُ الإنسِ بالجنِّ، فكان كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ قولَه: ﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾. قال: كان الرجلُ في الجاهليةِ يَنْزِلُ الأَرضَ فيقولُ: أَعوذُ بكبيرِ هذا الوادى. فذلك اسْتِمْتاعُهم، فاعْتَذَروا يومَ القيامةِ (١). وأمّا استمتاعُ الجنِّ بالإنسِ، فإنه كان فيما ذُكِر، ما يَنالُ الجِنُّ مِن الإِنسِ، مِن تعظيمِهم إياهم في استعاذتِهم بهم، فيقولون: قد سُدْنا الجِنَّ والإنسَ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قالوا: وبلَغْنا الوقتَ الذي وقَّتَّ لموتِنا. وإنما يعني جلَّ ثناؤُه بذلك أنهم قالوا: اسْتَمْتَع بعضُنا ببعضٍ أيامَ حياتِنا إلى حالِ موتِنا.

стр. 6590

كما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: أما قولُه: ﴿وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾. فالموتُ (١). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨)﴾. وهذا خبرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عما هو قائلٌ لهؤلاء الذين يَحْشُرُهم يومَ القيامةِ، مِن العادلين به في الدنيا الأوثانَ، ولقُرَنائِهم من الجنِّ. فأَخْرَج الخبرَ عما هو كائنٌ مُخْرَجَ الخبرِ عما كان؛ لتقدُّمِ الكلامِ قبلَه بمعناه والمرادِ منه، فقال: قال اللهُ لأولياءِ الجنِّ مِن الإنسِ، الذين قد تقدَّم خبرُه عنهم: ﴿النَّارُ مَثْوَاكُمْ﴾. يعني: نارُ جهَنَّمَ، ﴿مَثْوَاكُمْ﴾: الذي تَثْوُون فيه، أي: تُقِيمون فيه. والمَثْوَى هو المَفْعَلُ، مِن قولِهم: ثَوَى فلانٌ بمكانِ كذا. إذا أقام فيه. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾. يقولُ: لابثين فيها، ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾. يعني: إلا ما شاء اللهُ مِن قَدْرِ مُدَّةِ ما بينَ مَبْعَثِهِم مِن قبورِهم إلى مصيرِهم إلى جهنمَ، فتلك المدةُ التي اسْتَثْناها اللهُ مِن خلودِهم في النارِ، ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ﴾ في تدبيرِه في خلقِه، وفي تصريفِه إياهم في مشيئتِه من حالٍ إلى حالٍ، وغيرِ ذلك مِن أفعالِه، ﴿عَلِيمٌ﴾ بعَواقبِ تدبيرِه إياهم، وما إليه صائرةُ (٢) أمرِهم مِن خيرٍ وشرٍّ. ورُوِي عن ابنِ عباسٍ أنه كان يَتَأَوَّلُ في هذا الاستثناءِ أن اللهَ جَعَل أَمْرَ هؤلاء القومِ في مَبْلَغِ عذابِه إياهم إلى مشيئتِه. حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن

стр. 6591

عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾. قال: إن هذه الآيةَ آيةٌ لا يَنْبَغِي لأحدٍ أن يَحْكُمَ على اللهِ في خلقِه؛ لا (١) يُنْزِلُهم جنةً ولا نارًا (٢). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩)﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ: ﴿نُوَلِّي﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: نَجْعَلُ بعضَهم لبعضٍ وليًّا على الكفرِ باللهِ. ذكرُ مَن قال ذلك: حدَّثنا يونُسُ، قال: ثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: وإنما يُوَلِّي اللهُ بِينَ الناسِ بأعمالِهم، فالمؤمنُ وليُّ المؤمنِ، أينَ كان، وحيثُ كان، والكافرُ وليُّ الكافرِ، أينما كان، وحيثما كان، ليس الإيمانُ بالتَّمنِّي ولا بالتَّحَلِّي (٣). وقال آخَرون: معناه: نُتْبِعُ بعضَهم بعضًا في النارِ. مِن المُوالاةِ، وهو المتابَعةُ بينَ الشيءِ والشيءِ، مِن قولِ القائلِ: والَيْتُ بينَ كذا وكذا. إذا تابَعْتَ بينَهما. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:

стр. 6592

﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا﴾: في النارِ يَتْبَعُ بعضُهم بعضًا (١). وقال آخرون: معنى ذلك: نُسَلِّطُ (٢) بعضَ الظلمةِ على بعضٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا﴾. قال: ظالمي الجنِّ وظالمي الإنسِ. وقرَأ: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦]. قال: نُسَلِّطُ ظَلَمةَ الجنِّ على ظَلَمةِ الإِنسِ (٣). وأولى هذه الأقوالِ في تأويلِ ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: وكذلك نَجْعَلُ بعضَ الظالمين لبعضٍ أولياءَ؛ لأن اللهَ ذكَر قبلَ هذه الآيةِ ما كان مِن قولِ المشركين، فقال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾. وأخْبَر جلَّ ثناؤُه أن بعضَهم أولياءُ بعضٍ، ثم عقَّب خبرَه ذلك بخبرِه عن أن وَلايةَ بعضِهم بعضًا بتوليتِه إياهم، فقال: وكما جعَلْنا بعضَ هؤلاء المشركين مِن الجنِّ والإنسِ أولياءَ بعضٍ، يَسْتَمْتِعُ بعضُهم ببعضٍ، كذلك نَجعَلُ بعضَهم أولياءَ بعضٍ في كلِّ الأمورِ، ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ مِن مَعاصِي اللهِ ويَعْمَلونه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾. وهذا خبرٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤه عما هو قائلٌ يومَ القيامةِ لهؤلاء العادِلين به مِن

стр. 6593

مِن مشركي الإنسِ والجنِّ، يُخْبِرُ أنه يَقولُ لهم تعالى ذكرُه يومَئِذٍ: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾. يقولُ: يُخْبِرونكم بما أُوحِي إليهم؛ من تَنْبِيهي إياكم على مواضعِ حُجَجي، وتعريفِي لكم أدلَّتِي على توحيدي، وتصديق أنبيائي، والعملِ بأمرِي، والانتهاءِ إلى حُدودي. ﴿وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾. يقولُ: يُحَذِّرونكم لقاءَ عذابي في يومِكم هذا، وعقابي على معصيتِكم إيايَ، فَتَنْتَهُوا عَن مَعاصِيَّ. وهذا مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه تَقريعٌ وتَوْبيخٌ لهؤلاء الكفَرةِ على ما سلَف منهم في الدنيا مِن الفسوقِ والمعاصي، ومعناه: قد أتاكم رسلٌ منكم يُنَبِّهونكم على خطأ ما كنتم عليه مقيمين، بالحججِ البالغةِ، ويُنْذِرونكم وعيدَ اللهِ على مُقامِكم على ما كنتم عليه مقيمين، فلم تَقْبَلوا ذلك، ولم تَتَذَكَّروا ولم تَعْتَبِروا. واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في الجنِّ، هل أُرْسِل منهم إليهم (١) أم لا؟ فقال بعضُهم: قد أُرْسِل إليهم رسلٌ، كما أُرْسِل إلى الإنسِ منهم رسلٌ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيَى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سُئِل الضحاكُ عن الجنِّ، هل كان فيهم نبيٌّ (٢) قبلَ أن يُبْعَثَ النبيُّ ﷺ ؟ فقال: ألم تَسْمَعْ إلى قولِ اللهِ: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾. يعني بذلك رسلًا من الإنسِ ورسلًا مِن الجنِّ؟ فقالوا: بلَى (٣).

стр. 6594

وقال آخرون: لم يُرْسَلْ منهم إليهم رسولٌ، ولم يكنْ له مِن الجنِّ قطُّ رسولٌ مُرْسَلٌ، وإنما الرسلُ مِن الإِنسِ خاصةً، فأمّا مِن الجنِّ فالنُّذُرُ. قالوا: وإنما قال اللهُ: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾. والرسلُ مِن أحدِ الفريقين، كما قال: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾. ثم قال: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ١٩، ٢٢]. وإنما يَخْرُجُ اللؤلؤُ والمَرْجانُ مِن المِلْحِ دونَ العَذْبِ منهما، وإنما معنى ذلك: يَخْرُجُ مِن بعضِهما أو مِن أحدِهما. قال: وذلك كقولِ القائلِ لجماعةِ أَدْؤُرٍ: إن في هذه الدُّورِ لشَرًّا. وإن كان الشرُّ في واحدةٍ منهن، فيُخْرِجُ الخبرَ عن جميعِهن والمرادُ به الخبرُ عن بعضِهن، وكما يقالُ: أَكَلْتُ خبزًا ولبنًا. إذا اخْتَلَطا، ولو قيل: أكَلْتُ لبنًا. كان الكلامُ خطأً؛ لأن اللبنَ يُشْرَبُ ولا يُؤْكَلُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ قولَه: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾. قال: جمعَهم كما جمعَ قولَه: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [فاطر: ١٢]. ولا يَخْرُجُ مِن الأنهارِ حِلْيةٌ. قال ابنُ جُريجٍ، قال ابنُ عباسٍ: هم الجنُّ الذين لَقُوا قومَهم، وهم رسلٌ إلى قومِهم. فعلى قولِ ابنِ عباسٍ هذا إن مِن الجنّ رسلًا للإنسِ إلى قومِهم. فتأويلُ الآيةِ على هذا التأويلِ الذى تأوَّله ابنُ عباسٍ: ألم يَأْتِكم أيُّها الجنُّ والإنسُ رسلٌ منكم؟ فأمّا رسلُ الإنسِ، فرسلٌ مِن اللهِ إليهم، وأما رسلُ الجنِّ، فرسلُ رسلِ اللهِ مِن بنى آدمَ، وهم الذين إذا سمِعوا القرآنَ ولَّوْا إِلى قومِهم مُنْذِرِين. وأما الذين قالوا بقولِ الضحاكِ، فإنهم قالوا: إن اللهَ تعالى ذكرُه أَخْبَر أَن مِن الجنِّ رسلًا أُرسِلوا إليهم، كما أخْبَرَ أن مِن الإنسِ رسلًا أُرْسِلوا إليهم. قالوا: ولو جاز

стр. 6595

أن يَكونَ خبرُه عن رسلِ الجنِّ، بمعنى أنهم رسلُ الإنسِ، جاز أن يَكونَ خبرُه عن رسلِ الإنسِ، بمعنى أنهم رسلُ الجنِّ. قالوا: وفى فسادِ هذا المعنى ما يَدُلُّ على أن الخبرين جميعًا بمعنى الخبرِ عنهم أنهم رسلُ اللهِ؛ لأن ذلك هو المعروفُ في الخطابِ دونَ غيرِه. القولُ في تأويلِ قوله: ﴿قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (١٣٠)﴾. وهذا خبرٌ مِن اللهِ جَلَّ ثناؤُه عن قولِ مُشْركي الجنِّ والإنسِ عندَ تَقْريعِه إياهم بقولِه لهم: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾. أنهم يقولون: ﴿شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا﴾ بأن رسلَك قد أَتَتْنا بآياتِك، وأنْذَرَتْنا لقاءَ يومِنا هذا، فكذَّبْناها وجحَدْنا رسالتَها، ولم نَتَّبِعْ آياتِك ولم نُؤْمِن بها. قال اللهُ خبرًا مُبْتَدَأً: وغرَّت هؤلاء العادلين باللهِ الأوثانَ والأصنامَ وأولياءَهم مِن الجنِّ - ﴿الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾. يعنى: زينةُ الحياةِ الدنيا، وطلبُ الرِّياسةِ فيها، والمنافسةُ عليها، أن يُسْلِموا لأمرِ اللهِ، فيُطِيعوا فيها رسلَه، فاسْتَكْبَروا وكانوا قومًا عالِين. فاكْتفى بذكرِ الحياةِ الدنيا مِن ذكرِ المعاني التي غرَّتْهم وخدَعَتهم فيها، إذ كان في ذكرِها مُكْتَفًى عن ذكرِ غيرِها؛ لدلالةِ الكلامِ على ما تُرِك ذكرُه. يقولُ اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾. يعنى هؤلاء العادلين به يومَ القيامةِ، ﴿أَنَّهُمْ كَانُوا﴾ في الدنيا ﴿كَافِرِينَ﴾ به وبرسلِه؛ لتَتِمَّ حجَّةُ اللهِ عليهم، بإقرارِهم على أنفسِهم بما يُوجِبُ عليهم عقوبتَه، وأليمَ عذابِه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (١٣١)﴾.

стр. 6596

يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ﴾. أىْ: إنما أَرْسَلْنا الرسلَ يا محمدُ إلى مَن وصَفْتُ أمرَه، وأعْلَمْتُك خبرَه، مِن مشركي الإنسِ والجنِّ يقُصُّون عليهم آياتي، ويُنْذِرونهم لقاءَ يومِ (١) مَعادِهم إليَّ، مِنْ أَجْلِ أن ربَّك لم يكنْ مُهْلِكَ القُرَى بظلمٍ. وقد يَتَّجِهُ مِن التأويلِ فى قوله: ﴿بِظُلْمٍ﴾. وجهان: أحدُهما: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ﴾. أىْ: بشركِ مَن أشْرَك، وكفرِ مَن كفَر مِن أهلِها، كما قال لُقْمَانُ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. ﴿وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾. يقولُ: لم يكنْ يُعاجِلُهم بالعقوبةِ حتى يَبْعَثَ إليهم رسلًا تُنَبِّهُهم على حججِ اللهِ عليهم، وتُنْذِرُهم عذابَ اللهِ يومَ مَعادِهم إليه، ولم يكنْ بالذى يَأْخُذُهم غَفْلةً فيقولوا: ما جاءنا من بشيرٍ ولا نذيرٍ. والآخرُ: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ﴾. يقولُ: لم يكُنْ لِيُهْلِكَهم دونَ التنبيهِ والتذكيرِ بالرسلِ والآياتِ والعبرِ، فيَظْلِمَهم بذلك، واللهُ غيرُ ظلَّامٍ لعبيده. وأولى القولين بالصوابِ عندى القولُ الأولُ؛ أن يكونَ معناه: أن لم يكنْ لِيُهْلِكَهم بشركِهم دونَ إرسالِ الرسلِ إليهم والإعْذارِ بينَه وبينَهم. وذلك أن قولَه: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ﴾. عقيبُ قولِه: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾. فكان في ذلك الدليلُ الواضحُ على أن نَصَّ قولِه: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ﴾. إنما هو: إنما (٢) فَعَلْنَا

стр. 6597

ذلك مِن أَجلِ أَنَّا لا نُهْلِكُ القُرَى بغيرِ تذكيرٍ و (١) تنبيهٍ. وأما قولُه: ﴿ذَلِكَ﴾. فإنه يجوزُ أن يَكونَ نصبًا، بمعنى: فعَلْنا ذلك. ويجوزُ أن يكونَ رفعًا بمعنى الابْتِداءِ، كأنه قال: ذلك كذلك (٢). وأما ﴿أَنْ﴾ فإنها في موضعِ نصبٍ، بمعنى: فعَلْنا ذلك مِن أجلِ أن لم يكنْ ربُّكَ مُهْلِكَ القرى. فإذا حُذِف ما كان يَخْفِضُها، تعلَّق بها الفعلُ فنُصِب. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (٣) (١٣٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولكلِّ عاملٍ فى طاعةِ اللهِ أو معصيتِه، منازلُ ومَراتبُ من عملِه، يُبَلِّغُه اللهُ إياها ويُثيبُه بها، إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وكلُّ ذلك مِن عملِهم يا محمدُ بعلمٍ مِن ربِّك، يُحْصِيها ويُثْبِتُها لهم عندَه؛ ليُجازِيَهم عليها عندَ لقائِهم إياه ومَعادِهم إليه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (١٣٣)﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وربُّك يا محمدُ الذى أمَر عبادَه بما أمَرَهم به، ونهاهم عما نهاهم عنه، وأثابهم على الطاعةِ، وعاقَبَهم على المعصيةِ، الغنىُّ عن عبادِه، الذين أمَرَهم بما أمَر، ونهاهم عما نهَى، وعن أعمالِهم وعبادتِهم إياه، وهم المحتاجون إليه؛

стр. 6598

لأنَّ (١) بيدِه حياتَهم ومماتَهم وأرزَاقَهم وأقواتَهم، ونفعَهم وضَرَّهم، يقولُ عزَّ ذكرُه: فلمْ أَخْلُقْهم يا محمدُ، ولم آمُرْهم بما أمَرْتُهم به، وأَنْهَهم عما نهَيْتُهم عنه، لحاجةٍ لى إليهم، ولا إلى أعمالِهم، ولكن لِأتَفَضَّلَ عليهم برحمتى، وأُثِيبَهم على إحْسانِهم إن أحْسَنوا، فإنى ذو الرَّأفة والرحمةِ. وأما قولُه: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ﴾. فإنه يقولُ: إن يَشَأْ ربُّك يا محمدُ الذى خلَق خلقَه لغيرِ حاجةٍ منه إليهم، وإلى طاعتِهم إياه، ﴿يُذْهِبْكُمْ﴾. يقولُ: يُهْلِكُ خلقَه هؤلاء الذين خلَقَهم مِن ولدِ آدمَ، ﴿وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ﴾. يقولُ: ويَأْتِ بخلقٍ غيرِكم، وأممٍ سِواكم يَخْلُفونكم فى الأرضِ، ﴿مِنْ بَعْدِكُمْ﴾. يعني: من بعدِ فَنائِكم وهلاكِكم، ﴿كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾: كما أحْدَثكم وابْتَدَعكم من بعدِ خلقٍ آخرين كانوا قبلَكم. ومعنى ﴿مِنْ﴾ في هذا الموضعِ التَّعْقيبُ، كما يقالُ في الكلامِ: أَعْطَيْتُكَ مِن دينارِك ثوبًا. بمعنى: مكانَ الدينارِ ثوبًا. لا أن الثوبَ مِن الدينارِ بعضٌ، كذلك الذين خُوطِبوا بقولِه: ﴿كَمَا أَنْشَأَكُمْ﴾. لم يُرِدْ بإخبارِهم هذا الخبرَ أنهم أُنْشِئوا مِن أصلابِ قومٍ آخرين، ولكن معنى ذلك ما ذكَرْنا مِن أَنهم أُنْشِئوا مَكَانَ خَلْقٍ خَلَفَ قومٍ آخرين قد هلَكوا قبلَهم. والذريةُ الفُعْليَّةُ (٢)، مِن قول القائل: ذرَأ اللهُ الخلقَ، بمعنى: خلَقَهم، فهو يَذْرَؤُهم. ثم ترَك الهمزةَ، فقيل: ذرَا اللهُ. ثم أخْرج الفُعليَّةَ (٢) منه (٣) بغيرِ همزٍ على مثالِ العُلِّيَّةِ.

стр. 6599

وقد رُوِى عن بعضِ المتقدِّمين أنه كان يَقْرَأُ: (مِن ذُرِّيَّةِ (١) قومٍ آخَرِين). على مثالِ فِعِّيلة (٢). وعن آخرَ أنه كان يقْرَؤه: (مِن ذَرِيَّةِ). على مثال عَلِيَّة (٣). والقراءةُ التي عليها القرأةُ فى الأمصارِ: ﴿ذُرِّيَّةِ﴾، بضمِّ الذالِ وتشديدِ الياء على مثالِ عُلِّيَّة. وقد بيَّنا اشتقاقَ ذلك فيما مضَى قبلُ بما أغْنَى عن إعادتِه هاهنا (٤). وأصلُ الإنشاءِ الإحْداثُ، يقالُ: قد أَنْشَأ فلانٌ يُحَدِّثُ القومَ. بمعنى: ابْتَدَأَ وأخَذ فيه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (١٣٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه للمشركين به: أيُّها العادِلون باللهِ الأوثانَ والأصنامَ، إن الذى يُوعِدُكم به ربُّكم مِن عقابِه على إصرارِكم على كفرِكم واقعٌ بكم، ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾. يقولُ: لن تُعْجِزوا ربَّكم هربًا منه في الأرضِ فتَفُوتوه؛ لأنكم حيثُ كنتم في قبضتِه، وهو عليكم وعلى عقوبتِكم بمعصيتِكم إياه قادرٌ. يقولُ: فاحْذَرُوه وأَنِيبوا إلى طاعتِه قبلَ نزولِ البلاءِ بكم.

стр. 6600

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لقومِك مِن قريشٍ، الذين يَجْعَلون مع اللهِ إلهًا آخرَ: ﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾. يقولُ: اعْمَلوا على حِيالِكم وناحيتِكم. كما حدَّثني علىُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾. يعنى: على ناحيتِكُم (١). يقالُ منه: هو يَعْمَلُ على مكانتِه ومَكِينتِه. وقرَأ ذلك بعضُ الكوفيين: (على مَكَانَاتِكم) (٢). على جمعِ المكانةِ. والذى عليه قرأةُ الأمصارِ: ﴿عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾. على التوحيدِ. ﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه: قلْ لهم: اعْمَلوا ما أنتم عامِلون، فإني عاملٌ ما أنا عاملُه مما أمَرَنى به ربِّى، ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: فسوف تَعْلَمون عندَ نزول نِقْمةِ اللهِ بكم، أيُّنا كان المحقَّ فى عملِه، والمصيبَ سبيلَ الرشادِ، أنا أم أنتم؟ وقولُه تعالى ذكرُه لنبيِّه: قلْ لقومِك: ﴿يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾. أمرٌ منه له بوَعيدِهم وتهديدِهم، لا إطلاقٌ لهم فى عملِ ما أرادوا مِن معاصِى اللهِ.

стр. 6601

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (١٣٥)﴾. يعنى بقوله جلَّ ثناؤُه: ﴿مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾: فسوف تَعْلَمون أيُّها الكفرةُ باللهِ عندَ مُعاينتِكم العذابَ، مَن الذى تكونُ له عاقبةُ الدارِ منا ومنكم. يقولُ: مَن الذى تُعْقِبُه (١) دنياه ما هو خيرٌ له منها (٢) أو شرٌّ منها (٣)، بما قدَّم فيها مِن صالحِ أعمالِه أو سيِّئِها. ثم ابْتَدَأَ الخبرَ جلَّ ثناؤُه فقال: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾. يقولُ: إنه لا يُنْجِحُ ولا يَفوزُ بحاجتِه عندَ اللهِ مَن عمِل بخلافِ ما أمَرَه اللهُ به مِن العملِ في الدنيا. وذلك معنى ظلمِ الظالمِ فى هذا الموضعِ. وفى ﴿مَنْ﴾ التى فى قولِه: ﴿مَنْ تَكُونُ لَهُ﴾. وجْهانِ مِن الإعرابِ؛ الرفعُ على الابتداءِ، والنصبُ بقولِه: ﴿تَعْلَمُونَ﴾. لإعمال العلمِ فيه. والرفعُ فيه أجودُ؛ لأن معناه: فسوف تَعْلَمون أيُّنا له عاقبةُ الدارِ؟ فالابتداءُ في ﴿مَنْ﴾ أصحُّ وأفصحُ مِن إعمالِ العلمِ فيه. القولُ في تأويلِ قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (١٣٦)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وجعَل هؤلاء العادلون بربِّهم الأوثانَ والأصنامَ لربِّهم مما ذَرَأ

стр. 6602

خالقُهم. يعنى: مما خلَق مِن الحرثِ والأنعامِ. يقالُ منه: ذرَأ اللهُ الخلقَ يَذْرَؤُهم ذَرْءًا وذَرْوًا، إذا خلَقهم. ﴿نَصِيبًا﴾. يعنى: قِسمًا وجزءًا. ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى صفةِ النصيبِ الذى جعَلوا للهِ، والذى جعَلوه لشركائِهم مِن الأوثانِ والشيطانِ؛ فقال بعضُهم: كان ذلك جزءًا من حُروثِهم وأنعامِهم، يُفْرِزونه (١) لهذا، وجزءًا آخرَ لهذا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بن حبيبِ بنِ الشهيدِ، قال: ثنا عَتَّابُ بنُ بشيرٍ، عن خُصَيفٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية. قال: كانوا إذا أدْخَلوا الطعامَ فجعلوه حُزَمًا، جَعَلوا منها للهِ سهمًا، وسهمًا لآلهتِهم، وكان إذا هبَّت الريحُ مِن نحوِ الذى جعَلوه لآلهتِهم إلى الذى جعَلوه للهِ، ردُّوه إلى الذى جعَلوه لآلهتِهم، وإذا هبَّت الريحُ مِن نحوِ الذى جعَلوه للهِ إلى الذى جعَلوه لآلهتِهم، أقَرُّوه ولم يَرُدُّوه، فذلك قولُه: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾. حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾. قال: جعَلوا للهِ مِن ثمَراتِهم ومالِهم نصيبًا، وللشيطانِ والأوثانِ نصيبًا، فإن سقَط مِن ثمرةِ ما جعَلوا للهِ في نصيبِ الشيطانِ ترَكُوه، وإن سقَط مما جعَلوه للشيطانِ في نصيبِ اللهِ التقَطُوه

стр. 6603

وحفِظُوه، وردُّوه إلى نصيبِ الشيطانِ، وإن انْفَجَر مِن سِقْي (١) ما جعَلوه للهِ في نصيبِ الشيطانِ تركوه، وإن انْفَجَر من سِقْي ما جعَلوه للشيطانِ في نصيبِ اللهِ سدُّوه، فهذا ما جعَلوا مِن الحروثِ وسِقْيِ الماءِ، وأمَّا ما جعَلوا للشيطانِ مِن الأنعامِ، فهو قولُ اللهِ: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ (٢) [المائدة: ١٠٣]. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ﴾ الآية: وذلك أن أعداءَ اللهِ كانوا إذا احْتَرثُوا حَرْثًا، أو كانت لهم ثمرةٌ، جعلوا للهِ منها جزءًا، وللوَثَنِ جزءًا، فما كان مِن حرثٍ أو ثمرةٍ أو شيءٍ مِن نصيبِ الأوثانِ حفِظوه وأحْصَوْه، فإن سقَط منه شيءٌ فيما سُمِّى لله ردُّوه إلى ما جعَلوا للوثَنِ، وإن سبَقَهم الماءُ إلى الذي جعَلوه للوثَنِ فسقَى شيئًا جعَلوه للهِ، جعَلوا ذلك للوثَنِ، وإن سقَطَ شيءٌ مِن الحَرْثِ والثمرةِ التى جعَلوا [لله فاخْتَلَط بالذى جعَلوا] (٣) للوثَنِ، قالوا: هذا فقيرٌ. ولم يَرُدُّوه إلى ما جعَلوا للهِ، وإن سبَقَهم الماءُ الذي جعَلوا للهِ فسقَى ما سُمِّى للوثَنِ، ترَكُوه للوثَنِ، وكانوا يُحَرِّمون من أنعامِهم البَحيرةَ والسائبةَ والوَصيلَة والحامَ، فيَجْعَلونه للأوثان، ويَزْعُمون أنهم يُحَرِّمونه للهِ، فقال اللهُ فى ذلك: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ الآية (٤). حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ

стр. 6604

نَصِيبًا﴾. قال: يُسَمُّون للهِ جزءًا مِن الحرثِ، ولشركائِهم وأوثانِهم جزءًا، فما ذهَبَ (١) به الريحُ مما سمَّوْا للهِ إلى جزءِ أوثانِهم ترَكوه، وما ذهَب من جزءِ أوثانِهم إلى جزءِ الله ردُّوه، وقالوا: اللهُ عن هذا غنىٌّ. والأنعامُ السائبةُ والبَحيرةُ التي سَمَّوْا (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ الآية: عمَد ناسٌ مِن أهلِ الضَّلالة فجزَّءوا مِن حروثِهم ومَواشِيهم جزءًا للهِ وجزءًا لشُركائِهم، وكانوا إذا خالطَ شيءٌ مما جزَّءوا للهِ فيما جزَّءوا لشركائِهم خلَّوْه، فإذا خالَط شيءٌ مما جزَّءوا لشركائهم فيما جزَّءوا لله ردُّوه على شركائِهم، وكانوا إذا أصابتْهم السَّنَةُ اسْتَعانوا بما جزَّءوا للهِ، وأقَرُّوا ما جزَّءوا لشركائِهم، قال الله: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾. قال: كانوا يُجَزِّئون مِن أموالِهم شيئًا فيقولون: هذا للهِ، وهذا للأصنامِ التي يَعْبُدون. فإن ذهَب بعيرٌ (٣) مما جعَلوا لشركائِهم فخالَط ما جعلوا للهِ ردُّوه، وإن ذهَب مما جعَلوه للهِ فخالَط شيئًا مما جعَلوه لشركائِهم ترَكوه، وإن أصابتْهم سَنَةٌ أَكَلوا ما جعَلُوا للهِ، وترَكوا ما جعَلوا لشركائِهم، فقال اللهُ: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (٤).

стр. 6605

حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ إلى: ﴿يَحْكُمُونَ﴾. قال: كانوا يَقْسِمون مِن أموالِهم قِسْمًا فَيَجْعَلُونه للهِ، ويَزْرَعون زَرْعًا فَيَجْعَلُونه للهِ، ويَجْعَلون لآلهتِهم مثلَ ذلك، فما خرَج للآلهةِ أنْفَقُوه عليها (١)، وما خرَج للهِ تصَدَّقوا به، فإذا هلَك الذي يَصْنَعون لشركائِهم وكثُر الذى للهِ، قالوا: ليس بُدٌّ لآلهتِنا مِن نفقةٍ. وأخَذوا الذى للهِ فأَنْفَقوه على آلهتِهم، وإذا أجْدَب الذى للهِ وكثُر الذى لآلهتِهم، قالوا: لو شاء أَزْكَى الذى له. فلا يَرُدُّون عليه شيئًا مما للآلهة. قال اللهُ: لو كانوا صادقين فيما قسَموا، لَبئسَ إذن ما حكَموا أن يَأْخُذوا منِّى ولا يُعْطُونى. فذلك حينَ يقولُ: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (٢). وقال آخرون: النصيبُ الذى كانوا يَجْعَلُونه للهِ فكان يَصِلُ منه (٣) إلى شركائِهم، أنهم كانوا لا يَأْكُلون ما ذبَحوا لله حتى يُسَمُّوا الآلهة (٤)، وكانوا ما ذبَحوه للآلهة يَأْكُلونه، ولا يُسَمُّون اللهَ عليه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ حتى بلَغ: ﴿وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ﴾. قال: كلُّ شيءٍ جَعَلوه للهِ مِن ذِبْحٍ يَذْبَحونه، لا يَأْكُلونه أبدًا حتى يَذْكُروا معه أسماءَ الآلهة، وما كان للآلهةِ لم يَذْكُروا اسم اللهِ معه. وقرَأ الآية حتى بلَغ: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (٥).

стр. 6606

وأوْلى التأويلين بالآية ما قال ابنُ عباسٍ ومَن قال بمثل قوله في ذلك؛ لأن اللهَ جلَّ ثناؤُه أخْبَر أنهم جعلوا لله من حرثِهم وأنعامهم قِسْمًا مُقَدَّرًا، فقالوا: ﴿هَذَا لِلَّهِ﴾. وجعَلوا مثلَه لشركائهم، وهم أوثانُهم، بإجماعٍ من أهلِ التأويلِ عليه، فقالوا: ﴿وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾. وأن نَصيبَ شركائِهم لا يَصِلُ منه إلى اللهِ، بمعنى: لا يَصِلُ إلى نصيب اللهِ، وما كان للهِ وصَل إلى نصيبِ شركائِهم. فلو كان وصولُ ذلك بالتسميةِ وترك التسميةِ، كان أعيانُ ما أَخْبَر الله عنه أنه لم يَصِلْ، جائزًا أن تكونَ قد وصَلَت، وما أخْبَر عنه أنه قد وصَل، لم يَصِل، وذلك خلافُ ما دلَّ عليه ظاهرُ الكلام؛ لأن الذَّبيحتَيْن تُذْبَحُ إحداهما للهِ والأُخرى للآلهةِ، جائزٌ أن تَكونَ لحومُهما قد اخْتَلَطَت وخلَطوهما (١)، إذ كان المكروهُ كان (٢) عندَهم تسميةَ اللهِ على ما كان مذبوحًا للآلهةِ، دونَ اختلاطِ الأعْيانِ واتصالِ بعضِها ببعضٍ. وأما قولُه: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾. فإنه خبرٌ من الله جلَّ ثناؤُه عن فعلِ هؤلاء المشركين الذين وصَف صفتَهم. يقولُ جلَّ ثناؤُه: قد أساءوا في حكمِهم، إذ أخَذوا من نصيبى لشركائِهم، ولم يُعْطُونى من نصيبِ شركائِهم. وإنما عنَى بذلك تعالى ذكرُه الخبرَ عن جهلِهم وضلالتِهم، وذهابِهم عن سبيل الحقِّ، بأنهم لم يَرْضَوْا أن عدَلُوا بمن خلَقَهم وغذَاهم وأنْعَم عليهم بالنعمِ التي لا تُحْصَى، ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم، حتى فضَّلوه في أقسامِهم عند أنفسِهم بالقَسْمِ عليه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١٣٧)﴾.

стр. 6607

يقولُ تعالى ذكرُه: وكما زيَّن شركاءُ هؤلاء العادلين بربِّهم الأوثانَ والأصنامَ لهم ما زُيِّن (١) لهم؛ مِن تَصْييرِهم لربِّهم مِن أموالِهم قَسْمًا بزعمِهم، وترْكِهم ما وصَل من القَسْم الذى جعَلوه لله إلى قَسْمِ شركائِهم في قَسمِهم، وردِّهم ما وصَل مِن القَسمِ الذى جعَلوه لشركائِهم إلى قَسمِ نصيبِ الله، إلى قَسمِ شركائِهم، ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ مِن الشياطينِ، فحسَّنوا (٢) لهم وأْدَ البناتِ؛ ﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾. يقولُ: ليُهْلِكوهم، ﴿وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾: فعَلوا ذلك بهم ليَخْلِطوا عليهم دينَهم فيَلْتَبِسَ، فيَضِلُّوا ويَهْلِكُوا بفعلِهم ما حرَّم اللهُ عليهم، ولو شاء اللهُ أَلا يَفْعَلُوا ما كانوا يَفْعَلون مِن قتلِهم لم يَفْعَلوه، بأن كان يَهْدِيهم للحقِّ، ويُوَفِّقُهم للسَّدادِ، فكانوا لا يَقْتُلُونهم، ولكنَّ اللهَ خذَلَهم عن الرَّشادِ، فقتَلوا أولادَهم، وأطاعوا الشياطينَ التي أغْوَتْهم. يقولُ الله لنبيِّه مُتَوَعِّدًا لهم على عظيمِ فِرْيتِهم على ربِّهم فيما كانوا يقولون في الأنْصِباءِ التي يَقْسِمونها: هذا للهِ وهذا لشركائِهم. وفي قتلِهم أولادَهم: ذَرْهم يا محمدُ، ﴿وَمَا يَفْتَرُونَ﴾: وما يَتَقَوَّلون علىَّ مِن الكذبِ والنُّورِ؛ فإني لهم بالمِرْصادِ، ومِن وراءِ العذابِ والعقابِ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني مُعاويةُ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ

стр. 6608

أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ﴾: زيَّنوا لهم مِن قتلِ أولادِهم (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾: شياطينُهم يَأْمُرونهم أن يَئِدوا أولادَهم خِيفةَ العَيْلةِ (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه. حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ﴾ الآية. قال: شركاؤُهم زيَّنوا لهم ذلك، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ (٣). حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرنا ابنُ وهبٍ قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾. قال: شياطينُهم التى عبَدوها زيَّنوا لهم قتلَ أولادِهم. حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ﴾: أَمَرَتْهم الشياطينُ أن يَقْتُلُوا البناتِ، وأمَّا:

стр. 6609

﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾: فيُهْلِكوهم، وأمَّا: ﴿وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾: فيَخْلِطوا عليهم دينهم (١). واخْتَلَفَت القرأةُ فى قراءةِ ذلك، فقرَأَته قرأةُ الحجازِ والعراقِ: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ﴾ بفتحِ الزايِ من ﴿زَيَّنَ﴾، ﴿لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ﴾. بنصبِ "القتلِ"، ﴿شُرَكَاؤُهُمْ﴾. بالرفعِ، بمعنى أن شركاءَ هؤلاء المشركين الذين زيَّنوا لهم قتلَ أولادِهم. فيَرْفَعون "الشركاء" بفعلِهم، ويَنْصِبون "القتلَ"، لأنه مفعولٌ به. وقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ أهلِ الشامِ: (وكذلك زُيِّن) بضمِّ الزايِ (لكثير من المشركين قتلُ) بالرفعِ (أولادَهم) بالنصبِ، (شركائِهم) بالخفضِ (٢)، بمعنى: وكذلك زُيِّن لكثيرٍ مِن المشركين قتلُ شركائِهم أولادَهم. ففرَّقوا بينَ الخافضِ والمخفوضِ بما عمِل فيه مِن (٣) الاسم. وذلك في كلامِ العربِ قبيحٌ غيرُ فَصيحٍ. وقد رُوِى عن بعض أهلِ الحجازِ بيتٌ من الشعرِ يُؤيِّدُ قراءةَ مَن قرَأ بما ذكَرْتُ مِن قراءةِ أهلِ الشامِ، رأيتُ رُواةَ الشعرِ وأَهلَ العلمِ بالعربيةِ مِن أهلِ العراقِ يُنْكِرونه، وذلك قولُ قائلِهم (٤): فزجَجتُه (٥) مُتَمَكِّنًا … زَجَّ القَلُوصَ (٦) أبي مَزَادَهْ

стр. 6610

والقراءةُ التى لا أَسْتَجِيزُ غيرَها: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾. بفتح الزايِ مِن ﴿زَيَّنَ﴾، ونصبِ "القتل" بوقوعِ ﴿زَيَّنَ﴾ عليه، وخفضِ ﴿أَوْلَادِهِمْ﴾ بإضافة "القتلِ" إليهم، ورفعِ (شركاءَ) بفعلِهم؛ لأنهم هم الذين زيَّنوا للمشركين قتلَ أولادِهم، على ما ذكرْتُ مِن التأويل. وإنما قلتُ: لا أَسْتَجيزُ القراءة بغيرها؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليه، وأن تأويلَ أهلِ التأويلِ بذلك ورَد، ففى ذلك أوضحُ البيانِ على فسادِ ما خالَفَها مِن القراءةِ (١). ولولا أن تأويلَ جميعِ أهلِ التأويلِ بذلك ورَد، ثم قرَأ قارئٌ: (وكذلك زُيِّن لكثيرٍ من المشركين قتلُ أولادِهم شركائِهم). بضمِّ الزايِ مِن "زُيِّن"، ورفعِ "القتلِ" وخفضِ "الأولادِ" و "الشركاءِ"، على أن "الشركاءَ" مَخْفوضون بالردِّ على "الأولاد"، بأن الأولادَ شركاءُ آبائِهم فى النَّسبِ والميراثِ -كان جائزًا. ولو قرَأه كذلك قارئٌ، غيرَ أنه رفَع "الشركاءَ" وخفَض "الأولادَ"، كما يقالُ: ضُرِب عبدُ اللهِ أخوك، فيَظْهَرُ الفاعلُ بعدَ أن جرَى الخبرُ بما لم يُسمَّ فاعلُه - كان ذلك صحيحًا في العربية جائزًا. القولُ في تأويلِ قوله: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ﴾.

стр. 6611

وهذا خبرٌ مِن الله تعالى ذكرُه عن هؤلاء الجَهَلةِ مِن المشركين أنهم كانوا يُحَرِّمون ويُحَلِّلون مِن قِبَلِ أنفسهم، من غير أن يَكونَ اللهُ أَذِن لهم بشيءٍ مِن ذلك. يقولُ تعالى ذكرُه: وقال هؤلاء العادلون بربِّهم مِن المشركين جهلًا منهم، لأنعامٍ لهم وحَرْثٍ: هذه أنعامٌ وهذا حَرْثٌ حِجْرٌ. يعنى بالأنعامِ والحرثِ ما كانوا جعلوه للهِ ولآلهتِهم التي قد مضَى ذكرُها في الآية قبل هذه. وقيل: إن الأنعامَ؛ السائبةُ والوَصيلةُ والبَحيرةُ التي سمَّوْا. حدَّثني بذلك محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: الأنعامُ؛ السائبةُ والبحيرةُ التى سمَّوْا (١). والحِجْرُ (٢) في كلام العرب الحرامُ (٣)، يقالُ: حَجَرْتُ على فلانٍ كذا. أىْ: حرَّمْتُ عليه، ومنه قولُ اللهِ: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [سورة الفرقان: ٢٢]. ومنه قولُ المُتَلَمِّسِ (٤): حنَّت إلى النخلةِ القُصْوَى فقلتُ لها … حِجْرٌ حَرامٌ أَلا ثَمَّ الدَّهارِيسُ (٥) وقولُ رُؤْبةَ (٦): وجارَةُ البيتِ لها حُجْرِىُّ يعنى المُحَرَّمَ. ومنه قولُ الآخر (٧):

стр. 6612

فبِتُّ مُرْتَفِقًا والعينُ ساهرةٌ … كأنَّ نومى علىَّ الليلَ مَحْجُورُ أي: حرامٌ. يُقالُ: حِجْرٌ وحُجْرٌ. بكسرِ الحاءِ وضمِّها، وبضمِّها كان يَقْرَأُ، فيما ذُكِر؛ الحسنُ (١) وقتادةُ. حدَّثني عبدُ الوارثِ بنُ عبدِ الصمدِ، قال: ثني أبي (٢)، قال: ثني أبي، عن الحسين، عن قتادةَ أنه كان يَقْرَؤُها: (وحَرْثٌ حُجْرٌ). يقولُ: حرامٌ. مضمومة الحاءِ (٣). وأما القرأةُ مِن الحجازِ والعراقِ والشامِ بعدُ (٤) فعلى كسرِها، وهي القراءةُ التي لا أَسْتَجِيزُ خلافَها؛ لإجماعِ الحُجَّةِ مِن القَرأةِ عليها، وأنها اللغةُ الجُودَى (٥) من لغاتِ العربِ. ورُوى عن ابنِ عباسٍ أنه كان يَقْرَؤُها: (وحَرْثٌ حِرْجٌ). بالراءِ قبل الجيمِ (٦). حدَّثني بذلك الحارثُ، قال: ثنى عبدُ العزيزِ، قال: ثنا ابنُ عُيينةَ، عن عمرٍو، عن ابنِ عباسٍ أنه كان يَقْرَؤُها كذلك (٧). وهي لغةٌ ثالثةٌ معناها ومعنى الحِجْرِ واحدٌ، وهذا كما قالوا: جذَب وجبَذ،

стр. 6613

وناءَ ونأَى. ففى "الحِجْرِ" إذن لغاتٌ ثلاثٌ؛ حِجْرٌ بكسرِ الحاءِ، والجيمُ قبل الراءِ، وحُجْرٌ بضمِّ الحاء، والجيمُ قبل الراءِ، وحِرْجٌ بكسرِ الحاءِ، والراءُ قبلَ الجيمِ. وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ "الحِجْرِ" قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى عِمْرانُ بنُ موسى القَزَّازُ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، عن حميدٍ، عن مجاهدٍ وأبي عمرٍو: ﴿وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾. يقولُ: حرامٌ. حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن علىِّ بن أبى طلحة، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾: فالحجرُ ما حرَّموا من الوَصيلةِ، وتحريمُ ما حرَّموا (١). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾. قال: حرامٌ (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ الآية: تحريمٌ كان عليهم من الشياطينِ في أموالِهم، وتغليظٌ وتشديدٌ، وكان ذلك مِن الشياطينِ ولم يَكُنْ مِن اللهِ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن

стр. 6614

السدىِّ: أما قولُه: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾. فيقولون: حرامٌ أن نُطْعِمَ إلا مَن شِئْنا (١). حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾: نَحْتَجِرُها على مَن نُرِيدُ وعمَّن لا نُرِيدُ، ﴿لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ﴾. قال: إنما احْتَجَروا ذلك لآلهتِهم، وقالوا: لا يَطْعَمُها إلا مَن نَشاءُ بزعمِهم. قالوا: نَحْتَجِرُها عن النساءِ ونَجْعَلُها للرجال (٢). حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾: أَمَّا ﴿حِجْرٌ﴾. يقولُ: محرَّمٌ. وذلك أنهم كانوا يَصْنَعون في الجاهليةِ أشياءَ لم يَأْمُرِ اللهُ بها، كانو يُحرِّمون مِن أنعامِهم أشياءَ لا يَأْكُلونها، ويَعْزِلون مِن حَرْثِهم شيئًا معلومًا لآلهتهم، ويقولون: لا يَحِلُّ لنا ما سمَّيْنا لآلهتنا. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾: ما جعَلوه للهِ ولشركائِهم. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٣). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨)﴾.

стр. 6615

يقولُ تعالى ذكرُه: وحرَّم هؤلاء الجَهَلةُ مِن المشركين ظهورَ بعضِ أنعامِهم، فلا يَرْكَبون ظهورَها، وهم يَنْتَفِعون برِسْلِها (١) ونِتَاجِها (٢) وسائرِ الأشياءِ منها، غيرَ ظهورِها للركوبِ، وحرَّموا مِن أنعامِهم أنعامًا أُخَرَ، فلا يَحُجُّون عليها، ولا يَذْكُرون اسمَ اللهِ عليها إن ركِبوها بحالٍ، ولا إن حلَبوها، ولا إن حمَلوا عليها. وبما قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عياشٍ، عن عاصمٍ، قال: قال لى أبو وائلٍ: أَتَدْرِى ما ﴿أَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾؟ قال: قلتُ: لا. قال: أنعامٌ لا يَحُجُّون عليها (٣). حدَّثنا محمدُ بن عبَّادِ بنِ موسى، قال: ثنا شاذانُ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عياشٍ، عن عاصمٍ، قال: قال لى أبو وائلٍ: أتَدْرِى ما قولُه: ﴿حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾؟ قال: قلتُ: لا. قال: هي البَحيرةُ، كانوا لا يَحُجُّون عليها. حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرٍو البَصْرِيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ سعيدٍ الشَّهيدُ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عياشٍ، عن عاصمٍ، عن أبي وائلٍ: ﴿وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾. قال: لا يَحُجُّون عليها. حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن

стр. 6616

السدىِّ: أما: ﴿أَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا﴾. فهى البَحيرةُ والسائبةُ والحامُ، وأما: "الأنعامُ التي لا يذكرون اسمَ اللهِ عليها"، قال: إذا ولَّدوها، ولا إن نحَروها (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾. قال: كان من إبلِهم طائفةٌ لا يَذْكُرون اسمَ اللهِ عليها، ولا في شيءٍ من شأنِها، لا (٢) إن ركِبوها، ولا إن حلَبوا، ولا إن حمَلوا، ولا إن منَحوا، ولا إن عمِلوا شيئًا (٣). حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا﴾. قال: لا يَرْكَبُها أحدٌ، ﴿وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ (٤). وأما قولُه: ﴿افْتِرَاءً عَلَيْهِ﴾. فإنه يقولُ: فعَل هؤلاء المشركون ما فعَلوا، مِن تحريمِهم ما حرَّموا، وقالوا ما قالوا من ذلك، كذبًا على اللهِ، وتَخَرُّصًا للباطلِ (٥) عليه؛ لأنهم أضافوا ما كانوا يُحَرِّمون من ذلك على ما وصَفَه عنهم جلَّ ثناؤُه في كتابِه، إلى أن اللهَ هو الذي حرَّمه، فنفَى اللهُ ذلك نفسِه وأكْذَبَهم، وأَخْبَر (٦) نبيَّه والمؤمنين أنهم كَذَبَةٌ فيما يدَّعُون (٧)، ثم قال عزَّ ذكرُه: ﴿سَيَجْزِيهِمْ﴾. يقولُ: سيُثِيبُهم ربُّهم بما كانوا يَفْتَرون على اللهِ الكذبَ ثوابَهم، ويَجْزِيهم بذلك جزاءَهم.

стр. 6617

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى المعنىِّ بقولِه: ﴿مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِى بذلك اللَّبنُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ عطيةَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ اللهِ بن أبى الهُذَيْلِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا﴾. قال: اللبنُ (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن ابن أبي الهُذَيْلِ، عن ابنِ عباسٍ مثله. حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾: ألبانُ البَحائرِ كانت للذكورِ دونَ النساءِ، وإن كانت ميتةً اشْتَرَك فيها ذكورُهم وإناثُهم. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾. قال: ما في بطون البَحائرِ، يعنى ألبانَها، كانوا يَجْعَلونه للرجالِ دونَ النساءِ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عيسى بنُ يونُسَ، عن زكريا، عن

стр. 6618

عامرٍ، قال: البحيرةُ لا يَأْكُلُ مِن لبنِها إلا الرجالُ، وإن مات منها شيءٌ أكَله الرجالُ والنساءُ (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا﴾ الآية: فهو اللبنُ كانوا يُحَرِّمونه على إناثِهم، ويَشْرَبُه ذُكْرانُهم، وكانت الشاةُ إذا ولَدَت ذكرًا ذبَحوه، وكان للرجالِ دونَ النساءِ، وإن كانت أنثى تُرِكَت (٢) فلم تُذْبَحْ، وإن كانت ميتةً فهم فيه شُركاءُ، فنهى اللهُ ذلك (٣). وقال آخرون: بل عُنِى بذلك ما في بطونِ البَحائرِ والسَّوائبِ مِن الأَجِنَّةِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾: فهذه الأنعامُ، ما وُلِد منها مِن (٤) حىٍّ فهو خالصٌ للرجالِ دونَ النساءِ، وأما ما وُلِد مِن ميتٍ فيَأْكُلُه الرجالُ والنساءُ (٥). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا﴾: السائبةُ والبَحيرةُ.

стр. 6619

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (١). وأولى الأقوالِ في تأويلِ ذلك بالصوابِ أن يُقالَ: إن اللهَ تعالى ذكرُه أَخْبَر عن هؤلاء الكفَرةِ أنهم قالوا فى أنعامٍ بأعيانِها: ما فى بطونِ هذه الأنعامِ خالصةٌ لذكورِنا دونَ إناثِنا. واللبنُ مما فى بطونِها، وكذلك أجِنَّتُها، ولم يُخَصِّص اللهُ بالخبرِ عنهم أنهم قالوا: بعضُ ذلك حرامٌ عليهن دونَ بعضٍ. وإذ كان ذلك كذلك، فالواجبُ أن يُقالَ: إنهم قالوا: ما في بطونِ تلك الأنعامِ من لبنٍ وجَنينٍ حِلٌّ لذكورِهم، خالصةٌ دونَ إناثِهم. وإنهم كانوا يُؤْثِرون بذلكَ رجالَهم، إلا أن يكونَ الذى فى بطونِها من الأجِنَّةِ ميتًا، فيَشْتَرِكَ حينَئِذٍ في أكلِه الرجالُ والنساءُ. واخْتَلَف أهلُ العربيةِ فى المعنى الذى مِن أجلِه أُنِّثَت "الخالصةُ"؛ فقال بعضُ نحويى البصرة وبعضُ الكوفيين: أُنِّثَت لتحقيقِ الخُلُوصِ، كأنه لما حقَّق لهم الخُلُوصَ أَشْبَه الكثرةَ، فجرَى مَجْرَى راويةٍ ونَسَّابةٍ. وقال بعضُ نحويى الكوفة (٢): أُنِّثَت لتأنيثِ الأنعامِ؛ لأن ما في بطونِها مثلُها، فأُنِّثَ لتأنيثِها، ومَن ذكَّره فلتذكيرِ (ما). قال: وهي في قراءةِ عبدِ اللهِ: (خالِصٌ) (٣). قال: وقد تَكونُ "الخالصةُ" فى تأنيثِها مصدرًا، كما تقولُ: العافيةُ والعاقبةُ. وهو مثلُ قولِه: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ [سورة ص: ٤٦]. والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى أن يُقالَ: أُرِيد بذلك المبالغةُ فى خُلوصِ ما

стр. 6620

في بطونِ الأنعامِ التي كانوا حرَّموا ما في بطونِها على أزواجِهم، لذكورِهم دونَ إناثِهم، كما فُعِل ذلك بالراويةِ والنَّسَّابةِ والعلَّامةِ، إذا أُريد بها المبالغةُ في وصفِ مَن كان ذلك مِن صفتِه، كما يُقالُ: فلانٌ خالصةُ فلانٍ وخُلْصانُه. وأما قولُه: ﴿وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾. فإن أهلَ التأويلِ اخْتَلَفوا في المعنىِّ بالأزواجِ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بها النساءُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾. قال: النساءُ (١). وقال آخرون: بل عُنِى بالأزواجِ البناتُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾. قال: الأزواجُ البناتُ، وقالوا: ليس للبناتِ منه شيءٌ (٢). والصوابُ مِن القولِ فى ذلك أن يُقالَ: إِن اللهَ أَخْبَر عن هؤلاء المشركين أنهم كانوا يقولون لِما في بطونِ هذه الأنعامِ، يعنى أنعامَهم: هذا محرمٌ على أزواجنا. والأزواجُ إنما هى نساؤُهم فى كلامِهم، وهن لا شكَّ بناتُ مَن من أولادُه، وحَلائلُ مَن هن أزواجُه. وفى قولِ اللهِ : ﴿وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾. الدليلُ الواضحُ على أن تأنيثَ "الخالصةِ" كان لِما وصَفْتُ مِن المبالغةِ فى وصفِ ما فى بطونِ الأنعامِ
следующие страницы →