← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 6616–6655 · переход к 6621.

стр. 6616

السدىِّ: أما: ﴿أَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا﴾. فهى البَحيرةُ والسائبةُ والحامُ، وأما: "الأنعامُ التي لا يذكرون اسمَ اللهِ عليها"، قال: إذا ولَّدوها، ولا إن نحَروها (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾. قال: كان من إبلِهم طائفةٌ لا يَذْكُرون اسمَ اللهِ عليها، ولا في شيءٍ من شأنِها، لا (٢) إن ركِبوها، ولا إن حلَبوا، ولا إن حمَلوا، ولا إن منَحوا، ولا إن عمِلوا شيئًا (٣). حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا﴾. قال: لا يَرْكَبُها أحدٌ، ﴿وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ (٤). وأما قولُه: ﴿افْتِرَاءً عَلَيْهِ﴾. فإنه يقولُ: فعَل هؤلاء المشركون ما فعَلوا، مِن تحريمِهم ما حرَّموا، وقالوا ما قالوا من ذلك، كذبًا على اللهِ، وتَخَرُّصًا للباطلِ (٥) عليه؛ لأنهم أضافوا ما كانوا يُحَرِّمون من ذلك على ما وصَفَه عنهم جلَّ ثناؤُه في كتابِه، إلى أن اللهَ هو الذي حرَّمه، فنفَى اللهُ ذلك نفسِه وأكْذَبَهم، وأَخْبَر (٦) نبيَّه والمؤمنين أنهم كَذَبَةٌ فيما يدَّعُون (٧)، ثم قال عزَّ ذكرُه: ﴿سَيَجْزِيهِمْ﴾. يقولُ: سيُثِيبُهم ربُّهم بما كانوا يَفْتَرون على اللهِ الكذبَ ثوابَهم، ويَجْزِيهم بذلك جزاءَهم.

стр. 6617

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى المعنىِّ بقولِه: ﴿مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِى بذلك اللَّبنُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ عطيةَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ اللهِ بن أبى الهُذَيْلِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا﴾. قال: اللبنُ (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن ابن أبي الهُذَيْلِ، عن ابنِ عباسٍ مثله. حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾: ألبانُ البَحائرِ كانت للذكورِ دونَ النساءِ، وإن كانت ميتةً اشْتَرَك فيها ذكورُهم وإناثُهم. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾. قال: ما في بطون البَحائرِ، يعنى ألبانَها، كانوا يَجْعَلونه للرجالِ دونَ النساءِ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عيسى بنُ يونُسَ، عن زكريا، عن

стр. 6618

عامرٍ، قال: البحيرةُ لا يَأْكُلُ مِن لبنِها إلا الرجالُ، وإن مات منها شيءٌ أكَله الرجالُ والنساءُ (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا﴾ الآية: فهو اللبنُ كانوا يُحَرِّمونه على إناثِهم، ويَشْرَبُه ذُكْرانُهم، وكانت الشاةُ إذا ولَدَت ذكرًا ذبَحوه، وكان للرجالِ دونَ النساءِ، وإن كانت أنثى تُرِكَت (٢) فلم تُذْبَحْ، وإن كانت ميتةً فهم فيه شُركاءُ، فنهى اللهُ ذلك (٣). وقال آخرون: بل عُنِى بذلك ما في بطونِ البَحائرِ والسَّوائبِ مِن الأَجِنَّةِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾: فهذه الأنعامُ، ما وُلِد منها مِن (٤) حىٍّ فهو خالصٌ للرجالِ دونَ النساءِ، وأما ما وُلِد مِن ميتٍ فيَأْكُلُه الرجالُ والنساءُ (٥). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا﴾: السائبةُ والبَحيرةُ.

стр. 6619

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (١). وأولى الأقوالِ في تأويلِ ذلك بالصوابِ أن يُقالَ: إن اللهَ تعالى ذكرُه أَخْبَر عن هؤلاء الكفَرةِ أنهم قالوا فى أنعامٍ بأعيانِها: ما فى بطونِ هذه الأنعامِ خالصةٌ لذكورِنا دونَ إناثِنا. واللبنُ مما فى بطونِها، وكذلك أجِنَّتُها، ولم يُخَصِّص اللهُ بالخبرِ عنهم أنهم قالوا: بعضُ ذلك حرامٌ عليهن دونَ بعضٍ. وإذ كان ذلك كذلك، فالواجبُ أن يُقالَ: إنهم قالوا: ما في بطونِ تلك الأنعامِ من لبنٍ وجَنينٍ حِلٌّ لذكورِهم، خالصةٌ دونَ إناثِهم. وإنهم كانوا يُؤْثِرون بذلكَ رجالَهم، إلا أن يكونَ الذى فى بطونِها من الأجِنَّةِ ميتًا، فيَشْتَرِكَ حينَئِذٍ في أكلِه الرجالُ والنساءُ. واخْتَلَف أهلُ العربيةِ فى المعنى الذى مِن أجلِه أُنِّثَت "الخالصةُ"؛ فقال بعضُ نحويى البصرة وبعضُ الكوفيين: أُنِّثَت لتحقيقِ الخُلُوصِ، كأنه لما حقَّق لهم الخُلُوصَ أَشْبَه الكثرةَ، فجرَى مَجْرَى راويةٍ ونَسَّابةٍ. وقال بعضُ نحويى الكوفة (٢): أُنِّثَت لتأنيثِ الأنعامِ؛ لأن ما في بطونِها مثلُها، فأُنِّثَ لتأنيثِها، ومَن ذكَّره فلتذكيرِ (ما). قال: وهي في قراءةِ عبدِ اللهِ: (خالِصٌ) (٣). قال: وقد تَكونُ "الخالصةُ" فى تأنيثِها مصدرًا، كما تقولُ: العافيةُ والعاقبةُ. وهو مثلُ قولِه: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ [سورة ص: ٤٦]. والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى أن يُقالَ: أُرِيد بذلك المبالغةُ فى خُلوصِ ما

стр. 6620

في بطونِ الأنعامِ التي كانوا حرَّموا ما في بطونِها على أزواجِهم، لذكورِهم دونَ إناثِهم، كما فُعِل ذلك بالراويةِ والنَّسَّابةِ والعلَّامةِ، إذا أُريد بها المبالغةُ في وصفِ مَن كان ذلك مِن صفتِه، كما يُقالُ: فلانٌ خالصةُ فلانٍ وخُلْصانُه. وأما قولُه: ﴿وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾. فإن أهلَ التأويلِ اخْتَلَفوا في المعنىِّ بالأزواجِ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بها النساءُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾. قال: النساءُ (١). وقال آخرون: بل عُنِى بالأزواجِ البناتُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾. قال: الأزواجُ البناتُ، وقالوا: ليس للبناتِ منه شيءٌ (٢). والصوابُ مِن القولِ فى ذلك أن يُقالَ: إِن اللهَ أَخْبَر عن هؤلاء المشركين أنهم كانوا يقولون لِما في بطونِ هذه الأنعامِ، يعنى أنعامَهم: هذا محرمٌ على أزواجنا. والأزواجُ إنما هى نساؤُهم فى كلامِهم، وهن لا شكَّ بناتُ مَن من أولادُه، وحَلائلُ مَن هن أزواجُه. وفى قولِ اللهِ : ﴿وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾. الدليلُ الواضحُ على أن تأنيثَ "الخالصةِ" كان لِما وصَفْتُ مِن المبالغةِ فى وصفِ ما فى بطونِ الأنعامِ

стр. 6621

بالخُلوصة للذكورِ؛ لأنه لو كان لتأنيثِ "الأنعامِ" لَقيل: ومحرمةٌ على أزواجِنا. ولكن لمَّا كان التأنيثُ في "الخالصة" لِما ذكَرْتُ، ثم لم يَقْصِدْ في "المحرَّمِ"، ما قصَد فى "الخالصة" مِن المبالغةِ، رجَع فيها إلى تذكيرِ ﴿مَا﴾، واستعمالِ ما هو أولى بهِ مِن صفتِه. وأما قولُه: ﴿وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾. فَاخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه يزيدُ بنُ القَعْقاع وطلحةُ بنُ مُصَرِّفٍ في آخرين: (وإن تَكُنْ مَيْتَةٌ). بالتاءِ في (تَكُنْ) ورفْعِ (ميتةٌ). غيرَ أن يزيدَ (١) كان يُشَدِّدُ الياءَ من (ميِّتَةٌ)، ويُخَفِّفُها طلحةُ (٢). حدَّثني بذلك المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي حمادٍ، قال: ثنا عيسى، عن طلحة بن مُصَرِّفٍ (٢). وحدَّثنا أحمدُ بنُ يوسُفَ، عن القاسمِ وإسماعيلَ بنِ جعفرٍ، عن يزيدَ. وقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ والبصرةِ: ﴿وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً﴾ بالياءِ، ﴿مَيْتَةً﴾ بالنصبِ وتخفيفِ الياءِ (٣). وكأَنَّ مَن قرأ: ﴿وَإِنْ يَكُنْ﴾ بالياءِ، ﴿مَيْتَةً﴾ له بالنصبِ، أراد: وإن يَكُن ما في بطونِ تلك الأنعامِ. فذكَّر ﴿يَكُنْ﴾ لتذكير ﴿مَا﴾، ونصَب "الميتةَ" لأنه خبُر ﴿يَكُنْ﴾. وأما مَن قرَأ: (وإن تَكُنْ مَيتةً). فإنه إن شاء اللهُ أراد: وإن تكنْ ما في بطونِها مَيتَةً، فأَنَّث (٤) (تكنْ) لتأنيثِ (مَيتَةً).

стр. 6622

وقولُه: ﴿فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾: فإنه يعنى أن الرجالَ وأزواجَهم شركاءُ في أكلِه، لا يُحرِّمونه على أحدٍ منهم. كما ذكَرْنا عمَّن ذَكَرْنا ذلك عنه قبلُ مِن أهلِ التأويلِ. وكان ابنُ زيدٍ يقولُ فى ذلك ما حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾. قال: تَأْكُلُ النساءُ مع الرجالِ، إن كان الذي يَخْرُجُ مِن بطونِها ميتةٌ فهم فيه شركاءُ. وقالوا: إن شئْنا جَعَلْنا للبناتِ فيه نصيبًا، وإن شئْنا لم نَجْعَلْ (١). وظاهرُ التلاوةِ بخلافِ ما تأوَّله ابنُ زيدٍ؛ لأن ظاهرَها يَدُلُّ على أنهم قالوا: إن (٢) يَكُنْ ما في بطونِها ميتةً فنحن فيه شركاءُ. بغيرِ شرطِ مشيئةٍ، وقد زعَم ابنُ زيدٍ أنهم جعَلوا ذلك إلى مشيئتِهم. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٣٩)﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: سَيَجْزِى. أىْ: سيُثِيبُ ويُكافِئُ هؤلاء المُفْتَريِن عليه الكذبَ في تحريمِهم ما لم يُحَرِّمْه اللهُ، وتحليلِهم ما لم يُحَلِّلْه الله، وإضافتِهم كذبَهم في ذلك إلى اللهِ. وقولُه: ﴿وَصْفَهُمْ﴾. يعني بـ ﴿وَصْفَهُمْ﴾: الكذبَ على اللهِ، وذلك كما قال جلَّ ثناؤُه فى موضعٍ آخرَ مِن كتابِه: ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ٦٢]. والوصفُ والصِّفةُ في كلامِ العربِ واحدٌ، وهما مصدران مثلُ الوزنِ والزِّنَةِ.

стр. 6623

وبنحوِ الذي قلنا في معنى الوصفِ قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِه: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾. قال: قولَهم الكذبَ في ذلك (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ نُميرٍ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، عن أبى العاليةِ: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾. قال: كذبَهم (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾. أىْ: كذبَهم (٣). وأما قولُه: ﴿إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾. فإنه يقولُ جلَّ ثناؤُه: إن اللهَ -في مُجازاتِهم على وصفِهم الكذبَ وقيلِهم الباطلَ عليه- حكيمٌ في سائرِ تدبيرِه في خلقِه، عليمٌ بما يُصْلِحُهم، وبغيرِ ذلك مِن أمورِهم. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قد هلَك هؤلاء المُفْتَرون على ربِّهم الكذبَ، العادِلون به

стр. 6624

الأوثانَ والأصنامَ، الذين زيَّن لهم شركاؤُهم قتل أولادِهم، وتحريم ما حَرَّمَتْ عليهم من أموالهم، فقتلوا طاعةً لها أولادهم، وحرَّموا ما أحَلَّ الله لهم وجعله لهم رزقًا من أنعامهم؛ ﴿سَفَهًا﴾ منهم. يقولُ: فعلوا ما فعلوا من ذلك جَهالةً منهم بما لهم وعليهم، ونقص عقولٍ، وضعفَ أحلامٍ منهم، وقلة فهم بعاجل ضرِّه وآجل مكروهِه، من عظيم عقاب الله عليه لهم؛ ﴿افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ﴾. يقولُ: تكذُّبًا (١) على الله وتخرُّصًا عليه الباطلَ، ﴿قَدْ ضَلُّوا﴾. يقولُ: قد تركوا مَحَجَّةَ الحقِّ في فعلِهم ذلك، وزالوا عن سواء السبيلِ، ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. يقولُ: ولم يَكُن فاعِلُو ذلك على هدًى واستقامةٍ في أفعالهم التي كانوا يَفْعَلُون قبل ذلك، ولا كانوا مُهْتَدِين للصواب فيها، ولا مُوَفَّقِين له. ونزلت هذه الآية فى الذين ذكر اللهُ خبرهم في هذه الآيات من قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦]. الذين كانوا يَبْحَرون البحائرَ، ويُسَيِّبون السَّوائبَ، ويَئِدُون البنات. كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال عكرمة قوله: ﴿الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. قال: نزَلَت فى مَن يَئِدُ البناتِ مِن رَبيعةَ ومُضَرَ، كان الرجلُ يَشْتَرِطُ على امرأتِه أَن تَسْتَحْيِيَ جاريةً وتَئِد أخرى، فإذا كانت الجاريةُ التي تَئِدُ (٢)، غدا الرجلُ أو راح من عندِ امرأته، وقال لها: أنتِ علىَّ كظهر أمِّى إن رجَعْتُ إليك ولم تَئِديها. فتَخُدُّ لها في الأرض خَدًّا (٣)، وتُرْسِلُ إلى نسائها، فيَجْتَمِعْنَ عندها، ثم يتداوَلنها، حتى إذا

стр. 6625

أبْصَرَته راجعًا دسَّتها في حفرتها، ثم سوَّت عليها الترابَ (١). حدَّثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدىِّ: ثم ذكر ما صنعوا فى أولادهم وأموالهم، فقال: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. فقال: هذا صَنيعُ أهل الجاهلية، كان أحدُهم يَقْتُلُ ابنته مَخافةَ السِّباءِ والفاقة، ويَغْذُو كلبه. وقوله: ﴿وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ الآية: وهم أهلُ الجاهلية، جعلوا بَحِيرةً وسائبةً ووَصيلةً وحاميًا؛ تحكُّمًا مِن الشياطينِ في أموالِهم (٣). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيز، قال: إذا سرَّك أن تَعْلَمَ جَهْلَ العرب، فاقْرَأْ ما بعد المائةِ من سورة "الأنعام" قوله: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ الآية (٤). وكان أبو رزينٍ يَتَأَوَّلُ قوله: ﴿قَدْ ضَلُّوا﴾. أنه معنىٌّ به: قد ضلُّوا قبل هؤلاء الأفعال من قتل الأولادِ، وتحريم الرزق الذى رزقهم الله بأمورٍ غير ذلك. حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا [يحيى بنُ] (٥) سعيدٍ، عن سفيانَ، عن الأعمش، عن أبي رزينٍ فى قولِه: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ

стр. 6626

ضَلُّوا﴾. قال: قد ضلُّوا قبل ذلك (١). القولُ في تأويل قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾. وهذا إعلامٌ من اللهِ تعالى ذكرُه ما أَنْعَم به عليهم من فضله، وتنبيهٌ منه لهم على موضع إحسانه، وتعريفٌ منه لهم ما أحَلَّ وحرَّم، وقسم في أموالهم من الحقوق لمن قسم له فيها حقًّا. يقول تعالى ذكرُه: وربُّكم أيُّها الناسُ ﴿أَنْشَأَ﴾ أي: أحْدَث وابْتَدَع خَلْقًا، لا الآلهة والأصنامُ، ﴿جَنَّاتٍ﴾. يعني: بَساتَين، ﴿مَعْرُوشَاتٍ﴾، وهى ما عرش الناسُ مِن الكُرُومِ، ﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾: غير مرفوعاتٍ مبنيَّاتٍ، لا يُنْبِتُه الناسُ ولا يَرْفَعونه، ولكنَّ اللهَ يَرْفَعُه ويُنْبِتُه ويُنَمِّيه. كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباس قوله: ﴿مَعْرُوشَاتٍ﴾. يقولُ: مَسْموكاتٍ (٢). وبه عن ابن عباسٍ: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾: فالمعروشاتُ: ما عرش الناسُ، ﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾: ما خرج فى البرِّ والجبال من الثمرات (٣). حدَّثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضلِ، قال: ثنا أسباط، عن السدىِّ: أما ﴿جَنَّاتٍ﴾: فالبساتين، وأما الـ ﴿مَعْرُوشَاتٍ﴾: فما عُرِش كهيئة

стр. 6627

الكَرْم (١). حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن عطاء الخراسانيِّ، عن ابنِ عباس قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ﴾. قال: ما يُعْرَشُ مِن الكُروم. ﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾. قال: ما لا يُعْرَشُ مِن الكَرْمِ (٢). القول في تأويل قوله: ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾. يقول جلَّ ثناؤُه: وأَنْشَأ النخل والزرع ﴿مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ﴾. يعني بـ "الأُكُلِ" الثمر. يقولُ: وخلق النخل والزرع مُخْتَلِفًا مَا يَخْرُجُ منه، مما يُؤْكَلُ مِن الثمرِ والحبِّ، ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ في الطَّعْمِ؛ منه الحُلْوُ والحامضُ والمُزُّ (٣). كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ قوله: ﴿مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾. قال: ﴿مُتَشَابِهًا﴾: في المنظرِ، ﴿وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾: في الطَّعْمِ (٤). وأما قولُه: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾. فإنه يقولُ: كُلوا مِن رُطَبِه ما كان رطبًا ثمرُه. كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو هَمَّامٍ الأَهْوازيُّ، قال:

стр. 6628

ثنا موسى بنُ عُبيدة، عن محمد بن كعب في قوله: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾. قال: مِن رُطبِه وعنبِه (١). حدَّثنا عمرُو بنُ علىٍّ، قال: ثنا محمدُ بنُ الزِّبْرِقانِ، قال: ثنا موسى بن عُبيدةَ في قوله: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾. قال: مِن رُطَبِه وعنبِه. القول في تأويل قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. اخْتَلَف أهل التأويل فى تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم: هذا أمرٌ مِن الله بإيتاء الصدقة المفروضة مِن الثمرِ والحبِّ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عمرُو بن علىٍّ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا يونسُ، عن الحسن في قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: الزكاةُ (٢). حدَّثنا عمرٌو، قال: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا يزيدُ بنُ درهمٍ، قال: سَمِعْتُ أنس بن مالكٍ يقولُ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: الزكاة المفروضة (٣). حدَّثنا عمرٌو، قال: ثنا مُعَلَّى بن أسدٍ، قال: ثنا عبد الواحد بن زيادٍ، قال: ثنا الحجاج بنُ أرطاةَ، عن الحكم، عن مجاهدٍ، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَآتُوا

стр. 6629

حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: العُشرُ، ونصفُ العُشرِ (١). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا هانئُ بن سعيد، عن حجاجٍ، عن محمد بن عُبيدِ اللهِ، عن عبدِ اللهِ بن شَدَّادٍ، عن ابن عباس: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: العُشرُ ونصفُ العُشرِ. حدَّثنا عمرٌو بن علىٍّ وابن وكيعٍ وابن بشارٍ، قالوا: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إبراهيم بن نافعٍ المكىُّ، عن ابن طاوسٍ (٢)، عن أبيه في قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: الزكاةُ (٣). حدَّثنا عمرٌو، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا أبو هلالٍ، عن حَيَّانَ الأعْرج، عن جابر بن زيدٍ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: الزكاةُ (٤). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: أخبرنا يونُسُ، عن الحسن في قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: هى الصدقةُ، قال: ثم سُئل عنها مرةً أخرى، فقال: هى الصدقةُ من الحبِّ والثِّمار. حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بن بكرٍ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرني أبو بكرِ بنُ عبدِ اللهِ، عن عمرو بن سليمٍ (٥) وغيره، عن سعيد بن المسيب أنه قال: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: الصدقة المفروضة (٦).

стр. 6630

حدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسن، في قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: هي الصدقةُ من الحبِّ والثمار (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبد الله بن صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىِّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾: يعني بـ ﴿حَقَّهُ﴾ زكاته المفروضة يومَ يُكال، أو يُعْلَمُ كَيْلُه (٢). حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾: وذلك أن الرجل كان إذا زرع فكان يومُ حصادِه، [لم يُخرج مما حصد شَيئًا، فقال الله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾] (٣)، وهو أن يَعْلَمَ ما كيلُه وحقُّه، فيُخْرِجُ مِن كلِّ عشرةٍ واحدًا، وما يلقُطُ (٤) الناسُ مِن سنبلِه (٥). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾: وحقُّه يوم حصاده الصدقة المفروضة. ذُكر لنا أن نبي الله ﷺ سنَّ فيما سَقَتِ السماءُ، أو العين السائحةُ، أو سقاه [الطَّلُّ، والطَّلُّ النَّدَى] (٦) -أو كان

стр. 6631

بَعْلًا (١) العُشْرَ (٢) كاملًا، وإن سُقِى برِشاءٍ (٣) نصفَ العُشْرِ. قال قتادة: وهذا فيما يُكال من الثمرة، وكان هذا إذا بلغت الثمرةُ (٤) خمسة أوسقٍ، وذلك ثلاثمائة صاعٍ، فقد حقَّ فيها الزكاةُ، وكانوا يَسْتَحِبُّون أن يُعْطُوا مما لا يُكالُ مِن الثمرة على قدر ذلك (٥). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمر، عن قَتادةَ وطاوسٍ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قالا: هو الزكاةُ. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرو بن عونٍ، قال: أخبرنا هُشَيْمٌ، عن الحجاجِ، عن سالم المكيِّ، عن محمد ابن الحنفية قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ قال: يومَ كَيْلِه، يُعْطِى العُشْرَ، أو نصفَ العُشْرِ (٦). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحمَّانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن سالم المكيِّ، عن محمد ابن الحنفية قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: العُشْرُ ونصفُ العشر (٦). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أَخْبَرنا ابنُ المباركِ، عن معمرٍ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه، وعن قَتادةَ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قالا: الزكاةُ (٧).

стр. 6632

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو معاويةَ الضَّريرُ، عن الحجّاج، عن الحكم، عن مِقْسَمٍ، عن ابن عباس: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: العُشْرُ ونصفُ العُشْرِ (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سُويدٌ، قال: أخبرنا ابنُ المبارك، عن شريكٍ، عن الحكمِ بن عُتَيْبةَ (٢)، عن ابن عباسٍ مثله. حُدِّثْتُ عن الحسين بن الفرج، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ، قال: أخبرنا عبيدُ بنُ سليمان، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ، فى قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ يعني: يوم كيلِه، ما كان من بُرٍّ أو تمرٍ أو زبيبٍ، وحقُّه: زكاتُه. حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ قال: كُلْ منه، وإذا حصدتَه فآت حقَّه، وحقُّه: عُشورُه (٣). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبة، عن يونُسَ بنِ عُبيدٍ، عن الحسنِ أنه قال فى هذه الآية: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال:

стр. 6633

الزكاة؛ إذا كِلْتَه (١). حدَّثنا عمرٌو، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي رجاءٍ، قال: سأَلْتُ الحسن عن قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: الزكاةَ (٢). حدَّثني ابن البرْقىِّ، قال: ثنا عمرُو بن أبي سلمة، قال: سأَلْتُ ابن زيد بنَ أَسْلَمَ عن قولِ اللهِ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. فقلتُ له: هو العشورُ؟ قال: نعم. فقلتُ له: عن أبيك؟ قال: عن أبي وغيره (٣). وقال آخرون: بل ذلك حقٌّ أَوْجَبه اللهُ فى أموال أهل الأموال، غيرُ الصدقةِ المفروضة. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عمرُو بنُ علىٍّ، قال: ثنا عبد الوهَّاب، قال: ثنا محمد بن جعفر، عن أبيه: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: شيئًا سوى الحقِّ الواجبِ (٤). قال: وكان في كتابِه: عن علىِّ بنِ الحسينِ. حدَّثنا عمرٌو، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا عبد الملكِ، عن عطاءٍ فى قولِه: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: القبضةُ من الطعام (٥).

стр. 6634

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا محمد بن بكرٍ، عن ابن جريجٍ، عن عطاء: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: من النخلِ والعنبِ والحبِّ كلِّه. حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا محمد بن بكرٍ، عن ابن جريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: أرأَيْتَ ما حصَدْتُ مِن الفواكِهِ؟ قال: ومنها أيضًا تُؤْتِى. وقال: مِن كلِّ شيءٍ حصَدْتَ تُؤْتى منه حقَّه يومَ حَصادِه؛ من نخلٍ، أو عنبٍ، أو حبٍّ، أو فواكِهَ، أو خَضِرٍ، أو قصبٍ، مِن كلِّ شيءٍ من ذلك. قلتُ لعطاءٍ: أواجبٌ على الناسِ ذلك كلُّه؟ قال: نعم. ثم تلا: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: قلتُ لعطاءٍ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾: هل فى ذلك شيءٌ مُوقتٌ معلومٌ؟ قال: لا (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابنُ المبارك، عن عبد الملك، عن عطاءٍ فى قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ قال: يُعْطِي مَن حضر (٢) يومئذٍ ما تيسَّر، وليس بالزكاة (٣). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عيسى بن يونُسَ، عن عبد الملك، عن عطاءٍ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: ليس بالزكاةِ، ولكن يُطْعِمُ مَن حضره ساعتئذٍ حصيدَه (٤). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن العلاء بن المسيبِ، عن حمادٍ: ﴿وَآتُوا

стр. 6635

حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: كانوا يُعْطُون رُطَبًا (١). حدَّثنا ابن حميد وابن وكيعٍ قالا: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: إذا حضَرَك المساكينُ طَرَحْتَ لهم منه، وإذا أنْقَيْتَه (٢) وأخَذْتَ فى كيله حثَوْتَ (٣) لهم منه، وإذ علِمتَ كيله عزَلْتَ زكاتَه، وإذا أَخَذْتَ في جَدادِ (٤) النخل طرَحْتَ لهم مِن التَّفارِيقِ (٥)، وإذا أَخَذْتَ فى كيله حثَوْتَ (٣) لهم منه، وإذا علِمْتَ كيلَه عزَلْتَ زكاته (٦). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: سوى الفريضة (٧). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: يُلْقِى إلى السُّؤَّالِ عند الحصادِ مِن السنبل، فإذا [طِين، أو طُيِّن] (٨) -الشكُّ من أبي جعفرٍ- ألقى إليهم، فإذا حمله فأراد أن يَجْعَلَه

стр. 6636

كُدْسًا (١) ألْقَى إليهم، وإذا داس أطْعَم منه، وإذا فرغ وعلم كم كيلُه، عزل زكاته. وقال في النخل: عندَ الجدادِ (٢) يُطْعِمُ من الثمرةِ والشَّماريخ، فإذا كان عند كيله أطْعَم من الثمرة (٣)، فإذا فرغ عزل زكاته. حدَّثنا عمرُو بنُ علىٍّ ومحمد بن بشارٍ، قالا: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ قال: إذا حصد الزرع ألْقَى مِن السنبل، وإذا جدَّ (٤) النخلَ ألْقَى مِن الشَّماريخ، فإذا كاله زكَّاه (٥). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: عند الحصاد، وعندَ الدِّياسِ، وعند الصِّرامِ يَقْبِضُ لهم منه، فإذا كاله عزل زكاته (٦). وبه عن سفيان، [عن منصورٍ] (٧)، عن مجاهدٍ مثله، إلا أنه قال: سوى الزكاة (٨). حدَّثنا عمرُو بنُ علىٍّ، قال: ثنا يحيى بن سعيدٍ، عن سفيان، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: شيءٌ سوى الزكاة في

стр. 6637

الحَصادِ والجَدادِ، إذا حصَدوا وإذا جذُّوا (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، في قولِ اللهِ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: واجبٌ حينَ يَصْرِمُ (٢). حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ أنه قال في هذه الآية: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: إذا حصَد أطْعَم، وإذا أدْخَلَه البَيْدَرَ (٣)، وإذا داسَه أَطْعَم منه. حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن أشعثَ، عن ابن عمرَ، قال: يُطْعِمُ المُعْتَرَّ (٤) سوى ما يُعْطِى مِن العُشْرِ ونصفِ العُشْرِ (٥). وبه عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: قبضةٌ عند الحَصادٍ، وقبضةٌ عندَ الجَدادِ (٦). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا حفصٌ، عن أشعثَ، عن ابن سِيرينَ، قال: كانوا يُعْطُون من اعْتَرَّ بهم الشيء (٧).

стр. 6638

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن حمادٍ، عن إبراهيم، قال: الضِّغْثُ (١). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن سفيانَ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ، قال: يُعْطِى مثل الضِّغْثِ. حدَّثنا عمرُو بنُ علىٍّ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنا حمادٌ، عن إبراهيم: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: مثلُ هذا من الضِّغْثِ. ووضَع يحيى إصْبعَه الإبْهامَ على المَفْصِلِ الثاني مِن السَّبَّابة. حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ، قال: نحوُ الضِّغْثِ (٢). [حدَّثنا ابنُ وكيعٍ] (٣)، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ، و (٤) عن سفيانَ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ، قالا (٥): يُعْطِي ضِغْثًا (٦). حدَّثنا عمرُو بنُ علىٍّ، قال: ثنا كثيرُ بنُ هشامٍ، قال: ثنا جعفرُ بنُ بُرْقَانَ، عن يزيدَ بنِ الأصَمِّ، قال: كان النخلُ إذا صُرِم يَجِيءُ الرجلُ بالعِذْقِ مِن نخلِه،

стр. 6639

فيُعَلِّقُه (١) في جانبِ المسجدِ، فيَجيءُ المسكينُ فيَضْرِبُه بعَصاه، فإذا تَناثَر أكَل منه، فدخَل رسولُ الله ﷺ ، ومعه حسنٌ أو حسينٌ، فتناوَل تمرةٌ، فانْتَزَعها من فيه، وكان رسول الله ﷺ لا يَأْكُلُ الصدقةَ ولا أهلُ بيتِه، فذلك قولُه: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٢). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ حَيَّانَ، عن جعفرِ بنِ بُرْقانَ، عن ميمونِ بنِ مِهْرانَ ويزيدَ بن الأصَمِّ، قالا: كان أهلُ المدينةِ إذا صرَموا يَجِيئون بالعِذْقِ فيَضَعونه في المسجد، ثم يَجِيءُ السائلُ فيَضْرِبُه بعَصاه فيَسْقُطُ منه، وهو قولُه: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٣). حدَّثنا علىُّ بنُ سهلٍ (٤)، قال: ثنا زيدُ (٥) بنُ أبي الزَّرقاء، عن جعفرٍ، عن يزيدَ (٦) وميمونٍ في قولِه: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قالا: كان الرجلُ إذا جدَّ (٧) النخلَ يَجِيءُ بالعِذْقِ فيُعَلِّقُه في جانبِ المسجدِ، فيَأْتِيه المسكينُ فيَضْرِبُه بعَصاه، فيَأْكُلُ ما يَتَناثَرُ منه. حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عبيدُ الله، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ قال: لَقَطُ (٨) السُّنبُلِ (٩).

стр. 6640

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن عبدِ الكريم الجَزَرىِّ، عن مجاهدٍ، قال: كانوا يُعلِّقون العِذْقَ في المسجدِ عندَ الصِّرامِ فيَأْكُلُ منه الضعيفُ (١). وبه عن معمرٍ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾: يُطْعِمُ الشيءَ عندَ صِرامِه. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: الضِّغْثُ وما يَقَعُ مِن السنبل (٢). وبه عن سالمٍ، عن سعيدٍ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: العَلَفُ. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخْبرَنا ابنُ المبارك، عن شَريكٍ، عن سالم، عن سعيدٍ في قولِه: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: كان هذا قبلَ الزكاةِ، للمَساكينِ القبضةُ، والضِّغْثُ لعلَفِ دابتِه (٣). حدَّثنا عمرُو بنُ علىٍّ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ رفاعةَ، عن محمدِ بنِ كعبٍ في قولِه: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: ما قلَّ منه أو كثُر (٤). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا ابنُ عُيَيْنةَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، [عن مجاهدٍ] (٥): ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: عندَ الزرع

стр. 6641

يُعْطِي القَبْصَ (١)، وعندَ الصِّرامِ يُعْطى القبضَ، ويَتْرُكُهم فَيَتَتَبَّعون آثار الصِّرامِ (٢). وقال آخرون: كان هذا شيئًا أمَر الله به المؤمنين قبل أن تُفْرَضَ عليهم الصدقةُ الموقتةُ، ثم نسَخَتْه الصدقةُ المعلومةُ، فلا فرضَ فى مالٍ كائنًا ما كان، زرعًا كان أو غَرْسًا، إلا الصدقة التي فرَضَها الله فيه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: أبو معاويةَ، عن حجاجٍ، عن الحكم، عن مِقْسَمٍ، عن ابن عباسٍ، قال: نسَخَها العُشْرُ ونصفُ العُشْرِ (٣). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا حفصٌ، عن الحجاجِ، عن الحكمِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: نسَخَها العُشْرُ ونصفُ العُشْرِ (٤). وبه عن حجاجٍ، عن سالمٍ، عن ابنِ الحَنَفيَّةِ، قال: نسَخَها العُشْرُ ونصفُ العشر (٥). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن شَريكٍ، عن سالمٍ، عن سعيد

стр. 6642

ابنِ جُبيرٍ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: هذا قبلَ الزكاةِ، فلمَّا نزَلَت الزكاةُ نسَخَتها، فكانوا يُعْطُون الضِّغْثَ (١). حدَّثنا ابنُ حُميدٍ وابنُ (٢) وَكيعٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن شِباكٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: كانوا يفعلون ذلك حتى سُنَّ العُشْرُ ونصفُ العشرِ، فلمَّا سُنَّ العشرُ ونصفُ العشرِ، تُرِك (٣). حدَّثنا عمرُو بنُ علىٍّ، قال: ثنا عبدُ الرحمن بنُ مَهْدىٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن مغيرة، عن شِبَاكٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: هي مَنْسوخةٌ، نسَخَتها العُشْرُ، ونصفُ العشرِ (٤). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيان، عن المغيرة، عن إبراهيمَ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾: قال: نسَخَتها العُشرُ ونصفُ العُشر (٥). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن مغيرةَ، عن شِبَاكٍ، عن إبراهيمَ، قال: نسَخَتْها العشرُ ونصفُ العشرِ. وبه عن سفيانَ، عن يونُسَ، عن الحسنِ، قال: نسَخَتْها الزكاةُ (٦).

стр. 6643

وبه عن سفيانَ، عن السدىِّ، قال: نسَخَتْها الزكاةُ؛ ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (١). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخْبرَنا مغيرةُ، عن شِبَاكٍ، عن إبراهيمَ فى قولِه: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: هذه السورةُ مكيةٌ نسَخَتها العُشرُ ونصفُ العُشرِ. قلتُ: عمَّن؟ قال: عن العلماءِ (٢). وبه عن سفيانَ، عن مغيرةَ، عن شِبَاكٍ، عن إبراهيمَ، قال: نسَخَتها العُشْرُ ونصفُ العُشر. حدَّثني محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدىِّ: أما: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. فكانوا إذا مرَّ بهم أحدٌ يومَ الحَصادِ أو الجَدادِ (٣) أطْعَموه منه، فنسَخَها الله عنهم بالزكاة، وكان فيما أَنْبَتَتِ الأرضُ، العشرُ ونصفُ العشر. حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، عن يونُسَ، عن الحسنِ، قال: كانوا يَرْضَخون لقَرابتِهم من المشركين (٤). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن أبيه، عن عطية: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾، قال: نسَخه العُشْرُ ونصفُ العشرِ، كانوا يُعْطُون إذا حصَدوا وإذا

стр. 6644

ذَرَّوا، فنسَخَتْها العشرُ ونصفُ العشرِ (١). وأولى الأقوالِ فى ذلك عندى بالصواب قولُ مَن قال: كان ذلك فرضًا فرَضه الله على المؤمنين فى طعامِهم وثمارِهم التى تُخْرِجُها (٢) زُروعُهم وغُروسُهم، ثم نسَخه الله بالصدقةِ المفروضةِ والوظيفةِ المعلومةِ مِن العشرِ ونصفِ العشرِ، وذلك أن الجميعَ مُجْمِعون لا خلافَ بينَهم أن صدقةَ الحَرْثِ لا تُؤْخَذُ إلا بعدَ الدِّياسِ والتَّنْقِيةِ والتَّذرية، وأن صدقة التمر لا تُؤْخَذُ إلا بعدَ الجَفَافِ (٣). فإذا كان ذلك كذلك، وكان قولُه جلَّ ثناؤه: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾، يُنبئُ عن أنه أمرٌ من الله جلَّ ثناؤُه بإيتاءِ حقِّه يومَ حَصادِه، وكان يومُ حَصادِه هو يومَ جدِّه (٤) وقطعِه، والحَبُّ لا شكَّ أنه في ذلك اليوم في سُنْبُله، والثمرُ (٥) وإن كان ثمرَ نخلٍ أو كَرْمٍ غيرُ مُسْتَحْكَمٍ جُفوفُه ويُبْسُه، وكانت الصدقةُ من الحَبِّ إنما تُؤْخَذُ بعدَ دِياسِه وتذريتِه وتنقيتِه كَيْلًا، والتمرُ إنما تُؤْخَذُ صدقتُه بعدَ اسْتِحْكامِ يُبْسِه وجُفوفِه كَيْلًا، عُلِم أن ما تُؤْخَذُ صدقتُه (٦) بعدَ حين حَصْدِه غيرُ الذي يَجِبُ إيتاؤُه المساكينَ يومَ حَصادِه. فإن قال قائلٌ: وما تُنْكِرُ أن يَكونَ ذلك إيجابًا مِن الله في المالِ حقًّا سوى الصدقة المفروضة؟ قيل: لأنه لا يَخْلُو أن يَكونَ ذلك فرضًا واجبًا أو نفلًا.

стр. 6645

فإن يكن فرضًا واجبًا، فقد وجَب أن يَكون سبيلُه سبيلَ الصدقاتِ المفروضات التي مَن فرَّط في أدائِها إلى أهلِها، كان بربِّه آثمًا، ولأمرِه مخالفًا، وفي قيامِ الحُجَّةِ بأن لا فرضَ للهِ في المالِ بعدَ الزكاةِ يَجِبُ وجوبَ الزكاةِ سوى ما يَجِبُ مِن النفقة لمن يَلْزَمُ المرءَ نفقتُه، ما يُنْبِئُ عن أن ذلك ليس كذلك. أو يكونُ ذلك نَفْلًا، فإن يَكُنْ ذلك كذلك، فقد وجَب أن يَكونَ الخيارُ في إعطاءِ ذلك إلى ربِّ الحَرْثِ والثمر، وفى إيجاب القائلين بوجوب ذلك ما يُنبئُ عن أن ذلك ليس كذلك. وإذا خرَجَت الآيةُ من أن يَكونَ مُرادًا بها الندبُ، وكان غيرَ جائزٍ أن يَكونَ لها مَخْرَجٌ فى وجوبِ الفرض بها فى هذا الوقتِ، عُلم أنها مَنْسوخةٌ. ومما يُؤَيِّدُ ما قلنا في ذلك من القولِ دليلًا على صحته، أنه جلَّ ثناؤُه أتبَع قولَه: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ - ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾. ومعلومٌ أن مِن حُكْم الله فى عبادِه مُذْ فرَض فى أموالِهم الصدقة المفروضةَ الموقتة القَدْرِ، أن القائمَ بأخْذِ ذلك ساستُهم ورُعاتُهم. وإذا كان ذلك كذلك، فما وجهُ نهي ربِّ المال عن الإسراف في إيتاء ذلك، والآخِذُ مُجْبِرٌ (١)، وإنما يأخُذُ الحقَّ الذى فرَض الله فيه؟ فإن ظنَّ ظانٌّ أن ذلك إنما هو نهىٌ مِن اللهِ القَيِّمَ بِأَخْذِ ذلك مِن الرُّعاةِ عن التعَدِّى فى مالِ ربِّ المالِ، والتجاوز إلى أخْذِ ما لم يُبَحْ له أخْذُه، فإن آخِرَ الآية، وهو قوله: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾. معطوفٌ على أوله، وهو قولُه: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. فإن كان المنهىَّ عن الإسرافِ القيِّمُ بقبض ذلك، فقد يَجِبُ أن يكونَ المأمورُ بإيتائه (٢) المنهىَّ عن الإسراف فيه، وهو السلطانُ.

стр. 6646

وذلك قولٌ إن قاله قائلٌ، كان خارجًا من قولِ جميعِ أهلِ التأويلِ، ومُخالِفًا المعهودَ مِن الخطابِ، وكفَى بذلك شاهدًا على خطئِه. فإن قال قائلٌ: وما تُنْكِرُ أن يكونَ معنى قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾: وآتُوا حقَّه يومَ كيلِه، لا يومَ قَصْلِه (١) وقطعه، ولا يومَ جَدادِه (٢) وقطافِه، فقد علمتَ مَن قال ذلك مِن أهلِ التأويل؟ وذلك ما حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخْبرَنا جويبرٌ، عن الضحاك في قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: يوم كيله (٣). وحدَّثنا المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرنا هشيمٌ، عن الحجاج، عن سالمٍ المكىِّ، عن محمدِ ابن الحَنَفية قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. قال: يومَ كيلِه يُعْطِى العُشْرَ ونصفَ العُشْرِ (٤). مع آخرين قد ذَكرتَ الروايةَ فيما مضَى عنهم بذلك؟ قيل: لأن (٥) يومَ كيله غيرُ يومِ حَصادِه، ولن يَخْلُوَ معنى قائلى هذا القولِ مِن أحد أمريْن؛ إما أن يكونوا وجَّهوا معنى الحصادِ إلى معنى الكيل، فذلك ما لا يُعْقَلُ في كلام العرب؛ لأن الحصادَ والحصدَ في كلامِهم الجدُّ (٦) والقطعُ لا الكيلُ. أو يكونوا وجَّهوا تأويلَ قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. إلى: وآتوا حقَّه بعدَ

стр. 6647

يومِ حَصادِه إذا كِلْتُموه. فذلك خلافُ (١) ظاهر التنزيلِ، وذلك أن الأمر في ظاهرِ التنزيل بإيتاء الحقِّ منه يومَ حَصادِه، لا بعدَ يوم حَصادِه، ولا فرقَ بين قائلٍ: إنما عنَى الله بقوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾: بعدَ يومِ حَصادِه. وآخرَ قال: عنَى بذلك قبلَ يومِ حَصادِه. لأنهما جميعًا قائلان قولًا، دليلٌ ظاهرِ التنزيل بخلافه. القولُ في تأويل قوله: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١)﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويل فى "الإسْراف" الذى نهى الله عنه بهذه الآية، ومَن المنهىُّ عنه؛ فقال بعضُهم: المنهىُّ عنه ربُّ النخل والزرع والثمرِ، والسَّرَفُ الذي نهَى الله عنه في هذه الآيةِ مُجاوَزةُ القَدْرِ فى العَطِيَّةِ إلى ما يُجْحِفُ بربِّ المال. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عمرُو بنُ علىٍّ، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: ثنا عاصمٌ، عن أبي العالية في قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا﴾ الآية. قال: كانوا يُعْطُون شيئًا سوى الزكاةِ، ثم تَسارَفوا، فأنزل الله: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا معتمرُ بنُ سليمانَ، عن عاصمٍ الأحول، عن أبي العالية: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ قال: كانوا يُعْطُون يومَ

стр. 6648

الحصادِ شيئًا (١)، ثم تَباذَروا (٢) فيه وأسْرَفوا، فقال الله: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: نزلت في ثابتِ بن قيسِ بن شَمَّاسٍ، جدَّ (٤) نخلًا فقال: لا يَأْتِينَّ اليومَ أحدٌ إلا أطْعَمْتُه. فأطْعَم حتى أمْسَى وليست له ثمرةٌ، فقال الله: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (٥). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ، عن ابن جُريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾. يقولُ: لا تُسْرِفوا، فيما يُؤتى يومَ الحَصادِ، أم في كلِّ شيءٍ؟ قال: بلى، فى كلِّ شيءٍ يَنْهَى عن السَّرَفِ. قال: ثم عاوَدْتُه بعد حينٍ، فقلتُ: ما قولُه: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾؟ قال: يَنْهَى عن السَّرَفِ في كلِّ شيءٍ. ثم تلا: ﴿لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ (٦) [الفرقان: ٦٧]. حدَّثنا عمرُو بنُ علىٍّ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخْبرَنا سفيانُ بنُ حسينٍ، عن أبي بشرٍ، قال: أطاف الناسُ بإياس بن معاوية بالكوفة، فسألوه: ما

стр. 6649

السَّرَفُ؟ فقال: ما تَجاوَز (١) أمرَ اللهِ فهو سَرَفٌ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾: لا تُعْطُوا أموالَكم فتَغْدُوا فُقراءَ (٣). وقال آخَرون: الإسرافُ الذى نهَى الله عنه فى هذا الموضعِ منعُ الصدقةِ والحَقِّ الذى أمَر الله ربَّ المالِ بإيتائِه أهلَه بقوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو بكر بنُ عبدِ اللهِ، عن عمرِو بنِ سُلَيْمٍ وغيره، عن سعيد بن المسيب في قوله: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾. قال: لا تَمنَعوا الصدقة فتَعْصُوا (٤). حدَّثنا عمرُو بنُ علىٍّ، قال: ثنا محمدُ بنُ الزِّبْرِقانِ، قال: ثنا موسى (٥) بنُ عبيدةً، عن محمدِ بن كعبٍ: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾: والسَّرَفُ ألا يُعْطِيَ فى حقٍّ (٦).

стр. 6650

وقال آخرون: إنما خُوطِب بهذا السلطانُ، نُهِى أن يَأْخُذَ مِن ربِّ المال فوقَ الذي ألزم الله ماله. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾. قال: قال للسلطان: لا تُسْرفوا، لا تَأْخُذُوا بغير حقٍّ، فكانت هذه الآيةُ بين السلطانِ وبينَ الناسِ. يعنى قوله: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ الآية (١). والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى أن يقالَ: إن الله تعالى ذكرُه نهَى بقوله: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ عن جميع معانى الإسراف، ولم يَخْصُصْ منها معنًى دون معنًى. وإذ كان ذلك كذلك، وكان الإسرافُ في كلام العرب الإخطاءَ بإصابة الحقِّ فى العَطِيةِ، إما بتَجاوُزِ حدِّه في الزيادة، وإما بتقصيرٍ عن حدِّه الواجب -كان معلومًا أن المُفَرِّقَ مالَه مُباراةً، والباذلَه للناسِ حتى أجْحَفَت به عطيتُه، مُسْرِفٌ بتَجاوُزِه حدَّ اللهِ إلى ما ليس (٢) له، وكذلك المُقَصِّرُ في بذلِه فيما ألزَمَه الله بذلَه فيه، وذلك [كمنعِه ما ألْزَمه إيتاءه] (٣) منه أهلَ سُهْمانِ الصدقةِ إِذا وجَبَت فيه، أو منعِه مَن أَلْزَمه الله نفقتَه مِن أهلِه وعِيالِه ما ألْزَمه منها، وكذلك السلطانُ في أخذِه من رعيتِه ما لم يَأذنِ الله بأخذِه، كلُّ هؤلاء فيما فعَلوا مِن ذلك مُسْرِفون، داخِلون في معنى مَن أتَى ما نهى الله عنه من الإسراف بقولِه: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾. في عطيتكم

стр. 6651

من أموالِكم ما يُجْحِفُ بكم، إذ كان ما قبلَه مِن الكلامِ أمرًا مِن الله بإيتاء (١) الواجب فيه أهلَه يومَ حَصادِه؛ فإن الآية قد كانت تَنْزِلُ على رسول الله ﷺ بسببٍ خاصٍّ من الأمور، والحكمُ بها على العامُ، بل عامةُ آي القرآن كذلك. فكذلك قولُه: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾. ومن الدليل على صحةِ ما قلنا مِن معنى الإسرافِ، أنه على ما قلنا، قولُ الشاعرِ (٢): أعْطَوْا هُنَيْدَةَ يَحْدُوها ثمانيةٌ … ما في عَطائِهمُ منٌّ ولا سَرَفُ يعنى بالسَّرَفِ الخطأ في العَطِيَّة (٣). القولُ في تأويل قوله: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأَنْشَأ من الأنعام حَمولةً وفَرْشًا، مع ما أَنْشَأَ مِن الجَنَّاتِ المعْروشات وغير المعروشاتِ. و "الحَمولةُ": ما حُمِل عليه من الإبل وغيرها. و "الفَرْشُ": صغارُ الإبل التى لم تُدْرِكُ أن يُحْمَلَ عليها. واخْتَلَف أهلُ التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم: الحَمولةُ ما حُمِل عليه من كبار الإبل ومَسَانِّها، والفَرْشُ صِغارُها التي لا يُحْمَلُ عليها لصِغَرِها.

стр. 6652

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحْوص، عن عبد الله فى قوله: ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾. قال: الحَمولةُ الكبارُ من الإبل، ﴿وَفَرْشًا﴾ الصِّغارُ مِن الإِبل (١). وقال: ثنا أبي، عن أبي بكر الهُذَليِّ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: الحَمولةُ هي الكبارُ، والفَرْشُ الصغارُ مِن الإِبل (٢). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عُبيدُ اللهِ، عن إسرائيلَ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ، قال: الحَمولةُ ما حمَل من الإبل، والفَرْشُ ما لم يَحْمِلْ (٣). وبه عن إسرائيلَ، عن خُصَيْفٍ، عن مُجاهدٍ: الحَمولةُ ما حمَل من الإبل، والفَرْشُ ما لم يَحْمِلْ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَفَرْشًا﴾ قال: صِغَارُ الإِبل. حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحْوصِ، عن عبدِ اللهِ في قوله: ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾. قال: الحمولة الكبارُ، والفرشُ الصغارُ (٤).

стр. 6653

حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحْوص، عن ابن مسعودٍ في قوله: ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾: الحَمولةُ [ما حمَل من الإبل] (١)، والفرشُ هن الصِّغارُ. حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحْوصِ عن عبدِ اللهِ أنه قال في هذه الآية: ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾. قال: الحَمولةُ ما حُمِل عليه من الإبل، والفَرْشُ الصِّغارُ (٢). قال ابنُ المثنى: قال محمدٌ: قال شعبةُ: إنما كان حدَّثني سفيانُ، عن أبي إسحاقَ. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، قال: قال الحسنُ: الحَمولةُ مِن الإِبل والبقرِ (٣). وقال بعضُهم: الحَمولةُ مِن الإبل، وما لم يَكُنْ مِن الحَمولة فهو الفَرْشُ. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، عن الحسنِ: ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ قال: الحَمولةُ ما حُمِل عليه، والفَرْشُ حَواشِيها، يعني صِغارَها (٤). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾: فالحَمولةُ ما حمَل من الإبلِ، والفَرْشُ صِغَارُ الإِبلِ؛ الفَصِيلُ وما دون ذلك مما لا يَحْمِلُ.

стр. 6654

ويقالُ: الحَمولةُ مِن البقرِ والإبلِ، والفَرْشُ الغنمُ. وقال آخَرون: الحمولةُ: ما حُمِل عليه مِن الإبلِ والخيلِ والبِغالِ وغيرِ ذلك، والفَرْشُ الغنمُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾: فأما الحَمولةُ فالإبلُ والخيلُ والبِغالُ والحميرُ وكلُّ شيءٍ يُحْمَلُ عليه، وأما الفَرْشُ فالغنمُ (١). حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، عن أبى جعفرٍ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: الحَمولةُ مِن الإبلِ والبقرِ، ﴿وَفَرْشًا﴾ المعزُ والضأنُ (٢). حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾. قال: أما الحَمولةُ فالإبلُ والبقرُ. قال: وأما الفَرْشُ فالغنمُ (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: كان غيرُ الحسنِ يقولُ: الحَمولةُ الإبلُ والبقرُ، والفَرْشُ الغنمُ (٤).

стр. 6655

حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾: أما الحَمولةُ فالإبلُ، وأما الفَرْشُ فالفُصْلانُ والعَجَاجيلُ (١) والغنمُ، وما حُمِل عليه فهو حَمولةٌ (٢). حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾: الحَمولةُ الإبلُ، والفَرْشُ الغنمُ (٣). حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن أبى بكرٍ الهُذَلىِّ، عن الحسنِ: ﴿وَفَرْشًا﴾. قال: الفَرْشُ الغنمُ (٤). حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾. قال: الحمولةُ ما تَرْكَبون، والفَرْشُ مَا تَأْكُلون وتَحْلُبون، شاةٌ لا تَحْمِلُ، تَأْكُلون لحمَها، وتَتَّخِذون مِن أصوافِها لِحافًا وفَرْشًا (٢). والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى أن يُقالَ: إن الحَمولةَ هى ما حمَل مِن الأنعامِ؛ لأن ذلك مِن صفتِها إذا حمَلَت، لا أنه اسمٌ لها كالإبلِ والخيلِ والبِغالِ، فإذا كانت إنما سُمِّيَت حَمولةً لأنها تَحْمِلُ، فالواجبُ أن يكونَ كلُّ ما حمَل على ظهرِه مِن الأنعامِ فحَمولةٌ، وهى جمعٌ لا واحدَ لها مِن لفظِها، كالرَّكوبةِ والجَزُورةِ، وكذلك الفَرْشُ إنما هو صفةٌ لما لطُف فقرُب مِن الأرضِ جسمُه، ويقالُ له: الفَرْشُ. وأَحْسَبُها سُمِّيَت بذلك تمثيلًا لها فى استواءِ أسنانِها ولُطْفِها بالفَرْشِ مِن الأرضِ،
следующие страницы →