← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 6721–6760 · переход к 6726.

стр. 6721

آيَاتِ رَبِّكَ﴾. يقولُ: طلوعُ الشمسِ من مغربِها (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ وابنُ حُميدٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن أبي الضُّحَى، عن مسروقٍ، قال: قال عبدُ اللهِ في قولِه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾. قال: يُصبْحون والشمسُ والقمرُ مِن ههنا مِن قِبَلِ المغربِ كالبعيرَيْن القَرِينَيْن (٢). زاد ابن حُميدٍ في حديثِه: فذلك حينَ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ وقال: كالعَيْرَيْن (٣) المقترنَيْن (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ قولَه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾: بقَبْضِ (٥) الأنفُسِ بالموتِ ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾: يومَ القيامةِ، ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يومَ يأتى بعضُ آياتِ رَبِّك لا يَنْفَعُ مَن كان قبلَ ذلك مشركًا باللَّهِ أَن يُؤْمِنَ بعد مجيءِ تلك الآيةِ. وقيل: إن تلك الآيةَ التي أخْبَر اللهُ جلَّ ثناؤه أن الكافرَ لا يَنْفَعُه إيمانُه عندَ مجيئها، طلوعُ الشمسِ مِن مغربِها.

стр. 6722

ذكرُ مَن قال ذلك، وما ذُكِر فيه عن رسولِ اللهِ ﷺ حدَّثني عيسى بنُ عثمانَ الرَّمْليُّ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى، عن ابن أبي ليلى، عن عطيةَ، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾. قال: "طلوعُ الشمسِ مِن مغربِها". حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن ابن أبي ليلى، عن عطيةَ، عن أبي سعيدٍ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضَيلٍ وجريرٌ، عن (٢) عُمارةً، عن أبي زُرْعةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "لا تَقومُ الساعةُ حتى تَطْلُعَ الشمسُ مِن مَغْرِبها". قال: "فإذا رآها الناسُ آمَن مَن عليها، فتلك حينَ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ " (٣). حدَّثنا عبد الحميد بنُ بَيانِ السُّكَّريُّ (٤) وإسحاقُ بنُ شاهينٍ.، قالا أخبَرنا خالدُ بنُ عبدِ اللَّهِ الطَّحَّانُ، عن يونُسَ، عن إبراهيمَ التَّيْميِّ، عن أبيه، عن أبي ذرٍّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "أَتَدْرُون أين تَذْهَبُ هذه الشمسُ؟ ". قالوا:

стр. 6723

اللهُ ورسولُه أعلمُ. قال: "إنها تَذْهَبُ إلى مُسْتَقَرِّها تحتَ العرشِ فتَخِرُّ ساجدةً، فلا تَزالُ كذلك حتى يقالَ لها: ارْتَفِعى مِن حيثُ شئتِ. فتُصْبِحُ طالعةً مِن مَطْلِعِها (١)، ثم تَجْرِى إلى أن تَنْتَهِيَ إلى مُسْتَقَرٍّ لها تحت العرشِ، فتَخِرَّ ساجدةً، فلا تَزالُ كذلك حتى يقالَ لها: ارتَفِعى مِن حيث شئتِ. فتُصْبِحُ طالعةً مِن مَطْلِعِها ثم تَجْرِى لا يُنْكِرُ الناسُ منها شيئًا، حتى تَنْتَهِي فتَخِرَّ ساجدةً في مستَقرٍّ لها تحتَ العرش، فيُصبحُ الناسُ لا يُنكرون منها شيئًا، فيُقالُ لها: اطْلَعى مِن مغربِك. فتُصْبحُ طالعةً مِن مغربِها". قال رسولُ اللهِ ﷺ : "أَتَدْرُونَ أَيَّ يوم ذلك؟ " قالوا: اللَّهِ الله ورسولُه أعلمُ. قال: "ذاك يومُ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ (٢). حدَّثنا مُؤَمَّلُ بنُ هشامٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا ابن عُلَيةَ، عن يونُسَ، عن إبراهيمَ بن يزيدَ التَّيْميِّ، عن أبيه، عن أبي ذرٍّ، عن النبيِّ ﷺ نحوَه (٣). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، عن إسرائيلَ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ، عن صفوانَ بن عَسَّالِ، قال: ثنا رسولُ اللهِ ﷺ : "إن مِن قبَلِ مغربِ الشمسِ بابًا مفتوحًا للتوبةِ، حتى تَطْلُعَ الشمسُ مِنْ نَحْوِه (٤)، فإذا طلَعَت الشمسُ مِن نحوِه لم يَنْفَعْ نفسًا إيمانُها لم تَكُنْ آمَنَت مِن قبلُ أو كسَبَت في إيمانها خيرًا" (٥) حدَّثنا المفضلُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أشعتُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن زُبَيْدٍ

стр. 6724

الإيَاميُّ (١)، عن أبيه، عن زُبَيْدٍ، عن زِرِّ بن حُبَيْشٍ، عن صَفْوَانَ بن عَسَّالٍ المُراديِّ، قال: ذُكِرَت التوبةُ، فقال النبيُّ ﷺ : "للتوبةِ بابٌ بالمغربِ مَسيرةُ سبعين عامًا، أو أربعين عامًا، فلا يَزالُ كذلك حتى يَأْتى بعضُ آياتِ رَبِّك" (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا سهلُ بنُ عامرٍ، قال: ثنا مالكٌ، عن عاصمٍ بن أبي النَّجودِ، عن زِرّ بن حُبَيشٍ، عن صَفْوانَ بن عَسَّالٍ أنه قال: إن بالمغربِ (٣) بابًا مفتوحًا للتوبةِ مسيرةَ سبعين عامًا، فإذا طلعت الشمسُ مِن مغربِها، لم يَنْفَعْ نفسًا إيمانُها لم تَكُنْ آمَنَت مِن قبلُ أو كسَبَت في إيمانِها خيرًا (٤). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن فُضَيْلٍ، عن عُمارَةَ بن القَعْقاعِ، عن أبي زُرْعَةَ، عن أبي هريرةَ، قال: سمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "لا تَقومُ الساعةُ حتى تَطْلُعَ الشمسُ مِن مغربِها، فإذا طلَعَت ورآها الناسُ آمَن مَنْ عليها، فذلك حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ ". حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ مَخْلَدٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن العَلاءَ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "لا تَقومُ الساعةُ حت تَطْلُعَ الشمسُ مِن مغربِها، فيومَئذٍ يُؤْمِنُ الناسُ كلُّهم أَجْمَعون، وذلك حينَ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ " (٥).

стр. 6725

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن ابن (١) عَوْنٍ، عن ابن سيرينَ، عن أبي هريرةَ، قال: "التوبةُ مقبولةٌ ما لم تَطْلُعِ الشمسُ مِن مغربِها". حدَّثنا أحمدُ بنُ الحسنِ الترمذيُّ، قال: ثنا سليمانُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنا ابن عيَّاش (٢)، قال: ثنا ضَمْضَمُ بنُ زُرْعَةَ، عن شُرَيْحٍ بن عُبيد، عن مالكِ بن يَخَامِرٍ، عن معاويةَ بن أبي سفيانَ وعبدِ الرحمنِ بن عوفٍ وعبدُ اللهِ بن عمرِو بن العاصِ، عن رسولِ اللهِ ﷺ ، قال: "لا تَزالُ التوبةُ مَقبولةً حتى تَطْلُعَ الشمسُ مِن مغربِها، فإذا طلَعَت طُبِع على كلِّ قلبٍ بما فيه، و (٣) كُفى الناسُ العملَ" (٤). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ وجعفرُ بنُ عونٍ بنحوِه. حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن أبي حَيَّانَ التَّيْمِيُّ، عن أبي زُرْعَةَ، قال: جلس ثلاثةٌ مِن المسلمين إلى مَرْوانَ بن الحكمِ بالمدينةِ، فسمِعوه وهو يُحَدِّثُ عن الآياتِ أن أولَها خروجًا الدجالُ، فانْصَرَف القومُ إلى عبدِ اللهِ بن عمرٍو، فحدَّثوه بذلك، فقال: لم يَقُلْ مَرْوانُ شيئًا، قد حفِظْتُ مِن رسولِ اللهِ ﷺ في ذلك شيئًا لم أَنْسَه، لقد سمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: "إن أولَ الآياتِ خروجًا طُلوعُ الشمسِ مِن مغربِها، أو خروجُ الدَّابَّةِ على الناسِ ضُحًى، أَيَّتُهما ما (٥) كانت قبلَ صاحِبَتِها، فالأُخرى على أثَرِها قريبًا. ثم قال عبدِ اللهِ بن عمرٍو، وكان يَقْرَأُ الكتبَ:

стр. 6726

أَظُنُّ أولَهما خروجًا طلوعَ الشمسِ مِن مغربِها، وذلك أَنَّهَا (١) كُلَّما غَرَبَت أَتَتْ تحتَ العرشِ فسجَدَت واستَأْذَنَت في الرجوعِ، [فيُؤذَنُ لها في الرجوعِ، حتى إذا [بدا للهِ] (٢) أن تَطْلُعَ مِن مغربِها، فعَلَت كما كانت تَفْعَلُ، أنتْ تحتَ العرشِ فسجَدَت واستَأْذَنَت في الرجوع] (٣)، فلم يَرُدَّ عليها شيئًا. فتَفْعَلُ ذلك ثلاث مراتٍ، لا يَرُدُّ عليها بشيءٍ، حتى إذا ذهَب مِن الليلِ ما شاء اللهُ أن يَذْهَبَ، وعرَفَت أن لو أذِن لها لم تُدْرِكِ المَشْرقَ، قالت: ما أبعدَ المشرقَ، ربِّ مَن لى بالناس، حتى إذا صار الأُفُق كأنه طَوْقٌ، اسْتَأْذَنَت في الرجوعِ، فقيل لها: اطْلُعى مِن مكانِك. فتَطْلُعُ مِن مغربِها. ثم قرَأ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ إلى آخرِ الآيةِ (٤). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو رَبيعةَ فَهْدٌ، قال: ثنا حمادٌ، عن يحيى بن سعيدٍ (٥) أبي حَيَّانَ، عن الشعبيِّ، أن ثلاثةَ نفرٍ دخَلوا على مَرْوانَ بن الحكمِ. فذكَر نحوَه عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو (٦). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، قال: سمِعْتُ عاصمَ بنَ أبى النُّجودِ يُحَدِّثُ عن زِرِّ بن حُبَيْشٍ، عن صَفْوَانَ بن عَسَّالٍ،

стр. 6727

قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إن بالمغرب بابًا مفتوحًا للتوبةِ مسيرةَ سبعين عامًا، لا يُغْلَقُ حتى تَطْلُعَ الشمسُ مِن نَحْوِه" (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ، عن حجاجٍ، عن عاصمٍ، عن زِرِّ بن حُبَيْشٍ، عن صَفْوانَ بن عَمَّالٍ، قال: إذا طلَعَت الشمسُ مِن مغربِها، فيومَئذٍ لا يَنفَعُ نفسًا إيمانُها لم تَكُنْ آمَنَت مِن قبلُ. حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو ربيعةَ فَهْدٌ، قال: ثنا عاصمُ بن بَهْدَلَةَ، عَن زِرِّ بن حُبَيْشٍ، قال: غَدَوتُ إلى صَفْوَانَ بن عَسَّالٍ، فقال: إن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "إن بابَ التوبة مفتوحٌ مِن قِبَلِ المغربِ، عرْضُه مسيرةُ سبعين عامًا، فلا يَزالُ مفتوحًا حتى تَطْلُعَ مِن قِبَلِه الشمسُ". ثم قرَأ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾. إلى: ﴿خَيْرًا﴾. حدَّثني الربيعُ بنُ سليمانَ، قال: ثنا شعيبُ بنُ الليثِ، قال: ثنا الليثُ، عن جعفرِ بن ربيعةَ، عن عبدِ الرحمنِ بن هُرْمُزَ أنه قال: قال أبو هريرةَ: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "لا تقومُ الساعةُ حتى تَطْلُعَ الشمسُ مِن المغربِ". قال: "فإذا طلَعَت الشمسُ مِن المغربِ آمَن الناسُ كلُّهم، وذلك حينَ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ " (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن أيوب، عن ابن سيرينَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "مَن تاب قبلَ

стр. 6728

أن تَطْلُعَ الشمسُ مِن مغربِها قُبِل منه" (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا فهدٌ، قال: ثنا حمادٌ، عن يونُسَ (٢) بن عُبيدٍ، عن إبراهيمَ بنَ يزيدِ التَّيْميِّ، عن أبي ذرٍّ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "إن الشمسَ إذا غرَبَت أتَتْ تحتَ العرشِ فسجَدَت، فيقالُ (٣) لها: اطْلَعى مِن حيث عَرَبْتِ". ثم قرَأ هذه الآيةَ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ إلى آخرِ الآية. حدَّثني المثنى، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن سفيانَ بن حسينٍ، عن الحكمِ، عن إبراهيمَ التيميِّ، عن أبيه، عن أبي ذرٍّ، قال: كنتُ رِدْفَ النبيِّ ﷺ ذاتَ يومٍ على حمارٍ فنظَر إلى الشمسِ حينَ غرَبَت، فقال: "إنها تَغْرُبُ في عينٍ حاميةٍ (٤)، تَنْطَلِقُ حتى تَخِرَّ لربها ساجدةً تحتَ العرشِ، حتى يَأْذَنَ لها، فإذا أراد أن يُطْلِعَها مِن مَغْرِبها حبَسَها، فتقولُ: يا ربِّ، إن مسيرى بعيدٌ. فيقولُ لها: اطْلَعى مِن حيث غرَبْتِ. فذلك حينَ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ " (٥). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عَبْدةُ، عن موسى بن المسيبِ، عن إبراهيمَ التيميِّ عن أبيه، عن أبي ذرٍّ، قال: نظَر النبيُّ ﷺ يومًا إلى الشمسِ فقال: "يُوشِكُ أن

стр. 6729

تَجئَ حتى تَقِفَ بين يديِ اللهِ، فيقول: ارْجِعى مِن حيث جئتِ. فعندَ ذلك ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ " (١) حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾: فهو أنه (٢) لا يَنْفَعُ مشركًا إيمانُه عندَ الآياتِ، ويَنْفَعُ أهلَ الإيمانِ عند الآياتِ، إن كانوا اكْتَسَبوا خيرًا قبل ذلك. قال ابن عباسٍ: خرَج رسولُ اللهِ ﷺ عَشِيَّةً مِن العشيَّاتِ، فقال لهم: "يا عبادَ اللهِ، تُوبوا إلى اللهِ، فإنكم تُوشِكون أن تَرَوُا (٣) الشمسَ مِن قبل المغربِ، فإذا فَعَلَت ذلك حُبِسَت التوبةُ، وطُوِى العملُ، وخُتِم الإيمانُ (٤) ". فقال الناسُ: هل لذلك مِن آية يا رسولَ اللهِ؟ فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "إن آيةَ تِلكُمُ الليلة أن تَطولَ كقَدْرِ ثلاثِ ليالٍ، فَيَسْتَيْقِظُ الذين يَخْشَوْن ربَّهم، فيُصَلُّون له، ثم يَقْضُون صلاتَهم، والليلُ مكانَه (٥) [لم يَنْقَضِ] (٦)، ثم يَأْتُون مَضاجعَهم فينامون، حتى إذا اسْتَيْقَظوا والليلُ مكانَه، فإذا رأَوْا ذلك خافوا أن يَكونَ (٧) بينَ يدَىْ أمرٍ عظيمٍ، فإذا أصْبَحوا، وطال عليهم (٨) طُلوعُ الشمسِ، فبيْنا (٩) هم يَنْتَظِرونها إذ طلَعَت عليهم مِن قِبَلِ المغربِ، فإذا فعَلَت ذلك لم

стр. 6730

يَنْفَعْ نفسًا إيمانُها لم تَكُنْ آمَنَت مِن قَبْلُ" (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن صالحٍ مولى التَّوْءَمَةِ، عن أبي هريرةَ، أنه سمِعه يقولُ: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "لا تَقومُ الساعةُ حتى تَطْلُعَ الشمسُ مِن مغربِها، فإذا طلَعَت ورآها الناسُ، آمَنوا كلُّهم أجْمَعون، فيومئذٍ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ " الآية. وبه قال: حدَّثني حجاجٌ، قال: قال ابن جُريج: أَخْبَرَنِى ابن أَبِي عَتِيقٍ، أنه سمِع عُبيد بن عُميرٍ يَتْلُو: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾. قال: يقولُ: يُتَحَدَّثُ (٢) واللهُ أعلمُ، أنها الشمسُ تَطْلُعُ مِن مغربِها. قال ابن جُريج: وأَخْبَرَنى عمرُو بنُ دينار، أنه سمع عُبيد بن عُميرٍ يقولُ ذلك. قال ابن جُريجٍ: وأخْبرَنى عبدُ اللهِ بنُ أبي مُلَيْكةَ، أنه سمِع عبدِ اللهِ بن عمرٍو يقولُ: إن الآيةَ التي لا يَنْفَعُ نفسًا إيمانُها، إذا طلَعَت الشمسُ مِن مغربِها (٣). قال ابن جُريجٍ: وقال مجاهدٌ ذلك أيضًا. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن شعبةَ، عن قتادةَ، عن زُرارةَ بن (٤) أَوْفَى، عن ابن مسعودٍ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾. قال: طلوعُ الشمسِ مِن مغربِها (٥).

стр. 6731

حدَّثنا محمدُ بنُ بشار ومحمدُ بنُ المثنى، قالا: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سَمِعْتُ قتادةَ يُحَدِّثُ عن زِرارةَ بن (١) أَوْفَى، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ في هذه الآية: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾. قال: طلوعُ الشمسِ مِن مغربِها. حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ وعبدُ الوهَّابِ، عن (٢) عوفٍ، عن ابن سيرينَ، قال: ثني أبو عُبيدة بنُ عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ، قال: كان عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ يقولُ: ما ذُكر مِن الآياتِ فقد مضَيْن غير أربع؛ طلوعِ الشمسِ مِن مغربِها، ودابَّة الأرضِ، والدجَّالِ، وخروجِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، والآيةُ التي تُخْتَمُ بها الأعمالُ طلوعُ الشمسِ مِن مغربِها ألم تَرَ أن الله قال: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾. قال (٣): طلوعُ الشمسِ مِن مغربِها (٤). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أَبي عَدِيٍّ، عن شعبةَ، عن سليمانَ، عن أبى الضُّحَى، عن مَسْروقٍ، قال: قال عبد الله: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾. قال: طلوعُ الشمسِ مِن مغربِها مع القمرِ، كأنهما بَعيران

стр. 6732

مَقْرونان. قال شعبةُ: وحدَّثنا قتادة، عن زُرارةَ، عن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾. قال: طلوعُ الشمسِ مِن مغربِها. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ عن الأعمشِ، عن أبي الضُّحَى، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾. قال: طلوعُ الشمسِ مِن مغربِها مع القمرِ كالبعيرَيْن المُقْتَرِنَين (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن منصورٍ والأعمشِ، عن أبي الضُّحَى، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾. قال: طلوعُ الشمسِ مِن مغربِها مع القمرِ، كالبعيرَيْن القرينَيْن (٢). قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ وأبيه، عن أشعثَ بن أبى الشَّعثاءِ، عن أبيه، عن عبدِ اللهِ، قال: التوبةُ مبسوطةٌ ما لم تَطْلُعِ الشمسُ مِن مغربِها. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكر لنا أن ابنَ أمِّ عبْدٍ كان يقولُ: لا يَزالُ بابُ التوبةِ مفتوحًا حتى تَطْلُعَ الشمسُ مِن مغربِها، فإذا رأَى الناسُ ذلك آمَنوا، وذلك حينَ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا العَلاءُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "لا تَقومُ الساعةُ حتى تَطْلُعَ

стр. 6733

الشمسُ مِن مغربِها، فإذا طلَعَت آمن الناسُ كلُّهم، فيومَئذٍ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيَيْنةَ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن عبيدِ بن عميرٍ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾. قال: طلوعُ الشمسِ مِن مغربِها (١). قال: حدَّثنا أبي، عن الحسنِ بن عقبةَ أبي (٢) كِيرانَ، عن الضحاكِ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾. قال: طلوعُ الشمسِ مِن مغربِها. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاق، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، قال: أخْبَرني أشعثُ بنُ أبى الشَّعْثاء، عن أبيه، عن ابن مسعودٍ في قولِه: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾. قال: لا تَزالُ التوبةُ مَبْسوطةً ما لم تَطْلُع الشمسُ مِن مغربِها (٣). حدَّثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾. قال: طلوعُ الشمسِ مِن مغربِها (٤). حدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخْبَرنى أبو صخرٍ، عن القُرَظيِّ أنه كان يقولُ في هذه الآية: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾. يقولُ: إذا جاءت الآيات لم يَنْفَعْ نفسًا

стр. 6734

إيمانُها. يقولُ: طلوعُ الشمسِ مِن مغربِها. حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ الثوريُّ، عن عاصمِ بن أبي النَّجودِ (١)، عن زِرّ بن حُبَيْشٍ، عن صَفْوانَ بن عَسَّالٍ: ﴿يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾. قال: طلوعُ الشمسِ مِن مغربِها. حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن وهبِ بن جابرٍ، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾. قال: طلوعُ الشمسِ مِن مغربِها (٢). وقال آخرون: بل ذلك بعضُ الآياتِ الثلاثة؛ الدابة، ويأجوجَ ومأجوجَ، وطلوعُ الشمسِ مِن مغربِها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جعفرُ بنُ عونٍ، عن المسعوديِّ، عن القاسمِ، قال: قال عبدُ اللهِ: التوبةُ مَعْروضةٌ على ابن آدم إن قبِلَها، ما لم تَخْرُجْ إحدى ثلاثٍ؛ ما لم تَطْلُعِ الشمسُ مِن مغربِها، أو الدابَّةُ، أو فتحُ يأجوجَ ومأجوجَ (٣). حدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: ثنا المسعوديُّ، عن القاسمِ بن عبدِ الرحمنِ، قال: قال عبدُ اللَّهِ: التوبةُ معروضةٌ على ابن آدم إن قبِلَها، ما لم تَخْرُجْ إحدى ثلاثٍ؛ الدابةِ، وطلوعِ الشمسِ مِن مغربِها، وخروجِ يأجوجَ ومأجوجَ.

стр. 6735

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن عامرٍ، عن عائشةَ، قالت: إذا خَرَجَتْ (١) أولُ الآياتِ طُرِحَت الأقلامُ، وحُبسَت الحَفَظةُ، وشَهِدَت الأجسادُ على الأعمالِ (٢). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن فُضيلٍ، عن أبيه، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "ثلاثٌ إذا خَرَجْنَ (٣) لا يَنْفَعُ نفسًا إيمانُها لم تكُن آمَنَت مِن قبلُ، أو كسَبَت في إيمانِها خيرًا؛ طلوعُ الشمسِ مِن مغربِها، والدجالُ، ودابَّةُ الأرضِ" (٤). حدَّثنا بشرٌ بنُ معاذٍ، قال: ثنا معاويةُ بنُ عبدِ الكَريمِ، قال: ثنا الحسنُ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "بادروا بالأعمالِ ستًّا؛ طلوعُ الشمسِ مِن مغربِها، والدجالَ، والدُّخَانَ، ودابةَ الأرضِ، [وخُوَيصَّةً أحدكم، وأمْرَ العامة"] (٥). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكر لنا (٦) أن نبيَّ

стр. 6736

اللهِ ﷺ كان يقولُ. فذكَر نحوَه (١). وأولى الأقوالِ بالصوابِ في ذلك ما تَظاهَرت به الأخبارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: "ذلك حينَ تَطْلُعُ الشمسُ مِن مغربِها". وأما قولُه: ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾. فإنه يعنى: أو عمِلَت في تصديقِها باللهِ خيرًا مِن عملٍ صالحٍ، يُصَدِّقُ قِيلَه ويُحَقِّقُه، مِن قبلِ طلوعِ الشمسِ مِن مغربِها، لا يَنْفَعُ كافرًا لم يَكُنْ آمَن باللهِ قبل طلوعِها، كذلك إيمانُه باللَّهِ إِن آمَن، وصدَّق باللهِ ورسلِه؛ لأنها حالةٌ لا تَمْتَنِعُ نفسٌ مِن الإقرارِ باللهِ؛ لعظيمِ الهَوْلِ الواردِ عليهم مِن أمر اللهِ، فحُكْمُ إيمانِهم [كحكمِ إيمانهم] (٢) عندَ قيامِ الساعةِ، وتلك حالٌ لا يَمْتَنِعُ الخَلْقُ مِن الإقرارِ بوَحْدانيةِ اللهِ؛ لمعاينتِهم مِن أهوالِ ذلك اليوم ما تَرْتَفِعُ معه حاجتُهم إلى الفكرِ والاستدلالِ والبحثِ والاعتبارِ. ولا يَنْفَعُ مَن كان باللهِ وبرسلِه مُصَدِّقًا، ولفرائضِ اللَّهِ مُضَيِّعًا، غيرَ مُكْتَسِب بجَوارحِه للهِ طاعةً، إذا هي طَلَعَت مِن مغربِها - أعمالُه إن عمل، وكَسْبُه إِن اكْتَسَب؛ لِتَفْريطِه الذي سلَف قبلَ طلوعِها في ذلك. كما حدَّثني محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾. يقولُ: كسَبَت في تصديقها خيرًا؛ عملًا صالحًا، فهؤلاء أهلُ القبلةِ، وإن كانت مُصَدِّقةً ولم تَعْمَلْ قبل ذلك خيرًا، فعمِلَت بعدَ أن رأَت الآية لم يُقْبَلْ منها، وإن عمِلَت قبلَ الآية خيرًا، ثم عمِلَت بعدَ الآية خيرًا، قُبِل

стр. 6737

منها (١). حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾. قال: مَن أَدْرَكه بعضُ الآياتِ وهو على عملٍ صالحٍ مع إيمانه، قبِل اللهُ منه العملَ بعدَ نزولِ الآية، كما قِبل منه قبلَ ذلك. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨)﴾. يقولُ تعالى لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قلْ يا محمدُ لهؤلاء العادِلِين بربِّهم الأوثانَ والأصْنامَ، انْتظِروا أن تَأْتِيَكم الملائكةُ بالموتِ، فتَقْبِضَ أرَواحَكم، أو أن يَأْتِيَ ربُّكم لفَصْلِ القَضاءِ بيننا وبينكم في موقف القيامة، أو أن يَأْتِيَكم طلوعُ الشمسِ مِن مغربِها، فتُطْوَى صُحُفُ (٢) الأعمال، ولا يَنْفَعُكم إيمانكم حينَئذٍ إن آمنتُم، حتى تَعْلَموا حينَئذٍ المُحِقَّ منا مِن المُبْطِلِ، والمُسِيءَ مِن المُحْسِن، والصادقَ مِن الكاذبِ، وتَتَبَيَّنوا عند ذلك بمَن يَحِيقُ عذابُ اللهِ وأليمُ نَكالِه، ومَن الناجي منا ومنكم، ومَن الهالكُ، إنا مُنتَظِروا ذلك؛ ليُجْزِلَ اللهُ لنا ثوابَه على طاعتِنا إياه، وإخْلاصِنا العبادةَ له، وإفْرادِناه بالربوبيةِ دونَ ما سواه، ويَفْصِل بينَنا وبينَكم بالحقِّ، وهو خيرُ الفاصلين. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩)﴾ اخْتَلَفَتِ القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿فَرَّقُوا﴾؛ فرُوِى عن عليِّ بن أبي طالبٍ رضِى

стр. 6738

اللهُ عنه ما [حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرٍو [ذى مُرٍّ] (١)، أَنَّ عليًّا ﵁ قرَأ: (إن الذين فارَقوا دينهم)] (٢) (٣). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، قال: قال حمزةُ الزَّيَّاتُ: قرَأها عليٌّ ﵁: (فارقوا دينَهم) (٤). وكأن عليًّا ذهَب بقولِه: (فارَقوا دينَهم)؛ خرجوا فارْتَدُّوا عنه، مِن المُفارَقةِ. وقرَأ ذلك عبدُ اللهِ بن مسعودٍ كما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ رافعٍ، عن زُهَيْرٍ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، أن عبدُ اللهِ كان يَقْرَؤُها: ﴿فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ (٥). وعلى هذه القراءة - أعْنِى قراءةَ عبدِ اللَّهِ - قرأةُ المدينةِ والبصرةِ وعامةُ قرأةِ الكوفيين (٦). وكأن عبدُ اللهِ تأوَّل بقراءتِه ذلك كذلك أن دينَ اللهِ واحدٌ، وهو دينُ إبراهيمَ الحَنيفيةُ المسلمةُ، ففرَّق ذلك اليهودُ والنصارى، فتهوَّد قومٌ، وتنَصَّر آخَرون، فجعَلوه شِيَعًا مُتَفرقةً. والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إنهما قراءتان معروفتان، قد قرَأَت بكلِّ

стр. 6739

واحدةٍ منهما أئمةٌ مِن القرأة، وهما مُتَّفقتا المعنى غيرُ مُخْتَلِفَتَيْه؛ وذلك أن كلَّ صَالٌ فلِدينِه مفارقٌ، وقد فرَّق الأحزابُ دينَ اللَّهِ الذي ارْتَضاه لعبادِه، فتَهَوَّد بعضٌ، وتنَصَّر آخرون، وتَمَجَّس بعضٌ. وذلك هو التفريقُ بعينه، ومصيرُ أهلِه شِيَعًا متفرِّقين غيرَ مجتمعين، فهم لدينِ اللهِ الحقِّ مفارِقون، وله مُفَرِّقون. فبأيِّ ذلك قرَأ القارئُ فهو للحقِّ مصيبٌ، غير أنى أَخْتارُ القراءة بالذي عليه عُظْمُ القرأةُ، وذلك تشديدُ الراءِ مِن ﴿فَرَّقُوا﴾. ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في المَعْنِيِّين بقولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا (١) دِينَهُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: عَنى بذلك اليهودَ والنصارى. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني (٢) محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾. قال: يهودُ (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه. حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾. قال: هم اليهودُ والنصارى (٤). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوَله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا

стр. 6740

دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾: مِن اليهودُ والنصارى. حدَّثني محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾: هؤلاء اليهودُ والنصارى. وأما قولُه: ﴿فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾. فيقولُ: تركوا دينَهم وكانوا شيعًا (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾: وذلك أن اليهودَ والنصارى اخْتَلَفوا قبل أن يُبْعَثَ محمدٌ فتفَرَّقوا، فلمَّا بُعِث محمدٌ أَنْزَل اللهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (٢). حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعْتُ أَبا مُعاذٍ يقولُ: أَخْبرَنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾. يعنى: اليهودَ والنصارى (٣). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حسينُ بنُ عليٍّ، عن شَيْبانَ عن قتادةَ: (فارقوا دينَهم). قال: هم اليهودُ والنصارى (٤). وقال آخَرُونَ: عنى بذلك أهلَ البدعِ مِن هذه الأمة الذين اتَّبَعوا مُتَشَابِهَ القرآنِ دونَ مُحْكَمِه.

стр. 6741

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشار، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن طاوسٍ، عن أبي هريرةَ قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾. قال: [نزَلت هذه الآيةُ في هذه الأمةِ] (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن طاوسٍ، عن عن أبي هريرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾. قال: هم أهلُ الصلاةِ (٢). حدَّثني سعيدُ بنُ عمرٍو السَّكُونيُّ، قال: ثنا بقيةُ بن الوليدِ، قال: كتَب إليَّ عَبَّادُ بن كثيرٍ، قال: ثنى ليثٌ، عن طاوسٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ في هذه الآيةِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾: "وليسوا منك، هم أهلُ البدَعِ وأهلُ الشُّبُهات، وأهلُ الضَّلالة، مِن هذه الأمةِ" (٣). والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أن يقال: إن الله أَخْبَر نبيَّه ﷺ أنه بَرئٌ ممَّن فارَق دينَه الحقَّ وفرَّقه، وكانوا فِرَقًا فيه وأحزابًا شِيَعًا، وأنه ليس منهم ولا هم منه؛ لأن دينَه الذي بعَثه اللهُ به هو الإسلامُ دينُ إبراهيمَ الحَنيفيةُ، كما قال له ربُّه وأمَرَه أن يقولَ: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٦١].

стр. 6742

فكان مِن فارَق دينه الذي بُعِث به ﷺ ؛ مِن مشركٍ، ووَثَنَيٍّ (١)، ويهوديٍّ، ونصرانيٍّ، ومُتَحَنِّفٍ مُبْتَدِعٍ قد ابْتَدَع في الدينِ ما ضلَّ به عن الصراطِ المستقيمِ والدينِ القيِّمِ ملةِ إبراهيمَ المسلمِ - فهو برئٌ مِن (٢) محمدٍ ﷺ ، ومحمدٌ منه برئ، وهو داخلٌ في عمومِ قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾. وأما قوله: ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾. فإن أهلُ التأويلِ اخْتَلَفوا في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: نزَلَت هذه الآيةُ على نبيِّ اللهِ بالأمرِ بتركِ قتالِ المشركين قبلَ وُجوب فرضِ قتالِهم، ثم نسَخَها الأمرُ بقتالِهم في سورةِ "براءةَ"، وذلك قولُه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ قولَه: ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾: لم يُؤْمَرُ بقتالهم، ثم نُسِخت، فأُمِر بقتالهم في سورة "براءةَ" (٣). وقال آخرون: بل نزَلَت على النبيِّ ﷺ إعلامًا مِن اللَّهِ لَه أَن مِن أُمتِه مَن يُحْدِثُ بعدَه في دينِه، وليست بمنسوخةٍ؛ لأنها خبرٌ لا أمرٌ، والنسخُ إنما يكونُ في الأمرِ والنهيِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أَخْبَرنا مالكُ بنُ مِغْوَلٍ، عن عليِّ

стр. 6743

ابن الأقمَرِ، عن أبي الأحْوَصِ أنه تلا هذه الآيةِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾. ثم يقولُ: بُرِّئ نبيُّكم ﷺ منهم (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي وابن إدريس وأبو أسامةَ ويحيى بنُ آدمَ، عن مالكِ بن مِغْوَلٍ بنحوِه. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا شُجاعٌ أبو بدرٍ، عن عمرِو بن قيسٍ المُلَائيِّ (٢)، قال: قالت أُمُّ سلمةَ: ليَتَّقِ امرؤٌ ألا يكونَ مِن رسولِ اللهِ ﷺ في شيءٍ. ثم قرَأَت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾. قال عمرُو بنُ قيسٍ: قالها مُرَّةُ الطَّيِّبُ، وتلا هذه الآية (٣). والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقال: إن قولَه: ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾. إعلام مِن الله نبيِّه محمدٍ ﷺ أنه مِن مبتدعة أمتِه المُلْحِدة في دينِه بَرِيءٌ، ومِن الأحزاب مِن مشركي قومِه ومن اليهودِ والنصارى، وليس في إعلامِه ذلك ما يُوجِبُ أن يكونَ نهاه عن قتالِهم؛ لأنه غيرُ مُحالٍ أن يقالَ في الكلامِ: لستَ مِن دينِ اليهودِ والنصارى في شيءٍ، فقاتِلْهم؛ فإِنَّ أَمْرَهم إلى اللهِ في أَن يَتَفَضَّلَ على مَن شَاء منهم فيَتُوبَ عليه، ويُهْلِكَ مَن أراد إهلاكَه منهم كافرًا، فيَقْبِضَ رُوحَه، أو يَقْتُلَه بيدِك على كفرِه، ثم يُنَبِّئهم بما كانوا يَفْعَلون عندَ مَقْدَمِهم عليه. وإذ كان غيرَ مستحيلٍ اجتماعُ الأمرِ بقتالِهم وقولِه: ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾، ولم يَكُنْ في الآية دليلٌ واضحٌ على أنها منسوخةٌ، ولا ورد بأنها منسوخةٌ عن الرسولِ

стр. 6744

خبرٌ - كان غيرَ جائزٍ أن يُقْضَى عليها بأنها منسوخةٌ، حتى تقومَ حُجَّةٌ مُوجِبةً صحةَ القولِ بذلك؛ لما قد بَيَّنَّا مِن أن المنسوخَ هو ما لم يَجُزِ اجتماعُه وناسخُه في حالٍ واحدةٍ، في كتابِنا "كتاب اللطيفِ عن أصولِ الأحكامِ". وأما قولُه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾. فإنه يقولُ: أنا الذي إليَّ أمرُ هؤلاء المشركين الذين فارَقوا ديَنهم وكانوا شِيَعًا، والمبتدعةِ مِن أمِتك الذين ضلُّوا عن سبيِلك دونَك، ودونَ كلّ أحدٍ؛ إما بالعقوبةِ إن أقاموا على ضّلالِتهم وفِراقِهم (١) دينَهم، فأُهْلِكُهم بها، وإما بالعفوِ عنهم بالتوبةِ عليهم والتَّفضُّلِ منى عليهم، ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾. يقولُ: ثم أُخْبِرُهم في الآخرةِ عندَ ورودِهم عليَّ يوم (٢) القيامةِ بما كانوا يَفْعَلون، فأُجازِى كلًّا منهم بما كانوا في الدنيا يّفْعَلون، المحسن منهم بالإحسانِ، والمسيءَ بالإساءةِ. ثم أَخْبَر جلَّ ثناؤُه ما مَبْلَغُ جزائِه مَن جازَى منهم بالإحسانِ أو بالإساءةِ، فقال: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. القولُ في تأويلِ قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: مَن وافَى ربّه يومَ القيامةِ في موقفِ الحسابِ، مِن هؤلاء الذين فارَقوا دينَهم وكانوا شِيَعًا، بالتوبةِ والإيمانِ، والإقلاعِ عما هو عليه مقيمٌ من ضلالتِه، وذلك هو الحسنةُ التي ذكَرها الله فقال: مَن جاء بها فله عَشْرُ أمثالها. ويعنى بقوله: ﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾: فله عشْرُ حسَناتٍ أمثالِ حسنتِه التي جاء بها، ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾. يقولُ: ومَن وافَى يومَ القيامةِ منهم بفراقِ الدِّين

стр. 6745

الحقِّ والكفرِ باللَّهِ، فلا يُجْزَى إلا ما ساءَه مِن الجزاءِ، كما وافَى الله به مِن عمله السيئَ. ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. يقولُ: ولا يَظْلِمُ الله الفريقين؛ لا فريق الإحسانِ، ولا فريقَ الإساءةِ، بأن يُجازِيَ المحسنَ بالإساءةِ، والمسيءَ بالإحسانِ، ولكنه يُجازِى كلا الفريقين مِن الجزاءِ ما هو له؛ لأنه جلَّ ثناؤُه حكيمٌ، لا يَضَعُ شيئًا إلا في موضعِه الذي يَسْتَحِقُّ أَن يَضَعَه فيه، ولا يُجازِى أحدًا إلا بما يَسْتَحِقُّ من الجزاءِ. وقد دلَّلْنا فيما مضَى على أن معنى "الظلمِ" وضعُ الشيءِ في غيرِ موضعِه، بشَواهدِه المُغْنيةِ عن إعادتِها في هذا الموضعِ (١). فإن قال قائلٌ: فإن كان الأمرُ كما ذكَرْتَ مِن أن معنى الحسنةِ في هذا الموضع الإيمانُ باللَّهِ، والإقرارُ بوَحْدانيتِه، والتصديقُ برسولِه، والسيئةِ فيه الشركُ به، والتكذيبُ لرسولِه، أَفَلِلإيمان (٢) أمثالٌ فيُجازَى بها المؤمنُ؟ وإن كان له مِثْلٌ فكيف يُجازَى به، والإيمانُ إنما هو عنَدك قولٌ وعملٌ، والجزاءُ مِن اللهِ لعبادِه عليه الكرامة في الآخرةِ، والإنعامُ عليهم (٣) بما أعَدَّ لأهلِ كرامتِه مِن النعيمِ في دارِ الخلودِ، وذلك أعيانٌ تُرَى وتُعايَنُ وتُحسُّ ويُلْتَذُّ بها، لا قولٌ يُسْمَعُ، ولا كسبُ جوارحَ؟ قيل: إن معنى ذلك غيرُ الذي ذهَبْتَ إليه، وإنما معناه: مَن جاء بالحسنةِ فوافَى الله بها له مطيعًا، فإن له مِن الثوابِ ثوابَ عشرِ حسناتٍ أمثالِها. فإن قلتَ: فهل لقولِ: لا إلهَ إلا اللهُ. مِن الحسناتِ مِثْلُ؟

стр. 6746

قيل: له مثلٌ هو غيرُه؟! ولكنْ (١) له مثلٌ هو قولُ: لا إلهَ إلا اللهُ. وذلك هو الذي وعَد اللهُ جلَّ ثناؤُه مَن أتاه به أن يُجازِيَه عليه مِن الثوابِ بمثلِ عَشَرةِ أضعافِ ما يَسْتَحِقُه قائلُه، وكذلك ذلك في مَن جاء بالسيئةِ التي هي الشركُ، إلا أنه لا يُجازَى صاحبُها عليها إلا ما يَسْتَحِقُه عليها، مِن غيرِ إضعافِه عليه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأولِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن جعفرِ بن أبي المغيرة، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: لما نزلت ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾. قال رجلٌ مِن القومِ: فإنَّ لا إلهَ إلا اللهُ حسنةٌ؟ قال: نعم، أفضلُ الحسنات (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِيَاثٍ، عن الأعمشِ والحسنِ بن عُبيد اللهِ، عن جامعِ بن شدَّادٍ، عن الأسودِ بن هلالٍ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾: لا إلهَ إلا اللهُ (٣). حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا حفصٌ، قال: ثنا الأعمشُ والحسنُ بنُ عُبيدِ اللهِ، عن جامعِ بن شدَّادٍ، عن الأسودِ بن هلالٍ، عن عبدِ اللهِ، قال: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾. قال: مَن جاء بـ: لا إلهَ إلا اللهُ. قال: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾. قال: الشركِ.

стр. 6747

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن فُضَيْل، عن الحسنِ بِن عُبيدِ اللهِ، عن جامع بن شدَّادٍ، عن الأسودِ بن هلالٍ، عن عبدِ اللهِ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾. قال: لا إلهَ إلا اللهُ (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا معاويةُ بنُ عمرٍو المَعْنِيُّ، عن زائدة، عن عاصمٍ، عن شقيقٍ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾. قال: لا إلهَ إلا اللهُ كلمةِ الإخلاصِ، ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾. قال: الشركِ (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، وعن عثمانَ بن الأسودِ، عن مجاهدٍ والقاسمِ بن أبى بَزَّةَ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾. قالوا: لا إلهَ إلا اللهُ كلمةِ الإخلاصِ، ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾. قالوا: بالشركِ وبالكفرِ (٣). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن نُمَيْرٍ وابنُ فُضَيْلٍ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾. قال: لا إلهَ إلا اللهُ، ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾. قال: الشركِ. حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: جابرُ بنُ نُوحٍ، قال: ثنا موسى بنُ عُبيدةَ، عن محمدِ بن كعبٍ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾. قال: لا إلهَ إلا اللهُ (٤).

стр. 6748

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي المُحَجَّل (١)، عن إبراهيم: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾. قال: لا إلهَ إلا اللهُ، ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾. قال: الشركِ (٢). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْريُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي المحجلِ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن إبراهيمَ مثلَه. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن أبي المحجلِ، عن إبراهيمَ مثله. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن أبي المحجلِ، عن أبي مَعْشَرٍ، قال: كان إبراهيمُ يَحْلِفُ باللَّهِ، ما يَسْتَثنى، أنَّ ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾: لا إلهَ إلا اللهُ، ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾: مَن جاء بالشركِ (٣). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الملكِ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾. قال: كلمةِ الإخلاصِ لا إلهَ إلا اللهُ. ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ قال: بالشركِ (٤). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، وحدَّثنا المثنى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، جميعًا عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن أبي صالحٍ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾. قال: لا إلهَ إلا اللهُ. ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾. قال: الشركِ (٥).

стр. 6749

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن نُمَيْرٍ، عن عثمانَ بن الأسودِ، عن القاسم بن أبى بَزَّةَ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾. قال: كلمةِ الإخلاصِ. ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾. قال: الكفرِ (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سلمةَ، عن الضحاكِ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾. قال: لا إلهَ إلا اللهُ (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن أشعثَ، عن الحسنِ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾. قال: لا إلهَ إلا اللهُ (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾. قال: لا إلهَ إلا اللهُ (٤). حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ مثله (٥). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾. يقولُ: مَن جاء بلا إلهَ إِلا اللَّهُ ﴿وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾. قال: الشركِ (٦)

стр. 6750

حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيْئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. ذكِر لنا أن نبيَّ الله ﷺ كان يقولُ: "الأعمالُ ستةٌ؛ مُوجبةٌ ومُوجبةٌ، ومُضْعِفةٌ ومُضْعِفةٌ، ومِثْلٌ ومِثْلٌ؛ فأَمَّا الموُجِبتان: فمَن لَقِى اللَّهَ لا يُشْرِكُ به شيئًا دخل الجنةَ، ومَن لَقِى اللَّهَ مُشْرِكًا به دخَل النارَ، وأمَّا المُضْعِفُ والمُضْعِفُ: فنَفَقةُ المؤمنِ في سبيلِ اللَّهِ سبعمائةِ ضِعْفٍ، ونفقتُه على أهلِ بيتِه عشرُ أمثالِها، وأمَّا مِثْلٌ ومِثْلٌ: فإذا همَّ العبدُ بحسنةٍ فلم يَعْمَلُها كُتِبَت له حسنةً، وإذا همَّ بسيئةٍ ثم عمِلها كُتِبَت عليه سيئةً (١). حدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا الأعمشُ، عن شِمْرِ بن عطيةَ، عن شيخٍ مِن التَّيْمِ، عن أبي ذرّ، قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، علَّمْنى عملا يُقَرِّبُني إلى الجنةِ، ويُباعِدُنى مِن النِار، قال: "إذا عمِلْتَ سيئةً فاعْمَلْ حسنةً، فإنها عَشْرُ أمثالِها". قال: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، لا إلهَ إلا اللهُ مِن الحسناتِ؟ قال: "هي أحسنُ الحسناتِ" (٢). وقال قومٌ: عُنِى بهذه الآيةِ الأعرابُ، فأما المهاجرون، فإن حسناتهم بسبعِمِائةِ ضِعفٍ أو أكثرُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا مُعاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنا أبي، عن قتادةَ،

стр. 6751

عن أبي الصِّدِّيقِ الناجيِّ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ في قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾. قال: هذه للأعراب، وللمهاجرين سبعُمائةٍ (١). حدَّثنا محمدٌ أبو (٢) نَشِيطِ بنُ هارونَ الحربيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ أبى بُكَيْرٍ (٣)، قال: ثنا فُضَيْلُ بنُ مرزوقٍ، عن عطيةَ العَوْفيِّ، عن عبدِ اللهِ بن عمرَ، قال: نزَلَت هذه الآيةُ في الأعرابِ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾. قال: قال رجلٌ: فما للمُهاجرين؟ قال: ما هو أعظمُ من ذلك؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] وإذا قال اللهُ لشيء: عظيمٌ. فهو عظيمٌ (٤). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سعدٍ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، قال: نزَلَت هذه الآية: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾. وهم يَصومون ثلاثةَ أيامٍ مِن الشهرِ، ويُؤَدُّون عُشْرَ أموالِهم، ثم نزَلَت الفَرائضُ بعد ذلك، صومُ رمضانَ والزكاةُ (٥). فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾، فأُضِيف "العشرُ" إلى "الأمثالِ"، وهى "الأمثالُ"؟ وهل يُضافُ الشيءُ إلى نفسهِ؟ قيل: أُضِيفَت إليها لأنه مُرادٌ بها: فله عَشْرُ حسناتٍ أمثالِها. فـ "الأمثالُ" حلَّت محَلَّ المفسِّرِ، وأُضِيف "العشرُ" إليها، كما يقال: عندى عَشْرُ نِسْوةٍ. فلأنه

стр. 6752

أُرِيد بالأمثالِ، مَقامَها، فقيل: ﴿عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾. فَأُخْرِج العَشرُ مُخْرَجَ عددِ الحسناتِ (١)، و "المِثْلُ" مذكَّرٌ لا مؤنتٌ، ولكنها لما وُضِعَت موضعَ الحسناتِ (٢) - وكان "المِثْلُ، يَقَعُ للمذكِر والمؤنثِ، فجُعِلَت خَلَفًا منها - فُعِل بها ما ذكَرْتُ، ومَن قال: عندى عشرُ أمثالِها. لم يَقُلْ: عندى عشرُ صالحاتٍ. لأن "الصالحاتِ" فعلٌ لا يُعَدُّ، وإنما تُعَدّ الأسماءُ، و "المثلُ" اسمٌ، ولذلك جاز العددُ به. وقد ذُكِر عن الحسنِ البصريَّ أنه كان يَقْرَأُ ذلك: "فله عَشْرُ" بالتنوينِ "أمثالُها" بالرفع (٣). وذلك على وجهٍ صحيحٍ في العربيِة، غيرَ أن القرأةَ في الأمصارِ على خلافها، فلا نَسْتَجِيزُ خلافَها فيما هي عليه مُجْمِعَةٌ (٤). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)﴾ يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قُلْ يا محمدُ لهؤلاء العادلين بربِّهم الأوثانَ والأصنامَ: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. يقولُ: قلْ لهم: إننى أَرْشَدَنِي ربي إلى الطريقِ القويمِ، هو دينُ اللهِ الذي ابتَعَثَه به، وذلك الحنيفيةُ المسلِمةُ، فوَفَّقَنى له. ﴿دِينًا قِيَمًا﴾. يقولُ: مستقيمًا. ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾. يقولُ: دينَ إبراهيمَ. ﴿حَنِيفًا﴾. يقولُ: مستقيمًا. ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. يقولُ: وما كان مِن المشركين باللهِ، يعنى: إبراهيمَ صلواتُ اللهِ عليه؛ لأنه لم يكنْ ممن يَعْبُدُ الأصنامَ. واختلَفت القرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿دِينًا قِيَمًا﴾. فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ وبعضُ البَصْرِيين: "دِينا قَيِّمًا" بفتحِ القافِ وتشديدِ الياءِ (٥)، إلحاقًا منهم ذلك بقولِ

стр. 6753

اللهِ: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [التوبة: ٣٦، يوسف: ٤٠، الروم: ٣٠]. وبقولِه: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيَّمَةِ﴾ [البينة: ٥]. وقرأ ذلك عامةُ قَرَأةِ الكُوفيين: ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ بكسرِ القافِ، وفتحِ الياءِ وتخفيفِها، وقالوا: القيِّمُ والقِيَمُ بمعنىً واحدٍ، وهما لغتان معناهما: الدينُ المستقيمُ (١). والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أنهما قراءتان مشهورتان في قرأة الأمصارِ، مُتَّفقتا المعنى، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فهو للصوابِ مصيبٌ، غيرَ أن فتحَ القافِ وتشديدَ الياءِ أعجبُ إليَّ؛ لأنه أفصحُ اللغتين وأشهرُهما. ونُصِب قولُه: ﴿دِينًا﴾ على المصدرِ مِن معنى قولِه: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. وذلك أن المعنى: هداني ربي إلى دينٍ قويمٍ، فاهتديتُ له دينًا قِيَمًا. فـ "الدينُ" منصوبٌ مِن المحذوفِ الذي هو "اهتديتُ"، الذي ناب عنه قوله: ﴿إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. وقال بعضُ نَحْويِّى البصرةِ: إنما نُصِب ذلك لأنه لما قال: ﴿هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. قد أخبَر أنه عَرَفَ شيئًا، فقال: ﴿دِينًا قِيَمًا﴾. كأنه قال: عرَفتُ دينًا قِيَمًا ملةَ إبراهيمَ. وأما معنى "الحنيفِ"، فقد بينتُه في مكانِه في "سورةِ البقرةِ" بشواهدِه، بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قلْ يا محمدُ لهؤلاء العادلين بربِّهم

стр. 6754

الأوثانَ والأصنامَ الذين يَسْألونك أن تَتَّبِعَ أهواءَهم على الباطلِ، مِن عبادةِ الآلهةِ والأوثانِ: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾. يقولُ: وذَبْحي. ﴿وَمَحْيَايَ﴾. يقولُ: وحياتى. ﴿وَمَمَاتِي﴾. يقولُ: ووَفاتى ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. يعنى: أن ذلك كله له خالصًا دونَ ما أشركتم به أيُّها المشركون مِن الأوثانِ ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ في شيءٍ مِن ذلك مِن خلقِه، ولا لشيءٍ منهم فيه نصيبٌ؛ لأنه لا يَنْبَغِي أن يكونَ ذلك إلا له خالصًا، ﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾. يقولُ: وبذلك أَمَرني ربى، ﴿وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾. يقولُ: وأنا أولُ مَن أَقَرَّ وأَذْعَن وخَضَعَ مِن هذه الأمة لربِّه بأن ذلك كذلك. وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال: النُّسُكُ في هذا الموضعِ الذبحُ حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكّامٌ، عن عنبسةَ، عن محمد بن عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾. قال: النُّسُكُ الذبائح في الحجِّ والعُمْرةِ. [حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَنُسُكِي﴾: ذبيحتى (١) في الحجِّ والعمرةِ] (٢) (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد: ﴿وَنُسُكِي﴾: ذبيحتى في الحجِّ والعمرةِ.

стр. 6755

حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ - وليس بابنِ أبي خالدٍ - عن سعيدِ بن جبيرٍ في قوله: ﴿صَلَاتِي وَنُسُكي﴾. قال: ذَبْحى (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا الثوريُّ، عن إسماعيلَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾. قال: ذَبيحتى (٢). [حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ، [عن سعيدِ] (٣) بن جبيرٍ - قال ابن مهديٍّ: لا أدرى من إسماعيلُ هذا -: ﴿صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾. قال: صلاتي وذبيحتى] (٤). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: ثنا الثوريُّ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قوله: ﴿صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾. قال: وذبيحتى. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَنُسُكِي﴾. قال: ذَبْحى (٥). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿وَنُسُكِي﴾. قال: ذبيحتى (٦).

стр. 6756

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن جويبرٍ، عن الضحاك: ﴿صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾. قال: الصلاةُ: الصلاة، والنُّسُكُ: الذبحُ. وأما قوله: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾. فإن محمدَ بنَ عبدِ الأعلى حدَّثنا، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾. قال: أوّلُ المسلمين مِن هذه الأمةِ (١). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قلْ يا محمدُ لهؤلاء العادلين بربِّهم الأوثانَ، الداعِيك إلى عبادةِ الأصنامِ، واتباعِ خطواتِ الشيطانِ: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾؟ يقولُ: أسِوَى اللَّهِ أَطْلُبُ سَيِّدًا يَسُودُنى؟ ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾. يقولُ: سيدُ كلَّ شيءٍ دونَه ومُدَبِّرُه ومُصْلِحُه. ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾. يقولُ: ولا تَجْتَرِحُ نفسٌ إثمًا إلا عليها. أي: لا يُؤْخَذُ بِما أَتَت مِن معصيةِ اللَّهِ ﵎، ورَكِبَت مِن الخطيئةِ - سِواها، بل كلُّ ذى إثمٍ فهو المُعاقَبُ بإثِمه. والمأخوذُ بذنبِه. ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. يقولُ: ولا تأثَمُ نفسٌ آثمةٌ بإثمِ نفسٍ أُخرى غيرِها، ولكنها تأثَمُ بإثمِها، وعليه تُعاقَبُ، دونَ إثم أُخرى غيرِها. وإنما يعنى بذلك المشركين الذين أَمَر اللهُ نبيَّه ﷺ أن يَقُولَ هذا القولَ لهم، يقولُ: قلْ لهم: إنا لسنا مأْخوذِين بآثامِكم [ولا مُعاقَبين بإجرامِكم] (٢)، وعليكم عقوبةُ إجرامِكم، ولنا جزاءُ أعمالنِا. وهذا كما أمَره اللهُ جلّ ثناؤُه في موضعٍ آخرَ أن

стр. 6757

يقولَ لهم: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦]. وذلك كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: كان في ذلك الزمانِ لا مخرجَ للعلماءِ العابدين إلا إحدى [خَلَّتَين، إحداهما] (١) أفضلُ مِن صاحبتِها؛ إما أمرٌ ودعاءٌ إلى الحقِّ، أو الاعتزالُ؛ فلا تُشاركُ أهلَ الباطلِ في عملِهم، وتؤدِّى الفرائضَ فيما بينَك وبين ربِّكَ، وتحبُّ للَّهِ، وتُبغِضُ للَّهِ، ولا تشاركُ أحدًا في إثمٍ. قال: وقد أُنزِل في ذلك آيةٌ محكمة: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾. إلى قوله: ﴿فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾. وفي ذلك قال: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤]. يقالُ مِن الوِزْرِ: وَزَرَ يَوْزَرُ، [ووزَر يَزِرُ] (٢)، ووُزِرَ يُوزَرُ فهو مَوْزُورٌ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قلْ لهؤلاء العادلين بربِّهم الأوثانَ: كلُّ عاملٍ منَّا ومنكم فله ثوابُ عملِه، وعليه وزرُه، فاعمَلوا ما أنتم عامِلوه، ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ﴾ أيها الناسُ ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾. يقولُ: ثم إليه مصيرُكم ومُنقلَبُكم ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ﴾ في الدنيا ﴿تَخْتَلِفُونَ﴾ من الأديانِ والمللِ، إذ كان بعضُكم يَدِينُ باليهوديِة، وبعضٌ بالنصرانيةِ، وبعضٌ بالمجوسيةِ، وبعضٌ بعبادةِ الأصنامِ وادِّعاءِ الشركاءِ مع اللهِ والأندادِ، ثم يُجازِى جميعَكم بما كان يَعْمَلُ في الدنيا مِن خيرٍ أو

стр. 6758

شرٍّ، فتَعْلَموا حينَئذٍ مَن المحسنُ منا والمسيءُ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ وأمتِه: واللهُ الذي جعَلكم أيُّها الناسُ خلائفَ الأرضِ بأنْ أهلَك مَن كان قبلَكم مِن القرونِ والأممِ الخاليةِ، واستَخلفكم، فجعَلكم خلائفَ منهم في الأرضِ، تَخْلُفونهم فيها، وتَعْمُرونها بعدهم. والخلائفُ جمعُ خليفةٍ، كما الوصائفُ جمعُ وصيفةٍ، وهى مِن قولِ القائلِ: خَلَفَ فلانٌ فلانًا في دارِه، يَخْلُفُه خلافةً، فهو خليفةٌ فيها. كما قال الشَّمَّاخُ (١): تُصِيبُهُم وتُخْطِئُنى المَنايا … وأَخْلُفُ فِي رُبُوعٍ عَن رُبُوعِ وذلك كما حدَّثني [محمدُ بن] (٢) الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾. قال: أما ﴿خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾: فأهلَكَ القرون واستَخْلَفَنا فيها بعدهم (٣). وأما قولُه: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾. فإنه يقولُ: وخالَفَ بينَ أحوالِكم، فجعَل بعضَكم فوقَ بعضٍ، بأن رَفع هذا على هذا، بما بَسَط لهذا مِن الرزقِ، ففَضَّله بما أعطاه مِن المالِ والغِنى، على هذا الفقير فيما خَوَّله مِن أسبابِ الدنيا، وهذا على هذا بما أعطاه مِن الأيْدِ والقوةِ، على هذا الضعيفِ الواهنِ القُوَى، فخالَفَ بينَهم، بأن رَفَع مِن درجةِ هذا على درجِة هذا، وخَفَضَ مِن درجةِ هذا عن

стр. 6759

درجةِ هذا. وذلك كالذى حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾. يقولُ: في الرزقِ (١). وأما قولُه: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾. فإنه يعنى: ليَخْتَبِرَكم فيما خَوَّلكم مِن فضلِه، ومنَحكم مِن رزقِه، فيَعْلَمَ المطيعَ له منكم فيما أمرَه به ونَهاه عنه، والعاصىَ، ومَن المؤدِّي مما آتاه الحقَّ الذي أمرَه بأدائِه منه، والمُفرِّطُ في أدائِه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)﴾. يقولُ جلّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : إن ربَّك يا محمدُ لسريعُ العقابِ لمَن أسْخَطَه. بارتكابِه معاصيَه، وخلافِه أمْرَه فيما أمَره به ونهاه، ولَمن ابتُلِي منه فيما منَحه مِن فضلِه وطَوْلِهِ، تَوَلِّيًا وإدبارًا عنه، مع إنعامِه عليه، وتَمْكينِه إياه في الأرضِ، كما فعَل بالقرونِ السالفةِ، ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ﴾. يقولُ: وإنه لساترٌ ذنوبَ مَن ابْتُلِي منه إقبالًا إليه بالطاعةِ عندَ ابتلائِه إياه بنعمتِه (٢)، واختبارِه إياه بأمرِه ونَهْيِه، فمُغَطٍّ عليه فيها، وتاركٌ فضيحتَه بها في موقفِ الحسابِ. ﴿رَّحِيمُ﴾ بتركِه عقوبتَه على سالفِ ذنوبِه التي سَلَفَت بينَه وبينَه إذ تابَ وأنابَ إليه قبلَ لقائِه ومصيرهِ إليه.

стр. 6760

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تفسيرُ السورةِ التي يُذكرُ فيها الأعرافُ القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه وتقدَّست أسماؤه: ﴿المص (١)﴾. قال أبو جعفرٍ: اختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِ الله تعالى ذكره: ﴿المص﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: أنا اللهُ أَفصِلُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ بنُ سلّامٍ، قال: ثنا عمارُ بنُ محمدٍ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولهِ: ﴿المص﴾: أنا اللهُ أفصِلُ (١). وقال آخرون: هو هجاءُ حروف اسمِ اللهِ تعالى الذي هو المُصَوِّرُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ ﴿المص﴾. قال: هي هجاءُ المُصوّرِ (٢). وقال آخرون: هي اسمٌ مِن أسماءِ اللَّهِ أَقسَم ربُّنا به.
следующие страницы →