← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 6686–6725 · переход к 6691.

стр. 6686

على ربِّكم فتُخْرِجوه لنا؟ وعن إخراجِ علمِ ذلك لك وإظهارِه، وهم لاشكَّ عن ذلك عَجَزةٌ، وعن إظهارِه مُقَصِّرةٌ (١)؛ لأنه باطلٌ لا حقيقةَ له، فللهِ (٢) الذي حرَّم عليكم أن تُشْرِكوا به شيئًا، وأن تَتَّبِعوا خُطُواتِ الشيطان في أموالِكم مِن الحروثِ والأنعامِ -الحجةُ البالغةُ دونَكم أيُّها المشركون. ويَعْنى بـ "البالغةِ": أنها تَبْلُغُ مرادَه في ثبوتِها على من احْتَجَّ بها عليه مِن خَلْقِه، وقَطْعِ عُذْرِه إِذا (٣) انْتَهَتْ إليه فيما جُعِلَتْ حجةً فيه. ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. يقولُ: فلو شاء ربُّكُم لَوَفَّقكم أجمعين للاجْتِماعِ (٤) على إفرادِه بالعبادةِ، والبراءة مِن الأندادِ والآلهةِ، والدَّيْنونةِ بتحريمِ ما حرَّم اللهُ، وتحليلِ ما حَلَّله اللهُ، وتركِ اتِّباعِ خطواتِ الشيطانِ، وغيرِ ذلك مِن طاعاتِه، ولكنَّه لم يَشَأْ ذلك، فخالَف بينَ خلقِه فيما شاء منهم، فمنهم كافرٌ ومنهم مؤمنٌ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الله بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، قال: لا حُجَّةَ لأحدٍ عصَى (٥) اللهَ، ولكنْ للهِ الحجةُ البالغةُ على عبادِه، [قال اللهُ] (٦): ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. قال: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ

стр. 6687

وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] (١). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قلْ يا محمدُ لهؤلاء المُفْتَرِين على ربِّهم مِن عَبَدةِ الأوثانِ، الزاعمِين أن اللهَ حرَّم عليهم ما هم مُحَرِّموه من حُروثِهم وأنعامِهم: ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾. يقولُ: هاتوا شُهَداءَكم الذين يَشْهَدون على اللهِ أنه حرَّم عليكم ما تَزْعُمون أنه حرَّمه عليكم. وأهلُ العاليةِ مِن تِهامةَ تُوَحِّدُ "هُلمَّ" فى الواحدِ والاثنين والجَميعِ (٢)، وتذكِّرُ في المؤنَّثِ والمذكَّرِ، فتقولُ للواحدِ: هَلُمَّ يا فلانُ. وللاثنين والجميعِ (٢) كذلك، وللأنثى مثلَه، ومنه قولُ الأَعْشَى (٣): وكان دعا قومَه دَعوةً … هلُمَّ إلى أمرِكم قد صُرِمْ (٤) يُنْشَدُ: هَلُمَّ وهلُمُّوا. وأما أهلُ السافِلةِ مِن نَجْدٍ، فإنهم يُوَحِّدون للواحدِ، ويُتَنُّون للاثنين، ويَجْمَعون للجميعِ، فتقولُ للواحدِ مِن الرجالِ: هلُمَّ. وللواحدةِ من النساءِ: هلُمِّى. وللاثنين: هلُمَّا. وللجماعةِ من الرجالِ: هلُمُّوا. وللنساءِ: هَلْمُمْنَ (٥).

стр. 6688

قال اللهُ لنبيِّه: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا﴾ يا محمدُ. يقولُ: فإن جاءوك بشهداءَ يَشْهَدون أن اللهَ حَرَّم ما يَزْعُمون أن اللهَ حَرَّمه عليهم، ﴿فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾. فإنهم كَذَبَةٌ وشهودُ زُورٍ في شهادتِهم بما شهِدوا به مِن ذلك على اللهِ. وخاطَب بذلك جلَّ ثناؤُه نبيَّه ﷺ ، والمرادُ به أصحابُه والمؤمنون به، ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾. يقولُ: [ولا تُشايِعْهم] (١) على ما هم عليه من التكذيبِ بوحي اللهِ وتنزيلِه، فى تحريمِ ما حرَّم، وتحليلِ ما أحَلَّ لهم، ولكن اتَّبِعْ مَا أُوْحِى إليك مِن كتابِ ربِّك الذى لا يَأْتِيه الباطلُ مِن بينِ يديْه ولا مِن خلفِه. ﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾. يقولُ: ولا تَتَّبع أهواءَ الذين لا يُؤْمِنون بالآخرةِ، فتُكَذِّبَ بما هم به مُكَذِّبون؛ مِن إحياءِ اللهِ خلقَه بعدَ مَماتِهم، ونَشْرِه إياهم بعدَ فنائِهم، ﴿وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾. يقولُ: وهم مع تكذيبِهم بالبعثِ بعدَ المَماتِ، وجحودِهم قيامَ الساعةِ، باللهِ يَعْدِلون الأوثانَ والأصنامَ، فيَجْعَلونها له عِدْلًا، ويَتَّخِذونها له نِدًّا يَعْبُدونها مِن دونِه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ من أهلِ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا﴾. يقولُ: قُلْ: أَرُونى الذين يَشْهَدون أن اللهَ حرَّم هذا مما حَرَّمَتِ العربُ، وقالوا: أمرَنا اللهُ به. قال اللهُ لرسولِه: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن

стр. 6689

مجاهدٍ: ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا﴾. قال: البَحائِرُ والسُّيَّبُ (١). القولُ في تأويلِ قوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. يقولُ تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قلْ يا محمدُ لهؤلاء العادِلين بربِّهم الأوثانَ والأصنامَ، الزاعمين أن اللهَ حرَّم عليهم ما هم مُحَرِّموه من حروثِهم وأنعامِهم، على ما ذكَرْتُ لك في تنزيلي عليك: تعالَوْا أَيُّها القومُ أَقْرَأْ عليكم ما حرَّم ربُّكم حقًّا يقينًا، لا الباطلَ تَخَرُّصًا، تَخَرُّصَكم (٢) على اللهِ الكذبَ والفِرْيَةَ ظنًّا، ولكنْ وحيًا مِن اللهِ أوْحاه إليَّ، وتنزيلًا أنزَله عليَّ: ألا تُشْرِكوا باللهِ شيئًا مِن خلقِه، ولا تَعْدِلوا به الأوثانَ والأصنامَ، ولا تَعْبُدوا شيئًا سواه. ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. يقولُ: وأوْصَى بالوالدين إحسانًا. وحذَف "أوْصَى" و"أمرَ"؛ لدلالةِ الكلامِ عليه ومعرفةِ السامعِ بمعناه. وقد بيَّنا ذلك بشَواهدِه فيما مضَى من الكتابِ (٣). وأما "أن" فى قولِه: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾. فرفعٌ؛ لأن معنى الكلامِ: قلْ تعالَوْا أتلُ ما حرَّم ربُّكم عليكم؛ هو (٤) ألا تُشْرِكوا به شيئًا. وإذا كان ذلك معناه، كان فى قولِه: ﴿تُشْرِكُوا﴾. وجهان؛ الجزمُ بالنَّهْي، وتوجيهُ "لا" إلى معنى النهي. والنصبُ على توجيهِ الكلامِ إلى الخبرِ، ونصبِ ﴿تُشْرِكُوا﴾ بـ ﴿أَلَّا﴾، كما يقالُ: أَمَرْتُك ألا تقومَ.

стр. 6690

وإن شئتَ جَعَلْتَ "أن" في موضعِ نصبٍ ردًّا على "ما" وبيانًا عنها، ويكونُ في قولِه: ﴿تُشْرِكُوا﴾. أيضًا مِن وجهَيِ الإعرابِ على (١) نحوِ ما كان فيه منه و "أن" في موضعِ رفعٍ. ويكونُ تأويلُ الكلامِ حينَئذٍ: قلْ تعالوا أتْلُ ما حرَّم ربُّكم عليكم؛ أتلُ (٢) ألا تُشْرِكوا به شيئًا. فإن قال قائلٌ: وكيف يَجوزُ أن يكونَ قولُه: ﴿تُشْرِكُوا﴾. نصبًا بـ ﴿أَلَّا﴾، أم كيف يَجوزُ توجيهُ قولِه: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ﴾. على معنى الخبرِ، وقد عطَف عليه بقولِه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾. وما بعدَ ذلك مِن جزمِ النهي؟ قيل: جاز ذلك كما قال تعالى ذكرُه: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾. فجعَل ﴿أَنْ أَكُونَ﴾ خبرًا، و ﴿أَنْ﴾ اسمًا، ثم عطَف عليه [﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾] (٣). وكما قال الشاعرُ (٤): حَجَّ وأَوْصَى بِسُلَيْمَى الأَعْبُدَا ألا تَرَى ولا تُكَلِّمْ أحَدًا ولا يَزَلْ شَرابُها مُبَرَّدَا (٥) فجعَل قولَه: ألَّا تَرَى. خبرًا، ثم عطَف بالنهي، فقال: ولا تُكَلِّمْ، ولا يَزَلْ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ

стр. 6691

وَإِيَّاهُمْ﴾. يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾: ولا تَئِدوا أولادَكم فتَقْتُلوهم من خَشْيةِ الفقرِ على أنفسِكم بنَفَقاتِهم (١)؛ فإن اللهَ هو رازقُكم وإياهم، ليس عليكم رزقُهم فتَخافُوا بحياتِهم على أنفسِكم العجزَ عن أرزاقِهم وأقْواتِهم. والإمْلاقُ مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: أمْلَقْتُ من الزادِ، فأنا أُمْلِقُ إملاقًا. وذلك إذا فني زادُه، وذهَب مالُه وأفْلَس. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾: الإملاقُ الفقرُ، قتَلوا أولادَهم خشيةَ الفقرِ (٢). حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾. أى: خشيةَ الفاقةِ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾. قال: الإملاقُ الفقرُ (٤).

стр. 6692

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ قولَه: ﴿مِنْ إِمْلَاقٍ﴾. قال: شياطينُهم يَأْمُرُونهم أن يَئِدوا أولادَهم خِيفةَ العَيْلَةِ. حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، عن الضحاكِ فى قولِه: ﴿مِنْ إِمْلَاقٍ﴾. يعنى: من (١) خشيةِ فقرٍ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولا تَقْرَبُوا الظاهرَ مِن الأشياءِ المحرَّمةِ عليكم، التي هي علانيةٌ بينَكم، لا تَناكَرون ركوبَها، والباطنَ منها الذي تَأْتُونه (٣) سرًّا في خَفاءٍ لا تُجاهِرون (٤) به، فإن كلَّ ذلك حرامٌ. وقد قيل: إنما قيل: لا تَقْرَبوا ما ظهَر مِن الفَواحشِ وما بطَن؛ لأنهم كانوا يَسْتَقْبِحون مِن معانى الزنى بَعْضًا. وليس ما قالوا مِن ذلك بمدفوعٍ، غير أن دليلَ الظاهرِ مِن التنزيلِ على النهي عن ظاهرِ كلِّ فاحشةٍ وباطنِها، ولا خبرَ يَقْطَعُ العذرَ بأنه عُنِى به بعضٌ دونَ جميعٍ، وغيرُ جائزٍ إحالةُ ظاهرِ كتابِ اللهِ إلى باطنٍ إلا بحُجَّةٍ يَجِبُ التسليمُ لها. ذكرُ مَن قال ما ذكَرْنا مِن قولِ مَن قال: الآيةُ خاصُّ المعنى حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن

стр. 6693

السديِّ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾: أما ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾: فزَوانى الحَوانيتِ، وأما ﴿مَا بَطَنَ﴾: فما خفِى (١). حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، عن الضحاكِ قولَه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾: كان أهلُ الجاهليةِ يَسْتَسِرُّون بالزنى، ويَرَوْن ذلك حلالًا ما كان سرًّا، فحرَّم اللهُ السرَّ منه والعَلانِيَةَ، ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. يعني: العَلانيةَ، ﴿وَمَا بَطَنَ﴾. يعنى: السرَّ (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾. قال: كانوا فى الجاهليةِ لا يَرَوْن بالزنى بأسًا في السرِّ، ويَسْتَقْبِحونه في العَلانيةِ، فحرَّم اللهُ الزنى فى السرِّ والعلانيةِ (٣). وقال آخَرون في ذلك بمثلِ الذي قلنا فيه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾: سرَّها وعلانِيتَها (٤). حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ

стр. 6694

نحوَه (١). وقال آخَرون: ﴿مَا ظَهَرَ﴾: نكاحُ الأمهاتِ وحَلائلِ الآباءِ، ﴿وَمَا بَطَنَ﴾: الزنى. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾. قال: ﴿مَا ظَهَرَ﴾: جمعٌ بينَ الأُختين، وتزويجُ الرجلِ امرأةَ أبيه مِن بعدِه، ﴿وَمَا بَطَنَ﴾: الزنى (٢). وقال آخَرون في ذلك بما حدَّثني إسحاقُ بنُ زيادٍ العَطَّارُ البَصْريُّ (٣)، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ البَلْخيُّ، قال: ثنا تَميمُ بنُ شاكرٍ الباهليُّ، عن عيسى بن أبى حَفْصةَ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾. قال: ﴿مَا ظَهَرَ﴾: الخمرُ، ﴿وَمَا بَطَنَ﴾: الزنى (٤). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ - ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾. يعنى بالنفسِ

стр. 6695

التي حرَّم اللهُ قتلَها؛ نفسَ مؤمنٍ أو مُعاهَدٍ. وقولُه: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾. يعنى: بما أباح قتلَها به؛ مِن أن تَقْتُلَ نفسًا فتُقْتَلَ قَوَدًا بها، أو تَزْنِيَ وهى مُحْصَنَةٌ فَتُرْجَمَ، أَو تَرْتَدَّ (١) عن دينِها الحقِّ فتُقْتَلَ (٢)، فذلك الحقُّ الذي أباح اللهُ جلَّ ثناؤُه قتلَ النفسِ التي حرَّم على المؤمنين قتلَها به. ﴿ذَلِكُمْ﴾. يعني: هذه الأمورُ التي عهِد إلينا فيها ربُّنا ألَّا نَأْتِيَه، وأَلَّا نَدَعَه، هي الأمورُ التي وَصَّانا والكافرين بها أن نَعْمَلَ جميعًا به. ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. يقولُ: وَصَّاكم بذلك لتَعْقِلوا (٣) ما وصَّاكم به ربُّكم. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾. يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾: ولا تَقْرَبوا مالَه إلا بما فيه صلاحُه وتَثْميرُه (٤). كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. قال: التجارةُ فيه (٥). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾: فَلْيُثَمِّرْ مالَه. حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا فُضَيْلُ بنُ مرزوقٍ العَنَزَيُّ، عن سَلِيطِ بن بلالٍ، عن الضحاكِ بن مُزاحِمٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا

стр. 6696

بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. قال: يَبْتَغِي له فيه، ولا يَأْخُذُ مِن ربحِه شيئًا (١). حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. قال: التي هي أحسنُ أَن يَأْكُلَ بالمعروفِ إن افْتَقَر، وإن اسْتَغْنَى فلا يَأْكُلُ قال اللهُ: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]. قال: وسُئِل عن الكِسْوةِ فقال: لم يَذْكُرِ اللهُ الكِسوةَ، إنما ذكَر الأكلَ (٢). وأما قولُه: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾. فإن (٣) الأَشُدَّ جمعُ شَدٍّ، كما الأَضُرُّ جمعُ ضَرٍّ، وكما الأَشُرُّ جمعُ شَرٍّ. والشَّدُّ (٤) القُوَّةُ، وهو اسْتِحْكامُ قوةِ شبابِه وسنِّه، كما شَدُّ النهارِ ارتفاعُه وامْتِدادُه، يقالُ: أتَيْتُه شَدَّ النهارِ ومَدَّ النهارِ. وذلك حينَ امتدادِه وارتفاعِه. وكان المُفَضَّلُ فيما بلَغَنى يُنْشِدُ بيتَ عَنْتَرةَ (٥): عَهدي به شَدَّ النَّهارِ كأَنَّما … خُضِب اللَّبانُ (٦) ورأسُه بالعِظْلِمِ (٧) ومنه قولُ الآخرِ (٨): تُطِيفُ به شَدَّ النَّهارِ ظَعِينةٌ (٩) … طويلةُ أَنْقاءِ (١٠) اليَدَيْن سَحوقُ (١١)

стр. 6697

وكان بعضُ البصريين يَزْعُمُ أَن الأَشُدَّ اسمٌ مثلُ الآنُكِ (١). فأما أهلُ التأويلِ فإنهم مُخْتلِفون في الحينِ الذي إذا بلَغه الإنسانُ قيل: بلَغ أشُدَّه؛ فقال بعضُهم: يقالُ ذلك له إذا بلغ الحُلُمَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنا عمى، قال: أخْبَرني يحيى بنُ أيوبَ، عن عمرِو بن الحارثِ، عن ربيعةَ في قولِه: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾. قال: الحُلُمَ (٢). حدَّثني أحمدُ بنُ عبد الرحمنِ، قال: ثنا عمى، قال: ثنى عبدُ الرحمنِ بنُ زيدِ بن أَسْلَمَ، عن أبيه مثلَه. قال ابن وهبٍ: وقال لي مالكٌ مثلَه (٣). حُدِّثْتُ عن الحِمَّانيِّ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، [عن مجالدٍ] (٤)، عن عامرٍ: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾. قال: الأَشُدُّ الحُلُمُ، حيث تُكْتَبُ له الحسناتُ، وتُكْتَبُ عليه السيئاتُ (٥). وقال آخرون: إنما يقالُ ذلك له إذا بلَغ ثلاثين سنةً. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن

стр. 6698

السديُّ: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾. قال: أما ﴿أَشُدَّهُ﴾ فثلاثون سنةً، ثم جاء بعدَها: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: ٦] (١). وفي الكلام محذوفٌ تُرِك ذكره اكْتِفاءً بدَلالةِ ما ظهَر عما حُذِف. وذلك أن معنى الكلامِ: ولا تَقْرَبوا مالَ اليتيمِ إلَّا بالتى هي أحسنُ حتى يَبْلُغَ أَشُدَّه، فإذا بلَغ أَشُدَّه فَآنَسْتُم منه رُشْدًا فَادْفَعوا إليه مالَه. لأنه جلَّ ثناؤُه لم يَنْهَ أن يُقْرَبَ مالُ اليتيمِ في حالِ يُتْمِه إلا بالتي هي أحسنُ حتى يَبْلُغَ أَشُدَّه، لِيَحِلَّ (٢) لوليِّه بعدَ بُلوغِه أشُدَّه أن يَقْرَبَه بالتي هي أسْوأُ، ولكنَّه نَهاهم أن يَقْرَبوه (٣) حِياطةً منه له، وحِفظًا عليه، ليُسْلِموه إليه إذا بلَغ أشُدَّه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ - وأن ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ﴾. يقولُ: لا تَبْخَسوا الناسَ الكيلَ إذا كِلْتُموهم، والوزنَ إذا وزَنْتُموهم، ولكنْ أوْفُوهم حقوقَهم. وإيفاؤُهم ذلك إعطاؤُهم حقوقَهم تامَّةً، ﴿بِالْقِسْطِ﴾. يعني: بالعدلِ. كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بِالْقِسْطِ﴾: بالعدلِ (٤). وقد بيَّنا معنى "القسطِ" بشَواهِدِه فيما مضَى، وكَرِهْنا إعادتَه (٥).

стр. 6699

وأما قولُه: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. فإنه يقولُ: لا نُكَلِّفُ نفسًا مِن إيفاءِ الكيلِ والوزنِ إلا ما يَسَعُها فيَحِلُّ لها ولا تُحْرَجُ فيه، وذلك أن الله جلَّ ثناؤُه علِم من عبادِه أن كثيرًا منهم تَضِيقُ نفسُه عن أن تَطِيبَ لغيرِه بما لا يَجِبُ عليها له، فأمَر المُعْطِيَ بإيفاءِ ربِّ الحقِّ حقَّه الذي هو له، ولم يُكَلِّفْه الزيادةَ؛ لما في الزيادةِ عليه مِن ضِيقِ نفسِه بها، وأمَر الذي له الحقُّ بأَخْذِ حقِّه، ولم يُكَلِّفْه الرضا بأقلَّ؛ منه؛ لِمَا في النقصانِ عنه مِن ضيقِ نفسِه، فلم يُكَلِّفْ نفسًا منهما (١) إلا ما لا (٢) حرجَ فيه ولا ضيقَ (٣)، فلذلك قال: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. وقد اسْتَقْصَيْنا بيان ذلك بشَواهدِه في موضعٍ غير هذا الموضعِ، بما أغْنَى عن إعادتِه (٤). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢)﴾. يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾: وإذا حكَمْتُم بينَ الناسِ فتكَلَّمْتُم، فقولوا الحقَّ بينَهم، واعْدِلوا وأنْصِفوا ولا تَجُوروا، ولو كان الذي يَتَوَجَّهُ الحقُّ عليه والحكمُ ذا قَرابةٍ لكم، ولا يَحْمِلَنَّكم قرابةُ قريبٍ، أو صداقةُ صديقٍ، حَكَمْتُم بينَه وبينَ غيرِه، أن تَقولوا غيرَ الحقِّ فيما احْتَكَم إليكم فيه. ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾. يقولُ: وبوصيةِ اللهِ التي أوْصاكم بها فأَوْفُوا. وإيفاءُ ذلك أن يُطِيعوه فيما أمَرَهم به ونهاهم، وأن يَعْمَلوا بكتابِه وسنةِ رسولِه ﷺ ، وذلك هو الوفاءُ بعهدِ اللهِ. وأما قولُه: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ :

стр. 6700

قلْ للعادِلِين باللهِ الأوثانَ والأصنامَ من قومِك: هذه الأمورُ التي ذكَرْتُ لكم في هاتين الآيتين، هي الأشياءُ التي عهِد إلينا ربُّنا، ووصَّاكم بها ربُّكم، وأمرَكم (١) بالعملِ بها، لا بالبَحائرِ (٢) والسَّوائبِ والوَصائلِ والحامِ، وقتل الأولادِ، ووَأْدِ البناتِ، واتِّباعِ خُطُواتِ الشيطانِ. ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. يقولُ: أَمَرَكم بهذه الأمورِ التي أمَرَكم بها في هاتين الآيتين، ووصَّاكم بها، وعهِد إليكم فيها؛ لتَتَذَكَّروا عَواقبَ أمرِكم، وخطأَ ما أنتم عليه مُقِيمون، فتَنْزَجِروا عنها، وتَرْتَدِعوا وتُنِيبوا إلى طاعةِ ربِّكم. وكان ابن عباسٍ يقولُ: هذه الآياتُ من الآياتُ المُحْكَماتُ. [حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن عليّ بن (٣) صالحٍ، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ اللهِ بن قيسٍ عن ابن عباسٍ، قال: من الآياتُ المُحْكَماتُ] (٤)؛ قولُه: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (٥). حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، ومحمدُ بنُ بشارٍ، قالا: ثنا وهبُ بنُ جريرٍ، قال: ثنا أبي، قال: سمِعْتُ يحيى بنَ أيوبَ يُحَدِّثُ عن يزيدَ بن أبي حَبيبٍ، عَن مَرْثَدِ (٦) بن عبدِ اللهِ، عن عُبيدِ اللهِ بن عديِّ بن الخيَارِ، قال: سمِع كعبُ الأحبارِ رجلًا يَقْرَأُ:

стр. 6701

﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾. فقال: والذي نفسُ كعبٍ بيدِه، إن هذا لأوَّلُ شيءٍ في التوراةِ: (بسم الله الرحمن الرحيم: قل تعالوا أتلُ ما حرّم ربكم عليكم) (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن أبيه، عن سعيدِ بن مسروقٍ، عن رجلٍ، عن الرَّبيع بن خُثَيمٍ (٢) أنه قال لرجلٍ: هل لك في صَحيفةٍ عليها خاتمُ محمدٍ؟ ثم قرَأ هؤلاء الآياتِ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (٣). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا إسحاقُ الرازيُّ، عن أبي سنانٍ، عن عمرِو بن مُرَّةَ، قال: قال الربيعُ: ألا أَقْرَأُ عليكم صحيفةً من رسولِ اللهِ ﷺ لم يُفَلَّ (٤) خاتَمُها؟ فقرَأ هذه الآياتِ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾. حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علْقمةَ، قال: جاء إليه نَفَرٌ، فقالوا: قد جالَسْتَ أصحابَ محمدٍ فحدِّثْنا عن الوحيِ. فقرَأ عليهم هذه الآياتِ مِن "الأنعامِ": ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾. قالوا: ليس عن هذا نَسْأَلُك. قال: فما عندَنا وَحْيٌ غيرُه. حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ، قال: هؤلاء الآياتُ التي أَوْصَى بها مِن مُحْكَمِ القرآنِ.

стр. 6702

حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾. قال: قولوا الحقَّ (١). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وهذا الذي وصَّاكم به ربُّكم أيُّها الناسُ في هاتين الآيتين من قولِه: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾. وأمَرَكم بالوَفاءِ به، هو صِراطُه؛ يعنى طريقَه ودينَه الذي ارْتَضاه لعبادِه، ﴿مُسْتَقِيمًا﴾، يعني: قَويمًا لا اعْوجاجَ به عن الحقِّ، ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾. يقولُ: فاعْمَلوا به، واجْعَلوه لأنفسِكم مِنْهاجًا تَسْلُكونه، فاتَّبِعوه (٢) ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾. يقولُ: ولا تَسْلُكوا طريقًا سواه، ولا تَرْكَبوا منهجًا غيرَه، ولا تَبْغُوا دينًا خلافَه (٣) من اليهوديةِ والنصرانيةِ والمجوسيةِ وعبادةِ الأوثانِ، وغيرِ ذلك مِن المِلَلِ؛ فإنها بدعٌ وضَلالاتٌ، ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾. يقولُ: فيَشَّتَّتَ بكم - إن اتَّبَعْتُم السبلَ المُحْدَثةَ التي ليست للهِ بسبلٍ ولا طرقٍ ولا أديانٍ - اتباعُكم إياها، ﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾. يعنى: عن طريقِه ودينِه الذي شرَعه لكم وارْتَضاه، وهو الإسلامُ الذي وصَّى به الأنبياءَ، وأمَر به الأممَ قبلَكم. ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي وصَّاكم به ربُّكم مِن قولِه لكم: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾. وصَّاكم به ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. يقولُ: لِتَتَّقوا الله في أنفسِكم فلا تُهْلِكوها،

стр. 6703

وتَحْذَروا ربَّكم فيها، فلا تُسْخِطوه عليها، فيحِلَّ بكم نقمتُه وعذابُه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾. قال: البِدَعَ والشُّبُهاتِ (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن شبلٍ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾: البدعَ والشبهاتِ. حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾. وقولَه (٣): ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]. ونحوَ هذا في القرآنِ، قال: أمَر اللهُ المؤمنين بالجماعةِ، ونهاهم عن الاختلافِ والفُرْقةِ، وأَخْبَرهم أنه إنما هلَك مَن كان قبلَهم بالمِراءِ والخُصُوماتِ في دينِ اللهِ (٤). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾.

стр. 6704

يقولُ: لا تَتَّبعوا الضَّلالاتِ (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا حمادٌ، عن عاصمٍ، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ اللهِ، قال: خطَّ لنا رسولُ اللهِ ﷺ يومًا خطًّا، فقال: "هذا سبيلُ اللهِ". ثم خطَّ عن يمينِ ذلك الخطِّ وعن شِمالِه خطوطًا، فقال: "هذه سُبُلٌ، على كلِّ سبيلٍ منها شيطانٌ يَدْعُو إليها". ثم قرأ هذه الآيةَ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (٢). حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾. قال: سبيلُه الإسلامُ، وصراطُه الإسلامُ، نهاهم أن يَتَّبِعوا السبلَ سِواه، ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ عن الإسلامِ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن أبانٍ، أن رجلًا قال لابنِ مسعودٍ: ما الصراطُ المستقيمُ؟ قال: ترَكَنا محمدٌ ﷺ في أدْناه، وطَرَفُه في الجنةِ، وعن يمينه جَوَادُّ (٤)، وعن يسارِه جَوَادُّ، وثَمَّ رِجالٌ يَدْعُون مَن مرَّ بهم، فمَن أخذ في تلك الجَوَادِّ انْتَهَتْ به إلى النارِ، ومَن أخَذ على الصراطِ انْتَهَى به إلى الجنةِ. ثم قرَأ ابن مسعودٍ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ الآية (٥).

стр. 6705

واخْتَلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ الكوفيين: ﴿وَأَنَّ﴾ يفتحِ الألفِ مِن ﴿أَنَّ﴾ وتشديدِ النونِ (١)، ردًّا على قولِه: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾. بمعنى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ - ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيين: (وإنَّ). بكسرِ الألفِ مِن "إِنَّ" وتشديدِ النونِ منها (٢)، على الابتداءِ، وانْقِطاعِها عن الأولِ، إذ كان الكلامُ قد انْتَهَى بالخبرِ عن الوصيةِ التي أوْصَى اللهُ بها عبادَه دونَه، عندَهم (٣). والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أنهما قراءتان مُسْتَفِيضتان في قرأةِ الأمصارِ وعوامِّ المسلمين، صحيحٌ معنياهما، فبأيِّ القراءتين قرَأ القارئٌ فهو مصيبٌ الحقَّ في قراءتِه. وذلك أن الله تعالى ذكرُه قد أمَر (٤) باتِّباعِ سبيلِه، كما أمَر عبادَه الأشْياءَ (٥)؛ وإن أدْخَل ذلك مُدْخِلٌ فيما أمَر اللهُ نبيِّه ﷺ أن يقولَ للمشركين: تعالَوْا أتْلُ ما حرَّم ربُّكم عليكم وما أمَرَكم به. ففتَح على ذلك ﴿أَنَّ﴾ فمصيبٌ. وإن كسَرها، إذ كانت التلاوةُ قولًا، وإن كان بغيرِ لفظِ القولِ؛ لبعدِها مِن قوِله: ﴿أَتْلُ﴾. وهو يُرِيدُ إعمالَ ذلك فيه، فمصيبٌ. وإن كسَرها بمعنى ابتداءٍ وانقطاعٍ عن الأولِ والتلاوةِ، وأن ما أُمِر النبيُّ ﷺ بتلاوتِه على من أُمِر بتلاوةِ ذلك عليهم قد

стр. 6706

انْتَهَى دون ذلك، فمصيبٌ. وقد قرَأ ذلك عبدُ اللهِ بنُ أبي إسحاقَ البصريُّ: (وأَنْ). بفتحِ الألفِ مِن "أن" وتخفيفِ النونِ منها (١)، بمعنى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ - (وأنْ هذا صراطى). فخَفَّفَها، إذ كانت "أن" في قولِه: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ مخففةً، وكانت "أن" مِن قولِه: (وأنْ هذا صِراطى). معطوفةً عليها، فجعَلها نظيرةَ ما عُطِفَتْ عليه. وذلك وإن كان مذهبًا، فلا أُحِبُّ القراءةَ به؛ لشُذوذِها عن قراءةِ (٢) قَرَأَةِ الأمصارِ، وخلافِ ما هم عليه في أمصارِهم (٣). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾. يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾: ثم قلْ بعدَ ذلك يا محمدُ: آتى ربُّك موسى الكتابَ. فترَك ذِكْرَ "قل" إذ كان قد تقَدَّم في أولِ القصةِ ما يَدُلُّ على أنه مرادٌ فيها، ذلك قولُه: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾. فقص ما حرَّم عليهم وأحَلَّ، ثم قال: ثم قل: ﴿آتَيْنَا مُوسَى﴾. فحذَف "قل" لدَلالةِ قولِه: ﴿قُلْ﴾. عليه، وأنه مرادٌ في الكلامِ. وإنما قلنا: ذلك مرادٌ في الكلامِ؛ لأن محمدًا ﷺ لا شكَّ أنه بُعِث بعدَ موسى بدهرٍ طويلٍ، وأنه إنما أُمِر بتِلاوةِ هذه الآياتِ على مَن أُمِر بتلاوتِها عليه بعدَ مَبْعَثِه، ومعلومٌ أن موسى أُوتى الكتابَ مِن قبلِ أمْرِ اللهِ محمدًا بتلاوةِ هذه الآياتِ على مَن أُمِر بتلاوتِها عليه، و "ثُمَّ" في كلامِ العربِ حرفٌ يَدُلُّ على أن ما بعدَه مِن الكلامِ

стр. 6707

والخبرِ بعدَ الذي قبلَها. ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾. فقال بعضُهم: معناه: تمامًا على المُحْسِنين. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾. قال: على المؤمنين (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾: المؤمنين والمحسنين (٢). وكأن مجاهدًا وجَّه تأويلَ الكلامِ ومعناه إلى أن الله جلَّ ثناؤُه أَخْبَر عن موسى أنه آتاه الكتابَ فضيلةً على ما آتَى المحسِنين مِن عبادِه. فإن قال قائلٌ: فكيف جاز أن يقالَ: ﴿عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾. فَيُوَحِّدُ ﴿الَّذِي﴾، والتأويلُ: على الذين أحسَنوا؟ قيل: إن العربَ تَفْعَلُ ذلك خاصةً في "الذي" وفي الألفِ واللامِ، إذا أرادت به الكلَّ والجميع، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ١، ٢]. وكما قالوا: أَكْثَرَ [الدِّرْهَمُ في] (٣) أيدى الناسِ. وقد ذُكِر عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ أنه كان يَقْرَأُ ذلك: (تَمَامًا على الَّذِينَ أَحْسَنُوا) (٤). وذلك مِن قراءتِه كذلك يُؤَيِّدُ قولَ مجاهدٍ.

стр. 6708

وإذا كان المعنى كذلك، كان قولُه: ﴿أَحْسَنَ﴾. فعلًا ماضيًا، فيَكونُ نصبُه لذلك. وقد يجوزُ أن يكونَ ﴿أَحْسَنَ﴾ في موضعِ خفضٍ، غيرَ أنه نُصِب، إذ كان أفعلَ، وأفعلُ لا يُجْرَى (١) في كلامِها. فإن قيل: فبأيِّ شيءٍ خُفِض؟ قيل: ردًّا على ﴿الَّذِي﴾؛ إذ لم يَظْهَرْ له ما يَرْفَعُه. فيكونُ تأويلُ الكلامِ حينَئذٍ: ثم آتَيْنا موسى الكتابَ تمامًا على الذي هو أحسنُ. ثم حُذِف "هو"، وجاوَر "أحسن" "الذي"، [فعُرِّب بتَغْرِيبِه] (٢)، إذ كان كالمعرفةِ؛ مِن أجلِ أن الألفَ واللامَ لا يَدْخُلانِه، و "الذي" مثلُه، كما تقولُ العربُ: مرَرْتُ بالذي خيرٍ منك وشرٍّ منك. وكما قال الراجزُ (٣): إن الزُّبَيرى الذي مِثْلَ الحَلَمْ (٤) مَشَّى (٥) بأَسْلابِكُم أهلَ العَلَمُ (٦) فأتْبَع "مِثْلَ" "الذي" في الإعرابِ، ومَن قال ذلك لم يقُل: مرَرْتُ بالذي عالمٍ. لأن "عالمًا" نكرةٌ، و "الذي" معرفةٌ، ولا تَتْبَعُ نكرةٌ معرفةً. وقال آخرون: معنى ذلك: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾: موسى: فيما امْتَحَنه اللهُ به في الدنيا مِن أمرِه ونهيِه.

стр. 6709

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾: فيما أعْطاه اللهُ (١). حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾. قال: مَن أَحْسَنَ في الدنيا تمَّم اللهُ له ذلك في الآخرةِ (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾. يقولُ: مَن أَحْسَن في الدنيا تمَّت عليه كرامةُ اللهِ في الآخرةِ. وعلى هذا التأويلِ الذي تأوَّله الربيعُ يكونُ ﴿أَحْسَنَ﴾ نصبًا؛ لأنه فعلٌ ماضٍ. ﴿الَّذِي﴾ بَمَعْنَى "ما". وكان الكلامُ حينَئذٍ: ثم آتَيْنا موسى الكتابَ تمامًا على ما أحْسَن موسى. أي: آتَيْناه الكتابَ لأُتَمِّمَ له كرامتي في الآخرةِ، تمامًا على إحسانِه في الدنيا في (٣) عبادِة اللهِ والقيامِ بما [كلَّفه به] (٤) مِن طاعتِه. وقال آخرون في ذلك: معناه: ثم آتَيْنا موسى الكتابَ تمامًا على إحسانِ اللهِ إلى أنبيائِه وأياديهِ عندَهم.

стр. 6710

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾. قال: تمامًا مِن اللهِ وإحسانِه الذي أحْسَن إليهم وهدَاهم للإسلامِ، آتاهم (١) ذلك الكتابَ تمامًا لنعمتِه عليهم وإحْسانِه (٢). و ﴿أَحْسَنَ﴾ على هذا التأويلِ أيضًا في موضعِ نصبٍ على أنه فعلٌ ماضٍ، و ﴿الَّذِي﴾ على هذا القول والقولِ الذي قاله الربيعُ بمَعْنَى "ما". وذُكِر عن يحيى بن يَعْمَرَ أَنه كان يَقْرَأُ ذلك: (تمامًا على الذي أَحْسَنُ) (٣). رفعًا، بتأويلِ: على الذي هو أحسنُ. حدَّثني بذلك أحمدُ بنُ يوسُفَ، قال: ثنا القاسمُ بنُ سلَّامٍ، قال: ثنا حجّاجٌ، عن هارونَ، عن أبي عمرِو بن العَلاءِ، عن يحيى بن يَعْمَرَ (٤). قال أبو جعفرٍ: وهذه قراءةٌ لا أَسْتَجِيزُ القراءةَ بها وإن كان لها في العربيةِ وجهٌ صحيحٌ؛ لخلافِها ما عليه الحُجَّةُ مُجْمِعَةٌ مِن قرأَةِ الأَمْصارِ. وأولى هذه الأقوالِ عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: ثم آتَيْنا موسى الكتابَ تمامًا لنِعَمِنا عندَه، على الذي أحسَنَ موسى في قيامِه بأمرِنا ونهْيِنا؛ لأن ذلك أظهرُ معانيه (٥) في الكلامِ، وأن إيتاءَ موسى كتابَه نعمةٌ مِن اللهِ عليه، ومنةٌ عظيمةٌ، فأَخْبَر جلَّ ثناؤُه أنه أنْعَم بذلك عليه لِما سلَف له مِن صالحِ عملٍ، وحُسنِ طاعةٍ، ولو

стр. 6711

كان التأويلُ على ما قاله ابن زيدٍ، كان الكلامُ: ثم آتَيْنا موسى الكتابَ تمامًا على الذي أَحْسَنَّا. أو: ثم آتَى اللهُ موسى الكتابَ تمامًا على الذي أَحْسَنَ. وفى وصفِه جلَّ ثناؤُه نفسَه بإيتائِه الكتابَ، ثم صَرْفِه الخبرَ بقولِه: ﴿أَحْسَنَ﴾. إلى غيرِ المُخْبِرِ عن نفسِه؛ بقُرْبِ ما بينَ الخبرين - الدليلُ الواضحُ على أن القولَ غيرُ (١) الذي قاله ابن زيدٍ. وأما ما ذُكِر عن مجاهدٍ من توجيهِه ﴿الَّذِي﴾ إلى معنى الجميعِ، فلا دليلَ في الكلامِ يَدلُّ على صحةِ ما قال من ذلك، بل ظاهرُ الكلام بالذي اخْتَرْنا مِن القولِ أشْبَهُ، وإذا تُنُوزِع في تأويلِ الكلامِ، كان أوْلَى مَعانِيهِ به أغْلَبَه على الظاهرِ، إلا أن يكونَ مِن العقلِ أو الخبرِ دليل واضحٌ على أنه مَعْنيٌّ به غيرُ ذلك. وأما قولُه: ﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾. فإنه يَعْنى: وتَبْيِينًا لكلِّ شيءٍ مِن أَمرِ الدينِ الذي أُمِروا به. فتأويلُ الكلامِ إذن: ثم آتَيْنا موسى التوراةَ تمامًا لنِعَمِنا عندَه، وأَيادِينا قِبَلَه، تَتِمُّ به كرامتُنا عليه، على إحسانِه وطاعتِه ربَّه، وقيامِه بما كلَّفه مِن شرائعِ دينِه، وتَبْيِينًا لكلِّ ما بقومِه (٢) وأتباعِه إليه الحاجةُ مِن أمرِ دينِهم. كما حدَّثني بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾: فيه حلالُه وحرامُه (٣). القولُ في تأويل قولِه: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: آتَيْنا موسى الكتاب تمامًا وتفصيلًا لكلِّ شيءٍ،

стр. 6712

﴿وَهُدًى﴾. يعنى بقولِه ﴿وَهُدًى﴾: تقويمًا لهم على الطريقِ المستقيمِ، وبيانًا لهم سُبُلَ الرشادِ؛ لئلا يَضِلُّوا. ﴿وَرَحْمَةً﴾. يقولُ: ورحمةً منا بهم، ورَأْفَةً؛ لتُنْجِيَهم من الضلالةِ وعَمَى الحيرَةِ. وأما قولُه: ﴿لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾. فإنه يعنى: إيتائي موسى الكتابَ تمامًا لكرامةِ اللهِ موسى على إحسانِ موسى، وتفصيلًا لشرائعِ دينِه، وهدًى لمَن اتَّبَعه، ورحمةً لمن كان منهم ضالًّا؛ ليُنْجِيَه اللهُ به مِن الضَّلالةِ، وليُؤْمِنَ بلقاءِ ربِّه إذا سمِع مواعظَ اللهِ التي وعَظ بها خَلْقَه فيه، فيَرْتَدِعَ عما هو عليه مقيمٌ مِن الكفرِ به، وبلقائِه بعدَ مَماتِه، فيُطِيعَ ربَّه، ويُصَدَّقَ بما جاءه به نبيُّه موسى ﵇.

стр. 6713

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)﴾. يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾: وهذا القرآنُ الذي أنْزَلْناه إلى نبيِّنا محمدٍ ﷺ كتابٌ أنْزَلْناه مباركٌ، ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾. يقولُ: فَاجْعَلوه إمامًا تَتَّبِعونه، وتَعْمَلون بما فيه أيُّها الناسُ، ﴿وَاتَّقُوا﴾. يقولُ: واحْذَرُوا الله في أنفسِكم أن تُضَيِّعوا العملَ بما فيه، وتَتَعَدَّوْا حدودَه، وتَسْتَحِلُّوا. محارمَه. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾: وهو القرآنُ الذي أنْزَله اللهُ على محمدٍ ﷺ ، ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾. يقولُ: فاتَّبِعوا حلالَه، وحرِّموا (١) حرامَه (٢). وقولُه: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. يقولُ: لتُرْحَموا، فتَنْجُوا مِن عذابِ اللهِ وأليمِ عقابِه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦)﴾. اخْتَلَف أهلُ العربيةِ في العاملِ في ﴿أَنْ﴾ التي في قولِه: ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾.

стр. 6714

هذا وفي معنى الكلامِ؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: معنى ذلك: ثم آتَيْنا موسى الكتابَ [تمامًا على الذي أحسنَ] (١)، كراهيةَ أن تقولوا: إنما أُنزِل الكتابُ على طائفتين من قبلِنا (٢). وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: بل ذلك في موضعِ نصبٍ بفعلٍ مُضْمَرٍ. قال: ومعنى الكلامِ: فاتَّبِعوه واتَّقُوا لعلكم تُرْحَمون؛ اتَّقُوا أن تَقُولوا. قال: ومِثْلُه يقولُ (٣) اللهُ: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢]. وقال آخرُ (٤) منهم: هو في موضعِ نصبٍ. قال: ونصبُه مِن مكانَيْن؛ أحدُهما: أَنْزَلْناه لئلا تقُولوا: إِنما أُنزِل الكتابُ على (٥). والآخرُ: مِن قولِه: ﴿وَاتَّقُوا﴾. قال: و "لا" يَصْلُحُ في موضعِ "أن" كقولِه: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]. وأولى هذه الأقوالِ عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: نَصْبُ "أن" لتعلُّقها بالإنزال؛ لأن معنى الكلامِ: وهذا كتابٌ أَنْزَلْناه مباركٌ لئلا تقولوا: إنما أُنزل الكتابُ على طائفتين من قبلِنا. فأما الطائفتان اللتان ذكَرَهما الله، وأَخْبَر أنه إنما أَنْزَل كتابَه على نبيِّه محمدٍ ﷺ لئلا يقولَ المشركون: لم يَنْزِلْ علينا كتاب فنَتَّبِعَه، ولم نُؤْمَرُ، ولم نُنْهَ، فليس علينا حُجَّةٌ فيما نَأْتى ونَذَرُ، إذ لم يَأْتِ مِن اللهِ كتابٌ ولا رسولٌ، وإنما الحجةُ على

стр. 6715

الطائفَتيْن اللتين أُنْزِل عليهما الكتابُ مِن قبلنا، فإنهما اليهودُ والنصارى. وكذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾: وهم اليهودُ والنصارَى (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾: اليهودُ والنصارى، يخافُ (٢) أن تقولَه قريشٌ (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾. قال: اليهودُ والنصارى. قال: أن تقولَ قريشٌ. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾: وهم اليهودُ والنصارى. حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾: أما الطائفتان فاليهودُ

стр. 6716

والنصارى (١). وأما: ﴿وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾. فإنه يعنى: أن تقولوا: وقد كنا عن تِلاوةِ الطائفتين الكتابَ الذي أنْزَلْتَ عليهم غافلين لا نَدْرِى ما هي (٢)، ولا نَعْلَمُ ما يَقْرءُون وما يقولون، وما أُنْزِل إليهم في كتابهم؛ لأنهم كانوا أهلَه دونَنا، ولم نُعْنَ به، ولم نُؤْمَرْ بما فيه، ولا هو بلساننا. فيَتَّخِذوا ذلك حجةً، فقَطَع اللَّهُ بإنزاله القرآن على نبيِّه محمدٍ ﷺ حجتَهم تلك. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾. يقولُ: إن كنّا عن تلاوتِهم لَغافلين (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾. أي: عن قراءتهم. حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾. قال: الدِّراسةُ القراءةُ والعلمُ. وقرأَ: ﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾ [الأعراف: ١٦٩]. قال: علموا ما فيه، لم يَأْتوه بجهالةٍ (٤). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن

стр. 6717

السديِّ: ﴿وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾. يقولُ: وإن كنا عن قراءتِهم لَغافلين، لا نَعْلَمُ ما ما هي (١). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وهذا كتابٌ أَنزَلْناه مُبارَكٌ؛ لِئَلَّا يقولَ المشركون مِن عَبَدة الأوثان مِن قريشٍ: إنما أُنْزِل [الكتابُ على طائفتَيْن مِن قَبْلِنَا. أو لِئَلَّا يقولوا: لو (٢) أَنَّا أُنزِل] (٣) علينا الكتابُ كما أُنْزِل على هاتين الطائفتين مِن قبلِنا، فأُمِرْنا فيه ونُهِينا، وبُيِّن لنا فيه خطأُ ما نحن فيه مِن صوابِه، ﴿لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ﴾. أَي: لَكُنا أَشدَّ اسْتِقامةً على طريقِ الحقِّ، واتباعًا للكتاب، وأحْسَنَ عملًا بما فيه مِن الطائفتين اللتين أُنْزِل عليهما الكتابُ مِن قبلِنا. يقولُ اللَّهُ: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. يقولُ: فقد جاءكم كتابٌ بلسانِكم عربيٌّ مبينٌ، حجةٌ عليكم واضحةٌ بيِّنةٌ مِن ربِّكم، ﴿وَهُدًى﴾. يقولُ: وبيانٌ للحقِّ، وفُرْقانٌ بينَ الصوابِ والخطأ، ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ لمن عمِل به واتَّبعه. كما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. يقولُ: قد جاءكم بينةٌ، لسانٌ عربيٌّ مبينٌ، حينَ لم تَعْرِفوا دراسةَ الطائفتَيْن، وحينَ قُلْتم: لو جاءَنا كتابٌ لكُنا أهْدَى منهم (٤). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا

стр. 6718

أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ﴾: فهذا قولُ كفارِ العربِ، ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ (١). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ (١٥٧)﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فمَن أخطأُ فِعلًا وأشدُّ عُدوانًا منكم أيُّها المشركون المكذِّبون بحُججِ اللهِ وأدلتِه، وهى آياتُه، ﴿وَصَدَفَ عَنْهَا﴾. يقولُ: وأَعْرَض عنها بعدَ ما أتَتْه، فلم يُؤْمِنْ بها، ولم يُصَدِّقْ بحقيقتِها. وأَخْرَج جلَّ ثناؤُه الخبر بقوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾. مُخْرَجَ الخبر عن الغائبِ، والمعنيُّ به المخاطَبون به مِن مشركي قريشٍ. وبنحوِ الذي قلْنا في تأويلِ قولِه: ﴿وَصَدَفَ عَنْهَا﴾. قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباس قوله: ﴿وَصَدَفَ عَنْهَا﴾. يقولُ: أَعْرَضَ عنها (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا﴾: يُعْرِضون عنها، والصَّدْفُ الإعْراضُ (٣).

стр. 6719

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَصَدَفَ عَنْهَا﴾: أعْرَض عنها، ﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾. أي: يُعْرِضون (١). حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَصَدَفَ عَنْهَا﴾: فصدَّ عنها (٢). وقولُه: ﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ﴾. يقولُ: سيُثيبُ اللَّهُ الذين يُعْرِضون عن الذين يُعْرِضون عن آياته وحججه ولا يَتَدَبَّرونها، ولا يَتَعَرَّفون حقيقتَها فيُؤْمِنوا بما دلَّتْهم عليه مِن توحيدِ اللهِ، وحقيقةِ (٣) نبوةِ نبيِّه، وصدقِ ما جاءهم به مِن عندِ ربِّهم - ﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾. يقولُ: شديدَ العذابِ (٤)، وذلك عذابُ النارِ التي أعَدَّها اللهُ لكفَرةِ خلقِه به، ﴿بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾. يقولُ: يَفْعَلُ اللهُ ذلك بهم جَزاءً بما كانوا يُعْرِضون عن آياتِه في الدنيا، فلا يَقْبَلون ما جاءهم به نبيِّهم محمدٍ ﷺ . القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: هل يَنْتَظِرُ هؤلاء العادِلون باللهِ (٥) الأوثانَ والأصنامَ إلا أن

стр. 6720

تأْتيَهم الملائكةُ بالموتِ، فتَقْبِضَ (١) أرواحَهم، أو يَأْتِيَهم ربُّك يا محمدُ بينَ خلقِه في موقفِ القيامةِ، ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾. يقولُ: أو أن يَأْتِيَهم بعضُ آياتِ ربِّك، وذلك فيما قال أهلُ التأويلِ طلوعُ الشمسِ مِن مغربِها. ذكرُ مَن قال مِن أهلِ التأويلِ ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾. يقولُ: عند الموتِ حينَ توَفَّاهم، ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾: ذلك يومَ القيامةِ، ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾: طلوعُ الشمسِ مِن مغربِها (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾: بالموتِ، ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾: يومَ القيامةِ، ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾. قال: آيةٌ مُوجِبةٌ؛ طلوعُ الشمسِ مِن مغربِها، أو ما شاء اللهُ (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾. يقولُ: بالموتِ، ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾: وذلك يومَ القيامةِ، ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾. حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾: عندَ الموتِ، ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ

стр. 6721

آيَاتِ رَبِّكَ﴾. يقولُ: طلوعُ الشمسِ من مغربِها (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ وابنُ حُميدٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن أبي الضُّحَى، عن مسروقٍ، قال: قال عبدُ اللهِ في قولِه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾. قال: يُصبْحون والشمسُ والقمرُ مِن ههنا مِن قِبَلِ المغربِ كالبعيرَيْن القَرِينَيْن (٢). زاد ابن حُميدٍ في حديثِه: فذلك حينَ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ وقال: كالعَيْرَيْن (٣) المقترنَيْن (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ قولَه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾: بقَبْضِ (٥) الأنفُسِ بالموتِ ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾: يومَ القيامةِ، ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يومَ يأتى بعضُ آياتِ رَبِّك لا يَنْفَعُ مَن كان قبلَ ذلك مشركًا باللَّهِ أَن يُؤْمِنَ بعد مجيءِ تلك الآيةِ. وقيل: إن تلك الآيةَ التي أخْبَر اللهُ جلَّ ثناؤه أن الكافرَ لا يَنْفَعُه إيمانُه عندَ مجيئها، طلوعُ الشمسِ مِن مغربِها.

стр. 6722

ذكرُ مَن قال ذلك، وما ذُكِر فيه عن رسولِ اللهِ ﷺ حدَّثني عيسى بنُ عثمانَ الرَّمْليُّ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى، عن ابن أبي ليلى، عن عطيةَ، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾. قال: "طلوعُ الشمسِ مِن مغربِها". حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن ابن أبي ليلى، عن عطيةَ، عن أبي سعيدٍ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه (١). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضَيلٍ وجريرٌ، عن (٢) عُمارةً، عن أبي زُرْعةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "لا تَقومُ الساعةُ حتى تَطْلُعَ الشمسُ مِن مَغْرِبها". قال: "فإذا رآها الناسُ آمَن مَن عليها، فتلك حينَ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ " (٣). حدَّثنا عبد الحميد بنُ بَيانِ السُّكَّريُّ (٤) وإسحاقُ بنُ شاهينٍ.، قالا أخبَرنا خالدُ بنُ عبدِ اللَّهِ الطَّحَّانُ، عن يونُسَ، عن إبراهيمَ التَّيْميِّ، عن أبيه، عن أبي ذرٍّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "أَتَدْرُون أين تَذْهَبُ هذه الشمسُ؟ ". قالوا:

стр. 6723

اللهُ ورسولُه أعلمُ. قال: "إنها تَذْهَبُ إلى مُسْتَقَرِّها تحتَ العرشِ فتَخِرُّ ساجدةً، فلا تَزالُ كذلك حتى يقالَ لها: ارْتَفِعى مِن حيثُ شئتِ. فتُصْبِحُ طالعةً مِن مَطْلِعِها (١)، ثم تَجْرِى إلى أن تَنْتَهِيَ إلى مُسْتَقَرٍّ لها تحت العرشِ، فتَخِرَّ ساجدةً، فلا تَزالُ كذلك حتى يقالَ لها: ارتَفِعى مِن حيث شئتِ. فتُصْبِحُ طالعةً مِن مَطْلِعِها ثم تَجْرِى لا يُنْكِرُ الناسُ منها شيئًا، حتى تَنْتَهِي فتَخِرَّ ساجدةً في مستَقرٍّ لها تحتَ العرش، فيُصبحُ الناسُ لا يُنكرون منها شيئًا، فيُقالُ لها: اطْلَعى مِن مغربِك. فتُصْبحُ طالعةً مِن مغربِها". قال رسولُ اللهِ ﷺ : "أَتَدْرُونَ أَيَّ يوم ذلك؟ " قالوا: اللَّهِ الله ورسولُه أعلمُ. قال: "ذاك يومُ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ (٢). حدَّثنا مُؤَمَّلُ بنُ هشامٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا ابن عُلَيةَ، عن يونُسَ، عن إبراهيمَ بن يزيدَ التَّيْميِّ، عن أبيه، عن أبي ذرٍّ، عن النبيِّ ﷺ نحوَه (٣). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، عن إسرائيلَ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ، عن صفوانَ بن عَسَّالِ، قال: ثنا رسولُ اللهِ ﷺ : "إن مِن قبَلِ مغربِ الشمسِ بابًا مفتوحًا للتوبةِ، حتى تَطْلُعَ الشمسُ مِنْ نَحْوِه (٤)، فإذا طلَعَت الشمسُ مِن نحوِه لم يَنْفَعْ نفسًا إيمانُها لم تَكُنْ آمَنَت مِن قبلُ أو كسَبَت في إيمانها خيرًا" (٥) حدَّثنا المفضلُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أشعتُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن زُبَيْدٍ

стр. 6724

الإيَاميُّ (١)، عن أبيه، عن زُبَيْدٍ، عن زِرِّ بن حُبَيْشٍ، عن صَفْوَانَ بن عَسَّالٍ المُراديِّ، قال: ذُكِرَت التوبةُ، فقال النبيُّ ﷺ : "للتوبةِ بابٌ بالمغربِ مَسيرةُ سبعين عامًا، أو أربعين عامًا، فلا يَزالُ كذلك حتى يَأْتى بعضُ آياتِ رَبِّك" (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا سهلُ بنُ عامرٍ، قال: ثنا مالكٌ، عن عاصمٍ بن أبي النَّجودِ، عن زِرّ بن حُبَيشٍ، عن صَفْوانَ بن عَسَّالٍ أنه قال: إن بالمغربِ (٣) بابًا مفتوحًا للتوبةِ مسيرةَ سبعين عامًا، فإذا طلعت الشمسُ مِن مغربِها، لم يَنْفَعْ نفسًا إيمانُها لم تَكُنْ آمَنَت مِن قبلُ أو كسَبَت في إيمانِها خيرًا (٤). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن فُضَيْلٍ، عن عُمارَةَ بن القَعْقاعِ، عن أبي زُرْعَةَ، عن أبي هريرةَ، قال: سمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "لا تَقومُ الساعةُ حتى تَطْلُعَ الشمسُ مِن مغربِها، فإذا طلَعَت ورآها الناسُ آمَن مَنْ عليها، فذلك حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ ". حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ مَخْلَدٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن العَلاءَ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "لا تَقومُ الساعةُ حت تَطْلُعَ الشمسُ مِن مغربِها، فيومَئذٍ يُؤْمِنُ الناسُ كلُّهم أَجْمَعون، وذلك حينَ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ " (٥).

стр. 6725

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن ابن (١) عَوْنٍ، عن ابن سيرينَ، عن أبي هريرةَ، قال: "التوبةُ مقبولةٌ ما لم تَطْلُعِ الشمسُ مِن مغربِها". حدَّثنا أحمدُ بنُ الحسنِ الترمذيُّ، قال: ثنا سليمانُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنا ابن عيَّاش (٢)، قال: ثنا ضَمْضَمُ بنُ زُرْعَةَ، عن شُرَيْحٍ بن عُبيد، عن مالكِ بن يَخَامِرٍ، عن معاويةَ بن أبي سفيانَ وعبدِ الرحمنِ بن عوفٍ وعبدُ اللهِ بن عمرِو بن العاصِ، عن رسولِ اللهِ ﷺ ، قال: "لا تَزالُ التوبةُ مَقبولةً حتى تَطْلُعَ الشمسُ مِن مغربِها، فإذا طلَعَت طُبِع على كلِّ قلبٍ بما فيه، و (٣) كُفى الناسُ العملَ" (٤). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ وجعفرُ بنُ عونٍ بنحوِه. حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن أبي حَيَّانَ التَّيْمِيُّ، عن أبي زُرْعَةَ، قال: جلس ثلاثةٌ مِن المسلمين إلى مَرْوانَ بن الحكمِ بالمدينةِ، فسمِعوه وهو يُحَدِّثُ عن الآياتِ أن أولَها خروجًا الدجالُ، فانْصَرَف القومُ إلى عبدِ اللهِ بن عمرٍو، فحدَّثوه بذلك، فقال: لم يَقُلْ مَرْوانُ شيئًا، قد حفِظْتُ مِن رسولِ اللهِ ﷺ في ذلك شيئًا لم أَنْسَه، لقد سمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: "إن أولَ الآياتِ خروجًا طُلوعُ الشمسِ مِن مغربِها، أو خروجُ الدَّابَّةِ على الناسِ ضُحًى، أَيَّتُهما ما (٥) كانت قبلَ صاحِبَتِها، فالأُخرى على أثَرِها قريبًا. ثم قال عبدِ اللهِ بن عمرٍو، وكان يَقْرَأُ الكتبَ:
следующие страницы →